يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الأَضْحَى. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٣٨٨].
١٤٧٤ - [٢٢] وَقَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُهُ. [ط: ١٣٨٩].
١٤٧٥ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٥٠٧].
ــ
يومان) جمع أضحاة.
وقوله: (بعد يوم الأضحى) أي: يوم العيد، فالتضحية جائزة في ثلاثة أيام: يوم العيد ويومان بعده، هذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد، وعند الشافعي ﵏ ثلاثة أيام بعده، قال في (الهداية) (١): ولنا ما روي عن عمر وعلي وابن عباس ﵃ أنهم قالوا: أيام النحر ثلاثة، أفضلها أولها، فقد قالوا سماعًا؛ لأن الرأي لا يهتدي إلى المقادير، وفي الأخبار تعارض، فاخذناه بالمتيقن وهو الأقل أخذًا بالاحتياط، انتهى.
وفي شرح (كتاب الخرقي) (٢): أن النبي ﷺ نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ويلزم منه تاقيت الذبح بثلاث، فلا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، لا يقال: فقد ثبت نسخ ذلك، لأنا نقول: الحديث دل على حكمين: [المنع من الادخار فوق ثلاث، وأن وقت الذبح ذلك]، ونسخ المنع من الادخار فوق ثلاث لا يلزم منه نسخ الحكم الآخر، وهذا قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وأنس ﵃، وفي رواية: لم يذكر أنس ولا مخالف لهم إلا رواية [رويت] عن علي ﵁، كذا في شرح (كتاب الخرقي).
١٤٧٥ - [٢٣] (ابن عمر) قوله: (عشر سنين يضحي) ذكر في كتب السير أن
стр. 1822
١٤٧٦ - [٢٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا هَذِهِ الأَضَاحِي؟ قَالَ: "سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﵇" قَالُوا: فَمَا لَنَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ". قَالُوا: فَالصُّوفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٣٦٨، جه: ٣١٢٧].
* * *
٤٩ - باب في العتيرة
ــ
صلاة الأضحى كانت في السنة الثانية، فتدبر.
١٤٧٦ - [٢٤] (زيد بن أرقم) قوله: (فما لنا فيها) أي: من الأجر والثواب، فإن السنن يتفاوت ثوابها بالتأكيد وكونه من شعار الدين مثلًا.
وقوله: (بكل شعرة) أي: من الأضحية كما في المعز والبقر.
وقوله: (قالوا: فالصوف) أي: الثواب فيه كما في الضأن والإبل؟ (بكل شعرة من الصوف) يدل على أن الشعر يطلق في الصوف أيضًا.
٤٩ - باب العتيرة
في (القاموس) (١): العتر بالكسر والعتيرة: الذبح، وكل ما ذبح، وشاة كانوا يذبحونها لآلهتهم، قال التُّورِبِشْتِي (٢): كره العتيرة كثير من العلماء ولم يرها؛ لحديث أبي هريرة، ومنهم من لم ير بها بأسًا، وقد كان ابن سيرين يذبح العتيرة في شهر
стр. 1823
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٤٧٧ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ". قَالَ: وَالْفَرَعُ: أَوَّلُ نِتَاجٍ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ. وَالْعَتِيرَةُ: فِي رَجَبٍ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧٣، م: ١٩٧٦].
ــ
رجب، ووجه ذلك أنهم رأوا النهي مخصوصًا بصنيع الجاهلية، وأنهم كانوا يذبحونها لآلهتهم، فأما المسلم الذي يذبحه للَّه تعالى فهو في سعة من أمره.
قلت: ويدل على ذلك حديث نبيشة رواه أبو داود (١)، قال: قال رجل: يا رسول اللَّه إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: (اذبحوا للَّه في أي شهر كان)، وإن ادعى الضعف في إسناد حديث مخنف؛ فلا سبيل له إلى ادعاء ذلك في حديث نبيشة، فإن رجاله مرضيون، انتهى.
الفصل الأول
١٤٧٧ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا فرع ولا عتيرة) (٢) وفي رواية أخرى عند البيهقي: "من شاء عتر ومن شاء لم يعتر"، كذا في شرح الشيخ، وفي (القاموس) (٣): الفرع بالتحريك: أول ولد تنتجه الناقة أو الغنم، كانوا يذبحونه لآلهتهم، أو كانوا إذا تمت إبلُ واحد مئةً قَدَّمَ بَكْرَهُ فنحره لصنمه، وكان المسلمون يفعلونه في صدر الإسلام، ثم نسخ، وجمعه فُرُع بضمتين.
стр. 1824
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٤٧٨ - [٢] عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً، هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي تُسَمُّونها الرَّجَبِيَّةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ضَعِيفُ الْإِسنَادِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْعَتِيرَةُ مَنْسُوخَةٌ. [ت: ١٥١٨، د: ٢٧٨٨، ن: ٤٢٢٤، جه: ٣١٢٥].
ــ
الفصل الثاني
١٤٧٨ - [٢] قوله: (عن مخنف) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون آخره فاء، (ابن سليم) بلفظ التصغير.
وقوله: (قال أبو داود: والعتيرة منسوخة) قال التُّورِبِشْتِي (١): أكثر الظن أنه زيادة من تصرف في الحديث برأيه، فإن النسخ إنما يرد على الأحكام الواجبة، ولم يقل أحد بوجوب العتيرة لا قبل ولا بعد، وإنما حمل حديثه في العتيرة على الاستحباب على ما هو في حديث نبيشة، والعجب ممن يرمي في حديث مخنف بالضعف ثم يزعم أنه منسوخ، والقائل بالنسخ قائل بثبوت الحديث المنسوخ.
هذا وقد ذكر في حديث مخنف أنه شهد خطبة النبي ﷺ يوم عرفة فسمعه يقول ذلك، ولا يخفى على ذي علم بالحديث أن النبي ﷺ لم يخطب في الموسم إلا في حجة الوداع، وذلك قبل موته بأشهر، ومَنْ لنا أن يثبت أن النهي كان بعد ذلك، فالصواب أن يحمل كل واحد منهما على ما ذكرناه ليتفق الحديثان، هذا كلامه، فتدبر.
стр. 1825
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٤٧٩ - [٣] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ بِيَوْمِ الأَضْحَى عِيدًا جَعَلَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ". قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا مَنِيحَةً أُنْثَى أَفَأُضَحِّي بِهَا؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ خُذْ مِنْ شَعْرِكَ وَأَظْفَارِكَ، وَتَقُصُّ مِنْ شَارِبِكَ، وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ، فَذَلِكَ تَمَامُ أُضْحِيَّتِكَ عِنْدَ اللَّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٨٧٩، ن: ٤٣٧٧].
