١٥٤٦ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِيقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٢٩، م: ١٩١٤].
ــ
الأطباء، وغلط من حمله عليه، وأباح الهرب فيما سوى ذلك تمسكًا يقول الأطباء، ولو فُرِض حمله عليه فما يقول هذا الرجل بالأحاديث التي وقع فيها الوباء والموت العام، غايته أنه يكون الفرار منهيًّا عنه في الوباء وفي الطاعون، لا أنه يختص بالطاعون ويباح في غيره، فتدبر، واللَّه الهادي (١).
١٥٤٦ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (الشهداء خمسة) (٢) فإن قلت: فيه جمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الظاهر أن إطلاق الشهيد في الشرع على غير من قتل مجاز باعتبار تشبيهه به في الثواب، قلت: لا نسلِّم ذلك، لكن ذلك فرد كامل متعارف في الفهم كالكلي المشكك، وبهذا الاعتبار صح إطلاق الشهيد عليه مطلقًا، وصح حمله على الشهيد، ولم يلزم حمل الشيء على نفسه، فافهم.
وقوله: (المطعون) هو صاحب الطاعون.
وقوله: (والمبطون) قيل: المراد به من مات من إسهال، أو استسقاء وانتفاخ بطن، أو ممن يشتكي بطنه، أو من يموت بداء بطنه مطلقًا، أقول: وإنما كان بهذه المعاني من الشهداء لشدتها وكثرة أَلَمها، وجاء في الحديث: (المبطون لا يعذب) (٣) أي: في القبر؛ لأن وجعه أشد، وقيل: المراد بالمبطون: من حافظ البطن من الحرام والشبهة فكأنه قتله بطنه. و (الهدم) بالسكون الفعل نفسه، وبالتحريك البناء.
стр. 1892
١٥٤٧ - [٢٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَنِي: "أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ في بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٣٤].
ــ
١٥٤٧ - [٢٥] (عائشة) قوله: (عذاب يبعثه اللَّه) أي: من قبل الجن كما نطقت به الأحاديث.
وقوله: (فيمكث في بلده صابرًا) الحديث، فيه حمل النفس على الصبر والتوكل والاعتماد على اللَّه تعالى وقضائه والرضاء به، فالخارج يقول: لو أقمت لأصبت، والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقع في اللو المنهي عنه (١).
وقد ذكر بعض العلماء في النهي عن الخروج حِكَمًا، منها: أن الطاعون في الغالب يكون عامًّا في البلد الذي يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن بها؛ لأن الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام استنشاق، فيصل إلى الباطن ويؤثر فيه، فلا يفيده الفرار لأن المفسدة إذا تيقنت حتى لا يقع الانفكاك عنها، كان الفرار عبثًا، فلا يليق بالعاقل.
ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز منه -بالمرض المذكور أو بغيره- ضائع المصلحة لفقد من يتعهده حيًّا وميتًا، وأيضًا لو شرع الخروج -وكان الناس يخرجون من غير مبالاة اعتمادًا على شرعية الخروج-[لكان في ذلك] كسر قلوب
стр. 1893
١٥٤٨ - [٢٦] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٧٤، م: ٢٢١٨].
ــ
الضعفاء, وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف [لما] فيه من كسر قلب من لم يفر وإدخال الرعب عليه.
وقال بعضهم: يجب على من كان يحترز من الوباء أن تخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية، ويقلل الغذاء، ويميل إلى التدابير المجففة من كل وجه، والخروج من أرض الوباء والسفر منها لا يكون إلا بحركة شديدة وهي مضرة جدًا، فظهر المعنى الصبي من الحديث النبوي، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما، واللَّه أعلم (١).
١٥٤٨ - [٢٦] (أسامة بن زيد) قوله: (رجز) بكسر الراء وآخره زاي، أي: العذاب.
وقوله: (أو على من كان قبلكم) أو للشك من الراوي.
وقوله: (فإذا سمعتم به) أي: أخْبِرْتم بالطاعون (فلا تقدموا عليه)، فإن في الدخول في الأرض التي هو فيها تعرضًا للبلاء والآفة في محل سلطانه، وإيقاع النفس في التهلكة، وهو مخالف للشرع والعقل، وهو من باب الحمية التي أرشد اللَّه إليها عباده، وروى البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود (٢): أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁
стр. 1894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خرج إلى الشام، حتى إذا كان بِسَرْغَ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه ﵃، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، قال ابن عباس: فقال عمر ﵁: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعوتهم فاستشارهم، فأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع [لي] الأنصار، فدعوتهم، فاستشار بهم فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: أني مصبح على ظَهْرٍ فأَصْبِحُوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر اللَّه؟ فقال عمر ﵁: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة -وكان عمر يكره خلافه- نعم نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر اللَّه وإن رعيت الجدبة رعيت بقدر اللَّه، فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان متغيبًا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علمًا؛ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه)، قال: فحمد اللَّه عمر بن الخطاب ﵁ ثم انصرف.
وقوله: (فلا تقدموا عليه) بعض الرواة فَتَحَ التاءَ وضَمَّ الدَّالَ من قولهم: قَدَمَ يَقْدُمُ بفتح الدال في الماضي وضمها في الغابر، أي: يقدم، ومنهم من يفتح الدال من
стр. 1895
١٥٤٩ - [٢٧] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ : إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ ثُمَّ صَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجنَّةَ"، يُرِيد عَيْنَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٥٣].
ــ
قولهم: قَدِمَ من سفر يَقْدَم قُدومًا ومقدمًا، يعني: من باب علم يعلم، والمحفوظ عند حفاظ الحديث ضم التاء من قولهم: أقدم على الأمر إقدامًا، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، وفي كلام الطيبي إشارة إلى الثالث.
١٥٤٩ - [٢٧] (أنس) قوله: (يريد عينيه) يحتمل أن يكون من كلام الرسول أو من كلام الراوي، وإنما سميت العينان بحبيبتين لأنهما أحب الإنسان (٢) إلى الإنسان، يعني ليس الابتلاء بالعمى لسخط بل لدفع مكروه يكون بالبصر، ولتكفير ذنوبه ولتبليغه إلى درجة لم يكن ليبلغها بعمله، وكان شيخنا ﵀ يقول بعد أن عَمي: حصل لنا خلوة لم يكن حاصلا في العمر كله، وكان يقول في سببه: إنه جاء بعض الأصحاب بورد من الحرم فاستشمه بسهو، فدبَّ مثل نملة في أنفه حتى وصلت إلى العين، فذهب يزداد حتى انجر إلى العمى.
وانشد الطيبي (٣) لابن عباس ﵄: كان ينشد لما أصيب بكريمتيه:
إن يذهب اللَّه من عينَيّ نورهما ... ففي لساني وقلبي للهدى نور
عقلي ذكي وقولي غير ذي دَخَلٍ ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور
ويروى في سبب عماه أنه رأى جبرئيل ﵇، وكل من رآه من غير النبي ﷺ فإنه يعمى، وكذلك عائشة ﵂.
стр. 1896
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٥٥٠ - [٢٨] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمِ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٩٦٩، د: ٣٠٩٨].
١٥٥١ - [٢٩] وَعَن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنَيَّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٣٧٥، د: ٣١٠٢].
ــ
الفصل الثاني
١٥٥٠ - [٢٨] (علي ﵁) قوله: (غدوة) الغدوة بالضم: البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وبالفتح: السير في هذا الوقت، والمراد ههنا قبل الزوال، كما أن المراد بالعشية بعده.
