رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨].
٣ - [٢] وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة مَعَ اخْتِلَافٍ، وَفِيهِ: وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُن إِلَّا اللَّهُ. ثُمَّ قَرأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآيَة [لقمان: ٣٤]. مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٥٠، م: ١٠].
ــ
وقوله: (رواه مسلم) فهو من أفراده، ولم يخرج البخاري عن عمر فيه شيئًا، فلا يكون الحديث متفقًا عليه في الاصطلاح، لأنه إنما يطلق على ما أخرجه الشيخان من صحابي واحد.
نعم قد أخرج هو ومسلم عن أبي هريرة نحوه، فهو متفق عليه.
٣ - [٢] (ورواه أبو هريرة) (١) قوله: (الصم البكم) فيه تحقير لشأنهم بكونهم جاهلين لا يستمعون العلم والحق ولا ينطقون به؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقوله: (في خمس) (٢) أي: علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، وأخرج أحمد (٣) عن ابن مسعود: (أوتي نبيكم [مفاتيح] كل شيء سوى هذه الخمس)، والمراد لا يعلم بدون تعليم اللَّه منه، وتحقيق معنى هذه الآية وبيان إفادتها الحصر (٤)، يطلب من كتب التفسير.
стр. 212
٤ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
ــ
٤ - [٣] (ابن عمر) قوله: (بني الإسلام على خمس) وفي رواية: (خمسة) بالتاء، فالمجرد عن التاء بتقدير دعائم أو قواعد أو خصال، ومعها على تأويل الأركان أو أشياء أو نحو ذلك، كذا قال الطيبي (١)، وقيل: إن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء، وتأنيثها بسقوط التاء إن كان المميز مذكورًا، وأما إذا لم يذكر فيجوز الأمران صرح به النحاة، كذا في الحاشية نقلًا من خط الأمير جمال الدين المحدث، وأيده الشيخ في (شرح الأربعين) (٢) بقوله: (أربعة أشهر وعشرًا)، وبقوله: (من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال)، نعم في الرواية دليل على إرادة الأركان، وقد جاء في رواية: (خمس دعائم)، انتهى.
ثم اعلم أنه إن أريد الأركان أو القواعد للبيت وهي داخلة في البيت يكون الإسلام محمولًا على الظاهر الذي دل عليه حديث جبرئيل من كون حقيقته عبارة عن الأركان الخمسة المذكورة، وإن أريد الدعائم أو أعمدة الخباء ونحوها، وهي خارجة، حمل على معنى الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، أو على معنى الإيمان بناء على القول باتحادهما، وعلى كل تقدير ففيه استعارة مكنية بتشبيه الإسلام ببيت أو خباء، وإثبات البناء له تخييلية، ويحتمل أن تكون الاستعارة تبعية بتشبيه ثبات الإسلام واستقامته ببناء بيت أو خباء، ثم اشتق منه الفعل، فتدبر.
وقوله: (شهادة) بالجر على البدلية، ويجوز رفعه على أنه خبر؛ أي: أحدهما،
стр. 213
وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨، م: ٤٥].
٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الإِيْمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً،
ــ
أو مبتدأ أي: منها، وقد ينصب بتقدير أعني، وكذا في أخواته الأربع، وفي الأخريين يحتمل اكتساء إعراب المضاف المحذوف؛ أعني: أداء.
٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) في (القاموس) (١): البضع كالمنع: القطع، وهو بالكسر ويفتح: ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى الأربعة، أو من أربع إلى تسع، أو هو سبع، وإذا جاوزت لفظ العشر؛ ذهب البضع، لا يقال: بضع وعشرون، أو يقال [ذلك. الفراء: لا يذكر مع العشرة (٢) والعشرين] إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومئة [ولا ألف]، وفي (النهاية) (٣): هو بالكسر وقد يفتح: ما بين الواحد إلى العشر، أو الثلاث إلى التسع، ومنعه الجوهري مع العشرين، وقد جاء في الحديث: (تفضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد ببضع وعشرين) (٤).
وقال السيوطي: إنه ما بين الثلاث إلى السبع، وقيل: إلى العشر، وقيل: من اثنين إلى تسعة، وقيل: من اثنين إلى عشرة، وعن الخليل: البضع: السبع، والبضعة بالفتح وقد تكسر: القطعة من اللحم، والجمع بَضْع بالفتح، وكعِنَبٍ وصِحَافٍ وتَمَراتٍ، وفي
стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحديث: (فاطمة بضعة مني) أي: جزء مني، وروي (إنما بنتي مضغة مني) بضم الميم بمعناه، والبضع بالضم: الجماع، أو الفرج نفسه، والمهر والطلاق والنكاح، ضد.
ثم المذكور في بعض روايات البخاري: (بضع وستون)، وفي بعضها: (بعض وستون أو بضع وسبعون) على الشك، وفي بعضها: (بضع وسبعون) من غير شك، كما في رواية الكتاب، ولأبي عوانة في (صحيحه) من طريقه: (ست وسبعون أو سبع وسبعون)، ورجح قوم رواية (بضع وستون)؛ لأنها المتيقن وما عداها مشكوك فيه، ورجح الآخرون روايات الزيادة لكونها زيادة ثقة، وتعقب بأن الذي زادها لم يستمر على الجزم بها لا سيما مع اتحاد المخرج.
ثم اعلم أن شعب الإيمان أكثر من أن تحصى وتضبط؛ لأن أنواع الفرائض والواجبات وإن انحصرت وانضبطت لكن أفراد السنن والنوافل والآداب من الأعمال والأخلاق لا تنحصر في عدد، ولا تنضبط في حصر، ومع ذلك يرجع إلى أصل واحد، وهو تكميل النفس وتحصيل سعادتها في المبدأ والمعاد بتحصيل الكمال العلمي والعملي، وذلك باعتقاد الحق والاستقامة في العمل، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، وقوله ﷺ : (قل: آمنت باللَّه ثم استقم) (١)، لكنه ﷺ أخبر بالعدد المخصوص، فإما أن يقال: أنواع الفضائل والخصائل الإيمانية وأصولها منحصرة في هذا العدد وإن لم نعرفها، وترى عندنا أقل بالإرجاع أو أكثر بالتفصيل، أو يقال: المراد به التكثير دون التحديد، واستعمال لفظ السبعين في هذا المعنى كثير متعارف، وبكون ذكر البضع للترقي والإشارة إلى أن شعب الإيمان
стр. 215
فَأَفْضَلُهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
ــ
أعداد مبهمة لا نهاية لكثرتها، ولذا أبهم، ولو أريد التحديد لم يبهم، كذا قال الطيبي (١)، وهو قول قريب إلى الصواب، لكنه قد ينافيه وقوع غير عدد السبعين في بعض الروايات كالستين، وتعيين البضع من ست أو سبع أو أربع، وقد تصدى العلماء لحصرها وضبطها، وذلك لا يخلو عن تكلف، واللَّه أعلم.
قال في (فتح الباري) (٢) نقلًا عن القاضي عياض: قد تكلف جماعة في عد الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة، وقال الشيخ: ولم يتفق من عدّ الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان؛ فإنه عدّ كل طاعة عدّها اللَّه تعالى في كتابه أو النبي ﷺ في سننه، وقال: وقد لخصت مما أوردوه [ما أذكره] وهو أن [هذه] الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، ثم ذكر في أعمال القلب أربعة وعشرين خصلة، وفي أعمال اللسان سبعًا، وفي أعمال البدن ثمان وثلاثين، والمجموع تسع وستون مذكورة في كتابه، ومع ذلك الحصر محل بحث، فلعله ترك فيها بعض الأنواع، وأما الأفراد فأكثر كما يظهر بالنظر في ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (فأفضلها قول: لا إله إلا اللَّه) أكثر ما يذكر في الأحاديث لا إله إلا اللَّه، ويراد به مجموع هذا مع محمد رسول اللَّه اكتفاء بالجزء الأعظم الأقدم كما ستعرف، ويمكن أن يكون المراد ههنا هو وحده؛ لأن المراد بيان أفضل شعب الإيمان، ولا شك أن هذا الجزء أفضل، ولا يلزم منه أن يكون كافيًا في الإيمان، فافهم، وإنما قال: قول لا إله إلا اللَّه؛ لأن التصديق نفس الإيمان، وأما القول فشعبة منه، فتأمل.
