← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أخرجهم تَارَة أُخْرَى، قَالَ: "فَتُعَادُ رُوْحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأُتيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُول: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءَ أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: "فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ" قَالَ: "وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ أَحْسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْه يَجِيء بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، ــ وقوله: (فأفرشوه) بقطع الهمزة، أي: اجعلوا له فراشًا من فرش الجنة. وقوله: (فيفسح) من الفسح أو التفسيح. وقوله: (فوجهك الوجه) أي: وجهك هو الكامل في الحسن والجمال والكمال، وحقٌّ لمثل هذا الوجه أن يجيء بالخير ويبشر بمثل هذه البشارة. و (يجيء بالخير) (١) صفة الوجه لأن لامه للعهد الذهني. وقوله: (فيقول: رب أقم الساعة) أي: أحيني حتى أرجع إلى الدنيا وأزيد في

стр. 1962

حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي". قَالَ: "وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمُ الْمُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ" قَالَ: "فَتَفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُودُ من الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَتَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، ــ العمل الصالح حتى يزيد ثوابًا ودرجة، لكنه لما علم أن ليس الإحياء بعد الموت إلا بالبعث يوم القيامة طلب قيام الساعة كناية عن الإحياء، هذا ويحتمل أن يكون المراد حتى أرجع إلى أهلي ومالي لفرط سروره، وتمنيه الرجوع إليهم ليخبرهم به، كما يقول, ويتمنى المسافر الذي حصل له التنعم في بلاد الغربة كما جاء في الحديث. وقوله: (فتفرق) أي: تفرق الروح (في جسده) وتنتشر في أعماقه فزعًا وكراهة الخروج إلى ما يضرها على عكس حال روح المؤمن في سرعة الخروج نشاطًا وسرورًا وحسن النظر إلى ما يسرها. (فينتزعها) الانتزاع متعد ولازم، والنزع متعد. و (السفود) كتنور: حديدة يشوى بها اللحم ويبقى معها بقية من المحروق، فيتصحب عند الجذب شيئًا من ذلك الصوف المبلول. وقوله: (فيأخذها) أي: ملك الموت الروح. وقوله: (لم يدعوها) أي: الملائكة الروح.

стр. 1963

فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرّوح الْخَبيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ -بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا- حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّين فِي الأَرْض السُّفْلَى، فتطرح رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، ــ وقوله: (كان يسمى بها) وذكر فيما قبل (يسمونه بها) تكريمًا, ولذلك ذكر هنا (اكتبوا كتابه) وهناك (كتاب عبدي)، فتدبر. وقوله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط) يعني: يدخل ما هو مثل في عظم الجرم، وهو البعير فيما هو مثل في ضيق المسلك، وهو ثقبة الإبرة، وذلك مما لا يكون، فكذلك ما توقف عليه، كذا قال البيضاوي (١)، والسم بالفتح: الثقب، والقاتل المعروف، ويثلث فيها، كذا في (القاموس) (٢). وقوله: (فكأنه خر من السماء) أي: سقط؛ لأنه سقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر. وقوله: (فتخطفه) أي: تسلبه الطير؛ لأن الأهواء الرديئة توزع أفكاره. وقوله: (أو تهوي به) بكسر الواو، أي: تلقيه، والباء للتعدية. وقوله: (في مكان سحيق) أي: بعيد؛ فإن الشيطان قد طرح به في الضلالة،

стр. 1964

فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ. وَفِي رِوَايَة نَحوه، وَزَاد فِيهِ: "إِذَا خَرَجَ رُوحُهُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّه أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ. وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ -يَعْنِي الْكَافِرَ- مَعَ الْعُرُوقِ، فَيَلْعَنُهُ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّه أَنْ لَا يُعْرِجَ رُوحَهُ مِنْ قِبلِهِمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٨٧]. ــ و(أو) للتخيير، كما في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ أو للتنويع، فإن من المشركين من لا خلاص له أصلًا، ومنهم من يمكن خلاصه بالتوبة ولكن على بعد، كذا في (تفسير البيضاوي) (١). وقوله: (وتنزع نفسه مع العروق) كناية عن الشدة.

стр. 1965

١٦٣١ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ كَعْبًا الْوَفَاةُ أَتَتْهُ أُمُّ بِشْرٍ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! إِنْ لَقِيتَ فُلَانًا فَاقْرَأْ عَلَيْهِ مِنِّي السَّلَامَ. فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ يَا أُمَّ بِشْرٍ، نَحْنُ أَشْغَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ؟ " قَالَ: بَلَى. قَالَتْ: فَهُوَ ذَاكَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ في كِتَابِ "الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ". [جه: ٤٢٧١، البعث: ٢٢٦]. ــ ١٦٣١ - [١٦] (عبد الرحمن بن كعب) قوله: (معرور) بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الراء الأولى. وقوله: (فأقرأ) من الإقراء، وفي نسخة من القراءة، قال في (القاموس) (١): قرأ ﵇: أبلغه، كأقرأه، ولا يقال: أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبًا. وقوله: (نحن أشغل) أي: بأعمالنا وجزائها. وقوله: (من ذلك) أي: بعيد من إقراء السلام فإنه يستدعي الفراغ. وقوله: (سمعت رسول اللَّه ﷺ . . . إلخ)، أي: لست ممن يشغل عن ذلك بل أنت ممن ورد فيهم هذه الكرامة. وقوله: (تعلق) علقت الإبل العِضاه كنصر وسمع: رعتها من أعلاها، والباء في (بشجر الجنة) زائدة للملابسة تفيد الاتصال واللحوق. وقوله: (فهو ذاك) أي: فالفضل والكرامة الذي يرجى لك ذاك، فتكون أنت في

стр. 1966

١٦٣٢ - [١٧] وَعَنْهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّما نسمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ تَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ "الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ". [ط: ٥٦٨، ن: ٢٠٧٣، البعث: ٢٢٤]. ١٦٣٣ - [١٨] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَمُوتُ فَقُلْتُ: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّلَام. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٤٥٠]. * * * ــ غاية السرور والحبور لا مشغولًا ومتعوبًا، وفي الحديث دليل على أن الروح باقية لا يفنى ينعم ويعذب. ١٦٣٢ - [١٧] (وعنه) قوله: (إنما نسمة المؤمن) أي: روحه، والنسمة يطلق على الروح والبدن، وفي (القاموس) (١): النسمة محركةً: الإنسان، وقد يقيد المؤمن بالشهيد، وقيل: بل المراد جميع المؤمنين، وهو ظاهر الحديث، واللَّه أعلم. وقوله: (طير) أي: في طير، وفي رواية: (وفي جوف طير خضر)، وفي رواية: (كطير أخضر)، وفي اخرى: (بحواصل الطير)، وفي أخرى: (في صورة طير بيض)، والكل ثابت في قدرة اللَّه سبحانه لا مجال للعقل في ذلك. وقوله: (حتى يرجعه) من المرجع متعديًا، لا من الرجوع لازمًا. ١٦٣٣ - [١٨] (محمد بن المنكدر) قوله: (فقلت اقرأ) صحح بالأمر من القراءة.

