إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، فَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٢٨، ٤٨٢٩، ط: ٨٩٩].
١٥١٣ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ"، وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ،
ــ
وقوله: (إنما كان يتبسم) أي: كان خائفًا أبدًا لا يضحك، وكان عند رؤية الغيم والريح أشد خوفًا، حتى كان يظهر أثر الخوف في وجهه لمشاهدة الصفات الجلالية للحق سبحانه وشفقته على الخلق؛ لئلا يلحق بهم ضرر (١).
١٥١٣ - [٣] (وعنها) قوله: (إذا عصفت الريح) تعصف عصفًا وعصوفًا: اشتدت، فهي عاصفة وعاصف وعصوف.
وقوله: (ما أرسلت به) بصيغة المجهول فيهما أو المعلوم، والأول أظهر.
وقوله: (وإذا تخيلت السماء) أي: تغيمت، والمراد بالسماء السحاب، وتخيلت السماء وخيلت: تهيأت للمطر، والسحابة المخيلة: التي تحسبها ماطرة؛ لأنها محل
стр. 1857
فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ، فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ " [الأحقاف: ٢٤]. وَفِي رِوَايَةٍ: وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: "رَحْمَةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٠٦، م: ٨٩٩].
١٥١٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآيَة [لقمان: ٣٤] ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٧٧٨].
ــ
خيال كالمظنة.
وقوله: (سري عنه) بلفظ المجهول مخففًا، والتشديد للمبالغة، وهي الرواية, أي: كشف عنه الخوف وأذهب.
وقوله: (قوم عاد) الإضافة بيانية.
وقوله: (﴿هَذَا عَارِضٌ﴾) أي: سحاب عرض (﴿مُمْطِرُنَا﴾)، وآخر الآية ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] الآية.
وقوله: (رحمة) بالنصب، أي: اجعله رحمة، ويكون على هذا كلامًا مبتدأ غير داخل تحت (وإذا تخليت السماء. . . إلخ) يعني كان [من] عادته الشريفة أن يقول وقت نزول المطر: "رحمة"، وقد يروى بالرفع، أي: هذه رحمة فلا تخافوا، ويكون على هذا داخلًا تحت (وإذا تخيلت السماء) ومن تتمته مكان (فإذا أمطرت سري عنه)، وقوله: (وفي رواية) يناسب هذا الوجه، فافهم.
١٥١٤ - [٤] (ابن عمر) قوله: (مفاتيح الغيب) قيل: هي جمع مفتح بفتح الميم، وهو المخزن، أي: خزائن الغيب خمس لا يعلمها إلا اللَّه، وروي (مفاتح)،
стр. 1858
١٥١٥ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيْئًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٠٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٥١٦ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الرِّيحُ مِنْ رَوح اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَبِالْعَذَابِ،
ــ
وهو جمع مفتاح، أي: العلوم التي يتوصّل بها إلى الغيب لا يعلمها إلا اللَّه، وقيل: مفاتيح ومفاتح كلاهما جمع مفتاح ومفتح، كذا نقل الطيبي (١).
١٥١٥ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (ليست السنة) السنة العام، وغلبت على السنة التي فيها القحط والشدة، يعني لا تظنوا أن الرزق والبركة من المطر، بل هو من اللَّه تعالى، فرب مطر لا ينبت منه شيء.
الفصل الثاني
١٥١٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (الريح من روح اللَّه) أي: رحمته غالبًا، أو رحمة بالنسبة إلى قوم، وقد يكون عذابًا بالنسبة إلى آخرين، وقيل: في الكلام حذف، أي: الريح من روح اللَّه وعذابه، كذا في بعض الشروح (٢).
١٥١٩ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إِلَّا جَثَا النَّبِيُّ ﷺ على رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]، و ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]،
ــ
وهذا كما قال: (لا تطيروا، فإذا وقع في القلب شيء، فقولوا: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك)، الحديث.
١٥١٩ - [٩] (ابن عباس) قوله: (إلا جثا) جثى جثوًّا وجثيًّا: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، كذا في (القاموس) (١)، فقوله: (على ركبتيه) على الأول تأكيدٌ، نحو كتب بيده، وعلى الثاني هو قرينة على إرادة أحد معنيي المشترك، وجثوه ﷺ إما لخوفه وهيبته أو لجلوسه على هيئة الدعاء، والأول يناسب المعنى الثاني، والثاني الأول.
وقوله: (اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا) قد شاع استعمال الرياح في الرحمة، والريح في العذاب، ويأتي بيانه.
وقوله: (لواقح) جمع لاقحة بمعنى حاملة، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل، كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم، واللواقح بمعنى الملقحات للشجر والسحاب، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله: ومختبط مما تطيح الطوائح، كذا قال البيضاوي (٢)، وإطلاق اللواقح على الملقحات إما على الإسناد
стр. 1861
و ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعْوَاتِ الْكَبِيرِ". [مسند الشافعي: ١/ ٨١، الدعوات الكبير: ٣٦٩].
ــ
المجازي بأن توصف الرياح بصفة ما هي أسباب له، أو المجازي اللغوي باعتبار السببية؛ لأن لقح الرياح سبب لإلقاحها، أو باعتبار ما كان، فإن الملقح كان أولًا لاقحًا، أو من باب النسبة؛ كلابن وتامر، أو على حذف الزوائد، نحو أثقل فهو ثاقل، كذا قيل.