* * *
ــ
الفصل الثالث
١٤٧٩ - [٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (أمرت بيوم الأضحى) هذا الحديث يناسب إيراده في (باب الأضحية)، لكن المؤلف إنما أورد العتيرة تبعًا وتتمة لـ (باب الأضحية) فذكرها ثم عاد إلى بيان التضحية، وأورد هذا الحديث بعد (باب العتيرة) قصدًا منه أن يجعل لهذا الباب فصلًا ثالثًا، وفيه نهي عن التضحية بالمنيحة، فشابه العتيرة في النهي، والأمر [في] ذلك سهل.
وقوله: (عيدًا) منصوب على شريطة التفسير.
وقوله: (إن لم أجد إلا منيحة) على وزن كريمة، يقال: منحه الناقة: جعل له وبرها ولبنها وولدها، ثم يعيدها، أي: لي ناقة ذات لبن أنتفع به وأعطيه للمحتاج، والتقييد بالأنثى يدل على أنه يقال للذكر أيضًا منيحة، فالتاء كما في: حمامة ذكر، وقد سبق الكلام فيه في لفظة (بهمة)، ولعله إنما منعه ﷺ لأنه لم يكن عنده سواها.
وقوله: (وتقص من شاربك وتحلق) بالرفع، وقد ينصبان بتقدير (أن)، والأول أظهر وأقوى.
стр. 1826
٥٠ - باب صلاة الخوف
ــ
٥٠ - باب صلاة الخوف
أشهر ما يستعمل الخسوف في القمر والكسوف في الشمس، وفي (القاموس) (١): خسف القمر: كَسَفَ، أو كَسَفَ للشمس وخَسَفَ للقمر، أو الخسوف: إذا ذهب بعضهما، والكسوف كلهما، وفي موضع آخر منه: كسف الشمس والقمر: احتجبا، كانكسفا، وكسفهما اللَّه: حجبهما، والأحسن في القمر خسف، وفي الشمس كسفت، انتهى.
وفي (مختصر النهاية) (٢): الكسوف والخسوف للشمس والقمر، والكثير في اللغة أن الأول لها والثاني له، فرواه جماعة بالكاف فيهما، وجماعة بالخاء فيهما، وجماعة في الشمس بالكاف، وفي القمر بالخاء، وقال المنذري: روى حديث الكسوف تسعة عشر نفسًا، بعضهم بالكاف، وبعضهم بالخاء، وبعضهم باللفظين جميعًا، وقيل: الخسوف في الكل والكسوف في البعض، ثم إن كلًّا منهما جاء لازمًا ومتعديًا، يقال: كسف الشمس وكسفها اللَّه وانكسفت، وكذا خسف القمر وخسفه اللَّه وانخسف، كذا في (مجمع البحار) (٣) وغيره.
واعلم أن الأحاديث المذكورة في الباب المخبرة عن فعله ﷺ إنما هي في كسوف الشمس سوى ما وقع في الأمر في حديث ابن عباس وعائشة ﵂: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللَّه"، وفي حديث عائشة ﵂: "فادعوا اللَّه وكبروا وصلوا وتصدقوا"، ولهذا الحديث طرق كثيرة، ولم يرو في الباب حديث في
стр. 1827
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صلاته ﵁ في خسوف القمر إن حمل صلاة الخسوف في الحديث الثاني على خسوف الشمس كما في الأحاديث الأخر، وإن حمل على خسوف القمر كما في شرح الشيخ فذاك.
وأورد الشيخ ابن الهمام (١) من الدارقطني عن ابن عباس: أنه صلى في كسوف الشمس والقمر ثمان ركعات في أربع سجدات، وأخرج عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول اللَّه ﷺ مكان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع سجدات. وفي إسنادهما مقال.
ثم عندنا صلاة كسوف الشمس ركعتان بالجماعة كهيئة النافلة، في كل ركعة ركوع واحد مع تطويل القراءة من غير خطبة، وليس في خسوف القمر جماعة (٢)، وإنما يصلي كل واحد بنفسه، وعند الشافعي ﵀ يصلى كل منهما بجماعة وخطبة، وركوعين في كل ركعة على الوجه المذكور في حديث ابن عباس، وكذا عند أحمد ﵀ في المشهور من مذهبه، ويجوز عند أكثر أصحابه فرادى أيضًا وبركوع واحد وبلا خطبة، ولنا حديث ابن عمر ﵁ الناطق بما ذكر، والحال أكشف للرجال لقربهم، فكان الترجيح لروايته، كذا في (الهداية) (٣).
والشيخ ابن الهمام ﵀ (٤) أورد أحاديث بروايات متعددة صحيحة وحسنة مثبتة لمذهب الحنفية، وتكلّم على أحاديث تعدد الركوع بأنها اضطرب فيه الرواة، فان منهم من روى ركوعين، ومنهم من روى ثلاث ركوعات، فوجب أن يصلى على ما هو
стр. 1828
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٤٨٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ، مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ،
ــ
المعهود، وهو الموافق لروايات الإطلاق، نحو قوله ﵊: "فإذا كان ذلك فصلوا"، وعن هذا الاضطراب الكثير وفَّقَ بعض مشايخنا بحمل روايات التعدد على أنه لما أطال في الركوع أكثر من المعهود جدًّا، ولا يسمعون له صوتًا؛ رفع مَن خلفه متوهِّمين رفعَه، فرفع الصفُّ الذي يلي مَن رفع، فلما رأى مَن خلفه أنه ﷺ لم يرفع فلعلهم انتظروه على توهم أن يدركهم فيه، فلما أيسوا من ذلك رجعوا إلى الركوع، فظن مَن خلفهم أنه ركوع بعد ركوع منه ﷺ .
ثم قال: لعل روايات الثلاث والأربع بناء على اتفاق تكرُّر الرفع من الذي خلف الأول هكذا، وهذا كله إذا كان الكسوف الواقع في زمنه مرة واحدة، فإن حمل على أنه تكرر مرارًا على بُعْدِ أن يقع نحو ثلاث مرات في نحو عشر سنين؛ لأنه خلاف العادة، كان رأينا أولى؛ لأنه لما لم ينقل تاريخ فعله المتأخر في الكسوف المتأخر فقد وقع التعارض، فوجب الإحْجَام عن الحكم بأنه كان المتعدد على وجه التثنية والجمع ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا أو كان المتحد، فبقي المجزوم به استنانَ الصلاة مع التردد في كيفية معينة من المرويات، فيترك ويصار إلى المعهود، واللَّه سبحانه أعلم بحقيقة الحال.
