١٥٩٣ - [٧١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلدِهِ". قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ". . . . .
ــ
كليًّا بل جزئيًّا.
وقال الطيبي (١): مبني على التوكل، أو على اليأس من حياته، وقد جاء في الحديث: (لا تُكْرِهوا مرضاكم على الطعام والشراب؛ فإن اللَّه يطعمهم ويسقيهم) (٢)، والحكمة فيه ظاهرة؛ لأن طبيعة المريض مشغول بإنضاج مادته وإخراجه، ولو أُكْرِهَ على الطعام والشراب تكل الطبيعة عن فعلها، ويشغل بهضمها، وتبقى المادة فجًّا ولا تنضج، ويتقوى المرض، فلا يتقوت المريض إلا بشيء لطيف من الأشربة والأغذية تتقوى به الطبيعة، ولا يستعمل بهضمها كالأشربة اللطيفة وأمراق الفراريج، يعني إن لم يكن مضرة ومنافية لمرضه وبإنعاش القوة بالروائح العطرة المفرحة.
١٥٩٣ - [٧١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (قيس له) أي: قدر له إلى منقطع أثره، أي موضع انقطع فيه سفره وانتهى إليه، فمات فيه، فالمراد أثر الأقدام، وقال الطيبي (٣): المراد بالأثر الأجل، سمي أثرًا لأنه يتبع العمر، وأصله أيضًا من أثر الأقدام، فإن مات لا يبقى لأقدامه أثر، فافهم.
وقوله: (في الجنة) متعلق (بقيس) وظاهر العبارة أنه يعطى له في الجنة مكان هذا
стр. 1927
رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ١٨٣٢، جه: ١٦١٤].
١٥٩٤ - [٧٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَوْتُ غُرْبَةٍ شَهَادَةٌ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٦١٣].
١٥٩٥ - [٧٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا،
ــ
المقدار، وهذا ليس بمراد، فإن هذا المقدار من المكان لا اعتبار به في جنب سعة الجنة، إلا أن يقال: المراد ثواب عمل عمله في مثل هذه المسافة، لا يختص بعمله في مولده، وقال الطيبي (١): المراد أنه يفسح له في قبره مقدار ما بين قبره وبين مولده، ويفتح له باب إلى الجنة، فتأمل.
١٥٩٤ - [٧٢] (ابن عباس) قوله: (موت غربة شهادة) وقال أهل التحقيق: الغربة غربتان: غربة بالجسم وغربة بالقلب، وهو المشار إليه بقوله ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أصحاب القبور) (٢)، وهو يحصل بتحصيل الموت الإرادي وترك التعلق بما سوى اللَّه، وتفصيله في رسالة سيدي الشيخ عبد الوهاب المتقي في رسالة عملها في فضل الغربة والغرباء، فلينظر ثمة.
١٥٩٥ - [٧٣] (أبو هريرة) قوله: (من مات مريضًا) هكذا وقع في النسخ، وغيره بعضهم إلى (غريبًا)، وقيل: الصواب (مرابطًا)، كذا في (سنن ابن ماجه) في (باب ما جاء فيمن مات مرابطًا) (٣).
стр. 1928
أَوْ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَغُدِيَ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٧/ ١٧٣، ح: ٩٨٩٥].
١٥٩٦ - [٧٤] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنَ الطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُول الْمُتَوَفَّوْنَ: إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مِتْنَا، فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا إِلَى جَرَاحَتِهِمْ فَإِن أشبهت جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ، فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٤/ ١٢٨ - ١٢٩، ن: ٣١٦٤].
ــ
وقوله: (أو وقي فتنة القبر) هكذا بـ (أو) في جميع النسخ، فهي إما بمعنى الواو أو للشك أو للتنويع.
وقوله: (وغدي وريح) كلاهما بلفظ المجهول من الغدو والرواح، أي: أعطي الرزق في الجنة في الصباح والمساء، والتعدية بـ (على) بتضمين معنى الدور والإفاضة والإنزال ونحوها، والمراد الدوام، أو كناية عن التنعم كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢].
١٥٩٦ - [٧٤] (العرباض بن سارية) قوله: (وعن العرباض) بكسر العين.
وقوله: (فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم) هذا يؤيد ما ورد أن الطاعون من
стр. 1929
١٥٩٧ - [٧٥] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٣٥٢، ٣٦٠].
* * *
٢ - باب تمني الموت وذكره
ــ
طعن الجن، وقال بعض الناس: قد يجد المطعون كضرب الطعن وجراحته، ولذلك سمي طاعونًا.
١٥٩٧ - [٧٥] (جابر) قوله: (كالفار من الزحف) وهو الجيش يرجعون إلى العدو، أي: يمشون، وأصله من زحف الصبي: إذا مشى على استه.
٢ - باب تمني الموت وذكره
الْمَنَى والتَّمْنِيةُ في الأصل بمعنى التقدير، ومنه الأمنية بضم الهمزة وسكون الميم بمعنى شهوة النفس وهواه في إرادة شيء وحصوله، وإن كان محالًا، وفي الحقيقة: هو إظهار محبته من غير طمع وتوقع في الحصول، والتمني تفعل منه.
وتمني الموت مكروه إن كان من إصابة ضرر دنيوي كمرض وفقر ونحوهما؛ لأنه في معنى التبرم عن قضاء اللَّه وسخطه، وإن كان لمحبة اللَّه والشوق إلى لقائه، والخلاص من مضيق هذه الدار الفانية ومحنتها إلى تلك الآخرة ونعيمها فهو من علامة الإيمان وكماله، ومنه قول النبي ﷺ : (اخترت الرفيق الأعلى)، وقول عمار بصفين: غدًا ألقى الأحبةَ: محمدًا وحزبه (١)، وقال حذيفة حين احتضر: (جاء حبيب على ناقة لا أفلح
стр. 1930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من ندم) (١)، وقال بلال: حين قالت زوجته عند موته: واكرباه: لا بل واطرباه، وقال أبو الدرداء ﵁: أحب الموت اشتياقًا إلى ربي (٢)، وقال اللَّه سبحانه لأهل الكتاب حين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] وقال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]؛ لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها وأحبَّ التخلص إليها من هذه الدار ذات الشوائب، وكذا من زعم أنه من أهل ولاية اللَّه اشتاق إلى جوار اللَّه وقربه والانتقال من دار البلية إلى محل الكرامة، وكل محب يشتاق لقاء محبوبه، وكذا لا يكره تمني الموت لخوف إصابة ضرر في الدين لقوله ﷺ : (وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك) (٣)، وذكر الموت كناية عن الخوف والخشية من اللَّه، والعمل بمقتضاه، والتوبة والاستغفار، وتقديم ما ينفع في الدار الآخرة، وإلا فذكره بدون العمل ليس بشيء، بل ربما يورث القسوة كذكر اللَّه بالغفلة كما قال بعض العارفين في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
стр. 1931
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٥٩٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا،
ــ
الفصل الأول
١٥٩٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا يتمنى أحدكم الموت) بالياء كذا ثبت في أكثر الروايات، فقيل: خبر في معنى النهي، كما يعبر عن الأمر بصيغة الخبر للمبالغة في الامتثال كما يقرر في علم المعاني، وقيل: بمعنى لا ينبغي أن يتمنى، وقيل: نهي أشبعت ألفه، ويجوز أن يكون من باب رفع المضارع في مقام الجزم كما في: لم يخشى، وفي بعض روايات البخاري: (لا يتمنينَّ) بلفظ النهي بزيادة نون التأكيد.
