← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المعتبر هو الأول المستحدث إن أوقع في وقتها، وهو بعد الزوال؛ لأن المقصود -وهو الإعلام- إنما حصل به، كذا في (الهداية) (١). ثم هذا النداء الأول العثماني قد سمي في بعض الأحاديث ثانيًا باعتبار الحدوث وإن كان أولًا باعتبار الفعل، وقد استغرب بعض الفضلاء في العبارة فقال: الأول ثان والثاني الأول، وسمي في بعضها ثالثًا باعتبار تسمية الإقامة أذانًا باعتبار أنه إعلام كما ورد: (بين كل أذانين صلاة)، وكما ورد بهذا الاعتبار أنه كان في زمن رسول اللَّه ﷺ أذانان. وذكر في بعض الكتب أن الأذان الأول من محدثات بني أمية، والظاهر أن هذا لما ذكر بعض المحققين أن هذا النداء العثماني الذي أمره بالزوراء نقله هشام بن عبد الملك إلى المسجد، وجاء في بعض الروايات أن الأذان الأول حدث في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، واستمر إلى زمن أمير المؤمنين عثمان ﵁. وقال بعضهم: إن في زمن عمر ﵁ كان مجرد إعلام، فأمر عثمان ﵁ أن يفعل بلفظ الأذان على مكان عال، وهو الزوراء: موضع مرتفع بالمدينة في سوقها خارج المسجد، ويسمى أحجار الزيت؛ لما فيه أحجار سود، كأنها طليت بالزيت، وعلى كل تقدير لا يقال: لما فعلته الخلفاء الراشدون بدعة، فقد جاء إطلاق السنة عليها، وقد أطلق بعض العلماء بمعنى أنه أمر مستحدث لم يكن في زمنه ﷺ ، ولم يقصد تذميم تلك الفعلة وتقبيحها، كذا قال العلماء. ثم اعلم أن الحادث في زمان عثمان ﵁ هو الأذان الأول الذي سبق ذكره، أما الأذان الآخر بعده في وقت السنة، فلم يكن في زمن النبوة، ولا في زمن الصحابة، ولا بعدهم، ولا عمل عليه في أكثر ديار الإسلام، ولم يعلم متى حدث، ويقال: إنه

стр. 1752

١٤٠٥ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأ الْقُرْآنَ وُيذَكِّرُ النَّاسَ، ــ أحدثه الحجاج، واللَّه أعلم، فينبغي أن يؤدي السنة بالأذان الأول، ولو قيل لقصد الإعلام: الصلاة الصلاة لكفى. ١٤٠٥ - [٥] (جابر بن سمرة) قوله: (يجلس بينهما) (١) ومقدار هذا الجلوس أن يستقر كل عضو في موضعه، ولم يصح دعاء فيه من النبي ﷺ ، وهو سنة وليس بواجب (٢)، وروي في شرح (كتاب الخرقي) (٣) عن المغيرة بن شعبة رأيت علي بن أبي طالب ﵁ خطب ولم يجلس، وعند بعض أصحاب أحمد ﵀ واجب. وقوله: (يقرأ القرآن) أي: في الخطبتين لا بينهما، (ويذكر الناس) من التذكير أي: يعظهم.

стр. 1753

فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٢]. ١٤٠٦ - [٦] وَعَنْ عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، ــ وقوله: (فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا) أي: لم يكونا طويلتين، وهذا لا ينافي أقصرية الخطبة بالنسبة إلى الصلاة كما يأتي في الحديث الآتي، فافهم. ١٤٠٦ - [٦] (عمار) قوله: (مَئِنَّة من فقهه) بفتح الميم وكسر الهمزة وتشديد نون، أي: مظنة له ودليل عليه يعرف به فقهه، وكل شيء دل على شيء فهو مئنة له، وهي مفعلة من (إنَّ) التي للتحقيق، فيكون موضع ثبوته وتحقيقه، وهم قد يأخذون من غير المصادر ألفاظًا تضمينًا لمعناه، كمعساة من عسى، وقيل: الهمزة بدل من ظاء (مظنة)، فالميم على هذا زائدة، وقيل: وزنه فعلة، وهو غلط، كذا في حاشية مسلم بخط مولانا محمد طاهر الفتني ﵀، والكلام الفصل الجامع فيه ما ذكر في (المشارق) (١): (مئنة من فقه الرجل)، كذا رويناه عن أكثرهم ومتقنيهم في الصحيح وفي غيره من كتب الحديث والشروح بقصر الألف المكسورة ونون مشددة وآخره تاء منونة، وقد خلط فيه كثير من الرواة بألفاظ كلها تصحيف ووهم، وكان في كتاب شيخنا القاضي أبي علي والفقيه أبي محمد بن [أبي] جعفر (مائنة) بالمد، وبعضهم يقوله بهاء الكناية، كأنه يجعله (ما) بمعنى الذي، و (إنه) للتأكيد، وكله خطأ ووهم، والحرف معلوم محفوظ على الصواب كما قدمناه. قال أبو عبيدة عن الأصمعي: معناه مَخْلَقةٌ ومَجْدَرةٌ وعلامةٌ به، كأنه دالٌّ على فقه الرجل، وحقيق بفقه الرجل، وهذا الكلام جمع تفسيرين ولف معنيين؛ لأن الدلالة على الشيء غير ما يستحقه ويليق به، قال غيره: المئنة للشيء: الدليل عليه، وقيل:

стр. 1754

وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٩]. ــ معناه حقيقة، والميم فيه زائدة عند الخطابي والأزهري وغيرهما، و [هي] ميم (مَفعِلة)، وهو نحو ما ذهب إليه الأصمعي في أحد تفسيريه المختلط بقوله: مَخْلَقة ومَجْدَرَة، وقال لي شيخنا أبو الحسين عن أبيه: هي أصلية وزنها (فَعِلَّة)، من مأنتُ: إذا اشعرتُ، أي: أنها مشعرة بذلك، وهذا على أحد تفسيري الأصمعي في قوله: علامة، وقال الخطابي: مئنة (مفعلة) من الأنِّ، وذكر بعضهم أنها مبنية من إنِّية الشيء بمعنى إثباته، وقولهم فيه: إنه كذا. وحكى الجياني أنه مما يتعاقب فيه الظاء والهمزة، وأن مئنة ومظنة بمعنى واحد، كان الهمزة عنده مبدلة من الظاء. وقوله: (واقصروا الخطبة) بهمزة الوصل من نصر، في (القاموس) (١): قصره يقصره جعله قصيرًا، وقد روي من فعله ﷺ أنه كان يقصر الخطبة، كما روى أحمد وأبو داود أنه قال بعد ما أثنى على ربه: (أيها الناس! لن تفعلوا ولن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا)، ولعل الوجه في قصر الخطبة أنه يكفي للمتيقظ كلمة خصوصًا منه ﷺ حيث كان مصدر جوامع الكلم، ومظهر غرائب الحكم، وفي ذلك تنبيه منه ﷺ للأمة على أن يسعوا في طاعة اللَّه وعبادته، ويشتغلوا بتهذيب نفوسهم، وفي وعظ الناس مظنةُ العُجْب، وعدم موافقة القول بالفعل، وأن يقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، فأرشد الأمة بذلك قولًا وفعلًا. وقال الطيبي (٢): الصلاة هي الأصل والخطبة فرع عليها، ومن القضايا الفقهية أن يؤثر الأصل على الفرع. وقوله: (وإن من البيان سحرًا) يتضمن هذا مدحًا للبيان وذمًّا له، فإن له تأثيرًا في القلوب وصرفها وإمالتها إلى جانب كالسحر يؤثر في النفوس، فإن صرفها إلى جانب

