← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٣٣٣ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٤٧، م: ٦٩٠]. ــ والإتمام، فأخذا لأنفسهما بالشدة، ورجح هذا الوجه جماعة، منهم القرطبي، ويؤيده ما روى البيهقي من طريق عروة بن الزبير حديثًا أنه قال: رأيت عائشة ﵂ تصلي في السفر أربعًا، فقلت: يا أم المؤمنين! هلا صليت ركعتين، قالت: يا ابن أختي لا يشق علي. وبالجملة المسألة مختلف فيها بأن القصر واجب أو رخصة، وذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ أن القصر واجب سواء كان فيه مشقة أو لا، وسائرًا كان أو نازلًا أو آمنًا، ويكون سفر طاعة أو معصية، ووافقه في الأخير الثوري؛ وهكذا حكم سائر الرخص. الفصل الأول ١٣٣٣ - [١] (أنس) قوله: (صلى الظهر) أي: في اليوم الذي أراد الخروج إلى مكة لحجة الوداع، وصلى العصر في ذلك اليوم بذي الحليفة -بضم الحاء المهملة وفتح اللام-: موضع على خمسة أو ستة أميال من المدينة، ميقات أهل المدينة والشام. وقوله: (ركعتين (١)) مفعول (صلى)، فعلم أن المسافر يقصر.

стр. 1682

١٣٣٤ - [٢] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٦، م: ٦٩٦]. ــ ١٣٣٤ - [٢] (حارثة بن وهب الخزاعي) قوله: (ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه بمنًى ركعتين) إعراب هذا التركيب يحتاج إلى بيان وفيه وجوه، أحدها: أن قوله: (ونحن أكثر) جملة حالية أو معترضة بين (صلى) ومعموله الذي هو (بمنى ركعتين)، فإن رفع (أكثر) وهو أظهر على أنه مبتدأ وخبره محذوف، وجعل (ما) مصدرية، و (آمنه) بصيغة التفضيل عطفًا على (أكثر)، وكان تامة، فالتقدير: نحن أكثرُ زمان أكواننا وآمنُه حاصلٌ، ويجوز أن يكون (ما) موصوفة كناية عن العدد، ويكون (أكثر) خبرًا لـ (نحن)، والتقدير: ونحن أكثر عددًا من عدد كنا قبل إياه، ويشكل على هذا وجود (قط) فإنه للنفي، فقيل: إنما جيء به لاشتمال الكلام على معنى النفي أو مقدر النفي، والتقدير: ما كنا وقت أكثر قط، وإن نصب (أكثر) جعل خبرًا لـ (كنَّا)، و (ما) نافية، ويجوز عمل ما بعد (ما) فيما قبلها وهو ضعيف، هذا وقد يجعل (آمنه) بلفظ الماضي أي: آمنه اللَّه عطفًا على (صلى)، أو حالًا بتقدير قد، فتدبر. وقد يروى (أَمَنَةً) جمع آمن على وزن طلبة جمع طالب منصوبًا على الحالية، ودل الحديث على جواز القصر في السفر من غير خوف، وهو مصرح في الحديث الثاني.

стр. 1683

١٣٣٥ - [٣] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُميَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ. قَالَ عُمَرُ: عَجبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨٦]. ١٣٣٦ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قِيلَ لَهُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّة شَيْئًا؟ قَالَ: "أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٨١، م: ٦٩٣]. ــ ١٣٣٥ - [٣] (يعلى بن أمية) قوله: (عجبت مما عجبت منه) الأول بلفظ التكلم، والثاني بلفظ الخطاب، ويحتمل العكس، والرواية هي الأولى. وقوله: (فاقبلوا صدقته) (١) أي: اقصروا، وأما التقييد في الآية فقد خرج مخرج العادة وباعتبار الأغلب، فإن الغالب من حال المسافرين الخوف خصوصًا في ذلك الزمان؛ لأن أعداء اللَّه كانوا في صدد إيذائهم وإهلاكهم، ومفهوم المخالف لا اعتبار له إذا خرج مخرج العادة، وقد تقرر ذلك في أصول الفقه. ١٣٣٦ - [٤] (عن أنس) قوله: (أقمنا بها عشرًا)، هذا في حجة الوداع؛ فإنه ﷺ وأصحابه قدموا فيها مكة لصبح رابعة ذي الحجة، وخرج منها في اليوم الثامن إلى منى، وصلى الظهر بها، ثم خرج صبح الرابع عشر إلى المدينة، فإن قلت: فعلى هذا لم يكن إقامته بمكة إلا أربعة؟ قلت: نعم، والمراد أن هذه الإقامة بمكة وحواليها عشرة.

стр. 1684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واعلم أن المذهب عندنا أن من نوى الإقامة مدة خمسة عشر يومًا أو أكثر أتم الصلاة، ويقصر إن نوى أقل من ذلك، وإن لبث أكثر من خمسة عشر من غير نية لا يصير مقيمًا ولو أقام أشهرًا أو سنين، وهذا التقدير مروي عن ابن عباس وعن ابن عمر ﵃ أخرجه الطحاوي عنهما قائلًا بأن إذا أقمت ببلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها، وكذا روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر ﵄ أنه إذا جمع على إقامة خمسة عشر أتم. وقال محمد في (كتاب الآثار) (١): حدثنا أبو حنيفة رحمة اللَّه عليه، حدثنا موسى ابن مسلم عن مجاهد عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: إذا كنت مسافرًا فوطّنت نفسك على إقامة خمسة عشر يومًا فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصر، قالوا: والأثر في مثله كالخبر لأنه لا مدخل للرأي في المقدرات الشرعية، وأما قول صاحب (الهداية): فقدرناه بمدة الطهر؛ لأنها مدتان موجبتان، فمعناه أن بعد ثبوت التقدير بالخبر وجدناه على وفق صورة قياس ظاهر، فرجحنا به المروي عن ابن عباس وابن عمر ﵃ على المروي عن عثمان ﵁ أنها أربعة أيام، كما هو مذهب الشافعي ﵀ من أنه إن نوى الإقامة أربعة أيام فصاعدأ أتم، كما هو دأبنا في التمسك بالقياسات والدلائل العقلية، إنما هو لترجيح بعض الأخبار على بعض لا قياس في مقابلة النص، كما زعم الخصم، وأيضًا الحديث المذكور الناطق بالقصر مع الإقامة بمكة عشرًا ينفي هذا التقدير؛ لأن الإقامة بمكة كان بنية الزيادة على أربعة؛ لأن الحديث إنما هو في حجة الوداع، فافهم.

стр. 1685

١٣٣٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَافَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَفَرًا، فَأَقَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي. . . . . ــ وهذا مذهب الشافعي ﵀ في النية، وأما مذهبه في عدم النية واللبث ببلد مع العزم على الخروج حتى انقضى شغله فإنه يقدره بثمانية عشر يومًا، فإن ازداد على هذه المدة أتم، ويرده إقامة ابن عمر ﵄ بآذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة يقول: أخرج اليوم أو غدًا، يقولون في جوابه: إنه كانت إقامته في بقاع متفرقة، ولم يقم في مكان واحد أكثر من ثلاثة أيام، واللَّه أعلم. وقال الشيخ ابن الهمام (١): روى البيهقي في (المعرفة) بإسناد صحيح أن ابن عمر ﵄ قال: ارتج علينا الثلج، ونحن بآذربيجان ستة أشهر، فكنا نصلي ركعتين، وهذا يدل على أنه كان مع غيره من الصحابة يفعلون ذلك، وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين، فكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين، وأخرج عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان مع عبد الملك بن مروان بالشام شهرين يصلي ركعتين ركعتين. ١٣٣٧ - [٥] (ابن عباس) قوله: (فأقام تسعة عشر يومًا) هذا في غزوة الفتح، فلا منافاة بينه وبين حديث أنس، ثم أنه جاء في رواية أبي داود عن عكرمة سبعة عشر بتقديم السين يقصر الصلاة، وفي رواية له من حديث عمران بن الحصين: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ للفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين، وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد اللَّه عن ابن عباس ﵄: أقام بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة، وجمع البيهقي بين هذه الروايات بأن من قال: تسع عشرة عدّ يومي