стр. 216
وَأَدْناهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَن الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَة مِنَ الإِيْمَانِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩، م: ٣٥].
ــ
وقوله: (إماطة الأذى عن الطريق) وهي تنحية مثل الشوك والحجر والقذر والشجر المؤذي للمرور، ونحو ذلك، وذلك على نوعين: أحدهما: أن ينحي عن طريق المسلمين ما يتأذون به، والثاني: أن لا يتعرض لهم في طرقهم بما يؤذيهم، وترك ذلك في حكم الإماطة، كذا قال التُّورِبِشْتِي، ولو أُوِّلَ بدفع كل ما يؤذيهم وتركه مطلقًا؛ لكان شيئا عظيمًا شاملًا لأشياء كثيرة، ومع ذلك هو أدنى من قول: (لا إله إلا اللَّه) وغيره، وذلك أمر نسبي، كذا قيل، وفي اعتبار ترك ما يؤذي بهذا المعنى أدنى الشعب خفاءٌ مع ورود: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) إلا أن يقال: ليس المراد الأدنى حقيقة بل أمر نسبي، ودفع ما يؤذي متأخر رتبة عن حقيقة التوحيد والإقرار به بلا شبهة (١)، فافهم.
وقوله: (الحياء شعبة من الإيمان) (٢) الحياء بالمد في اللغة: تغير وانكسار تعتري
стр. 217
٦ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،
ــ
الإنسان بحكم الطبيعة من خوف ما يعاب به، وفي الشرع (١): خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولاختيار العبد مدخل في تحصيل هذا كما في سائر الأخلاق وتهذيبها، وبهذا الاعتبار جعله من شعب الإيمان (٢)، وإنما أفرده بالذكر لكونه شعبة عظيمة كالداعي إلى باقي الشعب؛ إذ الحييّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، فمن استحيا من اللَّه حق الحياء، فقد أتى بالخيرات أجمعها ظاهرًا وباطنًا.
وقيل: معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب كأنه يقول: هذه شعبة واحدة من شعب الإيمان، فهل يحصى ويعد شعبها؟ فافهم.
٦ - [٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (المسلم من سلم المسلمون) (٣) خرج مخرج الغالب، وإلا فالذمي كذلك، وفيه: تغليب، فإن المسلمات داخلاتٌ فيهم، وفي رواية
стр. 218
وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: . . . . .
ــ
ابن حبان (١): (من سلم الناس) وهو أعم، كذا ذكر السيوطي، والمراد أن المسلم الكامل من هذه صفته، وهو مبالغة في الحث بالاتصاف بها، ولا يلزم من ذلك أن من اتصف [بها] وحدها كان كاملًا، فإن المراد مع مراعاة باقي الأركان، وحقيقة المراد مَن جمع إلى أداء حقوق اللَّه تعالى حقوق المسلمين، ووجه تخصيص اللسان واليد (٢) بالذكر؛ لأن أكثر أنواع الإيذاء يقع بهما، واللسان هو المعبّر عما في الإنسان، وأكثر الأفعال باليد، ووجه تقديم اللسان لأن الإيذاء به أغلب وأشد، ولأنه يمكن القول به في الماضين والموجودين والحادثين بخلاف اليد.
نعم يمكن أن تشارك اليد اللسان في ذلك بالكتابة، ويشمل اليد اليدَ المعنويةَ كالاستيلاء على حق الغير من غير حق، وعلى كل تقدير يستثنى ما كان من الزجر والضرب وغيرهما لحق الشرع، وذلك ظاهر.
وقوله: (المهاجر) هو كالمسافر في التعبير عن الفاعل بالمفاعل، ويحتمل أن يكون على معنى بابه؛ لأنه من لازم كونه هاجرًا وطنه، والهجرة شاملة للهجرة الظاهرة، وهي الفرار بالدين من الفتن، والباطنة، وهو ترك ما تدعو إليه النفس والشيطان، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد الخروج من دارهم، أو تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك بحصول ثواب الهجرة لمن هجر ما نهى اللَّه عنه.
وقوله: (أيّ المسلمين) وفي رواية: . . . . .
стр. 219
"مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ من لِسَانه وَيَده". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠، م: ٤٠].
٧ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥، م: ٤٤].
ــ
(أيّ الإسلام) (١) [أي]: أي خصال الإسلام، أم أيّ ذوي الإسلام، وعلى الأول يحتاج في الجواب إلى تقدير: خصلة من سلم، بخلاف الثاني، وهو أوفق برواية الكتاب.
٧ - [٦] (أنس) قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) من المحبة ما يكون جبلِّيًّا لا اختيار للعبد فيه، وهو خارج عن البحث؛ لأن الكلام في الإيمان الذي يكلف العبد في تحصيله وتكميله، فالمراد بالمحبة (٢) ههنا ما يكون للاختيار فيه مدخل، وحاصله ترجيح جانبه ﷺ في أداء حقه بالتزام دينه واتباع سنته ورعاية أدبه وإيثار رضاه على كل من سواه من النفس والولد والوالد والأهل والمال حتى يرضى بهلاك نفسه، وفقدان كل محبوب دون فوات
стр. 220
٨ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيْمَانِ: . . . . .
ــ
حقه ﷺ ، ولم يذكر النفس في هذا الحديث كما ذكر في الدعاء المأثور: (اللهم اجعل حبَّك أحبَّ إليّ من نفسي ومالي وولدي)؛ لأن في محبة الوالد والولد شيء من مدخلية الاختيار بخلاف النفس.
هذا وقد يفهم مما ورد: (ومن الماء البارد) إلى العطشان (١) أنه قد تسري المحبة إلى الطبيعة، ويضطر المحب في محبة المحبوب بحيث لا يبقى له اختيار بحسب الظاهر، كما في محبة العطشان الماء البارد، ولعل حصول هذه المرتبة بالاستدامة والاستقامة على رعاية حقوق المحبة الاختيارية حتى يصير عادة قريبة من الجبلة، وهذا أكمل مراتب الإيمان، والكلام في الإيمان الكامل، وللكمال مراتب، بعضها أعلى بالنسبة إلى بعض.
اعلم أن منشأ المحبة وسببها إما الحسن أو الإحسان، أما الإحسان فإن الإنسان مجبول على محبة من أحسن إليه، وأما الحسن فلأنه قد يكون في رجل حسن يحبه الناس، وإن لم يصل إحسان منه إليهم، كمن سمع رجلًا في أقصى ديار المغرب موصوفًا بالفضائل الصورية والمعنوية، يحبه السامع وتنجذب نفسه إليه، وإن لم يكن وصول أثرها إليه، وهذان الوصفان ينحصران في النبي ﷺ ، وفي الحقيقة هما مقصوران على اللَّه تعالى، فإن الخير كله بيديه، وحاصلان فيه ﷺ منه جل وعلا، وبهذا الوجه يمكن أن تسند الأحبية إليه ﷺ أو إلى اللَّه أو إليهما، فافهم.
٨ - [٧] (عنه) وقوله: (ثلاث من كن فيه. . . إلخ): (ثلاث) بتقدير: خصال ثلاث، مبتدأ، والشرطية خبره. وقوله: (من كان) بتقدير: خصال من كان، بدل أو
стр. 221
مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ. . . . .
ــ
خبر مبتدأ محذوف، وهذا هو الأظهر.