стр. 1967

٤ - باب غسل الميت وتكفينه ــ ٤ - بَابُ غسْل الْمَيِّتِ وَتَكْفِينهِ اعلم أن غسل الميت فرض بالإجماع، وأجمعوا على أن إيجابه لقضاء حقه، فكان على الكفاية لصيرورة حقه مقضيًّا بفعل البعض، واختلف في سبب وجوبه فقيل: ليس لنجاسةٍ تحل بالموت بل للحدث؛ لأن الموت سبب للاسترخاء وزوال العقل، وهو القياس في الحي لأن الإنسان لا يتنجس لكرامته، وإنما اقتصر في الحي على الأعضاء الأربعة للحرج لكثرة تكرر سبب الحدث منه، فلما لم يلزم سبب الحرج في الميت عاد الأصل؛ ولأن نجاسة الحدث تزول بالغسل لا نجاسة الموت، لقيام موجبها بعده. وقيل -وهو الأقيس-: سببه نجاسة الميت؛ لأن الآدمي حيوان دموي، فينجس بالموت كسائر الحيوانات، ولذا لو حمل ميتًا قبل غسله لا تصح صلاته، ولو كان للحديث لصحت كحمل المحدث، غاية ما في الباب أن الآدمي المسلم خص باعتبار أن نجاسته الموتية زائلة بالغسل تكريمًا، بخلاف الكافر فإنه لا يطهر بالغسل، ولا تصح صلاة حامله بعده، وقولكم: نجاسة الموت لا تزول لقيام موجبها، مشترك الإلزام، فإن سبب الحدث أيضًا قائم بالغسل. وقد روي في حديث أبي هريرة ﵁: (سبحان اللَّه إن المؤمن لا ينجس حيًا ولا ميتًا (١))؛ فإن صحت هذه الزيادة وجب ترجيح أنه للحديث، وهل يشترط للغسل النية؟ الظاهر أنه يشترط، كذا قال الشيخ ابن الهمام (٢). ولا مضمضة ولا استنشاق في

стр. 1968

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٦٣٤ - [١] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا. . . . . ــ غسل الميت عند أبي حنيفة، وكذا عند أحمد خلافًا للشافعي ﵏. الفصل الأول ١٦٣٤ - [١] (أم عطية) قوله: (ابنته) وهي زينب، وقيل: أم كلثوم ﵄، كذا في (شرح الشيخ)، والقول الأول أكثر وأشهر، وزينب ﵂ زوجة أبي العاص بن الربيع أكبر بنات النبي ﷺ والدة أمامة، ماتت في أول سنة ثمان، وأم كلثوم ﵂ زوجة عثمان ابن عفان ﵁، وبكلتيهما جاءت الرواية, أما الأولى: ففي رواية مسلم (١) عن أم عطية قالت: (لما ماتت زينب بنت رسول اللَّه ﷺ وقال لنا رسول اللَّه ﷺ : اغسلنها) الحديث، وأما الثانية: فأخرج ابن ماجه (٢) بإسناد على شرط الشيخين ولفظه: (دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم ﵂)، كذا في (فتح الباري) (٣). وقوله: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا) قال في (فتح الباري) (٤): وفي رواية: (وترًا ثلاثًا أو خمسًا)، وقال: (أو) هنا للترتيب لا للتخيير، ونقل عن النووي: المراد: اغسلنها وترًا وليكن ثلاثًا، فإن احتجتن إلى زيادة فخمسًا، وحاصله: أن الإيتار مطلوب والثلاث مستحبة، فإن حصل الإنقاء لم يشرع ما فوقها، وإلا زيد وترًا حتى يحصل الإنقاء،

стр. 1969

أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، ــ والواجب من ذلك مرة واحدة عامة للبدن. وقوله: (أو أكثر من ذلك) وهو السبع كما في الرواية الآتية، وقال الشيخ (١): ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله: (سبعًا) التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود، و [أما] ما سواها [فإما] (أو سبعًا)، وإما (أو أكثر من ذلك) فيحتمل أن يكون بيانًا لقوله: (سبعًا)، يعني: وتكون الإشارة بذلك إلى الخمس، وبهذا قال أحمد ﵀، وكره الزيادة على السبع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع، وقال الماوردي: الزيادة على السبع سرف، انتهى. وفي (شرح الهداية): وإن زاد على ثلاث جاز. وقوله: (إن رأيتن ذلك) معناه التفويض إلى اجتهادهن بحسب الحاجة لا التشهي بعد أن يكون وترًا؛ ولذلك لم يذكر أربعًا أو ستًا، والكاف في ذلك في الموضعين مكسور لأنه خطاب للمؤنث. وقوله: (أو شيئًا من كافور) شك للراوي، قال الشيخ (٢): وظاهره جعل الكافور في الماء، وبه قال الجمهور (٣). وقال النخعي والكوفيون: إنما يجعل الكافور في الحنوط بعد انتهاء الغسل والتجفيف، وقيل: الحكمة في الكافور -مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم- أن فيه تجفيفًا وتبريدًا، وقوة [نفوذ] وخاصية

стр. 1970

فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ، فَقَالَ: . . . . . ــ في تصليب بدن الميت وطرد الهوام عنه، ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الأراييح الطيبة في ذلك، وهذا هو السر في جعله في الآخرة. وقيل: إن لم يوجد الكافور فالمسك يقوم مقامه، وقد عقد الترمذي (١) بابًا وعنونه بقوله: (باب في المسك للميت)، وأورد حديثًا عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ سئل عن المسك فقال: (هو أطيب طيبكم)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، وقد كره بعض أهل العلم المسك للميت. وقوله: (فإذا فرغتن) أي: عن الغسل (فآذنني) بمد الألف وتشديد النون بصيغة الأمر، أي: أعلمنني. وقوله: (فألقى إلينا حقوه) في رواية: (فأعطانا حقوه)، والحقو بفتح المهملة -ويجوز كسرها، قال الشيخ (٢): وهي لغة هذيل- وسكون القاف: في الأصل معقد الإزار، وقد يراد به الإزار مجازًا بعلاقة المجاورة، كذا قال الشارحون (٣)، وقال في (القاموس) (٤): الحَقْوُ: الإزار، ويكسر، أو معقده كالحقوة، وكذا في (الصحاح) (٥).

стр. 1971

"أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ". وَفِي رِوَايَةٍ: "اغْسِلْنَهَا وِتْرًا: ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا". وَقَالَتْ: فَضَفَّرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٥٣، ١٢٦٣، م: ٩٣٩]. ١٦٣٥ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ. . . . . ــ وقوله: (أشعرنها إياه) من الإشعار، أي: اجعلن الحقو شعارًا لها، فالضمير في (أشعرنها) للميت، و (إياه) راجع إلى الحقو، والشعار: الثوب الذي يلي الجسد لأنه يلي شعره، أي: اجعلن الحقو تحت الكفن ليس ببدنها وتحصل البركة، وقيل: الحكمة في تأخير إعطاء الإزار إلى وقت فراغهن من الغسل -ولم يناولهن إياه أولًا- ليكون قريب العهد من جسده الكريم، وهذا الحديث أصل في التبرك بآثار الصالحين ولباسهم كما يفعله بعض مريدي المشايخ من لبس أقمصتهم في القبر، واللَّه أعلم. وقوله: (فضفرنا شعرها) ضَفَر الشعرَ: نَسَجَ بعضه على بعض، والحبل: فتله، ولعله كان أيضًا بأمر رسول اللَّه ﷺ أو إذنه، أو كان معلومًا من الشرع قبل هذا (١). ١٦٣٥ - [٢] (عائشة ﵂) قوله: (في ثلاثة أثواب) هي إزار ورداء ولفافة.