стр. 1755

١٤٠٧ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: "صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ"، وَيَقُولُ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ". وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَابَةِ وَالْوُسْطَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٧]. ــ الحق فيمدح، وإن صرفها إلى جانب الباطل فيذم، وقد يجيء تفصيل الكلام فيه في (باب البيان والشعر)، ويمكن أن يكون ذكره ههنا دليلًا على قصر الخطبة بأنه ينبغي أن تكون الخطبة بألفاظ وجيزة قليلة، دالة على معان جزيلة، كما يقال: خير الكلام ما قلّ ودلّ. ١٤٠٧ - [٧] (جابر) قوله: (إذا خطب احمرت عيناه) لما يتجلى عليه من بوارق أنوار العظمة والجلال، ولوامع أضواء الإبلاغ والإنذار. وقوله: (منذر جيش) أي: مخبر عن جيش ينذر قومًا بنزوله، والإنذار: تخويف مع إبلاغ. (يقول) أي: ذلك المنذر للقوم: (صبحكم) الجيش (ومساكم) أي: حان وقرب أن ينزل عليكم ويغير وقت الصباح والمساء، ويحتمل أن يكون الضمير في (يقول) للنبي ﷺ كما يناسب قوله: (ويقول: بعثت أنا. . . إلخ). وقوله: (والساعة) بالرفع والنصب كما في جئت أنا وزيد. وقوله: (يقرن) بضم الراء وكسرها. وقوله: (بين إصبعيه السبابة والوسطى) ويشير بـ (هاتين) إليهما، واختلف في تأويله فقيل: المراد اقتران السبابة بالوسطى إشارة إلى اقتران الساعة ببعثه ﷺ ، وقيل: المراد أن بُعد ما بين الساعة وبينه ﷺ كبعد ما بين السبابة ورأس الوسطى، وهو أيضًا إشارة إلى القرب، لكن الأول أبلغ، كذا قالوا، والظاهر من لفظ (يقرن) أن يكون المراد هو الأول، إلا أن يقال: تقدم الوسطى من المسبحة أيضًا إنما يظهر بالقران دون

стр. 1756

١٤٠٨ - [٨] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨١٩، م: ٨٧١]. ١٤٠٩ - [٩] وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٧٣]. ١٤١٠ - [١٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ (١) وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. . . . . ــ الانفراج، فافهم. ١٤٠٨ - [٨] (يعلى بن أمية) قوله: (﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾) الضمير في (نادوا) لأهل النار الداخلين فيها، و (مالك) اسم خازن النار، وقضى عليه بمعنى أماته، والمعنى: سل ربك أن يميتنا، فيجابون بأنكم ماكثون، أي: خالدون، وكان ﷺ يقرأ هذه الآية إنذارًا لهم. ١٤٠٩ - [٩] (أم هشام بنت حارثة بن النعمان) قوله: (ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾) قيل: المراد أول السورة؛ لأن جميعها لم يقرأ رسول اللَّه ﷺ في الخطبة، وعلى هذا أخذها هذه السورة أيضًا يكون بمعنى أخذ أولها، واللَّه أعلم. وقوله: (يقرؤها كل جمعة) لعل المراد جمعات حضرت أم هشام فيها. ١٤١٠ - [١٠] (عمرو بن حريث) قوله: (عمامة سوداء) (٢) فيه استحباب لبس

стр. 1757

قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٥٩]. ١٤١١ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٧٥]. ــ السواد، وهو مذهب الحنفية. وقوله: (بين كتفيه) بالتثنية في جميع نسخ مسلم، وصوب القاضي الإفراد، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقال في (شرح مسلم): كذا هو بالتثنية في جميع نسخ بلادنا، وهكذا في "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، وقال القاضي: هو الصواب، والمعروف هو بالإفراد، هذا ولا يخفى أن كلمة (بين) تقتضي التثنية، والروايات متعاضدة فيها، ومع ذلك ما وجه تصويب الإفراد؟ واللَّه أعلم. ١٤١١ - [١١] (جابر) قوله: (فليركع ركعتين) حملها الشافعية على تحية المسجد، فإنها واجبة عندهم، وكذا عند أحمد. وقوله: (وليتجوز فيهما) أي: يخفف، يقال: تجوز في الصلاة: خفف، وفي الكلام: تكلم بالمجاز، وعند الحنفية لما لم تجب في غير وقت الخطبة لم تجب فيه بطريق الأولى، وهو مذهب مالك وسفيان الثوري، وعليه جمهور الصحابة والتابعين، كذا قال النووي، وتأوله بأن المراد أراد أن يخطب بقرينة الأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب حرمة الصلاة في وقت الخطبة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث جابر بطرق متعددة أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو يخطب، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: صل ركعتين وتجوز فيهما، وتأولوه بأن ورود هذا كان قبل المنع، أو كان

стр. 1758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مخصوصًا بذاك الرجل الداخل، وقيل: كانت هذه القضية قبل أن يشرع ﷺ في الخطبة، وقيل: كانت الخطبة لغير الجمعة، واللَّه أعلم. وقال الشيخ ابن الهمام (١): معارضة هذا الحديث والأحاديث الأخر غير لازم؛ لجواز كونه قطع الخطبة حتى فرغ، وهو كذلك، رواه الدارقطني في (سننه) من حديث عبيد بن محمد العبدي قال: حدثنا معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس ﵁ قال: دخل رجل المسجد ورسول اللَّه ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : (قم فاركع ركعتين)، وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته، ثم قال: أسنده عبيد بن محمد العبدي ووهم فيه، ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل حدثنا معتمر عن أبيه قال: جاء رجل، الحديث، وفيه: انتظره حتى صلى، قال: وهذا المرسل هو الصواب، ونحن نقول: المرسل حجة لا سيما إذا جاء مرفوعًا أيضًا وهو خال عن معارض؛ لأن غيره ساكت عن قطع الخطبة والإمساك عنها، وزيادة الثقة مقبولة، وعلى هذا فما جاء من حديث مسلم: (إذا جاء أحدكم الجمعة) يكون المراد به أن يركع مع سكوت الخطيب، لما ثبت في السنة من ذلك، انتهى ملخصًا. وقد أورد في (تكملة المشكاة) حديث الدارقطني المذكور عن محمد بن قيس، وقال في (فتح الباري) (٢): إن حديث دخول الرجل واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل اختصاصه به، ويدل عليه حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب السنن وغيرهم: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب، والرجل في هيئة بذَّة، فقال: أصليت؟ قال: لا، قال: صل ركعتين، وحض الناس على الصدقة، فأمره بأن يصلي ليراه بعض الناس وهو قائم

стр. 1759

١٤١٢ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ كُلَّهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٠، م: ٦٠٧]. ــ فيتصدق عليه، وقد جاء في حديث عند أحمد أن النبي ﷺ قال: (إن هذا الرجل دخل في هيئة بذَّة فأمرته أن يصلي ركعتين، وأنا أرجو أن ينظر له رجل فيتصدق عليه)، وقيل: الصلاة التي أمر النبي ﷺ الرجل بذلك كانت صلاة الفجر فاتته، فعلم النبي ﷺ ذلك بالوحي فأمره بقضائها، والكلام في هذا المقام في غاية الطول أورده في (فتح الباري)، فليطلب ثمة. ١٤١٢ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة) هذا الحكم عام، لكنهم حملوه على صلاة الجمعة بقرينة الحديث الآتي في آخر الباب عن أبي هريرة، قال في (الهداية) (١): ومن أدرك الإمام يوم الجمعة صلى معه ما أدركه، وبنى عليه الجمعة؛ لقوله ﵇: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا"، وإن كان أدركه في التشهد أو في سجود السهو، بنى عليها الجمعة عندهما، وقال محمد: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بنى عليها الجمعة، وإن إدرك أقلها بنى عليها الظهر، انتهى. والمراد بإدراك أكثر الركعة الثانية إدراكها في الركوع لا بعد الرفع منه. وقال الشيخ ابن الهمام (٢): ولهما إطلاق الحديث المذكور، وما رواه (من أدرك ركعة من الجمعة، أضاف إليها ركعة أخرى، وإلا صلى أربعًا) لم يثبت.