وقوله: (﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾) أولى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ﴾، وإذا عرفت هذا فاعلم أنه قد اشتهر أن الريح بلفظ الواحد يستعمل في العذاب، والرياح بلفظ الجمع في الرحمة كما وقع في كتاب اللَّه تعالى من الآيات المذكورة، وحمل الدعاء الذي ورد في هذا الحديث الذي جاء عن ابن عباس ﵄ من قوله ﷺ : (اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا) على ذلك، ووجَّهه الخطابي بأن الرياح إذا كثرت جلبت السحاب وكثرت الأمطار، فتركت الزروع والأشجار، وإذا لم تكثر وكانت ريحًا واحدة فإنها تكون عقيمة، والعرب تقول: لا تَلْقَحُ السحابُ إلا من رياح، وأنكر ذلك أبو جعفر الطحاوي مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، وبما جاء في بعض الأحاديث من استعمال المفرد في الخير والشر معا، كحديث أبي هريرة ﵁: (الريح من روح اللَّه تأتي بالرحمة وبالعذاب) الحديث، وحديث أبي بن كعب: (اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها)، وكحديث عائشة ﵂: كان رسول اللَّه ﷺ إذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به)، وكحديث ابن عباس: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور)، ثم حكم بضعف هذا الحديث الذي جاء من ابن عباس، وقال: لا أصل له في السنن الثابتة، ثم قال أبو جعفر: ففي هذه الآية والأحاديث بيان واضح أن الريح قد تأتي بالرحمة، ومثل هذه الأحاديث مع صحتها
стр. 1862
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا تعطل بهذا الحديث مع ضعفه ومخالفته للأحاديث الصحاح.
قال التُّورِبِشْتِي (١): والذي قاله أبو جعفر وإن كان قولًا مبنيًّا على قاعدة العلم مبذولًا في نصرة الحق، ولكنا نرى أن لا نتسارع إلى رد هذا الحديث وقد تيسر علينا تأويله وتخريج المعنى على وجه لا يخالف النصوص التي أوردها، وهو أن نقول: التضادُّ الذي جدَّ أبو جعفر في الهرب منه إنما نشأ من التأويل الذي نقل عن ابن عباس ﵄، فأما الحديث نفسه فإنه محتمل لتأويل يمكن معه التوفيق بينه وبين النصوص التي عارضه بها أبو جعفر، وذلك أن نذهب في قوله ﷺ : (اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا) إلى أنه سأل النجاة من التدمير بتلك الريح، فإنها إن تكن مهلكة لم تعقبها أخرى، وإن كانت غير ذلك فإنها توجد كرة بعد كرة، وتستنشق مرة بعد مرة، فكأنه قال: أفسح لنا في المهلة وانسأ لنا في الأجل حتى تهب علينا رباح كثيرة بعد هذه الريح، انتهى.
ولا يذهب عليك أن كلام الطحاوي إنما هو على القول بأن الريح تنحصر في الشر والعذاب على ما يدل عليه تأويل ابن عباس ﵄، فإنه يعارض على هذا التقدير الآية والأحاديث المذكورة، ويلزم منه الرد على ابن عباس ﵄, ولهذا حكم بضعف إسناد هذا الحديث مع ما اشتمل عليه من تأويل ابن عباس، وقال: لم يصح هذا الحديث من رسول اللَّه ﷺ ، ولا هذا التوجيه من ابن عباس ﵄، ففي الحقيقة كلامه في التأويل ورده بضعف الحديث، وإن كان له تأويل آخر؛ فلا كلام، فافهم.
وقال الطيبي (٢): إن الريح والرياح إذا كانا مطلقتين كان إطلاق الريح غالبًا في
стр. 1863
١٥٢٠ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَبْصَرَ ناشِئًا مِنَ السَّمَاءِ -تَعْنِي السَّحَابَ- تَرَكَ عَمَلَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ" فَإِنْ كَشَفَهُ حَمِدَ اللَّه، وَإِن مَطَرَتْ قَالَ: "اللَّهُمَّ سَقْيًا نافِعًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّفْظ لَهُ. [د: ٥٠٩٩، ن في الكبرى: ١٨٤٢، جه: ٣٨٨٩، مسند الشافعي: ١/ ٨١].
١٥٢١ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ. . . . .
ــ
العذاب، والرياح في الرحمة، فعلى هذا لا ترد تلك الآية على قوله ابن عباس؛ لأنها مقيدة بالوصف، انتهى. وهذا التوجيه أقرب وأسلم من لزوم الرد على ابن عباس ﵄ من غير احتياج إلى الحكم بضعف الحديث، واللَّه أعلم.
١٥٢٠ - [١٠] (عائشة) قوله: (تعني السحاب) تفسير السحاب بالناشئ لأنه ينشأ من الجو ويخرج منه كما يسمى عارضًا.
وقوله: (حمد اللَّه) أي: على النجاة مما كان يخاف من العذاب، (وإن مطرت) شكر ودعا بقوله: (اللهم سقيًا نافعًا) خوفًا من لزوم الضرر الذي فيه أيضًا نوع العذاب، و (السقيا) بالضم اسم، وبالفتح مصدر.
١٥٢١ - [١١] (ابن عمر) قوله: (صوت الرعد) في (القاموس) (١): الرعد: صوت السحاب، أواسم ملك يسوقه كما يسوق الحادي الإبل، انتهى. فإن كان اسمًا للصوت؛ فالإضافة بيانية من إضافة العام إلى الخاص (٢).
стр. 1864
وَالصَّوَاعِقَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢/ ١٠٠، ١٠١، ت: ٣٤٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٥٢٢ - [١٢] عَنْ [عَامِرِ بْنِ] (١) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ. . . . .
ــ
وقوله: (والصواعق) جمع صاعقة، وهي الصوت الشديد المسموع من الرعد معها نار (٢)، فيصح عطفها على ما قبلها، ومن فسرها بنار تسقط من السماء قدر لها فعلًا مناسبًا لها، نحو رأى وشاهد.
الفصل الثالث
١٥٢٢ - [١٢] ([عامر بن] عبد اللَّه بن الزبير) قوله: (سبحان الذي يسبح الرعد
стр. 1865
بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيْفَتِهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٦٤١].
ــ
بحمده) إن كان الرعد بمعنى الصوت فإسناد مجازي؛ لأنه سبب التسبيح، وإن كان اسمًا للملك؛ فحقيقي.
وقوله: (والملائكة من خيفته) (١) أي: من خوفه، والضمير للَّه تعالى، وقيل: للرعد.
تمّ بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد الثالث ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الرابع وأوله: "كتاب الجنائز" وصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.