стр. 1972

يَمَانِيةٍ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ. . . . . ــ وقوله: (يمانية) بتخفيف الياء، و (الحكمة يمانية) أيضًا بالتخفيف، وقد يشدد، كذا في (مجمع البحار) (١)، والنسبة إلى اليمن: يمني، وقد جاء يمان بمعناه بحذف ياء النسبة وإبدال الألف المتوسط منها، وقد يجيء يماني بحذف إحدى اليائين وإبدال الألف، واليمانين في قول الشاعر: هواي مع الركب اليمانين مصعدٌ يحتمل أن يكون جمع يمان بالواو والنون كما هو الظاهر، ويحتمل أن يكون جمع يماني بالياء المخففة أعلّ كإعلال قاض، وقد يجيء يمانيّ بالألف والنون المشددة، وهذا على خلاف القياس من عدم الجمع بين العوض والمعوَّض عنه. وقوله: (سحولية) منسوب إلى سحول قرية باليمن، والفتح هو المشهور، وعن الزهريّ الضم، كذا في (شرح ابن الهمام) (٢)، وهو مبني على أنه بالضم أيضًا قرية، لكن الضم فيه غير مشهور، وقد يُجعل بالضم جمعَ سحل بفتح السين وسكون الحاء، قال في (القاموس) (٣): السَّحْل [ثوب] أبيض [أو] من القطن، يجمع على أسحال وسُحول، لكن النسبة إلى الجمع شاذ. والفرائضي منسوبٌ إلى الفرائض بمعنى الاسم لِعِلْمٍ مخصوص. وقيل: [بالفتح] منسوب إلى السَّحول بمعنى القصَّار لأنه يسحلها، أي: يغسلها، كذا قال الطيبي (٤)، فسحولية بمعنى مقصورة، أي: مغسولة.

стр. 1973

مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [خ: ١٢٦٤، م: ٩٤١]. ــ وفي (المشارق) (١): سحولية بفتح السين وضم الحاء، منسوب إلى قرية باليمن يقال لها: سحول، وقال ابن حبيب وابن وهب: السحول القطن، وقال ابن الأعرابي: هي ثياب بيض نقية من القطن خاصة، وقال: السحل: الثوب النقي من القطن، ووقع في كتاب مسلم من رواية السمرقندي: (أثواب سحول)، فمَن فتح السين أضاف الأثواب وأراد الموضع، ومن ضمَّها نوَّن وأراد صفةَ الأثواب أنها من قطن أو بِيضٌ. وقوله: (من كرسف) وهو بضم الكاف والسين: القطن، وفي رواية بدون (من)، وصف به الثياب وإن لم يكن مشتقًا كـ: حيةٌ ذراعٌ، ولا يخفى أن ذكر الكرسف قرينة على أنه يراد بـ (سحولية) من معانيه ما لا يوجد فيه معنى القطن، إلا أن يكون مبنيًا على التجريد أو التأكيد. وقوله: (ليس فيها قميص ولا عمامة) أي: ليسا موجودين أصلًا، وقيل: ليسا فيها بل خارجين عنها، فيكون أكفانه خمسة، والأول هو الأصح؛ لأنه قد ثبت أنه لم يكن كفنه ﷺ إلا ثلاثة أثواب (٢)، وبه أخذ الشافعي ﵀، وعندنا أيضًا السنة ثلاثة أثواب، لكن ذكر منها في (الهداية) (٣): القميص لا العمامة، وقد استحسن العمامة

стр. 1974

١٦٣٦ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَفَّنَ أَحَدَكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٤٣]. ١٦٣٧ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ. . . . . ــ بعض المتأخرين للأشراف، وقيل: يجعل ذَنَبُ العمامة إلى الوجه، ولا يرسل من قبل القفا كما في حالة الحياة، والمراد ثلاثة لفائف، وكذا عند أحمد، وتحقيقه في مقامه من كتب الفقه (١). ١٦٣٦ - [٣] (جابر) قوله: (فليحسن كفنه) المراد بتحسين الكفن أن يكون أنظف وأتم من غير إسراف وتبذير، والجديد والمغسول سواء، كذا في (شرح ابن الهمام) (٢). ١٦٣٧ - [٤] (ابن عباس) قوله: (فوقصته راحلته)، في (القاموس) (٣): وقص عنقَهُ، كَوَعَدَ: كسرها، فوقَصَتْ لازم ومتعد، وقد يقال: وقصت به راحلته، بزيادة الباء، وفي بعض الشروح: الوقص كسر العنق، فإن كان حصل الكسر بسبب الوقوع فإسناد الوقص إلى الناقة مجاز، وإن حصل من الناقة بأن تكون أصابتْه بعد أن وقع فحقيقةٌ، وبالجملة المراد أنه سقط من راحلته فانكسر عنقه.

стр. 1975

فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا". وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ خَبَّابٍ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فِي "بَابِ جَامِعِ الْمَنَاقِبِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٦٧، م: ١٢٠٦]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٦٣٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مَنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وَمِنْ خَيْرِ أَكْحَالِكُمُ. . . . . ــ وقوله: (في ثوبيه) أي: ثوبي إحرامه، وبه أخذ الشافعي وأحمد، وعندنا وعند مالك ﵏: حكم المحرم حكم سائر الموتى (١)، وإنما أمر النبي ﷺ [بتكفين] هذا المحرم في ثوبيه لأنه لم يكن معه غيرهما فكان للضرورة، فلا يَستلزم جوازَ الاقتصار على ثوبين حالة القدرة، وأما عدم مس الطيب وتخميرِ الرأس فكان مخصوصًا به، ولم يأمر ﷺ حكمًا كليًا بطريق التشريع، واللَّه أعلم. الفصل الثاني ١٦٣٨ - [٥] (ابن عباس) قوله: (البياض) أي: الأبيض (٢). وقوله: ([ومن] خير أكحالكم) كلام مستأنف.