стр. 1760

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٤١٣ - [١٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ، أُرَاهُ الْمُؤَذِّنَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٠٩٢]. ١٤١٤ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، ذَاهِبُ الْحَدِيثِ. [ت: ٥٠٩]. ــ الفصل الثاني ١٤١٣ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (أراه المؤذن) هذا قول الراوي لعدم حفظه، أي: أظن أن المراد فراغ المؤذن عن الأذان، ولا يخفى أن الظاهر أن يقول: يعني المؤذن؛ لأن من المتعين أن المراد فراغ المؤذن، و (المؤذن) إما مرفوع باعتبار (يفرغ)، أو منصوب باعتبار (أراه)، أي: أظن الفارغ المؤذن. وقوله: (لا يتكلم) في شرح الشيخ: أي: بغير الذكر والدعاء، انتهى. ولم يثبت في ذلك دعاء مأثور، كذا قالوا (١). ١٤١٤ - [١٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ذاهب الحديث) كناية عن سوء حفظه (٢).

стр. 1761

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٤١٥ - [١٥] عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ وَاللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَي صَلَاةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٢]. ١٤١٦ - [١٦] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَم يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا وَقد. . . . . ــ الفصل الثالث ١٤١٥ - [١٥] (جابر بن سمرة) قوله: (ثم يجلس) كان للتراخي باعتبار المبدأ، وفي قوله: (ثم يقوم) للمشاكلة. وقوله: (أكثر من ألفي صلاة) (١) ليس المراد بها صلاة الجمعة؛ لأنه ﷺ صلى الجمعة يوم قدومه المدينة في عشر سنين، ولا يبلغ ذلك إلا نحو خمس مئة، بل المراد الصلوات الخمس، والمراد بيان كثرة صحبته. ١٤١٦ - [١٦] (كعب بن عجرة) قوله: (كعب بن عجرة) بضم المهملة وسكون الجيم، (وعبد الرحمن بن أم الحكم) كان من بني أمية وأتباعهم. وقوله: (انظروا إلى هذا الخبيث) فيه جواز التغليظ على من ارتكب حرامًا عند من قال بوجوب القيام، أو مكروهًا عند من قال بعدم وجوبه.

стр. 1762

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٤]. ١٤١٧ - [١٧] وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ: أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَزِيدُ. . . . . ــ وقوله: (﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) فهذا دليل على أنه ﷺ كان يخطب قائمًا، والقيام في الخطبة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏ سنة، وعند الشافعي ﵀ وفي رواية عن مالك ﵀ واجب، وعند الباقين أن القيام في الخطبة يشترط للقادر كالصلاة. وقال في (فتح الباري) (١): روى ابن أبي شيبة من طريق طاوس قال: أول من خطب قاعدًا معاوية حين كثر شحم بطنه، وهو مرسل يعضده ما روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان ﵁، فكان إذا أعيا جلس، ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالسًا معاوية، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كانوا يخطبون يوم الجمعة قيامًا حتى شقَّ على عثمان ﵁ القيام، وكان يخطب قيامًا ثم يجلس، فلما كان معاوية خطب الأولى جالسًا والأخرى قائمًا، ولا حجة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعدًا؛ لأنه تبين أن ذلك للضرورة. ١٤١٧ - [١٧] (عمارة بن رويبة) قوله: (وعن عمارة) بضم المهملة وتخفيف الميم، (بن رويبة) بضم الراء وفتح الواو وسكون الياء. وقوله: (رافعًا يديه) عند التكلم كما هو دأب جهلة الوعاظ والخطباء.

стр. 1763

عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الْمُسَبِّحَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٧٤]. ١٤١٨ - [١٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا اسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: "اجْلِسُوا"، فَسَمِعَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "تَعَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٠٩١]. ١٤١٩ - [١٩] وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيَصِلْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا" أَو قَالَ: "الظُّهْرَ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٢/ ١١]. * * * ــ وقوله: (على أن يقول) أي: يشير، (وأشار) أي: الراوي لإراءة الإشارة المذكورة، وكان ذلك للتنبيه على الاستماع والتأمل في ما ذكره. ١٤١٨ - [١٨] (جابر) قوله: (فقال: تعال يا عبد اللَّه بن مسعود) فيه دليل على جواز التكلم على المنبر، أو كان قبل الشروع في الخطبة، أو أنه ﷺ أشار إليه، فعبر الراوي عن ذلك بالقول، واللَّه أعلم. وفي شرح ابن الهمام (١): أنه يكره للخطيب أن يتكلم في حالة الخطبة للإخلال بالنظم، إلا أن يكون أمرًا بالمعروف؛ لقصة عمر مع عثمان ﵄ في الوضوء، وهي معروفة، انتهى. وفي قصة الرجل الداخل وأمر النبي ﷺ الناس بالتصدق عليه على ما رواه أيضًا دليل على ذلك، واللَّه أعلم. ١٤١٩ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (فليَصِلْ) بفتح الياء وكسر الصاد مخففًا من الوصل، وقد مرّ الكلام فيه.

стр. 1764

٤٦ - باب صلاة الخوف ــ ٤٦ - باب صلاة الخوف ثابتة بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]، وأما الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، فالجمهور على أنها نازلة في قصر الرباعي بركعتين، وبعضهم حملوه على صلاة الخوف؛ لأن فيه قصرًا بترك بعض الأفعال والكيفيات كما أن في السفر قصرًا في الكمية والعدد، وبعضهم أرادوا بها ما يعمهما. وفي رواية عن أبي يوسف وحسن بن زياد من الحنفية والمزني من الشافعية صلاة الخوف كانت مخصوصة بزمن النبوة لقصد إحراز فضيلة الصلاة خلف رسول اللَّه ﷺ وليس بمشروع بعده، وهو ظاهر مفهوم الآية الكريمة ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، والمختار عند الجمهور جوازها بعد زمان النبوة أيضًا، وإقامة بعض الصحابة كعلي وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان -رضوان اللَّه عليهم أجمعين- إيّاها بعده ﷺ حجة لهم، وأيضًا كل ما فعله رسول اللَّه ﷺ ولم يثبت اختصاصه به بدليل، فعلى الأمة اتباعه في ذلك، وعموم قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني) دليل عليه، وقيد ﴿إِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ اتفاقي، والمراد كنت أنت أو من يقوم مقامك كما ثبت في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقال الشيخ: صلاة الخوف على الصفة المذكورة إنما تلزم إذا تنازع القوم في الصلاة خلف الإمام، أما إذا لم يتنازعوا فالأفضل أن يصلي بإحدى الطائفتين تمام الصلاة، ويصلي بالطائفة الأخرى إمام آخر تمامها، وقيل: إنما يجوز إذا تهيؤوا للقتال

стр. 1765

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسووا الصفوف لا بمجرد الخوف واحتمال وجود القتال إلا أن يغلب الظن بحضور العدو بغتة، وقد صحت روايتها، وأيضًا بعض الأئمة ومنهم مالك خصوها بحالة السفر، وعندنا في السفر والحضر، ولهذا قالوا: يصلي الإمام في الثنائية سواء كان في الفجر أو قصر السفر مع كل طائفة ركعة، وفي غير الثنائية إن كان رباعيًا يصلي مع كل طائفة ركعتين، وفي المغرب يصلي مع الطائفة الأولى ركعتين ومع الثانية ركعة، وهو مذهب أحمد والشافعي لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] كذا قالوا. ثم إن صلاة الخوف تروى على وجوه متعددة (١) بحسب اختلاف المكان والزمان على ما رآه الإمام أحوط في الحراسة والتوقي من العدو، واختار كل من الأئمة وجهًا منها، واختار الإمام أبو حنيفة رواية ابن عمر الثابثة في الكتب الستة، وقال الشُّمُنِّي: وقع صلاة الخوف منه ﷺ في أربعة مواضع: ذات الرقاع، وبطن نخل، وعسفان، وذي قرد، ويظهر من هذا أنها إنما كانت في السفر، فتجويز الفقهاء إياها في الحضر يكون بالقياس، واللَّه أعلم.

