← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٦٢]. ١٢٦٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي أَيَّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٤٢٢، ن: ١٧١٢، جه: ١١٩٠]. ١٢٦٦ - [١٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، ــ حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا. ولو كان ﷺ يفصل في الوتر بين الثلاثة بسلام لقالت: ثم يصلي بثنتين وواحدة، كذا قال الشُّمُنِّي، وقد سبق تحقيق كون الوتر ثلاث ركعات بما لا مزيد عليه. وقوله: (لم يكن يوتر بأنقص من سبع) المراد بالوتر ههنا صلاة الليل كله، وقد يطلق على ذلك، كما سبق. ١٢٦٥ - [١٢] (أبو أيوب) قوله: (الوتر حق) أي: واجب وثابت. وقوله: (فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل) وقد ذهب إلى الخمس سفيان وغيره، كما ذكرنا. ١٢٦٦ - [١٣] (علي) قوله: (إن للَّه وتر يحب الوتر) بكسر الواو وفتحها: الفرد من العدد، ويطلق على اللَّه تعالى بمعنى الواحد الفرد في حد ذاته لا يقبل الانقسام، وفي صفاته بمعنى لا شبه له ولا مثل، وفي أفعاله بمعنى لا شريك له ولا معين، ففيه تعالى معنى الوترية بمعنى الفردانية، وبهذه المناسبة يحب الوتر، أي: يقبله، ويثبِّت عليه

стр. 1612

فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٤٥٣، د: ١٤١٦، ن: ١٦٧٥]. ١٢٦٧ - [١٤] وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: الْوِتْرُ جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٤٥٢، د: ١٤١٨]. ــ إن كان من قبيل الأفعال، وله أمثلة كثيرة في الشرع؛ كالإيتار في الاستجمار، وكأكله ﷺ التمرات يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلَّى ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا ونحو ذلك. والفاء في (فأوتروا) للسببية، أي: إذا علمتم أن اللَّه يحب الوتر فأوتروا، أي: صلوا الوتر واجعلوا صلاتكم بالليل وترًا بضم ركعة أو ثلاث ركعات إليها. وقوله: (يا أهل القرآن) أي: المؤمنون المصدقون به، أو المتولون لحفظه وتلاوته، تنبيه على ملازمتهم قيام الليل وتلاوة القرآن في صلواتهم، كما أمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. ١٢٦٧ - [١٤] (خارجة بن حذافة) قوله: (إن اللَّه أمدّكم) أي: زاد على صلاتكم، وقد روي: (إن اللَّه زاد لكم)، ويروى: (إن اللَّه أمركم بصلاة)، وقد مر تقرير الاستدلال به على وجوب الوتر. وقوله: (من حمر النعم) الحمر بضم الحاء وسكون الميم: جمع أحمر، والمراد بالنعم الإبل، وهي أعز الأموال عند العرب، أي: خير مما تحبون من عرض الدنيا وزينتها، و (الوتر) مجرور بدل من (صلاة)، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، وبجوز أن يكون منصوبًا على تقدير أعني.

стр. 1613

١٢٦٨ - [١٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا. [ت: ٤٦٥]. ١٢٦٩ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقْرأُ فِي الأُولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَيْن. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٤٦٣، د: ١٤٢٤]. ١٢٧٠ - [١٧] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى. [ن: ١٦٩٩]. ١٢٧١ - [١٨] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. [حم: ٥/ ١٢٣]. ــ ١٢٦٨ - [١٥] (زيد بن أسلم) قوله: (فليصل إذا أصبح (١)) قد عرفت معناه في حديث ابن عمر: بادروا الصبح بالوتر. ١٢٦٩، ١٢٧٠، ١٢٧١، ١٢٧٢ - [١٦، ١٧، ١٨، ١٩] (عبد العزيز بن جريج، وعبد الرحمن بن أبزى، وأبي بن كعب، وابن عباس) قوله: (عبد العزيز بن جريج) بالجيمين على صيغة التصغير، وليس في رواية أحد بالجيم والحاء لا مصغرًا ولا مكبرًا، و (عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعده زاي مقصورًا.

стр. 1614

١٢٧٢ - [١٩] وَالدَّارِمِيُّ عَن ابْن عَبَّاس وَلم يذكرُوا المُعَوِّذَتَيْن. [دي: ٥/ ٢٠]. ١٢٧٣ - [٢٠] وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، ــ وقوله: (ولم يذكروا المعوذتين) قال الترمذي بعد ما روى الحديثين: والذي اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يقرأ في كل ركعة من ذلك سورة. وقال الشيخ ابن الهمام (١): روى أحمد في (مسنده) عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يوتر بثلاث ركعات، وكان يقرأ في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وبهذا أخذ أصحابنا، انتهى. هذا، وأما ما يقرأ بعض الناس من أهل ديارنا في الأولى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فلا يوجد له رواية ولا أثر، ويقال: إنه قد جاء في بعض الروايات الفقهية. ١٢٧٣ - [٢٠] (الحسن بن علي ﵄) قوله: (علمني رسول اللَّه ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر) يحتمل أن التعليم من رسول اللَّه ﷺ إياه كان بأن يقولهن في قنوت الوتر، وأن يكون هو ﷺ علمه هذا الدعاء فأعجبه أن يقوله في قنوت الوتر،

стр. 1615

وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٤٦٤، د: ١٤٢٥، ن: ١٧٤٥، جه: ١١٧٨، دي: ٥/ ٢٦]. ــ ويؤيد الأول ما جاء في بعض الروايات: (اجعله في وترك) وإن كان غريبًا. وقوله: (تولني فيمن توليت) يجوز أن يكون من تولاه وولاه بمعنى أحبه، ويجوز أن يكون من تولى أمره بمعنى تقلده وقام به، يتضمن المعنيين قولُه تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. وقوله: (وقني شر ما قضيت) وقد عرفت في كتاب الإيمان بالقدر أن القضاء قد يطلق على الحكم السابق الأزلي الإجمالي، والقدر على تفصيله وجريانه فيما لا يزال وقتًا بعد وقت، وقد يطلق القدر على التقدير السابق والقضاء على الأحكام الواقعة وخَلْقِها، على عكس الأول، وعلى كل تقدير لا تبديل لقضاء اللَّه وقدره، وإنما يسأل الوقاية والإعاذة عنهما باعتبار ظاهر الأسباب والآلات المرتبطِ بها وقوعُهما فيما لا يزال، تمسكًا بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو على كل شيء قدير، كما عرف في تحقيق الدعاء والسؤال، واللَّه أعلم. وقوله: (إنه لا يذل من واليت) وزاد في بعض الروايات: (ولا يعز من عاديت)، وفي شرح الشيخ: ذكره البيهقي والطبراني بطرق. وقوله: (تباركت ربنا وتعاليت) وزاد الشُّمُنِّي بعده: (فلك الحمد على ما قضيت، نستغفرك اللهم ونتوب إلمِك، رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)، وجاء في الروايات ختمه بالصلاة على النبي ﷺ وآله بلفظ: (وصلى اللَّه على النبي محمد وآله وسلَّم).