وصاحب "الهداية" رجّح بأن الحال أكشف للرجال، وهو يتم لو لم يروِ حديث الركوعين غَيْرُ عائشة ﵂ من الرجال، فالمعوّل على ما صرنا إليه، انتهى.
الفصل الأول
١٤٨٠ - [١] (عائشة) قوله: (الصلاة جامعة) برفعهما على أنهما مبتدأ وخبر، وهذا أظهر الوجوه، والجملة خبرية لفظًا وإنشاءٌ معنًى، والمقصود طلب الحضور للجماعة،
стр. 1829
فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجدَاتٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٦٦، م: ٩٠١].
١٤٨١ - [٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقرَاءَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٦٥، م: ٩٠١].
١٤٨٢ - [٣] وَعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ،
ــ
واللام في (الصلاة) للعهد، أي: هذه الصلاة تصلى بجماعة فاحضروها، ويجوز نصبهما، الأول بتقدير نحو احضروا، والثاني على الحالية، ورفع الأول بتقدير مبتدأ، ونصب الثاني على أنه حال، ونصب الأول بتقدير الفعل، ورفع الثاني بتقدير المبتدأ.
وقوله: (أربع ركعات) أي: ركوعات (١).
١٤٨١ - [٢] (وعنها) قوله: (في صلاة الخسوف) أي: خسوف القمر، كذا في شرح الشيخ، لعله ثبت ذلك رواية، وإلا فالخسوف يستعمل في الشمس أيضًا كما ذكرنا.
١٤٨٢ - [٣] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (انخسفت الشمس) كذا في رواية البخاري، وفي مسلم: انكسفت، وفي (شرح السنة): خسفت، كذا قال الطيبي (٢)، و (خسفت) يحتمل صيغة المعلوم والمجهول؛ لكونه لازمًا ومتعديًا كما ذكرناه.
стр. 1830
فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّه"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَأَيْنَاك تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذا،
ــ
وقوله: (فقام قيامًا طويلًا. . . إلخ) فكان بقراءتين وركوعين.
وقوله: (ثم سجد) أي: سجدتين كما هو المعهود.
وقوله: (ثم انصرف) أي: بعد التشهد والتسليم، ولم يذكرهما للظهور.
وقوله: (لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته) دفع لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن ذلك يكون لحادث عظيم، كموت عظيم وضرر عام، وقد كان مات يومئذ إبراهيم ابن رسول اللَّه ﷺ .
وقوله: (ولا لحياته) إما أن يكون هذا معتقدهم؛ بأن يكون بسبب أمر عظيم، سواء كان من قِبلَ الضرر أو غيره، لكن الذي بينوه إنما هو الضرر، فيكون ذكره استتباعًا وتقريبًا لذكر الموت، واللَّه أعلم.
وقوله: (تناولت) أي: قصدت التناول، والتناول: الأخذ بعد الإعطاء، يقال: ناوله فتناول، والمعطي هو اللَّه سبحانه.
وقوله: (في مقامك هذا) أي: في حال قيامك في هذه الصلاة، أو في قيامك
стр. 1831
ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ؟ فَقَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ". قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بِكُفْرِهِنَّ"، قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: "يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا؟ قَالَتْ: . . . . .
ــ
الذي وعظتنا وخوفتنا فيه، وكان ﷺ خطب بعد الصلاة كما جاء في الأحاديث.
وقوله: (ثم رأيناك تكعكعت) أي: تأخرت، وأصله التأخر للجبن والخوف، (فتناولت) أي: قصدت الأخذ ولو أخذته، أو المراد تناولت لنفسي ولو أخذته، أي: تناولته لكم وأعطيتكم لأكلتم ما بقيت الدنيا، والخطاب لجماعة الحاضرين كما هو الظاهر.
ويفهم من كلام الطيبي (١) أنه محمول على الخطاب العام، وهو قليل بصيغة الجمع كما صرحوا به، والأكل منه إلى مدة بقاء الدنيا بأن يخلق اللَّه مكان كل حبة تُقتطف حبةً أخرى كما هو المروي من خواص ثمار الجنة، وهذا الاحتمال هو الأظهر في هذا المقام كما في زيادة الطعام والتمر بمعجزته ﷺ ، وقيل: بأن يزرع فيبقى نوعه، وهذا تأويل وصرف عن الظاهر، واللَّه أعلم. وإنما لم يفعل ﷺ ذلك ليبقى الإيمان بالغيب.
وقوله: (فلم أر كاليوم منظرًا) أي: ما رأيت منظرًا مثل منظر رأيته اليوم، أو ما رأيت منظرًا في يوم كرؤيتي اليوم منظرًا، والمآل واحد.
وفظع الأمر: اشتدت شناعته وجاوز المقدار في ذلك.
وقوله: (يكفرن العشير) أي: الزوج.
وقوله: (يكفرن الإحسان) أي: من العشير وغيره.
стр. 1832
مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٦٥، م: ٩٠٧].
١٤٨٣ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَتْ: ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأْيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا"، ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ؛ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٤٤، م: ٩٠١].
١٤٨٤ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ،
ــ
١٤٨٣ - [٤] (عائشة) قوله: (أغير من اللَّه) الغيرة: كراهة اشتراك غيره فيما هو حقه، وغيرة اللَّه: كراهة مخالفة أمره ونهيه، ومعنى صيغة التفضيل في (أغير) إما مطلق، يعني أن اللَّه أغْيَرُ من غيره في كل المعاصي، وذِكْر الزنا يكون تمثيلًا، أو مقيد بالزنا، يعني غيرته في الزنا أزيد وأكثر من غيرته في غيره، فقوله: (أن يزني) متعلق (بأغير) بتقدير حرف الجر.
١٤٨٤ - [٥] (أبو موسى) قوله: (فزعًا) بكسر الزاء، (يخشى أن تكون الساعة) (كان) تامة، قيل: هذا تخييل من الراوي وتمثيل منه، كأنه قال: فزعًا كفَزَعِ مَنْ يخشى أن تكون الساعة، وإلا فالنبي ﷺ كان عالمًا بأن الساعة لا تقوم وهو بين أظهرهم، وقد وعد اللَّه مواعد لم تتم بعد، وأيضًا كيف يعلم أبو موسى ما في ضمير رسول اللَّه ﷺ من
стр. 1833
وَقَالَ: "هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغفَارِهِ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٩٥، م: ٩١٢].
١٤٨٥ - [٦] وَعَن جَابِرٍ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،
ــ
أن سبب الفزع خشية قيام الساعة، بل الظاهر أن الفزع من وقوع العذاب والهيبة من جلال اللَّه سبحانه.
وقوله: (هذه الآيات) أي: العلامات؛ كالخسوف والزلازل، والرياح والصواعق.