стр. 1766

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٤٢٠ - [١] عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ فَوَازينَا الْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاؤُوا، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، ــ الفصل الأول ١٤٢٠ - [١] (سالم) قوله: (عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه) هذا الحديث مروي في الكتب الستة بأجمعها عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، واللفظ المذكور للبخاري، وقد استدل في (الهداية) (١) بحديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ بهذا المعنى، رواه أبو داود عن خصيف الجزري عن أبي عبيدة عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، وخصيف ليس بالقوي، فالأولى الاستدلال بحديث ابن عمر ﵄. وقوله: (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: نحوه وجهته، فهو منصوب على الظرفية، والنجد في الأصل: ما ارتفع من الأرض والطريق الواضح المرتفع، وهو اسم لبلاد مخصوصية أعلاه تهامة واليمن، وأسفله العراق والشام، وفي بعض الشروح أن المراد ههنا نجد الحجاز لا نجد اليمن. وقوله: (فوازينا العدو) أي: واجهناهم وحاذيناهم، (فصاففنا لهم) أي: أقمنا لحربهم صفًّا صفًّا، أي: جعلنا نفوسنا صفين في مقابلتهم، فدل الحديث على أن كل

стр. 1767

فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. وَرَوَى نافِعٌ نَحْوَهُ، وَزَادَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعٌ: لَا أُرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٩٤٢]. ١٤٢١ - [٢] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: . . . . . ــ طائفة اقتدوا برسول اللَّه ﷺ في ركعة واحدة، وصلوا لأنفسهم الركعة الأخيرة منفردين، وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀، وقالوا: هذا الطريق أوفق بنص القرآن، فتدبر. ولا يخفى أنه لا سبيل إلى أن يصلي كلا الطائفتين في حالة واحدة لما فيه من تضييع أمر الحرب، ولم يدل الحديث على أن أي الفريقين يتم صلاته أولًا، فقال أشهب صاحب مالك ﵀: الطائفة الثانية التي يدل عليه الحديث الآتي لسلامتها عن كثرة المخالفة، وقال أبو حنيفة ﵀: الطائفة الأولى، كذا في بعض الشروح. وقوله: (فإن كان خوف هو أشد من ذلك) بأن لا يتمكنوا من الهيئة المذكورة. وقوله: (صلوا رجالًا) جمع راجل كما بينه بقوله: (قيامًا) أي: قائمين على أقدامهم. ١٤٢١ - [٢] قوله: (يزيد بن رومان) بضم الراء وسكون الواو، و (خوات) بفتح المعجمة وتشديد الواو وآخره مثناة، أنصاري. وقوله: (عمن صلى) هو سهل بن أبي حثمة أو والده، وهذا أرجح. وقوله: (يوم ذات الرقاع) اسم غزوة غزاها رسول اللَّه ﷺ في السنة الخامسة، فلقي الكفار فصلى رسول اللَّه ﷺ هذه الصلاة، ثم انصرف المسلمون والكافرون، ولم يجر بينهم حرب على ما هو المشهور، سميت بذات الرقاع؛ لأنهم شدوا الرقاع على

стр. 1768

أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ ركْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٢٩، م: ٨٤٢]. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [خ: ٤١٣١]. ١٤٢٢ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. . . . . ــ أرجلهم لحفاوتهم وفقد نعالهم، وقيل: لأن فيه أرضًا أو جبلًا بعضه أحمر وبعضه أبيض وبعضه أسود، أقول: ويؤيد الأول ما روي عن موسى قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع. وقوله: (وطائفة) بالنصب والرفع عطف على طائفة أو على الضمير في (صفّت)، و (وجاه) بكسر الواو ويُضم، وفي رواية: تجاه بإبدال التاء من الواو كما في تراث ووراث. وقوله: (ثم سلم بهم) أي: بالطائفة الأخرى، وفي هذا الطريق أيضًا صلى كل طائفة ركعة مع رسول اللَّه ﷺ وركعة فرادى، ولكن في وقت صلاة رسول اللَّه ﷺ لا قضاءها بعد إتمام صلاته ﷺ كما كانت في الطريق الأول، وبهذا عمل مالك والشافعي -رحمهما اللَّه-. ١٤٢٢ - [٣] (جابر) قوله: (فجاء رجل من المشركين) قيل: اسمه غورث بالغين

стр. 1769

وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ" قَالَ: فتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ ركَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٣٦، م: ٨٣٤]. ــ المعجمة على وزن جعفر، وقيل: بضم العين، وقيل: غويرث بالتصغير، وقيل: دعثور بالدال والعين المهملتين والمثلثة، وروي أنه أسلم. وقوله: (فاخترطه) أي: سلّه عن غمده. وقوله: (فتهدده) هدد وتهدد بمعنى. وقوله: (فكانت لرسول اللَّه ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان) واختلفوا في توجيه كون صلاته ﷺ أربعًا، فقيل: القصر كانت رخصة كما هو مذهب بعض الأئمة فصلى أربعًا، لكن هذا يخالف ما ذكره بعض المحققين أنه لم يصل رسول اللَّه ﷺ أربعًا في سفر قط، واللَّه أعلم. وقيل: هذا من خصائص صلاة الخوف حتى يصلي كل طائفة خلف رسول اللَّه ﷺ الصلاة تامة، ولعله وقع النزاع في ذلك منهم في هذا الوقت دون غيره من الأوقات، وقيل: من جهة جواز تكرار الصلاة كما يقول به الشافعية، ويصح اقتداء المفترض بالمتنفل، ولذا وقع في بعض عبارات الشافعية من شروح (الحاوي): كان للقوم ركعتان وللنبي ﷺ أربع، وفي المغرب ست، وقيل: لعله كانت الصلاة في هذه الحالة في الحضر، واقتصار القوم على اثنين اثنين كان من خصائص ضرورة الخوف كما جاء من رواية أبي داود والنسائي عن حذيفة أنه كان في بعض الأحيان صلى مع كل طائفة ركعة،

стр. 1770

١٤٢٣ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، ثُمَّ قَامُوا ثُمِّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوْعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، ــ وكانوا يكتفون بركعة، ولم يقضوا ركعة أخرى، وجاء في رواية لأبي داود القضاء، كذا في (جامع الأصول) (١)، واللَّه أعلم. ١٤٢٣ - [٤] (عنه) قوله: (ثم انحدر بالسجود) أي: انهبط إليه، والباء بمعنى (إلى). وقوله: (والصف الذي يليه) بالرفع عطف على فاعل (انحدر)، وبالنصب على أنه مفعول معه. وقوله: (وقام الصف المؤخر) أي: بقي قائمًا. وقوله: (في نحر العدو) بالراء، أي: مقابله وإزاءه، النحر: موضع القلادة من الصدر. وقوله: (وقام الصف الذي يليه) أي: رفعوا رؤسهم من السجود.