وقوله: (وإن عاده) (إن) نافية أو شرطية، والتقدير: ما عاده إلَّا صَلَّى.
وقوله: (وكان له خريف في الجنة) أي: مخروف من ثمر الجنة، أي: مجتنى منها، وقد عرفت معنى اللفظ في الفصل الأول في حديث ثوبان (١).
١٥٥١ - [٢٩] (زيد بن أرقم) قوله: (من وجع كان بعيني) بلفظ المفرد، وقد يروى بالتثنية، وفي شرح الشيخ (٢): سنده صحيح، وفيه رد لمن زعم أن عيادة الأرمد لا تستحب لكون عائده يرى ما لا يراه، وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني (٣) مرفوعًا:
стр. 1897
١٥٥٢ - [٣٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَعَادَ (١) أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مسيرَة سِتِّينَ خَرِيفًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٩٧].
ــ
(ثلاثة ليس لهم عيادة، العين والدمل والضرس)، فصحح البيهقي (٢) أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير، انتهى.
وقد نقل هذا الحديث في (شرعة الإِسلام) (٣)، وأما توجيهه يكون عائده يرى ما لا يراه كما ذكره الشيخ فلا يعقل معناه ولا يجري في أخويه (٤) أيضًا، واللَّه أعلم.
١٥٥٢ - [٣٠] (أنس) قوله: (مسيرة ستين خريفًا) المراد بالخريف ههنا العام، وقد نقل ذلك عن أنس ﵁، قال التُّورِبِشْتِي (٥): جاء في بعض طرق هذا الحديث: فقيل: يا أبا حمزة وما الخريف؟ قال: العام (٦)، وقال: كانت العرب يؤرخون أعوامهم بالخريف؛ لأنه كان أول جدادهم وقطافهم بإدراك غلاتهم، وفي الحديث: (فقراء أمتي
стр. 1898
١٥٥٣ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمِ يَعُودُ مُسْلِمًا فَيقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا شُفِيَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَضَرَ أَجَلُهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٣١٠٦، ت: ٢٠٨٠].
١٥٥٤ - [٣٢] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى وَمِنَ الأَوْجَاعِ كُلِّهَا أَنْ يَقُولُوا: "بِسْمِ اللَّهِ الْكَبِيرِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيم مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ، وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ،
ــ
يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا) (١)، وهو الزمان بين الصيف والشتاء، والمراد السنة لأنه لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى أربعون خريفًا فقد مضت أربعون سنة، وفي حديث آخر: (إن أهل النار يدعون مالكًا أربعين خريفًا) (٢)، وفي آخر: (ما بين منكبي الخازن من خزنة جهنم خريف)، أي: مسافة يقطع ما بين الخريف إلى الخريف.
١٥٥٣ - [٣١] (ابن عباس) قوله: (سبع مرات) قد جاء كثيرًا في الدعاء تكريره ثلاث مرات، وذلك أدناه، وجاء في بعض الأدعية سبع مرات أيضًا، ويحتمل أن يكون تخصيص هذا العدد في هذا المقام لدفع المرض عن أعضائه السبعة، واللَّه أعلم.
١٥٥٤ - [٣٢] (وعنه) قوله: (من شر كل عرق) بكسر المهملة وسكون الراء.
وقوله: (نعار) بفتح النون وتشديد العين المهملة، أي: الممتلئ من الدم، يقال: نعر العرق: فار منه الدم، أو صوت خروج الدم، من فتح يفتح.
стр. 1899
لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [ت: ٢٠٧٥].
١٥٥٥ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا -أَوِ اشْتكَاهُ أَخٌ لَهُ- فَلْيَقُلْ: رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاء وَالأَرْض كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الأَرْضِ،
ــ
١٥٥٥ - [٣٣] (أبو الدرداء) قوله: (من اشتكى منكم شيئا) أي: من مرض، فـ (اشتكى) من الشكاية و (شيئًا) مفعول به، وقد يجيء الشكاية بمعنى الوجع والمرض أيضًا، فيكون قوله: (شيئًا) مفعولًا مطلقًا بمعنى مرض شيئًا من المرض، والضمير في (اشتكاه) عائد إلى شيئًا.
وقوله: (ربنا) مبتدأ (اللَّه الذي في السماء) خبره، والمقصود التبري من آلهة الأرض, ولهذا حكم النبي ﷺ بإيمان امرأة سئلت أين اللَّه؟ فقالت: في السماء، وهو مُأوّل بما يُأوّل به قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤].
وقوله: (تقدس اسمك) التفات من الغيبة إلى الخطاب للتوجه والحضور في الدعاء والسؤال، وزيادة الاسم كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١٠].
وقوله: (أمرك في السماء والأرض) أمره سبحانه مشترك بين السماء والأرض غير مختص بواحد منهما، أما الأول فلقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]، وأما الثاني فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].
وقوله: (كما رحمتك في السماء) أما الرحمة فعامة في السماوات وأهلها،
стр. 1900
اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ، فَيَبْرَأُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٩٢].
١٥٥٦ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا. . . . .
ــ
ومختصة ببعض أهل الأرض دون بعض فسألها فيها، والمراد الرحمة الخاصة المختصة بالمؤمنين، وإلا فرحمته تعالى وسعت كل شيء، و (ما) في (كما رحمتك) مقحمة.
وقوله: (اغفر لنا حوبنا) بالضم والفتح: الإثم، وقيل: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغة تميم، وقد يجيء بمعنى الحزن والوحشة والجهد والوجع والهلاك والبلاء، ولو أريدت هذه المعاني أيضًا كان وجهًا، والمراد موجب حوبنا، والمراد بالخطايا هنا الذنوب التي تقع بطريق الخطأ، وقد يطلق على مطلق الذنوب.
وقوله: (أنت رب الطيبين) (١) جعله معللًا لطلب المغفرة.
وقوله: (أنزل رحمة) التنكير للتعظيم والتكثير، ويجوز أن يكون للتقليل كما ينظر إليه قوله: (من رحمتك) فإن القليل منها كثير كقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَر﴾ [التوبة: ٧٢].
وقوله: (على هذا الوجع) بفتح الجيم وكسرها.
وقوله: (فيبرأ) بالرفع بتقدير فهو يبرأ، وكان يرى في الظاهر أن يكون بالنصب جوابه. لقوله: (فليقل).
١٥٥٦ - [٣٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ينكأ لك عدوًّا) بالجزم جوابًا للأمر،
стр. 1901
أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى جِنَازَةٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٠٧].
ــ
ويجوز الرفع على تقدير فإنه ينكأ، كذا قال الطيبي (١)، وفي بعض الشروح: أن (ينكأ) في موضع الحال، وكذا (يمشي)، وإلا فالحق الجزم على الجواب للأمر، انتهى. ويفهم منه أن أصل الرواية الرفع، واللَّه أعلم، ولا يخفى أن الحمل على الاستئناف على تقدير الرفع أولى وأظهر كما في أمثاله، ويقال: نكيت في العدو أنكي نكاية، وقد يهمز: أكثرت فيهم الجراح والقتل، كذا في (النهاية) (٢)، والرواية في الحديث بالهمزة، قال النووي في (الأذكار) (٣): ينكأ بفتح أوله وهمزة في آخره، معناه: يؤلمه ويوجعه، وذكره في (القاموس) (٤) في البابين، وذكر من معناه: قشر القرحة قبل أن تبرأ، وقال في (المشارق) (٥): الهمزة لغة، والأشهر ينكي معناه: المبالغة في الأذى، يقال: نكأت الجرح مهموز: إذا جرحت موضع الجرح، وأوقعت جرحًا على جرح.