وقوله: (يخوف اللَّه بها عباده) التخويف بالإنذار بنزول البلايا وتغير الحالات، وبسلب نور الإيمان -والعياذ باللَّه- كما سلب نور الشمس في ساعة وقد كان بها العالم مضيئًا منورًا.
١٤٨٥ - [٦] (جابر) قوله: (يوم مات إبراهيم ابن رسول اللَّه ﷺ ) ولد بالمدينة في ذي الحجة سنة ثمان، ومات في ذي الحجة سنة عشر، وله ستة عشر شهرًا، فقيل: ثمانية عشر، وقيل: إن وفاته كانت يوم الثلاثاء بعشر ليال خلت من ربيع الأول سنة عشر، كذا في (جامع الأصول) (١)، وفي بعض الكتب: بلغ سنة وعشر أشهر وستة أيام، وقيل: مات في الليلة الرابم من ربيع الأول، وقيل: يوم عاشوراء كما قاله بعض الحفاظ، واتفقت الروايات أنه كان في مدة الرضاع.
وقد ورد في بعض الطرق الضعيفة: لو عاش إبراهيم لكان نبيًّا، ومعناه أنه لو عاش لكان نبيًّا، ولا نبي بعدي فلم يعش، لكن الكلام في الملازمة، فإنه لا يلزم أن
стр. 1834
فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٠٤].
١٤٨٦ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّه ﷺ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانَ رَكْعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجدَاتٍ.
١٤٨٧ - [٨] وَعَنْ عَليٍّ مِثْلُ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٠٨].
ــ
يكون أبناء الأنبياء أنبياء، والحديث ليس بصحيح، كذا ذكروا، ثم كسوف الشمس يوم مات يبطل قول المنجمين في قولهم: إنه لا يمكن كسوفها في غير اليوم السابع أو الثامن أو التاسع والعشرين.
وقوله: (فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات) يعني صلى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات (١).
١٤٨٦ - [٧] (ابن عباس) قوله: (ثمان ركعات) أي: في كل ركعة أربع ركوعات.
١٤٨٧ - [٨] (علي) قوله: (وعن علي مثل ذلك) أي: روي عنه أنه مثل ذلك، أو روي عنه أيضًا أن رسول اللَّه ﷺ صلى كذلك كما روي عن ابن عباس ﵄، والظاهر أن المراد هو الأول، ولو كان المراد الثاني لجعله حديثًا على حدة.
стр. 1835
١٤٨٨ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمِ لِي بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهَا، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ وَيَدْعُو حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَكَذَا فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" عَنْهُ، وَفِي نُسَخِ "الْمَصَابِيحِ" عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. [م: ٩١٣، "شرح السنة" ٤/ ٣٧٩].
ــ
١٤٨٨ - [٩] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: (كنت أرتمي بأسهم لي) وروي: (أترامى)، رميت بالسهم وارتميت وتراميت وراميت: إذا رميت به عن القسي، وقيل: يقول: خرجت أرتمي: إذا رميتَ القنص، وأترامى: إذا خرجتَ ترمي في الأهداف ونحوها.
وقوله: (حتى حسر عنها) أي: أزيل الخسوف عن الشمس، ويحتمل أن لا يكون في (حسر) ضمير، ويكون مسندًا إلى الجار والمجرور.
وقوله: (ويحمد) قد صحح في النسخ بالتخفيف من الحمد، وإن كان الفهم يذهب إلى أن يكون بالتشديد من التحميد، واللَّه أعلم.
وقوله: (وصلى ركعتين) أي: أتم صلاته التي كان شرع فيها وحسر عنها في أثنائها.
وقوله: (رواه مسلم في "صحيحه" عن عبد الرحمن بن سمرة) هو أبو سعيد عبد الرحمن بن سمرة بن نجيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي.
وقوله: (وفي نسخ "المصابيح" عن جابر بن سمرة) أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو خالد جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص.
стр. 1836
١٤٨٩ - [١٠] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٠٥٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٤٩٠ - [١١] عَن سَمُرَة بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كُسُوفٍ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٥٦٢، د: ١١٨٤، ن: ١٤٩٥، جه: ١٢٦٤].
ــ
١٤٨٩ - [١٠] (أسماء بن أبي بكر ﵂) قوله: (بالعتاقة) بالفتح بمعنى الإعتاق.
الفصل الثاني
١٤٩٠ - [١١] (سمرة بن جندب) قوله: (سمرة بن جندب) بضم الدال وفتحها، ابن هلال الفزاري، صحابي.
وقوله: (لا نسمع له صوتًا) ظاهر في إخفاء القراءة في الكسوف، وهو قول أبي حنيفة ﵀، وقالا: يجهر، وعن محمد مثل قول أبي حنيفة، لهما رواية عائشة ﵂ التي مرت في الفصل الأول: أن النبي ﷺ جهر فيها، ولأبي حنيفة هذا الحديث، ولأنها نهارية وهي عجماء، وهو قول الشافعي، والمراد في حديث عائشة ﵂ خسوف القمر، كذا في شرح الشيخ، وعند أحمد ﵀ أيضًا يجهر لحديث عائشة ﵂، ولأن تعين السور كما جاء في الروايات أنه قرأ في الركوع الأول العنكبوت وفي الثاني الروم، رواه الدارقطني (١)، يدل على الجهر، إلا أن يقال: أسمع آية منها فعرفوا ذلك، ولهم أن يؤولوا حديث سمرة بن جندب بأن عدم سماعهم صوت النبي ﷺ لأجل بُعْدِهم عنه، واللَّه أعلم.
стр. 1837
١٤٩١ - [١٢] وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَاتَتْ فُلَانَةُ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَّ سَاجِدًا، فَقِيلَ لَهُ: تَسْجُدُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا" وَأَيُّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١١٩٧، ت: ٣٨٩١].
ــ
١٤٩١ - [١٢] (عكرمة) قوله: (بعض أزواج النبي ﷺ ) وهي صفية ﵂، و (بعض) مرفوع بَدْل من (فلانة)، أو منصوب بتقدير أعني.
وقوله: (فخر ساجدًا) إما أن يحمل على ظاهره، أو على الصلاة كما أول بعض العلماء في سجدة الشكر.
وقوله: (تسجد في هذه الساعة) أي: من غير موجب للسجود، والسجود من غير موجب ممنوع، كذا في شرح الشيخ، ويجوز أن يكون وقت كراهة فقاسوا عليها كراهة السجدة، وظاهر قوله: (في هذه الساعة) يؤيد هذا المعنى، ولكن الجواب ناظر إلى المعنى الأول، واللَّه أعلم.
وقوله: (إذا رأيتم آية) (١) أي: آية من الآيات المنذرة بنزول البلاء وسلب السلامة.