وقوله: (إما محسنًا) تقديره: إما يكون محسنًا وإما يكون مسيئًا، فحذف (يكون) مع اسمها وأبقي الخبر، وأكثر ما يكون ذلك بعد أن ولو، كذا ذكر الطيبي (١) عن المالكي، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وردت الرواية فيه بالرفع والنصب، وهي الرواية المعتد بها، تقديره: إما أن يكون محسنًا، أو إما في تمنيه محسن، ويفتح الألف على هذا التقدير، ولفظ الحديث محتمل للكلمتين [أعني] إما وأما، والذي أعتمد عليه (أما) بكسر الألف الذي هو في معنى المجازاة، انتهى.
اعلم أن الظاهر مما ذكروا أنه على تقدير النصب (كان) مقدرة، وأما على الكسر حرف ترديد، وقول الطيبي: (وأكثر ما يكون ذلك بعد أن ولو) إشارة إلى غير ما في الحديث نحو: إن خيرًا فخير، ويحتمل أن يكون أصله (إن ما كان) و (ما) مزيدة للتأكيد،
стр. 1932
وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٧٣].
١٥٩٩ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ. . . . .
ــ
فحذف (كان) وأدغم النون في الميم، كما يشير إليه عبارة التُّورِبِشْتِي: (إما) بكسر الألف الذي هو في معنى المجازاة فتدبر، وعلى تقدير فتح الهمزة لأن ما يكون محسنًا كما جوّزوا الوجهين في قولهم: إما منطلقًا انطلقت، و (لعل) في معنى عسى، ولهذا زيد في خبره (أن).
وقوله: (يستعتب) بلفظ المعلوم، أي: يطلب رضي اللَّه تعالى بالتوبة وردِّ المظالم وتدارك الفائت، هذا حاصل المعنى، وأما تحقيق معنى هذا اللفظ فبيانه: أن العتب والعتاب والمعتبة: الملامة، والإعتاب: إزالة العتاب، والهمزة للسلب، فيكون معناه الرضا، والعُتْبَى بالضم بمعنى الرضا، والاستعتاب قد يفسر بمعنى طلب العتبى، وقد يُجْعَل بمعنى طلب الإعتاب، فعاتبه بمعنى لامه، وأعتبه أزال عتابه وأرضاه، يقال: استعتبته فأعتبني، أي: أسترضيه فأرضاني، وقال الكرماني (١): هذا على غير القياس؛ لأن الاستفعال إنما يبني من الثلاثي لا من المزيد، فيكون معنى يستعتب: يطلب رضي اللَّه أو يطلب زوال غضبه، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]، وإن يطلبوا رضا اللَّه عنهم وإجابته إياهم فيما يدعون لا يرضون ولا يحابون فيه، وأما قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] فيجعل بمعنى لا يسترضون، أي: لا يقال لهم ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم ويرضوه لفوات أوانه، ويجيء في بادي النظر أن يكون بمعنى لا يرضون، فتدبر واللَّه أعلم.
١٥٩٩ - [٢] (وعنه) قوله: (لا يتمنى أحدكم) أيضًا بإثبات الياء، وفي بعض
стр. 1933
الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ أَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٨٢].
١٦٠٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَابُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٧١، م: ٢٦٨٠].
١٦٠١ - [٤] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ"،
ــ
نسخ (المصابيح) ههنا: (لا يتمن) كما هو الظاهر، ويؤيده ويناسبه قوله: (ولا يدع) بحذف الواو، وأما وجود الواو كما في رواية على تقدير إثبات الياء فهما بمعنى النهي.
وقوله: (إنقطع أمله) وفي بعض الروايات: (عمله) وهذا أظهر، ولكن مال المعنى على الروايتين واحد، أو المراد بالأمل ما يطمع فيه ثواب العمل، ومحل ذم الأمل ما يحمل على بطر وفتور في العمل الصالح.
١٦٠٠ - [٣] (أنس) قوله: (من ضر) بضم الضاد، أي: دنياوي.
١٦٠١ - [٤] (عبادة بن الصامت) قوله: (من أحب لقاء (١) اللَّه) المراد بلقاء اللَّه: المصير إلى الدار الآخرة، وطلب ما عند اللَّه، وعدم الركون إلى الدنيا والرضا بحياتها
стр. 1934
فَقَالَتْ عَائِشَةُ -أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ-: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ،
ــ
والاطمئنان بها, لا الموت، وإن كان قول عائشة ﵂: (إنا لنكره الموت) يوهم به، بدليل قوله: (والموت قبل لقاء اللَّه) أي: وسيلته ومقدمته؛ وإنما ذكرت عائشة ﵂ الموت لكونه معترضًا وحائلًا دون الغرض المطلوب ووسيلة إلى اللقاء فيجب أن يصبر عليه، ويحمل مشاقه، كذا ذكر صاحب (النهاية) (١)، وقد أصاب.
وأما قوله: ليس الغرض به الموت لأن كلًا يكرهه، ففيه أن ذلك كراهة جبلة، والمراد الحب الذي يقتضيه الإيمان باللَّه والثقة بوعده دون ما يقتضيه حكم الجبلة، كما يدل عليه جوابه ﷺ لعائشة ﵂، ولو حمل لقاء اللَّه على ما يعم ما يشاهد عند الموت وما بعده إلى الآخرة لكان وجهًا أيضًا، فافهم.
ومما ينبغي أن يعلم أن المراد بـ (لقاء اللَّه) هو التلاقي والرجوع إلى حضرة عظمته ومشاهدة ما عنده الذي يعبر عنه بالملاقاة، وبالفارسية: بيش آمدن بيك ديكَر، وليس معنى اللقاء الرؤية ولا مستلزمًا لها, ولهذا عدل بعض المحدثين في تعريف الصحابة لمن رأى النبي ﷺ إلى من لقيه؛ ليشمل العميان من الصحابة، وبهذا يفسر اللقاء في القرآن، وأيضًا لم يثبتوا جواز رؤيته سبحانه بهذه الآيات بل بالخبر المشهور، وبقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وأمثال ذلك، ولو كان معنى اللقاء الرؤية لضاق على المعتزلة المعورة إنكارها؛ لكون الآيات الناطقة بذلك نصوصًا لا تقبل التأويل وإن لم يكن ذلك من مكابراتهم وضلالاتهم بعيدًا.