وقوله: (أو يمشي) بإثبات الياء وهو يؤيد رواية الرفع في ينكأ، ويجوز أن يكون (يمشي) مجزومًا على لغة رفع المضارع بعد الجازم، وهي لغة فصيحة وعليه قراءة: (إِنَّهُ مَن يَتَّقي وَيَصْبِرُ) بالرفع، وتخصيص نكاية العدو والمشي إلى جنازة بالذكر من بين الأفعال لمناسبة أنه لما كان مريضًا على شرف الموت، ثم برأ ذكر ما يتعلق بالموت من إماتة الأعداء والدعاء والإمداد للموتى من الإحياء، وقال الطيبي (٦): جمع
стр. 1902
١٥٥٧ - [٣٥] وَعَن عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أُمَيَّةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّه : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَذِهِ مُعَاتَبَةُ اللَّهِ العَبْدَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى وَالنَّكْبَةِ. . . . .
ــ
بين النكاية وتشييع الجنازة؛ لأن الأول كَدْحٌ في إنزال العقاب على عدو اللَّه، والثاني سَعْيٌ في إيصال الرحمة إلى ولي اللَّه.
١٥٥٧ - [٣٥] (علي بن زيد) قوله: (علي بن زيد) تابعي بصري تيمي، و (أمية) أيضًا تابعية، وقيل: صحابية.
وقوله: (فقال: هذه معاتبة اللَّه العبد. . .) الحديث، حاصله أن اللَّه تعالى أخبر بأن العباد يحاسبون على ما يضمرون في أنفسهم من خطرات الذنوب، وما يعملون منها، ويجزون على ما يعملون من سوء؛ قليل أو كثير، صغير أو كبير، فأشكل عليهم الأمر وتحيروا في أمرهم؛ لأنه لا يمكن الاجتناب عنها، فسألت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ليخرجها من ورطة الحيرة، فقال ﷺ : هذه أي المحاسبة والمجازاة المذكورتين معاتبة اللَّه العبد بما يصيب العبد من الأمراض والمصائب والحوادث والمضار، يعني أنها مؤاخذة عتاب في الدنيا لا مؤاخذة عقاب في الآخرة، والعتاب: الملامة وأن يظهر أحد على خليله من الغضب بسوء أدب ظهر منه ليصلحه ويهذبه مع أن في قلبه محبةً ولطفًا ظاهرًا أو خفيًا، فلا ينبغي أن يسوء ويحزن، بل ينبغي أن ينشط ويفرح لأنها مكفرات لذنوبه بل رفع في درجاته.
وقوله: (والنكبة) بفتح النون: المصيبة.
стр. 1903
حَتَّى الْبِضَاعَةِ يَضَعُهَا فِي يَدِ قَمِيصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا، حَتَّى إِنَّ الْعَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٩١].
ــ
وقوله: (البضاعة) بكسر الباء قطعة من المال، يبضع، أي: يقطع ويقتني للتجارة، وهو مجرور بالعطف، أو مرفوع على الابتداء، والمراد بـ (يد قميصه): الكم، كما هو العادة بوضع المال في الكم.
وقوله: (فيفزع) أي: يتغير ويخاف ويستغيث ويطلبها، ثم إنه قد وقع في (المصابيح): (متابعة اللَّه) بتقديم التاء مكان المعاتبة بتقديم العين، لا يعرف ذلك في الحديث ولا معنى له، وقد وجهه الطيبي معناه بما لا يخلو عن تكلف، فلينظر ثمة، هذا وقد وقع في بعض نسخ (المصابيح): (معاتبة) كما هو المقرر، وكأنه من إصلاح الناسخين، واللَّه أعلم.
وقوله: (كما يخرج التبر الأحمر) التبر بالكسر: الذهب والفضة، أو ما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): التبر: الذهب الخالص والفضة قبل أن يضربا دنانير ودراهم، فإذا ضربا كانا عينًا، وقد يطلق على غيرهما من المعدنيات كالنحاس والحديد مجازًا، انتهى. وقال في (الصحاح) (٣): التبر الذهب الخالص قبل أن يضرب، ويقال للفضة: تبر أيضًا عند البعض، انتهى. أقول: وتوصيف التبر في الحديث بالأحمر ينظر إلى أنه اسم للذهب خاصة إلا أن يقال: إن الفضة أيضًا يكون عند الإخراج من الكبير الأحمر، واللَّه أعلم.
رَوَاهُمَا (١) فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" [٥/ ٢٤١].
١٥٦١ - [٣٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْم شَهِيدٌ،
ــ
١٥٦١ - [٣٩] قوله: (جابر بن عتيك) بوزن كريم.
وقوله: (وصاحب ذات الجنب) وهو ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأعضاء (٢)، وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع فيحدث وجعًا، فالأول هو ذات الجنب الحقيقي الذي تكلم عليه الأطباء، قالوا: ويحدث بسببه خمسة أمراض: الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري، ويقال أيضًا لذات الجنب: وجع الخاصرة وهو من الأمراض المخوفة؛ لأنها تحدث بين القلب والكبد وهو سيئ الأسقام، كذا في (المواهب اللدنية) (٣).
وفي كتب الطب: ذات الجنب: ورم حار في نواحي الصدر في الفضلات الباطنة والحجاب الداخل، أو الحجاب الحاجز بين آلات الغذاء والات النفس، ويسمى خالصًا، وهو أعظم وأخوف أقسامه، أو في الفضلات الخارجة الظاهرة، أو في الحجاب الخارج بمشاركة الجلد، ومن أعراضه: حمى حارة والسعال وضيق النفس والوجع الناخس
стр. 1906
وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٥٥٤، د: ٣١١١, ن: ١٨٤٦].
١٥٦٢ - [٤٠] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ ثمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ،
ــ
والعطس واختلاط الذهن.
وقوله: (تموت بجمع) أي: التي تموت عند الولادة ولم يخرج ولدها، وقيل: ومن ماتت عقيب الولادة فهي في حكمها في هذا الثواب، وقيل: هي النفساء، وقيل: هي التي لم يمسها رجل، يقال: فلانة من زوجها بجمع: إذا لم يفتضَّها، والجمع بضم الجيم، وقيل: بكسرها وسكون الميم بمعنى المجموع من حمل أو بكارة؛ لأن البكارة مجموعة فيها كالولد، وفي حديث: (أيما امرأة ماتت بجمع ولم تطمث دخلت الجنة)، أراد به: البكر.
١٥٦٢ - [٤٠] (سعد) قوله: (ثم الأمثل فالأمثل) أي: الأفضل فالأفضل، كذا فسروه، والظاهر منه أن معنى لفظ (الأمثل): الأفضل، قال في (القاموس) (١): الأمثل: الأفضل، وجمعه أماثل، والْمَثَالَةُ: الفضل، وقد مَثُلَ ككرم، وما وقع في عبارة بعض الشارحين: أن الأمثل يعبر به عن الأشبه بالفضل والأقرب إلى الخير، وأماثل القوم كناية عن خيارهم، يشعر بأن إرادة الأفضل من الأمثل من جهة اعتبار معنى المماثلة، وقد قال في (القاموس) (٢) أيضًا: الطريقة المثلى: الأشبه بالحق، وأمثلهم طريقة: أعدلهم وأشبههم بأهل الحق، وأتى بثم أولًا وبالفاء ثانيًا إشعارًا بالبعد بين مرتبة الأنبياء
стр. 1907
فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ هُوِّنَ عَلَيْهِ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الأَرْض مَا لَهُ ذَنْبٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٣٩٨، جه: ٤٠٢٣، دي: ٣/ ١٨٣، ح: ٢٨٢٥].
