← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٣٠١ - [٧] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً فِي رَمَضَان إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، ويُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئهِمْ. . . . . ــ المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة في المسجد كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ﵃ واستمر عمل المسلمين عليه؛ لأنه من شعائر الدين الظاهرة، فأشبه صلاة العيد، وبهذا البيان ظهر مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب إشارة إلى جواز التراويح في البيت، والمختار أنه إذا كان رجل يقتدى به ويكثر بوجوده الجماعة صلى بالمسجد بالجماعة، ومن لم يكن كذلك جاز أن يصلي في البيت، كذا ذكر في بعض كتب الفقه. الفصل الثالث ١٣٠١ - [٧] (عبد الرحمن بن عبد القاري) قوله: (عن عبد الرحمن بن عبد القاري) عبد بالتنوين، والقاري بياء مشددة منسوب إلى بني قارة، والقارئ من القراءة إنما هو بالهمزة. وقوله: (متفرقون) تأكيد لأوزاع، والتوزيع القسمة والتفريق كالإيزاع. وقوله: (يصلي الرجل لنفسه. . . إلخ) بيان لما أجمل من التفرق والتوزع، أي: بعضهم كان يصلي منفردًا وبعضهم بجماعة. (والرهط) جماعة دون العشرة. وقوله: (على قارئ واحد) بالهمزة من القراءة، و (أمثل) أي: أفضل، وقد كان عمر ﵁ وجد إشارة من رسول اللَّه ﷺ في فضل الجماعة بها، وقد صلى مع الناس

стр. 1647

قَالَ عُمَرُ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي تَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٥٩٢]. ١٣٠٢ - [٨] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ فِي رَمَضَانَ. . . . . ــ ليالي، وإنما قطعها إشفاقًا على أمته من أن يفرض، وقد حصل الأمن من فرضيته بعده ﷺ ، وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: نوّر اللَّه مضجع عمر كما نور مساجدنا. وقوله: (نعمت البدعة هذه) سماها بدعة باعتبار حدوث هذه الهيئة، وأما أصل الجماعة فقد كانت في زمن رسول اللَّه ﷺ ، والحق أن ما فعله الخلفاء الراشدون سنة، وقد سن ﵁ سنة حسنة، له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وكان أحق بذلك. وقوله: (والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون) قال الطيبي (١): تنبيه منه أن صلاة التراويح آخر الليل أفضل، فمعنى العبارة: تقومون التراويح أول الليل، والتي تنامون غافلين عنها تاركين وهو أن تقوموها آخر الليل أفضل، وذلك لفضل الوقت وشدة المشقة، وأفضل الأعمال أحمزها، وأما ما قال الطيبي: وقد أخذ بذلك أهل مكة فإنهم يصلونها بعد أن يناموا، فلعله كان عادتهم في الزمان القديم، وأما الآن فلا؛ فإنهم يصلون في أول الليل ويحيون الليل كله، وقيل: معنى (تنامون عنها) فارغين عنها، أي: الصلاة أول الليل أفضل من الصلاة في آخرها. ١٣٠٢ - [٨] (السائب بن يزيد) قوله: (أمر عمر أبي بن كعب وتميمًا الداري) فأبي بن كعب يصلي بالرجال، وتميم الداري بالنساء، كما ذكر في (المواهب) (٢) عن

стр. 1648

بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ، حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعَصَا مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٥١]. ١٣٠٣ - [٩] وَعَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: مَا أَدْرَكْنَا النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ قَالَ: وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَإِذَا قَامَ بِهَا فِي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٥٣]. ــ سعيد بن منصور من طريق عروة. وقوله: (بإحدى عشرة ركعة) الصحيح أنهم كانوا يقومون على عهد عمر ﵁ بعشرين ركعة، ولذا رد ابن عبد البر هذه الرواية وقال: إنها وهم، وتعقب بأن سندها صحيح أيضًا، فالحق أن ذلك باعتبار اختلاف الأوقات والأحوال، كما ذكرنا في شرح الترجمة، وقيل: لعلهم في بعض الأوقات قصدوا التشبيه برسول اللَّه ﷺ ، فإن الصحيح أنه ﷺ صلى إحدى عشرة ركعة، وإن روي أيضًا عشرون ركعة، والذي استقر عليه الأمر هو عشرون. وقوله: (بالمئين) أي: بالسور التي يزيد على مئة، كذا في شرح الشيخ. وقوله: (إلا في فروع الفجر) أي: أوائله وأعاليه، وفرع كل شيء أعلاه، يقال: جبل فارع، أي: عال، وفي الحديث: كان يرفع يديه إلى فروع أذنيه، أي: أعاليهما. ١٣٠٣ - [٩] (الأعرج) قوله: (وهم يلعنون الكفرة) أي: في قنوت وتره. وقوله: (في ثمان ركعات) يوافق رواية إحدى عشرة ركعة مع الوتر.

стр. 1649

١٣٠٤ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعتُ أُبَيًّا (١) يَقُولُ: كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْقِيَامِ، فَنَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ فَوْتِ السَّحُورِ. وَفِي أُخْرَى: مَخَافَةَ الْفَجْرِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٥٤]. ١٣٠٥ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هَلْ تَدْرِينَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ "-يَعْنِي لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ- قَالَتْ: مَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "فِيهَا أَنْ يُكْتَبَ كُلُّ مَوْلُودٍ [مِنْ] بَنِي آدَمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَفِيهَا أَنْ يُكْتَبَ كُلُّ هَالِكٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَفِيهَا تُرْفَعُ أَعْمَالُهُمْ، وَفِيهَا تُنْزَلُ أَرْزَاقُهُمْ". . . . . ــ ١٣٠٤ - [١٠] (عبد اللَّه بن أبي بكر) قوله: (مخافة فوت السحور، وفي أخرى: مخافة الفجر) ومال الروايتين واحد في المعنى. ١٣٠٥ - [١١] (عائشة) قوله: (كل مولود بني آدم) أي: كل من يولد من بني آدم فهو بمعنى الاستقبال، وكذا قوله: (هالك). (وفيها ترفع أعمالهم) الظاهر من رفع الأعمال إصعادها وعرضها على جناب الحق أو على كتب الأعمال، وهو إنما يكون بعد العمل، ولكن لا تخصيص له بهذه الليلة، بل يعرض يومًا فيومًا، إن قلت: يمكن أن ترفع أعمال تمام السنة الماضية جملة بعد أن رفعت يومًا يومًا تأكيدًا وتحقيقًا ومقابلة

стр. 1650

فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى". ثَلَاثًا. قُلْتُ: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى هَامَتِهِ فَقَالَ: . . . . . ــ كما يفعله أهل الحساب، وتخصيصه بهذه الليلة تشريف لها، قلت: نعم يمكن وهو أمر معقول، وقد قيل به نظرًا إلى ظاهر عبارة الحديث، ولكن المناسب في هذا المقام نظرًا إلى قرائنه أن يكون المراد برفع الأعمال كتابة الأعمال الصالحة التي يعمله العبد في الاستقبال، وترفع في تلك السنة يوما فيومًا، كما يكتب من يولد ومن يهلك، كما حمله الطيبي عليه (١)، وعلى هذا يكون المراد بإنزال أرزاقهم أيضًا كتابتها كما ورد في الأحاديث: (يكتب فيها الآجال والأرزاق، ويكتب فيها الحاج) أخذًا من قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، قال عكرمة (٢): في ليلة النصف من شعبان يبرم أمر السنة وينسخ الأحياء [من الأموات]، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن ذلك في ليلة القدر، والآية نازلة فيها بدليل ما قبله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: القرآنَ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ولعل الابتداء فيه يكون من ليلة النصف من شعبان. وقوله: (فقالت: يا رسول اللَّه! ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللَّه تعالى) لما سمعت عائشة ﵂ ذكر الأعمال الموصلة إلى الجنة وأنها تكتب وتقدر قبل وجودها من العبد سألت النبي ﷺ على طريق الاستفهام التقريري: ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللَّه؟ يعني يلزم منه أن لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة اللَّه وفضله، فقرره