стр. 1686

رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَحْنُ نُصَلِّي فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٠٨٠]. ــ الدخول والخروج، ومن قال: سبعة عشر حذفهما، ومن قال: ثمانية عشر عد أحدهما وحذف الآخر، وأما رواية خمسة عشر فضعفها النووي في (الخلاصة)، قال الشيخ (١): وليس -يعني تضعيفه- بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد اللَّه كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة، قالوا: وأخذ الشافعي رحمة اللَّه عليه بحديث عمران بن حصين، فتدبر. وقوله: (فنحن نصلي فيما بيننا وبين مكة تسعة عشر ركعتين ركعتين) يعني إذا ثبت أن رسول اللَّه ﷺ يصلي في إقامة تسعة عشر يومًا ركعتين ركعتين، فنحن إذا اتفق لنا الإقامة في منزل بين مكة والمدينة تسع عشر يومًا نصلي ركعتين عملًا بفعله القصر في إقامته تسعة عشر يومًا، وهذا تقرير الطيبي (٢)، وفي شرح الشيخ: المراد إذا سافرنا سفرًا طويلًا كما بيننا وبين مكة؛ لأنها نهاية المدة التي يجوز للمسافر فيها القصر وإن لم يكن السفر فيهما، انتهى. يعني التقييد بما بيننا وبين مكة اتفاقي، والمقصود التعبير عن السفر الطويل، وعند الشافعي ﵀ نهاية مدة القصر إقامة تسعة عشر، وفيما زاد الإتمام كما ذكرنا من مذهبه تمسكًا بهذا الحديث.

стр. 1687

١٣٣٨ - [٦] وَعَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ رَحْلَهُ وَجَلَسَ فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي، صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٠١، ١١٠٢، م: ٦٨٩]. ــ ١٣٣٨ - [٦] (حفص بن عاصم) قوله: (يسبحون) أي: يصلون نفلًا يحتمل الراتبة وغيرها. وقوله: (لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي) أي: الفريضة أي: لو تنفلت الرواتب لكان إتمام فريضتي أحب، فالفرائض لما قصرت كان ترك النوافل أولى، وأجابوا عن قول ابن عمر ﵄ هذا بأن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها بخلاف النافلة فإنها شرعت مع التخيير، فالرفق فيه أن تكون مشروعة، ويكون للعبد اختيار، كذا في (فتح الباري) (١) نقلًا عن النووي. رأى ابن عمر ﵄ عدم استحباب السنن الرواتب وغيرها، ويروى عنه عدم المنع والإنكار أيضًا كما يأتي في آخر (الفصل الثالث) برواية مالك ﵀: أنه كان يرى ابنه يتنفل في السفر فلا ينكره، وأجاز الجمهور من الصحابة من بعدهم بدليل الأحاديث الصحيحة المطلقة في مذهبها، وقيل: اتفقوا على استحباب النوافل المطلقة، وإنما الاختلاف في الرواتب، والمجوزون للرواتب قاسوها على النوافل المطلقة، وبعضهم فرقوا بين حالتي السير والنزول، وبعضهم بين النوافل قبل الصلاة وبعدها بأن التي قبلها مفصولة عن الفرض بالإقامة فلا يظن أنها منها، فكأنها خرجت من حكم الرواتب بخلاف التي بعدها فإنها متصلة بها صورة ومعنى، وقد ثبت

стр. 1688

١٣٣٩ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَين صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٠٧]. ــ فعله ﷺ الرواتب والمطلقة وصلاة الضحى يوم فتح مكة كركعتي الفجر وكركعتي الظهر قبلها وبعدها كما يأتي في حديثه الآتي في (الفصل الثاني). وقال الطيبي (١): لعله ﷺ كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر ﵄، ولعله تركها أيضًا في بعض الأحيان تعليمًا بجواز الترك، واللَّه أعلم. فالمراد بقوله: (كان لا يزيد في السفر على ركعتين) غالبُ الأحوال، وبهذا يندفع أيضًا ما استشكل من ذكر عثمان ههنا بأنه كان يتم في آخر أمره كما سيأتي، ويروى عن أصحابنا الحنفية في السنن ثلاثة أقوال: الإتمام، والقصر، والترك، والأول هو المختار. ١٣٣٩ - [٧] (ابن عباس) قوله: (يجمع بين الظهر والعصر) (٢) يشتمل جمع التأخير والتقديم. وقوله: (إذا كان على ظهر سير) يحتمل أن يكون المراد به مطلق السفر، أو كونه في حالة السير، فيؤيد مذهب من قال: إن الجمع على تقدير كونه في حالة السير دون حالة النزول كما ستعرف، ولفظ الظهر مقحم للتأكيد لأنه يشير إلى سيره ﷺ كان مستندًا إلى ظهر قوي للمطي والركاب كما في قوله: أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وقال

стр. 1689

١٣٤٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ. . . . . ــ الطيبي (١): والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعًا للكلام وتمكينًا. ١٣٤٠ - [٨] (ابن عمر) قوله: (يصلي في السفر على راحلته) الحديث يدل على حكمين، أحدهما: أن جواز الصلاة على الدابة مخصوص بالنوافل، وأرادوا بها ما يشمل الرواتب وغيرها وكذا التهجد، وهذا الحديث خص بذكر صلاة الليل، ووردت أحاديث أخر عامة، وعن أبي حنيفة أنه ينبغي أن ينزل لسنة الفجر لأنها آكد من سائرها، وفي رواية: يجب النزول لها، ولهذا لم يجز أن يصليها قاعدًا بلا عذر، وأما الفرائض فلا يصليها على الدابة بلا عذر، ومن الأعذار أن يكون في بادية يخاف الهلاك على نفسه وماله عن السبع واللص بغالب الظن، أو بعد القافلة أو ضلال الطريق، أو تكون الدابة جموحًا لا يتيسَّر ركوبه بعد النزول، أو يكون المصلي شيخًا كبيرًا ضعيفًا لا يمكن له الركوب، ولا يجد من يعينه ويحمله على الدابة، أو يكون هناك طين لا يمكن الصلاة عليه. ويجوز بعذر المطر ونحوه أيضًا؛ لأن الضرورات مستثناة من قواعد الشرع كذا في شروح (الهداية). وقال في (سفر السعادة) (٢): إنه جاء في حديث مستقيم الإسناد: انتهى النبي ﷺ إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن فأقام، ثم تقدم رسول اللَّه ﷺ على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء، فجعل السجود أخفض. وأما الوتر فقد دل هذا الحديث على جوازه على الراحلة، وأورد محمد في

стр. 1690

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (موطئه) آثارًا كثيرة عن ابن عمر ﵄ وغيره من الصحابة والتابعين أنهم كانوا ينزلون للوتر، وأورد عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر ﵄ من مكة إلى المدينة، فكان يصلي الصلوات كلها على راحلته متوجهًا إلى جهة المدينة ويومئ بركوع وسجود، وجعل سجوده أخفض إلا الفرائض والوتر، فإنه كان ينزل لهما، فسألته عن ذلك فقال: كان رسول اللَّه ﷺ يفعل كذلك. وقال الشُّمُنِّي: ولا يجوز صلاة الجنازة والمنذور وسجدة التلاوة التي قرأها على الأرض. وثانيهما: أن الصلاة على الدابة يشرط لها السفر، وعليه الجمهور، وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما اللَّه؛ لأن جوازها إنما هو للضرورة لئلا تنقطع القافلة، والنافلة مخصوصة بحالة السفر، والصحيح من مذهب أبي حنيفة ﵀ أن الشرط كون المصلي خارج المصر سواء كان مسافرًا أو غير مسافر لتحقق بعض الضرورات فيه أيضًا من غير سفر، ونحن نقول: الأحاديث الواردة في الباب بعضها مطلق، وبعضها مقيد بالسفر، فان لم يحمل المطلق على المقيد كما هو المذهب عندنا سقط قيد السفر، وإن حمل ببعض القرائن والدلائل مثلًا لزم التقييد بالسفر، ويكون التجويز خارج المصر بالقياس أو دلالة النص، ولعل ورود الروايتين، وأصحية رواية الإطلاق تنشأ من هذه النكتة، ثم المسافر إن كان داخل المصر لم يجز له التنفل على الدابة عند أبي حنيفة، وقال محمد: يجوز ويكره، وقال أبو يوسف: لا بأس به؛ لأنه روي أنه ﷺ ركب الحمار في المدينة يعود سعدَ بْنَ عبادة، وكان يصلي وهو راكب، كذا في شرح (الهداية) (١).