стр. 1976

الإِثْمِدُ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الشَّعْرَ وَيَجْلُو الْبَصَر". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى ابنُ مَاجَهْ إِلَى "مَوْتَاكُمْ" [خ: ٤٠٦١، ت: ٩٩٤، جه: ٣٥٦٦]. ١٦٣٩ - [٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَغَالَوْا فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٥٤]. ١٦٤٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [٣١١٤]. ــ وقوله: (الإثمد) بكسر الهمزة والميم: الحجر الذي يُكتحل به (١). ١٦٣٩ - [٦] (علي) قوله: (لا تَغالَوا) بفتح التاء من الغل، أي: لا تتغالوا، وقد يروى بضم التاء من المغالاة، وهو إكثار الثمن ضد الرخص، والمراد بالسلب: النبلاء (٢)، نهى عن التبذير والإسراف في الكفن. ١٦٤٠ - [٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (جدد) بضمتين: جمع جديد. وقوله: (ثم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها) ظاهره أن أبا سعيد إنما لبس ثيابًا جددًا امتثالًا لهذا الحديث، وأن المراد به ظاهره،

стр. 1977

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو أن البعث يكون في الثياب، واستشكل ذلك بأنه قد ورد في الحديث الصحيح: (يحشر الناس حفاة عراة) فأجاب بعضهم بأن البعث غير الحشر (١)، أو كأنه أراد أن البعث هو إخراج الموتى من القبر أحياء، والحشر نشرهم في عرصات القيامة، فيحتمل أن يكون البعث في الثياب، والحشر عراة، وهذا الكلام بعيد في غاية البعد (٢). قال التُّورِبِشْتِي (٣): قائل هذا لم يصنع شيئًا، فإنه ظن أنه نَصَر السنَّةَ، وقد ضيَّع أكثر مما حفظ، وسعى في تحريف سنن كثيرة؛ ليسوِّي كلام أبي سعيد، وكيف وقد ورد عن أبي بكر الصديق ﵁: أنه أوصى أن يكفن في ثوبيه اللذين كان لابِسَهما، وقال: (اغسلوهما وكفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد)، وقال: (إنما هما للمُهْل والتراب) (٤)، وقد ورد في حديث علي ﵁: (لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبًا سريعًا) (٥)، وأمثال ذلك كثيرة، فيعلم من ذلك أن ثياب الميت وكفنه يفنيان ولا يبقيان معه. وقال المحققون من أهل الحديث: إن الثياب في قوله ﷺ : (الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها) كناية عن الأعمال التي يموت فيها، وقد ورد: "يبعث العبد على

стр. 1978

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما مات عليه من عمل صالح أو سيِّئ"، والعرب تكني بالثياب عن الأعمال لملابسة الرجل بها ملابسته بالثياب، وقيل في تأويل قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]: أي: أعمالك فأصلح، وأبو سعيد ﵁ فهم من كلامه ﷺ ما دل عليه الظاهر، فغاب عن مفهوم الكلام أيضًا. وقال الشيخ التُّورِبِشْتِي: وكان في الصحابة رضوان اللَّه عليهم مَن يقصر فهمه في بعض الأحايين عن المعنى المراد، والناس متفاوتون في ذلك، فلا يعدُّ أمثالُ ذلك عشرة (١)، وقد سمع عدي بن حاتم الطائي ﵁ قول اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فعمد إلى عقالين: أسود وأبيض، فوضعهما تحت وسادته، فلما سمع رسول اللَّه ﷺ قال: (إنك لعريض الوسادة)، وفي بعض طرقه: (إنك لعريض القفاء)، انتهى (٢). وهذا القول كما يُرى في الظاهر مما لا يُجترأ عليه؛ لما فيه من توهم نسبة النقص إلى الصحابة في فهم معاني أحاديث رسول اللَّه ﷺ ، ولكنه ليس كلامًا يبالَغ في إنكاره، وقد تكلم هذا الشيخ في حديث: (وإنما أنا قاسم واللَّه يعطي) (٣) أيضًا بمثل هذا الكلام، وقال: أعلم رسول اللَّه ﷺ أصحابه: أني ما فضَّلتُ ولا رجَّحتُ أحدًا من أمتي على

стр. 1979

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آخر في قسمة ما أوحي إلى من العلم والدين، بل سوَّيت بينهم في الإبلاغ، وعدلت في القسمة، والتفاوت بينهم إنما هو في إدراك وفهم معناه، وذلك عطاء من اللَّه وفضل منه، وقد كان بعض الأصحاب يسمعون حديثًا ولم يفهموا منه إلا [ما] هو الظاهر الجلي منه، وكان يسمعه بعضٌ آخر من قَرْنهم أو مَنْ بعدهم مِن التابعين وتبع التابعين، ويستنبطون منه معاني، ويخرِّجون مسائل، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، انتهى كلامه بمعناه. قال العبد الضعيف -أصلح اللَّه شأنه وصانه عما شانه-: ومن هذا القبيل ذرع الأزواج المطهرة ﵅ بقبضة أيديهن عند سماع حديث: (أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا) الحديث (١). ونقل الطيبي (٢) عن القاضي البيضاوي: أنه قال في جواب الشيخ التُّورِبِشْتِي: إن العقل لا يأبى حمله على ظاهره حسبما فهم منه الراوي، إذ لا يَبعد إعادة ثيابه البالية كما لا يَبعد إعادة عظامه الناخرة، فإن [الدليل] الدال على جواز إعادة المعدوم لا مخصِّص له بشيء دون شيء، انتهى. وفيه: أن الإشكال إنما هو من جهة منافاته الحديثَ الناطق: (يحشر الناس عراة) الدالَّ على عدم إعادة الثياب مع الميت، والآبيَ عن العمل على الظاهر، نعم قد زاد الشيخ في أثناء الكلام كون الأكفان والثياب: المهلَ والتراب، وكلام القاضي يصلح جوابًا عنه، ولكن هذه الزيادة المذكورة لا مما حاجة إليه في أصل الكلام. هذا وغاية ما يقال في توجيه حديث أبي سعيد وتوفيقه بالحديث الآخر: إنه ﵁

стр. 1980

١٦٤١ - [٨] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ، ــ إنما لبس الثياب الجدد لقصد النظافة والطهارة مثلًا، واتفق له في ذلك حضور الحديث الذي سمعه من رسول اللَّه ﷺ في ثياب الميت، فروى ذلك لمناسبة المقام، لا بيانًا بسبب لبس الثياب، وكان تأويله عنده ما ذكروه من إرادة الأعمال من الثياب لا الظاهر، ويمكن أن يكون مقصوده ﵁ من ذلك الإبهامَ بحمله على الظاهر، حرصًا على أمثال الظواهر، وإن كان حقيقة المراد غير ذلك، ومثله ما ذكره العلماء في قوله ﷺ : (سأزيد على السبعين) في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]-مع القطع بأن المراد به التكثير- تخييلًا لإظهار رحمة ورأفة على من بعث إليه، واللَّه أعلم. ١٦٤١، ١٦٤٢ - [٨، ٩] (عبادة بن الصامت، وأبو أمامة) قوله: (خير الكفن الحلة) الحلة: إزار ورداء من برود اليمن، ولا يطلق إلا على ثوبين، والمقصود -واللَّه أعلم- أنه لا ينبغي الاقتصار على الثوب الواحد، والثوبان خير منه، وإن أريد التشبه والكمال فثلاث على ما عليه الجمهور، وقد ذكر الشيخ ابن الهمام (١) من رواية محمد ابن الحسن عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي: أن رسول اللَّه ﷺ كفن في حلّة يمانية وقميص. ويحتمل أن يكون المراد أنه ينبغي أن يكون من برود اليمن، وفيه خطوط أحمر أو أخضر، ويفهم هذا من تقرير الطيبي (٢) حيث قال: اختار بعض الأئمة أن يكون الكفن

стр. 1981

وَخَيْرُ الأُضْحِيَةِ الْكَبْشُ الأَقْرَنُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٣١٥٦]. ١٦٤٢ - [٩] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. [ت: ١٥١٧، جه: ٣١٣٠]. ١٦٤٣ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُم الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣١٣٤، جه: ١٥١٥]. ــ من برود اليمن لهذا الحديث، والأصح أن الثوب الأبيض أفضل (١)، فافهم. وقوله: (وخير الأضحية الكبش الأقرن) قال الطيبي (٢): لكونه أعظم جثة وسِمَنًا في الغالب، انتهى. وقد جاء في الروايات أن فداء ولد إبراهيم الخليل ﵉ كان بذلك. ١٦٤٣ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (أن ينزع عنهم الحديد والجلود) المذهب عندنا أن ينزع عن الشهيد السلاح ولباس الحرب، وإن كان ثيابه أقلَّ من الكفن المسنون يزاد، وإن كان أكثر ينقص، ثم عدم غسل الشهيد متفق عليه بين الأئمة، وأما في الصلاة فخلاف، فعندنا يصلَّى، وعند مالك والشافعي لا يصلَّى، وعن أحمد قولان، والمشهور من مذهبه عدم الصلاة، وفي قول منه التخييرُ لتعارض الأدلة، والكلام مذكور في كتب الفقه (٣)، وقد بسطناه في (شرح سفر السعادة) فليرجع إليه.