هذا، وقد قال في (الصراح) (٢): لقاء بالكسر ديدار كردن، وقد فسر بعض الشارحين ما وقع في الدعاء المأثور من قوله: (ولقاؤك حق) بعد تفسيره بالمصير إلى
стр. 1935
قَالَ: "لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حَضَرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْء أَكُرَهُ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٠٧، م: ٢٦٨٣].
١٦٠٢ - [٥] وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ: "وَالْمَوْتَ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [م: ٢٦٨٤].
١٦٠٣ - [٦] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجنَازَةٍ فَقَالَ: "مُسْتَرِيحٌ أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: "الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا. . . . .
ــ
الآخرة بالرؤية في الآخرة، واللَّه أعلم.
وقوله: (ليس ذلك) أي: ليس الأمر كما فهمته من أن المراد باللقاء الموت، بل المراد محبة ما يترتب على الموت ويشاهد عنده، أو ليس المراد بذلك تمني الموت ومحبته في الحال، بل عند مشاهدة ما يبشّر عنده، أو ليس المراد محبة الموت بحكم الجبلة بل بحكم الإيمان بما يبشر به من رضوان اللَّه وكرامته.
١٦٠٢ - [٥] (عائشة) قوله: (وفي رواية عائشة: والموت قبل لقاء اللَّه) وهو مذكور في روايتها كما في (المصابيح) بعد قوله: (من كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه).
١٦٠٣ - [٦] (أبو قتادة) قوله: (مر عليه) بلفظ الماضي المجهول من المرور لتعديته بالباء في قوله: (بجنازة).
وقوله: (مستريح أو مستراح منه) (أو) للتنويع، ويقال: استراح واستروح: وجد الراحة وهو لازم، وإنما بُنِيَ للمفعول لتعديته بحرف الجر.
стр. 1936
وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥١٢، م: ٩٥٠].
١٦٠٤ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ". وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَياتِكَ لِمَوْتِكَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٦].
١٦٠٥ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدَكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٧].
ــ
وقوله: (إلى رحمة اللَّه) أي: ذاهبًا إليها.
وقوله: (والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) لأن بوجود الفجور والظلم يحصل الفساد في العالم والإخلال في أركانه، وأن الفاجر يبغضه اللَّه فيتأذى به الأرض ومن فيها؛ ولأنه تُحْبَس بشؤم ذنبه الأمطار، فبموته يمطرون وتحى الأرض ومن عليها وما عليها.
١٦٠٤ - [٧] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (أو عابر سبيل) قالوا: (أو) ههنا بمعنى بل، وفيه مبالغة، إذ الغريب قد يسكن في بلاد الغربة ويقيم بها، وزاد في رواية: (وعُدَّ نفسك من أصحاب القبور).
وقوله: (وخذ من صحتك لمرضك) أي: خذ زادًا من وقت صحتك لوقت مرضك، أي: اغتنم صحتك واغتنم العمل فيها، وكذا معنى قوله: (من حياتك لموتك).
١٦٠٥ - [٨] (جابر) قوله: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللَّه) حثّ
стр. 1937
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٦٠٦ - [٩] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ شِئْتُم أَنْبَأْتُكُمْ مَا أَوَّلُ مَا يَقُولُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ لَهُ؟ " قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَقُول للْمُؤْمِنين: هَل أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا، فَيَقُولُ: لِمَ؟ . . . . .
ــ
على تحسين الظن باللَّه في حالة الموت اعتمادًا على فضله وكرمه، قالوا: من علامة السعادة أن يكون الغالب في مدة الحياة الخوف، فإذا حان الموت يغلب الرجاء، وقال الطيبي (١): المراد الأمر بتحسين العمل، أي: أحسنوا أعمالكم الآن حتى يحسن باللَّه ظنكم عند الموت، قال: من ساء عمله قبل الموت يسوء ظنه عنده، انتهى. وقالوا: حقيقة الرجاء أن يحسن العمل ويرجو من اللَّه قبوله، وأما الرجاء الكاذب الذي يفتر صاحبه عن العمل ويجترئ به على الذنوب والمعاصي، فليس برجاء لكنه أمنية واغترار باللَّه تعالى، وقد ذمَّ اللَّه سبحانه قومًا ظنوا مثل هذا وأصرُّوا على حبِّ الدنيا والرضاء بها، وتمنوا المغفرة على ذلك، فقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وقال الحسن ﵁: يقول أحدهم: أحسن الظن بربي، وهو يكذب، لو أحسن الظن به أحسن العمل، وكتب عمر بن منصور إلى بعض إخوانه: أما بعد, فإنك قد أصبحت تأمل بطول عمرك، وتتمنى على اللَّه الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديدًا باردًا.
الْفَصْل الثَّانِي
١٦٠٦ - [٩] (معاذ بن جبل) قوله: (فيقول: لم؟ ) أصله لما، خففت ما الاستفهامية
стр. 1938
فَيَقُولُونَ: رَجَوْنا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ. فَيَقُولُ: قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ مَغْفِرَتِي". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي "الْحِلْيةِ". ["شرح السنة" (٥/ ٢٦٩، ح: ١٤٥٢)، "حلية" (٨/ ١٧٩)].
١٦٠٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٠٧، ن: ١٨٢٤، جه: ٤٢٥٨].
١٦٠٨ - [١١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِأَصْحَابِهِ: "اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ. . . . .
ــ
بحذف الألف كقولهم بم وفيم، أي: لم أحببتم لقائي؟ وحكمة الاستفهام إعلام السامعين سبب محبتهم للقائه، ويوجد في بعض نسخ (المصابيح) بعد (لم): (أذنبتم)، وهو أوفق بسياق الحديث.
١٦٠٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) يفهم من كلام الطيبي أن هادم من الهدم بالدال المهملة بمعنى نقض البناء، ولكن ذكر الإسنوي في (المهمات): الهاذم بالمعجمة بمعنى القاطع كما قال الجوهري (١)، وهو المراد ههنا، وقد صرح السهيلي بأن الرواية بالمعجمة، كذا في بعض الشروح (٢).
وقوله: (الموت) بالحركات الثلاث.
١٦٠٨ - [١١] (ابن مسعود) قوله: (ذات يوم) أي: في وقت اسمه يوم، فهو من
стр. 1939
حَقَّ الْحَيَاءِ" قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: "لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ مَنِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ١/ ٣٨٧، ت: ٢٤٥٨].
ــ
إضافة المسمى إلى الاسم، والمراد قال يومًا. و (الحياء) انكسار يقع في القلب ينقبض به من فِعْل ما لا ينبغي، وقد سبق تحقيق معناه في أول الكتاب في (كتاب الإيمان).
وقوله: (قالوا: إنا نستحي من اللَّه) أي: نمتثل أوامره وننتهي عن نواهيه في الجملة، ونشكر اللَّه على ذلك، فما حق الاستحياء الذي تأمرنا به وتطلبه منا.
