. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له)، وروي: (فلا شيء له).
ثم هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ روايتان، ويظهر لي أنّ الأَولى كونها تنزيهية، إذ الحديث ليس هو نصًا غير مصروف، ولا قرن الفِعْل بوعيد بل سلبُ الأجر، وسلب الأجر لا يستلزم ثبوت استحقاق العقاب؛ لجواز الإباحة، ويجوز أن يكون المراد نفي الأجر الكامل، وقد يقال: إن الصلاة نفسها سببٌ موضوع للثواب، فسلبُ الثواب مع فعلها لا يكون إلا باعتبار ما يقرن بها من إثم يقاوم ذلك، وفيه نظر لا يخفى، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١). وهذا هو مذهب مالك، والظاهر من قوله ﵀: (لا أحبه) كراهة التنزيه، وعند الشافعي جائزة، وما وجدنا فيه نصًا من الإمام أحمد ﵀ في كتابه (٢)، ولكنه قد يفهم من تخصيص الشارحين الخلاف بأبي حنيفة ومالك أن أحمد مع الشافعي في ذلك، واللَّه أعلم.
دليل الشافعي الحديث المذكور في الكتاب، وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وقد أقسمت عائشة فيه على صلاة رسول اللَّه ﷺ على ابني بيضاء في المسجد، وفي رواية: أنها قالت لما أنكر عليها: (ما أسرع مَا نسِيَ الناسُ! ما صلى رسول اللَّه ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد) (٣)، وفي رواية: (فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فقالت عائشة:
стр. 1997
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما أسرع الناس أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد، وما صلى رسول اللَّه ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد) (١).
وتمسك أبو حنيفة ومالك بالحديث المذكور عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له)، وروي: (فلا شيء له) (٢). وأما حديث عائشة فروايةُ واقعةٍ لا عموم لها، وما يثبت به إلا أنه ﷺ فعل ذلك ولو مرة أو مرتين، ويجوز أن يكون ذلك لضرورة دعت إليه، وقد يروى: أن رسول اللَّه ﷺ كان معتكفًا، لهذا صلى في المسجد، ويروى أيضًا: أن الجنازة كانت خارج المسجد، وفي هذه الصورة اختلاف بين الحنفية، وأيضًا قالوا: إن مصلى المسجد كان مكانًا متصلًا بالمسجد، فيحتمل أن رواية الصلاة في المسجد باعتبار كونه قريبًا من المسجد متصلًا به، وما جاء في رواية مسلم: (فوضعت عند حُجَرِهن) أيضًا مبني على ذلك، ويظهر أيضًا أن ذلك مبنَى ما يروى عن أبي يوسف أنه قال: إن كان مسجد معدًّا لذلك جازت فيه بلا كراهة، واللَّه أعلم. على أن إنكار الصحابة والتابعين مع كثرتهم دليل على أن الأمر استقر بعد ذلك على تركه ونسخه، ونسبة عائشة ﵂ عدم العلم والنسيان إليهم محل كلام، ويحتمل أن تكون عائشة هي غير عالمة بالنسخ، وهو الظاهر لكثرتهم وإيقانهم، على أن في خروج النبي ﷺ إلى المصلى للصلاة على النجاشي دليلًا ظاهرًا على كراهته في المسجد، ولو كانت جائزة في المسجد لم يخرج كما هو الظاهر.
وقال بعض الشافعية: إن حديث أبي هريرة ضعيف؛ لأنه من أفراد صالح مولى
стр. 1998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التوأمة، وهو يضعَّف، وعلى تقدير التسليم [فإن] الرواية: (فلا شيء عليه) -كما رواه الخطيب البغدادي- والمعنى: فلا حرج ولا إثم عليه.
وقال الشيخ ابن الهمام (١): مولى التوأمة ثقة، لكنه اختلط في آخر عمره، وأسند النسائي إلى ابن معين أنه قال: هو ثقة، لكنه اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة، وكلهم على أن ابن أبي ذئب راوي هذا الحديث عنه سمع منه قبل الاختلاط، فوجب قبوله بخلاف سفيان أو غيره، ورواية: (فلا شيء له) مشهور، ولا يعارضه رواية: (فلا شيء عليه)، انتهى كلام الشيخ.