وقوله: (من كان اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما) استشكل ههنا بأنه ﷺ ذم الخطيب الذي جمع بين ضمير اللَّه ورسوله، كما أخرجه مسلم (١) عن عدي بن حاتم: أن رجلًا خطب عند رسول اللَّه ﷺ فقال: من يطع اللَّه ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال ﷺ : (بئس الخطيب قل: ومن يعص اللَّه ورسوله)، وأكثر الشراح على أن وجه كراهة النبي ﷺ على الخطيب هو الجمع بين ضمير اللَّه ورسوله الذي يقتضي التسوية، فأمره بتقديم اسم اللَّه وعطف رسوله عليه المشعر بالتبعية والفرعية، فكيف جمع ههنا؟
وأجيب بأن القول بأن وجه الكراهة هو الجمع بين الضميرين غير مسلم؛ لأن اقتضاء التسوية محل بحث؛ لوقوع هذا الجمع والتشريك في مثل هذه العبارة في خطبته ﷺ ، كما أورده صاحب (سفر السعادة) من حديث أبي داود والترمذي والنسائي عن ابن مسعود، وقد وقع مثل التشريك المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، بل السبب في الذم المذكور اقتصاره على هاتين الكلمتين مع سلوك طريق الاختصار في الضميرين، بل اللائق بشأن الخطيب في أمثال هذه المقاصد البسط والتفصيل والتطويل وعدم الملال من ذلك، كما وقعت في خطبته ﷺ التي وقع فيها هاتان الكلمتان.
وقيل: سبب الذم أن ذلك الخطيب وقف على قوله: (ومن يعصهما) ووصله بقوله: (فقد رشد)، وذلك يوهم عطفه على من يطع اللَّه ورسوله، ووقوع (فقد رشد)
стр. 222
كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١، م: ٤٣، ٦٨].
٩ - [٨] وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاقَ طَعْمَ الإِيْمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا،
ــ
جزاء لهما، وهذا القول ضعيف مخالف لسياق الحديث كما لا يخفى.
وقال الطيبي (١): ثنى الضمير ههنا إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة، فإنها وحدها ضائعة لا عبرة بها، وأمر بالإفراد في حديث عدي إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية من حيث إن العطف في تقدير التكرير، والأصل فيه استقلال كل من المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، فافهم.
٩ - [٨] (العباس بن عبد المطلب) قوله: (ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) قال الشيخ ابن عطاء اللَّه الإسكندري الشاذلي في (كتاب التنوير في إسقاط التدبير) (٢): في قوله: (ذاق طعم الإيمان) دليل على أن من لم يكن كذلك لا يجد حلاوة الإيمان ولا يدرك مذاقه، وإنما يكون إيمانه صورة لا روح لها، وظاهرًا لا باطن له، ومرتسمًا لا حقيقة تحته.
وفيه: إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى تتنعم بملذوذات المعاني كما تتنعم النفوس بملذوذات الأطعمة، وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًّا؛ لأنه لما رضي باللَّه ربًّا استسلم له وانقاد لحكمه، وأبقى قياده إليه خارجًا عن تدبيره واختياره إلى حسن تدبير اللَّه واختياره، فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض، ولما رضي باللَّه ربًّا كان له الرضا من اللَّه كما قال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وإذا كان له الرضا من اللَّه تعالى أوجده اللَّه تعالى حلاوة ذلك ليعلم ما منّ به عليه، وليعرف
стр. 223
وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٤].
ــ
إحسان اللَّه إليه، ولا يكون الرضا باللَّه تعالى إلا مع الفهم، ولا يكون الفهم إلا مع النور، ولا يكون النور إلا مع الدنو، ولا يكون الدنو إلا مع العناية، فلما سبقت لهذا العبد العناية خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته أمداد اللَّه تعالى وأنواره؛ عوفي قلبه من الأمراض والأسقام، فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذة الإيمان وحلاوته لصحة إدراكه وسلامة ذوقه، ولو سقم قلبه بالغفلة عن اللَّه لم يدرك ذلك، لأن المحموم ربما وجد طعم السكّر مرًّا، وليس هو في نفس الأمر كذلك، فإذا زالت أسقام القلوب أدركت الأشياء على ما هي عليه، فتدرك حلاوة الإيمان ولذاذة الطاعة ومرارة القطيعة والمخالفة، فيوجب إدراكها لحلاوة الإيمان اغتباطها به وشهود المنة من اللَّه عليها، وتطلب الأسباب الحافظة للإيمان والجالبة له، ويوجب إدراك لذاذة الطاعة المداومة عليها وشهود المنة من اللَّه فيها، ويوجب إدراكها لمرارة الكفران والمخالفة التركَ لهما والنفورَ عنهما وعدمَ الميل إليهما، فيكمل الترك للذنب وعدم التطلع، وليس كل متطلع تاركًا، ولا كل تارك غير متطلع، وإنما كان كذلك لأن نور البصيرة دله على أن المخالفة للَّه تعالى والغفلة عنه سمٌّ للقلوب مهلك، فنفرت قلوب المؤمنين عن مخالفة اللَّه تعالى كنفرتك عن الطعام المسموم.
وقوله ﷺ : (وبالإسلام دينًا) لأنه إذا رضي بالإسلام دينًا فقد رضي بما رضي به المولى، واختاره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وإذا رضي بالإسلام دينا فمن لازم ذلك امتثال أوامره، والانكفاف عن وجود زواجره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقوله ﷺ : (وبمحمد نبيًا) فلازم من رضي بمحمد نبيًّا أن يكون له وليًّا، وأن يتأدب بآدابه، وأن يتخلق بأخلاقه؛ زهدًا في الدنيا وخروجًا عنها، وصفحًا عن الجناية،
стр. 224
١٠ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٣].
ــ
وعفوًا عمن أساء إليه، إلى غير ذلك من تحقيق المبالغة قولًا وفعلًا، وأخذًا وتركًا، وحبًّا وبغضًا، وظاهرًا وباطنًا، فمن رضي باللَّه ربًّا استسلم له، ومن رضي بالإسلام دينًا عمل له، ومن رضي بمحمد ﷺ نبيًّا تابعه، ولا يكون واحد منها إلا بكلها، إذ محال أن يرضى باللَّه ربًّا ولا يرضى بالإسلام دينًا، ولا يرضى بمحمد نبيًّا، وتلازم ذلك بَيِّنٌ لا خفاء فيه.
١٠ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (والذي نفس محمد بيده) هذا الحلف كثر وقوعه منه ﷺ لدلالته على فناء إرادتة وتصرفه في إرادة اللَّه وتصرفه، قال صاحب (سفر السعادة): وكان ﷺ يكثر الحلف باللَّه تعالى، والذي صح في الأحاديث أكثر من ثمانين موضعًا، وقد أمره اللَّه سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وقال اللَّه تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
وقوله: (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة) يقال: سمع بفلان أي: بلغ خبره إليه، ويقال: سمع الناس بفلان أي: تسامعوا به، والباء زائدة؛ أي: لا يسمعني، أو يضمن (سمع) معنى (أخبر)، والمعنى: أخبر برسالتي واحد، يتناول الكثير والقليل، والذكر والأنثى، و (من هذه الأمة) صفة (أحد)، و (يهودي) بدل من (أحد)، و (من) للتبعيض، والمراد أمة الدعوة بدليل قوله: (لم يؤمن بي)، والأمة: جماعة أرسل
стр. 225
١١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا أَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٧، م: ١٥٤].
ــ
إليهم رسول، والجيل: من كل حيٍّ، كذا في (القاموس) (١)، و (ثم) هذه للاستبعاد كما في قوله: (ثم أعرض عنها)، والمراد: [من] سمع بي وتبين له معجزتي ثم لم يؤمن، كان من أصحاب النار وإن كان من أهل الكتاب.
١١ - [١٠] (أبو موسى الأشعري) قوله: (رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد) دل على أن الكتابي إن لم يؤمن بمحمد ﷺ كان إيمانه بنبيه وعمله على دينه ضائعًا لا يثاب عليه؛ لأنه قد نسخ دينه، وأما إذا آمن به ﷺ يثاب على دينه والعمل به وإن كان منسوخًا؛ فضلًا من اللَّه تعالى وكرامة منه تعالى لهذا الدين العظيم، فلهذا السبب يثبت له أجران، كذا قالوا، فتدبر.
وقوله: (فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها) التأديب متعلق بالأحوال والأخلاق، والتعليم بالأحكام والمسائل، والإحسان فيهما أن يكونا على وجه ينبغي ويكفي، أو يكونا باللطف والتأني، وثبوت الأجرين للكتابي والعبد المذكورين ظاهر، وأما للرجل الذي كانت عنده أمة يطأها. . . إلخ، فعلى الإعتاق والتزوج.