وقوله: (قال: ليس ذلك) أي: ليس حق الاستحياء هذا الذي تحسبونه وتفعلونه، بل مقامه أعلى وأرفع، وهو أن تحفظوا قلوبكم وجميع أعضائكم وجوارحكم عما لا يرضاه اللَّه، وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فبينه ﷺ بكلام جامع مختصر، وهو أن يحفظ الرأس عن أن يخضع به لغير اللَّه، ويرفعه تكبرًا عليه وعلى خلقه، ويحفظ ما وعاه الرأس، أي: حفظه وجمعه من الحواس والآلات، كالسمع والبصر واللسان وغيرها، ويحفظ البطن عن أكل الحرام وما فيه شبهة، وما حواه البطن -وهو القلب- عن الجهل بما لا يجوز الجهل به من معرفة الحق وأحكام الدين، وقيل: ما جمعه البطن واتصل به من الفرج والرجلين واليدين.
وقوله: (وليذكر الموت) ويعمل لما بعده ويذكر.
وقوله: (والبلى) بكسر الباء: صيرورة عظامه بالية؛ فإن من ذكر هذا وعلم أن الدنيا فانية زهد فيها، وترك لذات الدنيا وشهواتها، كما قال: (ومن أراد الآخرة ترك
стр. 1940
١٦٠٩ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٧/ ١٧١، ح: ٩٨٨٤].
ــ
زينة الدنيا)، فهذا هو الاستحياء من اللَّه حق الحياء، فمن فعل ذلك فهو العبد الواصل المقرب.
قال الشيخ الإِمام العالم العامل العارف باللَّه علي المتقي رحمة اللَّه عليه في رسالة المسماة بـ (تبيين الطرق إلى اللَّه) بعد ما بين أن الطريق الموصل إلى اللَّه هو العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]: معنى قربه تعالى: بعدُ السالك عن غيره تعالى، ومعنى الوصل: قطع السالك عن غيره تعالى، والغير منحصر في المحظور والمباح، والمراد بالمحظور جميع أقسام المنهيات من المحرمات والمكروهات، وبالمباح الاشتغال بالمخلوقات من السماء والأرض والجبال والشجر والحجر وأسباب المعيشة وغير ذلك، فبعد المسالك عن المحظورات دون ذهوله عن المباحات قرب ناقص، ومع ذهوله عن المباحات قرب تام، فبأي مقدار بعد السالك عن الغير قرب إلى اللَّه تعالى بقدره، وأي مقدار انقطع عن الغير وصل إليه، فافهم وباللَّه التوفيق.
١٦٠٩ - [١٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (تحفة المؤمن الموت) في (القاموس) (١): التحفة بالضم، وكهمزة: البر واللّطَفُ والطرفة، وفيه: الطُّرْفَةُ بالضم: الاسم من الطريف، والمُطْرِفِ والطارفِ: المال المستحدث، والغريب من الثمر وغيره، وفي (الصراح) (٢):
стр. 1941
١٦١٠ - [١٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٨٢، ن: ١٨٢٨، جه: ١٤٥٢].
١٦١١ - [١٤] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَوْتُ الْفُجَاءَةِ أَخْذَةُ الأَسَفِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ: "أَخْذَةُ الأَسَفِ لِلْكَافِرِ. . . . .
ــ
طرفة بالضم: نووشكَفت، وفي بعض الشروح: التحفة الطرفة فاكهة وغيرها، وفي الحديث: (تحفة الصائم الدهن والمجمر) يعني يذهب عنه مشقة الصوم وشدته، كذا في (مجمع البحار) (١)، فالمراد أن الموت لطف من اللَّه للمؤمن وبِرٌّ منه ونعمة هنيئة له بوصله إلى جنته وقربه، ويذهب عنه مشقة الدنيا وشدتها، قال بعض العارفين: ولو يعلم الناس ما في الموت لأهلكوا أنفسهم بأيديهم، والموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب.
١٦١٠ - [١٣] (بريدة) قوله: (المؤمن يموت بعرق الجبين) قيل: هذا كناية عن التشديد في الموت ليمحص ذنوبه أو يرفع درجته، وقيل: كناية عن كده في طلب الحلال والرياضة في العبادة إلى وقت الموت، وقيل: إن عرق الجبين علامة تتبين من المؤمن عند موته، نقل ذلك عن ابن سيرين، وقيل: المراد أنه ليس عليه شدة الإعراق.
١٦١١ - [١٤] (عبيد اللَّه بن خالد) قوله: (موت الفجاءة) بضم الفاء مع المد والقصر وبفتحها مع القصر، وهي البغتة، يقال: فجأ الأمر: إذا جاء بغتة.
وقوله: (أخذة الأسف) رُوي بفتح السين بمعنى الغضب، وبكسرها بمعنى
стр. 1942
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِ". [د: ٣١١٠، شعب: ٧/ ٢٥٥، ح: ١٠٢١٩].
١٦١٢ - [١٥] وَعَن أَنَس قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ: "كَيْفَ تِجِدُكَ؟ " قَالَ: أَرْجُو اللَّه يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٩٨٣، جه: ٤٢٦١].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٦١٣ - [١٦] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ فَإِنَّ هَوْلَ الْمُطَّلَعِ شَدِيدٌ،
ــ
الغضبان، أي: موت الفجاءة من آثار غضب اللَّه؛ لأنه لم يتركه لأن يستعد للآخرة بالتوبة والعمل، وهذا للكافر ولمن ليس على طريقة محمودة بدليل الرواية الأخرى.
١٦١٢ - [١٥] (أنس) قوله: (تجدك) من الوجدان بمعنى العلم، فيكون من أفعال القلوب.
وقوله: (لا يجتمعان) أي: الخوف والرجاء، وقد فهم غلبة الرجاء من تعليقه باللَّه وتعليق الخوف بالذنوب مع ما فيه من رعاية الأدب.
الفصل الثالث
١٦١٣ - [١٦] (جابر) قوله: (فإن هول المطلع) بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام: موضع الاطلاع من إشراف إلى انحدار، والمراد ما يطلع عليه العبد من أهوال الآخرة في مواقف القيامة، وأمور يطلع عقيب الموت من أحوال البرزخ، وبه فسروا قول
стр. 1943
وَإِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمُرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ الإِنَابَةَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٣٣٢].
١٦١٤ - [١٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَّرَنا وَرَقَّقَنَا، فَبَكَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ، فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي مِتُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا سَعْدُ! أَعِنْدِي تَتَمَنَّى الْمَوْتَ؟ " فَرَدَّدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،
ــ
أمير المؤمنين عمر ﵁: لو أن لي ما في الأرض لافتديت به من هول المطلع، وقال الطيبي (١): يريد ما يشرف عليه العبد من سكرات الموت وشدائده؛ فإنه إنما يتمناه من قلة صبر وضجر، فإذا جاء متمناه يزداد ضجرًا على ضجر، فيستحق مزيد سخط على سخط، يعني: أي فائدة في تمني الموت إلا تمني الشدائد والآلام، ومن شأن العاقل أن لا يتمنى ما يقع بسببه في الشدة والبلاء، وهو واقع لا محالة.