وقوله: (وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﷺ ) لأن لهن فضل الصحبة مع فضل خاص ثابت للزوجية ليس لأحد من الأصحاب ذلك، وأيضًا بذهابهن يذهب ما تفردن من العلم بأحواله ﷺ .
стр. 1838
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٤٩٢ - [١٣] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (١) يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى كُسُوفُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٨٢].
١٤٩٣ - [١٤] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ،
ــ
الفصل الثالث
١٤٩٢ - [١٣] (أبي بن كعب) قوله: (فقرأ سورة) وفي بعض النسخ: بسورة، و (الطول) بضم الطاء وفتح الواو المخففة كصُرَد جمع طولى على وزن طوبى، مؤنث أطول، كذا في (القاموس) (٢)، وكتب في بعض النسخ بكسر الطاء، ولا يظهر وجهه.
وقوله: (ركع خمس ركعات) أي: خمس ركوعات.
١٤٩٣ - [١٤] (النعمان بن بشير) قوله: (فجعل يصلي ركعتين ركعتين) قالوا: يشبه أن يكون صلاها مرة فلم تنجل، فصلاها مرة أخرى.
وقوله: (ويسأل عنها) أي: يسأل الناس عن انجلاء الشمس، وهو الأظهر من
стр. 1839
وَيَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى حِينَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ مِثْلَ صَلَاتِنَا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ.
وَلَهُ فِي أُخْرَى: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا مُسْتَعْجِلًا إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَدِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى حَتَّى انْجَلَتْ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسُ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الأَرْضِ، وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا خَلِيقَتَانِ مِنْ خَلْقِهِ، يُحْدِثُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ مَا شَاءَ، فَأَيُّهُمَا انْخَسَفَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ. . . . .
ــ
العبارة، أو يسأل اللَّه بالدعاء لأجلها.
وقوله: (مثل صلاتنا) أي: من غير تكرار الركوع ونحوه، وهذا دليل الحنفية، وله أمثال كثيرة ذكرت في شرح الشيخ لابن الهمام.
وقوله: (خليقتان من خلقه) والخلق والخليقة واحد، وقيل: يجيء الخليق بمعنى البهائم، قال في (القاموس) (١): الخليقة: الطبيعة، والناس كالخلق والبهائم.
قال الطيبي (٢): الحمل على هذا المعنى أنسب، لأنه لِرَدّ زعم من يرى أثرهما في هذا العالم، أي: ليس كما يزعمون بل هما مسخوان كالبهائم، ولا يخلو عن تكلف وبعد، لأنه لو قصد هذا المعنى لكان التعبير عنهما بالجمادات أنسب، اللهم إلا أن يكون باعتبار حركتهما وسيرهما، واللَّه أعلم.
стр. 1840
أَو يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا". [د: ١١٩٣، ن: ١٤٩٠].
* * *
٥١ - باب في سجود الشكر
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ: الْفَصْلِ الأَوَّلِ وَالثَّالِثِ.
ــ
وقوله: (أو يحدث اللَّه أمرًا) أي: عذابًا أو القيامة.
٥١ - باب في سجود الشكر
(وهذا الباب خال عن الفصل الأول والثالث).
قد اختلف العلماء في السجدة المنفردة خارج الصلاة هل هي جائزة ومسنونة وعبادة موجبة للتقرب إلى اللَّه أم لا؟ فقال بعضهم: بدعة وحرام، ولا أصل لها في الشرع، وعلى هذا يبنون حرمة السجدتين بعد الوتر، وما جاء في الأحاديث أن رسول اللَّه ﷺ كان يطيل السجود والدعاء، المراد بها السجدة الصلاتية كما يفهم من سياق تلك الأحاديث صريحًا، وعند بعضهم جائزة مسنونة، ونقل عن بعض الحنفية أنها جائزة مع الكراهة، واستدل المجوزون بحديث عائشة ﵂ في صلاة الليل، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة، فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، قالوا: المراد أنه كان يسجد شكرًا لتوفيقه لذلك هذا المقدار، ومن في (من ذلك) تعليلية، والفاء في "فيسجد" للتعقيب، وهذا الاستدلال ضعيف، والظاهر المتبادر أن (من) تبعيضية، والفاء لتفصيل الإجمال، والمراد بالسجدة جنسها، يعني كان يطيل السجود في الوتر، كذا قال الطيبي (١)، وقد سبق في صلاة الليل.
стр. 1841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتفصيل الكلام أن السجدة خارج الصلاة على عدة أقسام، أحدها: سجدة السهو وهو في حكم سجدة الصلاة، وثانيها: سجدة التلاوة، ولا خلاف فيهما، وثالثها: سجدة المناجاة بعد الصلاة، وظاهر كلام الأكثرين أنها مكروهة، ورابعها: سجدة الشكر على حصول نعمة واندفاع بلية، وفيها اختلاف، فعند الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه سنة، وهو قول محمد ﵀، والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، وعند أبي حنيفة ومالك رحمهما اللَّه ليست بسنة، بل هي مكروهة (١)، وهم يقولون: إن المراد بالسجدة الواقعة في تلك الأحاديث والآثار الصلاة، عبر عنها بالسجدة وهو كثير؛ إطلاقًا للجزء على الكل، أو هو منسوخ، وقالوا: نعم اللَّه لا تعد ولا تحصى، والعبد عاجز عن أداء شكرها، فالتكليف به ولو كان بطريق السنية والاستحباب يؤدي إلى التكليف بما لا يطاق.
هذا ولكن القائلين به يريدون النعم العظيمة التي تحدث نادرًا ينتظرها أو لا ينتظرها، وكذلك وقع في السنة، لا كل نعمة مثل الوجود ولوازمه الثابتة، ولما وقع ذلك من بعض الخلفاء الراشدين ﵃ بعده ﷺ لم يجز القول بالنسخ كما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ بعد وصول خبر قتل مسيلمة الكذاب، وعن علي المرتضى ﵁ بقتل ذي الثدية الخارجي رئيس الخوارج، وعن كعب بن مالك ﵁ لبشارة قبول توبته الذي تخلف عن غزوة تبوك، وههنا قسم آخر من السجدة يقال لها: سجدة التحية، وجاءت الرخصة فيها في بعض الروايات الفقهية، والمختار حرمتها، واللَّه أعلم.
стр. 1842
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٤٩٤ - [١] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَاءَهُ أَمْرٌ سُرُورًا أَوْ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [د: ٢٧٧٤، ت: ١٥٧٨].