* * *
стр. 1866
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
للخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)
تأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي
عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي
المولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى
تحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي
طبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان
ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة
المجلد الرابع
دار النوادر
стр. 1867
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1868
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (٤)
стр. 1869
دار النوادر
المؤسس والمالك نور الدين طالب
مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.
سوريا - دمشق - الحلبوني:
ص. ب: ٣٤٣٠٦
جميع الحقوق محفوظة للمحقق
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.
الطبعة الأولى
١٤٢٥ هـ - ٢٠١٤ م
E-mail: info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
شركات شقيقة
دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
دار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)
دار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند
الهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١
البريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com
стр. 1870
(٥) كتاب الجنائز
стр. 1871
(٥) كتاب الجنائز
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٥ - كتاب الجنائز (١)
جمع جنازة، من جَنَزَه يَجْنِزُهُ: ستره وجمعه، والجِنازة بالكسر ويفتح: الميت، ويقال بالكسر: الميت، وبالفتح: السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت، كذا في (القاموس) (٢)، وفي "النهاية" (٣) هي بالفتح والكسر: الميت بسريره، وقيل بالكسر: السرير، وبالفتح: الميت، وقال الكرماني: وقيل بالعكس، أو بالكسر: النعش وعليه الميت (٤).
стр. 1872
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٥٢٣ - [١] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَاِنيَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٤٩].
١٥٢٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِم خَمْسٌ: . . . . . .
ــ
١ - باب عيادة المريض وثواب المرض
العيادة والعياد بالكسر: زيارة المريض، وكذا العُوادة بالضم، وهو عائد وجمعه العُوّاد والعوادة (١) والعُوَّد، والمريض مَعُودٌ ومَعْوُودٌ، كذا في (القاموس) (٢)، وكان أصلها العود بمعنى الرجوع؛ لأنه يعود إلى المريض تارة بعد أخرى، ويجيء العود أيضًا بمعنى العيادة.
الْفَصْلُ الأَوَّلُ
١٥٢٣ - [١] (أبو موسى) قوله: (أطعموا الجائع) وهو سنة إن لم يصل حد الاضطرار، وفرض إن وصل، على الكفاية إن لم يتعين أحد، وعينًا إن تعين.
وقوله: (وعودوا المريض) هي سنة إذا كان له متعهد، وواجب إن لم يكن.
وقوله: (وفُكُّوا العاني) أي: الأسير، عني الأمر: إذا شق، وفَكَّ الأسير: أخلصه، والمراد من أُسِر بغير حق أو حكم الأمير بالفداء عنه.
١٥٢٤ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (حق المسلم على المسلم خمس) يدل على
стр. 1873
رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٤٠، م: ٢١٦٢].
ــ
أن العيادة وأخواته من حقوق الإِسلام غير مخصوص بالصحبة، ويفهم من بعض الكتب أنها من حقوق الصحبة، ولهذا أورد في (جامع الأصول) (١) باب العيادة في حقوق الصحبة، وذكرها الإِمام حجة الإِسلام في حقوق الإِسلام، والأول مسامحة بجعل الإِسلام في حكم الصحبة؛ فإن المسلمين كلهم كانوا في عهد رسول اللَّه ﷺ أصحابه بالمعنى الأعم.
وقوله: (رد السلام) والسلام أيضًا منها كما ذكر في الأحاديث الآتية، وخص رده ههنا بالذكر اهتمامًا لكونه فرضًا على الكفاية.
وقوله: (واتباع الجنائز) المراد به ما يشتمل صلاتها، فإنها فرض كفاية، وذكر اتباعها اهتمامًا وإشارةً إلى أنه ينبغي أن يتوقف بعد الصلاة ويتبعها، والتوقف إلى الدفن أفضل كما سيجيء.
وقوله: (وإجابة الدعوة) إذا لم يكن هناك بدعة من الملاهي والمناهي، قال الإمام الغزالي (٢): ومن جملتها طعام المباهاة والمفاخرة، فإن السلف كانوا يكرهونها.
وقوله: (وتشميت العاطس) بالشين والسين، جواب العاطس بـ: يرحمك اللَّه، والأول أفصح وأبلغ، فبالمعجمة مشتق مما اشتق منه الشوامت بمعنى قوائم الدابة، فكأنه دعاء بثبات القدم على الخير، أو من الشماتة بمعنى الفرح ببلية العدو، وباب التفعيل للإبعاد والإزالة، وبالمهملة من السمت دعاء بحسن السمت والهدى، والتشميت
стр. 1874
١٥٢٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ". قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّم عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّه فشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٦٢].
١٥٢٦ - [٤] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ،
ــ
مستحب، وقيل: سنة عين على الواحد، وسنة كفاية على الجمع، وسيجيء الكلام فيه في (باب العطاس والتثاؤب) من (كتاب الآداب).
١٥٢٥ - [٣] (وعنه) قوله: (إذا لقيته فسلم عليه. . . إلخ)، حاصله سلامك عليه في وقت ملاقاتك له، وإجابتك إياه حين دعائه إياك، وكذا في البواقي، فيطابق السؤال بقوله: و (ما هن).
وقوله: (وإذا استنصحك فانصح له) النصيحة: إرادة الخير للمسلمين، وهي سنة، وعند الاستنصاح واجبة، والنصح في اللغة بمعنى الخلوص.
١٥٢٦ - [٤] (البراء بن عازب) قوله: (وإبرار المقسم) اسم فاعل من أقسم، أي: جعل الحالف بارًا في حلفه، سواء حلف على فعلك فتفعل ليصير بارًا، أو بفعل من أفعال نفسه فتسعى في تيسيره وتحصيله له، وعلى الوجهين يحمل قوله: (لو أقسم على اللَّه لأبره)، وروي (إبرار القسم) بفتحتين، وذلك يحتمل المعنيين المذكورين مع احتمال أن يكون المراد إبرار القسم حلفه على نفسه بأن يبر قسمه، لكن لا يكون هذا من حقوق المسلم، والحديث لا ينحصر في بيانها بدليل ما ذكر في بيان ما نهى.