стр. 1691

تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٩٦، م: ٧٠٠]. ــ ثم اختلفوا في مقدار بعد المسافة خارج المصر حتى يجوز له، فقيل: فرسخان أو ثلاثة فراسخ، وعند البعض يكفي مقدار ميل، والصحيح أنه يجوز بعد مفارقة بيوت البلد كما في جواز القصر. وقوله: (حيث توجهت) لكنه يتوجه إلى القبلة عند تكبيرة الإحرام كما يأتي في حديث أنس وهو المذهب. وقوله: (يومئ) بالهمزة ذكره صاحب (القاموس): ومأ في (باب الهمزة) وكذا أومأ بالهمزة، نعم قد يخفف فتبدل ألفًا في الماضي وياء في المضارع كما في بعض النسخ، واللَّه أعلم. وقاس أئمة الشافعية الماشي على الراكب فجوَّزوا له أن يحرم بالصلاة للقبلة، ثم يتحول لقصده ويمشي، ثم ينحرف ويركع للقبلة، ثم يمشي لقصده، ثم ينحرف ويسجد، ثم يجلس، ثم يسجد للقبلة، ثم يمشي لجهة مقصده، وهكذا حتى يتشهد ويسلم ماشيًا إلى جهة مقصده، كذا في شرح الشيخ، وفي (الهداية) (٢): وإن افتتح راكبًا ثم نزل يبني، وإن صلى ركعة نازلًا ثم ركب استقبل، وعن أبي يوسف يستقبل

стр. 1692

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٣٤١ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَصَرَ الصَّلَاةَ وَأَتَمَّ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" [١/ ٢٤٥]. ١٣٤٢ - [١٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، يَقُولُ: "يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا سَفْرٌ". رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدَ. [د: ١٢٢٩]. ــ إذا نزل أيضًا، وكذا عند محمد إذا نزل بعد ما صلى ركعة، والأصح هو [الأول وهو] الظاهر. الفصل الثاني ١٣٤١ - [٩] (عائشة) قوله: (كل ذلك) بالنصب مفعول (فعل)، وبالرفع على أنه مبتدأ بحذف العائد، و (ذلك) إشارة إلى مبهم يفسره قوله: (قصر الصلاة) أي في السفر تارة (وأتم) فيه أخرى، وهو مذهب الشافعي ﵀ ومن معه. وعندنا يجب القصر، وقال صاحب (سفر السعادة) (١): لم يثبت أنه ﷺ صلى الرباعية في سفر تمامًا، والحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم لم يصح، انتهى. وقد ادعى الدارقطني صحتها، وأورد حديثًا آخر عن ابن عمر ﵄ وحكم بحسنه، واللَّه أعلم، وقد سبق الكلام فيه مفصلًا في شرح الترجمة. ١٣٤٢ - [١٠] (عمران بن حصين) قوله: (فإنا سفر) بفتح السين وسكون الفاء جمع سافر كصحب وركب، والسافر لا يستعمل هو ولا فعله كذا قيل، وفي شرح (جامع

стр. 1693

١٣٤٣ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الْحَضَرِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا، وَالْمَغْرِبَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءٌ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَلَا يَنْقُصُ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ، وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٥٢]. ــ الأصول): جمع سافر، يقال: سفرتُ السفَرَ سُفورًا فأنا سافر إذا خرجتَ إلى السفر، والقوم سَفْر كراكب ورَكْب، ودل الحديث على أن المقيم إذا اقتدى بالمسافر يصلي أربعًا ولا يتبعه، وأما المسافر إذا اقتدى بالمقيم فإنه يتبعه ويصلي أربعًا. ١٣٤٣ - [١١] (ابن عمر) قوله: (وبعدها ركعتين) الحديث دل على الإتيان بالراتبة في السفر وعدم تخصيصه بسنة الفجر، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في (شرح سفر السعادة) (١). وقوله: (سواء) بالنصب حال، أي: مستوية في الحالتين. وقوله: (ثلاث ركعات) بيان له أو بدل عنه. وقوله: (وهي وتر النهار) الظاهر أنه بيان حكم آخر إشارة إلى أن الوتر ثابت بالليل والنهار بحكم إن اللَّه وتر يحب الوتر، وجعله الطيبي (٢) جملة حالية كالتعليل لعدم جواز النقصان لئلا يكون شفعًا بإسقاط ركعة أو يبقى ركعة بإسقاط ركعتين وهي في الوتر

стр. 1694

١٣٤٤ - [١٢] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، ــ مختلف فيها، ولا يخلو عن تكلف، ثم زيادة قوله بعد هذا البيان لتقرير عدم جواز إسقاط ركعتين: (ولم يرو في النوافل ركعة فذَّة، فكيف بالفرض؟ ) مستدرك لا يتصل بذلك البيان وهو دليل آخر أقامه من عند نفسه على عدم إسقاط الركعتين منها، فافهم. ١٣٤٤ - [١٢] (معاذ بن جبل) قوله: (إذا زاغت الشمس) أي: مالت. وقوله: (جمع بين الظهر والعصر) وهذا جمع تقديم بأن جمع الصلاة المتأخرة مع المتقدمة. وقوله: (أخر الظهر حتى ينزل للعصر) فجمع بينهما وهذا جمع تأخير، وهكذا في المغرب والعشاء كما بين، اعلم أنه قد وردت أحاديث صحيحة في الجمع بين الصلاتين في السفر بعضها مطلق وبعضها مقيد بحالة السير، وبعضها بالجد في السير، وبعضها بتعجيل السير، ومن ههنا اختلف العلماء فبعضهم قال بجواز الجمع على الإطلاق، والشافعي ﵀ منهم، وبعضهم خصوه بحالة السير دون النزول، وبعضهم خصوه بصورة الجد في السير والتعجيل فيه، وذكر في (فتح الباري) (١) أن المشهور من مالك هذا. وقال صاحب (سفر السعادة) (٢) ﵀: الجمع في السفر لم يكن عادة دائمة له ﷺ ، بل كان إذا عجل في السير جمع، وأما الجمع في حالة النزول والقرار فلم يرو،

стр. 1695

وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٢٢٠، ت: ٥٥٣]. ــ وأيضًا خصه بعضهم بحالة عذر زائد على السفر، وعند بعضهم جاز جمع التأخير دون التقديم، وهو مروي عن الإمام أحمد ﵀، وأيضًا عنده مقيد بحالة السير، والمشهور من مذهبه الجواز مطلقًا، وعند الإمام أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه لا يجوز مطلقًا، ونحن نقول في إثباته وباللَّه التوفيق: إن تعين أوقات الصلاة قطعي وثابت بالتواتر الذي لم يتطرق إليه شبهة حتى عدوا تأخير الصلاة عن وقته من الكبائر، قال محمد ﵀ في (موطئه) (١): قد بلغنا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى حكامه في الآفاق، ونهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين في وقت واحد، وأخبرهم بأن الجمع بين الصلاتين في وقت واحد كبيرة من الكبائر، قال محمد: أخبرنا بذلك الثقات عن العلاء ابن الحارث أنه روى ذلك عن مكحول، وإذا كان تعيين أوقات الصلاة قطعيًا متواترًا لم يعارضه خبر الآحاد بخلاف الإفطار والقصر في السفر؛ فإنهما ثبتا بالنص القرآني. وروى البخاري ومسلم (٢) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ صلى صلاة في غير وقتها إلا المغرب والعشاء جمع بينهما بمزدلفة، وقد جاء الجمع بين الظهر والعصر في عرفات، وكان ذلك من جهة مناسك الحج دون السفر، ثم لم يكن الجمع من رسول اللَّه ﷺ دائمًا بل الذي روي من ذلك ووقع التصريح به في الأحاديث إنما هو في غزوة تبوك، ولم يثبت فيه أيضًا الدوام، والتحقيق أن كلمة (كان) لا يدل على الدوام والاستمرار كما حقق في موضعه، ولا يخفى ذلك على المتدبر.