стр. 1651

"وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ". يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ". [الدعوات الكبير: ٥٣٠]. ١٣٠٦ - [١٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٢٩٠]. ١٣٠٧ - [١٣] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَفِي رِوَايَته: "إِلَّا اثْنَيْنِ مُشَاحِنٌ وَقَاتِلُ نَفْسٍ". [حم: ١/ ١٧٦]. ــ رسول اللَّه ﷺ وقال: نعم ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللَّه، ووضعه ﷺ يده على هامته -بتخفيف الميم، أي: على رأسه- تواضعٌ وافتقار وامتنان من اللَّه هذه النعمة العظيمة كما يقال: بالرأس والعين، وقال الطيبي (١): هو إشارة إلى شمول الستر من رأسه إلى قدمه. وقوله: (إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته) أي: يسترني ويغمرني، وفي (القاموس) (٢): تغمَّدَه اللَّه برحمته: غمره بها، وفلانًا: سَتَرَ ما كان فيه، والغِمد: جفن السيف. ١٣٠٦، ١٣٠٧ - [١٢، ١٣]: (أبو موسى الأشعري، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (إن اللَّه تعالى ليطلع) بفتح الطاء المشددة من الاطلاع بمعنى الوقوف على الشيء، وقد يصحح بسكونها من الطلوع، والمراد به النزول الذي ورد في حديث التهجد: (ينزل ربنا)، وقد يروى ههنا أيضًا به، كما جاء في حديث البيهقي: (ينزل اللَّه إلى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر) الحديث. وحاصله التجلي بصفة الرحمة

стр. 1652

١٣٠٨ - [١٤] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا يَوْمَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٣٨٨]. * * * ــ والمغفرة، والمراد بالمشاحن المعادي لمسلم من غير سبب ديني، من الشحناء بمعنى العداوة، وقد زيد في بعض الأحاديث: (أو قاطع رحم)، وفي بعضها: (أو مسبل أو عاق لوالديه أو مدمن خمر)، وجاء في حديث نوف البكالي (١) عن علي ﵁ أنه خرج ليلة النصف من شعبان ينظر إلى سماء الدنيا فقال: إن داود ﵇ خرج ليلة في مثل هذه الساعة، فنظر إلى السماء فقال: هذه الساعة ما دعا اللَّه فيها أحد إلا أجابه، ولا استغفره أحد في هذه الليلة إلا غفر له، ما لم يكن عشَّارًا أو ساحرًا أو كاهنًا أو عريفًا أو شرطيًّا أو جابيًا أو صاحب كوبة أو عرطبة، قال نوفل: والعرطبة الطنبور، اللهم رب داود! اغفر لمن دعاك في هذه الليلة، أو استغفرك فيها. ١٣٠٨ - [١٤] (علي) قوله: (فقوموا ليلها) الظاهر (فيها) وأنت الضمير؛ لأن النصف متعدد، أضاف الليلة إليها باعتبار المبدأ، فافهم. وقوله: (لغروب الشمس) وفي سائر الليالي خص النزول بالثلث الأخير. وقوله: (ألا من مستغفر) مجرور بزيادة (من). وقوله: (ألا مسترزق) مرفوع بترك (من)، فليتأمل.

стр. 1653

٣٨ - باب صلاة الضحى ــ ٣٨ - باب صلاة الضحى الضحو والضحوة والضحية كعشية: ارتفاع النهار، والضحى بالضم والقصر فوقه، ويجيء بمعنى شعاع الشمس أيضًا كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، والضحاء بالفتح والمد: انتصاف النهار، ووقت ارتفاع الشمس إلى ربع السماء وقرب انتصاف النهار، والمتعارف بين الناس في أول النهار من النوافل صلاتان، إحداهما: بعد طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح أو رمحين، ويسمونه صلاة الإشراق، وثانيتهما: وقت ارتفاعها إلى ربع السماء إلى قبيل نصف النهار، ويسمونه صلاة الضحى، وجاء في كثير من الأحاديث اسم صلاة الضحى شاملًا لكل من الصلاتين في الوقتين، وفي بعض الأحاديث أيضًا أطلق عليه صلاة الإشراق، كما أورده السيوطي من حديث الطبراني أنه ﷺ قال: (يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق) بعد حديث آخر أورده أيضًا عن الطبراني عن عمر ﵁: (ابن آدم اضمن لي ركعتين أول النهار أكفك آخره). وقال البيضاوي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾: وقت الإشراق حين تشرق الشمس، أي: تضيء ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى، وأما شروقها فطلوعها، يقال: شرقت الشمس لما تشرق، وعن أم هانئ ﵂ أنه ﷺ قال: هذه صلاة الإشراق، وعن ابن عباس ﵄: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية، انتهى. والشيخ الإمام الأجل علي المتقي رحمة اللَّه عليه في تبويب (جمع الجوامع) المسمى بـ (الجامع الكبير) جعل لصلاة الإشراق عنوانًا على حدة، وأورد فيه حديث الترمذي عن أنس: من صلى صلاة الفجر في جماعة، ثم جلس يذكر اللَّه حتى تطلع

стр. 1654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشمس، ثم صلى ركعتين كان له أجر حجة وعمرة تامتين تامتين تامتين، وقد صح أن رسول اللَّه ﷺ صلى في الوقتين ورغب الأمة فيها، وفي الحقيقة هو وقت واحد وصلاة واحدة، أولها وقت الإشراق وآخرها إلى قبيل انتصاف النهار، ولما صلى في بعض الأحيان في الوقتين ظنوا من ذلك أن ههنا وقتين وصلاتين، وبعضهم يقولون: الضحوة الصغرى والضحوة الكبرى، واللَّه أعلم. ثم اعلم أنه قد جاءت الأخبار والآثار فيها مختلفة، وجاءت في صلاته ﷺ وترغيبه فيها أحاديث كثيرة، وقال في (المواهب اللدنية) (١): إن الشيخ ولي الدين بن العراقي قال: جاءت فيها أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة، حتى قال محمد بن جرير الطبري: إن الأخبار في هذا الباب واصلة إلى درجة التواتر المعنوي وبالغة إلى حد اليقين، وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي: إن هذه لصلاة السابقين من الأنبياء والمرسلين، واللَّه تعالى يخبر عن داود ﵇ ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] فأبقى اللَّه تعالى من ذلك التسبيح في دين محمد ﷺ صلاة العصر وصلاة الإشراق. وأورد السيوطي عن الديلمي من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: كانت صلاة الضحى أكثر صلاة داود، وعن ابن النجار من حديث ثوبان: صلاة الضحى صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين. واستحباب صلاة الضحى هو مذهب أكثر العلماء؛ لأن خبر المثبت مقدم على خبر النافي، وقد ذهب جمع من العلماء إلى كراهة صلاة الضحى، وقالوا: إنها بدعة