стр. 1875
وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَنَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ، وَعَنِ الْحَرِيرِ، والإِسْتَبْرَقِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ، وَالْقَسِّيِّ، وَآنِيَةِ الْفِضَّةِ -وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ- فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لم يشرب فِيهَا فِي الآخِرَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٣٩، م: ٢٠٦٦].
ــ
هذا، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المعنى من استحلف غَيْرَه بأن يقول: عليك باللَّه أن تفعل، فيستحب هنا أيضًا أن يفعل تعظيمًا لاسم اللَّه، وفي الصورتين السابقتين يستحب لإنقاذه عن المعصية، فتدبر.
وقوله: (ونصر المظلوم) مسلمًا كان أو ذميًّا أو مستأمنًا.
وقوله: (ونهانا عن خاتم الذهب) إلى آخرها، منهية للرجال، وأما آنية الفضة فمحرمة للرجال والنساء جميعًا.
وقوله: (والإستبرق) الديباج الغليظ، أو ديباجٌ يعمل بالذهب، أو ثيابُ حريرٍ صفاقٌ نحو الديباج، وقال: والديباج معروف معرب.
وقوله: (والميثرة) بكسر الميم وسكون التحتانية وفتح المثلثة: ما يُتّخَذ من حرير أو ديباج، ويُجْعل كالفراش الصغير, ويُحْشى بقطن أو صوف، ويجعله الراكب تحته على الرحال والسروج، ويفهم من تقييده بالحمراء أنها إن لم تكن حمراء لم تحرم، إلا أن يكون بقصد رعونة وتكبر.
وقوله: (والقسِّيِّ) بفتح القاف وتشديد السين: ثوب منسوب إلى (قس)، اسم قرية من مصر، تنسب إليه الثياب من كتان مخلوط بحرير، وسيجيء ذكر هذه الثياب وأحكامها في (كتاب اللباس) إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: (لم يشرب فيها في الآخرة) كناية عن نقصان حظه عن نعيم الجنة ولَذَّاتها، ولعله يُحْرم عن هذه الأواني دائمًا أو زمانًا طويلًا معاقبةً على هذه الخطيئة، ولا حاجة
стр. 1876
١٥٢٧ - [٥] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٨].
١٥٢٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّه تَعَالى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ! مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ . . . . .
ــ
إلى قيد استحلالها حتى يصير كافرًا ويُحرم عن دخول الجنة، وجعله كناية عن كونه جهنميًّا من جهة أن دأب أهل الجنة الشرب من أواني الفضة، فمن لم يكن هذا دأبه لم يكن من أهل الجنة، كما ذكره الطيبي (١)، فافهم.
١٥٢٧ - [٥] (ثوبان) قوله: (لم يزل في خرفة الجنة) الخرفة بضم الخاء وسكون الراء: ما يُخْترف ويُجتَنى من ثمار النخل، والمخرفة والمخرف بفتح ميم وكسر راء وبفتحها: البستان، وسكة بين صَفَّيْنِ من نخيل يخرف من أيهما شاء، يقال: خرف الثمار: جناه، والمراد أن العائد فيما يحوز من الثواب كأنه على نخيل الجنة يخرف ثمارها، أو يكون جزاؤه في الجنة ذلك، والمعنى الأول أظهر من العبارة، وقيل: المخرفة الطريق، أي: أنه على طريق تؤديه إلى الجنة.
١٥٢٨ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (كيف أعودك) (٢) أي: كيف تمرض حتى أعودك.
وقوله: (وأنت رب العالمين) والرب: المالك والسيد والمدبر والمربي والمنعم،
стр. 1877
قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ! اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ! كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ! اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَم تَسْقِهِ؟ أَما إِنَّك لَوْ سَقَيتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٩].
١٥٢٩ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: "لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". فَقَالَ لَهُ: "لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ: كَلَّا بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَنَعَمْ إِذَنْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦١٦].
ــ
وهذه الأوصاف تنافي المرض والنقصان والاحتياج والهلاك.
وقوله: (لوجدتني عنده) أي: وجدت رحمتي ورضائي.
وقوله: (لوجدت ذلك) أي: ثوابه وجزاءه، وفي العبارة الأولى من المبالغة في بيان أفضلية العيادة من الإطعام والسقي ما لا يخفى، فتأمل.
١٥٢٩ - [٧] (ابن عباس) قوله: (لا بأس، طهور) أي: لا تحزن ولا تبال بما تجد من الوجع وشدة المرض؛ فإنه مطهِّر للذنوب ومزيل لها، بل منقٍ ومصلح للبدن أيضًا من رديء الأخلاط وكثيف الأجزاء، فقال غضبًا عليه إذ أرشده على الصبر والشكر فأبى، ولم يسلك طريقة الأدب، وتجاوز عن الحد، ويحتمل كفره، والظاهر عدمه لكونه من جفاة الأعراب وأجلافهم، فلم يثبت من شدة الوجع، ومع ذلك تكلَّفَ في
стр. 1878
١٥٣٠ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: "أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٧٥].
١٥٣١ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى الإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُصْبُعِهِ: "بِسْمِ اللَّهِ. . . . .
ــ
السجع في غير مقامه، فغضب النبي ﷺ وألزمه بما تطير على نفسه وألزمه.
١٥٣٠ - [٨] (عائشة) قوله: (إذا اشتكى منا إنسان) (١) الشكو والشكوى والشكاة والشكاية: المرض، والشكي كغني: المشكُوُّ وَالمُوْجَعُ، ومن يَمْرَضُ أقل مرضٍ وأَهْوَنَه، كالشاكي، ويقال: اشتكى، أي: توجع، أي شكى مرضه، فمآله إلى معنى الشكاية بالمعنى المشهور الذي هو بالفارسية كله كردن.
وقوله: (لا يغادر) أي: لا يترك (سقمًا) على وزن حَبل وقُفل.