стр. 1696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وروي في (جامع الأصول) (١) من حديث أبي داود عن ابن عمر ﵄ أنه قال: لم يجمع رسول اللَّه ﷺ قط بين المغرب والعشاء في سفر إلا مرة واحدة، وأورد عن ابن عمر ﵄ أنه لم يجمع إلا ليلة حين استُصرخ (٢) على امرأته صفية بنت أبي عبيد فخرج إليه فجمع، وفي رواية: لم يجمع إلا مرة أو مرتين، وأورد من حديث الترمذي سئل سالم بن عبد اللَّه بن عمر ﵃ أكان يجمع عبد اللَّه في ليلة الصلاتين في السفر؟ قال: لا إلا بالمزدلفة، والأحاديث في جمع التقديم أقل قليل في الصحاح. واختلفت روايات البخاري في ذلك، ولهذا ذهب كثير من الأئمة إلى عدم جواز جمع التقديم، ولم يقولوا إلا بجمع التأخير في بعض الأحيان، وتأويله عندنا أن المراد بالجمع بين الصلاتين أن تؤخر الصلاة الأولى وتؤدى في آخر وقتها، وتعجل الثانية وتؤدى في أول وقتها، وسماه بعضهم الجمع الصوري وهو جمع صورة وليس بجمع في الحقيقة والمعنى، وإطلاق الجمع على مثل هذه الصورة التي حمل عليها الحنفية الجمع في السفر، وقد جاء في (باب الاستحاضة) في حديث حمنة بنت جحش كما سبق، فتدبر. ولفظ الحديث وإن جاء في بعض الروايات هكذا: جمع فصلى الظهر والعصر في وقت العصر، فهو إن صح محمول على هذا المعنى للدلائل التي ذكرناها، وتحقق التخفيف ورفع الحرج الذي ذكر في بعض الأحاديث من أنه ﷺ فعل ذلك لئلا يوقع أمته في حرج ومشقة، حاصل فيما ذكرنا، ومعرفة آخر الوقت ظاهرة في المغرب، وكذا في الظهر ميسرة بحسب الظن والتخمين خصوصًا في صورة كثرة القافلة وكثرة الناس الذين لهم مهارة في معرفة الوقت، فلا يرد ما قالت الشافعية العمل بهذه الطريقة التي

стр. 1697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذكرتم فيه حرج ومشقة، وفي تعيين آخر الوقت وأوله إشكال للخواص فما بال العوام، وقد أخرج أبو داود (١) عن علي ﵁ أنه كان إذا سافر يسير بعد غروب الشمس إلى أن تغرب غيبوبة الشفق فينزل ويصلي المغرب، فيدعو الطعام ويتعشى، ثم يصلي العشاء ويرتحل، ويقول: هكذا كان يفعل رسول اللَّه ﷺ . وقال محمد في (موطئه) (٢): بلغنا عن ابن عمر أنه صلى المغرب أخرها إلى قبيل غروب الشفق على خلاف رواية مالك ﵀ حتى غاب الشفق. وفي (جامع الأصول) (٣) عن أبي داود عن نافع وعبد بن واقد أنه قال مؤذن ابن عمر: الصلاة، فقال ابن عمر ﵄: سر حتى كان قبيل غروب الشفق نزل وصلى المغرب، فانتظر حتى غاب الشفق، وصلى العشاء، ثم قال: كان رسول اللَّه ﷺ لما عجله أمر يفعل كما فعلت، وجاء في رواية النسائي: حتى إذا كان آخر الشفق، فهذه روايات تنظر إلى الجمع على طريق ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وقد جاء في ذلك روايات كثيرة، والظاهر أن الروايات في عدم الجمع والجمع في وقت واحد والجمع بمعنى التأخير إلى آخر الوقت واردة فيها كلها، فاختار أبو حنيفة عدم الجمع، والجمع بالمعنى الأخير احتياطًا، واختيارًا لمحافظة الوقت لا ردًّا وإنكارًا لأحاديث الجمع. وقال الشيخ في (فتح الباري) (٤): إن الشافعية قالوا: إن ترك الجمع أفضل، وفي رواية عن مالك أن الجمع مكروه، وكان فعله ﷺ لبيان الجواز، هذا ما تيسر لنا الكلام

стр. 1698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في هذا المقام بعون الملك العلام، ولم نر من تكلم فيه أحد من الشارحين هذا القدر، ولا الشيخ ابن الهمام، واللَّه أعلم. هذا في الجمع بين الصلاتين للمسافر، فأما الجمع للمقيم فقال الترمذي (١): ذهب بعض التابعين إلى الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه قال أحمد وإسحاق، وذهب بعضهم بالجمع للمطر، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم يقل الشافعي ﵀ بالجمع للمريض، هذه عبارة الترمذي، وأورد من ابن عباس ﵄ أنه قال: من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر، والعمل على هذا عند أهل العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة، انتهى. وأخرج مسلم (٢) بطرق متعددة عن ابن عباس ﵄ قال: صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعا بالمدينة من غير خوف ولا سفر، فسئل ابن عباس ﵄ عن ذلك فقال: أراد أن لا يحرج أمته، وفي رواية: في غير خوف ولا مطر، وفي رواية (الموطأ): أن رسول اللَّه ﷺ جمع بين الظهر والعصر جميعًا من غير خوف ولا سفر، قال مالك: أرى ذلك كان في مطر، وفيها عن نافع عن ابن عمر ﵄: كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم. وروى الترمذي وأبو داود والنسائي أيضًا مثل رواية مسلم عن ابن عباس ﵄، وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة ﵁، وحديث ابن عباس ﵄ روي عنه من غير وجه، ونقل النووي عن الترمذي أنه قال: ليس في كتابي حديث أجمع الأمة على تركه إلا حديث الجمع من غير خوف وسفر ومطر، وإلا حديث قتل شارب الخمر في

стр. 1699

١٣٤٥ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِنَاقَتِهِ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٢٢٥]. ــ المرة الرابعة، وقال النووي: هذا الكلام من الترمذي في حديث القتل صحيح؛ لأنه منسوخ بالإجماع متروك العمل لجميع الأمة، وأما حديث الجمع من غير خوف ومطر فقد قال به بعض الناس بعذر مرض وجماعة كابن سيرين والأشهب بالجمع لأجل الحاجة أيضًا لمن لا يعتاد ذلك، ولهذا علل بعدم الحرج لا بالمرض ونحوه، انتهى، وهذا كله عند الحنفية محمول على مثل ما ذكرنا من التأويل من التأخير والتعجيل. وفي (جامع الأصول) (١): من حديث البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: إن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى، وفي رواية: قال: صليت مع النبي ﷺ ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا، قال عمرو بن دينار: قلت: يا أبا الشعثاء لعله أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك، أخرجه البخاري ومسلم، وبهذا علم أن تأويل الحنفية كانت في التابعين ومن بعدهم في الجمع للمقيم، فليكن في المسافر أيضًا كذلك، فتدبر. ١٣٤٥ - [١٣] (أنس) قوله: (استقبل القبلة بناقته فكبر) وفي كتب الفقه الحنفية الصحيح أنه لا فرق بين أن يفتتح الصلاة مستقبل القبلة، وبين أن يفتحها مستدبر القبلة، فكأنهم حملوا الحديث على الاستحباب، واللَّه أعلم. وقوله: (ثم صلى حيث وجهه ركابه) فاعل وجهه، (ثم) هنا للتراخي في الرتبة على طريقة قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]، دليل للحنفية على خروج التكبيرة

стр. 1700

١٣٤٦ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٢٢٧]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٣٤٧ - [١٥] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنَى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا (١)، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ. . . . . ــ الأولى من الصلاة، وإنما خص الاستقبال بحالة التكبير لكونه مقارنًا للنية، فنوى الاستقبال في جملة الصلاة، والركاب ككتاب: الإبل، واحدتها راحلة، كذا في (القاموس) (٢). ١٣٤٦ - [١٤] (جابر) قوله: (ويجعل السجود أخفض من الركوع) قالوا: لا يسجد وإن قدر عليه على سرجه، هكذا السنة فكأنه كره حقيقة السجود إلى غير القبلة. الفصل الثالث ١٣٤٧ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (إذا صلى مع الإمام) أي: أمير المؤمنين