стр. 1655

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من البدع الحادثة بعد زمن رسول اللَّه ﷺ وزمن الخلفاء الراشدين ﵃، وتمسكوا بأحاديث كثيرة وردت في نفيها عن رسول اللَّه ﷺ وعن أصحابه، وحكم فيها بعض الصحابة أنها بدعة، وقال ابن عمر ﵄: بدعة ونعمت البدعة، وقال: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى. وقال العلماء في تطبيق الأحاديث: إن رسول اللَّه ﷺ لم يكن يداوم عليها خشية أن يفرض على الأمة ويقعوا في المشقة كما كانت عادته الشريفة ﷺ ، لكن كان يرغبهم عليها ويحرص، ولا شبهة في صلاته ﷺ إياها لما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة، فمن نفاها عنه ﷺ إما نفى علمه ورؤيته إياها أو مداومته عليها كما نفت عائشة عنها؛ لأنه ﷺ لم يكن عندها في ذلك الوقت إلا نادرًا، وتارة كان يصلي في السفر وأخرى في المسجد، وتارة في بيت نسائه غيرها، ولو كان عندها ما كانت صلاته إلا نادرًا فلم ترها، وقد جاء صريحًا في حديثها: ما رأيت يصلي، مع أنه قد جاء في أحاديث كثيرة عنها إثباتها، وأما تسميتها بدعة فالمراد منه صلاتها في المسجد مكثرين مواظبين، وما روى قيس بن عبيد أنه كان عامًا في صحبة ابن مسعود ﵁ فما رآه يصلي، فذلك لكون عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مشتغلًا بالفقه والعلم، والاشتغال بالعلم أفضل من الصلاة النافلة. وقال مسروق: كنا نقرأ فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم فنصلي، فبلغ ابن مسعود ذلك فقال: لم تحمِّلون عباد اللَّه ما لم يُحملهم اللَّه؟ إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنه ينبغي أن يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا، ويصلي في البيوت دون المساجد، والصواب أن المواظبة عليها أيضًا مستحبة؛ لأن توهم الفرضية قد ارتفع.

стр. 1656

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٣٠٩ - [١] عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. وَقَالَتْ فِي رِوَايَة أُخْرَى: وَذَلِكَ ضُحًى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧، م: ٣٣٦]. ــ وجاءت في أعدادها أيضًا أخبار مختلفة من اثنين إلى اثني عشرة ركعة، وذلك باختلاف الأوقات والأحوال، والعبد مخير في ذلك، واختار أكثر العلماء أربعًا؛ لأن أحاديثها أصح، والأخبار والآثار من كل جانب مذكورة في كتاب (سفر السعادة) (١)، وقد تكلمنا في شرحه بما يسع الوقت، واللَّه أعلم. الفصل الأول ١٣٠٩ - [١] قوله: (أم هانئ) بهمزة في آخره اسمها فاختة، وقيل: عاتكة. وقوله: (وصلى ثماني ركعات) حديث أم هانئ هو العمدة والمشهور في باب صلاة الضحى، وقال بعضهم: صلاته ﷺ هذه في بيت أم هانئ كانت شكرًا لفتح مكة، فكان الأمراء يسمونه صلاة الفتح، وقيل: كانت صلاته هذه في بيت أم هانئ قضاء لحزبه ﷺ الذي فات في تلك الليلة بسبب الاهتمام بمهمات الفتح وشغله عنها، ورده النووي بما رواه أبو داود من طريق كريب عن أم هانئ أنها قالت: صلى سبحة الضحى، وأخرج مسلم (٢) أيضًا في (كتاب الطهارة) عن أم هانئ: صلى ثمان ركعات سبحة الضحى، والإضافة إلى الضحى يدل على سببية الوقت كما في صلاة الظهر

стр. 1657

١٣١ - [٢] وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧١٩]. ١٣١١ - [٣] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، ــ والعصر، وفي (المواهب اللدنية) (١): عن ابن عبد البر في (التمهيد) (٢) من طريق عكرمة بن خالد عن أم هانئ قالت: صلى رسول اللَّه ﷺ ثماني ركعات، فقلت: ما كانت يا رسول اللَّه ﷺ هذه الصلاة منك؟ قال: (هذه صلاة الضحى). وقال الترمذي (٣): وفي الباب عن أم هانئ وأبي هريرة ونعيم بن همار وأبي ذر وعائشة وأبي أمامة وعتبة بن عبد السلمي وابن أبي أوفى وأبي سعيد ﵃، وقال أحمد: أصح ما جاء في صلاة الضحى حديث أم هانئ ﵂، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لم يخبرني أحد أنه رأى رسول اللَّه ﷺ يصلي الضحى إلا أم هانئ. ١٣١٠ - [٢] قوله: (عن معاذة) بضم الميم، وقوله: (كم كان) أي: كم ركعة كان. وقوله: (ويزيد ما شاء اللَّه) ولم يزد أكثر من ثنتي عشرة ركعة. ١٣١١ - [٣] (أبو ذر) قوله: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة) ذكر

стр. 1658

وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢٠]. ــ الطيبي (١) في إعرابه وجوهًا، وأظهرها أن قوله: (صدقة) اسم (يصبح)، و (على كل سلامى) خبره، و (السلامى) بضم السين وتخفيف اللام وفتح الميم عظم في فِرْسِنِ البعير، وعظامٌ [صِغارٌ] طولُ إصبَعٍ أو أقلُّ في اليد والرجل، وجمعه سلاميات، وقال النووي في (الأذكار) (٢): السلامى العضو، وقيل: الأنملة، وقيل: كل عظم له مفصل، وكل عظم يعتمد به الإنسان عند الحركة، ويؤيده ما في حديث بريدة: (فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة)، والمعنى: على كل عضو وعظم من بني آدم كل يوم صدقة، ويستحق الشكر على أن خلقه، وجعله بحيث يمكنه الحركة، وعلى صحته وسلامته، ولما تعسر ذلك يسره الشارع بأن جعل ما يصدر من ذكر اللَّه وثنائه وغيرها من الخيرات حتى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر من جملة الصدقات التي يجب على كل سلامى، وأيسر من ذلك أن يصلي ركعتين في أول النهار، وفي الحقيقة الصلاة شكر لكل نعمة ظاهرة وباطنة، أو يشتغل فيها كل عضو وكل جزء من أجزاء بني آدم القلب والبدن بذكر اللَّه وعبادته، وخص منها بهذه الفضيلة صلاة الضحى، لكونه واقعا في أول النهار الذي هو مبدأ النعم ومفتحه. وقوله: (ويجزئ من ذلك) يروى بضم التحتانية وفتحها، قال القاضي عياض في (المشارق) (٣): بالفتح بمعنى ينوب عنه ويقوم مقامه غير مهموز، وجزاه اللَّه خيرًا

стр. 1659

١٣١٢ - [٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٤٨]. ــ أي: أثابه وكافأه، وجزيت فلانًا وجازيته على فعله، وبالضم بمعنى كفى، أجزأ الشيء كفى مهموزًا، وقال الهروي: فإن أردت معنى الكفاية، قلت: جزا وأجزا، وإلى هذا ذهب آخرون، وإن جزا وأجزا بمعنى متقارب في كفى وقضى، وقال آخرون: أجزيت عنك: قضيت، وأجزيت: كفيت، ويجزي منه ذلك ركعتان، أي: ينوب ويقضي، انتهى. ونقل عن (مطالع الأنوار) يجزئ مهموزًا وغير مهموز، هذا والمشهور أن يجزي بغير همزة من الجزاء بمعنى القضاء والإنابة، وبهمزة من الإجزاء بمعنى الكفاية، فتدبر. ١٣١٢ - [٤] (زيد بن أرقم) قوله: (رأى قومًا يصلون من الضحى) من زائدة أو تبعيضية، فإن ما يصلون بعض من صلاة الضحى وفرد منها، أو بيانية، أي: يصلون شيئًا هو الضحى، فافهم. والمعنى: كيف يصلون في هذا الوقت مع علمهم بأن هذه الصلاة في غير هذه الساعة أفضل؟ وهي حين ترمض أي: يجد الفصيل -وهو ولد البعير أو البقر- حر الشمس، والرمض محركة: شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، رمض يومنا كفرح: اشتد حره، وقدمه: احترقت من الرمضاء بالمد الأرض الشديدة الحرارة، كذا في (القاموس) (١)، والأوابون: هم الراجعون بالتوبة والتوجه إلى اللَّه، من الأوب بمعنى الرجوع، وهذا وقت تركن فيه النفوس إلى الاستراحة، فلا يصلي فيه إلا من رجع إلى اللَّه، وآنس بذكره كجوف الليل.