١٥٣١ - [٩] (وعنها) قوله: (أو كانت به قرحة) القرح بالفتح والضم: ما يخرج من البدن، أو بالفتح الآثار, وبالضم الألم، و (الجرح) بالضم: اسم من الجراحة.
وقوله: (بإصبعه) متعلق بـ (قال)، أي: حال كونه مارًّا إصبعه على محل الوجع، وفي رواية لمسلم: (بإصبعه السبابة)، وفي أخرى: (المسبحة). و (بسم اللَّه. . . إلخ) مقول (قال).
стр. 1879
تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا لِيُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذِن رَبِّنَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٤٣، م: ٢١٩٤].
ــ
وقوله: (تربة أرضنا) أي: هذه تربة معجونة وممزوجة.
وقوله: (بريقة بعضنا) حال أو خبر ثان.
وقوله: (ليشفى سقيمنا) علة لما يفهم من الكلام، والتقدير: قلنا هذا القول أو فعلنا هذا الفعل ليشفى، وفي رواية بدون اللام.
قال النووي (١): كان رسول اللَّه ﷺ يأخذ من ريق نفسه على أصبعه المسبحة ثم يضعها على التراب فيتعلق (٢) منه بشيء، ثم يمسح به على الموضع العليل القريح (٣) قائلًا الكلام المذكور حال المسح، وللرقى آثار عجيبة لا تظهر أسرارها، انتهى.
ولو قيل باختصاصه به ﷺ كان وجهًا، وهذا مما لا يدركه العقل، ولأفعاله ﷺ أسرار غامضة علمها موكول إلى علمه، والمقيدون في مضيق الطبيعة والتفلسف يطلبون حقائقها ولا يدركونها كما هي، منها ما قال القاضي البيضاوي ﵀ (٤): إنه قد شهدت المباحث الطبية على أن الريق له مدخل في النضج وتبديل المزاج، ولتراب الوطن تأثير في حفظ المزاج الأصلي، حتى قيل: إنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه، ويجعل شيئًا منه في سقائه، ويشرب الماء منها ليأمن تغير مزاجه.
وقال التُّورِبِشْتِي (٥) في تأويله: الذي يسبق إلى الفهم أن (تربة أرضنا) إشارة إلى
стр. 1880
١٥٣٢ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ،
ــ
فطرة آدم، و (ريقة بعضنا) إلى النطفة التي خلق منها الإنسان، فكأنه يتضرع بلسان الحال والقال، إنك اخترعت الأصل الأول من طين، ثم أبدعت بنيه من ماء مهين، فهين عليك أن تشفي من كان شأنه هذا، انتهى. وهذا كما ترى يختل ولا يتبادر من اللفظ، واللَّه أعلم بمراد نبيه من كلامه، وقال بعض الشارحين: المراد بالأرض أرض المدينة التي ثبت لها خاصية في شفاء المريض، وبالبعض ذاته الكريمة الشريفة على طريقة قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]، قال صاحب (الكشاف): المراد به محمد ﷺ تفخيمًا وتعظيمًا، والأظهر ما قلنا في تتمة كلام النووي، واللَّه أعلم.
١٥٣٢ - [١٠] (عائشة) قوله: (نفث على نفسه) النفث كالنفخ وأقل من التفل.
وقوله: (بالمعوذات) بكسر الواو المشددة من التعويذ، وفي رواية: (بالمعوذتين) وهو ظاهر، والمراد بالمعوذات إما المعوذتين إطلاقًا بصيغة الجمع على الاثنين على مذهب أن أقل الجمع اثنان، أو مع (سورة الإخلاص) و (قل يا أيها الكافرون) تغليبًا لأن فيهما براءة من الشرك، أو المراد الآيات التي تتضمن معنى الاستعاذة والتفويض والتوكل شاملًا للمعوذتين وغيرهما، مثل ﴿أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، وقوله : ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [القلم: ٥١] الآيات، أو المراد الكلمات المعوذة.
وقوله: (ومسح عنه بيده) أي: مسح متجاوزًا عن ذلك النفث سائر أعضائه بيده، وصورته أن يجمع بيديه الكريمتين ويقابل بهما فيه، وينفث فيهما، ثم يمسح بهما جميع أعضائه التي تصلان إليها، فالضمير في (عنه) للنفث، ويجوز أن يكون للنبي ﷺ ،
стр. 1881
فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ كُنْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفُثُ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٣٥، م: ٢١٩٢].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَتْ: كَانَ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ.
١٥٣٣ - [١١] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بِسْم اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ". قَالَ: فَفَعَلْتُ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٢].
ــ
أي: يزيل الأذى عن جسمه بإمرار يديه عليه.
وقوله: (كنت أنفث عليه) بأن كانت تقرأ وتأخد يديه وتنفث فيهما وتمسح بهما بدنه، وفي رواية من (جامع الأصول) (١) أورده مجملًا: (فإذا مرض أمرني أن أفعل كذلك)، وفي رواية أخرى مبينة كما في رواية الكتاب.
١٥٣٣ - [١١] (عثمان بن أبي العاص) قوله: (على الذي) أي: على الموضع الذي، أو على العضو الذي.
وقوله: (من شر ما أجد) أي: من الألم في الحال.
وقوله: (وأحاذر) أي: أخاف في الاستقبال، والحذر: الاحتراز عن المخوف، وصيغة المفاعلة للمبالغة.
стр. 1882
١٥٣٤ - [١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ جِبْرَئيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٨٦].
١٥٣٥ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسيْنَ: "أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ،
ــ
١٥٣٤ - [١٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أشتكيت) بفتح الهمزة للاستفهام وحذف همزة الباب.
وقوله: (أو عين حاسد) بالإضافة، وكلمة (أو) بمعنى الواو من باب التوكيد بلفظ مختلف، أو للشك من الراوي.
١٥٣٥ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (بكلمات اللَّه التامة) المراد معلومات اللَّه أو أسماؤه تعالى أو كتبه المنزلة، ووصفت بالتامة لكونها منزهة عن شائبة النقص، واستدل بها على كونها قديمة إذ لا يخلو الحادث عن نقصان، والشيطان: اسم لكل عات متمرد من الجن والإنس والدواب.