стр. 1616

١٢٧٤ - [٢١] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ فِي الْوِتْرِ قَالَ: "سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يُطِيلُ فِي آخِرهنَّ. [د: ١٤٣٠، ن: ١٧٢٩]. ١٢٧٥ - [٢٢] وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: "سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ" ثَلَاثًا، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ. [ن: ١٧٣٤]. ١٢٧٦ - [٢٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ: "اللَّهُمَّ إِنَّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٤٢٧، ت: ٣٥٦٦، ن: ١٧٤٧، جه: ١١٧٩]. ــ ١٢٧٤، ١٢٧٥ - [٢١، ٢٢] (أبي بن كعب، وعن عبد الرحمن بن أبزى) قوله: (وزاد) أي: النسائي (ثلاث مرات يطيل) أي: يرفع صوته بالثالثة كما بينته الرواية الأخرى، وفي الحديث دليل على شرعية الجهر بالذكر، وهو ثابت في الشرع بلا شبهة، لكن الخفي منه أفضل في غير ما ثبتٍ في المأثور. ١٢٧٦ - [٢٣] (علي ﵁) قوله: (كان يقول في آخر وتره) قيل: أراد به الاعتدال، وبه قال أحمد، وقيل: أراد بعد السلام، وقيل: أراد قبله يعني في آخر التشهد، وقيل: في السجود، وقيل: بعد التشهد، وجاء في رواية النسائي: (كان يقول إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه)، وزاد: (لا أحصي ثناء عليك ولو حرصتُ)، وجاء في بعض الروايات الصحيحة أنه يقول في السجود، كذا ذكروا، ولا شك أن الاحتمال

стр. 1617

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٢٧٧ - [٢٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤمنِينَ مُعَاوِيَة مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: أَصَابَ إِنَّهُ فَقِيهٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءَ بِرَكْعَةٍ، وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ . رَوَاه الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٦٤، ٣٧٦٥]. ــ الأخير أقرب الاحتمالات من حيث اللفظ، لكون الآخِر فيه محمولًا على حقيقته، وإن كان في الآخَر أيضًا معنى الآخِرية، وقد حمل كثير من الأئمة، ومنهم أحمد بن حنبل، ولا بد من أن يكون له قرينة ودليل على ذلك، وكفى بقولهم مستشهَدًا، وحينئذٍ ثبت منه ﷺ قنوت الوتر، واللَّه أعلم. الفصل الثالث ١٢٧٧ - [٢٤] (ابن عباس) قوله: (هل لك في أمير المؤمنين) يقال: هل لك في كذا وإلى كذا، أي: رغبة فيه أو إليه، قاله بطريق الإنكار لمَّا رأى منه ما لا يعرفه، وهو الإيتار بواحدة، وهذه الواحدة إما كانت مستقلة من غير تقديم شفع عليها، وهي البتيراء المنهي عنها بالاتفاق ومحل الإنكار بلا شبهة، أو كان معه، كما يقوله عامة الأئمة في الإيتار، والظاهر هو الثاني كما يظهر من تصويب ابن عباس معاوية لصحبته، فإن هذه الصورة هي التي توافق السنة، ويحتمل أن يكون المراد الأول، كما يومئ إليه تصويبه لفقاهته، يعني: يمكن أن يكون مما أدى إليه اجتهاده، واستنبطه من موارد السنة فلا علينا إنكاره، واللَّه أعلم. وهذا الحديث يدل على أن المتعارف بينهم كان هو الإيتار بثلاث.

стр. 1618

١٢٧٨ - [٢٥] وَعَن بُرَيْدَة قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤١٩]. ١٢٧٩ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ أَوْ إِذا اسْتَيْقَظَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وأَبَو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٤٦٥، د: ١٤٣١، جه: ١١٨٨]. ١٢٨٠ - [٢٧] وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْوِتْرِ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ. . . . . ــ وهذا الكلام شهادة من ابن عباس بصحبة معاوية وفقاهته، وابن عباس تلميذ أمير المؤمنين عليٍّ ﵁ وأخذ العلم منه، ومع ذلك كان يراعي جانب معاوية، وكان يقول له: لم تستعجل وتحارب، فإن كان لك من رسول اللَّه ﷺ وعد وخبر، فاصبر على ذلك، كما نحن بشرنا بالخلافة في أعقابنا، وإن لم يكن ذلك فلا فائدة، واللَّه أعلم. ١٢٧٨ - [٢٥] (بريدة) قوله: (الوتر حق. . . إلخ) دليل على وجوب الوتر، كما جاز أن يكون المراد التأكيد، لكن هذا التكرار يرجح جانب الوجوب، ويكفي في ثبوت الوجوب بالمعنى المراد ههنا، كما عرف. ١٢٧٩ - [٢٦] (أبو سعيد) قوله: (من نام عن الوتر. . . إلخ)، هذا أيضًا يدل على الوجوب، كما ورد في الصلاة المفروضة، وقضاءُ الوتر متفق عليه بين القائل بالوجوب والقائل بالسنة كما مرّ، ولكنه عند الإنصاف دليل الوجوب، فإنه لم يعهد مثله في السنن. ١٢٨٠ - [٢٧] (مالك) قوله: (فقال عبد اللَّه: قد أوتر رسول اللَّه ﷺ وأوتر

стр. 1619

الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ. رَوَاهُ فِي "الْمُوَطَّأِ". [ط: ٢٧١]. ١٢٨١ - [٢٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ، يَقْرَأُ فِيهِنَّ بِتِسْعِ سُوَرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ سُوَرٍ آخِرُهُنَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٦]. ١٢٨٢ - [٢٩] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ، وَالسَّمَاءُ مُغَيِّمَةٌ فَخَشِيَ الصُّبْحَ، فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ، ــ المسلمون) الحديث، ظاهره التردد بين الوجوب وعدمه، يعني الذي ثبت هو فعلهم، وهو يحتمل الوجوب والسنية، ويمكن إشارة إلى كونه فرضًا عمليًّا، وأن دليله ليس بقطعي، وهو معنى الوجوب ههنا. ١٢٨١ - [٢٨] (علي ﵁) قوله: (يقرأ في كل ركعة بثلاث سور آخرهن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾) وجاء في رواية مفسرة: ويقرأ في الأولى ألهاكم والقدر وزلزلت، وفي الثانية: العصر والنصر والكوثر، وفي الثالثة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وتبت وإخلاص، كذا في (سنن الهدى)، وفي شرح الشيخ: يحتمل أنه كان يقرأ في كل من الثلاث السورتين، ويختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويحتمل أنه لم يفعل ذلك إلا في الأخيرة، وبما قلنا من تفصيل السور ظهر أن المراد هو الاحتمال الأخير. ١٢٨٢ - [٢٩] (نافع) قوله: (والسماء مغيمة) وقال في (المشارق) (١): مغيمة بكسر الغين، ويروى بفتحها وفتح الياء وبكسر الياء أيضًا، كذا ضبطنا هذا الحرف عن

стр. 1620

ثُمَّ انْكَشَفَ فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٧٣]. ١٢٨٣ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، قَامَ وَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ــ شيوخنا في (الموطأ)، وكله صحيح، وقد قدمنا أنه يقال: غيَّمت وأغامت كله إذا كان بها غمام، وقال الطيبي (١): يقال: أُغْمِيَ علينا الهلال وغُمِّيَ فهو مُغْمًى ومُغَمًّى إذا حال دون رؤيته غيم، ويظهر من هذا أن لفظ الحديث مغماة بضم الميم وسكون الغين وتخفيف الميم، أو بفتح الغين وتشديد الميم، وفي (القاموس) (٢): أغامت السماء وغيمت تغيمًا، وهو يوافق ما في (المشارق)، واللَّه أعلم. وقوله: (أن عليه ليلًا) أي: باق عليه الليل. وقوله: (فشفع) (٣) بالتخفيف. ١٢٨٣ - [٣٠] (عائشة) قوله: (فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام) ولم يرو عكس ذلك، ولا شبهة في أصل جوازه ولو مع كراهته من غير عذر (٤).