стр. 1771

انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٤٠]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٤٢٤ - [٥] عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي الْخَوْف بِبَطْنِ نَخْلٍ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَ طَائِفَةٌ أُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١/ ٢٦٤]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٤٢٥ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ وَعُسْفَانَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: . . . . . ــ الفصل الثاني ١٤٢٤ - [٥] (جابر) قوله: (ببطن نخل) موضع بين مكة والطائف، كذا في (الصحاح) (١). وقوله: (ثم سلم) في هذه الصورة سلم مع كل من الطائفتين على حدة، وكانت فيه أيضًا أربع له ﷺ وللقوم ركعتان، كما في الحديث السابق عن جابر، لكنه كان ساكتًا هناك عن نكرار السلام منه ﷺ كما أورده المؤلف، وفي (سفر السعادة) (٢) أنه توقف ﷺ في التشهد حتى صلت الطائفة الثانية، فسلم هو ﷺ والقوم بالاتفاق. الفصل الثالث ١٤٢٥ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (نزل بين ضجنان وعسفان) ضجنان كسكران:

стр. 1772

لِهَؤُلَاءَ صَلَاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَهِيَ الْعَصْرُ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فَتَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ، فَيُصَلِّيَ بِهِمْ، وَتَقُومَ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، ــ جبل قرب مكة، وجبل آخر بالمدينة، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): موضع أو جبل بين مكة والمدينة، وعسفان بضم العين وسكون السين على مرحلتين من مكة مشهور. وقوله: (آبائهم وأبنائهم) وفي رواية: من أبنائهم وأموالهم. وقوله: (فأجمعوا) بقطع الهمزة (أمركم) أي: رأيكم، والإجماع: الاتفاق، وجعل الأمر جميعًا بعد تفرقه، والعزم على الأمر، فمعنى أجمع الأمر، أي: جعله جمعًا بعد ما كان متفرقًا، وتفرقه أنه جعل يقول مرة: افعل كذا، ومرة: افعل كذا، فلما عزم على أمر أجمعه أي جعله جمعًا. وقوله: (فتميلوا عليهم ميلة واحدة) أي: تشدوا عليهم شدة واحدة، والشدة بالفتح: الحملة في الحرب. وقوله: (فيصلي بهم) أي: بأحد الشطرين، (وتقوم طائفة أخرى) أي: الشطر الآخر، والمراد بقوله: فيصلي بهم: بأصحابه جميعًا، ويكون حال الطائفة الأولى محذوفًا على كل تقدير ليس تمام كيفية الصلاة مذكورًا في الحديث، بل المقصود الأصلي من الحديث بيان قيام طائفة وراء المصلين والأخذ بالحذر والأسلحة، والحذر بالكسر الاحتراز كالاحتذار، فالمراد ما فيه الحذر، و (أسلحتهم) عطف تفسير له.

стр. 1773

فَتَكُونَ لَهُمْ رَكْعَةٌ وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَانِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣٠٣٥، ن: ١٥٤٤]. * * * ٤٧ - باب صلاة العيدين ــ وقال صاحب (الكشاف) (١): جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ دلالة على التيقظ التام والحذر الكامل ومن ثم قدمه على الأسلحة. وقوله: (فتكون لهم) أي: لكل من الحارسين إذا تناوبوا الحراسة ركعة مع رسول اللَّه ﷺ ، ولرسول اللَّه ﷺ ركعتان تامتان، فالمراد بقوله: (فتكون لهم ركعة) كونها مع رسول اللَّه ﷺ ، والركعة الأخرى التي يقضونها لا تكون معه، ويحتمل أن يكون المراد ما ذكرنا من (جامع الأصول) (٢) في الحديث السابق لجابر من اكتفائهم بركعة من غير قضاء الأخرى، وكون ذلك من خصائص صلاة الخوف، واللَّه أعلم. ٤٧ - باب صلاة العيدين قيل: سمي العيد عيدًا؛ لأنه يعود ويتكرر لأوقاته، وهذا الوجه عام يصدق على المواسم الأخر أيضًا، فزاد بعضهم قيدًا آخر، وقال: يعود بالفرح والسرور، والفرح والسرور في عيد الفطر لشكر نعمة تمام الصيام، وفي الأضحى تمام نعمة الحج بالوقوف بعرفات الذي هو عمدة أركانه، والجمعة التي هي عيد كل أسبوع شكر لنعمة صلوات الأسبوع، فوضعوا الشكر لكل طاعة عيدًا من جنسها حتى يكون سببًا لمزيدها بحكم

стр. 1774

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٤٢٦ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، ــ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وأما الزكاة فلما لم يكن لأدائها وقت معين ولم يتفق فيها اجتماع لم يقع بشكر تمامها عيد مناسب، كذا قالوا، وقال بعضهم: سمي العيد عيدًا تفاؤلًا، يعني يرزق البقاء ويعود في العام القابل، كما سميت القافلة قافلة في ابتداء خروجها تفاؤلًا بقفولها، أي: رجوعها سالمة. وفي بعض شروح "الهداية": سمي عيدًا لأن اللَّه تعالى وعد المؤمنين فيه بفضله ورحمته يفرحون بذلك، ويرد على هذا الوجه أن اشتقاق العيد من الوعد بعيد، لأنه أجوف، والوعد مثال، إلا أن يجعل من قبيل الجبذ والجذب. وصلاة العيدين فرض على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ كالجمعة، وفي رواية: واجب، وقال: تسميته بالسنة من جهة ثبوته بالسنة دون الكتاب، وعند صاحبيه سنة، وعند الشافعية نفل، وجعلوه أفضل النوافل، وفي قول: سنة مؤكدة، وقال مالك ﵀: سنة واجبة، ولعل الوجوب ههنا بمعنى التأكيد، ويحتمل أن يكون المراد ما ذكر في مذهب أبي حنيفة ﵀، وعند أحمد ﵀ فرض عين كما عند أبي حنيفة، والصحيح عنده أنها فرض كفاية كصلاة الجنازة والجهاد، وفي رواية عن أبي حنيفة أيضًا كذلك. الفصل الأول ١٤٢٦ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إلى المصلى) (١) وهو موضع معروف

стр. 1775

فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، ــ بالمدينة خارجها، ولم يكن فيه منبر في زمنه ﷺ ، وسيجيء ذكر بنائه في آخر الباب، وقد قيل في الفرق: إن المصلى يكون بمكان فيه فضاء، فيتمكن من رؤيته كل من حضر بخلاف المسجد فإنه يكون في مكان محصور، فقد لا يراه بعضهم، فلهذا لم يوضع المنبر للعيد ووضع للجمعة. وقوله: (فأول شيء يبدأ به الصلاة) يعني كان لا يقدم الخطبة على الصلاة، وسيجيء الكلام فيه، والظاهر المتبادر بحسب المعنى أن يكون (أول) مبتدأ و (الصلاة) خبره، وقيل بالعكس لكون الصلاة أعرف. وقوله: (فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم) الظاهر أنها معان متكررة متقاربة ذكرت تأكيدًا وتقريرًا. وقال الطيبي (١): فيعظهم، أي: ينذرهم ويخوفهم، ويوصيهم في حق الغير لينصحوا لهم، ويأمرهم بالحلال والحرام. وقوله: (وإن كان يريد أن يقطع بعثًا) أي: جيشًا بسكون العين ويحرك، فالبعث الجيش الذي يبعث إلى العدو، و (قطعه) توزيعه على القبائل وقسمته، وإنما استعمل فيه القطع لأن الآمر يقطع القول به فيقول: يخرج من بني فلان كذا، ومن بني فلان كذا، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢)، والظاهر أن استعمال القطع بمعنى الإفراد، وإفراد جماعة من

стр. 1776

أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٥٦، م: ٨٨٩]. ١٤٢٧ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٨٧]. ١٤٢٨ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ. . . . . ــ بين القوم وإرسالها على العدو. وقوله: (أو يأمر بشيء) أي: بشيء معين مخصوص بين الأوامر العامة، أو المراد أمر الجيش المبعوث بأوامر تليق بهم، وهذه كلها داخلة في الخطبة؛ لأن الخطبة إنما هي لتعليم الأوامر والأحكام، فلا يتجه ما ذكر الطيبي أن فيه دليلًا على أن الكلام في الخطبة غير حرام على الإمام. وقوله: (ثم ينصرف) أي: من المصلى إلى البيت. ١٤٢٧ - [٢] (جابر بن سمرة) قوله: (غير مرة ولا مرتين) أي: كثيرًا، فهو حال عن المفعول أو عن الفاعل. وقوله: (بغير أذان ولا إقامة) يعني لم يكن في صلاة العيدين أذان ولا إقامة، وزاد في رواية: ولا الصلاة جامعة (١)، قال الترمذي (٢): والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنه لا يؤذن لصلاة العيدين ولا لشيء من النوافل. ١٤٢٨، ١٤٢٩ - [٣، ٤] (ابن عمر، وابن عباس) قوله: (وأبو بكر وعمر) خصهما بالذكر لتأكيد السنة بقوله ﷺ : (اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر ﵄)، مع