ــ
ومن عداهم، وعدمه بين ولي وولي؛ إذ مراتب الأولياء متقاربة ليس فيها ذلك التباعد، والتنوين في (صلبًا) للتعظيم، وفي (رقة) للتقليل، وقد تفنن في العبارة حيث جعل الصلابة صفة للرجل نفسه، والرقّة صفة لدينه، إشارة إلى أن الرجل ينبغي أن يكون في ذاته صلابة، والرقة إن كانت كانت في صفته وهو الدين، ففيه من المبالغة في بيان المقصود ما لا يخفى.
وقوله: (اشتد بلاؤه) لأنه يصبر عليه، ويعرف أنه نعمة من اللَّه، وفيه ألطاف خفية منه تعالى، فيكمل إيمانه ويكفر سيآته ويرفع درجاته بذلك، وأما الذي في دينه رقة يهون عليه لئلا يخرج بالبلاء من ربقة الدين، فيؤلف قلبه بالنعم.
وقوله: (حتى يمشي على الأرض ما له ذنب) تفريع على اشتداد البلاء للرجل الصلب وبيان لحاله، قال سيدنا ومولانا الغوث الأعظم محيي الدين أبو محمد عبد القادر الجيلاني ﵀: لا يزال اللَّه يبتلي عبده المؤمن على قدر إيمانه، فمن عَظُمَ إيمانُه وكثر وتزايد عظم بلاؤه، فالرسول بلاؤه أعظم من بلاء النبي؛ لأن إيمانه أعظم، والنبي بلاؤه أعظم من بلاء البدل، وبلاء البدل أعظم من بلاء الولي، كل واحد يُبْتَلى على قدر إيمانه ويقينه، وأصل ذلك قول النبي ﷺ : (إنا معشر الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل) (١)، فيديم اللَّه تعالى [البلاء] لهؤلاء السادة الكرام حتى يكونوا [أبدًا] في
стр. 1908
١٥٦٣ - [٤١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٩٧٩، ن: ١٨٣].
١٥٦٤ - [٤٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْمَوْتِ. . . . .
ــ
الحضرة، ولا يغفلوا عن اليقظة؛ لأنه يحبهم، فهم أهل المحبة، ومحبوبو الحق ، والمحب أبدًا لا يختار بُعْدَ محبوبه، فالبلاء خُطَّاف لقلوبهم، وقيد لنفوسهم، يمنعهم عن الميل [إلى غير مطلوبهم] والسكون والارتكان إلى غير خالقهم، وإذا دام ذلك في حقهم ذابت أهويتهم، وانكسرت نفوسهم، وتميز الحق من الباطل، فَتزْوي الشهوات والإرادات والميل إلى اللذات والراحات بأجمعها دنيا وأخرى إلى ما يلي النفس، ويصير السكون إلى وعد الحق ، والرضاء بقضائه، والقناعة بعطائه، والصبر على بلائه، والأمن شر خلقه إلى ما يلي القلب، فتقوى شوكة القلب، فتصير الولاية على الجوارح إليه؛ لأن البلاء يقوي القلب واليقين، ويحقِّقُ الإيمان والصبر، ويضعِّفُ النفس والهوى؛ لأنه كلما وصل الألم ووجد من المؤمن الصبر والرضاء والتسليم لفعل الرب ، ﵁ وشكره فجاءه المدد والزيادة والتوفيق، انتهى كلامه الأقدس (١).
١٥٦٣ - [٤١] (عائشة) قوله: (بهون موت) الهون: السهولة والخفة، في (القاموس) (٢): هان هونًا: سهل، وهوَّنه اللَّه: سهَّله وخفَّفه.
١٥٦٤ - [٤٢] (عائشة) قوله: (وهو بالموت) الباء للملابسة، أو بمعنى (في) أي: في حالة الموت.
стр. 1909
وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى مُنْكَرَاتِ الْمَوْتِ أَوْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٧٨، جه: ١٦٢٣].
ــ
وقوله: (على منكرات الموت) جمع منكرة، بتقدير موصوف مؤنث كالخصلة والصفة، والمنكر: الأمر الشديد، يقال: نكر الأمر بضم الثاني، أي: اشتد، كذا في (الصحاح) (١).
وقوله: (أو سكرات الموت) (أو) للشك من الراوي، وسكرة الموت: شدته وهمه وغشيه، وسكَّره تسكيرًا: خنقه، وقوله تعالى: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥] أي: حبست عن النظر وحيرت وغطيت وغشيت، ولقد أبرز بعض العارفين من العلماء المتأخرين في سبب سكرات الموت له ﷺ وجوهًا:
منها: أن مزاجه الشريف كان أعدل الأمزجة، فكان إحساسه بما يؤلم أكثر ووجدانه لآثاره أكبر، ومن ثم قال: (إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم)، وبمثل هذا يأوَّل قوله: (ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت).
ومنها: أن تشبث الروح بجسده كان قويًا وتعشقها به كان أوفى، فكان تألمه بمفارقته أكثر.
ومنها: أن في ذلك تسليةً للأمة، فإنهم لما رأوا طريق نقل روحه على هذه الصورة يسهل على كل أحد حال نفسه على ذلك.
ومنها: أن حقيقته الشريفة كانت جامعة بجميع الأكوان، ففراق روحه لجسده الشريف كأنه فراق كل روح لكل جسد، وكل حياة لكل حي.
стр. 1910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أنه ﷺ تحمل شدة أعباء هذا الأمر وقوة هذا الأمر من الأمة كما جاء في القرآن المجيد: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] خصوصًا على قراءة الوقف على ﴿عَزِيزٌ﴾، وجعل ﴿عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ خبرأ ومبتدأ.
ومنها: أنه ﷺ كان متوليًا مفوضًا إليه أمور المملكة الإلهية، وأي مملكة كان فيها وأي دائرة واسعة كان متوليًا عليها، ومن العادة المستمرة لمن فوض الملك أمر مملكته إليه واستحفظه عليها واستخلفه فيها، ثم أراد نقله عنها ورجوعه إليه يستعد لما يسأل عنه من أمورها ليكون على أهبة لما يطلب منه. وكان سيدي الشيخ عبد الوهاب ينقل من شيخه علي المتقي -رحم اللَّه عليهما- أنه كان يقول وقت وفاته: إذا رأيتم مِنّا شدة سكرات الموت فلا تحزنوا فإن ذلك من لازم منصب القطبية.
ومنها: وهو الوجه الوجيه وحقيقة الأمر -إن شاء اللَّه تعالى-: أتحف إليه في ذلك الوقت تنزلات أحدية، وتجليات صمدية، وأسرار كانت مستكنة في غيابة قدس الذات، ومشاهدة كانت مترفعة بالأسماء والصفات، ولقد كان ﷺ يجد من الثقل والشدة في زمان الوحي ما يجد، فهذا آخر ذلك الأوقات وأتمها وأكملها، فموته الذي هو الحياة الأبدية بالإفاضات الإلهية له سكرات مشاهدات تبرز لأجل ضرورة ضيق نطاق الجثمان عن محض عالم العيان بصورة سكرات مجاهدات.