стр. 1621

ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٣١]. ١٢٨٤ - [٣١] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ: خَفِيفَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ. [ت: ٤٧١، جه: ١١٩٥]. ١٢٨٥ - [٣٢] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِيهِمَا وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١١٩٦]. ١٢٨٦ - [٣٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّ هَذَا السَّهَرَ جُهْدٌ وَثِقَلٌ، فَإِذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، ــ ١٢٨٤ - [٣١] (أم سلمة) قوله: (كان يصلي بعد الوتر ركعتين) قد مرّ الكلام فيه. ١٢٨٥ - [٣٢] (عائشة ﵂) قوله: (ثم يركع ركعتين) كما علم من حديثها السابق غير أنه كان مطلقًا، وهذا مقيد بركعتين بعد الوتر. ١٢٨٦ - [٣٣] (ثوبان) قوله: (إن هذا السهر جهد) اسم الإشارة لكمال التميز، والسهر: بفتحتين عدم النوم، في (القاموس) (١): سهر كفرح: لم ينم ليلًا، والجهد بالفتح وبالضم: المشقة.

стр. 1622

فَإِنْ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَإِلَّا كَانَتَا لَهُ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٣٨٤]. ١٢٨٧ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ، يَقْرَأ فِيهِمَا ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. رَوَاهُ أحمد. [حم: ٥/ ٢٦٠]. * * * ٣٦ - باب القنوت ــ وقوله: (فإن قام من الليل وإلا كانتا له) أي: قام بالليل فصلى التهجد فهو الأفضل، وإن لم يقم ولم يصل كانتا مجزئتين عن أصل ثواب التهجد، وحاصله أن فيهما ثواب التهجد لمن لم يتيسر له ذلك. ١٢٨٧ - [٣٤] (أبو أمامة) قوله: (كان يصليهما) أي: الركعتين، وفي بعض النسخ: (يصليها)، أي: الصلاة المذكورة، وكذا الاختلاف في قوله: (فيهما) و (فيها)، والظاهر من السياق أداؤهما في الإيتار قبل الليل، وقد ثبت أنه ﷺ كان يصلي الركعتين بعد الوتر وإن أوتر آخر الليل، كما مرّ. ٣٦ - باب القنوت القنوت يجيء لمعان، في (القاموس) (١): القنوت: الطاعة، والسكوت، والدعاء، والقيام في الصلاة، والإنصات عن الكلام، وأقنت: دعا على عدوه، وأطال القيام في الصلاة، وأدام الحج، وأدام الغزوة، وتواضع للَّه، والمراد ههنا الذكر والدعاء المخصوص على مذهب الأكثرين بخلاف ما نقل عن بعض المشايخ، ويروى ذلك

стр. 1623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن محمد ﵀ أنه لا يوقت دعاء في القنوت، وفي غيره من مواضع الدعاء كالطواف ونحوه؛ لأن تعيين الدعاء يذهب برقة القلب ويورث السآمة، والأكثرون على التوقيت؛ لأنه ربما يجري على اللسان ما يشبه كلام الناس إذا لم يوقت فتفسد الصلاة، ولا شك أن هذا الخلاف لا يكون فيما ثبت توقيته في الشرع، وفيه يلزم التوقيت، إما وجوبًا فيما يجب أو استحسانًا فيما يستحب، واستثنى في (المحيط) و (الذخيرة) من عدم التعيين: (اللهم إنا نستعينك)، و (اللهم اهدنا)، فعندنا الموقت في القنوت هو (اللهم إنا نستعينك)؛ لأن الصحابة ﵃ اتفقوا عليه، ولو اكتفى به جاز، والأولى أن يقرأ بعده: (اللهم اهدنا فيمن هديت)، وذكر الشُّمُنِّي عن أبي الليث: (اللهم اغفر لي) ثلاث مرات، انتهى. وقيل: يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وقيل: من لم يحسن القنوت يقرأ باللهم اغفر لي وربنا آتنا، كذا في شرح ابن الهمام (١)، هذا عندنا، وعند الشافعية يقرؤون هذا ويكتفون به، ولا يرون إنا نستعينك من القنوت، وقالوا: ليس روايته في الصحيحين والسنن المعروفة، ولكن أئمتنا أثبتوه بطرق صحيحة من الطبراني وغيره، وأورد الشيخ ابن الهمام عن أبي داود من حديث خالد بن أبي عمران قال: بينما رسول اللَّه ﷺ يدعو على مضر، إذ جاء جبريل ﵇ فأومأ عليه أن اسكت فسكت، فقال: يا محمد! إن اللَّه لم يبعثك سبّابًا ولا لعّانًا، وإنما بعثك رحمة للعالمين، ليس لك من الأمر شيء، ثم علمه اللهم إنا نستعينك ونؤمن بك، ونخضع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إلى قوله: إن عذابك الجد بالكفار ملحق.

стр. 1624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذكر الشيخ جلال الدين السيوطي من الشافعية من (عمل اليوم والليلة) بهذا الوجه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم اللَّه الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق، اللهم اهدني فيمن هديت. . . إلخ. وقال بعض العلماء: إن هذا كان سورتين من القرآن، لكن لما لم يثبت قرآنيتها بالتواتر بلا شبهة، جعلوها في صلاة الوتر الذي في وجوبه شبهة، واللَّه أعلم. والمشهور فيه هذا اللفظ: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير، ونشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق. وقيل: لا حاجة بأن يقول بالواو في أول سبع كلمات، وهي نؤمن، ونثني، ونشكرك، ونخلع، ونسجد، ونحفد، ونرجو، وقالوا: الأولى أن يأتي بالواو، وفي العطف زيادة الثناء وتعدد الأثنية كما في التشهد، وقد حقق في موضعه، وقال الشُّمُنِّي عن شرح الطحاوي: ملحق بكسر الحاء بمعنى لاحق، وعن (غاية البيان) أنه لا يجوز فتحها، وفي (القاموس) (١): ألحقه لازم ومتعد، وإن عذابك بالكفار ملحق، أي: لاحق، والفتح أحسن أو الصواب. إذا عرفت هذا فاعلم أن قراءة القنوت في الوتر متفق عليه بين الأئمة الأربعة، فعند الإمام أبي حنيفة -رحمة اللَّه عليه- يقنت في الوتر دائمًا في رمضان وغيره قبل

стр. 1625

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الركوع، ولا يقنت في صلاة الصبح وغيره، وهو مذهب أحمد، وفي رواية عنه، لكن المشهور من مذهبه أنه يقنت بعد الركوع، ولا قنوت عنده في الصبح إلا في النوازل، إما في الفجر خاصة أو في الفجر والمغرب أو في جميع الصلوات، ثلاث روايات، ويختص ذلك بالإمام الأعظم أو بأمير الجيش، لا لكل إمام على المشهور، وعند الشافعي -رحمة اللَّه عليه- وهو رواية عن مالك وأحمد -رحمهما اللَّه- يقنت في الوتر بعد الركوع في النصف الأخير من رمضان، ويقنت في الصبح دائمًا بعد الركوع عنده وعند مالك ﵀. فحصل في الباب ثلاثة اختلافات، الأول: أنه إذا قنت في الوتر قنت قبل الركوع أو بعده، فالقائل بالقنوت بعد الركوع له ما روى الدارقطني (١) عن سويد بن غفلة قال: سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا ﵃ يقولون: قنت رسول اللَّه ﷺ في آخر الوتر، وكانوا يفعلون ذلك. وأجاب عنه صاحب (الهداية) (٢) بأن ما زاد على نصف الشيء فهو آخره، يعني إذا قنت في الركعة الثانية ولو قبل الركوع صدق أنه قنت في آخر الوتر، فلا دليل فيه على كون القنوت بعد الركوع، ولهم ما هو أصرح في ذلك (٣) وهو حديث حسن بن علي ﵄ على ما رواه الحاكم وصححه قال: علمني رسول اللَّه ﷺ كلمات أقولهن في وتري إذا رفعت رأسي، ولم يبق إلا السجود: اللهم اهدني فيمن هديت. . . إلخ. ولنا ما روي أنه ﷺ قنت قبل الركوع، وفي بعض الروايات: كان يقنت، وفي