стр. 1777

قَبْلَ الْخُطْبَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٦٣، م: ٨٨٨]. ١٤٢٩ - [٤] وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَ؟ قَالَ: نَعَمْ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ يَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٤٩، م: ٨٨٥]. ــ أنه كان بمحضر الصحابة فانعقد الإجماع، قالوا: وقد غيره عثمان ﵁ وخطب قبل الصلاة حين كثر الناس ليدركوا الصلاة، وسيجيء تمام الأحكام فيه. وقوله: (وسئل ابن عباس) لا يظهر وجه ذكر حديث ابن عباس بهذا الطريق المذكور في (المصابيح) دون الطريقة المعتادة للمؤلف مصدّرًا بـ (عن). وقوله: (ولم يذكر) أي: ابن عباس ﵄ أذانًا ولا إقامة. وقوله: (يهوين) بضم الياء وقد يفتح من الإهواء، والهوي: السقوط والامتداد والارتفاع، في (القاموس) (١): أهوت يدي لها: امتدت وارتفعت، وقال في (النهاية) (٢): أهوى بيده إليه، أي: مدها نحوه وأمالها إليه، ويقال: أهوى بيده إلى الشيء ليأخذه. وقوله: (إلى آذانهن وحلوقهن) أي: حليهن من القرط والقلادة. وقوله: (ثم ارتفع) أحب: ذهب وأسرع، من ارتفع البعير في سيره، أي: أسرع وبالغ، وارتفع القوم، أي: صعدوا في البلاد.

стр. 1778

١٤٣٠ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٦٤، م: ٨٨٤]. ــ ١٤٣٠ - [٥] (ابن عباس) قوله: (لم يصل قبلهما ولا بعدهما) فيه دليل على أنه لا صلاة قبل صلاة العيد ولا بعدها، قال الترمذي (١): وفي الباب عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمرو وأبي سعيد، وحديث ابن عباس حسن صحيح، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وقد رأى طائفة من أهل العلم الصلاة بعد صلاة العيدين وقبلها من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، والقول الأول أصح، انتهى. وفي شرح (كتاب الخرقي) (٢) في مذهب أحمد: استخلف علي ﵁ أبا مسعود على الناس فخرج يوم عيد، فقال: يا أيها الناس! إنه ليس من السنة أن يصلى قبل الإمام، رواه النسائي، وعن ابن سيرين: أن ابن مسعود وحذيفة قاما أو قام أحدهما فنهيا أو نهى الناس أن يصلوا يوم العيد قبل خروج الإمام، رواه سعيد، وقال الزهري: لم أسمع أحدًا من علمائنا يذكر -أي: أحدًا من سلف هذه الأمة- كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها، رواه الأثرم. وروي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى المنزل صلى ركعتين، رواه ابن ماجه وأحمد (٣). وفي (الهداية) (٤): ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد، لأنه ﵊ لم يفعل مع حرصه على الصلاة، ثم قيل: الكراهة في المصلى خاصة، وقيل: فيه وفي غيره عامة، لأنه ﵇ لم يفعله، انتهى.

стр. 1779

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي بعض شروح "الهداية": إن صلى الإشراق والضحى قبل الخروج إلى الجبانة لا يكره، وهذا النفي بإطلاقه يتناول الإمام والقوم جميعا، وقال الشافعي ﵀: يكره للإمام دون القوم، وقالوا: المراد بهذا النفي أنه ليس لصلاة العيد صلاة مسنونة، لا أنها تكره في حد ذاتها. وفي (فتح الباري) (١): قال الكوفيون: يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها، وبالأول قال الأوزاعي والثوري والحنفية، وبالثاني قال الحسن البصري وجماعة، وبالثالث قال الزهري وابن جريح وأحمد، وقال الشافعي وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها. ثم اعلم أنهم اختلفوا في أنه إذا فاتت صلاة العيد هل تقضى؟ فظاهر مذهب الحنفية أنه إن فاتته مع الإمام لم يقضها؛ لأن الصلاة بهذه الصفة لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد، كذا في (الهداية) (٢)، وذكر في بعض شروحها أنه إن شاء صلى ركعتين أو أربع ركعات مثل صلاة الضحى التي يصلي في سائر الأيام، ونقل عن (المحيط) و (فتاوى قاضيخان) أن من جاء المصلى ولم يدرك الصلاة مع الإمام فهو مخير إن شاء رجع إلى بيته من غير أن يصلي، وإن شاء صلى ثم رجع، والأفضل أن يصلي أربع ركعات حتى تكون له صلاة الضحى، وكذلك في مذهب أحمد، والدليل على ذلك حديث روي عن ابن مسعود بسند صحيح، وقال أحمد: ويقويه حديث علي ﵁ أنه أمر رجلًا أن يصلي بضعفة الناس أربعًا ولا يخطب، كذا في شرح (كتاب الخرقي) (٣)،

стр. 1780

١٤٣١ - [٦] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتَ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَتَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥١، م: ٨٩٥]. ــ وقال: وبلا تكبير كصلاة التطوع، وذكر البخاري في ترجمة باب أن أنسا ﵁ جمع أهله وولده في الزاوية -اسم موضع على فرسخين من بصرة- وصلى صلاة العيد، وقال الكرماني (١): إذا فاتت صلاة العيد مع الإمام صلى، قال مالك والشافعي رحمهما اللَّه: صلى ركعتين، وقال أحمد: أربع ركعات، وقال أبو حنيفة ﵀: إن شاء صلى وإن شاء لم يصل، وعلى تقدير الصلاة هو مخير بين أربع واثنتين، واللَّه أعلم. ١٤٣١ - [٦] (أم عطية ﵂) قوله: (أن نخرج الحيض) بفتح الياء المشددة جمع حائض، (وذوات الخدور) بضم الخاء جمع خدر بكسرها: ستر يمد للجارية في ناحية البيوت تقعد البكر وراءه، وكل ما واراك من بيت ونحوه، والمراد ههنا النساء المستورات. وقوله: (وتعتزل) بالرفع خبر في معنى الأمر، والجلباب بكسر الجيم: الملحفة، ومعنى (لتلبسها) أن تعير القادرة العاجزة جلبابًا، ولا كراهة في استعارتها منها، أو تشركها جلبابها في اللبس، وما جاء في رواية أخرى: (تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها) يؤيد المعنى الثاني (٢).

стр. 1781

١٤٣٢ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ: تُغَنِّيَانِ. . . . . ــ ١٤٣٢ - [٧] (عائشة) قوله: (وعندها جاريتان) زاد في رواية: من جوار الأنصار، وللطبراني من حديث أم سلمة: أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت، والجارية من النساء من لم تبلغ الحلم. وقوله: (في أيام منى) أي: أيام التشريق، (تدففان وتضربان) أي: تغنيان وتضربان بالدف، فهو تأكيد لما قبله، وقيل: معناه ترقصان من ضرب الأرض إذا وطئها، والدف بالضم على الأشهر وقد يفتح، وأصله الجنب، ومنه دفتا المصحف لتشبيههما بالجنبين، سمي بذلك لاتخاذه من جلد الجنب، كذا في شرح الشيخ. وقوله: (تغنيان) وزاد في رواية للبخاري: وليستا بمغنيتين، أي: لا تحسنان