ومنها: إحساسه ﷺ باللقاء الخاص على ما عنده من مزيد الخشية وعظيم الهيبة ووافر الإجلال مناسب معرفته وحاله في العبودية في حضرات قربه، كما قال: (إني أعرفكم باللَّه أخوفكم منه)، فلذلك ظهر عليه ما ظهر.
ومنها: استطارة الشوق إلى ذلك اللقاء الروحي الحامل على الإسراع لذلك، حتى كأنه يريد أن يخرج روحه ويدرجها بسرعة في غيب ذلك القرب الخاص، فينشأ
стр. 1911
١٥٦٥ - [٤٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٩٦].
ــ
ذلك بقهر عالم الطبيعة وضغطه حضيض مزاج البشرية ما يقوى به الانفعال ويظهر به سلطان ذلك الحال.
ومنها: تعلق أهل هذا العالم به ﷺ ممن له نصاب إلى حضرة العلمية، فتمثل صور هذه التعلقات في مرآته التي لا أسطع وأصفى منها، فظهر من ذلك قلق والتفات فحصل ما حصل.
ومنها: أن اللَّه تعالى أجرى رسوله على أوصاف العبودية التي هي أشرف الأوصاف وأجل محامد الإنصاف، وذلك كمال خاص له ﷺ ، ومقتضى مزاج العبودية منازلة المكاره ومعاناة الشدائد، ولهذا قال عند موت ولده إبراهيم: (العين تدمع والقلب يحزن وأنا على فراقك لمحزونون يا إبراهيم)، واللَّه أعلم.
١٥٦٥ - [٤٣] (أنس) قوله: (أمسك عنه) أي: العقوبة.
وقوله: (بذنبه) حال عن الضمير في (عنه) أي: متلبسًا بذنبه ومصاحبًا به غير مفارق إياه، وقال الطيبي (١): أي أمسك عنه ما يستحقه بسبب ذنبه من العقوبة ولا يخفى بعده.
وقوله: (حتى يوافيه به) أي: يوافي اللَّه العبد بالذنب، أي: يؤاخذه ويعذبه مستوفى، يقال: أوفى فلانًا حقَّه، أي: أعطاه وافيًا.
стр. 1912
١٥٦٦ - [٤٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ عُظْمَ الْجَزَاءِ مَعَ عُظْم الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّه إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٩٦، جه: ٤٠٣١].
١٥٦٧ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى مَالِكٌ نَحْوَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح. [ت: ٢٣٩٩، ط: ٥٥٨].
١٥٦٨ - [٤٦] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
١٥٦٦ - [٤٤] (وعنه) قوله: (أن عظم الجزاء) بضم العين سكون الظاء (١): اسم من التعظيم.
وقوله: (إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم) ترك ذكر أحد الفريقين اكتفاء بفهمه عن التفصيل، تقدير الكلام: إذا أحب قومًا وأبغض قومًا ابتلاهم جميعًا، فمن رضي. . . إلخ.
١٥٦٧ - [٤٥] (أبو هريرة) قوله: (في نفسه) أي: أحد المذكورين.
وقوله: (وما عليه من خطيئة) جملة حالية.
١٥٦٨ - [٤٦] (محمد بن خالد السلمي) قوله: (عن جده) قال في (جامع الأصول) (٢): لجده صحبة، حديثه في فضل ثواب المرض أخرجه أبو داود.
стр. 1913
"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبَلِّغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٧٢، د: ٣٠٩٠].
١٥٦٩ - [٤٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِخِّيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُثِّلَ ابْنُ آدَمَ وَإِلَى جَنْبِهِ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ مَنِيَّةً، إِنْ أَخْطَأَتْهُ الْمَنَايَا وَقَعَ فِي الْهَرَمِ حَتَّى يَمُوتَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [ت: ٢١٥٠].
ــ
وقوله: (لم يبلغها) صفة (منزلة)، و (صبَّره) بالتشديد، أي: حمله على الصبر ورزقه الصبر، أي: قدر اللَّه تعالى لعبد منزلةً ودرجةً رفيعةً، ولم يقدر ذلك العبد أن يبلغ تلك المنزلة بالعمل الصالح أصابه اللَّه ببلاء، ورزقه صبرًا على ذلك البلاء، حتى يبلغ تلك المنزلة من ثواب ذلك البلاء. قال الشيخ الإِمام أبو عبد اللَّه محمد بن علي الحكيم الترمذي: ولقد مرضت في سالف أيامي مرضةً، فلما شفاني اللَّه تعالى منها مثلت في نفسي ما دبر اللَّه لي من هذه العلة في مقدار هذه المدة وبين عبادة الثقلين في قدر أيام علتي، فقلت: لو خيرت بين هذه العلة وبين أن يكون لي عبادة الثقلين في مقدار مدتها إلى أيهما أميل اختيارًا، فصح عزمي ودام يقيني ووقعت بصيرتي أن مختار اللَّه تعالى أكثر شرفًا وأعظم أجرًا وأنفع عاقبةً، وهي العلة التي دبَّرها لي ولا شوب فيه.
١٥٦٩ - [٤٧] (عبد اللَّه بن شخير) قوله: (مثل) بتشديد المثلثة بلفظ المجهول، أي: صور وخلق.
وقوله: (تسع وتسعون منية) يعني أن الإنسان مشمول بالبلايا والمصائب لا تعد ولا تحصى، لا محيص له عنها، وإن خلص منها نادرًا أدركه.
وقوله: (الهرم) وهو أقصى الكبير وأشدُّه، وهو داء لا دواء له، والمنية: الموت
стр. 1914
١٥٧٠ - [٤٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٠٢].
١٥٧١ - [٤٩] وَعَنْ عَامرٍ الرَّامِ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَسْقَامَ فَقَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقْمُ ثمَّ أَعْفَاهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَانَ كفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ. وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثمَّ أُعْفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ،
ــ
كالمنا (١)، والمراد به البلاء، سمي بها لكونه سببًا ومقدمةً لها، وأصل التمنية الابتلاء والتقدير، يقال: منَّاه اللَّه تمنيةً: قدره وابتلاه واختبره، والموت مقدر، والإنسان مبتلى به بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
١٥٧٠ - [٤٨] (جابر) قوله: (يود) الود يجيء بمعنى المحبة والتمني، وهما متلازمان، ومفعول (يودّ) محذوف، أي: كونهم مبتلين في الدنيا أشدّ البلاء بقرينة قوله: (لو أن جلودهم. . . إلخ)، أي: قائلين أو متمنين، و (لو) للتمني، ويجوز أن تكون للشرط والجزاء محذوف، ويفهم منه أيضًا معنى التمني، فافهم.
١٥٧١ - [٤٩] قوله: (وعن عامر الرام) صحابي، ويقال: ابن الرام، والأول أشهر، و (الرام) مخفف الرامي.
وقوله: (ثم أعفي) بمعنى عُوفي، يقال: عافاه اللَّه من المكروه معافاة وعافية:
стр. 1915
فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ لِمَ أَرْسَلُوه". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَمَا الأَسْقَامُ؟ وَاللَّهِ مَا مَرِضْتُ قَطُّ، فَقَالَ: "قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٣٠٨٩].
١٥٧٢ - [٥٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ بِنَفْسِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٨٧، جه: ١٤٣٨].