стр. 1626

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حديث ابن ماجه وحديث النسائي عن أبي بن كعب أن رسول اللَّه ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع، وهذا لفظه، ولفظ النسائي: وكان يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية: بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ويقنت قبل الركوع، نعم قد روى هذا الحديث غير واحد، ولم يذكر: (يقنت قبل الركوع)، لكن زيادة الثقة مقبولة. وأخرج الخطيب في (كتاب القنوت) له عن ابن مسعود ﵁ قال: إن النبي ﷺ قنت في الوتر قبل الركوع، وذكره ابن الجوزي في (التحقيق) وسكت عنه، وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: أوتر النبي ﷺ بثلاث، فقنت فيها قبل الركوع، وأخرج الطبراني في (الأوسط) (١) عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، يجعل القنوت قبل الركوع. أورد الشيخ ابن الهمام هذه الأحاديث مع أسانيدها، وقال: إن كل طريق منها إما صحيح أو حسن، ولو كان في بعضها غرابةٌ وتفرُّدٌ كما حكم أبو نعيم تظافر بعضها ببعض، وقال: ما في حديث أنس ﵁ أنه ﷺ قنت بعد الركوع، فالمراد منه أن ذلك كان شهرًا فقط بدليل ما في (الصحيح) عن عاصم الأحول قال: سألت أنسًا عن القنوت في الصلاة، قال: نعم، فقلت: كان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت: بعده، قال: كَذَبَ، إنما قنت ﷺ بعد الركوع شهرًا، وعاصم كان ثقة جدًا، ولا معارضة متجهة (٢) في ذلك مع ما رواه أصحاب السنن، بل هذه

стр. 1627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تصلح مفسرة للمراد بمرويهم أنه قنت بعده، ومما تحقق ذلك أن عمل الصحابة وأكثرهم كان على وفق ما قلنا: روى ابن أبي شيبة (١) عن علقمة: أن ابن مسعود وأن أصحاب النبي ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع، انتهى كلام الشيخ، ولم يتعرض للجواب عن حديث الحسن ﵁، ويمكن أن يقال: إنه على ما رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه كما ذكره المؤلف مطلق من أن يكون قبل الركوع أو بعده، فلا حجة لهم في ذلك، فيحمل على ما هو الراجح من كونه قبل الركوع، وأما على ما رواه الحاكم من الحديث الدال على كونه بعد الركوع فيقال بالنسخ، وكونه في المدة التي ذكره الشيخ وهو كونه في المدة التي كان رسول اللَّه ﷺ يقنت فيها بعد الركوع، واللَّه أعلم (٢). الاختلاف الثاني في أنه هل يقنت دائمًا أو في النصف الأخير من رمضان فقط، استدل القائلون بالتخصيص بما رواه أبو داود أن عمر ﵁ جمع الناس على أبي بن كعب ﵁، فكان يصلي بهم عشرين ليلة من الشهر يعني رمضان، ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي، وإذا كان العشر الأواخر تخلف فصلى في بيته، وللمتن طريق [آخر] ضعفها النووي في (الخلاصة)، وما أخرج ابن عدي (٣) عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ كان يقنت في النصف من رمضان. . . الحديث، ضعيف بأبي عاتكة، وضعّفه البيهقي مع أن القنوت فيه وفيما قبله يحتمل كونُه بمعنى طول القيام، فإنه يقال عليه تخصيصًا

стр. 1628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للنصف الآخر بزيادة الاجتهاد، ويستأنس له بما روى مسلم عن عائشة ﵂: كان رسول اللَّه ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره، وكذا جاء في رواية الترمذي، وكان الذي يروى عنه ﷺ قرأ في صلاة الليل بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، ولا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل في قيام رمضان بالليل على ما ذكر في (المواهب اللدنية) (١). ولنا الأحاديث الواردة في قنوت الوتر مطلقًا من غير تخصيص كونه في رمضان أو غيره كقولهم: كان يقنت في الوتر، وقنت في وتره، وكان يقول في وتره، وأمثال ذلك، والوتر كان دائمًا غير مخصوص برمضان ونصفه الأخير، فالقنوت كذلك. الاختلاف الثالث في قنوت الصبح، والشيخ ابن الهمام أورد الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول اللَّه ﷺ وعن الصحابة من الخلفاء الأربعة وغيرهم كثيرًا، وأجاب عن ذلك بتعليل تلك الأحاديث وتضعيف رواتها، وقرر بعد التقييد والتحقيق أن ذلك كما قال صاحب (الهداية): منسوخ تمسكًا بما رواه البزار وابن أبي شيبة والطبراني والطحاوي (٢) كلهم من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أنه قال: لم يقنت رسول اللَّه ﷺ في الصبح إلا شهرًا ثم تركه، لم يقنت قبله ولا بعده، وقال: روى الخطيب في (كتاب القنوت) عن أنس: أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا عليهم، وهو صحيح، وما روى الخطيب بخلاف ذلك مما يدل على أنه كان يقنت حتى مات، وروى الدارقطني وغيره عن أبي جعفر الرازي عن أنس: ما زال رسول اللَّه ﷺ يقنت في الصبح

стр. 1629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حتى فارق الدنيا، فقد شَنَّعَ عليه ابن الجوزي بما لا يجوز ذكره وأبطله، واشتهر بعض الرواة فيها بالوضع على أنس، وقد صح حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه أنه قال: أي بني مُحدَث، يعني المواظبة والمداومة على قنوت الصبح. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أنهم كانوا لا يقنتون في الفجر. وأخرج عن علي ﵁ أنه لما قنت في الصبح أنكر الناس عليه، فقال: استنصرنا على عدونا. وأخرج عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير ﵃ أنهم كانوا لا يقنتون في صلاة الفجر. وأخرج عن ابن عمر ﵁ أنه قال في قنوت الفجر: ما شهدت وما علمت. وقال محمد بن الحسن: أخبرنا أبو حنيفة -رحمة اللَّه عليه- عن حماد عن إبراهيم عن الأسود أنه صحب عمر بن الخطاب ﵁ سنتين في السفر والحضر، فلم يره قانتًا في الفجر، وهذا سند لا غبار عليه. وبالجملة لو كان رسول اللَّه ﷺ قنت في صلاة الفجر، وكانت سنة راتبة لم يخف ذلك، ونقلوه كنقل جهر القراءة، فكل ما روي عن فعله ﷺ إن صح فهو محمول على النوازل بالدعاء لقوم أو على قوم، وهذا خلاصة كلام الشيخ ابن الهمام مع اختصار وتنقيح، وعليه يحمل المداومة المستفادة من مثل قول أبي جعفر وغيره: كان يقنت حتى توفاه اللَّه تعالى، يعني كان يداوم مدة عمره على القنوت في النوازل، وعليه يحمل عمل بعض الصحابة. وقد روي عن الصديق ﵁ أنه قنت في الصبح عند محاربة الصحابة مسيلمة وعند محاربة أهل الكتاب، وكذا قنت عمر ﵁، وكذا علي ﵁ في محاربة معاوية، ويروى في هذا العكس أيضًا، فقد ثبت بما ذكرنا نفي سنية القنوت في الصبح راتبة،

стр. 1630

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٢٨٨ - [١] عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، ــ وثبت استمرار شرعيته عند النوازل، ولا يختص القنوت عند النوازل بالفجر، بل يشرع في الصلوات كلها، وبه قال جماعة من أهل الحديث وهو مجتهد فيه، وقد يروى نفيه عنه ﷺ وتركه إياه بنزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] كما مر، فتأمل. وانظر في متانة مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة وقوة دلائله وتحقيقه وتقريره رحمه اللَّه تعالى. الفصل الأول ١٢٨٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة) هذا مثال للدعاء لأحد، كما أن قوله: (اللهم اشدد وطأتك. . . إلى آخره) مثال للدعاء على أحد، وكان هؤلاء الصحابة الذين دعا لهم بالإنجاء أسراء في أيدي الكفار بمكة، أما الوليد بن الوليد ﵁ فهو أخو خالد بن الوليد أسر يوم بدر كافرًا فقدم في فدائه أخواه خالد وهشام بن الوليد، فلما أفدي وذهبا به بمكة أسلم، قيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي وأنت مع المسلمين؟ فقال: كرهت أن يظنوا أني أسلمت جزعًا من الإسار، فحبسوه بمكة، فكان رسول اللَّه ﷺ يدعو له في القنوت بالنجاة مع من يدعو له من المستضعفين بمكة، ثم أفلت من إسارهم ولحق برسول اللَّه ﷺ وشهد عمرة القضية.