وأما التأديب والتعليم فيعمان الناس الأجانب والأولاد وغيرهم ولا يختصان بالإماء، أو هما توطئتان لاشتمالهما الإعتاق والتزوج، ولهذا ذكرهما بـ (ثم) المفيدة
стр. 226
١٢ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ. . . . .
ــ
لبعد درجتهما في إتمام الإحسان إليها وإكماله، كذا قيل، وفيه تأمل.
وأما قيد (يطؤها) فالظاهر أنه اتفاقي، وإشارةٌ إلى أن الوطء المذكور كان لا أجر له فيه، ثم بإبلاغه إلى ما بلغ حصل الأجر، ثم قيل: إن المراد ثبوت الأجرين المذكورين في كل عمل كالصلاة والصوم، وإلا فلا غرابة في ثبوت الأجرين لمن عمل عملين (١).
١٢ - [١١] (ابن عمر) قوله: (حتى يشهدوا) أو يأتوا بما في حكم الشهادة؛ كقبول الجزية من أهل الكتاب، والمهادنة من عبدة الأوثان، والاستئمان في الكل، أو يكون ورود هذا القول قبل هذه الأحكام (٢).
وقوله: (يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) القتال ينتهي بالشهادة، وهذا إشارة إلى تمامها وكمالها بإتيان الإسلام وأركانها إلا أن يقال بثبوت القتال على ترك الواجبات
стр. 227
عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُرْ: "إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَام". [خ: ٢٥، م: ٢٢].
ــ
والإصرار عليه بتأويل باطل، كما قاتل الصديق أمير المؤمنين ﵁ مانعي الزكاة، فيكون المراد بحق الإسلام قتل النفس المعصومة والخيانة في أموال الناس وترك الفرائض بتأوبل باطل، فافهم.
وتخصيص الصلاة والزكاة بالذكر للإشارة إلى العبادت البدنية والمالية ولكونهما أمي العبادات وكونهما متقاربين ذكرًا في القرآن، ويحتمل أنه ﵇ قال هذا قبل فرضية ما سواهما.
وقوله: (وحسابهم على اللَّه) أي: فيما يسرون من الكفر والمعاصي، يعني نحكم بالإسلام وحقوقه بالظاهر، واللَّه يتولى حساب الباطن، وإطلاق هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة يدل على قبول توبة الزنديق وغيره ممن أظهر الإسلام في الظاهر وإن أبطن الكفر، والمراد بالزنديق كل ملحد في الدين لا دين له والمنكر للآخرة والربوبية والدين جملة، وقيل: هو المبطن المظهر للإسلام في الظاهر كالمنافق.
وفي (القاموس) (١): وهو معرب زن دين أي دين المرأة، وفي الأصل اسم لقوم من المجوس يقال لهم: الثنوية، يقولون بالخالقين النور مَبدأ الخيرات، والظلمة مَبدأ الشرور، ومأخوذ من الزند وهو كتاب بالفهلوية لرجل يقال له: زردشت.
وفي قبول توبته أقوال ذكرها الطيبي (٢)، أصحها القبول، والمراد بعدم القبول تحتم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه في الآخرة، والأظهر أنه إن كان ألحد أحيانًا وتاب سريعًا قبل، وإن كان ممن أصر على ذلك تمردًا وعرف أنه ينافق في التوبة ويتوب
стр. 228
١٣ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا؛ فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذمَّتِهِ". رَوَاهُ البُخَارِيّ. [خ: ٣٩١].
ــ
من خوف السيف ويدافعه للوقت فلا، واللَّه أعلم.
١٣ - [١٢] (أنس) قوله: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وكل ذبيحتنا) (١) إنما ذكر هذه الثلاثة ولم يذكر الإسلام وأركانه من الشهادتين وغيرهما؛ لأنها علامات صحيحة دالّة على الإسلام وتميز المسلم من غيره، لأن من صلى كما نصلي دل ذلك على إقراره بنبوة محمد ﷺ وبما جاء به من عند اللَّه كلّه، وذكر استقبال القبلة، وإن كان شرط الصلاة لاشتهار أمرها واختصاصها بصلاتنا بخلاف القيام والقراءة ونحوهما، وكذا أكل ذبيحتنا مخصوص بأهل الإسلام، والذمة والذمام بالكسر: العهد والضمان والحرمة والحق، وسمّي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم.
وقوله: (فلا تخفروا اللَّه) بضم التاء وسكون الخاء وكسر الفاء على صيغة المضارع (إفعال) من الخفر، والخفرة بمعنى العهد والأمان، كما في حديث: (من صلى الصبح فهو في خفرة اللَّه) (٢)، أي ذمته، وفي حديث: (الدموع خفر العيون) جمع خفرة بمعنى الذمة أي: الدموع التي تجري خوفًا من اللَّه تخفر العيون من النار، خَفَره أجاره فهو خفير، وكذا خَفّره من التخفير وأخفره أيضًا بمعنى جعلته خفيرًا، والخفارة بالضم والكسر: الذمام، وقد يجيء الهمزة للسلب أخفرته بمعنى غادرته ونقضت عهده، وهو
стр. 229
١٤ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: "تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ". قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجنَّة فَلْينْظر إِلَى هَذَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٩٧، م: ١٤].
ــ
المراد في الحديث: (فلا تخفروا اللَّه)، أي: لا تغدروه في عهده ولا تعاملوه معاملة الغادر في نقض عهده.
١٤ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (أتى أعرابي) العرب سكان الأمصار، أو عام، والأعراب منهم سكان البادية لا واحد له، كذا في (القاموس) (١)، وقد قيل: الأعراب البدوي وإن لم يكن من العرب.
وقوله: (قال: تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا) لم يذكر الشهادة لشهرتها، أو لتضمن قوله: (لا تشرك به) إياها، أو لأن السؤال عن عمل بعدها، والمراد بالإشراك إما عبادة الأصنام أو الرياء.
وقوله: (لا أزيد على هذا شيئًا ولا أنقص منه) استشكل هذا بأنه لم يذكر في هذا الحديث جميع الواجبات والمنهيات ولا السنن ولا المندوبات فكيف يصح قوله: (لا أزيد)؟ وأجيب بأنه يحتمل أن الفرائض لم يكن يومئذ إلا ما ذكر، والمراد عدم زيادة النوافل ونقصان الفرائض، وصاحب هذه الحال ناجٍ بلا شك، وإن كان بترك السنن مسيئًا، وقيل: لعله كان هذا قبل شرعية النوافل والسنن، وقيل: المراد الزيادة على حد
стр. 230
١٥ - [١٤] وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، -وَفِي رِوَايَةٍ: غَيْرَكَ- قَالَ: . . . . .
ــ
المشروع والنقصان عنه كزيادة ركعة أو نقصانها، وقد قيل: إنه قد جاءت الروايات مختلفة في ذكر الواجبات في هذا الحديث زيادة ونقصانًا، وذلك من تفاوت أحوال الرواة حفظًا وضبطًا أو رواية لما هو المقصود بالاستشهاد، وزيادة الثقة مقبولة، وجاء في رواية البخاري في هذا الحديث زيادة، وهي: (فأخبره رسول اللَّه ﷺ شرائع الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: واللَّه لا أزيد ولا أنقص مما فرض اللَّه عليَّ شيئًا)، وعلى هذا لا إشكال أصلًا، ويؤيده أن في هذا الحديث أيضًا (قال: تعبد اللَّه) فعمّم، ثم خصصه بقوله: (وتقيم الصلاة. . . إلخ)، فافهم.
أو هذا الكلام في التصديق والقبول؛ أي: لا أزيد عليه في السؤال مما يتعلق بتحقيق ما ذكرت، ولا أنقص منه في التصديق والقبول، أو كان السائل رسولًا فحلف أن لا أزيد ولا أنقص في الإبلاغ، هذا كله ما ذكره الطيبي (١) ملخصًا.
وقيل: قول الرجل هذا كناية عن شدة الضبط ومبالغة في الأخذ والاهتمام بما أمر الشارع، وليس المراد حقيقة الكلام، فلا ينافي الإتيان بالنوافل والواجبات الأخر، وكذا الكلام في حديث طلحة الآتي.