стр. 1660

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٣١٣ - [٥] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: "يَا ابْنَ ادَمَ ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٧٥]. ١٣١٤ - [٦] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ الْغَطَفَانِيِّ، وَأَحْمَدُ عَنْهُمْ. [د: ١٢٨٩، دي: ١/ ٣٣٨، حم: ٥/ ٢٨٦]. ــ الفصل الثاني ١٣١٣ - [٥] (أبو الدرداء، وأبو ذر) قوله: (اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره) أي: فرغ بالك لعبادتي في أول النهار واشتغل بعبادتي، أفرغ بالك في آخره بقضاء حوائجك كما وعد اللَّه للمتقين والمتوكلين. ١٣١٤ - [٦] (أبو داود، والدارمي) قوله: (عن نعيم) بضم النون (بن همار) بالراء، وفي بعض النسخ بالزاي، وفي هذا الاسم اختلاف كثير، يقال: نعيم بن همار بفتح الهاء وتشديد الميم وبالراء، ويقال: هبار مثله إلا أن الموحدة عوض الميم، وخمار كذلك وعوض الهاء خاء معجمة، ويقال: همام بتعويض الميم من الراء، هذه الأربعة ذكره الترمذي (١)، وقال: والصحيح ابن همار بالهاء والراء، وقال: أبو نعيم وهم فيه فقال: ابن حِمَاز، وأخطأ فيه، ثم ترك فقال: نعيم عن النبي، وفي (الكاشف (٢)): ابن همار أو هبار أو خمار أو حمار بكسر الحاء المهملة وهدار، وذكر في (الجامع) الستة كلها، وليس في شيء منها هماز بالزاي، واللَّه أعلم، و (الغطفاني)

стр. 1661

١٣١٥ - [٧] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "فِي الإِنْسَانِ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ" قَالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: "النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا، وَالشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُكَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٤٢]. ١٣١٦ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [ت: ٤٧٣، جه: ١٣٨٠]. ١٣١٧ - [٩] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ. . . . . ــ بفتح المعجمة والمهملة. ١٣١٥ - [٧] (بريدة) قوله: (فإن لم تجد فركعتا الضحى تجزئك) يشير إلى أن الدفن والتنحية المذكورين أفضل من الركعتين، وذلك لأن دفع المكروه والاجتناب عنه أهم من إتيان المستحب وفعله مع ما فيهما من تعظيم مساجد اللَّه ورفع الأذى عن خلق اللَّه. ١٣١٦ - [٨] (أنس) قوله: (من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة) وهذا أكثر عددٍ روي في صلاة الضحى. ١٣١٧ - [٩] (معاذ بن أنس الجهني) قوله: (من قعد في مصلاه) يعني حتى تطلع الشمس.

стр. 1662

حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَي الضُّحَى لَا يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ. [د: ١٢٨٧]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٣١٨ - [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَافَظَ عَلَى شُفْعَةِ الضُّحَى، غُفِرَتْ لَهُ ذنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٤٤٣، ت: ٤٧٦، جه: ١٣٨٢]. ١٣١٩ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِي ركَعَاتٍ ثُمَّ تَقُولُ: "لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهَا". رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٥٨]. ١٣٢٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصليهَا. . . . . ــ وقوله: (لا يقول إلا خيرًا) الظاهر أن المراد منه ما يتضمن ثواب الآخرة من ذكر اللَّه ونحوه. الفصل الثالث ١٣١٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (على شفعة الضحى) في (القاموس) (١): الشفعة من الضحى ركعتاه بالضم وتفتح، وكلاهما رواية. ١٣١٩ - [١١] (عائشة) قوله: (لو نشر لي أبواي) تعليق بالمحال العادي للمبالغة، أي: لا أترك هذه اللذة بتلك. ١٣٢٠ - [١٢] (أبو سعيد) قوله: (ويدعها حتى نقول: لا يصليها) كما كانت

стр. 1663

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٧٧]. ١٣٢١ - [١٣] وَعَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: تُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: لَا إخَالُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٧٥]. * * * ٣٩ - باب التطوع ــ عادته الشريفة في النوافل، وفي هذا دليل لمن ذهب إلى أنه لا يسن المواظبة على صلاة الضحى، بل ينبغي أن يصلي أحيانًا ويترك أخرى. ١٣٢١ - [١٣] قوله: (مورق) على لفظ اسم الفاعل من التفعيل، (العجلي) بكسر عين وسكون جيم منسوب إلى عجل بن لجيم على صيغة التصغير. وقوله: (لا إخاله) بكسر أوله وهو الأكثر، وفتحه وهو الأقيس، أي: لا أظنه يصليها، قد علمت تأويل ما ورد في نفيها، واللَّه أعلم. ٣٩ - باب التطوع من الطوع بمعنى الانقياد، وصلاة التطوع النافلة، وكل متنفل خير: متطوع، كذا في (القاموس) (١)، ومنه قوله ﷺ : (إلا أن تطوع)، وصيغة التفعُّل إما للتكلف بمعنى أنه يفعلها من غير تكليف من الشارع، أو للمبالغة لأنه يزيد ويبالغ في الطاعة بإتيان النوافل.

стр. 1664

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٣٢٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: "يَا بِلَالُ! حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ". قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي. . . . . ــ الفصل الأول ١٣٢٢ - [١] (أبو هريرة) قوله: (حدثني بأرجى عمل) من إضافة الصفة إلى الموصوف، و (أرجى) يجوز أن يكون بمعنى المفعول، والإضافة والوصف بحال المتعلق، أي: عمل مرجو ثوابه وصعوده، أو بمعنى الفاعل، والمعنى بعمل أنت ترجو به الثواب عند اللَّه من بين سائر الأعمال، وقيد (في الإسلام) اتفاقي ذكر لبيان شرف العمل. وقوله: (فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة) في (القاموس) (١): الدف: السير اللين من سير الإبل، والمشي الخفيف كالدفيف، ومن الطائر: سيره فويق الأرض، أو أن يحرك جناحيه ورجلاه في الأرض، والمراد ههنا صوت دبيبه على الأرض، وبنعليه حسيسه كما يجيء في الفصل الثاني: (إلا سمعت خشخشتك أمامي)، ومشى بلال بين يدي رسول اللَّه ﷺ كما يمشي الخادم بين يدي سيده للخدمة، وهذا شيء كوشف رسول اللَّه ﷺ في نومه أو يقظة، ويحتمل أن يكون ذلك ليلة المعراج، واللَّه أعلم. فإن قلت: هل يكون هذا بشارة بدخول الجنة كما للمبشرين به من الصحابة؟ قلت: محتمل، فإن دخول الجنة في حالة الحياة لا يستلزم دخولها بعد الممات

стр. 1665

أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا مِنْ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٤٩، م: ٢٤٥٨]. ١٣٢٣ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، ــ لاحتمال عروض ما يخرجه عن استحقاقه، والعياذ باللَّه، ويحتمل أن يكون مبالغة في دخول الجنة كأنه دخل في حالة حياته، ومن دخل الجنة لا يخرج منها إلا أن يكون ذلك مخصوصًا بالآخرة، فليتدبر. وتحقيقه في رسالة لنا مسماة بـ (تحقيق الإشارة إلى تعميم البشارة)، واللَّه أعلم. وقوله: (أني لم أتطهر) أي: من أني لم أتطهر (طهورًا) أي: وضوءًا أو غسلًا أو تيممًا. وقوله: (ما كتب لي) أي قدر، وهذا كما وقع في بعض الأحاديث: فصلى أو صليت ما شاء اللَّه، ومر في حديث معاذة: ويزيد ما شاء اللَّه، وقيل: كتب بمعنى وجب، بأن أوجب ذلك على نفسه، والأوقات المكروهة مستثناة كما يستثنى في من نذر صوم سنة الأيامُ الخمسة التي يكره فيها الصوم، وتلك الأوقات قليلة تمضي بأدنى صبر وتوقف واستعداد للطهارة، فلا يتم الاستدلال به على جواز إيقاعها في الأوقات المكروهة. ١٣٢٣ - [٢]: (جابر) قوله: (يعلمنا الاستخارة) الاستخارة طلب الخير، والمراد ههنا الصلاة المعهودة مع الدعاء المأثور بعدها، والمراد بالأمور التي يعتني لشأنها ويندر وجودها مثل السفر والعمارة ونحوهما لا كالأكل والشرب المعتاد بعد أن يكون مباحًا، وأما ما كان خيرًا محضًا فالاستخارة فيه يكون باعتبار تعين وقت أو حالة مخصوصة.