стр. 1982

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٦٤٤ - [١١] عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ في بُرْدَةٍ، إِنْ غُطّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ -أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا- وَلَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٢٧٥]. ــ الفصل الثالث ١٦٤٤ - [١١] (سعد بن إبراهيم) قوله: (وهو خير مني) في (شرح الشيخ) (١): لعله قال ذلك تواضعًا منه، ويحتمل أن يكون ما استقر عليه الأمر من تفضيل العشرة بالنظر إلى من لم يقتل في زمن النبي ﷺ ، انتهى. يعني: ومصعب من شهداء أحد. وقوله: (وأراه قال) أي: أظن عبد الرحمن بن عوف أنه قال هذا أيضًا. وقوله: (أن تكون حسناتنا عجلت لنا) أي: فيدخل في عموم قوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] و ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وأمثال ذلك، أي: من كان العاجلةُ همَّه ولم يُرِد غيرها، وروي عن عمر ﵁: جاءه رجل بشربة من ماء فيه عسل فلم يشربه، وقال: نخشى أن نكون ممن قال اللَّه في حقهم ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] (٢)، وذلك من غاية الزهد

стр. 1983

١٦٤٥ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، قَالَ: وَكَانَ كسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا. . . . . ــ في الدنيا ﵃ أجمعين (١). ١٦٤٥ - [١٢] (جابر) قوله: (عبد اللَّه بن أبي) وكان منافقًا ظاهر النفاق. وقوله: (فنفث فيه) أي: في كفنه، كذا في الحواشي، قالوا: يحتمل أنه فعل ذلك قبل نزول قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، وقيل: فعل ذلك تأليفًا لابنه، فإنه كان من المؤمنين المخلِصين في غاية الإخلاص، كأنه أشار ﷺ : أنا فعلنا ما استطعنا وحكمُ اللَّه ماض، وقيل: التمس ذلك ابنُه ففعل، فجذبه عمر ﵁ قال: أليس نهاك اللَّه عن ذلك؟ فقال ﷺ : أنا في خيرة من ذلك لقوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، وههنا قال: (سأزيد على السبعين) فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، وكأنه فهم عمر النهي من موضع آخر، كذا في بعض الشروح (٢)، وجاء في كتب السير أنه آمن بعد ذلك من أصحاب [ابن] أُبَيٍّ ألف رجل، واللَّه أعلم. وقوله: (وكان) أي: [ابن] أُبَيّ (كسا عباسًا) عم رسول اللَّه ﷺ (قميصًا) يوم بدر حين أتي بأسارى بدر وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصًا،

стр. 1984

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٥٠، م: ٢٧٧٣]. * * * ٥ - باب المشي بالجنازة والصلاة عليها ــ فوجدوا قميص عبد اللَّه بن أبيٍّ يقدر عليه، فكساه إياه، وكان العباس بيِّن الطول، وكذلك كان عبد اللَّه بن أبي، فصنع رسول اللَّه ﷺ ما صنع مكافأة لما صنع بالعباس، حتى لا يبقى لمنافق عنده يد لم يجازه عليها، كذا قالوا (١). ٥ - باب المشي بالجنازة والصلاة عليها الباء للمصاحبة، ويجوز المشي والركوب في تشييع الجنازة، وتخصيص المشي بالذكر لكونه أكثر عادة وثوابًا، وينبغي للراكب أن يذهب خلف الجنازة، والماشي خلفها وأمامها، وخلفها أفضل، وكان أبو بكر وعمر ﵄ قد يمشيان أمامها، وسيجيء له تأويل. وأما الصلاة على الجنازة فهي فرض كفاية إجماعًا؛ لأن ما هو الغرض من قضاء حق الميت يحصل بالبعض، وشرط صحتها: إسلام الميت، وطهارته، ووضعه أمام المصلي، فبهذا القيد لا يجوز على غائب، ولا على حاضر محمول على دابة وغيرها، ولا موضوعٍ متقدم عليه المصلي. وإذا دفن بلا غسل، ولا يمكن إخراجه إلا بالنبش، سقط شرط الطهارة وصُلِّي على قبره بلا غسل للضرورة، بخلاف ما إذا لم يُهَلْ (٢) عليه التراب بعدُ، فإنه يُخرج فيغسل. ولو صُلي عليه بلا غسل جهلًا مثلًا، ولا يُخرج إلا بالنبش، تعاد لفساد الأولى،

стр. 1985

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٦٤٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً. . . . . ــ وقيل: تنقلب الأولى صحيحة عند تحقق العجز فلا تعاد، كذا ذكره في (شرح ابن الهمام) (١)، وسيأتي الكلام في قيد الحضور في صلاته ﷺ على النجاشي. الفصل الأول ١٦٤٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (أسرعوا بالجنازة) أي: بحملها إلى القبر، والأمر فيه للاستحباب بلا خلاف (٢)، وشذَّ ابن حزم الظاهري فقال بوجوبه بظاهر الأمر (٣)، وقيل: المراد بالإسراع تجهيزها، أو ما هو أعم من الأول، وينافيه (تضعونه عن رقابكم)، وتعقب بأن الحمل عن الرقاب يعبر به عن أداء الحق، كما يقال: حمل فلان عن رقبته ديونًا. والجنازة تطلق على الميت، والضمير في قوله: (فإن تك صالحة) راجعٌ إليها, ولا حاجة إلى إرجاعه إلى الجثة المحمولة، كما في بعض الشروح، ولا إلى ما قال الطيبي (٤): أَسند الفعلَ إلى الجنازة وأراد به الميت، وقال: إذ جعلت

стр. 1986

فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١٥، م: ٩٤٤]. ١٦٤٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَت لأَهْلهَا: يَا ويْلَهَا, أَيْن تذهبون بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءِ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ. . . . . ــ الجنازة عين الميت ووصفت بأعماله الصالحة. . . إلى آخر ما قرر، فافهم. وقوله: (فخير تقدمونها إليه) أي: فالإسراع سببُ خيرٍ تقدمون الجنازة إليه، وهو وصولها إلى جزاء عمله من نعيم القبر. ١٦٤٧ - [٢] (أبو سعيد) الخدري, قول: (إذا وضعت الجنازة) أي: وضع الميت على النعش. وقوله: (قالت) أي: الجنازة، قيل: القائل الروح، وأسند القول إلى الجنازة -وهو الجسد- مجازًا، وقيل: لا مانع من إن يردَّ اللَّه سبحانه الروح إلى الجسد في تلك الحال (١). وقوله: (يا ويلها) الويل: الهلاك، ينادي الهلاك ويقول: يا هلاكي احْضُرْ فهذا أوانُكَ، والظاهر أن يقول: يا ويلي، ولكنه من تصرف الراوي كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه، وقيل: لما كان أبصر نفسه غير صالحةٍ نزعها وجعلها كأنها غيره، وهذه نكتة، والوجه هو الأول.