стр. 1631

اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ: . . . . . ــ وأما سلمة بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي ﵁ من مهاجرة الحبشة، وكان من خيار الصحابة وفضلائهم، وهو أخو أبي جهل بن هشام لعنة اللَّه عليه، وكان قديم الإسلام، وعذب في اللَّه ، وحبس بمكة، وكان رسول اللَّه ﷺ يدعو له في قنوته مع الجماعة الذين كان يدعو لهم في القنوت من المستضعفين بمكة، ولم يشهد بدرًا لذلك، فأفلت فلحق برسول اللَّه ﷺ ، واستشهد سنة أربع عشرة في خلافة أمير المؤمنين عمر ﵁، وقيل: في يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة قبل موت خليفة رسول اللَّه ﷺ أبي بكر الصديق ﵁ بأربع وعشرين ليلة. و(عياش) بتشديد الياء التحتانية وبالشين المعجمة هو أبو عبد اللَّه، وقيل: أبو عبد الرحمن عياش بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة المخزومي هو أخو أبي جهل من أمه، أسلم قديمًا قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب ﵄، فرده أخوه أبو جهل واستوثقه، ويروى أنه قدم عليه أبو جهل والحارث وقالا: إن أمه حلفت أن لا تستظل حتى تراه، فرجع معهما فأوثقاه وحبساه بمكة، ثم تخلص وعاد إلى المدينة، وقتل يوم اليرموك بالشام، وقيل: مات بمكة ﵁، وكان من المستضعفين، وكان رسول اللَّه ﷺ يدعو له في القنوت. وقوله: (اللهم اشدد وطأتك على مضر) الوطأة بفتح فسكون مصدر وطئ كسمع داسه بالقدم كناية عن الأخذ الشديد، ومضر بن نزار كزفر أبو قبيلة. وقوله: (واجعلها) أي: الوطاة، أو الأيام التي هم مستمرون فيها على كفرهم وعنادهم، وسنين جمع سنة بمعنى القحط، والمراد بسني يوسف السبع الشداد المذكورة في القرآن بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] قحط فيها أهل مصر،

стр. 1632

اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا لِأَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٩، م: ٦٧٥]. ١٢٨٩ - [٢] وَعَنْ عَاصِمٍ الأَحْولِ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْقُنُوتِ فِي الصَّلَاةِ، كَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ (١)، إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا، إِنَّهُ كَانَ بَعَثَ أُنَاسًا يُقَالُ لَهُمْ: الْقُرَّاءُ سَبْعُونَ رَجُلًا فَأُصِيبُوا، ــ وقد قحط أهل مكة بدعائه ﷺ سبع سنين، كانوا يأكلون فيها الجيف والعظام، ونعوذ باللَّه من غضب اللَّه وغضب رسوله جزاء بما كانوا يعملون، وقد يحمل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١]. وقوله: (حتى أنزل اللَّه ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾) روي أنه جاء جبريل ﵇ فأومأ أن اسكت، وقال: يا محمد! إن اللَّه لم يبعثك سبّابًا ولا لعّانًا كما مر في شرح الترجمة، وأكثر أن هذه الآية نزل يوم أحد حين شَجَّه عتبة ابن أبي وقاص، وكسر رباعيته ﷺ ، فجعل يمسح الدم عن وجهه وقال: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم، فنزلت. ١٢٨٩ - [٢] (عاصم الأحول) قوله: (إنه كان بعث أناسًا يقال لهم: القراء سبعون رجلًا فأصيبوا) وكان ذلك في سرية المنذر بن عمرو بفتح العين إلى بئر معونة بفتح الميم وضم المهملة وسكون الواو وبعدها نون، موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة على رأس أربعة عشر من

стр. 1633

فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٠٢، م: ٦٧٧]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٢٩٠ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَة، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: عَلَى رِعْلٍ. . . . . ــ أحد، وهذه الغزوة تعرف بسرية القراء، قال ابن سعد عن أنس بن مالك ﵁: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة، وقال أنس ﵁: أنزل اللَّه تعالى في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنًا قرأناه، ثم نسخ بعده -أي: نسخت تلاوته-: بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا عنه. وفي رواية: اللهم أبلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا، وفي رواية: جاء جبريل النبي ﷺ فأخبره أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم، وروي أنه أتى رجل حرامًا خال أنس من خلفه، فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: اللَّه أكبر فزت ورب الكعبة، وفي رواية: قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه، ثم قال: فزت ورب الكعبة. وقوله: (فقنت رسول اللَّه ﷺ بعد الركوع شهرًا) وفي لفظ: ثلاثين صباحًا، وفي رواية: أربعين صباحًا. الفصل الثاني ١٢٩٠ - [٣] (ابن عباس) قوله: (من بني سليم) بلفظ التصغير. وقوله: (على رعل) بكسر الراء وسكون المهملة بدل من (على أحياء) بدل

стр. 1634

وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٤٣]. ١٢٩١ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا ثُمَّ تَرَكَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٤٤٥، ن: ١٠٧٩]. ١٢٩٢ - [٥] وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ! إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ هَهُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ أَكَانُوا يَقْنُتُونَ؟ . . . . . ــ البعض، وإن أبدل بعد العطف يكون من قبيل بدل الكل؛ لأن الثلاثة بطون من بني سليم؛ لأن رِعْلًا ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن بهية بن سليم، و (ذكوان) بفتح المعجمة وسكون الكاف وبالنون ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهية بن سليم، و (عصية) بلفظ التصغير كذلك. ١٢٩١ - [٤] (أنس) قوله: (ثم تركه) أي: ترك القنوت كما حققنا قبل، وإليه ذهب أكثر أهل العلم أنه لا يقنت في الصبح ولا في غيرها سوى الوتر، وكذا الحديث الآتي يدل عليه، وقال مالك والشافعي: يقنت في الصبح، ويقنت في جميع الصلوات إن نزلت نازلة، ومعنى تركه ترك اللعن والدعاء على تلك القبائل، أو تركه في الصلوات الأربع سوى الصبح بدليل ما روي عن أنس قال: ما زال رسول اللَّه ﷺ يقنت في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا، وقد عرفت مما ذكرنا في شرح الترجمة ما يكشف الغطاء عن الحق، واللَّه أعلم. ١٢٩٢ - [٥] (مالك الأشجعي) قوله: (ههنا بالكوفة) متعلق بصلاته مع علي؛ لأنه ﵁ كان بالكوفة دون الثلاثة. وقوله: (كانوا) بإثبات الهمزة في بعض الروايات وبحذف في بعضها، (يقنتون) أي في صلاة الصبح.