стр. 1666

يَقُولُ: "إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقَدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ. . . . . ــ وقوله: (فليركع ركعتين) في بعض الأحاديث: وليقرأ من القرآن ما تيسر، وفي بعضها ورد التخصيص بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهذا هو المأثور. وقوله: (من غير الفريضة) فتجزئه السنة الراتبة. وقوله: (بعلمك) الباء للاستعانة. وقوله: (أو قال: عاجل أمري واجله) قال الشيخ (١): هذا بدل الألفاظ كلها، أو بدل الآخرين (٢). وقوله: (فاقدره) يروى بضم الدال وكسرها، أي: اقض به وهيِّئْه لي من القدر لا من القدرة.

стр. 1667

ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ. قَالَ: "وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٦٢]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٣٢٤ - [٣] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ -وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ، فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّه لَهُ، ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرِ الآيَةَ. [ت: ٣٠٠٦، جه: ١٣٩٥]. ــ وقوله: (ثم أرضني) من الإرضاء، أي: اجعلني راضيًا بذلك الخير الذي طلبت منك، وقدرته لي بأن يحصل اليقين وانشراح الصدر من غير شك ودغدغة، وهذا هو الأصل المعتبر في الباب. وقوله: (ويسمي حاجته) ظاهره أن يذكر باللسان بعد قوله: هذا الأمر، أو يذكرها مكانه، ولعله يكفي أن يتصور الحاجة في هذا الوقت، واللَّه أعلم. الفصل الثاني ١٣٢٤ - [٣] (علي) قوله: (ثم يصلي ثم يستغفر) وهذه تسمى صلاة الاستغفار، ولو قرأ فيها من آيات القران ما فيها ذكر الاستغفار والمغفرة والرحمة لكان أنسب، وقراءته ﷺ الآية المذكورة كأنه دليل على استحباب الصلاة والاستغفار بعد وقوع الذنب؛ لأن قوله تعالى: (والذين) عطف على (المتقين) أي: الجنة أعدت للمتقين والتائبين، والمراد بالفاحشة الكبيرة، وبالظلم الصغائر، والصلاة هو ذكر اللَّه بل أعظم أقسامه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].

стр. 1668

١٣٢٥ - [٤] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣١٩]. ١٣٢٦ - [٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا بِلَالًا فَقَالَ: "بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ. . . . . ــ ١٣٢٥ - [٤] (حذيفة) قوله: (إذا حزبه أمر) في (القاموس) (١): حزبه الأمر: نابه واشتد عليه أو ضغطه. وقوله: (صلى) امتثالًا لقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، واختلف إشاراتهم في أن الاشتغال بالعبادة يكشف الغم والحزن عن القلب، فقال بعض المحققين: إذا اشتغل الإنسان بالعبادة انكشف عالم الربوبية، ومتى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بكليتها حقيرة، فخف على القلب فقدانها ووجدانها، فلا يستوحش من فقدانها، ولا يستريح من وجدانها، وعند ذلك يزول الحزن والغم، وقال بعضهم: إذا نزل بالعبد بعض المكاره وفزع إلى الطاعات كأنه يقول: تحتسب علي عبادتك، سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات، قال اللَّه لنبيه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]. ١٣٢٦ - [٥] (بريدة) قوله: (ما دخلت الجنة قط) يدل على كثرة دخوله إياها (٢)، والخشخشة: حركة صوت السلاح، وكل شيء يابس إذا حك بعضه ببعض،

стр. 1669

إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بِهِمَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٨٩]. ١٣٢٧ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَليَتَوَضَّأ فَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لْيُثْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًى إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، ــ وتخشخش: صوَّت، كذا في (القاموس) (١). وقوله: (ما أذنت قط إلا صليت ركعتين) يؤخذ منه استحباب الركعتين للمؤذن بعد الأذان. وقوله: (رأيت أن للَّه علي ركعتين) كناية عن محافظته إياهما ومواظبته عليهما. ١٣٢٧ - [٦] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (وعزائم مغفرتك) أي: أعمالًا وخصالًا تحصل بها مغفرتك، وتنعزم وتتأكد بها لي، والعزم القصد على الفعل وعقد القلب عليه.

стр. 1670

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٤٧٩، جه: ١٣٨٤]. * * * ٤٠ - [باب] صلاة التسبيح ١٣٢٨ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: "يَا عَبَّاسُ! يَا عَمَّاهُ! أَلَا أُعْطِيكَ؟ أَلَا أَمْنَحُكَ؟ أَلَا أَحْبُوكَ؟ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ؟ عَشْرَ خِصَالٍ إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ: أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ــ وقوله: (هذا حديث غريب) وقال الترمذي: في إسناده مقال، وفائد بن عبد الرحمن أبو الورقاء يضعف في الحديث، في (الكاشف) (١): فائد أبو الورقاء الكوفي العطار عن ابن أبي أوفى وغيره، وعنه يزيد بن هارون الفرياني وجمع، تركوه، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه. ٤٠ - باب صلاة التسبيح ١٣٢٨، ١٣٢٩ - [١، ٢] (ابن عباس، وأبو رافع) قوله: (ألا أفعل بك؟ عشر خصال) المراد بها أنواع الذنوب المعدودة لقوله: أوله وآخره إلى سره وعلانيته، والتقدير أفعل بك وأعلم لك بما يكفر عشر خصال، وقيل: المراد بها التسبيحات،

стр. 1671

ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَم تَفْعَلْ ففِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمرِكَ مَرَّةً". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعْوَاتِ الْكَبِيرِ". [د: ١٢٩٧، جه: ١٣٨٧، الدعوات الكبير: ٤٤٤]. ١٣٢٩ - [٢] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَهُ. [ت: ٤٨٢]. ــ فإنها فيما سوى القيام عشرًا عشرًا، ومعنى أفعل بك: آمرك، واعلم أن حديث صلاة التسبيح أورده صاحب (جامع الأصول) (١) من حديث أبي داود والترمذي وجعل في روايةٍ نهايتَه: في كل سنة مرة، ولم يذكر (٢): فإن لم تفعل ففي عمرك مرة، وأورده المؤلف من حديث ابن ماجه والبيهقي أيضًا، وفي (الحصن الحصين) برمز أبي داود وابن ماجه و (المستدرك) للحاكم و (صحيح ابن حبان)، وقال الترمذي في (جامعه) (٣): وفي الباب عن ابن عباس وعبد اللَّه بن عمرو وأنس ﵃، وحديث أنس حسن غريب، وقال: قد روي عن النبي ﷺ في صلاة التسبيح ولا يصح منه كثير شيء، وقد رأى ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم صلاة التسبيح وذكروا الفضلَ فيه، انتهى.