ــ
وهب له العافية من العلل، وكذا أعفاه اللَّه، والعافية: دفاع اللَّه عن العبد ما يكرهه.
وقوله: (فلم يدر) أي: البعير، يعني كان ينبغي أن يعلم ويتنبه بأن مرضه بسبب ما ارتكبه من الذنوب فينتهي عنها.
وقوله: (فلست منا) في شرح الشيخ: الظاهر أنه كان منافقًا (١).
١٥٧٢ - [٥٠] (أبو سعيد) قوله: (فنفسوا له) التنفيس: التفريج، أي: فرِّجوا له وأذهبوا كربه فيما يتعلق بأجله، بأن تدعوا له بطول العمر وذهاب المرض، وأن تقولوا: لا بأس ولا تخف، سيشفيك اللَّه، وليس مرضك صعبًا، وما أشبه ذلك، فإنه وإن لم يردّ شيئًا من الموت المقدر، ولا يطول عمره، لكن يطيب نفسه وبفرحه، ويصير ذلك سببًا لانتعاش طبيعته وتقويتها فيضعف المرض.
وقوله: (ويطيب بنفسه) الباء زائدة في الفاعل نحو كفى باللَّه، أو للتعدية، وفي
стр. 1916
١٥٧٣ - [٥١] وَعَن سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ لَمْ يُعَذَّبْ فِي قَبْرِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٤/ ٢٦٢، ت: ١٠٦٤].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٥٧٤ - [٥٢] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: "أَسْلِمْ". فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِم. فَأَسْلَمَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٥٦].
ــ
بعض النسخ: (ويطيب نفسه) من التطييب و (نفسه) مفعول.
١٥٧٣ - [٥٢] قوله: (عن سليمان بن صرد) بضم الصاد المهملة وفتح الراء.
وقوله: (من قتله بطنه) قد عرف معناه في قوله: (المبطون شهيد).
الفصل الثالث
١٥٧٤ - [٥٢] (أنس) قوله: (كان غلام يهودي) قال في (فتح الباري) (١): لم أقف في شيء من الطرف الموصولة على اسمه، وقيل: اسمه عبد القدوس.
وقوله: (يخدم) فيه جواز استخدام المشرك.
وقوله: (يعوده) فيه عيادة المشرك إذا مرض؛ أي: إن كان فيه رجاء إسلام أو قرابة أو جوار.
وقوله: (أطع أبا القاسم) كان اليهود يدعون رسول اللَّه ﷺ بأبي القاسم تحرزًا
стр. 1917
١٥٧٥ - [٥٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ عَادَ مَرِيضًا نادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٤٤٣].
١٥٧٦ - [٥٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّه بَارِئًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٦٦].
١٥٧٧ - [٥٥] وَعَنْ عَطَاءَ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاس: أَلا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: . . . . .
ــ
عن تسميته باسم محمد ليلزم عليهم متابعته بحكم التوراة، كذا قيل.
١٥٧٥ - [٥٣] (أبو هريرة) قوله: (طبت وطاب ممشاك) أي: طاب حالك وكثر ثواب مشيك إلى هذه العبادة.
وقوله: (وتبوأت من الجنة منزلًا) أي: ثبت وتحقق دخولك الجنة بسببها، ويجوز أن يكون دعاء بطيب العيش في الدنيا والآخرة.
١٥٧٦ - [٥٤] (ابن عباس) قوله: (بارئًا) من البُرء بمعنى الصحة، وفي بعض الشروح: من برأ: إذا أفاق، وكأنه أخذ هذا المعنى من خصوصية المقام، وفيه استحباب القول: برأ المريض وطيب حاله إذا سئل عنه.
١٥٧٧ - [٥٥] (عطاء بن أبي رباح) قوله: (امرأة) في بعض الروايات: أن اسمها سُعَيْرة بمهملتين مصغرًا، وفي بعضها: بقاف بدل العين، وفي الأخرى: بالكاف، وفي
стр. 1918
يَا رسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُصْرَعُ (١) وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّه لِي. فَقَالَ: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكَ" فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّه أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٥٢، م: ٢٥٧٦].
١٥٧٨ - [٥٦] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَجَلٌ: هَنِيئًا لَهُ مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَيْحَكَ وَمَا يُدْرِيكَ (٢)، لَوْ أَنَّ اللَّه ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ. . . . .
ــ
رواية: أنها ماشطة خديجة ﵂، كذا في (فتح الباري) (٣).
وقوله: (أتكشف) وهو بمثناة وتشديد المعجمة من الكشف، وبالنون الساكنة مخففًا من الانكشاف، أي: أَتَعَرَّى وتنكشف عورتي وأنا لا أشعر، وفي الحديث دليل على جواز ترك التداوي والتوكل على اللَّه وأنه ليس بفرض.
١٥٧٨ - [٥٦] (يحيى بن سعيد) قوله: (جاءه الموت) أي: من غير مرض وشدة.
وقوله: (لو أن اللَّه ابتلاه) (لو) للتمني أو للشرط.
١٥٨١ - [٥٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ الرَّحْمَةَ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسَ فِيهَا". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. [ط: ١٦٩٤، حم: ٣/ ٣٠٤].
١٥٨٢ - [٦٠] وَعَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى، فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ, فَلْيَسْتَنْقعْ فِي نهرٍ جَارٍ،
ــ
١٥٨١ - [٥٩] (جابر) قوله: (من عاد) أي: خرج للعيادة ومشى في طريقها.
وقوله: (يخوض الرحمة) فيه استعارة بالكناية.
١٥٨٢ - [٦٠] (ثوبان) قوله: (فليطفئها عنه بالماء) جواب (إذا).
وقوله: (فإن الحمى قطعة من النار) معترضة، قالوا: هذا خاص ببعض الأنواع الحادثة من الحرارة التي يعتادها أهل الحجاز (١)، ولما كان بيانه ﷺ لبيان علاج الأمراض تبعًا وتطفلًا لم يستقص في تعميم أنواعها، واقتصر على بيان علاج ما هو أعم، وأغلب وقوعها، واللَّه أعلم، وسيأتي تحقيقه في (كتاب الطب والرقى) في شرح قوله ﷺ : (الحمى من فيح جهنم فأبردوها)، وكان على المؤلف أن يذكر هذا الحديث في ذلك الكتاب إذ ليس فيه ذكر عيادة المريض وثواب المرض.
وقوله: (فليستنقع) بيان للإطفاء، والاستنقاع: الوقوع في الماء، أنقعت الدواء: ألقيته في الماء.
стр. 1921
-وَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ، فَيَقُولُ: بِسْم اللَّهِ، اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ وَصَدِّقْ رَسُولَكَ- بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلْيَغْمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمْسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ في خَمْسٍ فَسَبعٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأَ في سَبْع فَتِسْعٌ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٨٤].
١٥٨٣ - [٦١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ذُكِرَتِ الْحُمَّى عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَبَّهَا رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَسُبَّهَا فَإِنَّهَا تُنْقِي الذُّنُوبَ. . . . .
ــ
وقوله: (وليستقبل جريته) بفتح الجيم وكسرها، أي: جريان النهر.
وقوله: (وصدق) بلفظ الأمر من التصديق، أي: اجعل رسولك صادقًا في نفع هذا العلاج بأن تشفيني.
وقوله: (بعد صلاة الصبح) ظرف لقوله: (فليستنقع).