стр. 1635

قَالَ: أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٤٠٢، ن: ١٠٨٠, جه: ١٢٤١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٢٩٣ - [٦] عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَلَا يَقْنُتُ بِهِمْ إِلَّا فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، فَإِذَا كَانَتِ الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ يَتَخَلَّفُ (١) فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: أَبَقَ أُبَيٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٢٩]. ــ وقوله: (محدث) أي: المواظبة عليه، فإنه ﷺ إنما قنت في الصبح شهرًا ثم تركه، كما في الحديث السابق، وفي شرح الشيخ: أجاب عنه أئمتنا بأن الذين أثبتوه معهم زيادة علم يوجب تقديمهم لا سيما وهم أكثر، وشهادتهم على الإثبات، وهذا على النفي، انتهى. وقال: ما روي عن ابن مسعود أنه ﷺ لم يقنت في شيء من صلاته ضعيف جدًا، وكذلك ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه بدعة، وكذا ما روي عن أم سلمة ﵂ أنه ﷺ نهى عن القنوت في الصبح، فهذه كلها ضعيفة، والصواب أن المداومة من رسول اللَّه ﷺ على القنوت في الفجر كما ذهب إليه الشافعي -رحمة اللَّه عليه- غير ثابت، وما روي في بعض الروايات من المداومة فالمراد المداومة عند النازلة، واللَّه أعلم. الفصل الثالث ١٢٩٣ - [٦] (الحسن) قوله: (ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي) قد سبق

стр. 1636

١٢٩٤ - [٧] وَسُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ الْقُنُوتِ، فَقَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١١٨٤]. * * * ٣٧ - باب قيام شهر رمضان ــ الكلام فيه فتذكر. ١٢٩٤ - [٧] (أنس بن مالك) قوله: (بعد الركوع) قد سبق الكلام فيه أيضًا فلا حاجة أن نعيده. ٣٧ - باب قيام شهر رمضان وهو الذي يسمى بالتراويح جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، سميت بذلك؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كان يستريحون بين كل تسليمتين، والكلام في التراويح كثير من حيث الفقه، وذكرناه في رسالة لنا مسماة بـ (ما ثبت من السنة في أيام السنة)، ونقتصر ههنا على ما يتعلق بالأحاديث، فالنبي ﷺ لم يواظب عليها كما يجيء في الأحاديث، وإنما صلى ليالي فصلى بصلاته ناس، فلما كثر اجتماع الناس تركها مخافة أن يفرض عليهم، فقد جاء عن عائشة ﵂ (١) أن رسول اللَّه ﷺ خرج من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم فخرج في الليلة الثانية، فصلوا بصلاته، فلما أصبح الناس يذكرون

стр. 1637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كان في الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم، فطفق رجال منهم يقولون: [الصلاةَ] فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الفجر، أقبل على الناس ثم تشهد وقال: أما بعد! فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن يفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها، قال: وذلك في رمضان، ثم الصحيح أنها كانت صلاته التي كان يصليها بالليل وهي إحدى عشرة ركعة كما جاءت في حديث عائشة ﵂. وروى ابن أبي شيبة (١) من حديث ابن عباس ﵄: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر، وقالوا: إسناده ضعيف، وقد عارضه حديث عائشة ﵂، وهي أعلم بحال النبي ﷺ من غيرها، وقد كان الأمر في زمنه ﷺ يستمر على أن كل واحد يقوم رمضان في بيته منفردًا، حتى انقضى صدر من خلافة عمر ﵁، الحديث. وروى البيهقي بإسناد صحيح: أن الناس كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان عشرين ركعة، وقال الحليمي: والسر في كونها عشرين أن الرواتب في غير رمضان عشرة، فضوعفت لأنه وقت جد وتشمير، كذا في (المواهب اللدنية) (٢)، ولا يذهب عليك أن تقدير الأعداد من غير سند من جانب الشارع لا يجوز بمثل هذه النكتة التي ذكرها الحليمي، فالظاهر أنه كان قد ثبت عندهم صلاة النبي ﷺ عشرين ركعة كما جاء في حديث ابن عباس ﵄، فاختارها عمر ﵁، وقال في (الموطأ): كانوا يقومون بثلاث وعشرين، وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث، وفي

стр. 1638

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٢٩٥ - [١] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً. . . . . ــ (الموطأ) عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد: كانت إحدى عشرة، وعند عبد العزيز إحدى وعشرين، والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال والأوقات، ويحتمل أن يكون ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها. وقد روى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال: أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا. وعن الشافعي قال: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع (١) وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وقالوا: هل يجوز بغير أهل المدينة صلاتها بست وثلاثين؟ قال النووي: قال الشافعي: لا يجوز؛ لأن لأهلها شرفا بهجرته ﷺ ومدفنه، وقال الحليمي: إن من اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضًا، ويفهم من (المحيط) في مذهبنا أيضًا الجواز، لكن لا بجماعة؛ لأن النفل بالجماعة في غير التراويح مكروه عندنا، ثم قيل في سبب قيام أهل المدينة بست وثلاثين ركعة: إن أهل مكة كانوا يطوفون بالبيت أسبوعًا، ويصلون ركعتي الطواف بين كل ترويحتين، فأهل المدينة لما بعدوا من هذا الفضل صلوا بدلها من ذلك أربع تكبيرات فرادى فرادى، وعملهم اليوم أن يصلوها بالجماعة، ويسمونها الست عشرية يأتون بها آخر الليل بعد الفراغ من التراويح في أوله. الفصل الأول ١٢٩٥ - [١] (زيد بن ثابت) قوله: (اتخذ حجرة) للأكثر بالراء، وللكشميهني بالزاي.

стр. 1639

فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ ناسٌ، ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، ــ وقوله: (من حصير) الحصير ما اتخذ من سعف النخل قدر طول الرجل أو أكبر منه، كذا في (مجمع البحار) (١)، وفي (المشارق) (٢): هو ما ينسج من لحاء القضبان، وفي (القاموس) (٣): الحصير كل ما ينسج من جميع الأشياء. وقوله: (ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم) أي: شدة حرصكم في إقامة الصلاة بالليل بالجماعة. وقوله: (حتى خشيت أن يكتب عليكم) ظاهره يدل على افتراض الصلاة بالليل جماعة في رمضان لوجود المواظبة عليها، وهو مشكل لأن مجرد المواظبة لا يدل على الفرضية، وأجاب المحب الطبري بأنه يحتمل أن يكون اللَّه أوحى إليه بأنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، وقيل: خشي أن يظن أحد من أمته من مداومته عليها الوجوب، قال القرطبي: أي يظنونه فرضًا، فيجب على من ظن ذلك كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو حرمته فإنه يجب عليه العمل، كذا في (المواهب) (٤) نقلًا من (فتح الباري).

стр. 1640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد يقال: كان عادة اللَّه تعالى جرت في الأكثر بأن ما واظب عليه النبي ﷺ حكم بفرضيته، وفيه ما فيه، وقيل: وقع ذلك في نفسه اتفاقًا، كما في بعض القرب التي داوم عليها فافترضت. ثم استشكل أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن اللَّه تعالى قال: هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي، فإذا أمن التبديل كيف يقع خوف الزيادة؟ وأجاب عنه بعضهم بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه ﷺ ، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها، يعني عند المواظبة، فترك الخروج إليهم لئلا يدخل في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع، كذا نقل عن الخطابي. وأقول: في هذا الجواب نظر؛ لأنه على تقدير وجوب صلاة الليل على النبي ﷺ ووجوب اقتداء الأمة الوجوبان باقيان سواء خرج إليهم وصلى معهم أو لا، ولو قيل بكونها من خصائصه ﷺ فلا يجب عليهم سواء خرج أو لا، فما الوجه في ترتب خشية الفرضية على المواظبة؟ وأيضًا كيف يترك ﷺ ما هو واجب عليه لهذه الخشية؟ فلا يفيد هذا الوجوب ويندفع السؤال بما ذكر من الأجوبة السابقة. وأجاب الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (١) بثلاثة أجوبة، أحدها: أن المخوف عليه قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة، وثانيها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، ولا يكون ذلك زائدًا على الخمس،