стр. 1672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والكلام المشبع في هذا الباب ما ذكر في (تنزيه الشريعة) (١) بعد ما أورده من الدارقطني وقال: ولا يثبت، وفيه موسى بن عبد العزيز مجهول، وجاء من حديث العباس منه، وفيه صدقة بن يزيد الخراساني ضعيف، ومن حديث أبي رافع مولى رسول اللَّه ﷺ منه، وفيه موسى بن عبيدة ليس بشيء، وتعقب بأن حديث ابن عباس أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم، وحديث أبي رافع أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقد رد على ابن الجوزي في إيراده الأحاديث الثلاثة في (الموضوعات)، وأورد الحافظ ابن حجر حديث عباس ﵁ في (كتاب الخصال المكفرة)، وقال: رجال إسناده لا بأس بهم، وقد أساء ابن الجوزي بذكره في (الموضوعات)، وقوله: إن موسى بن عبد العزيز مجهول لم يصب فيه، فإن ابن معين والنسائي وثقاه فلا يضره أن يجهل حاله من جاء بعدهما، وشاهده ما أخرجه الدارقطني من حديث العباس، والترمذي وابن ماجه من حديث أبي رافع، وأبو داود من حديث ابن عمر، وله طرق أخرى، انتهى. وقال في (أمالي الأذكار): حديث ابن عباس أخرجه البخاري في (جزء القراءة خلف الإمام)، وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في (صحيحه)، والحاكم في (مستدركه) والبيهقي وغيرهم، وقال ابن شاهين في (الترغيب): سمعت أبا بكر بن أبي داود يقول: سمعت أبي يقول: أصح حديث في صلاة التسبيح هذا، وقال: موسى بن عبد العزيز وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان، وروى عنه خلق، وأخرج له في (الأدب) حديثًا في سماع الرعد، وببعض هذه ترفع الجهالة، وممن صحح هذا الحديث وحسنه غير من تقدم ابن منده وألف فيهما كتابًا، والآجري والخطيب وأبو سعد بن السمعاني

стр. 1673

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأبو موسى المديني وأبو الحسن بن المفضل والمنذري وابن الصلاح والنووي في (تهذيب الأسماء واللغات) والسبكي وآخرون، وقال الديلمي في (مسند الفردوس): صلاة التسبيح أشهر الصلوات وأصحها إسنادًا، وقال: وأصح شيء في فضائل السور حديث ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وأصح شيء في فضل الصلاة حديث التسبيح، وروى البيهقي وغيره عن أبي حامد بن الشرقي قال: كتب مسلم بن الحجاج معنا هذا الحديث عن عبد الرحمن بن بشير يعني حديث صلاة التسبيح، فسمعت مسلمًا يقول: لا يروى فيه أحسن من هذا، وقال الترمذي: قد رأى ابن المبارك وغيره صلاة التسبيح وذكروا الفضل فيه. وقال الحاكم: ومما يستدل به على صحته استعمال الأئمة له كابن المبارك والبيهقي، وكان عبد اللَّه بن المبارك يصليها وتداولها الصالحون بعضهم عن بعض، وفي ذلك تقوية للحديث المرفوع، قال الحافظ ابن حجر: وأقدم مَن روي عنه فعلها صريحًا أبو الجوزاء أوس بن عبد اللَّه البصري من ثقات التابعين، أخرجه عنه الدارقطني بسند حسن، وقال: عبد العزيز بن أبي رَوَّاد وهو أقدم من ابن المبارك: من أراد الجنة فعليه بصلاة التسبيح. وقال أبو عثمان الحيري الزاهد: ما رأيت للشدائد والهموم مثل صلاة التسبيح، وقد نص على استحبابها أئمة الطريقين من الشافعية، ولحديث ابن عباس هذا طرق فتابع موسى بن عبد العزيز إبراهيم بن الحكم، ومن طريقه أخرجه ابن راهويه وابن خزيمة والحاكم، وقال: إنه أصح طرقه، وتابع عكرمة عن ابن عباس عطاء أخرجه الطبراني في (الكبير) وأبو نعيم بسند رجاله ثقات، وأبو الجوزاء أخرجه الطبراني في (الأوسط) والدارقطني في صلاة التسبيح من طريقين عنه، ومجاهد أخرجه الطبراني

стр. 1674

١٣٣٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ ﵎: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ". . . . . ــ في (الأوسط) وهذه ست طرق، ولكل منها متابعات وشواهد ذكرها ابن حجر يطول المقام بذكرها، وممن صحح حديثها أو حسنها غير من تقدم الحافظ العلائي والشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ بدر الدين الزركشي، ولقد ناقض كلام ابن حجر فيه، وكذا كلام النووي في تحسين هذا الحديث وتضعيفه، هذا كلام (تنزيه الشريعة) مع اختصار في آخره بحذف الطرق، وبالجملة حديث صلاة التسبيح لا يخلو عن نوع من الاختلاف بين الأئمة، والراجح المختار فيها الصحة أو الحسن، واللَّه أعلم. ١٣٣٠، ١٣٣١ - [٣، ٤] (أبو هريرة، وعن رجل) قوله: (فإن صلحت) في (القاموس) (١) صلح كمنع وكرم، وفي (الصحاح) (٢): من باب نصر وكرم. وقوله: (فإن انتقص من فريضته شيء) أي: من مكملاتها من السنن والآداب. وقوله: (فيكمل) بالنصب والرفع، والأول أظهر وأشهر على معنى أنه من كلام اللَّه تعالى جوابًا للاستفهام. وقوله: (ثم يكون سائر عمله) من الزكاة والصوم والحج يكمل فرائضها بتطوعها.

стр. 1675

وَفِي رِوَايَةٍ: "ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلَ ذَلِك، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٨٦٤، ٨٦٦]. ١٣٣١ - [٤] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ. [حم: ٥/ ٧٢، ٣٧٧]. ١٣٣٢ - [٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا، وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ" يَعْنِي الْقُرْآنَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٥/ ٢٦٨، ت: ٢٩١١]. * * * ــ ١٣٣٢ - [٥] (أبو أمامة) قوله: (ما أذن اللَّه لعبد في شيء أفضل من الركعتين) في (القاموس) (١): أذن له وإليه كفرح: استمع معجبًا، أو عامٌّ، والمعنى ههنا الإقبال من اللَّه بالرحمة والرأفة إلى العبد، ولعله إنما ذكر الاستماع وإن كانت الصلاة من جملة الأفعال لكونه مشتملًا على الكلام من القرآن والتسبيحات. وقوله: (ليذر) على صيغة المجهول من الذر بالذال المعجمة، أي: ينثر ويفرق، وقد يروى بالدال المهملة، وقيل: هو تصحيف؛ لأنه وإن تضمن معنى النثر والتفريق لكنه مختص بالمبايعات وليس له كثير مناسبة بالمقام. وقوله: (بمثل ما خرج منه) الضمير للَّه أو للعبد، والمراد القرآن، والمراد على الأول خرج من علمه أو لوحه المحفوظ، وعلى الثاني برز من لسانه.