стр. 1701

صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٥، م: ٦٩٤]. ١٣٤٨ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الأُولَى. قَالَ الزُّهْرِيُّ: قُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٩٠، م: ٦٨٥]. ١٣٤٩ - [١٧] وَعِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨٧]. ــ عثمان ﵁. ١٣٤٨ - [١٦] (عائشة) قوله: (وتركت صلاة السفر على الفريضة الأولى) يؤيد مذهب الحنفية كما سبق. وقوله: (تأولت كما تأول عثمان) قد مر وجوه في إتمام عثمان الصلاة أربعًا بمنى، ومنها ما لا يتسع جريانها في تأويل عائشة ﵂، وذكر أن الصحيح أن عثمان وعائشة ﵂ كانا يريان أن النبي ﷺ إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته وكان مخيّرًا بالقصر والإتمام فأخذا أنفسهما بالشدة، ويمكن أن يكون تأويلهما أنهما كانا يريان القصر مختصًّا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من قام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، ويمكن أن يكون التشبيه في مطلق التأويل من غير أن يكون مشتركًا بينهما، فافهم. ١٣٤٩ - [١٧] (ابن عباس) قوله: (وفي الخوف ركعة) أخذ بظاهره طائفة من

стр. 1702

١٣٥٠ - [١٨] وَعَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَا: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، وَالْوِتْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١١٩٤] ١٣٥١ - [١٩] وَعَنْ مَالكٍ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مِثْلِ مَا يَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ، قَالَ مَالِكٌ: . . . . . ــ السلف، وحمله الجمهور على أنه إنما قال ذلك لأنه يصلي مع الإمام ركعة كما يجيء تفصيل ذلك في (باب صلاة الخوف). ١٣٥٠ - [١٨] (وعنه، وابن عمر) قوله: (وهما تمام غير قصر) أي: في الثواب، أو المراد أنهما المشروع في السفر كما نطق به حديث عائشة ﵂، قد وقع عليه إطلاق القصر في كتاب اللَّه تعالى حيث قال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. وقوله: (والوتر في السفر سنة) أي: طريقة مسلوكة مستمرة لا يترك في السفر كالنوافل وإلا فالوتر إن كان واجبًا فليس بسنة، وإن كان سنة فهو سنة في الحضر والسفر، فما وجه التخصيص بالسفر. ١٣٥١ - [١٩] (مالك) قوله: (في مثل ما يكون بين مكة والطائف) المراد طريق القرى التي يسير فيها الإبل، وأما طريق وادي نعيمان التي فيها الجبل فهو قريب، والطائف اسم لبلاد ثقيف التي في الحجاز، سميت به لأنها طافت على الماء في الطوفان، أو لأن جبرئيل ﵇ طاف بها على البيت، أو لأنها كانت بالشام فنقلها اللَّه تعالى إلى الحجاز بدعوة إبراهيم ﵇، وهذا أطول المسافات الثلاث المذكورة، والظاهر من عبارة الحديث أنها متساوية مقدار أربعة برد إلا أن تكون الإشارة بذلك إلى الأخير، واللَّه أعلم.

стр. 1703

وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ. رَوَاهُ فِي "الْمُوَطَّأ". [ط: ٣٤٢]. ــ و(البرد) جمع بريد وهي أربعة فراسخ، فأربعة برد تكون ستة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميال، وميل الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل إلى وجه الأرض إلى أن يفنى إدراكه، وقال بعضهم: حده أن ينظر إلى شخص في أرض مستوية ولا يدري أنه رجل أو امرأة أو ذاهب أو جاءٍ، وقدره بعضهم بستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعًا على عرض، وهذا القول أشهر، وقيل: اثنا عشر ألف قدم [بقدم] الإنسان، وقيل: أربعة آلاف ذراع، وقيل: ثلاثة آلاف، كذا في (فتح الباري) (١). ثم اعلم أنهم قالوا: لم يثبت في كتاب ولا سنة نص قطعي في مسافة معينة، والذي وقع فيهما مطلق السفر، والمسافر والأسفار التي قصر فيها متفاوتة، بعضها قريب وبعضها بعيد كما يظهر من الأحاديث، ولكن للصحابة والتابعين ومن بعدهم في تحديده اختلافًا كثيرًا، والذي عليه أئمة المذاهب الأربعة أن الشافعي قدره في قول بيوم وليلة، وفي قول آخر بيومين كما في (الهداية) (٢) وشروحه، وفي (الحاوي) (٣) في مذهبهم: عينه ستة عشر فرسخًا وهي ثمان وأربعون ميلًا وهي أربعة برد، وهو قول مالك وأحمد، وتمسكوا بحديث جاء عن ابن عباس وابن عمر ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد في مثل ما يكون بين مكة إلى عسفان، رواه أحمد، وكذا في رواية (الموطأ) عن ابن عباس ﵄. وفي رواية: من مكة إلى الطائف، وفي رواية: من مكة إلى جدة، وفي صحة هذه الأحاديث كلام. وعند أبي حنيفة ﵀ المعتبر مسافة ثلاثة أيام بسير إبل ومشي أقدام، قال

стр. 1704

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شمس الأئمة السرخسي: إذا سافر من أول النهار إلى وقت الزوال ووصل إلى المنزل واستراح وبات فيه، وفي اليوم الثاني إلى ما بعد الزوال، وفي اليوم الثالث إلى وقت الزوال، ووصل إلى القصد يصير مسافرًا، ويترتب عليه أحكام السفر في القول الصحيح، ولا يشترط أن يسير من الصبح إلى المغرب، والمعتبر عندهم مراحل دون الفراسخ وهو الصحيح، وبعضهم يعتبر الفراسخ وقدروه بإحدى وعشرين فرسخًا، وبعضهم بستة عشر فرسخًا، وبعضهم بخمسة عشر، والأولى التقدير بثمانية عشر وهو الوسط، وعليه الفتوى، كذا في بعض شروح (الهداية)، وكل من قدر بشيء ظن أن ذلك مسيرة ثلاثة أيام، وعند أبي يوسف يومان وأكثر اليوم الثالث؛ لأن للأكثر حكم الكل. وقد يستدل على مذهب الإمام أبي حنيفة بحديث البخاري (١) عن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع محرم)، فعلم أن غاية طول حد السفر والمشقة وعروض لوازمه مسافة ثلاثة أيام، وما هو أقل منها قصير، ولا يعتد به، وأنت خبير بأن في دلالة هذا الحديث على نفي كون السفر أقل من ثلاثة أيام خفاء ظاهرًا، وفي بعض طرق هذا الحديث مسيرة يوم، والأكثرون استدلوا بحديث مسح الخفين: يمسح المقيم يومًا والمسافر ثلاثة أيام ولياليها؛ لأن اللام للاستغراق، فيكون المعنى يمسح كل مسافر ثلاثة أيام ولياليها، فلو اعتبر حد السفر أقل لزم أن يكون مسافر لا يمكن له المسح ثلاثة أيام، وإرادة أن المسافر يمسح إن استوعب سفره ثلاثة أيام خلاف ظاهر العبارة، وكذا كون ثلاثة أيام ظرفا للمسافر لا للمسح كذا ذكره، فليفهم. وبالجملة بعض الأحاديث والأخبار ناظر إلى ثلاثة أيام وبعضها إلى أقل منها،

стр. 1705

١٣٥٢ - [٢٠] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [د: ١٢٢٢، ت: ٥٥٠]. ــ وبعضها في أربعة برد، ووقع في بعضها ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ كما جاء في حديث أنس: كان رسول اللَّه ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ -على شك الراوي- قصر الصلاة، رواه مسلم وأبو داود (١)، وقالوا: هذا أصح حديث ورفى في هذا الباب، وقال بعضهم: المراد بهذا مسافة أن يكون ابتداء القصر منها لا غاية السفر، كذا في (فتح الباري) (٢)، وذهب أصحاب الظواهر إلى أن السفر سواء كان ممتدًّا أو قصيرًا يباح قصر الصلاة فيه؛ لأن نص القرآن والأحاديث ورد في مطلق السفر وهو شامل للقريب والبعيد، وأيضًا اختلفت الأئمة في تحديده وتعيينه حتى بلغ عشرين قولًا، فالرجوع إلى حكم ظاهر النصوص أولى، ولا شك أن مذهب الإمام أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه أقرب إلى الاحتياط، واللَّه أعلم. ١٣٥٢ - [٢٠] (عن البراء) قوله: (فما رأيته ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر) الظاهر أنهما سنة الظهر القبلية (٣)، وإنكار ابن عمر ﵄ رأي خولف فيه، كذا في شرح الشيخ، واختلفت روايته أيضًا كما علم، وقول من قال: لعل هاتين الركعتين غير الرواتب ليس بشيء. وقوله: (حديث غريب) قال الترمذي: وسألت عنه محمدًا فلم يعرفه إلا من