стр. 1641

فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣١، م: ٧٨١]. ١٢٩٦ - [٢] وَعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٩]. ــ بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها، وثالثها: أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، وقد وقع في الحديث أن ذلك كان في رمضان. وقوله: (في بيته) خبر (إن) بتقدير: صلاتُه في بيته، وقد خص من هذا العموم بعض ما شرع فيه الجماعة من النوافل، وكذا ما خص بالمسجد كركعتي التحية، وهو ظاهر. ١٢٩٦ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (بعزيمة) أي: بجد وتأكيد، وقيل: بفرضية، وفي الحديث: (خير الأمور عزائمها) أي: فرائضها، ومنه في (ص): ليست من عزائم السجود. وقوله: (من قام رمضان) أي: بجماعة أو منفردًا، (إيمانًا) أي: تصديقًا بحكم اللَّه، (واحتسابًا) أي: طلبًا لثوابه من غير رياء وسمعة. وقوله: (ما تقدم من ذنبه) أي: الصغائر من حقوق اللَّه تعالى كما هو المقرر من المذهب. وقوله: (ثم كان الأمر على ذلك) أي: على ما كانوا عليه من قيام رمضان من

стр. 1642

١٢٩٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٧٨]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٢٩٨ - [٤] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا، ــ غير جماعة بقرينة ما جاء في الحديث من قوله: فأمر أبي بن كعب أن يصليها بالناس جماعة. ١٢٩٧ - [٣] (جابر) قوله: (من صلاته) من سببية أو تبعيضية أو زائدة، وفي إيراد هذا الحديث في هذا الباب إشارة إلى أداء التراويح في المسجد بالجماعة، ومع ذلك ينبغي أن يصلي في رمضان شيئًا من النوافل في البيت وإلا لو أريد من الصلاة في المسجد الفريضة، وفي البيت الرواتب والنوافل، فلا وجه لإيراده في هذا الباب، فافهم. الفصل الثاني ١٢٩٨ - [٤] (أبو ذر) قوله: (حتى بقي سبع، فقام بنا) أي: ليلة الثالث والعشرين. وقوله: (فلما كانت السادسة) أي: بقي ست، يدل على هذا ما روي في (المواهب) (١) عن النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول اللَّه ﷺ في شهر رمضان ليلة

стр. 1643

حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ نَفَلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. فَقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ". فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا حَتَّى بَقِيَ ثُلَثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ. قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السَّحُورُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ. [د: ١٣٧٥، ت: ٨٠٦، ن: ١٦٠٥، جه: ١٣٢٧]. ــ ثلاثة وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين، الحديث، حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح ويسمونه السحور، رواه النسائي، انتهى. وهذا الأخير هو ما قال في حديث الكتاب: فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه. وقوله: (لَوْ نفلتنا) أي: لو زدتنا من صلاة الليل وقيامه على نصف الليل، و (لو) للشرط أو للتمني. وقوله: (حتى بقي ثلث الليل) أي: فقام بعض قيامه المعتاد، ومن ثم نفى في بعض الروايات قيامه بهم في هذه الليلة؛ لأنه لم يقم زيادة على المعتاد، كذا في شرح الشيخ. وقوله: (قلت: وما الفلاح؟ ) قائله الراوي عن أبي ذر، وفاعل (قال) في: (قال: السحور) أبو ذر، في (القاموس) (١): الفلاح: الفوز، والنجاة، والسحور، انتهى. وإنما سمي السحور فلاحًا لأنه يعين على إتمام الصوم والفوز بما قصده، ويوجب الفلاح

стр. 1644

١٢٩٩ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً، فَإِذَا هُوَ بِالْبَقِيعِ، فَقَالَ: أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي ظَنَنْتُ أنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ــ في الآخرة، ولأن فيه إقامة سنة، وذلك الفلاح كل الفلاح، فعلم من هذا الحديث أن قيامه ﷺ بهم كان في ثلاث ليال، وهو المراد بالليالي المذكورة في الفصل الأول في حديث زيد بن ثابت ﵁، ولم تكن متوالية. ١٢٩٩ - [٥] (عائشة) قوله: (فقال: أكنت تخافين أن يحيف اللَّه عليك ورسوله؟ ) إيراد هذا الحديث في هذا الباب للمناسبة والتقريب، وتفصيل هذا الحديث وقصته ما رواه البيهقي (١) عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول اللَّه ﷺ فوضع عنه ثوبيه، ثم لم يستتم أن قام فلبسهما، فأخذتني غيرة شديدة، ظننت أنه يأتي بعض صويحباتي، فخرجت أتبعه فأدركته بالبقيع بقيع الغرقد، يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والشهداء، فقلت: بأبي أنت وأمي، أنت في حاجة ربك، وأنا في حاجة الدنيا، فانصرفت فدخلت في حجرتي، ولي نفس عال، ولحقني رسول اللَّه ﷺ فقال: (ما هذا النفس يا عائشة ﵂؟ ) فقلت: بأبي أنت وأمي، أتيتني فوضعت ثوبيك، ثم لم تستتم أن قمت فلبستهما، فأخذتني غيرة شديدة، وظننت أنك تأتي بعض صويحباتي، حتى رأيتك بالبقيع تصنع ما تصنع، قال: (يا عائشة أكنت تخافين أن يحيف اللَّه عليك ورسولك؟ ، بل أتاني جبريل ﵇ فقال: هذه الليلة ليلة النصف من شعبان، وللَّه فيها عتقاء من النار بعدد شعر غنم كلب، لا ينظر اللَّه فيها إلى مشرك، ولا إلى مشاحن، ولا إلى قاطع

стр. 1645

فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ رَزِينٌ: "مِمَّنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ" وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيَّ يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ. [ت: ٧٣٩، جه: ١٣٨٩]. ١٣٠٠ - [٦] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجدِي هَذَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٠٤٤، ت: ٤٥٠]. ــ رحمه، ولا إلى مسبل، ولا إلى عاقٍّ لوالديه، ولا إلى مدمن خمر)، الحديث، وبنو كلب قبيلة، وهم أكثر غنما من سائر قبائل العرب، ثم الظاهر من قوله: (لأكثر) باللام الجارة أن يكون المراد أصحاب الذنوب، ويؤيده رواية رزين: (ممن استحق النار)، وفي بعض الشروح: المراد بغفران الأكثر عدد الذنوب المغفورة لا عدد أصحابها، هكذا رواه البيهقي. ١٣٠٠ - [٦] (زيد بن ثابت) قوله: (أفضل من صلاته في مسجدي) فيه تتميم ومبالغة، فإن الصلاة في مسجده ﷺ يعدل ألف صلاة في غيره، وإنما خص بمسجده ولم يذكر المسجد الحرام، والأفضلية ثابتة بالنسبة إلى المسجد الحرام أيضًا لورود الحديث في المدينة المطيبة، وفيها مسجده على أن الصلاة في مسجده قد تكون أفضل وأكمل باعتبار الكيفية، وإن كانت الصلاة في المسجد الحرام أكثر كمية كما يقوله القائلون بأفضلية المدينة من مكة، وقد ذكرنا هذا المبحث بالتفصيل في (تاريخ المدينة)، فلينظر ثمة. وقد تمسك بهذا الحديث مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم في أن الأفضل صلاة التراويح فرادى في البيوت، وإنما فعلها ﷺ بالجماعة في المسجد لبيان الجواز، أو لأنه كان معتكفًا، وقال أبو حنيفة والشافعي وجمهور أصحابه وبعض