١٥ - [١٤] (سفيان بن عبد اللَّه الثقفي) قوله: (لا أسأل عنه): أي عن ذلك القول؛ لكونه جامعًا فصلًا بَيتًا لا إجمال فيه ولا إشكال، وقيل: الضمير للإسلام، أي: لا أسأل معه عن الإسلام، فافهم.
стр. 231
"قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّه ثمَّ اسْتَقِم". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨].
١٦ - [١٥] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ،
ــ
وقوله: (قل آمنت باللَّه ثم استقم) أي: اشهد بوحدانية اللَّه سبحانه وصدقه كما هو بأسمائه وصفاته وأفعاله فيما أخبر وأمر ونهى، فدخل فيه جميع ما يؤمن به، ثم التزمِ القيام بحقيقة قولك، واستقامة الإنسان ملازمة النهج المستقيم، وهو لفظ جامع للإتيان بجميع الأوامر والنواهي على وجه الدوام والثبات من غير زيغ وفتور، وفي (القاموس) (١): استقام الأمر: اعتدل، وفي (شرح الحكم العطائية): الاستقامة: الاستواء في اتباع الحق على منهاج السداد من غير إفراط ولا تفريط في أركانها، وعمل بلا فترة ولا إخلال، وتوبة بلا إصرار ولا رجوع، وإخلاص بلا تشوف ولا ملاحظة، واستسلام بلا منازعة ولا معارضة، وتفويض بلا تردد ولا تدبير، وملازمها واصل قطعًا، ومفارقها خائب في الحال، فهي الكرامة على الحقيقة لا غيرها، وقال في (قواعد الطريقة): الاستقامة: حمل النفس على أخلاق القرآن والسنة، أي: ارتياضها واعتيادها بتحصيل الملكات الراسخة فيها من الفضائل.
١٦ - [١٥] (طلحة بن عبيد اللَّه) قوله: (من أهل نجد) في (القاموس) (٢): النجد: ما أشرف من الأرض وما خالف الغور، أعلاه تهامة واليمن، وأسفله العراق والشام، وأوله من أجهة، الحجاز ذات عرق.
وقوله: (ثائر الرأس) الثور: الهيجان والوثب والسطوع، من ثار الشيء يثور:
стр. 232
نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ،
ــ
إذا انتشر وارتفع، وفي الحديث: (صلاة العشاء إذا سقط ثور الشفق)، أي: انتشاره وثوران حمرته، وفي الحديث: (بل هي حمى تفور أو تثور) (١)، (ورأيت الماء يثور من بين أصابعه) (٢).
وقوله: (ثائر الرأس)، أي: ينتشر شعر الرأس قائمة، وهو منصوب على الحال أو مرفوع على الصفة، والرواية الأولى أشهر.
وقوله: (نسمع دويّ صوته) في (النهاية) (٣): الدويّ صوت ليس بالعالي نحو صوت النحل، وحكي ضم داله أيضًا، وفي (القاموس) (٤): ودويّ الريح: حفيفها، وكذا من النحل والطائر، وقال الكرماني (٥): هو بفتح دال وكسر واو تحتانية على المشهور وحكي ضم الدال، وهو بعد الصوت في الهواء وعلوه، معناه صوت شديد لا يفهم منه شيء كدوي النحل، وقال السيوطي: الدوي صوت متكرر مرتفع لا يفهم، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد، وهو بالنصب على رواية (نسمع) بالنون، والرفع على رواية التحتانية؛ أي: صيغة المجهول.
وقوله: (عن الإسلام) أي: عن أركانه وفرائضه، ويمكن أنه سأله عن حقيقة الإسلام، لكن لم يذكر في الجواب الشهادتين لشهرتهما وللعلم بهما، ولم يذكر الحج،
стр. 233
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ". فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ فَقَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ". قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ". قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ فَقَالَ: "لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦، م: ١١].
ــ
إما لعدم فرضيته إذ ذاك، أو لعدم كون السائل أهله، وبالجملة السؤال والجواب عن أركان الإسلام خمستها أو ما كان منها يومئذ فرضًا، فيكون المراد بقوله: (هل عليَّ غيرهن) أي: من الصلاة، وبقوله: (هل عليَّ غيره) من الصوم وغيرهما من الصدقة، وهو ظاهر، فلا يلزم أن لا يكون واجب غير ما ذكر، فلا متمسك فيه للشافعية -كما قال الطيبي (١) - في شمول عدم الوجوب في غير ما ذكر في الحديث كعدم وجوب [الوتر، و] التسمية في الذبح، والتباعد بقدر القلتين عن جوانب النجاسة في الماء الراكد، والوليمة، والعقيقة، ولا في أن الشروع غير ملزم لأنه نفى وجوب شيء آخر مطلقًا شرع فيه أو لم يشرع على أنه يلزمهم أن لا يكون في الإسلام فرض غير ما ذكر أصلًا مع كثرتها عينًا وكفاية، وكون الشروع ملزما إنما يثبت لصون العمل عن الإبطال المنهي عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وأما الوتر فليس من الفرائض القطعية المرادة ههنا، ويراد بالتطوع ما يقابله أو يثبت وجوبه بعد ذلك كالحج، واللَّه أعلم.
وقوله: (أفلح الرجل إن صدق) الفلاح: الفوز والنجاة، كذا في
стр. 234
١٧ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ الْقَوْمُ؟ -أَوْ: مَنِ الْوَفْدُ؟ -" قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ: بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا. . . . .
ــ
(القاموس) (١)، و (إن صدق) بكسر الهمزة، وقد يفتح بتقدير اللام، والمراد صدقه في إخباره بعمله بذلك من غير زيادة ونقصان، أو صدقه فيما يفهم من كلامه من الاهتمام بالأخذ والرغبة في التصديق، فيكون الفلاح بحسن النية، فافهم.
١٧ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (إن وفد عبد القيس) (٢) الوفد: جماعة قدموا على ملك، جمع وافد، من وفد إليه وعليه وفدًا وفودًا ووفادةً: قَدِمَ ووَرَدَ، فهم وُفودٌ ووفد وأوفاد، وعبد القيس أبو قبيلة من أسد ربيعة، ومضر بن نزار كزفر أبو قبيلة في مقابلتهم ومحاربوهم، ويقال له: مضر الحمراء فإنه أعطي الذهب من ميراث أبيه، وربيعة أعطي الخيل، أو لأن شعارهم كان في الحرب الرايات الحمر.
وقوله: (مرحبًا) منصوب بفعل مقدر وجوبًا؛ أي: أتيتم وصادفتم مكانًا واسعًا، والرحب: المكان الواسع، من رحب ككرم وسمع رحبًا بالضم ورحابة: اتسع، وكذلك أهلًا وسهلًا، أي: أتيت أهلك، ووطئت مكانًا سهلًا، أي: لينًا، ضد الحزن، والباء في (بالقوم) متعلق بالترحيب المفهوم من الكلام، يقال رحّب به ترحيبًا: دعاه إلى الرحب، أو يكون التقدير ههنا: قلت مرحبًا، أو المعنى هذا الدعاء ملتبس بالقوم، أو الباء بمعنى اللام و (غير) منصوب على أنه حال، و (خزايا) جمع خزيان أو خزيٌ من خَزِيَ كرضي خزيًا بالكسر: وَقَعَ في بَلِيَّةٍ وشدةٍ فذلّ بذلك، وأخزاه اللَّه:
стр. 235
وَلَا نَدَامَى". قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه! إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ،
ــ
فضحه، والخَزْيَةُ ويُكسر: البلية.
و(ندامى) (١) جمع نادم، من نَدِمَ عليه كفَرِحَ ندمًا وندامة، وتَنَدَّمَ: أسف، فهو نادم، والمراد بالشهر الحرام الجنس، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، فكانوا لا يحاربون فيها، وكانوا فيها آمنين في الطرق تعظيمًا لهذه الأشهر وإيمانًا لزوار بيت اللَّه، وهذا الوجه الآخر يختص بما سوى رجب، وأما المحرم فإنه وإن لم يكن من أشهر الحج لكنه يحتمل التلاقي فيه وقت الرجوع، وفي بعض الحواشي فسر برجب، ولعله كان يمنعهم من الإتيان في الأشهر الحرم الأخر مانع آخر، أو أنهم أتوا النبي ﷺ بعد المحرم فليس قدامهم إلا رجب، ولعل إفراد الشهر بهذا، فافهم، والأمر الفصل: هو الحكم المحكم الواضح الذي لا إجمال فيه ولا إشكال، والظاهر أن المراد به واحد الأمور بمعنى الشأن لا واحد الأوامر بمعنى صيغة (افعل) إما وصف المصدر مبالغة أو بمعنى فاصل أو مفصول، و (نخبر) من الإخبار و (ندخل) من الدخول إما مجزومان على جواب الأمر أو مرفوعان على الوصفية أو الاستئناف.