وقوله: (والهامّة) كل ذات سم قتيل، والجمع هوام، وأما ما لا يَقْتُلُ فهي السامة كالعقرب والزنبور، وقد يقع على ما يَدِبّ من الحيوان وإن لم يَقْتُل كالحشرات والقمل، ومنه: (أتؤذيك هوام رأسك؟ ) أي: القمل، كذا في (النهاية) (١).
وقال في (المشارق) (٢): الهامة بتشديد الميم كالزنبور وغيره، وقيل: الهوام
стр. 1883
وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ" وَيَقُولُ: "إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي أَكْثَرِ نَسَخِ "الْمَصَابِيحِ": "بِهِمَا" عَلَى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ. [خ: ٣٣٧١].
١٥٣٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٤٥].
ــ
دواب الأرض التي تهم بالإنسان، ومنه قوله: ومأوى الهوام، يعني طرق الدواب، وأريد القمل بقرينة الرأس، وقد جاء مفسرًا: والقمل يتناثر على وجهي لدببيها في الرأس.
وقوله: (من كل عين لامة) أي: ذات لمم، ولذلك لم يقل: مُلِمّة، وقيل: أصله ألممت بالشيء ولم يقل: سلمة لمشاكلة سامة، واللمم: كل داء يلم من خبل أو جنون أو نحوهما، أي: من عين تصيب بسوء، ومنه حديث: شكت امرأة إليه ﷺ لممًا بابنتها، أي: طرفًا من الجنون.
وقوله: (وفي أكثر نسخ (المصابيح): بهما) أي: بكلمتين، وهما مدخولا (من) (١)، كذا في الحاشية، أي: بذكر الكلمتين مع المذكورتين في المستعاذ منه، وتوجيهه بأن التثنية من جهة أن المراد بكلمات اللَّه معلوماته وكتبه المنزلة بعيد، ولهذا قيل: الظاهر أنه سهو من الكاتب، وفي (شرح الشيخ): وبفرض صحة هذه النسخة يكون مرجع الضمير الجملتين المذكورتين: جملة المستعاذ به، وجملة المستعاذ منه.
١٥٣٦ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (يصب منه) المصيبة والمصوبة والمصابة: الأمر المكروه الذي يصيب الإنسان ويناله ويأخذ، والجمع مصائب ومصاوب، ويُصَبْ: بصيغة المجهول وضمير نائبه لـ (من)، وضمير منه للَّه، أي: يصير مصابًا بحكم اللَّه، أو
стр. 1884
١٥٣٧ - [١٥] وَعَنْهُ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِنْ خَطَايَاهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٤١، ٥٦٤٢، م: ٢٥٧٣].
ــ
نائبه الجار والمجرور وضمير منه لـ (من)، أي: نيل منه، أي من نفسه وماله وولده بالمصائب، كذا في (مجمع البحار) (١)، وبصيغة المعلوم أي: يصب اللَّه منه، أي: ابتلاه بالمصائب ليثيبه عليها بتكفير الذنوب ورفع الدرجات.
١٥٣٧ - [١٥] (وعنه، وأبو سعيد) قوله: (ما يصيب المسلم) فاعل (يصيب) ضمير (ما)، و (المسلم) مفعوله، والنصب بفتحتين: التعب والكد والجهد، والوصب: المرض، والهم والحزن واحد، لكن الأول يحصل بسبب ما يقصده في الاستقبال، والثاني بسبب حصول مكروه في الماضي، وهمه الأمر هَمًّا وَمَهَمَّةً: حزنه، كأَهَمَّهُ فاهْتَمَّ، والسُقْمُ جِسْمَه: أذابه وأَذهب لحمه، والشَّحْمَ: أذابه، كذا في (القاموس) (٢)، والأذى: المكروه اليسير، والغم والغماء والغمة بالضم: الكرب، غمه فاغتم وانْغَمَّ، والغم في الأصل: الستر والتغطية، من الغمام، كأنه يستر القلب ويغطيه، وهو شامل لجميع أنواع المكروهات.
وقوله: (حتى الشوكة) بالجر بالعطف و (يشاكلها) صفة لها، وبالرفع على الابتداء وهو خبر، و (يشاكها) بصيغة المجهول، أي: يشاك المسلم تلك الشوكة، من شكته أشوكه، أي: أدخلت في جسده شوكة.
وقوله: (من خطاياه) (من) زائدة أو تبعيضية، يعني صغائر.
فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيَّ ﷺ (١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٤٦].
١٥٤١ - [١٩] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيَاحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتُعَدِّلها أُخْرَى حَتَّى يَأْتِيَ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ. . . . .
ــ
١٥٤١ - [١٩] (كعب بن مالك) قوله: (الخامة) بالتخفيف: الطاقة الغَضَّة اللَّيِّنة من الزروع، كذا في (النهاية) (٢)، و (الصحاح) (٣)، ونقل عن الخليل: هي الزرع أول ما نبت، وقال في (القاموس) (٤): الخامسة من الزرع: أول ما ينبت على ساق، أو الطاقة الغضة منه.
وقوله: (تفيئها) بلفظ المضارع من التفعيل، من فاء يفيء، أي: تميلها يمينًا وشمالًا، و (تصرعها) أي: تسقطها و (تعدلها) أي: تسويها.
وقوله: (كمثل الأرزة) قال عياض (٥): الأرزة: بفتح الهمزة وسكون الراء، كذا الرواية, وقيل: هي واحدة شجر الأرز، وهو الصنوبر، ويقال له: الأرزن أيضًا، وقال أبو عبيدة: إنما هو الآرِزة بالمد وكسر الراء على مثال فاعلة، ومعناها الشجر الثابتة في
стр. 1887
الْمُجْذِيَةِ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٤٣، م: ٢٨١٠].
١٥٤٢ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَال الرِّيحُ تُمَيِّلُهُ، وَلَا يزَالُ الْمُؤمن يُصيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الأَرْزَةِ لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تُسْتَحْصَدَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٤٤، م: ٢٨٠٩].