стр. 1646

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٣٠١ - [٧] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً فِي رَمَضَان إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، ويُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئهِمْ. . . . . ــ المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة في المسجد كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ﵃ واستمر عمل المسلمين عليه؛ لأنه من شعائر الدين الظاهرة، فأشبه صلاة العيد، وبهذا البيان ظهر مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب إشارة إلى جواز التراويح في البيت، والمختار أنه إذا كان رجل يقتدى به ويكثر بوجوده الجماعة صلى بالمسجد بالجماعة، ومن لم يكن كذلك جاز أن يصلي في البيت، كذا ذكر في بعض كتب الفقه. الفصل الثالث ١٣٠١ - [٧] (عبد الرحمن بن عبد القاري) قوله: (عن عبد الرحمن بن عبد القاري) عبد بالتنوين، والقاري بياء مشددة منسوب إلى بني قارة، والقارئ من القراءة إنما هو بالهمزة. وقوله: (متفرقون) تأكيد لأوزاع، والتوزيع القسمة والتفريق كالإيزاع. وقوله: (يصلي الرجل لنفسه. . . إلخ) بيان لما أجمل من التفرق والتوزع، أي: بعضهم كان يصلي منفردًا وبعضهم بجماعة. (والرهط) جماعة دون العشرة. وقوله: (على قارئ واحد) بالهمزة من القراءة، و (أمثل) أي: أفضل، وقد كان عمر ﵁ وجد إشارة من رسول اللَّه ﷺ في فضل الجماعة بها، وقد صلى مع الناس

стр. 1647

قَالَ عُمَرُ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي تَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٥٩٢]. ١٣٠٢ - [٨] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ فِي رَمَضَانَ. . . . . ــ ليالي، وإنما قطعها إشفاقًا على أمته من أن يفرض، وقد حصل الأمن من فرضيته بعده ﷺ ، وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: نوّر اللَّه مضجع عمر كما نور مساجدنا. وقوله: (نعمت البدعة هذه) سماها بدعة باعتبار حدوث هذه الهيئة، وأما أصل الجماعة فقد كانت في زمن رسول اللَّه ﷺ ، والحق أن ما فعله الخلفاء الراشدون سنة، وقد سن ﵁ سنة حسنة، له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وكان أحق بذلك. وقوله: (والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون) قال الطيبي (١): تنبيه منه أن صلاة التراويح آخر الليل أفضل، فمعنى العبارة: تقومون التراويح أول الليل، والتي تنامون غافلين عنها تاركين وهو أن تقوموها آخر الليل أفضل، وذلك لفضل الوقت وشدة المشقة، وأفضل الأعمال أحمزها، وأما ما قال الطيبي: وقد أخذ بذلك أهل مكة فإنهم يصلونها بعد أن يناموا، فلعله كان عادتهم في الزمان القديم، وأما الآن فلا؛ فإنهم يصلون في أول الليل ويحيون الليل كله، وقيل: معنى (تنامون عنها) فارغين عنها، أي: الصلاة أول الليل أفضل من الصلاة في آخرها. ١٣٠٢ - [٨] (السائب بن يزيد) قوله: (أمر عمر أبي بن كعب وتميمًا الداري) فأبي بن كعب يصلي بالرجال، وتميم الداري بالنساء، كما ذكر في (المواهب) (٢) عن

стр. 1648

بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ، حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعَصَا مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٥١]. ١٣٠٣ - [٩] وَعَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: مَا أَدْرَكْنَا النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ قَالَ: وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَإِذَا قَامَ بِهَا فِي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٥٣]. ــ سعيد بن منصور من طريق عروة. وقوله: (بإحدى عشرة ركعة) الصحيح أنهم كانوا يقومون على عهد عمر ﵁ بعشرين ركعة، ولذا رد ابن عبد البر هذه الرواية وقال: إنها وهم، وتعقب بأن سندها صحيح أيضًا، فالحق أن ذلك باعتبار اختلاف الأوقات والأحوال، كما ذكرنا في شرح الترجمة، وقيل: لعلهم في بعض الأوقات قصدوا التشبيه برسول اللَّه ﷺ ، فإن الصحيح أنه ﷺ صلى إحدى عشرة ركعة، وإن روي أيضًا عشرون ركعة، والذي استقر عليه الأمر هو عشرون. وقوله: (بالمئين) أي: بالسور التي يزيد على مئة، كذا في شرح الشيخ. وقوله: (إلا في فروع الفجر) أي: أوائله وأعاليه، وفرع كل شيء أعلاه، يقال: جبل فارع، أي: عال، وفي الحديث: كان يرفع يديه إلى فروع أذنيه، أي: أعاليهما. ١٣٠٣ - [٩] (الأعرج) قوله: (وهم يلعنون الكفرة) أي: في قنوت وتره. وقوله: (في ثمان ركعات) يوافق رواية إحدى عشرة ركعة مع الوتر.

стр. 1649

١٣٠٤ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعتُ أُبَيًّا (١) يَقُولُ: كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْقِيَامِ، فَنَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ فَوْتِ السَّحُورِ. وَفِي أُخْرَى: مَخَافَةَ الْفَجْرِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٥٤]. ١٣٠٥ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هَلْ تَدْرِينَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ "-يَعْنِي لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ- قَالَتْ: مَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "فِيهَا أَنْ يُكْتَبَ كُلُّ مَوْلُودٍ [مِنْ] بَنِي آدَمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَفِيهَا أَنْ يُكْتَبَ كُلُّ هَالِكٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَفِيهَا تُرْفَعُ أَعْمَالُهُمْ، وَفِيهَا تُنْزَلُ أَرْزَاقُهُمْ". . . . . ــ ١٣٠٤ - [١٠] (عبد اللَّه بن أبي بكر) قوله: (مخافة فوت السحور، وفي أخرى: مخافة الفجر) ومال الروايتين واحد في المعنى. ١٣٠٥ - [١١] (عائشة) قوله: (كل مولود بني آدم) أي: كل من يولد من بني آدم فهو بمعنى الاستقبال، وكذا قوله: (هالك). (وفيها ترفع أعمالهم) الظاهر من رفع الأعمال إصعادها وعرضها على جناب الحق أو على كتب الأعمال، وهو إنما يكون بعد العمل، ولكن لا تخصيص له بهذه الليلة، بل يعرض يومًا فيومًا، إن قلت: يمكن أن ترفع أعمال تمام السنة الماضية جملة بعد أن رفعت يومًا يومًا تأكيدًا وتحقيقًا ومقابلة

стр. 1650

فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى". ثَلَاثًا. قُلْتُ: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى هَامَتِهِ فَقَالَ: . . . . . ــ كما يفعله أهل الحساب، وتخصيصه بهذه الليلة تشريف لها، قلت: نعم يمكن وهو أمر معقول، وقد قيل به نظرًا إلى ظاهر عبارة الحديث، ولكن المناسب في هذا المقام نظرًا إلى قرائنه أن يكون المراد برفع الأعمال كتابة الأعمال الصالحة التي يعمله العبد في الاستقبال، وترفع في تلك السنة يوما فيومًا، كما يكتب من يولد ومن يهلك، كما حمله الطيبي عليه (١)، وعلى هذا يكون المراد بإنزال أرزاقهم أيضًا كتابتها كما ورد في الأحاديث: (يكتب فيها الآجال والأرزاق، ويكتب فيها الحاج) أخذًا من قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، قال عكرمة (٢): في ليلة النصف من شعبان يبرم أمر السنة وينسخ الأحياء [من الأموات]، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن ذلك في ليلة القدر، والآية نازلة فيها بدليل ما قبله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: القرآنَ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ولعل الابتداء فيه يكون من ليلة النصف من شعبان. وقوله: (فقالت: يا رسول اللَّه! ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللَّه تعالى) لما سمعت عائشة ﵂ ذكر الأعمال الموصلة إلى الجنة وأنها تكتب وتقدر قبل وجودها من العبد سألت النبي ﷺ على طريق الاستفهام التقريري: ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللَّه؟ يعني يلزم منه أن لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة اللَّه وفضله، فقرره
следующие страницы →