وقوله: (الإنابة) أي: الرجوع والإقبال إليه.
١٦١٤ - [١٧] (أبو أمامة) قوله: (فذكرنا ورققنا) من التذكير والترقيق، ونصب ضميري المتكلم.
وقوله: (يا ليتني مت) يقال: مات يموت ويمات ويميت، فعلى الأول مت بضم الميم وعلى الآخرين بكسرها.
وقوله: (أعندي تتمنى الموت؟ ) أي: وتمنيه منهي عنه، أو المراد: في حضرتي وحياتي تتمنى الموت، وحضورك عندي ومشاهدتك لجمالي وكمالي خير لك من الموت، وإن حصل لك بعد الموت نعيم ودرجات فكل ذلك لا يوازي النظر إلى وجهي
стр. 1944
ثُمَّ قَالَ: "يَا سَعْدُ! إِنْ كُنْتَ خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ عُمُرُكَ وَحَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٧].
١٦١٥ - [١٨] عَن حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "لَا يتَمَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ" لَتَمَنَّيْتُهُ. . . . .
ــ
والتشرف بصحبتي، وهو في الدنيا جنة مثل جنة الآخرة بل أعلى وألذ منها, ولنعم ما قال بعض الفقراء حين سئل: الحياة خير للمؤمنين أو الممات؟ فأجاب: بأن في زمان النبوة الحياة خير وبعده الممات.
وقوله: (إن كنت خلقت للجنة) فإن قلت: هو من العشرة المبشرة فكيف أتى بكلمة الشك، قلت: لعل البشارة حصل بعد هذا القول بوحي من اللَّه أو هذا إشارة إلى عظيم هذا الأمر، ومن شأنه أن لا يحرم بذلك، وقال الطيبي (١): (إن) ههنا للتعليل كما قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فتدبر.
وقوله: (حسن من عملك) (من) زائدة، وزيادة (مِنْ) في المثبت جائزة على قول الأخفش، ويحتمل أن تكون تبعيضية، فافهم.
١٦١٥ - [١٨] (حارثة بن مضرب) قوله: (حارثة بن مضرب) بضم الميم وتشديد الراء المكسورة قبلها معجمة، الكوفي ثقة من الثانية. و (خباب) بتشديد الموحدة، ابن الأرت.
وقوله: (قد اكتوى) من الكي، وهو إحراق جسده بحديدة أو نحوها. و (سبعًا) أي: في سبع مواضع من بدنه، وقد اختلفت الأحاديث والآثار في جوازه والنهي عنه،
стр. 1945
وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَمْلِكُ دِرْهَمًا، وَإِنَّ فِي جَانِبِ بَيْتِيَ الآنَ لأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِكَفَنِهِ فَلَمَّا رَآهُ بَكَى، وَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، إِذَا جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ قَلَصَتْ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَإِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ حَتَّى مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الإِذْخِرُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "ثُمَّ أُتِي بِكَفَنِهِ" إِلَى آخِرِهِ. [حم: ٥/ ١١١, ت: ٩٧٠].
* * *
ــ
ويجيء تحقيقه في (كتاب الطب والرقى) إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: (ولقد رأيتني) أي: علمتني، وكأنه اضطر إلى تمني الموت لضر أصابه فاكتوى بسببه، أو غنى خاف منه البطر، وهذا هو المناسب بسياق الحديث، ثم تحسر على تغير حالته التي كانت في صحبة رسول اللَّه ﷺ .
وقوله: (ثم أتى بكفنه) وكان نفيسًا من الأقمشة.
وقوله: (لكن حمزة) وهو سيد الشهداء عم رسول اللَّه ﷺ ، استدراك عن محذوف أي هذا جائز، ولكن ليس فيه اقتفاء بكبار الصحابة في الفقر والشدة؛ لأن حمزة ﵁ والذين معه عليه مضوا على ما مضوا، والتنوين في (بردة) للتحقير. و (الملحاء) من البرود ما فيه خطوط بيض وسود. و (قلصت) أي: اجتمعت وانضمت وقصرت وزالت.
وقوله: (جعل على قدميه) أي: سُتِرت قدماه بالإذخر، وهي بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين: حشيشة معروفة يسقف بها البيوت، وتجعل في القبور.
стр. 1946
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٦١٦ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩١٦].
ــ
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
أي قرب من الموت بأن تَيقن بحكم العادة أنه يموت، وفي (شرح الهداية) لابن الهمام (١): أن علامات الاحتضار أن تسترخي قدماه وتنتصبان فلا يبقيان، ويتعوَّج أنفه، وينخسف صُدْغَاه، ويمتد جلد خصيتيه لإشماز الخصيتين بالموت، ثم الظاهر من الكلام أن المراد ما يقول الناس الحاضرون من تلقين الميت والدعاء له ولأنفسهم، وفي الباب ذكرت أحاديث كثيرة ليست من هذا القبيل، ومن عادة المؤلف أن يذكر في الباب أحاديث لها مناسبة ولو كانت بعيدة بوجه ما ولا يعقد لها أبوابًا أخر رومًا للضبط وتقليلًا للانتشار، وهذا كثير في هذا الكتاب فلا يطلب صريح المناسبة للباب فاحفظه.
الفصل الأول
١٦١٦ - [١] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (لقنوا (٢)) من اللَّقْن وهو سرعة الفهم، لَقِنْتُ الحديث بالكسر: فهمته، تلقنته: أخذته، غلام لقن: سريع الفهم، والتلقين: التفهيم، أي: ذكّروا من حضره الموت (لا إله إلا اللَّه) والمراد به تمام الكلمة الطيبة اكتفى بالجزء الأول كما يقال: قراءة (قل هو اللَّه أحد).
стр. 1947
١٦١٧ - [٢] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَو الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩١٩].
١٦١٨ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا". . . . .
ــ
١٦١٧ - [٢] (أم سلمة) قوله: (إذا حضرتم المريض أو الميت) (أو) للشك، والمراد بالثاني هو الأول، أي: المريض الذي أشرف على الموت الذي يقال له: المحتضر، ويحتمل أن تكون للتنويع، ويكون المراد بالمريض غير المحتضر.
وقوله: (وقولوا خيرًا) بأن تدعوا للمريض بالشفاء، أو للميت بالمغفرة، أو تدعوا لأنفسكم خيرًا، وقيل: المراد بالخير هو لا إله إلا اللَّه، و (قولوا) بمعنى لقنوا.