وقوله: (من وراءنا) يجيء بمعنى خلف وقدام، ضدٌّ، ويحتمل الحديث كليهما، فافهم.
стр. 236
وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيْمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الإِيْمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ". . . . .
ــ
وقوله: (سألوه عن الأشربة) أي: ظروفها، أو الأشربة التي تكون في الأواني المخصوصة المتنوعة التي يأتي ذكرها.
وقوله: (فأمرهم بأربع) المراد بالأمر ههنا ما هو مدلول صيغة (افعل) لمقابلة قوله: (ونهاهم عن أربع) والأمر الفصل الذي يشملها أمرهم بالإيمان باللَّه، وهو أربع باعتبار ما اشتمل عليه من الأركان المذكورة سوى الحج لما ذكر مرارًا أنه لم يفرض يومئذ أو لم يكونوا أهلًا له، وجزم الطيبي (١) ههنا بالأول نقلًا عن القاضي عياض حيث قال: إنما لم يذكره لأن وفادة عبد القيس كانت عام الفتح سنة ثمان قبل خروج النبي ﷺ إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع على الأشهر، وإنما قال: على الأشهر؛ لأن كثيرًا من الناس زعموا أن الحج فرض سنة ست لكن القول الأول أقوى، ودلائل الفريقين ذكرناها في شرح (سفر السعادة) (٢).
وعلى هذا التوجيه قوله: (وأن تعطوا) ذكر زيادة على الأربع؛ لأنهم كانوا أهل جهاد، وكانوا محاربين لكفار مضر، فهو معطوف على قوله: (بأربع) وليس داخلًا تحتها.
وقال بعضهم: أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادة تبركًا؛
стр. 237
وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ، وَقَالَ: "احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ" مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيّ. [خ: ٥٣، م: ١٧].
١٨ - [١٧] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: . . . . .
ــ
لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين.
وقوله: (ونهاهم عن أربع) جوابًا عن سؤالهم عن ظروف الأشربة، و (الحنتم) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الفوقانية: الجرة الخضراء، (والدباء) بضم الدال وتشديد الباء ممدودًا: القرع كالدبة بالفتح والواحد بهاءٍ وهي ظروف الخمر إما الدُّباء حقيقة أو على شكلها من الخشب، والأول أظهر، (والنقير) أصل خشبة ينقر فينبذ فيه فيشتد نبيذه، كذا في (القاموس) (١)، (والمزفت) بضم الميم وتشديد الفاء المفتوحة: المطلي بالزفت بالكسر: القار، والمراد النهي عن استعمال هذه الأواني مبالغة في الاحتراز عن التشبه بشاربي الخمر وأوانيها وقمعًا لآثارها، والظاهر أن المراد النهي عن الاستنقاع والانتباذ فيها لإسراع الاشتداد فيها فيسكر، ولذا وقع في الأحاديث النهي عن الانتباذ إلا في سقاء لإبطاء الاشتداد والإسكار فيها ولتبين الحالة فيها دون الأواني فيتناول غفلة، ثم قالوا: تحريم الانتباذ في هذه الأواني واستعمالها كان في صدر الإسلام حيث كان القصد إلى قمع آثار الخمر وتأكيد حرمتها، ثم نسخ وهو قول الجمهور، وقال بعض ببقاء التحريم، وإليه ذهب مالك وأحمد رحمهما اللَّه.
١٨ - [١٧] (عبادة بن الصامت) قوله: (وحوله عصابة) العصابة بالكسر من الرجال والخيل والطير ما بين العشرة إلى الأربعين، كالعُصبة بالضم من العصب، وهو
стр. 238
"بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ. . . . .
ــ
الطَّيُّ واللَّيُّ والشَّدُّ، والعصب محركة: أطناب المفاصل، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (بايعوني) (٢) المبايعة: المعاهدة والمعاقدة، وأصله من البيع، والبيعة (فعلة) منه، كان كل واحد من المتعاهدين يبيع نفسه من صاحبه، وكما يكون الصفق -وهو ضرب اليد على اليد- عند وجوب البيع جرت العادة بذلك عند المعاهدة أيضًا.
وقوله: (على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا) الظاهر أن المراد بالشرك الرياء؛ لأنه الشرك الأصغر، كما ورد في الحديث: (اتقوا الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول اللَّه؟ قال: الرياء) (٣) لأن الظاهر كما يدل عليه السياق أن الخطاب للأصحاب، ويحتمل أن يكون المراد عبادة الأصنام، أي: لا ترتدوا بعد الإسلام.
وقوله: (ولا تاتوا ببهتان) في (القاموس) (٤): بهته كمنعه بَهْتًا وبَهَتًا وبهتانا: قال عليه ما لم يفعل، والبَهِيتَةُ: الباطلُ الذي يتحير من بطلانه، والكَذِبُ، كالبُهْتِ بالضم، والحيرةُ، فعلُهما كَعلِمَ ونَصَرَ وكَرُمَ.
وقوله: (تفترونه) افترى الكذب: اختلقه، والفرية بالكسر: الكذب، من فرى يفريه: شقه فاسدًا، فأصل الفرى القطع، ومنه كل ما أفرى الأوداج أي: ما شقها وقطعها حتى يخرج الدم.
стр. 239
بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كفَّارَةٌ لهُ (١)،
ــ
وقوله: (بين أيديكم وأرجلكم) أي: من عند أنفسكم والناس براء منه، واليد والرجل كنايتان عن الذات، أو كفاحًا يشاهد بعضهم بعضًا، أو تنشؤونه من ضمائركم بناءً على الظنون الفاسدة، أو ما بين الأيدي والأرجل من الإنسان هو القلب لأنه في الصدر، أو نسب الافتراء إلى الأيدي والأرجل من جهة أنها عوامل وحوامل وإن شاركها سائر الأعضاء، وقد وقعت هذه العبارة في مبايعة النساء، وفسر بأن لا يأتين بولد من غير أزواجهن فينسبنه إليهم على بعض المعاني المذكورة، أو المراد من بين الأيدي والأرجل الفروج (٢).
وقوله: (ولا تعصوا في المعروف) (٣) والمعروف: اسم لكل ما عرف وجهه في الشرع واستحسن فيه كالشخص الذي يعرف، ويقابله المنكر: وهو الشخص الذي لا يعرف.
وقوله: (فمن وفّى) فيه إشارة إلى أن وجوب الأجر إنما هو على تقدير الإتيان بالكل والاستيفاء، فمن أخل بشيء من ذلك استحق العقاب.
стр. 240
وَمَنْ أصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ إِلَى اللَّهِ: إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ"، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨، م: ١٧٠٩].
١٩ - [١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ. . . . .
ــ
وقوله: (ومن أصاب من ذلك شيئًا) قيل: (ذلك) إشارة إلى ما سبق سوى الشرك فإنه لا يكفر بالقتل ولا يعفى، وهو مبني على أن يكون المراد بالشرك الكفر، وإن كان المراد به الرياء، فالمراد بالعقوبة في الدنيا أعم من الحد، لأنه ليس للرياء حد يقام.
وقوله: (فهو إلى اللَّه. . . إلخ) يثبت مذهب أهل السنة من عدم وجوب عقاب العاصي.
١٩ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (خرج في أضحى) جمع أضحاة لغة في أضحية، وفي الحديث: (إن على كل أهل بيت [في كل عام] أضحاة)، أي: أضحية، قال في (النهاية) (١): فيه لغات: أُضْحِيَّةٌ وإضْحِيَّةٌ، والجمع أَضَاحِيُّ، وضَحِيَّةٌ، والجمع ضَحَايَا، وأَضْحَاةٌ، والجمع أضحى، وكذا قال في (القاموس) (٢)، وفيه: هي اسم شاة يُضَحّى بها، وسمي بها يوم النحر.