١٤٩٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا مِنَ النُّغَاشِينَ فَخَرَّ سَاجِدًا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مُرْسَلًا، وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" لَفْظُ "الْمَصَابِيحِ". [قط: ١/ ٤١٠].
ــ
الفصل الثاني
١٤٩٤ - [١] (أبو بكرة) قوله: (إذا جاءه أمر سرورًا) بالنصب بتقدير يوجب سرورًا، أو حال بمعنى سارًّا.
وقوله: (أو يسرّ به) بلفظ المجهول، شكٌّ من الراوي، وجاء في حديث أنس: أن النبي ﷺ بشر بحاجة فخرّ ساجدًا، ويفهم من حديث أبي بكرة الدوام والاستمرار بقرينة (كان) على ما قالوا، وبدلالة قوله: "إذا جاءه أمر" كما في ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ويعلم من حديث أنس ﵁ خصوص واقعة، ومع ذلك يثبت به الاستحباب.
١٤٩٥ - [٢] (أبو جعفر) قوله: (من النغاشين) وروي: من النُّغاشيين، والنغاش
стр. 1843
١٤٩٦ - [٣] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ عَزْوَزَاءَ نَزَلَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا اللَّهَ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا، فَمَكَثَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا، فَمَكَثَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا، قَالَ: "إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي وَشَفَعْتُ لأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا،
ــ
بضم النون، وكذا النغاشي بضم النون وتخفيف الغين المعجمة: القصير جدًّا، أقصر ما يكون من الرجال، وزاد في (النهاية) (١): الضعيف الحركة، الناقص الخلق، ومن السنة إذا رأى مبتلًى أن يسأل اللَّه العافية ويقول: الحمد للَّه الذي عافاني مما ابتلاك به، ولكنه إذا رأى مبتلًى ببلاء ظاهر كالمريض وسوء الخلقة يقول ذلك سرًّا ولا يسمعه؛ كيلا يتأذى به وينكسر به قلبه، وإذا رأى فاسقًا يجهر به ويسمعه؛ لينزجر به ويتوب عنه.
١٤٩٦ - [٣] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (من عزوزاء) بفتح المهملة وسكون الزاي وفتح الواو والزاي تأنيث ممدود، وقيل: مقصورة، ثنية بالجحفة في طريق الحرمين.
وقوله: (إني سألت ربي وشفعت لأمتي) وهذه الشفاعة إما دعاء وسؤال للشفاعة لهم يوم القيامة، ووعد الحق تعالى إياه بإجابته، أو شفاعته بالفعل وقبولها بالفعل في الدعاء، وتعذيب اللَّه تعالى ووعيده للعاصين مقيد بالمشيئة، فلو شاء مغفرة الكل لجاز، وقيل: المراد أن لا يخلدهم في النار ويخرجهم منها بشفاعته، وقيل: هو المراد بهذا
стр. 1844
ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الآخِرَ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (١). [د: ٢٧٧٥].
* * *
٥٢ - باب الاستسقاء
ــ
الدعاء، والشفاعة والإعطاء هو الأمن من الخسف والمسخ ونحوهما دون عذاب الآخرة، واللَّه أعلم بالصواب.
٥٢ - باب الاستسقاء
الاستسقاء في اللغة: طلب السقي، وفي الشرع: صلاة أو دعاء، وسؤال المطر من اللَّه تعالى عند قحوط، والصلاة مع الكيفية المخصوصة كالعيد سنة عند أكثر الأئمة، وأبو حنيفة ﵀ يقول: هو دعاء واستغفار وسؤال وتضرع من جناب الحق الرزاق الوهاب؛ لقوله سبحانه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١]، وأيضًا ما وقع من وجوه الاستسقاء في أكثر الأحاديث ليست فيها صلاة إلا في وجه واحد، وهو أول ﷺ خرج إلى المصلى وصلى ركعتين وخطب، الحديث. وهو لم يَصِل بجميع خصوصياته حدَّ الصحة، أو هو مخصوص برسول اللَّه ﷺ ، والسنة ما واظب عليه النبي ﷺ مع الترك أحيانًا، وههنا عدم الصلاة أكثر، وما صلى إلا في حين، وقد صح أن أمير المؤمنين عمر ﵁ استسقى واقتصر على الدعاء والاستغفار ولم يصل،
стр. 1845
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٤٩٧ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. . . . .
ــ
ولو كانت الصلاة مسنونة لما تركها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين، وعدم علم عمر ﵁ بذلك مع عموم البلوى وقرب العهد بزمان النبوة بعيد، وتركه مع العلم بذلك أبعد، وعدم تنبيه الصحابة إياه على ذلك كذلك، والمراد يقول الإِمام: لا صلاة في الاستسقاء أنه ليست بجماعة، وخصوصيات أخر مسنونة، وإلا لو صلى كل واحد صلاة كالنافلة ودعا وتضرع وسأل واستغفر؛ صح ذلك وحسن، والأحاديث المروية في باب الاستسقاء لا تخلو عن اضطراب، وكثير من الطرق التي ذكرت فيها الخصوصيات والكيفيات لا يخلو عن ضعف، فأخذ أبو حنيفة ﵀ بخلاصة ذلك، والمقصودِ الأصلي الذي هو الدعاء والاستغفار، وجوّز أن تصلى من غير جماعة وخطبة وأمثالها أخذًا بالمتقين، واللَّه أعلم. وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما اللَّه فيه صلاة وجماعة وخطبة كما يقوله الأئمة، وقيل: محمد مع أبي حنيفة، والفتوى الآن عند الحنفية على مذهبهما بثبوت فعله ﷺ مع عدم دليل الخصوصية (١).
الفصل الأول
١٤٩٧ - [١] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (واستقبل القبلة يدعو) الذي يفهم من الأحاديث أن الدعاء كان قبل الصلاة، والواو لا تفيد الترتيب، (وحوّل رداءه) بحيث
стр. 1846
حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٢٤، م: ٨٩٤].
١٤٩٨ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٢١، م: ٨٩٥].
ــ
صار طرفه الأيمن إلى الجانب الأيسر، وطرفه الأيسر إلى الجانب الأيمن، وصار باطنه ظاهرًا وظاهره باطنًا، وطريقة هذا القلب والتحويل أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره حتى يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمنى، والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار، وقالوا: هذا التحويل والتقليب كان تفاؤلًا لتبديل الحال وتبديل الإمساك بالأمطار والضيق بالسعة، وقيل: بل هذا امتثال أمر الرب تعالى، أمره ﷺ بأن يفعل ذلك لتبديل الحال، أو فعل باجتهاده لا مجردِ التفاؤل؛ لأن التفاؤل لا يكون بقصد واختيار، بل يكون بأن يرى شيء في الخارج لا لهذا القصد فيتفاؤل به، والظاهر أن مراد ذلك القائل بالتفاؤل ههنا هو المعنى المذكور، يعني فعل ذلك ليكون دالًّا في الظاهر على تغير الحال وعلامة عليه، على أن كون التفاؤل البتة فيما لا اختيار فيه غير مسلم.