стр. 1706

١٣٥٣ - [٢١] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٥٢]. * * * ٤٢ - باب الجمعة ــ حديث ليث بن سعد، انتهى. بقي الكلام في ليث فنقل عن (الميزان) (١) أنه ثقة حجة، وقال في (التقريب) (٢): ليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث المصري ثقة ثبت، فقيه إمام، مشهور من كبار أتباع التابعين، مات سنة خمس وسبعين ومئة، وفي (الكاشف) (٣): ليث بن سعد أبو الحارث الإمام مولى بني فهم من نظراء مالك، قيل: كان مغله في العام ثمانين ألف دينار فما وجبت عليه زكاة، عاش إحدى وثمانين سنة، وفي (التهذيب) (٤): قال أحمد: وهو ثقة ثبت، وقال مرة: وليس فيهم -يعني أهل مصر- أصح حديثًا من الليث، وقال مرة: كثير العلم صحيح الحديث، وقال الشافعي ﵀: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقال: الليث أتبع للأثر من مالك ﵀، وقال أحمد بن صالح: إمام قد أوجب اللَّه علينا حقه. ١٣٥٣ - [٢١] (نافع) قوله: (فلا ينكر عليه) مخالف للحديث السابق في الفصل الأول، والنفل يشمل الرواتب وغيرها، وهذا أصح، واللَّه أعلم. ٤٢ - باب الجمعة المشهور في لفظ الجمعة ضم الجيم والميم، وقد تسكن وقرأ بها الأعمش،

стр. 1707

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحكي عن الفراء فتح الميم، وعن الزجاج كسرها أيضًا، وكان هذا اليوم يدعى عروبة بفتح المهملة وضم الراء وبالباء الموحدة، وتسمية الجمعة، قيل: لأن اجتماع خلق العالم وتمامه فيه؛ لأن ابتداءه يوم الأحد وتم في الجمعة، كذا ذكره أبو حذيفة عن ابن عباس، وفي إسناده ضعف، وهذا الخبر يدل على تعيين الأيام وأسمائها قبل خلق السماوات، ولا يخلو تعقل ذلك عن إشكال، واللَّه أعلم. وقيل: لأن خلق آدم تم واجتمع فيه، روى هذا القول أحمد ﵀ وابن خزيمة من حديث سلمان، وابن أبي حاتم وأحمد من أحديث، أبي هريرة ﵁، وهذا أصح الأقوال رواية، ويعلم من حديث أبي هريرة الذي يأتي أن تسميته من جهة اجتماع الأمور العظام فيه، أحدها: خلق آدم وهذا أنسب لظهور معنى الاجتماع فيه من تسميته من جهة خلق آدم واجتماع أجزائه، وقيل: كان كعب بن لؤي يجمع قومه في هذا اليوم ويذكِّرهم ويأمرهم بتعظيم حرم اللَّه تعالى ويخبرهم بخروج نبي آخر الزمان ﷺ منه، وقيل: كان قصي يجمعهم. وقال ابن حزم: التسمية بالجمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة، وهو اسم إسلامي، وكان اسمه في الجاهلية عروبة لا الجمعة، والتحقيق أن عروبة اسمه القديم في الجاهلية ثم غيّر في الجاهلية إلى الجمعة كما غيروا أسماء أيام الأسبوع، وكان أسماؤها في الجاهلية أوّلَ، أهونَ، حُبَار، دُبار، مؤنس، عروبة، شيار (١)، وكان لهذا اليوم في الجاهلية أيضًا شرف وامتياز، وقد خص في دور الإسلام بفضائل وخصائص التي ذكرت في الأحاديث (٢).

стр. 1708

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٣٥٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ. . . . . ــ الفصل الأول ١٣٥٤، ١٣٥٥ - [١، ٢] (أبو هريرة، وحذيفة) قوله: (نحن الآخرون) أي زمانًا (السابقون) وفي رواية: (الأولون) أي: شرفًا ومنزلة بكوننا أول من يحشر، وأول من يحاسب، وأول من يقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة، وقيل: المراد بالسبق إحراز فضيلة اليوم الذي هو سابق بالفضل وهو يوم الجمعة، وقيل: المراد السبق إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب فقالوا: سمعنا وعصينا، والأول أقوى، كذا قال في (فتح الباري) (١). ويمكن أن يعدّ منها رفع التكاليف الشاقة عنهم، فإن قلت: ذلك في الدنيا وقد قيد السابقية بيوم القيامة، قلت: لما كان ظهور نتائجها وثمراتها في الآخرة يمكن جعلها داخلًا في السابقية يوم القيامة. وقوله: (بيد أنهم أوتوا الكتاب) في (القاموس) (٢): بيد بمعنى غير وعلى، وفي (المشارق) (٣): بفتح الباء والدال وسكون الياء، معناه ههنا غير، وقيل: إلا، وقيل: على، ويأتي بمعنى من أجل، ومنه قوله في الحديث الآخر: (بيد أني من قريش)، وقد قيل ذلك في الحديث الأول وهو بعيد، وفيها لغة أخرى ميد بالميم، انتهى.

стр. 1709

مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ. . . . . ــ وقال الشيخ: بيد مثل غير وزنًا ومعنى وإعرابًا، وبه جزم الخليل والكسائي ورجحه ابن سيده، وروى ابن أبي حاتم عن الربيع عن الشافعي ﵀ أن معنى بيد من أجل، وكذا ذكره ابن حبان والبغوي عن المزني عن الشافعي ﵀، وقد استبعده عياض ولا يعتدّ به، ومعناه: إنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم، ويشهد له ما وقع في رواية من أبي هريرة: (نحن الآخرون في الدنيا، ونحن أول من يدخل الجنة إلا أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)، وقال الداودي: هو بمعنى غير أو مع، وقال الطيبي (١): هو بمعنى الاستثناء، وبه قال ابن مالك، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم لما أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل وإن كان مسبوقًا في الوجود، انتهى. وبهذا يظهر موقع قوله: (نحن الآخرون) مع كونه أمرًا واضحًا لا يحتاج إلى ذكره، ولا يظهر فائدته إلا ببيان الواقع وكونه توطئة لذكر قرينته، واللام في (الكتاب) للجنس. وقوله: (ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يعني يوم الجمعة فاختلفوا فيه) اختلف الشارحون في المراد من فرض اللَّه تعالى على اليهود والنصارى يوم الجمعة واختلافهم فيها وضلالهم عنها، كما جاء في رواية أخرى عن أبي هريرة: (أضل اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد)، فقال بعضهم: إن اللَّه فرض عليهم العبادة في يوم الجمعة بعينه، وأمرهم بالاجتماع فيه للعبادة شكرًا للنعمة، كما هو ظاهر لفظ الحديث، فخالفوا وتمردوا وأبوا كما هو عادتهم، واختار اليهود بدله

стр. 1710

فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، ــ السبت، وتعللوا بأن ذلك يوم انتهاء الخلق، والنصارى يوم الأحد؛ لأنه يوم ابتدائه، واستبعد هذا المعنى ابن بطال بأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض اللَّه عليه وهو مؤمن، ورجح الاستبعاد القاضي عياض بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: فخالفوا لا اختلفوا، وأنت خبير بأنه لا يستبعد ذلك منهم كما وقع منهم كثير من العناد والتمرد، وهم الذين قالوا: سمعنا وعصينا، وأنه يمكن أن يكون الاختلاف بمعنى أنهم اختلفوا في أنه هل يلزم بعينه أم يسوغ إبدالُه بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك فأخطؤوا. قال الشيخ (١): ويشهد له ما رواه الطبري بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤]، ويحتمل أن يراد بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى، وذهب الأكثرون إلى أن المراد من ذلك أمرهم باستخراجه بأفكارهم، وتعيينه باجتهادهم، فقيل لهم: إن اللَّه فرض عليكم يومًا تتفرغون فيه للفكر والذكر والعبادة فاجتهدوا في تعيينه، وذلك ابتلاؤهم من اللَّه هل يصادفون الحق أم لا؟ فعيق اليهود يوم السبت واختاروه، وقالوا: هذا يوم فراغ وقطع عمل، فإن اللَّه سبحانه فرغ فيه عن شغل الخلق، فعلى الخلق أيضًا أن يفرغوا عن الشواغل والصنائع ويتركوا أعمال الدنيا، ويشتغلوا بعبادة الرب تعالى، وعيّن النصارى يوم الأحد واختاروه؛ لأن الرب تعالى ابتدأ فيه الخلق، فهذا اليوم مبدأ جميع الكمالات والنعم، فهو أحق بالتعظيم وشكرًا للنعمة وإيجاب العبادة فيه، ولكن كل واحد من الفريقين أخطأ ولم يصب ما عند اللَّه الحكم. وقوله: (فهدانا اللَّه له) حملوه أيضًا على الوجهين، فالأول أن اللَّه أمر هذه الأمة