وقوله: (أو فطر) شك الراوي، وقد جاء في رواية: (يوم عيد)، وفي أخرى: (في فطر) بلا شك.
وقوله: (إلى المصلى) هو موضع خارج المدينة المطهرة وبينه وبين المسجد
стр. 241
فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ"، فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ،
ــ
النبوي ألف ذراع.
وقوله: (يا معشر النساء) في (القاموس) (١): المعشر كمسكن: الجماعة، والظاهر أن الخطاب للنساء الحاضرات، ويعلم الحكم فيما عداهن بالدلالة، ويحتمل أن يكون عامًّا تغليبًا للحاضر على الغائب.
وقوله: (فإني أريتكن) أي: أعلمت أنكنَّ أكثر أهل النار، فهو متعدٍّ إلى ثلاثة مفاعيل، أقيم الأول منها مقام الفاعل، والإعلام يحتمل أن يكون بالإخبار من اللَّه تعالى أو كوشف له ﷺ ذلك عيانًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (تكثرن اللعن) أي: في المحاورات والمخاطبات على الأشياء، وذلك مذموم، ومعناه الطرد وإبعاد اللَّه العبد من رحمته، ولا يجوز أن يلعن أحد لشخصه مؤمنًا كان أو كافرًا إلا إذا علم يقينًا موته على الكفر، ويجوز بالوصف؛ كلعنة اللَّه على الكافرين مثلًا، وقد جاء بمعنى الإبعاد من الرحمة الخاصة ومقام القرب، ولا يختص ذلك بالكافر، وجاء إطلاقه على غيره تغليظًا، فتدبر.
وقوله: (تكفرن) من كفران النعمة، كَفَرَ نعمة اللَّه وبها كُفْورًا وكُفْرانًا: جَحَدَها وسَتَرَها، وكَافَرَه حقه: جحده، كذا في (القاموس) (٢)، والمادة للستر، و (العشير) القريب والصديق، والعاشر والزوج، كذا في (القاموس) (٣)، والظاهر أن المراد ههنا
стр. 242
مَا رَأَيْتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ"، قُلْنَ: مَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ"، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَان عَقْلِهَا"، قَالَ: "أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ "، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: . . . . .
ــ
الزوج وإن كان كفرهن مع الأقرباء والأصدقاء أيضًا.
وقوله: (ما رأيت من ناقصات) أي: أحدًا من ناقصات، أو (من) زائدة.
وقوله: (أذهب) من الإذهاب، قال الرضي: اشتقاق اسم التفضيل من باب (أفعل) قياس عند سيبويه، ويؤيده كثرة السماع؛ كقولهم: هو أعطاهم للدينار، وأولاهم للمعروف، وأنت أكرم من فلان، وهو كثير، ومجوزه قلة التغير بحذف الهمزة ورده إلى الثلاثي، وهو عند غيره سماعي مع كثرته.
وقوله: (للب) الخالص من كل شيء، والعقل (١)، واللبيب: العاقل، والحزم بالحاء المهملة والزاي: ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة كالحزامة والحزومة، حزُم ككرم فهو حازم وحزيم، والجمع حزمة وحزامًا، من حزمت الشيء إذا شددته، و (من) في (من إحداكن) تفضيلية متعلقة بـ (أذهب).
وقوله: (قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول اللَّه؟ ) قدمن السؤال عن ذهاب دينهن تحسرًا واهتمامًا به، ولم يقدمه ﷺ قوله: (من ناقصات عقل ودين) تحاشيًا عن نسبة النقصان إلى دينهن في أول الكلام، ولهذا لم يخاطبهن في الجواب بل ذكره بلفظ الغيبة.
стр. 243
"فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٤، م: ٨٠].
٢٠ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ كذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِك، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِك، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا،
ــ
وقوله: (فذلك من نقصان دينها) ذلك وإن كان بخلق اللَّه وليس لها فيه اختيار ولكن خلقها كذلك، ومنعها من بعض العبادات دون الرجل حطٌّ لها من درجة ونقص في المرتبة، فافهم.
٢٠ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (كذبني ابن آدم) التكذيب راجع إلى إخبار اللَّه تعالى في القرآن بذلك، أو إلى ما يتضمن الإبداء من الإخبار بجواز الإعادة كما ينبئ عنه سياق الحديث، وفي قوله: (ابن آدم) تحقير له لكونه جزءًا من بشر مخلوق من تراب ومن ماء مهين، وإشارة إلى كفرانه النعمة المفاضة على أبيه.
وقوله: (لم يكن له ذلك) أي: لم يصح ولم يجز له ذلك؛ لكونه مخالفًا للبرهان ومرتبة العبودية.
وقوله: (وشتمني) الشتم: السب، فهو وصف الرجل بما فيه إزراء ونقص سيما فيما يتعلق بالنسب، وإنما كان إثبات الولد له تعالى شتمًا؛ لأنه قول بمماثلة [الولد] في [تمام] الحقيقة واستخلافه له، وفيه نقص ظاهر.
وقوله: (لن يعيدني كما بدأني) هذا القول إما من بني آدم القائل بالإبداء أو لأنَّه يعلمه إذا نظر نظرًا صحيحًا، وعلى كل تقدير فيه إشارة إلى خطئه في نفي الإعادة، كما قال: (وليس أول الخلق بأهون)، ومعناه أن الإعادة أهون، كما قالوا في مثل هذا التركيب:
стр. 244
وَأَنا الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفؤًا أَحَدًا".
٢١ - [٢٠] وَفِي رِوَايَة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، وَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا". رَوَاهُ البخَارِيُّ. [خ: ٤٤٨٢].
ــ
إنه لإفادة الزيادة في مدخول (مِنْ)، وهو الموافق بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وهذا بالنسبة إلى الناس، وأما بالنسبة إلى اللَّه سبحانه فالكل سواء.
وقوله: (وأنا الأحد. . . إلخ) صفات مشعرة بالعلية، والأحد الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر مثله، ولو كان معه ولد كان له مثل، فلا يكون متوحدًا في الذات والصفات، و (الصمد) السيد لأنه يقصد، والدائم، والرفيع، ومصمت لا جوف له، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): الصمد: هو السيد الذي انتهى إليه السُّودَدُ، أو الدائم الباقي، أو الذي لا جوف له، أو الذي يصمد إليه في الحوائج، أي: يقصد، أقوال.
وقوله: (لم ألد ولم أولد) واقع على المعنى كما في قوله: أنا الذي سمتني أمي حيدرة، والظاهر لم يلد ولم يولد، كذا قال علماء المعاني، والكفو المثل، كافأه: ماثله، والمراد ههنا الصاحبة، ويحتمل أن يشتمل الولد أيضًا؛ لأنه يكون مثل الأب.
٢١ - [٢٠] (ابن عباس) قوله: (أن أتخذ صاحبة أو ولدًا) روي (وولدًا) بالواو، وفي بعض الروايات (ولا ولدًا) باعتبار تضمن (سبحاني) معنى التنزيه، كذا قال الطيبي (٣).
стр. 245
٢٢ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٢٦، م: ٢٢٤٦].
ــ
٢٢ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (يؤذيني ابن آدم) أي: يأتي بما أكره ولا أرضى.
وقوله: (يسب الدهر) يروى (بسب الدهر) على لفظ المصدر المجرور بحرف الجر، والدهر اسم للزمان الطويل والأمد الممدود، كذا في (القاموس) (١)، وقال البيضاوي (٢): [طائفة محدودة من] الزمان الممتد الغير المحدود.
وفي (النهاية) (٣): هو اسم للزمان الطويل، ومدة الحياة الدنيا، وكان من شأن العرب ذم الدهر وسَبّه عند النوازل، ويقولون: أبادهم الدهر، فنهوا عن سبه، أي: لا تسبوا فاعلها، فإنكم إذا سببتموه وقع السب على اللَّه؛ لأنه الفعال لما يريد، فإن الدهر هو اللَّه، أي: جالب الحوادث هو لا غير، فوضع الدهر موضع الجالب لاشتهار الدهر عندهم به، وروي (فإن اللَّه هو الدهر) أي: جالب الحوادث لا غير ردًّا لاعتقادهم أن جالبها الدهر، كذا في (النهاية).