١٤٩٨ - [٢] (أنس) قوله: (لا يرفع يديه في شيء من دعائه) أي: رفعًا بليغًا فوق حذاء الصدر والوجه، قالوا: كما كانت الواقعة أصعب والمطلب أقوى كان رفع الأيدي أرفع وأعلى.
وقوله: (حتى يرى بياض إبطيه) إن لم يكن حينئذ على بدنه الشريف ثوب أو كان رداء؛ فرؤية بياض الإبطين على الحقيقة، وإن كان عليه قميص، فالمراد رؤية موضع الإبطين، والإبط: باطن المنكب، بكسر الهمزة وسكون الباء، وتكسر، يذكر ويؤنث.
стр. 1847
١٤٩٩ - [٣] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٩٦].
١٥٠٠ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: "اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافِعًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٠٣٢].
١٥٠١ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ،
ــ
١٤٩٩ - [٣] (وعنه) قوله: (فأشار بظهر كفيه إلى السماء) على عكس ما هو المتعارف في الدعاء، قالوا: إذا كان الدعاء للطلب وسؤال شيء من جنس النعماء يستحب أن يجعل بطن الكف إلى جهة السماء، وإذا كان لدفع فتنة أو بلاءً يجعل ظهرها إليها؛ إطفاءً لنائرة الفتنة والبلاء، وخفضًا بقوة الحادثة وغلبتها، وقال الطيبي (١): فعل ذلك تفاؤلًا بتقلب الحال ظهرًا لبطنٍ، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرداء، أو إشارة إلى ما يسأله, وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصَبَّ ما فيه من الأمطار.
١٥٠٠ - [٤] (عائشة) قوله: (كان إذا رأى المطر) قال: يحتمل أن يكون المراد إذا رأى المطر بعد الاستسقاء، وهذا أيضًا نوع من الاستسقاء بطلب النافع منه، والصيّب بفتح الصاد وتشديد تحتية: مطر يَصُوبُ؛ أي: ينزل، وقيل: الصيب: المطر الكثير، والمقصود به نعته، وهو كونه نافعًا، ولبعضهم: صبًّا بموحدة مشددة، أي: صبه صبًّا نافعًا.
١٥٠١ - [٥] (أنس) قوله: (فحسر) أي: كشف ثوبه عن بدنه، وفسر النووي الحسر بكشف الثوب عن بعض بدنه.
стр. 1848
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: "لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٩٨].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٥٠٢ - [٦] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ دَعَا اللَّه. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٠٦٣].
١٥٠٣ - [٧] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ أَسْفَلَهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ قَلَبَهَا. . . . .
ــ
وقوله: (لأنه حديث عهد بربه) أي: حادث قريب مجيئه من عالم القدس، لم يتدنس بأجزاء هذا العالم.
الفصل الثاني
١٥٠٢ - [٢] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (عطافه) في (القاموس) (١): العطاف: ككتاب: الرداء، والمراد جانب الرداء.
١٥٠٣ - [٧] (وعنه) قوله: (وعليه خميصة له) هي ثوب خزٍّ أو صوف مُعَلَّمٌ، وقيده بعضهم بسوداء، وفي شرح الشيخ: هي كساء مربع له علمان في طرفيه من صوف أو خزٍّ.
وقوله: (فلما ثقلت) أي: عسرت، أي: عسر جعل أسفلها أعلاها (٢)، (وقلبها)
стр. 1849
عَلَى عَاتِقَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤٢، د: ١١٦٤].
١٥٠٤ - [٨] وَعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْم أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا يَدْعُو، يَسْتَسْقِي رَافِعًا يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [د: ١٠٦٨، ت: ٥٥٧، ن: ١٥١٤].
١٥٠٥ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي فِي الِاسْتِسْقَاءَ- مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. . . . .
ــ
بالتشديد والتخفيف.
١٥٠٤ - [٨] (عمير) قوله: (عمير مولى آبي اللحم) بالمد: رجل من قدماء الصحابة، أبي من أكل اللحم فسمي به، كذا قال الطيبي (١)، وقيل: هو عبد اللَّه بن عبد الملك، استشهد يوم حنين، لم يأكل اللحم الذي ذبح باسم الصنم في الجاهلية، و (عمير) بلفظ التصغير.
و(أحجار الزيت) موضع بالمدينة، سميت بها لسواد أحجارها، كأنها طليت بالزيت، وقد عرف في أذان الجمعة.
وقوله: (لا يجاوز بهما رأسه) هذا في بعض الأحوال، وما سبق من المبالغة في الرفع كان في بعضها.
١٥٠٥ - [٩] (ابن عباس) قوله: (متبذلًا) أي: في ثياب بذلة، أي: مهنة، وهي ما يلبسه الرجل من غير لباس الزينة، والتبذل: ترك التزين تواضعًا.
وقوله: (متواضعًا) أي: في الظاهر، (متخشعًا) أي: في الباطن، (متضرعًا)
стр. 1850
وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨٥٩، د: ١١٦٥، ن: ١٤٢١، جه: ١٢٦٦].
١٥٠٦ - [١٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: "اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهِيمَتَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْي بَلَدَكَ الْمَيِّتَ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ٦٤٩، د: ١١٧٦].
١٥٠٧ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُوَاكِئُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا. . . . .
ــ
إلى اللَّه.
١٥٠٦ - [١٠] (عمرو بن شعيب) قوله: (وبهيمتك) قال البيضاوي (١): البهيمة: كل حي لا يميز، وقيل: كل ذات أربع.
وقوله: (وأحي بلدك الميت) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
١٥٠٧ - [١١] (جابر) قوله: (يواكئ) فسروا هذا اللفظ بأن يرفع يديه للدعاء، أي: يتحامل على يديه، من توكأ على العصا: تحامل عليها.
وقوله: (غيثًا مغيثًا) أي: مشبعًا منقذًا من الشدة، من أغاث الغيث من الأرض: إذا أصابها، والمغيث في الحقيقة هو اللَّه، وإسناده إلى الغيث مجاز، هكذا قالوا، ويجوز أن يكون من باب ظل ظليل للمبالغة، واللَّه أعلم. و (مريئًا) بالهمزة بفتح أوله من مرأ الطعام وأمرأ: إذا انحدر من المعدة سريعًا ولم يثقل، يعني محمود العاقبة
١٥١٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجَلِ هَذِهِ النَّمْلَةِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٢/ ٤٢١].