стр. 1782

بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، ــ الغناء ولا اتخذتاه صنعة وكسبًا، ولا تعرفان به، أو ليستا كالمغنيات في التشويق إلى الهوى والتعريض بالفاحشة، والتشبيب الداعي إلى الفتنة كما يشعر به قوله: تغنيان. وقوله: (بما تقاولت الأنصار يوم بعاث) تقاولت، أي: قال بعضهم لبعض، وتفاخر من أشعار الحرب والشجاعة، وفي رواية: تقاذفت بقاف وذال معجمة من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض، وفي بعضها: تعازفت بعين مهملة وزاي من العزف وهو الصوت الذي له دوي، ومنه المعازف، وبعاث بموحدة مضمومة فمهملة مخففة، وقيل: بمعجمة، وقيل: إنه تصحيف، وتعقب بأن القائل بذلك أبو عبيدة وهو من أئمة اللغة، وبالجملة فيه اختلاف، والأشهر فيه منع الصرف، قيل: اسم موضع بالمدينة على ليلتين، وقيل: اسم حصن للأوس، وقيل: موضع بديار بني قريظة فيه أموالهم، وقع فيه حرب بين الأوس والخزرج قبيلتي الأنصار، وكان فيه مقتلة عظيمة، واستمرت الحرب والعداوة فيهم إلى مئة وعشرين سنة فارتفعت بالإسلام، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فالشعر الذي كانتا تغنيان كان في وصف الحرب والشجاعة، وفي ذكره معونة في أمر الدين، وأما الغناء بذكر الفواحش والمنكر من القول فمحظور، وحاشاه أن يجري شيء من ذلك بحضرة رسول اللَّه ﷺ . وقوله: وهو (متغش بثوبه) أي: متغط به ومتلبس، وفي رواية للبخاري: فاضطجع -يعني: النبي ﷺ على الفراش وحوّل وجهه، وفي رواية: تغشّى بثوبه، وفي رواية لمسلم: تسجّى، أي: التف بثوبه. وقوله: (فانتهرهما) أي: زجرهما عن التدفيف والغناء بحضرته، وفي رواية

стр. 1783

فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: "دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ! فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ". وَفِي رِوَايَةٍ: "يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٥٢، ٩٨٧، م: ٨٩٢]. ــ للبخاري: فانتهرني، ولا منافاة، وزجرهما لفعلهما وزجر عائشة لتقريرها، وفي (صحيح البخاري) وقال -أي: أبو بكر-: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ ، وأراد بالمزمارة الغناء والدف؛ لأن المزمار مشتق من الزمير وهو الصوت الذي له الصفير، سميت به الآلة المعروفة التي بها يزمرون، كذا في (فتح الباري) (١)، وفي (القاموس) (٢): زمر يَزْمُرُ زميرًا وزمّر تزميرًا: غنّى في القصب، والزمارة ما يزمر به كالمزمار، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهي وتشغل القلب عن الذكر. وقوله: (فكشف النبي ﷺ ) وفي رواية مسلم: فأقبل عليه رسول اللَّه ﷺ ، (فقال: دعهما) فلما غفل غمزتهما فخرجتا. وقوله: (فإنها) أي: الأيام التي نحن فيها (أيام عيد) أي: فرح وسرور شرعي، وهذا من جملته، قال الشيخ ابن حجر في شرح (صحيح البخاري) (٣): استدل جماعة من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة ﵂ بقولها: وليستا بمغنيتين، فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي يسميه العرب النصب بفتح النون وسكون المهملة، وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنيًّا، وإنما يسمى بذلك من ينشط بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه التعريض بالفواحش أو تصريح بها،

стр. 1784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال القرطبي: قولها: ليستا بمغنيتين، أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وأن ذلك يثمر سني الأحوال، وهذا -على التحقيق- من آيات الزندقة، وقول أهل المخرفة (١)، واللَّه المستعان، انتهى كلام القرطبي. وقال أيضًا في (الفتح) (٢): ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه كما سنذكر ذلك في وليمة العرس، وأما التفافه ﷺ بثوبه فيه إعراض عن ذلك لكون مقامه يقتضي أن يرفع الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره، والأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتًا وكيفيته تقليلًا لمخالفة الأصل، واللَّه أعلم، انتهى. قال العبد الضعيف أصلح اللَّه حاله: إن الذي يتبادر من الحديث وفي العدول عنه تعسف أن أبا بكر ﵁ أنكر التغني والتدفيف وزجر عنهما لما تقرر عنده وهو أعلم بالشريعة من حرمة ذلك أو كراهيته، وظن أنه ﷺ لا يعلم ذلك لمثل نوم أو غفلة فلم ينه عنه، أو كان يريد أن ينهى فلم يفرغ لذلك، ولم يعلم أبو بكر ﵁ أنه ﷺ قررهن

стр. 1785

١٤٣٣ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلَهُنَّ وِتْرًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٩٥٣]. ــ على هذا القدر اليسير في يوم العيد، ولذلك قال: دعهما فإنها أيام عيد، فدل الحديث على إباحة مقدار يسير منه في يوم العيد وغيره من مواضع يباح فيه السرور، ويكون ذلك من شعائر الدين كالأعراس والولائم، ومثل ذلك لعب السودان بالدرق والحراب في يوم العيد، وقصد عمر ﵁ أن يضربهم بالحصى، فقال رسول اللَّه ﷺ : دعهم يا عمر. وأما قول القرطبي: يظهر من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، فذلك عند فقدان الضبط والاختيار، والمرء في ذلك معذور مع توجه المؤاخذة في التسبيب، ومن فعل ذلك في غير هذه الحالة فهو كما قال، ولقد صدر سماع الغناء ممن انكسرت شهوته وعلا مقامه من اللهو واللعب لا سيما عن الزندقة والإلحاد، ولما ثبت أنه يحرك السواكن ويبعث الكوامن فمن كان ساكنه وكامنه ذكر الحق والشوق إلى الآخرة والانجذاب إلى جناب القرب كيف يذم ذلك؟ اللهم إلا إن ثبتت الحرمة القطعية، ولم تثبت، ولقد صرح بعض المتأخرين من المحدثين وإن كان قولًا متعقبًا بأنه لم يصح حديث في حرمة الغناء، وقال بعض العلماء: لم يوجد على حرمته ولا على إباحته دليل قاطع، فيترك على الأصل، والأصل في الأشياء الإباحة وبعد اللَّتَيَّا والتي لا شك أن ذلك خلاف طريقة الاتباع، واللَّه أعلم. ١٤٣٣ - [٨] (أنس) قوله: (لا يغدو يوم الفطر) أي: لا يروح إلى المصلى. وقوله: (حتى يأكل تمرات) لعلها كانت حاضرة الوقت فيأكلها، وقالوا: الحكمة في استحباب أكل التمر حلاوتها وهي نافعة في تقوية البصر والصوم يضعفه، والحلاوة يوافق مزاج الإيمان، وقالوا: ومن رأى في المنام يأكل حلوًا فتعبيره أن يرزق حلاوة الإيمان ويرفق القلب، ولهذا كان الإفطار بشيء حلو أفضل كالعسل وغيره، وكان (وترًا)

стр. 1786

١٤٣٤ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٨٦]. ــ وفي رواية الحاكم عن عتبة بن حميد: يأكل ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أقل من ذلك أو أكثر منها وترًا، ورعاية الوتر محمودة في الأمور كلها، (إن اللَّه وتر ويحب الوتر). ١٤٣٤ - [٩] (جابر) قوله: (إذا كان يوم عيد خالف الطريق) أي: يخرج من طريق ويرجع من أخرى. وقوله: (رواه البخاري) ورواه الترمذي عن أبي هريرة قال: وقد استحب بعض أهل العلم للإمام إذا خرج في طريق أن يرجع في غيره اتباعًا للحديث، وبه قال الشافعي، وقال في (الفتح) (١): والذي في (الأم) أنه يستحب للإمام والمأموم، وبه قال أكثر الشافعية، وقال الرافعي: لم يتعرض في (الوجيز) إلا للإمام، وبالتعميم قال أكثر أهل العلم، ومنهم من قال: إن علم المعنى وبقيت العلة بقي الحكم وإلا انتفى بانتفائها، وإن لم يعلم المعنى بقي الاقتداء، وقال الأكثر: يبقى الحكم ولو انتفت العلة كما في الرَّمَل وغيره، انتهى. ولا يذهب عليك أن العلة الحكم فيما نحن فيه ليست منصوصة كما في الرَّمَل وهو إظهار الجلادة والشهامة للمشركين، وأما فيما نحن فيه فإنما يستنبطون المعاني بالظن والاحتمال، فلا ينظر ههنا إلى العلة، بل يجب الاقتداء والاتباع على احتمال وجود بعض المعاني التي استنبطوها في شأنه ﷺ ، فافهم. ثم قد كثرت الأقوال في ذلك، فمنها أنه فعل ذلك ليشهد له بقاع ومواضع متكثرة مختلفة، ويشهد الطريقان وسكانهما من الجن والإنس، وقيل: ليسوّى بينهما في مزية الفضل بمروره ﷺ ، وقيل: لإظهار شعائر الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر اللَّه