وقوله: (لينغمس) في نسخة: و (ليغمس) توضيح لقوله: (فليستنقع).
وقوله: (ثلاث غمسات) بفتح الغين والميم، ويحتمل أن تكون الغمسات الثلاث في كل يوم، أو في الأيام الثلاثة كل يوم غمسة وهو الظاهر.
وقوله: (هذا حديث غريب) وقيل: في سنده سعيد بن زرعة وهو مختلف فيه، وقال الترمذي (١): يحتمل أن يكون هذا لبعض أنواع الحميات في بعض الأماكن لبعض الأشخاص، أو يكون خطابه خطابًا عامًا، وذلك في فصل الصيف في البلاد الحارة كما ذكرنا.
١٥٨٣ - [٦١] (أبو هريرة) قوله: (فإنها تنقي الذنوب) وهي بهذا الوجه توجب
стр. 1922
كَمَا تُنْقِي (١) النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٤٦٩].
١٥٨٤ - [٦٢] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ مَرِيضًا فَقَالَ: "أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُولُ: هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا لِتَكَوُنَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ والْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَان". [حم: ٢/ ٤٤٠، جه: ٣٤٧٠، شعب: ٧/ ١٦١، ح: ٩٨٤٤].
١٥٨٥ - [٦٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّبَّ يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أُخْرِجُ أَحَدًا مِنَ الدُّنْيَا أُرِيد أَغْفِر لَهُ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ كُلَّ خَطِيئَةٍ في عُنُقِهِ بِسَقَمٍ فِي بَدَنِهِ وَإِقْتَارٍ فِي رِزْقِهِ". رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
الشكر لا السخط، قالوا: الوظيفة في البلايا الشكر كما في العطايا؛ لكونها متضمنة للألطاف الخفية والنعم الباطنة، إلا أن في ذلك صعوبةً فلا أقل من أن يكون صابرًا.
١٥٨٤ - [٦٢] (أبو هريرة) قوله: (عاد مريضًا) أي: محمومًا.
وقوله: (لتكون حظه من النار) أي: نصيبه منها، أي تكون عوضًا منها.
١٥٨٥ - [٦٣] (أنس) قوله: (أريد) حال من فاعل (لا أخرج) أو صفة لمفعوله.
وقوله: (أغفر له) أي: أن أغفر.
وقوله: (كل خطيئة) أي: جزاءه.
وقوله: (بسقم) أي: بسببه، بضم وسكون وبفتحتين (والإقتار): التضييق.
стр. 1923
١٥٨٦ - [٦٤] وَعَن شَقِيق قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَعُدْنَاهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي فَعُوتِبَ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَبْكِي لِأَجْلِ الْمَرَضِ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْمَرَضُ كَفَّارَةٌ" وَإِنَّمَا أبْكِي أَنه أَصَابَنِي عَلَى حَالِ فَتْرَةٍ وَلَمْ يُصِبْنِي فِي حَال اجْتِهَادٍ، لأَنَّهُ يُكْتَبُ للْعَبدِ مِنَ الأَجْرِ إِذَا مَرِضَ مَا كَانَ يُكْتَبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْرَضَ فَمَنَعَهُ مِنْهُ الْمَرَضُ. رَوَاهُ رَزِينٌ.
١٥٨٧ - [٦٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَعُودُ مَرِيضًا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِي فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [جه: ١٤٣٧، شعب: ٦/ ٥٤٢، خ: ٩٢١٦].
ــ
١٥٨٦ - [٦٤] (شقيق) قوله: (على حال فترة) أي: فتور وضعف في الجسم لا أقدر على عمل كثير.
قوله: (لأنه يكتب للعبد من الأجر. . . إلخ)، فإن قلت: إذا كُتِبَ له في المرض ما كان يعمل في الصحة فما الفضيلة في تمني المرض في حال القوة وكثرة العمل؟ قلت: لأنه يتمنى ويُحبّ كتابةَ العمل وإثباتَه من غير تعب في العمل، فلو كان المرض في زمان كثرة العمل كتب عمل كثير من غير تعب في العمل، أو لأن العمل الذي يكتب في المرض خال عن شائبة رياء وسمعة وعجب، فليفهم.
١٥٨٧ - [٦٥] (أنس) قوله: (لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث) حكم الذهبي وغيره بأن هذا الحديث موضوع، فالسنة عندهم العيادة من أول المرض لا بعد مُضِّي ثلاثة أيام، كذا في شرح الشيخ، وقال الجمهور: العيادة لا تتقيد بزمان، لإطلاق الأمر به، وقالوا: هذا الحديث ضعيف جدًّا، تفرد به مسلمة بن علي وهو متروك، وقال أبو حاتم: هو حديث باطل، وقد وُجد له شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ عند الطبراني،
стр. 1924
١٥٨٨ - [٦٦] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مَرِيضٍ فَمُرْهُ يَدْعُو لَكَ، فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٤٤].
١٥٨٩ - [٦٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ تَخْفِيفُ الْجُلُوسِ وَقِلَّةُ الصَّخَبِ فِي الْعِيَادَةِ عِنْدَ الْمَرِيضِ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . . .
ــ
وفيه أيضًا راوٍ متروك (١)، وقال في (إحياء العلوم) (٢): لا يُعاد المريض إلا بعد ثلاثة أيام لهذا الحديث، وقال: في الاستعجال توهم شماتة، وفيه ما فيه.
١٥٨٨ - [٦٦] (عمر بن الخطاب ﵁) قوله: (فإن دعاءه كدعاء الملائكة) رواه ابن السني أيضًا بإسناد صحيح أو حسن عن ميمونة بن مهران عن عمر ﵁، لكن ابن مهران لم يدرك عمر ﵁، كذا في (الأذكار) (٣).
١٥٨٩ - [٦٧] (ابن عباس) قوله: (وقلة الصخب) في (القاموس) (٤): الصَّخَبُ محركة: شدة الصوت، صَخِبَ كفرح، واصْطِخَابُ الطير: اختلاط أصواتها، وضبطت في النسخ بالتحريك والتسكين، وجعل في (النهاية) (٥): السخب بالسين والصاد بمعنى الصياح واضطراب الأصوات للاختصام.
стр. 1925
لَمَّا كَثُرَ لَغَطُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ: "قُومُوا عَنِّي". رَوَاهُ رَزِينٌ.
١٥٩٠ - [٦٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعِيَادَةُ فُوَاقَ ناقَةٍ".
١٥٩١ - [٦٩] وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا: "أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ سُرْعَةُ الْقِيَامِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإيمَان". [شعب: ٦/ ٥٤٢، ح: ٩٢١٦].
١٥٩٢ - [٧٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَادَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: "مَا تَشْتَهِيْ؟ " قَالَ: أَشْتَهِي خُبْزَ بُرٍّ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزُ بُرٍّ فَلْيَبْعَثْ إِلَى أَخِيهِ". ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا اشْتَهَى مَرِيضُ أَحَدِكُمْ شَيْئًا فَلْيُطْعِمْهُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٤٤٠].
ــ
وقوله: (لما كثر لغطهم) اللَّغْطُ ويُحرَّكُ: الصوت، أو أصوات مبهمة لا تُفْهَمُ، وسيجيء تفصيل هذا الحديث وتحقيقه في (باب وفاة النبي ﷺ ).
١٥٩٠، ١٥٩١ - [٦٨، ٦٩] (أنس، وسعيد بن المسيب) قوله: (فواق ناقة) الفواق بضم الفاء: ما بين الحَلْبَتَيْن من الوقت، ويفتح (١).