* * *
٥٣ - باب في الرياح
ــ
١٥١٠ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (خرج نبي من الأنبياء) قيل: هو سليمان بن داود ﵉ (١).
٥٣ - باب
هكذا باب من غير تقييد وإضافة بشيء، ومن عادة المؤلف أن يعقد بابًا في لواحق ومتممات لما سبق، وفي بعضها: (باب ريح هبت)، وفي بعضها: (باب في الرياح)، وفي بعضها: (والسحب).
стр. 1855
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٥١١ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٣٥، م: ٩٠٠].
١٥١٢ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ،
ــ
الفصل الأول
١٥١١ - [١] (ابن عباس) قوله: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور) الصَّبا: الريح التي تجيء من قبل ظهرك إذا استقبلت القبلة، والدبور في مقابلها، وهذا هو المشهور، وقال في (القاموس) (١): الصَّبا: الريح مهبُّها من مطلع الثريا إلى بنات نعش، والدبور ما يقابلها، وفرق ما بين التفسيرين، فإن الأول يشمل سعة المشرق والمغرب كلها، والثاني في ناحية منها، ونصره ﷺ بالصَّبا كان يوم الخندق الذي يقال له: غزوة الأحزاب كما ذكر في كتب السير، وقصة إهلاك عاد بالدبور مشهورة، والمقصود إما تفضيل الصبا على الدبور، أو المعنى أن الريح مأمورة تارة لنصرة قوم، وتارة لإهلاك آخرين.
١٥١٢ - [٢] (عائشة) قوله: (حتى أرى منه لهواته) في (القاموس) (٢): جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق، أو ما بين منقطع أصل اللسان إلى منقطع الحلق من أعلى الفم، والجمع لهوات، وقال الطيبي (٣): وهي اللَّحمات في سقف أقصى الفم، وقال بعضهم: اللهاة قعر الفم.
стр. 1856
إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، فَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٢٨، ٤٨٢٩، ط: ٨٩٩].
١٥١٣ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ"، وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ،
ــ
وقوله: (إنما كان يتبسم) أي: كان خائفًا أبدًا لا يضحك، وكان عند رؤية الغيم والريح أشد خوفًا، حتى كان يظهر أثر الخوف في وجهه لمشاهدة الصفات الجلالية للحق سبحانه وشفقته على الخلق؛ لئلا يلحق بهم ضرر (١).
١٥١٣ - [٣] (وعنها) قوله: (إذا عصفت الريح) تعصف عصفًا وعصوفًا: اشتدت، فهي عاصفة وعاصف وعصوف.
وقوله: (ما أرسلت به) بصيغة المجهول فيهما أو المعلوم، والأول أظهر.
وقوله: (وإذا تخيلت السماء) أي: تغيمت، والمراد بالسماء السحاب، وتخيلت السماء وخيلت: تهيأت للمطر، والسحابة المخيلة: التي تحسبها ماطرة؛ لأنها محل
стр. 1857
فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ، فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ " [الأحقاف: ٢٤]. وَفِي رِوَايَةٍ: وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: "رَحْمَةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٠٦، م: ٨٩٩].
١٥١٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآيَة [لقمان: ٣٤] ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٧٧٨].
ــ
خيال كالمظنة.
وقوله: (سري عنه) بلفظ المجهول مخففًا، والتشديد للمبالغة، وهي الرواية, أي: كشف عنه الخوف وأذهب.
وقوله: (قوم عاد) الإضافة بيانية.
وقوله: (﴿هَذَا عَارِضٌ﴾) أي: سحاب عرض (﴿مُمْطِرُنَا﴾)، وآخر الآية ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] الآية.
وقوله: (رحمة) بالنصب، أي: اجعله رحمة، ويكون على هذا كلامًا مبتدأ غير داخل تحت (وإذا تخليت السماء. . . إلخ) يعني كان [من] عادته الشريفة أن يقول وقت نزول المطر: "رحمة"، وقد يروى بالرفع، أي: هذه رحمة فلا تخافوا، ويكون على هذا داخلًا تحت (وإذا تخيلت السماء) ومن تتمته مكان (فإذا أمطرت سري عنه)، وقوله: (وفي رواية) يناسب هذا الوجه، فافهم.
١٥١٤ - [٤] (ابن عمر) قوله: (مفاتيح الغيب) قيل: هي جمع مفتح بفتح الميم، وهو المخزن، أي: خزائن الغيب خمس لا يعلمها إلا اللَّه، وروي (مفاتح)،
стр. 1858
١٥١٥ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيْئًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٠٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٥١٦ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الرِّيحُ مِنْ رَوح اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَبِالْعَذَابِ،
ــ
وهو جمع مفتاح، أي: العلوم التي يتوصّل بها إلى الغيب لا يعلمها إلا اللَّه، وقيل: مفاتيح ومفاتح كلاهما جمع مفتاح ومفتح، كذا نقل الطيبي (١).
١٥١٥ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (ليست السنة) السنة العام، وغلبت على السنة التي فيها القحط والشدة، يعني لا تظنوا أن الرزق والبركة من المطر، بل هو من اللَّه تعالى، فرب مطر لا ينبت منه شيء.
الفصل الثاني
١٥١٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (الريح من روح اللَّه) أي: رحمته غالبًا، أو رحمة بالنسبة إلى قوم، وقد يكون عذابًا بالنسبة إلى آخرين، وقيل: في الكلام حذف، أي: الريح من روح اللَّه وعذابه، كذا في بعض الشروح (٢).
١٥١٩ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إِلَّا جَثَا النَّبِيُّ ﷺ على رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]، و ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]،
ــ
وهذا كما قال: (لا تطيروا، فإذا وقع في القلب شيء، فقولوا: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك)، الحديث.
١٥١٩ - [٩] (ابن عباس) قوله: (إلا جثا) جثى جثوًّا وجثيًّا: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، كذا في (القاموس) (١)، فقوله: (على ركبتيه) على الأول تأكيدٌ، نحو كتب بيده، وعلى الثاني هو قرينة على إرادة أحد معنيي المشترك، وجثوه ﷺ إما لخوفه وهيبته أو لجلوسه على هيئة الدعاء، والأول يناسب المعنى الثاني، والثاني الأول.
وقوله: (اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا) قد شاع استعمال الرياح في الرحمة، والريح في العذاب، ويأتي بيانه.
وقوله: (لواقح) جمع لاقحة بمعنى حاملة، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل، كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم، واللواقح بمعنى الملقحات للشجر والسحاب، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله: ومختبط مما تطيح الطوائح، كذا قال البيضاوي (٢)، وإطلاق اللواقح على الملقحات إما على الإسناد