стр. 1676

٤١ - باب صلاة السفر ــ ٤١ - باب صلاة السفر (١) اعلم أنه لا خلاف في جواز قصر الرباعية في السفر لأحد من الأئمة، وعلماء الأمة مجمعون على ذلك، ولكن عندنا هذا القصر واجب، وفرض الوقت على المسافر ركعتان، والقصر هو العزيمة وإن كان يسمى رخصة لكن تسميته بها مجاز، كما علم في أصول الفقه، ولو صلى المسافر أربع ركعات لم يجز إلا أن يقعد القعدة الأولى؛ لأنها في الحقيقة القعدة الأخيرة وإن أثم بترك السلام، وإن لم يقعد لم تقع جائزة ولزم الإعادة، وهو مذهب مالك على ما يفهم من (رسالة ابن أبي زيد) في مذهبهم؛ لأنه قال: من سافر أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلًا، فعليه أن يقصر الصلاة ويصلي ركعتين، ويفهم من بعض الشروح أن مذهبه يوافق مذهب الشافعي وأحمد أن القصر رخصة، والمصلي مخير بين القصر والإتمام، وأصل الفرض أربعة، ودليلهم على ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، فإن ظاهره يدل على الرخصة والتخفيف لا على اللزوم والإيجاب، وأيضًا قاسوا الصلاة على الصوم، فكما أن الصوم في السفر عزيمة والإفطار رخصة، فكذلك يكون الإتمام فيه عزيمة والقصر رخصة، وحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم، وفي صحة هذا الحديث كلام، وجاء عن عثمان ﵁ أنه صلى في أيام الحج

стр. 1677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في منى أربع ركعات، والصحابة الذين معه أيضًا صلوا أربعًا، وكانت عائشة ﵂ أيضًا تتم. وقال علماؤنا: قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ليس نصًّا في الرخصة والتخيير، وإنما قال بهذه العبارة لأن المسلمين لكمال ولعهم وشغفهم بالعبادة وتكثيرها وإتمامها كأنهم كانوا يتحرجون في القصر وكانوا يعدونه جناحًا، فقال: لا جناح عليكم أن تقصروا، ولا حرج، فإن الركعتين في حكم الأربعة على قياس ما قال بعض العلماء الذين قالوا بوجوب السعي بين الصفا والمروة في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، والقياس على الصوم فاسد، فإن قضاء الصوم واجب، وهذه علامات الوجوب، وكونه عزيمة بخلاف الشفع الثاني في صلاة السفر فعلم أنه ليس بواجب، وبعضهم قالوا: إن القصر المذكور في الآية قصر الأفعال دون قصر الأعداد، كما في صلاة الخوف بسقوط الاستقبال والتزام المكان ونحوهما فيها، وجاء عن رسول اللَّه ﷺ بطريق الشهرة أنه لم يتم في سفر أبدًا، وروى مسلم عن عائشة ﵂ بطرق متعددة أنها قالت: كان فرض الصلاة في الابتداء ركعتين في السفر والحضر، فقررت في السفر تلك الركعتان، وزيد في الحضر، ويعلم من هذا أن الركعتين في السفر ليستا رخصة حقيقة بعد ما كانت أربعًا، بل هو أصل المشروع وهو معنى العزيمة، فتدبر. وروى النسائي وابن ماجه (١): صلاة السفر ركعتان، وصلاة الضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام [غير] قصر على لسان محمد ﷺ ، وكذلك روى ابن حبان في (صحيحه) ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: فرض اللَّه تعالى

стр. 1678

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتان، وفي الخوف ركعة، وروى الطبراني بهذا اللفظ: فرض رسول اللَّه ﷺ ركعتين في السفر كما فرض في الحضر أربعًا، ذكر هذه الأحاديث الشيخ ابن الهمام في شرح (الهداية) (١)، وأيضًا روى مسلم عن أمير المؤمنين عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (هذه صدقة تصدق اللَّه بها على عباده فاقبلوا صدقته)، والتصدق فيما لا يقبل القبض محض إسقاط، وأيضًا لما يسر اللَّه تعالى وخفف وأسقط يكون تشديد العبد على نفسه واختياره الأشد جرأة منه، لا يليق بمقام العبودية، بخلاف صوم المسافر فإن فيه بموافقة المسلمين يسرًا كما في الإفطار، ولهذا ذهب الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه مع تجويزهما القصر والإتمام أن القصر أحب، وكذلك جعلا الإفطار أحب لمثل هذا الوجه، وذكر في (الحاوي) (٢) في مذهب الشافعي ﵀ حديثًا: (خير عباد اللَّه الذين إذا سافروا قصروا)، ولأن القصر متفق عليه، فالأخذ به كان أولى للخروج عن الخلاف. هذا والكلام في صلاة أمير المؤمنين عثمان ﵁ أربع ركعات بمنى، وموافقة الصحابة إياه طويل، فقد ذكر في (صحيح البخاري) (٣) من حديث ابن عمر ﵁ أنه قال: صليت مع النبي ﷺ بمنى ركعتين، ومع أمير المؤمنين أبي بكر وعمر ﵄ ركعتين، ومع أمير المؤمنين عثمان ﵁ في صدر من خلافته، ثم كان يتم عثمان ﵁، وقالوا: مدة قصر عثمان ﵁ في أوائل خلافته ست سنين أو ثمان سنين على خلاف فيها، هذا وقد ذكر

стр. 1679

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الصحيح (١) عن ابن عمر ﵄ أنه قال: صحبت رسول اللَّه ﷺ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت أبا بكر ﵁ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، [وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ]، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ومن هذا يعلم أن إتمام الصلاة كان من عثمان ﵁ بمنى لمصلحة رآها لا دائمًا بعد مضي سنين من خلافته، واللَّه أعلم. وفي (صحيح البخاري) (٢) عن حارثة بن وهب: صلى بنا النبي ﷺ آمن ما كان بمنى ركعتين، وعن عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد اللَّه بن مسعود ﵁ فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق ﵁ بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان، وقيل لابن مسعود ﵁: لم وافقته أنت؟ قال: الخلاف شر، يعني أن المخالفة مع إمام العصر فيما يفعل لم يحسن، ويظهر من هذا لجواز الإتمام وجه؛ لأن سكوت ابن مسعود ﵁ وغيره من الصحابة فيما لا يجوز أصلًا مما لم يجز. واختلف في ذلك الوجه فقيل: إن عثمان ﵁ إنما أتم لأنه كان تأهل بمكة، أو لأنه كان أمير المؤمنين فكل موضع له دار، أو لأنه عزم على الإقامة بمكة، ورد هذه الوجوه أما الأول فبأن النبي ﷺ كان يسافر بزوجاته وقصر، والثاني بأن النبي ﷺ كان

стр. 1680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أولى بذلك، والثالث بأن الإقامة بمكة على المهاجر حرام، ولأن هذه الوجوه لا تجري في صلاة عائشة ﵂ أربعًا، وقد ورد: (تأولت كما تأول عثمان ﵁) كما سيأتي، على أن أكثر هذه الوجوه ظنون لا دليل عليها، وقيل: لعل عثمان ﵁ يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، وأما القول بأن عثمان ﵁ كان قائلًا بأن القصر -كما يفهم من ظاهر الآية- مخصوص بحالة الخوف، وإذا أمن كان الإتمام أفضل فمردود بحديث عمر ﵁: (صدقة تصدق اللَّه بها) الحديث، ولأن النبي ﷺ كان آمن منه، وقد قصر، والقيد في الآية اتفاقي مبني على الأكثر والأغلب، وقال الطحاوي عن الزهري قال: إنما صلى عثمان ﵁ أربعًا؛ لأن الأعراب وأهل البدو والذين لا يعرفون بتفاصيل الأحكام كانوا أكثر في ذلك المقام، فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع، ويؤيده ما روى البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه قال: إن عثمان ﵁ بعد ما صلى أربعًا خطب واعتذر أن القصر سنة رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه ﵄، ولكنه حدث طغام -بفتح الطاء والمعجمة (١) - فخفتُ أن يستنوا، وعن ابن جريج أن أعرابيًا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين! ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين، ولهذا طرق بعضها يقوي بعضًا، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، كذا في (فتح الباري) (٢). وقال ابن بطال: الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة ﵂ كانا يريان النبي ﷺ إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته شفقة عليهم، وكان مخيرًا بالقصر

стр. 1681

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٣٣٣ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٤٧، م: ٦٩٠]. ــ والإتمام، فأخذا لأنفسهما بالشدة، ورجح هذا الوجه جماعة، منهم القرطبي، ويؤيده ما روى البيهقي من طريق عروة بن الزبير حديثًا أنه قال: رأيت عائشة ﵂ تصلي في السفر أربعًا، فقلت: يا أم المؤمنين! هلا صليت ركعتين، قالت: يا ابن أختي لا يشق علي. وبالجملة المسألة مختلف فيها بأن القصر واجب أو رخصة، وذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ أن القصر واجب سواء كان فيه مشقة أو لا، وسائرًا كان أو نازلًا أو آمنًا، ويكون سفر طاعة أو معصية، ووافقه في الأخير الثوري؛ وهكذا حكم سائر الرخص. الفصل الأول ١٣٣٣ - [١] (أنس) قوله: (صلى الظهر) أي: في اليوم الذي أراد الخروج إلى مكة لحجة الوداع، وصلى العصر في ذلك اليوم بذي الحليفة -بضم الحاء المهملة وفتح اللام-: موضع على خمسة أو ستة أميال من المدينة، ميقات أهل المدينة والشام. وقوله: (ركعتين (١)) مفعول (صلى)، فعلم أن المسافر يقصر.