١٥٩٢ - [٧٠] (ابن عباس) قوله: (إذا اشتهى مريض أحدكم) أي: اشتهاءً صادقًا فإنه علامة الصحة، وقد لا يضر ببعض المرضى الأكلُ مما يشتهي إذا كان قليلًا، ويقوي الطبيعة ويفضي إلى الصحة، ولكن فيما لا يكون ضرره غالبًا، وبالجملة ليس هذا حكمًا
стр. 1926
١٥٩٣ - [٧١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلدِهِ". قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ". . . . .
ــ
كليًّا بل جزئيًّا.
وقال الطيبي (١): مبني على التوكل، أو على اليأس من حياته، وقد جاء في الحديث: (لا تُكْرِهوا مرضاكم على الطعام والشراب؛ فإن اللَّه يطعمهم ويسقيهم) (٢)، والحكمة فيه ظاهرة؛ لأن طبيعة المريض مشغول بإنضاج مادته وإخراجه، ولو أُكْرِهَ على الطعام والشراب تكل الطبيعة عن فعلها، ويشغل بهضمها، وتبقى المادة فجًّا ولا تنضج، ويتقوى المرض، فلا يتقوت المريض إلا بشيء لطيف من الأشربة والأغذية تتقوى به الطبيعة، ولا يستعمل بهضمها كالأشربة اللطيفة وأمراق الفراريج، يعني إن لم يكن مضرة ومنافية لمرضه وبإنعاش القوة بالروائح العطرة المفرحة.
١٥٩٣ - [٧١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (قيس له) أي: قدر له إلى منقطع أثره، أي موضع انقطع فيه سفره وانتهى إليه، فمات فيه، فالمراد أثر الأقدام، وقال الطيبي (٣): المراد بالأثر الأجل، سمي أثرًا لأنه يتبع العمر، وأصله أيضًا من أثر الأقدام، فإن مات لا يبقى لأقدامه أثر، فافهم.
وقوله: (في الجنة) متعلق (بقيس) وظاهر العبارة أنه يعطى له في الجنة مكان هذا
стр. 1927
رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ١٨٣٢، جه: ١٦١٤].
١٥٩٤ - [٧٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَوْتُ غُرْبَةٍ شَهَادَةٌ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٦١٣].
١٥٩٥ - [٧٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا،
ــ
المقدار، وهذا ليس بمراد، فإن هذا المقدار من المكان لا اعتبار به في جنب سعة الجنة، إلا أن يقال: المراد ثواب عمل عمله في مثل هذه المسافة، لا يختص بعمله في مولده، وقال الطيبي (١): المراد أنه يفسح له في قبره مقدار ما بين قبره وبين مولده، ويفتح له باب إلى الجنة، فتأمل.
١٥٩٤ - [٧٢] (ابن عباس) قوله: (موت غربة شهادة) وقال أهل التحقيق: الغربة غربتان: غربة بالجسم وغربة بالقلب، وهو المشار إليه بقوله ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أصحاب القبور) (٢)، وهو يحصل بتحصيل الموت الإرادي وترك التعلق بما سوى اللَّه، وتفصيله في رسالة سيدي الشيخ عبد الوهاب المتقي في رسالة عملها في فضل الغربة والغرباء، فلينظر ثمة.
١٥٩٥ - [٧٣] (أبو هريرة) قوله: (من مات مريضًا) هكذا وقع في النسخ، وغيره بعضهم إلى (غريبًا)، وقيل: الصواب (مرابطًا)، كذا في (سنن ابن ماجه) في (باب ما جاء فيمن مات مرابطًا) (٣).
стр. 1928
أَوْ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَغُدِيَ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٧/ ١٧٣، ح: ٩٨٩٥].
١٥٩٦ - [٧٤] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنَ الطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُول الْمُتَوَفَّوْنَ: إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مِتْنَا، فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا إِلَى جَرَاحَتِهِمْ فَإِن أشبهت جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ، فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٤/ ١٢٨ - ١٢٩، ن: ٣١٦٤].
ــ
وقوله: (أو وقي فتنة القبر) هكذا بـ (أو) في جميع النسخ، فهي إما بمعنى الواو أو للشك أو للتنويع.
وقوله: (وغدي وريح) كلاهما بلفظ المجهول من الغدو والرواح، أي: أعطي الرزق في الجنة في الصباح والمساء، والتعدية بـ (على) بتضمين معنى الدور والإفاضة والإنزال ونحوها، والمراد الدوام، أو كناية عن التنعم كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢].
١٥٩٦ - [٧٤] (العرباض بن سارية) قوله: (وعن العرباض) بكسر العين.
وقوله: (فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم) هذا يؤيد ما ورد أن الطاعون من
стр. 1929
١٥٩٧ - [٧٥] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٣٥٢، ٣٦٠].
* * *
٢ - باب تمني الموت وذكره
ــ
طعن الجن، وقال بعض الناس: قد يجد المطعون كضرب الطعن وجراحته، ولذلك سمي طاعونًا.
١٥٩٧ - [٧٥] (جابر) قوله: (كالفار من الزحف) وهو الجيش يرجعون إلى العدو، أي: يمشون، وأصله من زحف الصبي: إذا مشى على استه.
٢ - باب تمني الموت وذكره
الْمَنَى والتَّمْنِيةُ في الأصل بمعنى التقدير، ومنه الأمنية بضم الهمزة وسكون الميم بمعنى شهوة النفس وهواه في إرادة شيء وحصوله، وإن كان محالًا، وفي الحقيقة: هو إظهار محبته من غير طمع وتوقع في الحصول، والتمني تفعل منه.
وتمني الموت مكروه إن كان من إصابة ضرر دنيوي كمرض وفقر ونحوهما؛ لأنه في معنى التبرم عن قضاء اللَّه وسخطه، وإن كان لمحبة اللَّه والشوق إلى لقائه، والخلاص من مضيق هذه الدار الفانية ومحنتها إلى تلك الآخرة ونعيمها فهو من علامة الإيمان وكماله، ومنه قول النبي ﷺ : (اخترت الرفيق الأعلى)، وقول عمار بصفين: غدًا ألقى الأحبةَ: محمدًا وحزبه (١)، وقال حذيفة حين احتضر: (جاء حبيب على ناقة لا أفلح
стр. 1930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من ندم) (١)، وقال بلال: حين قالت زوجته عند موته: واكرباه: لا بل واطرباه، وقال أبو الدرداء ﵁: أحب الموت اشتياقًا إلى ربي (٢)، وقال اللَّه سبحانه لأهل الكتاب حين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] وقال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]؛ لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها وأحبَّ التخلص إليها من هذه الدار ذات الشوائب، وكذا من زعم أنه من أهل ولاية اللَّه اشتاق إلى جوار اللَّه وقربه والانتقال من دار البلية إلى محل الكرامة، وكل محب يشتاق لقاء محبوبه، وكذا لا يكره تمني الموت لخوف إصابة ضرر في الدين لقوله ﷺ : (وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك) (٣)، وذكر الموت كناية عن الخوف والخشية من اللَّه، والعمل بمقتضاه، والتوبة والاستغفار، وتقديم ما ينفع في الدار الآخرة، وإلا فذكره بدون العمل ليس بشيء، بل ربما يورث القسوة كذكر اللَّه بالغفلة كما قال بعض العارفين في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].