стр. 1987

لَصَعِقَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣١٦]. ١٦٤٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١٠، م: ٩٥٩]. ١٦٤٩ - [٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَرَّتْ جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقُمْنَا مَعَهُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ، فَقَالَ: "إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، ــ وقوله: (لصعق) أي: مات، وقيل: يغشى عليه، والصعق يجيء بالمعنيين. ١٦٤٨ - [٣] (وعنه) قوله: (فقوموا) ترحيبًا للميت وتعظيمًا لإيمانه، أو تهويلًا للموت وتفظيعًا له، وهو المفهوم من حديث جابر (١). وقوله: (حتى توضع) أي: بالأرض، وقيل: في اللحد، والأول أصح وأوفق بالأحاديث، وترجم البخاري (٢): (باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال) (٣). ١٦٤٩ - [٤] (جابر) قوله: (مرت جنازة) بضم الميم وفتحها، والضم أكثر. وقوله: (فزع) الرواية بفتح الزاي، أي: محلُّ فزع (٤).

стр. 1988

فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَة فَقُومُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١١, م: ٩٦٠]. ١٦٥٠ - [٥] وَعَن عَليٍّ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فَقُمْنَا وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا، يَعْنِي فِي الْجَنَازَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَبِي دَاوُدَ: قَامَ فِي الْجَنَازَةِ ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ. [م: ٩٦٢، ط: ٣٣، د: ٣١٧٥]. ١٦٥١ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، ــ ١٦٥٠ - [٥] (علي ﵁) قوله: (قام فقمنا) وفي رواية أبي ذر: (وقمنا) بالواو، وأما قوله: (فقعدنا) فبالفاء، وللحديث معنيان: أحدهما: أنه قام لرؤية الجنازة، ثم قعد بعد تجاوزه وبُعده عنه، وثانيهما: أنه كان أولًا يقوم، ثم قعد، فيكون الأول منسوخًا، أو دل فعله الأخير على أن الأول كان مندوبًا لا واجبًا. ١٦٥١ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من اتبع) بالتشديد، وللأصيلي: (تبع) على وزن سمع. وقوله: (حتى يصلي) بكسر اللام، ويروى بفتحها والفتح أكثر، ولكنها محمولة على الكسر، فإن حصول القيراطين موقوف على وجود الصلاة من الذي يتَّبع، كذا في بعض الشروح نقلًا عن الشيخ (١). وقوله: (يفرغ) بصيغة المعلوم، وفي رواية بالمجهول، والقيراط جزء من أربعة

стр. 1989

كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٢٥، ٩٤٥]. ١٦٥٢ - [٧] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَات. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١٨، م: ٩٥١]. ــ وعشرين، وهو ثلث الثمن، كذا نقل عن (نزهة الحسَّاب) (١)، وقال الجوهري (٢): القيراط: نصف الدانق، فهو جزء من اثني عشر؛ لأن الدانق جزء من ستة. وقال في (القاموس) (٣): القيراط يختلف وزنه بحسب البلاد، فبمكة: ربع سدس دينار، وبالعراق: نصف عُشره، والقيراط: أصله قِرّاط برائين، فأبدل من إحدى حرفي التضعيف ياء بدليل جمعه على قراريط؛ كدينار ودِنّار لجمعه على دنانير، والمراد في الحديث: القسط والنصيب (٤). ١٦٥٢ - [٧] (وعنه) قوله: (نعى للناس) أخبرهم بموته، نعاه له نعيًا ونعوًا

стр. 1990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونعيانًا: أخبره بموته (١)، والنجاشي (٢) اسمه أصحمة بفتح الهمزة وسكون صاد وفتح حاء مهملتين على الصواب، ولبعضهم صحمة، ولآخرين صمحة، كذا في (شرح صحيح مسلم) (٣)، والنجاشي لقب ملك الحبشة، وهو بفتح النون -وقيل: بكسرها- وخفة جيم وبمعجمة وخفة ياء وهو الأكثر، وعن صاحب (التكملة): تشديدها، وقيل: بهما، وتشديد جيمه خطأ. والحديث متمسَّك الشافعي في الصلاة عن الغائب، ونحن نقول: رُفع سريره له ﷺ حتى رآه بحضرته، أو كشف له، فيكون صلاة من خلفه كالصلاة على ميت يراه الإمام ويحضره دون المأمومين، وهذا غير مانع من الاقتداء، وقيل: ذلك مخصوص بالنجاشي فلا يلحق به غيره وإن كان أفضل منه، كشهادة خزيمة من شهادة الصديق. وفي صلاته ﷺ على غير النجاشي كمعاوية المزني الذي مات بالمدينة والنبيُّ ﷺ بتبوك، وعلى زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب استُشهدا بمؤتةٍ كلام من حيث إسناد الأحاديث التي رويت فيها، وعلى تقدير التسليم إنما قلنا بتخصيصه بالنجاشي على تقديرِ أن لم يرفع ولم يكشف سريره للنبي ﷺ ، وأما على تقدير الرفع والكشف فلا

стр. 1991

١٦٥٣ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٥٧]. ــ صلاة على الغائب، وفي قصة زيد وجعفر كان كذلك (١). ١٦٥٣ - [٨] (عبد الرحمن بن أبي ليلى) قوله: (كبر على جنازة خمسًا) قد اتفق الأئمة الأربعة على أن التكبيرات في صلاة الجنازة أربع (٢)، وردت فيها الأحاديث الصحيحة من الكتب الستة، وجاء في بعض الروايات الخمسُ وأكثر منها، والذي ثبت من فعله ﷺ آخرًا هي الأربع. وقال في (فتح الباري) (٣): قد اختلف السلف في ذلك، فروى مسلم عن زيد بن أرقم أنه كبر خمسًا، ورفع ذلك إلى النبي ﷺ ، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود ﵁: (أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبَّر خمسًا)، وروى ابن المنذر وغيره [عن عليٍّ]: (أنه كان يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى باقي الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا) وذهب بكر بن عبد اللَّه المزني: أنه لا يُنقص من ثلاث ولا يزاد على سبع، وقال أحمد مثله، لكن قال: لا يُنقص من أربع، وروي عن أنس الاقتصار على ثلاث، وروي أيضًا أنه كبر على جنازة ثلاثًا، ثم انصرف ناسيًا، فقيل: يا أبا حمزة إنك كبَّرت ثلاثًا، قال: فصُفُّوا، فصَفَّوا فكبَّر الرابعة. وقال: والذي نختاره ما ثبت عن عمر، فإنه جمع الناس على أربع، وروى البيهقي بإسناد [حسن إلى] أبي وائل قال: كانوا يكبرون