стр. 1787

١٤٣٥ - [١٠] وَعَنِ الْبَرَاءَ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نبدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ نُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ شَاةُ لَحْمٍ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، ــ وإشاعته، وقيل: لغيظ الكافرين وترهيبهم بإظهار شوكة الإسلام ورفعة إعلام الدين ولعزة أهله وكثرتهم، وقيل: حذرًا من كيد أعداء الدين، وفيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك لم يكرره؛ لأنهم يترصدونه في طريق الرجوع على تقدير العلم بطريق الخروج، فافهم. وقيل: ليشمل مسلمي الطريقين ويعمهما بالبركة وبرؤيته، والانتفاع في قضاء حوائجهم في الاستفتاء والتعلم والاسترشاد والصدقة والسلام عليهم، وقيل: ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضى والترقي بمقام القرب والوصول، يعني إذا تغير الطريق تغير الحال، ولا يخلو هذا الوجه عن خفاء، فافهم. وقيل: كان في ذهابه يتصدق، فإذا رجع لم يبق معه شيء، فيرجع في طريق أخرى؛ لئلا يرد من يسأله، وهذا الوجه لا يقتضي الاعتياد، بأنه يُدَّعى بأنه كان البتة يتصدق بجميع ما معه ولا يبق شيئًا، ولا يخفى بعده. وقيل: فعل ذلك لتخفيف الزحام، وقيل: كان طريقه التي يتوجه منها أبعد من التي يرجع فيها، فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطى في الذهاب، وتعقب بأن أجر الخطى يكتب في الرجوع أيضًا كما صرحوا في الحج، وثبت عند الترمذي وغيره من حديث أبي بن كعب إلا أن يخص ذلك بالحج، واللَّه أعلم. ولو عكس هذا الوجه لكان له وجه، ويكون سلوك الطريق القريبة للمبادرة إلى فعل الطاعة وإدراك فضيلة أول الوقت، ولا يخفى أن كل ما ذكر احتمالات يمكن وجودها جمعًا وفرادى، واللَّه أعلم بأسرار ومصالح أفاض على حبيبه ﷺ ، وتقصر عقول الخلق عن إدراكها، ففي كل فعل من حركة وسكون له ﷺ من دقائق الحكم والأسرار ما لا يحيط به سواه، واللَّه أعلم. ١٤٣٥ - [١٠] (البراء) قوله: (شاة لحم) الإضافة بيانية، أي: شاة هي مجرد

стр. 1788

لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٦٨، م: ١٩٦١]. ١٤٣٦ - [١١] وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْم اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٠٠، م: ١٩٦٠]. ١٤٣٧ - [١٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِيْنَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٤٦، م: ١٩٦١]. ١٤٣٨ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٨٢]. ــ لحم يؤكل، ليس فيها معنى النسك والعبادة، والحديث يتضمن بيان وقت التضحية، وتفصيله في كتب الفقه، و (النسك) بضم النون وسكون السين: العبادة، والناسك: العابد، نَسَكَ ويَنْسُكُ: تعبد، والنسيكة الأضحية، والجمع نسك بضمتين والنسائك، والمنسك بكسر السين وفتحها: مكان التضحية، وضبط (النسك) في الحديث بوجهين. ١٤٣٦ - [١١] (جندب) قوله: (فليذبح مكانها أخرى) أي: ليذبح شاة غيرها. وقوله: (فليذبح على اسم اللَّه) فهو مقبول صحيح وإلا فوجوب التسمية معلوم مقرر في الدين. ١٤٣٧ - [١٢] (البراء) قوله: (فقد تم نسكه) أي: ثبت وصح. ١٤٣٨ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (ويذبح وينحر) الذبح للشاة والنحر للإبل، وقد يطلق الذبح على كليهما كما في الأحاديث.

стр. 1789

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٤٣٩ - [١٤] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: "مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ " قَالُوا: كُنَّا نلعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٣٤]. ١٤٤٠ - [١٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٥٤٢، جه: ١٧٥٦، دي: ١/ ٣٧٥]. ــ الفصل الثاني ١٤٣٩ - [١٤] (أنس) قوله: (ولهم يومان) أي: لأهل المدينة. وقوله: (قد أبدلكم اللَّه بهما خيرًا منهما) يريد أن العيد الحقيقي والفرح والسرور للمؤمن ينبغي أن يكون في العبادة، ففيه نهي عن اللهو واللعب مع إشارة خفية إلى جواز شيء منهما في يوم العيدين مما ليس فيه فاحشة، وخروج عن طريقة الدين وشعاره، فافهم. وعن تعظيم أعياد المشركين ومواسمهم والسرور فيها، ولقد بالغ في النهي عنه بعض العلماء حتى حكموا بالكفر زجرًا وتشديدًا وسدًّا للذرائع واتقاء عن مظان الكفر، كذا في (فتح الباري) (١). ١٤٤٠ - [١٥] (بريدة) قوله: (لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) قالوا: الحكمة في الأكل قبل صلاة عيد الفطر أنه لما كان وجوب الفطر بعد وجوب الصوم أحب تعجيل الفطر قصدًا إلى المبادرة بالامتثال لأمر اللَّه تعالى،

стр. 1790

١٤٤١ - [١٦] وَعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٥٣٦، جه: ١٢٧٩، دي: ٢/ ٩٩٩، ولكن عن رواية عبد اللَّه بن محمد بن عمار عن أبيه عن جده]. ــ ولولا قصد مجرد الامتثال لأكل على شبعه، وكان يكتفي بتمرات كما مرّ، وقيل: كان أكله ﷺ في كل من العيدين في وقت إخراج صدقة خصت لكل منهما، وإذا كان إخراج صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى أكل ثم غدا إليه، وكان إخراج صدقة الأضحى بعد الذبح ووقته بعد الصلاة ذبح وتصدق فأكل. ١٤٤١ - [١٦] (كثير بن عبد اللَّه) قوله: (عن كثير بن عبد اللَّه عن أبيه عن جده) ضمير جده راجع إلى كثير؛ فإن الصحابي جد كثير، وهو عمرو بن عوف المزني، لا جد أبيه وهو عوف، ثم إن كثير بن عبد اللَّه تكلموا فيه، قال أحمد: لا يساوي شيئًا، وقال أبو داود: كذاب، وقال الشافعي ﵀: أحد أركان الكذب، وقال الدارقطني: متروك، وقال أبو زرعة: واهي الحديث ليس بقوي، وقال يحيى: ضعيف الحديث، لكن قال الترمذي لهذا الحديث: حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب، وقال في (علله الكبرى): سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: ليس في هذا الباب أصح منه، وبه أقول. واعلم أن الأحاديث في تكبيرات العيدين جاءت مختلفة، ولذلك اختلفت مذاهب الأئمة، فعند الثلاثة سبع في الركعة الأولى وخمس في الثانية، ولكن عند مالك وأحمد يعدّ مع السبع تكبيرة الإحرام، ولا يعد مع الخمس تكبيرة القيام، وعند الشافعي ﵀ لا يعد شيء منهما معهما، وقال في شرح (كتاب الخرقي) (١) في مذهب أحمد
следующие страницы →