١٦١٨ - [٣] (وعنها) قوله: (إنا للَّه وإنا إليه راجعون) بيان لما أمر به، وهو وإن لم يكن مأمورًا به صريحًا لكن الترغيب والبشارة والمدح يقتضي طلب الفعل، وهو معنى الأمر.
وقوله: (اللهم آجرني) بسكون همزة وضم جيم إن كان ثلاثيًا كنصر ينصر، وإلا فبفتح همزة ممدودة وبكسر جيم يقال: آجره يؤجره: إذا أعطاه أجرًا، وكذا أجره يأجره بمعنى، والمصيبة: الحالة التي تصيب الإنسان، غلب فيما يصيبه من المكروه.
وقوله: (وأخلف) بفتح الهمزة وكسر اللام، والإخلاف: جعل كل شيء مكان ما ذهب وفات، أي: هب لي خيرًا من مصيبتي، أي: مما فات بهذه المصيبة، والمراد
стр. 1948
فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلمَة قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩١٨].
١٦١٩ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ،
ــ
الثواب أو البدل مما فات، وهو الظاهر من سياق الحديث.
وقوله: (فلما مات أبو سلمة) هو اسم زوج أم سلمة قبل النبي ﷺ .
وقوله: (قلت) أي: تذكرت قول النبي ﷺ هذا، وقصدت الإتيان بهذا الدعاء المتصور تزوجي بزوج آخر، ثم قلت في نفسي تعجبًا من إجابته: (أي المسلمين خير من أبي سلمة) حتى يخلف اللَّه لي خيرًا منه، ثم مدحته إثباتًا للتعجب.
وقوله: (أول بيت هاجر) أي: أبو سلمة أول من هاجر إلى رسول اللَّه ﷺ ، قاله أبو نعيم، ولعل المراد أول من هاجر من الحبشة إلى المدينة، وكان هو وزوجته أول من هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة.
وقوله: (ثم إني قلتها) أي: قلت هذا القول ودعوت بهذا الدعاء؛ طلبًا لصدق هذا الحديث وامتثالًا لأمر رسول اللَّه ﷺ ؛ لا مع ما في نفسي من التعجب والاستبعاد.
وقوله: (فأخلف اللَّه لي) أي: جعل لي مكان أبي سلمة رسولَ اللَّه ﷺ ، وتزوجني وهو خير الخيرين وخير جميع الخلائق أجمعين.
١٦١٩ - [٤] (وعنها) قوله: (وقد شق بصره) في (القاموس) (١): شق بَصَرُ
стр. 1949
ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ" فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ" ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ،
ــ
الميت: نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه، ولا تقل: شق الميت بَصَرَه، انتهى. يعني أن (شق) ههنا لازم لا متعد بمعنى الفتح لا بمعنى فتح، ومن ثم قال صاحب (النهاية) (١): بفتح الشين ورفع الراء، وضم الشين غير مختار، ثم قال لبيان سبب شق بصر الميت (أن الروح. . . إلخ)، وقال الطيبي (٢): يحتمل أن تكون علة للإغماض كأنه قال: أغمضته؛ لأن الروح إذا فارق يتبعه البصر في الذهاب، فلم يبق لانفتاح بصره فائدة.
وقوله: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير) أي: لا تقولوا: واويلاه وياكرباه ونحو ذلك، فإنه دعاء على أنفسكم بنسبة الويل والكرب لأنفسكم؛ لأن معناه: يا ويلي ويا كربي، أبدلت ياء المتكلم بالألف، مثل يا غلاماه، أو يريد أن ارتكاب ما لا يرضاه اللَّه يرجع ضرره عليهم، فكأنه دعاء على أنفسكم، أو كان النوحة والجزع دعاء على الميت كما يشير إليه قوله ﷺ : (إن الميت ليعذب ببكاء أهله)، أو يكون مثل ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
وقوله: (وارفع درجته في المهديين) قال الطيبي (٣): معناه اجعله في زمرة
стр. 1950
وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٢٠].
١٦٢٠ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤١، م: ٩٤٢].
ــ
الذين هديتهم إلى الإِسلام ورفعت درجتهم، انتهى. ويحتمل أن يكون معناه بل هو الظاهر: اجعله رفيع الدرجة وعالي المنزلة من بين المهديين، أي: اجعله من أعاظمهم وأعاليهم.
وقوله: (واخلفه) بوصل الهمزة وضم اللام، أي: كن خليفة له في أولاده الباقين بأن تُصلحهم وتُربِّيهم.
وقوله: (في الغابرين) أي: الباقين، من غَبَرَ بمعنى بقي، ويجيء بمعنى ذهب ومضى أيضًا ضد، وهو بدل من (في عقبه)، أو حال منه، فعلى الأول يكون الغابرون هم عقبة، وعلى الثاني يكون المراد بهم الناس، أي: أعقابه الكائنين في الباقين من الناس.
وقوله: (واغفر لنا) يحتمل أن يكون لفظ الجمع للتعظيم وأن يكون لنفسه الشريفة وللصحابة.
١٦٢٠ - [٥] (عائشة) قوله: (سُجِّي) بضم السين وكسر الجيم المشددة: غُطّي وزنًا ومعنًى.
قوله: (ببرد حبرة) كعنبة، وهي برد قطن يمان هو شيء مخطط، وهو بالإضافة وبالتوصيف.
стр. 1951
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٦٢١ - [٦] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١١٦].
١٦٢٢ - [٧] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقرؤوا سُورهَ ﴿يسَ﴾ عَلَى مَوْتَاكُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٢٧، د: ٣١٢١، جه: ١٤٤٨].
ــ
الفصل الثاني
١٦٢١ - [٦] (معاذ بن جبل) قوله: (من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه) قد عرفت أن المراد مجموع لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه.
١٦٢٢ - [٧] (معقل بن يسار) قوله: (عن معقل) بكسر القاف.
وقوله: (على موتاكم) الظاهر أن المراد المحتضر، وعليه العمل، والسر في تخصيص هذه السورة بالقراءة على الميت موكول إلى علم النبوة، والاشتمال على أصول الدين مشترك بينها وبين السور الأخر، والظاهر أن ذلك السر مكتوم في فاتحة هذه السورة المتضمنة لتصديق الرسالة بأوكد وجه وخاتمتها المشتملة على الرجوع إلى اللَّه المناسب بهذا الوقت، وهي آية عظيمة، قال ابن عباس ﵄: كنت لا أعلم ما روي في فضل (يس) كيف خصت به؛ فإذا أنه لهذه الآية: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] (١).
وقوله: (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه) قال في (الأذكار) (٢): في إسناده
стр. 1952
١٦٢٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، وَهُوَ يَبْكِي حَتَّى سَالَ دُمُوعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى وَجْهِ عُثْمَانَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٨٩، د: ٣١٦٣، جه: ١٤٥٦].
١٦٢٤ - [٩] وعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مَيِّتٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٨٩، جه: ١٤٥٧].