ــ
الأرض، وأنكر هذا أبو عبيد وصحح ما تقدم، وقد جاء في حديث: (كشجرة الأرز) مفسرًا، انتهى. وقال في (القاموس) (١): الأَرْزُ ويُضَمُّ: شجر الصنوبر، أو ذَكَرُهُ، كالأَرْزَةِ، أو العَرْعَرُ، وبالتحريك: شجرة الأَرْزَن.
و(المُجْذِية) بضم الميم وسكون الجيم وكسر الذال المعجمة وبالياء التحتانية، أي: الثابتة، جذا يجذو أجذى يجذي: ثبت قائمًا، والجذية بالكسر: أصل الشجرة.
وقوله: (حتى يكون انجعافها) أي: انقلاعها، جعف الشجرة وأجعفها: قلعها، فانجعفت.
١٥٤٢ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (لا تهتز) أي: لا تتحرك.
وقوله: (حتى تستحصد) أي: تقلع (٢)، وأصل الحصاد في الزرع، واستعماله في الشجرة مجاز، إما مرسل بذكر الخاص وإرادة العام كالمشفر في الشفة والمرسن في الأنف، أو استعارة بتشبيه قلعها بحصاد الزرع في السرعة والسهولة مبالغة.
стр. 1888
١٥٤٣ - [٢١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ فَقَالَ: "مَالَكِ تُزَفْزِفينَ؟ ". قَالَتِ: الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَالَ: "لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٧٥].
١٥٤٤ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ بِمِثْلِ مَا كَانَ يعْملُ مُقِيمًا صَحِيحًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٩٦].
ــ
١٥٤٣ - [٢١] (جابر) قوله: (تزفزفين) أي: ترعدين، روي بالزائين أو بالرائين، فالأول من زفَّ الطائر: إذا بسط جناحيه وحركهما كزفزف، والثاني أيضًا بمعنى سقوط الطائر ورميه بنفسه، وذكر في (القاموس) (١): رفَّ الطائر: بسط جناحيه، ذكره في (باب الراء والزاي) كرفرف، وقال: والثلاثي غير مستعمل، وقال في (باب الزاي) أيضًا: الزفزفة: تحريك الريح الحشيش وصوتها فيه، والزفزاف: الريح الشديدة الهبوب في دوام.
و(الكير) بالكسر والياء: زِقٌّ ينفخ فيه الحداد، وأما المبنيُّ من الطين فكور بالضم والواو، كذا في (القاموس) (٢).
١٥٤٤ - [٢٢] (أبو موسى) قوله: (كتب له بمثل) الباء زائدة كقوله: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٧] على أحد الوجوه المذكوره في تفسيره.
стр. 1889
١٥٤٥ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "الطَّاعُونُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٣٢، م: ١٩١٦].
ــ
١٥٤٥ - [٢٣] (أنس) قوله: (الطاعون شهادة لكل مسلم) قال الخليل: الطاعون الوباء، وقال ابن الأثير: الطاعون المرض العام، والوباء الذي يفسد به الهوى فتفسد به الأمزجة والأبدان، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الطاعون الوجع الغالب الذي يطفئ الروح، سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله، وقال القاضي عياض: الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض، فسميت طاعونًا تشبيهًا بها في الهلاك.
وقال النووي: هو بئرٌ وورمٌ مؤلم جدًا، يخرج مع لهب، ويسودّ ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان وقيء، ويخرج غالبًا في المراق والآباط، وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد.
وقال ابن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورمًا قتالًا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما يكون تحت الآباط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة، وسببه دم رديء يستحيل إلى جوهر سمّي يفسد العضو ويغير ما يليه ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة، فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسية، والأسود منه قلّ من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح وصدده.
والحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم وانصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء يسمى طاعونًا بطريق المجاز؛
стр. 1890
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لاشتراكها في عموم المرض وكثرة الموت، والطاعون مِنْ طَعَنَ الجن، كما يأتي من الأحاديث، وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجن؛ لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما عرف من الشارع، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم، وروى أحمد والطبراني (١) عن أبي موسى الأشعري قال: سألت عنه رسول اللَّه ﷺ فقال: (هو وخز أعدائكم من الجن، وهو لكم شهادة)، وفي (الصحيحين) (٢) من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل -أو على من كان قبلكم- فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه).
وقولهم: إنه لفساد الهواء فاسد؛ لأنه (٣) قد يقع الطاعون في أعدل الفصول وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء؛ ولأنه لو كان بفساد الهواء لعمَّ الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب منهم بجانبهم ممن هو في مثل مزاجهم، وأيضًا لو كان كذلك لعم جميع البدن، ولا يختص بموضع منه، ولأن فساد الهواء (٤) يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض.
هذا والمراد بالطاعون المذكور في الحديث الذي ورد في الهرب عنه الوعيد هو الوباء، فكل موت عام، وفي حكمه المرض العام، وليس المراد خصوص ما ذكره
стр. 1891
١٥٤٦ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِيقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٢٩، م: ١٩١٤].
ــ
الأطباء، وغلط من حمله عليه، وأباح الهرب فيما سوى ذلك تمسكًا يقول الأطباء، ولو فُرِض حمله عليه فما يقول هذا الرجل بالأحاديث التي وقع فيها الوباء والموت العام، غايته أنه يكون الفرار منهيًّا عنه في الوباء وفي الطاعون، لا أنه يختص بالطاعون ويباح في غيره، فتدبر، واللَّه الهادي (١).
١٥٤٦ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (الشهداء خمسة) (٢) فإن قلت: فيه جمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الظاهر أن إطلاق الشهيد في الشرع على غير من قتل مجاز باعتبار تشبيهه به في الثواب، قلت: لا نسلِّم ذلك، لكن ذلك فرد كامل متعارف في الفهم كالكلي المشكك، وبهذا الاعتبار صح إطلاق الشهيد عليه مطلقًا، وصح حمله على الشهيد، ولم يلزم حمل الشيء على نفسه، فافهم.