стр. 1682

١٣٣٤ - [٢] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٦، م: ٦٩٦]. ــ ١٣٣٤ - [٢] (حارثة بن وهب الخزاعي) قوله: (ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه بمنًى ركعتين) إعراب هذا التركيب يحتاج إلى بيان وفيه وجوه، أحدها: أن قوله: (ونحن أكثر) جملة حالية أو معترضة بين (صلى) ومعموله الذي هو (بمنى ركعتين)، فإن رفع (أكثر) وهو أظهر على أنه مبتدأ وخبره محذوف، وجعل (ما) مصدرية، و (آمنه) بصيغة التفضيل عطفًا على (أكثر)، وكان تامة، فالتقدير: نحن أكثرُ زمان أكواننا وآمنُه حاصلٌ، ويجوز أن يكون (ما) موصوفة كناية عن العدد، ويكون (أكثر) خبرًا لـ (نحن)، والتقدير: ونحن أكثر عددًا من عدد كنا قبل إياه، ويشكل على هذا وجود (قط) فإنه للنفي، فقيل: إنما جيء به لاشتمال الكلام على معنى النفي أو مقدر النفي، والتقدير: ما كنا وقت أكثر قط، وإن نصب (أكثر) جعل خبرًا لـ (كنَّا)، و (ما) نافية، ويجوز عمل ما بعد (ما) فيما قبلها وهو ضعيف، هذا وقد يجعل (آمنه) بلفظ الماضي أي: آمنه اللَّه عطفًا على (صلى)، أو حالًا بتقدير قد، فتدبر. وقد يروى (أَمَنَةً) جمع آمن على وزن طلبة جمع طالب منصوبًا على الحالية، ودل الحديث على جواز القصر في السفر من غير خوف، وهو مصرح في الحديث الثاني.

стр. 1683

١٣٣٥ - [٣] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُميَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ. قَالَ عُمَرُ: عَجبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨٦]. ١٣٣٦ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قِيلَ لَهُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّة شَيْئًا؟ قَالَ: "أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٨١، م: ٦٩٣]. ــ ١٣٣٥ - [٣] (يعلى بن أمية) قوله: (عجبت مما عجبت منه) الأول بلفظ التكلم، والثاني بلفظ الخطاب، ويحتمل العكس، والرواية هي الأولى. وقوله: (فاقبلوا صدقته) (١) أي: اقصروا، وأما التقييد في الآية فقد خرج مخرج العادة وباعتبار الأغلب، فإن الغالب من حال المسافرين الخوف خصوصًا في ذلك الزمان؛ لأن أعداء اللَّه كانوا في صدد إيذائهم وإهلاكهم، ومفهوم المخالف لا اعتبار له إذا خرج مخرج العادة، وقد تقرر ذلك في أصول الفقه. ١٣٣٦ - [٤] (عن أنس) قوله: (أقمنا بها عشرًا)، هذا في حجة الوداع؛ فإنه ﷺ وأصحابه قدموا فيها مكة لصبح رابعة ذي الحجة، وخرج منها في اليوم الثامن إلى منى، وصلى الظهر بها، ثم خرج صبح الرابع عشر إلى المدينة، فإن قلت: فعلى هذا لم يكن إقامته بمكة إلا أربعة؟ قلت: نعم، والمراد أن هذه الإقامة بمكة وحواليها عشرة.

стр. 1684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واعلم أن المذهب عندنا أن من نوى الإقامة مدة خمسة عشر يومًا أو أكثر أتم الصلاة، ويقصر إن نوى أقل من ذلك، وإن لبث أكثر من خمسة عشر من غير نية لا يصير مقيمًا ولو أقام أشهرًا أو سنين، وهذا التقدير مروي عن ابن عباس وعن ابن عمر ﵃ أخرجه الطحاوي عنهما قائلًا بأن إذا أقمت ببلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها، وكذا روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر ﵄ أنه إذا جمع على إقامة خمسة عشر أتم. وقال محمد في (كتاب الآثار) (١): حدثنا أبو حنيفة رحمة اللَّه عليه، حدثنا موسى ابن مسلم عن مجاهد عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: إذا كنت مسافرًا فوطّنت نفسك على إقامة خمسة عشر يومًا فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصر، قالوا: والأثر في مثله كالخبر لأنه لا مدخل للرأي في المقدرات الشرعية، وأما قول صاحب (الهداية): فقدرناه بمدة الطهر؛ لأنها مدتان موجبتان، فمعناه أن بعد ثبوت التقدير بالخبر وجدناه على وفق صورة قياس ظاهر، فرجحنا به المروي عن ابن عباس وابن عمر ﵃ على المروي عن عثمان ﵁ أنها أربعة أيام، كما هو مذهب الشافعي ﵀ من أنه إن نوى الإقامة أربعة أيام فصاعدأ أتم، كما هو دأبنا في التمسك بالقياسات والدلائل العقلية، إنما هو لترجيح بعض الأخبار على بعض لا قياس في مقابلة النص، كما زعم الخصم، وأيضًا الحديث المذكور الناطق بالقصر مع الإقامة بمكة عشرًا ينفي هذا التقدير؛ لأن الإقامة بمكة كان بنية الزيادة على أربعة؛ لأن الحديث إنما هو في حجة الوداع، فافهم.

стр. 1685

١٣٣٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَافَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَفَرًا، فَأَقَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي. . . . . ــ وهذا مذهب الشافعي ﵀ في النية، وأما مذهبه في عدم النية واللبث ببلد مع العزم على الخروج حتى انقضى شغله فإنه يقدره بثمانية عشر يومًا، فإن ازداد على هذه المدة أتم، ويرده إقامة ابن عمر ﵄ بآذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة يقول: أخرج اليوم أو غدًا، يقولون في جوابه: إنه كانت إقامته في بقاع متفرقة، ولم يقم في مكان واحد أكثر من ثلاثة أيام، واللَّه أعلم. وقال الشيخ ابن الهمام (١): روى البيهقي في (المعرفة) بإسناد صحيح أن ابن عمر ﵄ قال: ارتج علينا الثلج، ونحن بآذربيجان ستة أشهر، فكنا نصلي ركعتين، وهذا يدل على أنه كان مع غيره من الصحابة يفعلون ذلك، وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين، فكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين، وأخرج عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان مع عبد الملك بن مروان بالشام شهرين يصلي ركعتين ركعتين. ١٣٣٧ - [٥] (ابن عباس) قوله: (فأقام تسعة عشر يومًا) هذا في غزوة الفتح، فلا منافاة بينه وبين حديث أنس، ثم أنه جاء في رواية أبي داود عن عكرمة سبعة عشر بتقديم السين يقصر الصلاة، وفي رواية له من حديث عمران بن الحصين: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ للفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين، وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد اللَّه عن ابن عباس ﵄: أقام بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة، وجمع البيهقي بين هذه الروايات بأن من قال: تسع عشرة عدّ يومي
следующие страницы →