١٦٢٥ - [١٠] وَعَنْ حُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ: أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَالَ: "إِنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ إلا قَدْ حَدَثَ بِهِ الْمَوْتُ،
ــ
ضعف، وفيه مجهولان لكن لم يضعفه أبو داود، يريد أنه مما سكت عنه أبو داود، وقد تقرر أن ما سكت عنه أبو داود صالح للاحتجاج، ولا يتجاوز الصحة أو الحسن، وكفى به حجة.
١٦٢٣ - [٨] (عائشة) قوله: (قبَّل عثمان بن مظعون) وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وأول من دُفن ببقيع، وصارت مقبرة بعده، وحمل رسول اللَّه ﷺ الحجر بنفسه الشريفة، ووضع على قبره، ومظعون بالظاء المعجمة، وفي الحديث: دليل على أن الميت طاهر خلافًا للبعض، ولعله يعد أمثال هذا من الخصائص، وسيجيء الكلام فيه في غسل الميت.
١٦٢٤ - [٩] (وعنها) قوله: (إن أبا بكر قبل النبي ﷺ ) وقال: لقد طبت المحيا والممات.
١٦٢٥ - [١٠] (حصين بن وحوح) قوله: (حصين) بالصاد المهملة بلفظ التصغير.
стр. 1953
فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٥٩].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٦٢٦ - [١١] عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كَيْفَ لِلأَحْيَاءِ؟ . . . . .
ــ
وقوله: (ابن وحوح) بضم واوين وسكون حاء مهملة أولى، كذا في (المغني) (١)، والصواب فتحهما، وكذا صحح في شرح الشيخ وفي نسخ الكتاب، وهو المشهور.
وقوله: (فآذنوني) بمد الألف، أي: أعلموني به حتى أصلي عليه، يعني عجلوا في الإعلام.
وقوله: (لجيفة مسلم) في (القاموس) (٢): الجيفة بالكسر: جثة الميت، وفي (مختصر النهاية) (٣): إذا أنتنت، وجاف وجيف واجتاف: أنتن، وكأنه بها سميت بالجيفة؛ لأن من شأنه أن يجتاف إذا أمهل.
وقوله: (ظهراني أهله) لفظ (ظهراني) مقحم، وقد يجمع، وقد مر بيانه.
الفصل الثالث
١٦٢٦ - [١١] (عبد اللَّه بن جعفر) قوله: (كيف للأحياء) أي: كيف هذا الدعاء
стр. 1954
قَالَ: "أَجْوَدُ وَأَجْوَدُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٤٤٦].
١٦٢٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخْرُجِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَلَا تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحَ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانٌ، فَيُقَالُ: . . . . .
ــ
لنا لو قلناه أيحسن للأحياء أم لا؟ قالوه حرصًا على ذكر اللَّه، ولما توهموا اختصاصه بالموتى سألوه.
وقوله: (وأجود) من الجودة، والتكرير للتأكيد، والواو فيه يفيد الاستمرار، كذا قال الطيبي (١).
١٦٢٧ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (كانت) الغيبة باعتبار النفس، أي: التي كانت كما هو القياس بعد النداء نحو: يا أيها الذين آمنوا، لو قيل: (كُنْتِ) اعتبارا للمعنى لجاز أيضًا نحو: أنا الذي سمتني أمي حيدره، كما يقرر في علم المعاني، و (كانت) حال أو صفة بعد صفة.
وقوله: (بروح وريحان) الروح بفتح الراء بمعنى الراحة، وروي بضمها، وأريد به الرحمة أو البقاء، والريحان بمعنى الرزق كذا فسر في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢]، وفي قوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩].
وقوله: (فيفتح لها) بالياء التحتانية مسند إلى الجار والمجرور.
стр. 1955
مَرْحَبًا بِالنَّفسِ الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادْخُلِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَريحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَلَا تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ قَالَ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، اخْرُجِي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمِ وَغَسَّاقٍ، وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ،
ــ
وقوله: (يقال لها) أي: للنفس.
وقوله: (فيها اللَّه) أي: عظمته وكبرياؤه الخاصة كما يكون للملوك والأمراء، وللَّه المثل الأعلى، واللَّه أعلم، وقال الطيبي (١): أي فيها رحمة اللَّه وهي الجنة، والمراد السماء السابعة كما يأتي في حديث البراء.
وقوله: (الرجل السوء) بضم السين وفتحها وهو مرفوع صفة للرجل، أو منصوب على الخبرية لكان كما في قوله: (فإذا كان الرجل صالحًا).
وقوله: (اخرجي) أي: قال قائل من الملائكة التي حضرت، ولعل إيراد لفظ الجمع في الرجل الصالح لتكريمه والاعتناء بشأنه.
وقوله: (بحميم) أي: ماء حار.
وقوله: (غساق) بالتخفيف والتشديد: صديد أهل النار يسيل عنهم، غسقت العين: سال دمعها، والمراد الإخبار بالعذاب الذي يكون لها في جهنم.
وقوله: (وآخر) بالنصب عطف على محل (حميم)، والرفع أي له عذاب آخر (من شكله) أي: مثل ما ذكر (أزواج) أي: أصناف صفة لـ (آخر) لإرادة الجنس.
стр. 1956
فَمَا تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ، فَيُقَالُ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، ارْجِعِي ذَمِيمَةً، فَإِنَّهَا لَا تفتح لكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَتُرْسَلُ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْر". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٢١٦].
١٦٢٨ - [١٣] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا". قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ، قَالَ: "وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ". . . . .
ــ
١٦٢٨ - [١٣] (وعنه) قوله: (إذا خرجت روح المؤمن) الروح يذكر ويؤنث.
وقوله: (تلقاها) بتشديد القاف وتخفيفها.
وقوله: (ملكان) وذكر الملائكة في الحديث السابق بإرادة ما فوق الواحد، أو كان يلقى بعضهم ملكان وبعضهم أكثر.
وقوله: (قال حماد) هو راوي الحديث من أبي هريرة، كأنه نسي لفظ الحديث.
وقوله: (فذكر) بالمعنى، وفاعل (ذكر) أبو هريرة أو الرسول ﷺ .
وقوله: (وذكر المسك) أي: بطريق التشبيه، أي: رائحة كرائحة المسك.
وقوله: (صلى اللَّه عليك) خطاب للروح على طريقة الالتفات.
وقوله: (تعمرينه) بضم الميم، والمراد بآخر الأجل أجل القيامة، أو المراد البرزخ، أي: انطلقوا به إلى المكان الذي أُعدَّ له إلى يوم الحشر.
стр. 1957
قَالَ: "وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ" قَالَ حَمَّادٌ: وَذَكَرَ مِنْ نَتَنِهَا وَذَكَرَ لَعْنًا. "وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ، فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَل"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَرَدَّ رَسُول اللَّه ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٢].