стр. 1992

١٦٥٤ - [٩] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٣٥]. ــ على عهد رسول اللَّه ﷺ سبعًا وخمسًا وستًا وأربعًا، فجمع عمر الناس على أربع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار يزيد التكبير على أربع إلا ابن أبي ليلى، انتهى. وقال الشُّمُنِّي: قال محمد في (الآثار) (١): عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي: أن الناس كانوا يكبرون على الجنائز خمسًا وستًّا وأربعًا حتى قبض النبي ﷺ ، ثم كبروا كذلك في ولاية أبي بكر، ثم ولي عمر ففعلوا ذلك، فقال لهم عمر: إنكم أصحاب محمد متى تختلفون يختلف الناس بعدكم، والناس حديث عهد بالجاهلية، فاجمعوا على شيء يجتمع عليه مَنْ بعدكم، فاجتمع رأي أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن ينظروا آخر جنازة كبر عليها [النبي ﷺ حين قبض] فيأخذوا به ويرفضوا ما سواه، [فنظروا] فوجدوا آخر جنازة كبر عليها أربعًا، فأجمعوا عليه. ثم إنه لا دعاء بعد التكبيرة الرابعة، بل يسلم من غير ذكر بعدها في ظاهر الرواية، واستحسن بعض المشايخ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، و ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآيتين، كذا في (شرح ابن الهمام) (٢). ١٦٥٤ - [٩] (طلحة بن عبد اللَّه بن عوف) قوله: (فقرأ فاتحة الكتاب) قال علماؤنا: لا يقرأ الفاتحة إلا أن يقرأها بنية الثناء، ولم يثبت القراءة عن رسول اللَّه ﷺ ،

стр. 1993

١٦٥٥ - [١٠] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْج وَالْبَرَدِ، وَنقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلَا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. . . . . . ــ وفي (موطأ مالك): عن نافع: أن ابن عمر كان لا يقرأ في صلاة الجنازة، ويصلي بعد التكبيرة الثانية كما يصلي في التشهد وهو الأولى، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١)، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والثوري، وكان عمل الصحابة في ذلك مختلفًا. وقال الطحاوي (٢): لعل قراءة بعض الصحابة الفاتحة في صلاة الجنازة كان بطريق الثناء والدعاء لا على وجه القراءة، وعند مالك والشافعي: يقرأ الفاتحة، ويظهر من كلام (فتح الباري) (٣) أن مرادهم بذلك مشروعية القراءة لا وجوبها، وقال الكرماني (٤): يجب، والمراد بالسنة التي وقع في كلام ابن عباس: الطريقة المسلوكة في الدين، وبه قال الطيبي (٥). ١٦٥٥ - [١٠] (عوف بن مالك) قوله: ) (وكرم نزله) بضم النون والزاي وتسكن: ما يقدم إلى الضيف من الطعام.

стр. 1994

وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ" قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٦٣]. ١٦٥٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَة لما تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَتِ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ علَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ. . . . . ــ وقوله: (ومن عذاب النار) (أو) للشك أو بمعنى الواو، وقد جاء في رواية بالواو. وقوله: (قال) أي: عوف بن مالك، والميت كان أبا سلمة. ١٦٥٦ - [١١] (أبو سلمة بن عبد الرحمن) قوله: (لما توفي سعد بن أبي وقاص) توفي ﵁ في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل إليها على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في إمرة معاوية، وعلى المدينة مروان. وقوله: (قالت: ادخلوا به المسجد) فأصلي عليه، وفي رواية لمسلم (١): (أرسلت أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه). وقوله: (فأنكر ذلك عليها) على صيغة الماضي المجهول، أنكره الصحابة. وقوله: (على ابني بيضاء) امرأة اسمها دعد بنت الجحدم، وسهل وسهيل ابناها من الصحابة، ينسبان إلى الأم، واسم أبيهما وهب بن ربيعة، ويظهر مما ذكر في (جامع الأصول) (٢): أن سهلًا وسهيلا كلاهما مات في حياة النبي ﷺ بالمدينة، وأما صلاته ﷺ

стр. 1995

فِي الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧٣]. ــ فلم يذكرها إلا على سهل بلا ياء، ويفهم من هذا الحديث عن عائشة عند مسلم أنه صلى عليهما، وقد جاء في رواية لمسلم تخصيصها بسهيل بالياء، وذكر التُّورِبِشْتِي (١): أنهم لم يختلفوا في سهيل أنه مات بالمدينة سنة تسع، وصلى عليه رسول اللَّه ﷺ في المسجد، وأما سهل فقيل: إنه مات في زمان رسول اللَّه ﷺ وهو الأكثر، وذكر عن الواقدي: أنه مات بعد رسول اللَّه ﷺ ، وروى مالك بن أنس هذا الحديث عن أبي النضر عن أبي سلمة، ولم يذكر فيه سهلًا، وأرسل الحديث، وقد روي هذا الحديث عن عائشة مبيَّنًا، وذكر فيه سهلًا وسهيلًا، انتهى كلام التُّورِبِشْتِي، واللَّه أعلم. إذا عرفت هذا فاعلم أنهم اختلفوا في صلاة الجنازة في المسجد، فعندنا مكروه، سواء كان الميت والقوم في المسجد، أو كان الميت خارج المسجد والقوم في المسجد، أو كان الإمام مع بعض القوم خارج المسجد والميت والباقون في المسجد، أو الميت في المسجد والإمام والقوم خارج المسجد، قال في (الخلاصة): هكذا في (الفتاوى الصغرى)، وقال: هو المختار، خلافًا لما أورده النسفي، كذا نقل الشيخ ابن الهمام (٢)، وقال: وهذا الإطلاق في الكراهة بناء على أن المسجد إنما بني للصلاة المكتوبة وتوابعها من النوافل والذكر وتدريس العلم. وقيل: لا يكره إذا كان الميت خارج المسجد، وهو بناء على أن الكراهة لاحتمال تلويث المسجد، والأول هو الأوفق لإطلاق الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة (٣)

стр. 1996

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له)، وروي: (فلا شيء له). ثم هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ روايتان، ويظهر لي أنّ الأَولى كونها تنزيهية، إذ الحديث ليس هو نصًا غير مصروف، ولا قرن الفِعْل بوعيد بل سلبُ الأجر، وسلب الأجر لا يستلزم ثبوت استحقاق العقاب؛ لجواز الإباحة، ويجوز أن يكون المراد نفي الأجر الكامل، وقد يقال: إن الصلاة نفسها سببٌ موضوع للثواب، فسلبُ الثواب مع فعلها لا يكون إلا باعتبار ما يقرن بها من إثم يقاوم ذلك، وفيه نظر لا يخفى، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١). وهذا هو مذهب مالك، والظاهر من قوله ﵀: (لا أحبه) كراهة التنزيه، وعند الشافعي جائزة، وما وجدنا فيه نصًا من الإمام أحمد ﵀ في كتابه (٢)، ولكنه قد يفهم من تخصيص الشارحين الخلاف بأبي حنيفة ومالك أن أحمد مع الشافعي في ذلك، واللَّه أعلم. دليل الشافعي الحديث المذكور في الكتاب، وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وقد أقسمت عائشة فيه على صلاة رسول اللَّه ﷺ على ابني بيضاء في المسجد، وفي رواية: أنها قالت لما أنكر عليها: (ما أسرع مَا نسِيَ الناسُ! ما صلى رسول اللَّه ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد) (٣)، وفي رواية: (فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فقالت عائشة:

стр. 1997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما أسرع الناس أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد، وما صلى رسول اللَّه ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد) (١). وتمسك أبو حنيفة ومالك بالحديث المذكور عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له)، وروي: (فلا شيء له) (٢). وأما حديث عائشة فروايةُ واقعةٍ لا عموم لها، وما يثبت به إلا أنه ﷺ فعل ذلك ولو مرة أو مرتين، ويجوز أن يكون ذلك لضرورة دعت إليه، وقد يروى: أن رسول اللَّه ﷺ كان معتكفًا، لهذا صلى في المسجد، ويروى أيضًا: أن الجنازة كانت خارج المسجد، وفي هذه الصورة اختلاف بين الحنفية، وأيضًا قالوا: إن مصلى المسجد كان مكانًا متصلًا بالمسجد، فيحتمل أن رواية الصلاة في المسجد باعتبار كونه قريبًا من المسجد متصلًا به، وما جاء في رواية مسلم: (فوضعت عند حُجَرِهن) أيضًا مبني على ذلك، ويظهر أيضًا أن ذلك مبنَى ما يروى عن أبي يوسف أنه قال: إن كان مسجد معدًّا لذلك جازت فيه بلا كراهة، واللَّه أعلم. على أن إنكار الصحابة والتابعين مع كثرتهم دليل على أن الأمر استقر بعد ذلك على تركه ونسخه، ونسبة عائشة ﵂ عدم العلم والنسيان إليهم محل كلام، ويحتمل أن تكون عائشة هي غير عالمة بالنسخ، وهو الظاهر لكثرتهم وإيقانهم، على أن في خروج النبي ﷺ إلى المصلى للصلاة على النجاشي دليلًا ظاهرًا على كراهته في المسجد، ولو كانت جائزة في المسجد لم يخرج كما هو الظاهر. وقال بعض الشافعية: إن حديث أبي هريرة ضعيف؛ لأنه من أفراد صالح مولى

стр. 1998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التوأمة، وهو يضعَّف، وعلى تقدير التسليم [فإن] الرواية: (فلا شيء عليه) -كما رواه الخطيب البغدادي- والمعنى: فلا حرج ولا إثم عليه. وقال الشيخ ابن الهمام (١): مولى التوأمة ثقة، لكنه اختلط في آخر عمره، وأسند النسائي إلى ابن معين أنه قال: هو ثقة، لكنه اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة، وكلهم على أن ابن أبي ذئب راوي هذا الحديث عنه سمع منه قبل الاختلاط، فوجب قبوله بخلاف سفيان أو غيره، ورواية: (فلا شيء له) مشهور، ولا يعارضه رواية: (فلا شيء عليه)، انتهى كلام الشيخ. وقال العبد الضعيف: رواه في (الهداية) (٢): (فلا أجر له)، ورواه صاحب (جامع الأصول) (٣): (فلا شيء له)، وقال: في نسخة: (فلا شيء عليه)، ويظهر من ذلك أن الأصل والأكثر (فلا شيء له)، وروى السيوطي في (جمع الجوامع) (٤): (فليس له شيء)، وإذا ثبت أن الأكثر المشهور (فلا شيء له) ينبغي أن يحمل عليه رواية (فلا شيء عليه) إن ثبت، على معنى: فلا أجر له على هذا العمل، تطبيقًا وحملًا للظاهر على النص، واللَّه أعلم. وما روي: أن أبا بكر وعمر ﵄ قد صلي عليهما في المسجد، كما روى ابن أبي شيبة (٥): أنه صلى عمر على أبي بكر، وصهيب على عمر في المسجد، وقد حضرها

стр. 1999

١٦٥٧ - [١٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْه. [خ: ١٣٣٢، م: ٩٦٤]. ــ المهاجرون والأنصار، فلم ينكر ذلك أحد، فعلى تقدير ثبوته يحمل على أن الجنازة كانت خارج المسجد. هذا والحق أن قولهم إن كان أن السنة والأفضل أن يصلَّى في المسجد، فهو باطل قطعًا (١)، وإلا لكان هو المعمول في زمن النبي ﷺ ولتوارث بعده، ولم ينكره أحد، بل لم يتركه أحد إلا لضرورة، وليس فليس، وإن كان المقصود أصل الجواز والإباحة فلا مناقشة على أن المختار عندنا الكراهة التنزيهية، ومآله أن الأولى والأفضل خصوصًا إذا كانت الجنازة خارج المسجد، فلا خلاف في الحقيقة، هذا وقد اعتاد في زماننا الصلاة في الحرم الشريف استحسانًا من المتأخرين، واللَّه أعلم. ١٦٥٧ - [١٢] (سمرة بن جندب) قوله: (ماتت في نفاسها) القيد اتفاقي، وبيان لواقعة رأى فيها، واللَّه أعلم. وقوله: (فقام وسطها) الرواية المشهورة بالتحريك، وقد يسكن، والفرق بينهما أن المتحرك ما بين الطرفين والساكن أعم، قالوا: المتحرك ساكن والساكن متحرك، واستدل به الشافعي على أن المستحب أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة، والمذهب عندنا أن يقوم الإمام حذاء صدر الميت رجلًا كان أو امرأة، ويناسبه رواية وسط. قال الشيخ ابن الهمام (٢): هذا لا ينافي كونه الصدرَ، بل الصدر وسطٌ باعتبار

стр. 2000

١٦٥٨ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَالَ: "مَتَى دُفِنَ هَذا؟ " قَالُوا: الْبَارِحَة. قال: "أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟ " قالوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٤٧، م: ٩٥٤]. ــ توسط الأعضاء، إذ فوقه يداه ورأسه وتحته بطنه وفخذاه، ويحتمل أنه وقف كما قلنا إلا أنه مال إلى العجيزة في حقها، فظن الراوي ذلك لتقارب المحلين، واستدلوا بما روى أبو داود والترمذي من فعل أنس: أنه قام على جنازة رجل، فقام عند رأسه، ثم جيء بجنازة امرأة فصلى عليها وقام حذاء عجيزتها، ثم سئل أنس: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول اللَّه ﷺ يصلي على الجنازة كصلاتك: يكبر عليها أربعًا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم (١). وأجاب الحنفية عنه بأنه إنما قام عند عجيزة المرأة لأنه لم يكن النعوش حينئذ، فكان يقوم حيال عجيزتها يسترها من القوم، وسيأتي ذلك في آخر الفصل الثاني من حديث أبي غالب (٢)، وقد قال الشُّمُنِّي: إنه روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يقوم من المرأة حذاء العجيزة كما هو مذهب الجماعة. ١٦٥٨ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (البارحة) الليلة الماضية، إن ذكرت قبل الزوال يقال لها: الليلة، وإن ذكرت بعده يقال: البارحة. وقوله: (فصلى عليه) أي: على القبر بعد ما كان الناس قد صلوا عليه، كذا يفهم من بعض الأحاديث، وهو الظاهر لأن دفنهم الميت بدون الصلاة بعيد.
следующие страницы →