стр. 1711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالعبادة في يوم الجمعة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية، فهداهم بالامتثال لأمره، ولم يضلّهم بالإباء والتمرد والتعلل، والثاني أن اللَّه تعالى هداهم ووفقهم للإصابة حتى عينوا الجمعة، وقالوا: إن اللَّه خلق آدم لعبادتهم، وكان خلقه يوم الجمعة، فكانت العبادة فيه أولى وأنسب، ولأنه تعالى خلق في سائر الأيام ما ينتفع به الإنسان، وفي يوم الجمعة أوجد نفسه، والشكر على نعمة الوجود أهم وأحرى من الشكر على النعم الخارجة من الذات، وأيضًا لما اجتمع الخلق في يوم الجمعة والإنسان الذي يشفع به أيضًا خلق فيه تعين هذا اليوم للعبادة، وكان أنسب وأوفق بذلك، ولا شك أن هداية اللَّه الجمعة بالنص عليها دون الاجتهاد وهو الأظهر الأشهر. وذكر الشيخ ابن حجر ما يؤيد المعنى الثاني وقال: ويشهد له ما رواه عبد الرزاق (١) بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمَّع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول اللَّه ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر اللَّه تعالى ونشكره، فجعلوه يوم العروبة واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وأنزل اللَّه تعالى بعد ذلك ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية، وهذا وإن كان مرسلًا فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول اللَّه ﷺ المدينة أسعد بن زرارة، الحديث، وعلى هذا فقد حصلت لنا الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق، واللَّه أعلم.

стр. 1712

وَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٧٦، م: ٨٥٥]. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَيْدَ أَنَّهُمْ". وَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَى آخِرِهِ. ــ هذا وقد روي أنه ﷺ لما بعث مصعب بن عمير إلى المدينة قال: إذا مالت الشمس فصلِّ بالناس الجمعة، ذكره الشيخ ابن الهمام في شرح (الهداية) (١)، وهذا يدل على أن الجمعة كانت واجبة بمكة، وكان الصحابة الذين بالمدينة مأمورين بإقامته، وكأنه أشار الشيخ ابن حجر إلى الجواب عن هذا حيث قال في آخر الكلام: ولا يمنع ذلك أن يكون النبي ﷺ علمه بالوحي وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها ثمة، وقد ورد فيه حديث ابن إسحاق عند الدارقطني، ولذلك جمَّع بهم أول ما قدم المدينة كما حكاه ابن إسحاق وغيره، هذا ولكن حديث مصعب بن عمير ظاهر في أن إقامة الجمعة قبل النبي ﷺ كان بالأمر إلا أن يقال: إقامة أسعد بن زرارة كان مقدمًا على بعث مصعب، وهو خلاف ما يحكى، واللَّه أعلم. وقوله: (والناس لنا فيه تبع) التبعية باعتبار الفضل والقبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب، وقيل: الجمعة وإن كان مسبوقًا بسبت أو أحد قبله، لكن لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقًا، وقد يقال: هذا الحديث يدل على أن الجمعة أول الأسبوع شرعًا، وتدل عليه تسمية الأسبوع بالجمعة كما يسمى اليهود الأسبوع بالسبت. وقوله: (اليهود غدًا والنصارى بعد غدٍ) لا بد فيه من تقدير مثل تعبد اليهود أو

стр. 1713

١٣٥٥ - [٢] وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: "نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِي لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ". [م: ٨٥٦]. ١٣٥٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيه أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٥٤]. ــ تعظيم اليهود ونحو ذلك؛ لأن ظرف الزمان لا يقع خبرًا عن الجنة. ١٣٥٦ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (خير يوم طلعت عليه الشمس) المراد ظهر بظهور الشمس أو طلعت على ما سكن فيه، والمقصود من ذكر هذا الوصف التعميم كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ٦]. وقوله: (فيه خلق آدم) أي: جمع خلقه وتم. وقوله: (وفيه أخرج منها) وفضيلة الإخراج من الجنة لكونه سببًا لوجود الأنبياء والأولياء وتضمنه حكمًا وبركات لا تعد ولا تحصى، وكذا موت آدم الآتي في الحديث الآخر لكونه سببًا لوصوله إلى جوار رب العالمين، ولذلك ذكره الخليل ﵇ في النعم لقوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، وكذا قيام الساعة سبب لدخول الجنة وظهور مواعيد الحق للمتقين، أو المقصود بيان الأمور العظام الواقعة في هذا اليوم. ثم الظاهر أن المراد وقوع هذه الأمور الثلاثة في يوم واحد كما يروى أنه خلق صبيحة الجمعة، وأدخل الجنة وقت الظهر، وأخرج وقت العصر. وقوله: (ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة) قيام الساعة يحتمل النفخة الأولى التي للصعق والهلاك، والثانية التي للبعث والنشور، وكلاهما في يوم الجمعة كما سيجيء

стр. 1714

١٣٥٧ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاه". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٢٥، م: ٨٥٢]. وَزَاد مُسْلِمٌ: "وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ". وَفِي رِوَايَةِ لَهُمَا قَالَ: "إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّه خَيْرًا إِلَّا أعْطَاهُ إِيَّاهُ". ١٣٥٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ: "هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٥٣]. ــ في (الفصل الثاني) من حديث أوس بن أوس، وفيه النفخة وفيه الصعقة أي التي للموت، والمراد بالنفخة التي للبعث كما سنذكر. ثم هذا الحديث يدل على أن الجمعة أفضل الأيام، وقد اختلف فيه فقيل: أفضل الأيام عرفة، وكذلك حديث أبي لبابة الآتي في (الفصل الثالث): (إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند اللَّه)، ولكن يأتي في (الفصل الثاني) من حديث أوس بن أوس: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة)، وهدا يدل على أنه من جملة الأيام الفاضلة، ويحتمل أن يكون يوم عرفة أفضل منه أو مساويًا له أو أدنى منه، واللَّه أعلم. ١٣٥٧ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (يسأل اللَّه فيها خيرًا) الظاهر أن المراد به ما يشتمل المباح، كذا في شرح الشيخ. وقوله: (قائم يصلي) قيل: المراد بالصلاة الدعاء، وبالقيام الملازمة والمواظبة، فقوله: (يسأل اللَّه) بدل عنه، ويفهم من حديث عبد اللَّه بن سلام أن المراد بالصلاة هي الأفعال المخصوصة فيحتمل أن يكون المراد بالقيام ما ذكر أو حقيقة. ١٣٥٨ - [٥] (أبو بردة بن أبي موسى) قوله: (ما بين أن يجلس الإمام) حمله

стр. 1715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطيبي (١) على الجلوس بين الخطبتين، واللفظ يحتمل أن يكون المراد الجلوس بعد الصعود إلى المنبر، فإن الإمام يجلس ويسمع الأذان ثم يقوم. اعلم أن الأقوال في تعيين هذه الساعة كثيرة، تبلغ كما ذكروه إلى ثلاثة وثلاثين قولًا، أرجحها وأقواها قولان، أحدهما: ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الصلاة، وثانيهما: آخر ساعة من اليوم، وقال في (فتح الباري) (٢): وما عداهما إما موافق [لهما أو] لأحدهما أو ضعيف الإسناد أو موقوف استند قائله إلى اجتهاده من غير سماع وتوقيف (٣)، ثم الأكثرون على أرجحية القول الأخير، قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث في هذا الجانب. وقال ابن عبد البر: أثبت شيء في هذا الباب حديث عبد اللَّه بن سلام، ورجحه أكثر الأئمة ونص الشافعي ﵀ عليه، وحديث أبي موسى وإن كان مذكورًا في (صحيح مسلم) لكن في إسناده مقال، وهذا من جملة الساعات التي وقعت في بعض أحاديث مسلم، ورجح جماعة من العلماء القول الأول، وقال البيهقي: قال مسلم: حديث أبي موسى أصح وأجود شيء في هذا الباب. وقال القرطبي: هذا الحديث نص في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره، وقال النووي: هو الصحيح بل الصواب الذي لا يجوز غيره، قال العبد الضعيف عفا اللَّه