١٦٢٩ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَريحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ،
ــ
وقوله: (فيقال) ذكر ههنا (يقال) وثمة (يقول) إشارة بأن اللَّه تعالى يقول للمؤمن تشريفًا له واعتناء بالرحمة، والكافر مبعود مطرود من الحضرة تقول له الملائكة.
وقوله: (ريطة) بفتح الراء وسكون التحتانية: كل ملاءة غير ذات لِفْقَيْنِ، كلها نَسْجٌ واحد، وقطعة واحدة، أو كل ثوب ليِّنٍ رقيق، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (هكذا) أي: كفعلي هذا، فعله أبو هريرة ليُريَ الحاضرين صورة فعله ﷺ ، كوشف له ﷺ عن نتنه، فردَّ الريطة على أنفه.
١٦٢٩ - [١٤] (وعنه) قوله: (عنك) مفعول ما لم يسم فاعله لقوله: (مرضيًا)، ولهذا لم يقل: مرضية.
وقوله: (فتخرج كأطيب) أي: رائحة كأطيب روائح المسك، أي: تخرج الروح بهذه الرائحة.
стр. 1958
حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَبْوَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدُمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلْونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: قَدْ مَاتَ، أَمَا أَتَاكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: قَدْ ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ فَيَقُولُونَ: أُخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ . فَتَخْرُجُ كَأنتن رِيحٍ جِيفَةٍ حَتَّى يأْتُونَ بِهِ إِلَى بَابِ الأَرْضِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٤/ ٢٨٧، ن: ١٨٣٣].
ــ
وقوله: (ليناوله بعضهم بعضًا) أي: يتداولونه تبركًا وتعظيمًا للروح، والروح يذكر ويؤنث.
وقوله: (دعوه) أي: لا تسألوه ولا تنقبوه حتى يذهب عنه بقايا غم تعب الدنيا فيستريح فحينئذ سألوه.
وقوله: (بمسح) بكسر الميم: البلاس.
وقوله: (باب الأرض) أي: باب سماء الأرض، كما يدل عليه الحديث السابق، ويحتمل أن يراد باب الأرض فيردونه إلى أسفل السافلين، كذا قال الطيبي (١).
وقوله: (حتى يأتون) على حد ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] على قراءة الرفع، كذا في شرح الشيخ، ويحتمل أن يكون (حتى) حرف ابتداء استحضارًا لتلك الحال.
стр. 1959
١٦٣٠ - [١٥] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوْسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ" قَالَ: "فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنَ السِّقَاءِ فَيَأْخُذهَا،
ــ
١٦٣٠ - [١٥] (البراء بن عازب) قوله: (ولما يلحد) أي: لم يلحد بعد.
وقوله: (ينكت به) والنكت أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها، كذا في (القاموس) (١)، وبهذه العلاقة من اللزوم تسمى المعنى الدقيق: نكتة؛ لأن من عادة المتفكر أن ينكت، وقيل: لتأثيره في القلب. و (الحنوط) كصبور وككتاب: كل طيب يخلط للميت.
وقوله: (تسيل كما تسيل القطرة) يريد خروج الروح من البدن بسهولة ولين وسرعة. و (السقاء) بكسر السين: جلد السخلة إذا جدع يكون للماء واللبن، بالفارسية: مشك.
стр. 1960
فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا في ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ"، قَالَ: "فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ -يَعْنِي بِهَا- عَلَى مَلأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذِه الرُّوْحُ الطّيِّبُ؟ ! فَيَقُولُونَ: فلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحَ لَهُ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي علِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الأَرْضِ،
ــ
وقوله: (فإذا أخذها) أي: ملك الموت الروح سلمها إلى أعوانه إلى الملائكة الذين معهم كفن من أكفان الجنة.
وقوله: (لم يدعوها في يده) أي: لم يترك هؤلاء الملائكة الروح في يد ملك الموت.
وقوله: (ما هذا الروح الطيب) الروح يذكر ويؤنث كما ذكرنا.
وقوله: (فيشيعه) الضمير لفلان أو للروح وهو يذكر ويؤنث، والتشييع والمشايعة: الذهاب مع أحد ومتابعته.
وقوله: (مقربوها) بفتح الراء: الملائكة المقربون في تلك السماء، فالإضافة بأدنى ملابسة، (حتى ينتهى به) بلفظ المجهول.
وقوله: (في عليين) اسم موضع في السماء السابعة.
وقوله: (وأعيدوه إلى الأرض) أي: إلى جسده الذي دفن في الأرض.
حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي". قَالَ: "وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمُ الْمُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ" قَالَ: "فَتَفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُودُ من الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَتَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ،
ــ
العمل الصالح حتى يزيد ثوابًا ودرجة، لكنه لما علم أن ليس الإحياء بعد الموت إلا بالبعث يوم القيامة طلب قيام الساعة كناية عن الإحياء، هذا ويحتمل أن يكون المراد حتى أرجع إلى أهلي ومالي لفرط سروره، وتمنيه الرجوع إليهم ليخبرهم به، كما يقول, ويتمنى المسافر الذي حصل له التنعم في بلاد الغربة كما جاء في الحديث.
وقوله: (فتفرق) أي: تفرق الروح (في جسده) وتنتشر في أعماقه فزعًا وكراهة الخروج إلى ما يضرها على عكس حال روح المؤمن في سرعة الخروج نشاطًا وسرورًا وحسن النظر إلى ما يسرها.
(فينتزعها) الانتزاع متعد ولازم، والنزع متعد. و (السفود) كتنور: حديدة يشوى بها اللحم ويبقى معها بقية من المحروق، فيتصحب عند الجذب شيئًا من ذلك الصوف المبلول.
وقوله: (فيأخذها) أي: ملك الموت الروح.
وقوله: (لم يدعوها) أي: الملائكة الروح.
стр. 1963
فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرّوح الْخَبيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ -بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا- حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّين فِي الأَرْض السُّفْلَى، فتطرح رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]،
ــ
وقوله: (كان يسمى بها) وذكر فيما قبل (يسمونه بها) تكريمًا, ولذلك ذكر هنا (اكتبوا كتابه) وهناك (كتاب عبدي)، فتدبر.
وقوله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط) يعني: يدخل ما هو مثل في عظم الجرم، وهو البعير فيما هو مثل في ضيق المسلك، وهو ثقبة الإبرة، وذلك مما لا يكون، فكذلك ما توقف عليه، كذا قال البيضاوي (١)، والسم بالفتح: الثقب، والقاتل المعروف، ويثلث فيها، كذا في (القاموس) (٢).
وقوله: (فكأنه خر من السماء) أي: سقط؛ لأنه سقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر.
وقوله: (فتخطفه) أي: تسلبه الطير؛ لأن الأهواء الرديئة توزع أفكاره.
وقوله: (أو تهوي به) بكسر الواو، أي: تلقيه، والباء للتعدية.
وقوله: (في مكان سحيق) أي: بعيد؛ فإن الشيطان قد طرح به في الضلالة،