وقال الكرماني (٤): وأنا الدهر، أي: المدبر، أي: مقلب الدهر، وروي (الدهر) بالنصب، أي: باق فيه، انتهى.
стр. 246
٢٣ - [٢٢]، وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ، يَدْعُونَ لَهُ الْوَلَدَ،
ــ
وقيل: هو ظرف (أقلب)، وتعقب بأنه لا فائدة للظرفية، فالرفع أولى، بمعنى أنا المتصرف المدبر، وأنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من المسرة والمساءة، أو بحذف مضاف، أي: أنا مقلب الدهر وهو يذعن لأمري لا اختيار له، فمن ذمه فقد ذمني، وأنكر الخطابي الرفع بأنه يقتضي كون الدهر من أسماء الحسنى، بل معناه على الظرفية أي: أقلب الليل والنهار طول الزمان، كذا في (مجمع البحار) (١).
وقال في (القاموس) (٢): الدهر قد يعدّ في الأسماء الحسنى.
واعلم أن إيذاء اللَّه سبحانه بسب الدهر، إما أن يكون لرجوع السب إليه تعالى كما ذكروا، ويمكن أن يكون من جهة أن سب الدهر يشعر بنسبة التصرف إليه واللَّه هو المتصرف، ففيه نفي صفة الكمال عنه تعالى، فافهم.
٢٣ - [٢٢] (أبو موسى الأشعري) قوله: (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّه) الصبر الحبس، ومنه: قتل صبرًا، وهو أن يحبس حيًّا ويرمى حتى يموت، وصبر الإنسان. حبس النفس على ما يكرهه، وضده الجزع، والمراد ههنا لازمه، والصبور: الحليم الذي لا يعاجل العصاة بالنقمة بل يعفو أو يؤخر، كذا في (القاموس) (٣)، وقال في (النهاية) (٤): هو كالحليم، إلا أن المذنب لا يأمن في الصبور العقوبة كما يأمن في الحليم.
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومعنى الحديث: لا أشد حلمًا وصبرًا عن فاعله وتركًا للمعاقبة عليه من اللَّه سبحانه، وهذا التركيب يفيد في الأصل نفي الأشدية من غير اللَّه سبحانه، فإما أن يكون مساويًا أو ناقصًا، ولما استحال الأول تعين الثاني، والصبر والحلم موجودان في غير اللَّه سبحانه ممن يتخلق بالأخلاق الكريمة، ولكنهما فيه أتم وأكمل كما في غيرهما من الصفات الكاملة، وفي العرف يفيد الأشدية فيه تعالى كما ذكروا في أمثال هذا التركيب، وقد ذكروا وجهه بأن مساواة اثنين في صفة غير واقع، فإذا انتفت الأفضلية من أحد تثبت للآخر.
هذا وقال الطيبي (١) ما ملخصه: المراد نفي ذات المفضل وقلعه من أصله، فإذا انتفت انتفت المساواة والنقصان، وجعله من قبيل: لا ضب بها ينجحر، والغرض نفي الضب من أصله، وإنما ضمت إليه الصفة ليصير كالشاهد على نفي الصفة، والمعنى لا ضب هناك حتى يكون الانجحار، انتهى.
وفي حمل الحديث على هذا المعنى خفاء ظاهر، فإن المفهوم منه صريحًا نفي الأصبرية من غيره تعالى مع وجود الصابرين، وهو يستلزم أصبريته تعالى عرفًا كما قررنا لا نفي الصابرين، مع كونه غير واقع لكثرة وجود الصابرين، والصفة ههنا هي أصبرية غيره تعالى، وهو غير لازم للموصوف كالانجحار للضب، فلا يكون من ذلك القبيل، ثم تعينه النقصان مما لا دخل له في المقصود؛ لأن المقصود دفع الإشكال بأنه يلزم من نفي أصبرية غيره تعالى احتمال كونه مساويًا له تعالى في الصبر، ولا محذور في كونه ناقصًا على ما قررنا، فتأمل حتى يظهر المقصود.
стр. 248
ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٧٨، م: ٢٨٠٤].
٢٤ - [٢٣] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ، لَيْسَ بَيِنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي. . . . .
ــ
وقوله: (ثم يعافيهم) العافية دفاع اللَّه عن العبد، عافاه اللَّه عن المكروه عِفاءً ومعافاة وعافية: وَهَبَ له العافية من العلل والبلاء، كأعفاه، والمعافاة: أن يعافيك اللَّه من الناس ويعافيهم منك، كذا في (القاموس) (١)، أي: يدفع عنهم البلاء والضرر في الدنيا، ويرزقهم الأموال والأولاد وأنواع النعم فيها، ولا يعجل العقوبة، فإن اعتبرت حال الدنيا فهذا حلم، وإن اعتبرت الآخرة فصبر.
٢٤ - [٢٣] (معاذ) قوله: (كنت ردف النبي ﷺ ) الردف بالكسر: الراكب خلف الراكب، كالرديف والمرتدف، وكل ما يتبع شيئًا.
وقوله: (إلا مؤخرة الرحل) بضم فهمزة ساكنة فمعجمة مكسورة، أو همزة مفتوحة ومعجمة مفتوحة مشددة، وهي العود الذي يكون خلف الراكب يستند إليه، كذا في شرح الشيخ، وفي (القاموس) (٢): مؤخر الرحل ومؤخرته تكسر وتفتح خاؤهما مخففة ومشددة، وفي (الصحاح) (٣): مؤخرة الرحل بفتح الخاء لغة قليلة، وفيه لغة أخرى، وهي (آخرة) بالمد خلاف القادمة، و (الرحل) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة.
وقوله: (هل تدري) درى دراية: عَلِمَه، أو بضرب من الحيلة، كذا في (القاموس) (٤).
стр. 249
مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا"، قُلْتُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: "لَا تُبَشِّرُهُمْ فَيَتَّكِلُوا". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٥٦، ٥٩٦٧، م: ٣٠].
ــ
وقوله: (ما حق اللَّه على عباده) الحق: ضد الباطل، والأمر المقضي، والواجب، والموجود الثابت، لكن المراد بالأول الواجب الثابت شرعًا، وفي الثاني تفضلًا، وإنما سمّي حقًا واجبًا لتأكده بوعده الحق (٢).
وقوله: (ولا يشركوا به شيئًا) إن كان المراد بالإشراك الكفر، فالمراد أن لا يعذب عذاب المشركين، وإن كان الرياء فالعابد بالإخلاص حقه أن لا يعذب أصلًا.
وقوله: (أفلا أبشر به الناس) البشارة مثلثة الباء: الإخبار بما يسرّ، سمّي به لأنه يظهر أثره في البشرة.
وقوله: (فيتكلوا) بتشديد التاء، أي: يعتمدوا ويمتنعوا عن العمل، وروي: (ينكلوا) بضم الكاف من النكول، وهو الامتناع.
فإن قلت: كيف رواه معاذ وبشر به الناس مع نهيه ﷺ عنه؟
قلنا: علم معاذ ﵁ أن النهي مخصوص بذلك الزمان، أو رواه بعد الأمر
стр. 250
٢٥ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ -قَالَ: "يَا معَاذُ! " قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ! " قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ! " قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا، قَالَ: "ما مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا" فَأخْبر بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨، م: ٣٢].
ــ
بوجوب التبليغ وورود الوعيد على كتمان العلم كما يفهم من الحديث الآتي، أو النهي عن التبشير كان لمن يتكل، فأخبر لمن لا يخشى عليه.
٢٥ - [٢٤] (أنس) قوله: (لبيك (١) رسول اللَّه) حذف حرف النداء (٢) للقرب؛ سرعةً وإظهارًا للإجابة من نفسه لرسول اللَّه ﷺ والإقبال عليه.
وقوله: (إلا حرمه اللَّه على النار) أي: النار التي أعدت للكافرين، أو حرم الخلود فيها، والتأثم: الاحتراز من الإثم، وفي الحديث: (تأثموا من التجارة) (٣)، أي: احترزوا من إثم حاصل من التجارة، وفي (القاموس) (٤): تأثم: تاب من الإثم.