стр. 1716

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٣٥٩ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ فَلَقِيتُ كَعْبَ الأَحْبَارِ فَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّهٍ إِلَّا وَهِي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. . . . . ــ عنه: وقد صح عن سيدتنا فاطمة الزهراء ﵂ أنها كانت تسلط خادمها يراقب آخر ساعة من اليوم فتذكر اللَّه وتدعوه، واللَّه أعلم، هذا وقيل: هذه الساعة كانت في زمن رسول اللَّه ﷺ ثم رفعت، نقله ابن عبد البر عن قوم وزيّفه، والصحيح أنها باقية، ثم جملة الأقوال المذكورة ذكرها الشيخ في (فتح الباري) (١) ونسب كل قول إلى قائله وذكر مخارجها ودلائلها، ثم وفق بين الأقوال كلها وأرجحها إلى القولين المذكورين، ونقلت أكثرها في شرح (سفر السعادة) (٢) فليطلب ثمة (٣)، واللَّه أعلم. الفصل الثاني ١٣٥٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (كعب الأحبار) جمع حبر بفتح الحاء المهملة وكسرها بمعنى العالم وغلب في علماء اليهود. وقوله: (إلا وهي مصيخة) بضم الميم وكسر الصاد وسكون الياء من أصاخ له استمعه، أي: مصيخة منتظرة قيام الساعة، وروي مسيخة بالسين، وأصاخ وأساخ بمعنى

стр. 1717

مِنْ حِينِ تُصْبحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَل اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعطَاهُ إِيَّاهُ، قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ، فَقُلْتُ: بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبٍ الأَحْبَارِ وَمَا حَدَّثْتُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَعْبٌ، فَقُلْتُ لَهُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ. . . . . ــ واحد، وأصاخ أكثر استعمالًا، وكأنه هو الأصل، قلبت صاده سينًا، والعرب يفعل ذلك إذا كان في الكلمة خاء أو طاء أو عين أو قاف كالصماخ والصراط والصُّداع والبصاق. وقوله: (من حين) مبني على الفتح، ويجوز بالجر إعرابًا لكن الرواية بالفتح. وقوله: (شفقًا من الساعة) أي: خوفًا من قيام القيامة؛ لأنه يقوم يوم الجمعة بين الصبح وطلوع الشمس، فكأن اللَّه تعالى ألهم الدواب بقدرته قيامها فيه في ذلك الوقت وعظم هولها حتى صار ذلك كامنًا عندها، يترقبه كل جمعة في ذلك الوقت، أو أن اللَّه تعالى يحدث يوم الجمعة في الأرض من عظائم الأمور وجلائلها ما تكاد الأرض يمتدّ بها، فيبقى كل دابة ذاهلة دهشة كأنها مسيخة للرعب الذي يدخلها، والحالة التي يشاهدها، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١). وأما الجن والإنس فإنهم جعلوا غافلين عن ذلك؛ لأنهم لو كوشفوا به زالت قاعدة التكليف والابتلاء. وقوله: (ذلك في كل سنة يوم) أي: يوم من أيام الجمعة، والمراد باليوم إما مطلق

стр. 1718

فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَقُلتُ: أَخْبرنِي بهَا وَلا تَضِنَّ عَليَّ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: وَكيْفَ تَكُونُ آخِرَ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهَا"؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ"؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقلت: بلَى، قَالَ: فَهُوَ ذَلِكَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ إِلَى قَوْلِهِ: صَدَقَ كَعْبٌ. [ط: ٢٤١، د: ١٠٤٦، ت: ٤٩١، ن: ١٤٣، حم: ٢/ ٤٨٦]. ١٣٦٠ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِي يَوْم الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٨٩]. ــ الوقت إن كان ذلك إشارة إلى الساعة بتأويل الزمان أو الوقت، أو المراد يوم فيه تلك الساعة إن كان إشارة إلى اليوم الذي فيه الساعة كما قال الطيبي (١). وقوله: (قد علمت أية ساعة هي) (أية) بالرفع، و (هي) خبره، وألغى (علمت) بالاستفهام كما في قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾. وقوله: (ولا تضن) بالفتح والكسر، أي: لا تبخل. ١٣٦٠ - [٧] (أنس) قوله: (الساعة التي ترجى) أي: ترجى إجابة الدعوة فيها.

стр. 1719

١٣٦١ - [٨] وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَليَّ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ . . . . . ــ ١٣٦١ - [٨] (أوس بن أوس) قوله: (وفيه النفخة وفيه الصعقة) المراد النفخة الثانية المشار إليها بقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، وأراد بالصعقة النفخة الأولى المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقد وقع ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وهي مقدمة لنفخ الصعق، أو يقال: بثلاث نفخات، لكن المشهور النفختان. وقوله: (وقد أرمت) الاختلاف في تصحيح هذا اللفظ كثير، والصواب (أَرَمْتَ) على وزن (ضَرَبْتَ)، أصله أرمَمْتَ فحذفت إحدى الميمين، وحذف إحدى حرفي المضاعف كثير، كما أحَسْتَ في أحْسَسْتَ وظَلْتُ أفعل كذا في ظَللْتُ، وهذا قول الخطابي، وهو المذكور في (القاموس) (١)، وقد روي (أرمَمْتَ) بإظهار الحرفين على ما قال الطيبي (٢)، وقيل: إنما هو (أرَمت) بفتح الراء والميم المشددة وإسكان التاء، أي: أرمَّت العظامُ، من رمّ الميت وأرمّ: إذا بَلِيَ، وقيل: (رممت) بمعنى صرت رميمًا، وقيل: (أرمت) بضم الهمزة وكسر الراء من قولهم: أرمه بفتح الراء بمعنى أكله، ويقال: أَرَمَتِ الإبل تَأْرِم: إذا تناولت العلفَ وقلعته من الأرض، وقيل: (أرمت) بتشديد تاء بإدغام إحدى الميمين في التاء، وقد يروى (أرمّت) بتشديد الميم والتاء. قال الحربي

стр. 1720

قَالَ: يَقُولُونَ: بَلِيتَ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعْوَاتِ الْكَبِيرِ". [د: ١٠٤٧، ن: ١٣٧٤، جه: ١٠٨٥، دي: ١/ ٣٦٩، الدعوات الكبير: ٥٢٥]. ١٣٦٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ، ــ كذا رووه، ولا أعرف وجهه، قاله في (مجمع البحار) (١). وقوله: (قال) أي: قال الراوي: (يقولون) أي: يعنون، أي: الصحابة، من قولهم: أَرِمْتَ: بليت بفتح الباء وكسر اللام، وهذا الكلام من الراوي أدرجه لبيان معنى (أرمت)، وقد يجعل ضمير (قال) لرسول اللَّه ﷺ و (يقولون) مقوله، أي: يزعمون أني بليت، قاله استبعادًا لقولهم، ولا يناسبه زيادة (قال) قبل قوله: (إن اللَّه) إلا أن يكون تأكيدًا. وقوله: (إن اللَّه حرم على الأرض أجساد الأنبياء) كناية عن حياتهم كما يأتي من حديث أبي الدرداء في (الفصل الثالث)، والمذهب أن الأنبياء أحياء حياة حقيقية دنياوية، وقد حققنا هذه المسألة في (تاريخ المدينة). ١٣٦٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (اليوم الموعود يوم القيامة) لأن اللَّه تعالى وعد الناس بإتيانه، أو لأنه وعد المؤمنين بعد إتيانه بنعيم الجنة، (واليوم المشهود يوم عرفة) لأن المؤمنين يشهدون ويحضرون فيه من الآفاق، وكذا تشهده الملائكة، (والشاهد يوم الجمعة)، وكأنه إنما سمى يوم عرفة مشهودًا ويوم الجمعة شاهدًا؛ لأن الخلائق يذهبون إلى عرفة ويشهدون فيها، فكان مشهودًا، وفي يوم الجمعة هم على مكانهم، فكان اليوم
следующие страницы →