وقوله: (المطعون) هو صاحب الطاعون.
وقوله: (والمبطون) قيل: المراد به من مات من إسهال، أو استسقاء وانتفاخ بطن، أو ممن يشتكي بطنه، أو من يموت بداء بطنه مطلقًا، أقول: وإنما كان بهذه المعاني من الشهداء لشدتها وكثرة أَلَمها، وجاء في الحديث: (المبطون لا يعذب) (٣) أي: في القبر؛ لأن وجعه أشد، وقيل: المراد بالمبطون: من حافظ البطن من الحرام والشبهة فكأنه قتله بطنه. و (الهدم) بالسكون الفعل نفسه، وبالتحريك البناء.
стр. 1892
١٥٤٧ - [٢٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَنِي: "أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ في بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٣٤].
ــ
١٥٤٧ - [٢٥] (عائشة) قوله: (عذاب يبعثه اللَّه) أي: من قبل الجن كما نطقت به الأحاديث.
وقوله: (فيمكث في بلده صابرًا) الحديث، فيه حمل النفس على الصبر والتوكل والاعتماد على اللَّه تعالى وقضائه والرضاء به، فالخارج يقول: لو أقمت لأصبت، والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقع في اللو المنهي عنه (١).
وقد ذكر بعض العلماء في النهي عن الخروج حِكَمًا، منها: أن الطاعون في الغالب يكون عامًّا في البلد الذي يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن بها؛ لأن الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام استنشاق، فيصل إلى الباطن ويؤثر فيه، فلا يفيده الفرار لأن المفسدة إذا تيقنت حتى لا يقع الانفكاك عنها، كان الفرار عبثًا، فلا يليق بالعاقل.
ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز منه -بالمرض المذكور أو بغيره- ضائع المصلحة لفقد من يتعهده حيًّا وميتًا، وأيضًا لو شرع الخروج -وكان الناس يخرجون من غير مبالاة اعتمادًا على شرعية الخروج-[لكان في ذلك] كسر قلوب
стр. 1893
١٥٤٨ - [٢٦] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٧٤، م: ٢٢١٨].
ــ
الضعفاء, وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف [لما] فيه من كسر قلب من لم يفر وإدخال الرعب عليه.
وقال بعضهم: يجب على من كان يحترز من الوباء أن تخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية، ويقلل الغذاء، ويميل إلى التدابير المجففة من كل وجه، والخروج من أرض الوباء والسفر منها لا يكون إلا بحركة شديدة وهي مضرة جدًا، فظهر المعنى الصبي من الحديث النبوي، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما، واللَّه أعلم (١).
١٥٤٨ - [٢٦] (أسامة بن زيد) قوله: (رجز) بكسر الراء وآخره زاي، أي: العذاب.
وقوله: (أو على من كان قبلكم) أو للشك من الراوي.
وقوله: (فإذا سمعتم به) أي: أخْبِرْتم بالطاعون (فلا تقدموا عليه)، فإن في الدخول في الأرض التي هو فيها تعرضًا للبلاء والآفة في محل سلطانه، وإيقاع النفس في التهلكة، وهو مخالف للشرع والعقل، وهو من باب الحمية التي أرشد اللَّه إليها عباده، وروى البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود (٢): أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁
стр. 1894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خرج إلى الشام، حتى إذا كان بِسَرْغَ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه ﵃، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، قال ابن عباس: فقال عمر ﵁: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعوتهم فاستشارهم، فأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع [لي] الأنصار، فدعوتهم، فاستشار بهم فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: أني مصبح على ظَهْرٍ فأَصْبِحُوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر اللَّه؟ فقال عمر ﵁: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة -وكان عمر يكره خلافه- نعم نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر اللَّه وإن رعيت الجدبة رعيت بقدر اللَّه، فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان متغيبًا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علمًا؛ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه)، قال: فحمد اللَّه عمر بن الخطاب ﵁ ثم انصرف.
وقوله: (فلا تقدموا عليه) بعض الرواة فَتَحَ التاءَ وضَمَّ الدَّالَ من قولهم: قَدَمَ يَقْدُمُ بفتح الدال في الماضي وضمها في الغابر، أي: يقدم، ومنهم من يفتح الدال من
стр. 1895
١٥٤٩ - [٢٧] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ : إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ ثُمَّ صَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجنَّةَ"، يُرِيد عَيْنَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٥٣].
ــ
قولهم: قَدِمَ من سفر يَقْدَم قُدومًا ومقدمًا، يعني: من باب علم يعلم، والمحفوظ عند حفاظ الحديث ضم التاء من قولهم: أقدم على الأمر إقدامًا، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، وفي كلام الطيبي إشارة إلى الثالث.
١٥٤٩ - [٢٧] (أنس) قوله: (يريد عينيه) يحتمل أن يكون من كلام الرسول أو من كلام الراوي، وإنما سميت العينان بحبيبتين لأنهما أحب الإنسان (٢) إلى الإنسان، يعني ليس الابتلاء بالعمى لسخط بل لدفع مكروه يكون بالبصر، ولتكفير ذنوبه ولتبليغه إلى درجة لم يكن ليبلغها بعمله، وكان شيخنا ﵀ يقول بعد أن عَمي: حصل لنا خلوة لم يكن حاصلا في العمر كله، وكان يقول في سببه: إنه جاء بعض الأصحاب بورد من الحرم فاستشمه بسهو، فدبَّ مثل نملة في أنفه حتى وصلت إلى العين، فذهب يزداد حتى انجر إلى العمى.
وانشد الطيبي (٣) لابن عباس ﵄: كان ينشد لما أصيب بكريمتيه:
إن يذهب اللَّه من عينَيّ نورهما ... ففي لساني وقلبي للهدى نور
عقلي ذكي وقولي غير ذي دَخَلٍ ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور
ويروى في سبب عماه أنه رأى جبرئيل ﵇، وكل من رآه من غير النبي ﷺ فإنه يعمى، وكذلك عائشة ﵂.