وقال العبد الضعيف: رواه في (الهداية) (٢): (فلا أجر له)، ورواه صاحب (جامع الأصول) (٣): (فلا شيء له)، وقال: في نسخة: (فلا شيء عليه)، ويظهر من ذلك أن الأصل والأكثر (فلا شيء له)، وروى السيوطي في (جمع الجوامع) (٤): (فليس له شيء)، وإذا ثبت أن الأكثر المشهور (فلا شيء له) ينبغي أن يحمل عليه رواية (فلا شيء عليه) إن ثبت، على معنى: فلا أجر له على هذا العمل، تطبيقًا وحملًا للظاهر على النص، واللَّه أعلم.
وما روي: أن أبا بكر وعمر ﵄ قد صلي عليهما في المسجد، كما روى ابن أبي شيبة (٥): أنه صلى عمر على أبي بكر، وصهيب على عمر في المسجد، وقد حضرها
стр. 1999
١٦٥٧ - [١٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْه. [خ: ١٣٣٢، م: ٩٦٤].
ــ
المهاجرون والأنصار، فلم ينكر ذلك أحد، فعلى تقدير ثبوته يحمل على أن الجنازة كانت خارج المسجد.
هذا والحق أن قولهم إن كان أن السنة والأفضل أن يصلَّى في المسجد، فهو باطل قطعًا (١)، وإلا لكان هو المعمول في زمن النبي ﷺ ولتوارث بعده، ولم ينكره أحد، بل لم يتركه أحد إلا لضرورة، وليس فليس، وإن كان المقصود أصل الجواز والإباحة فلا مناقشة على أن المختار عندنا الكراهة التنزيهية، ومآله أن الأولى والأفضل خصوصًا إذا كانت الجنازة خارج المسجد، فلا خلاف في الحقيقة، هذا وقد اعتاد في زماننا الصلاة في الحرم الشريف استحسانًا من المتأخرين، واللَّه أعلم.
١٦٥٧ - [١٢] (سمرة بن جندب) قوله: (ماتت في نفاسها) القيد اتفاقي، وبيان لواقعة رأى فيها، واللَّه أعلم.
وقوله: (فقام وسطها) الرواية المشهورة بالتحريك، وقد يسكن، والفرق بينهما أن المتحرك ما بين الطرفين والساكن أعم، قالوا: المتحرك ساكن والساكن متحرك، واستدل به الشافعي على أن المستحب أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة، والمذهب عندنا أن يقوم الإمام حذاء صدر الميت رجلًا كان أو امرأة، ويناسبه رواية وسط.
قال الشيخ ابن الهمام (٢): هذا لا ينافي كونه الصدرَ، بل الصدر وسطٌ باعتبار
стр. 2000
١٦٥٨ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَالَ: "مَتَى دُفِنَ هَذا؟ " قَالُوا: الْبَارِحَة. قال: "أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟ " قالوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٤٧، م: ٩٥٤].
ــ
توسط الأعضاء، إذ فوقه يداه ورأسه وتحته بطنه وفخذاه، ويحتمل أنه وقف كما قلنا إلا أنه مال إلى العجيزة في حقها، فظن الراوي ذلك لتقارب المحلين، واستدلوا بما روى أبو داود والترمذي من فعل أنس: أنه قام على جنازة رجل، فقام عند رأسه، ثم جيء بجنازة امرأة فصلى عليها وقام حذاء عجيزتها، ثم سئل أنس: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول اللَّه ﷺ يصلي على الجنازة كصلاتك: يكبر عليها أربعًا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم (١).
وأجاب الحنفية عنه بأنه إنما قام عند عجيزة المرأة لأنه لم يكن النعوش حينئذ، فكان يقوم حيال عجيزتها يسترها من القوم، وسيأتي ذلك في آخر الفصل الثاني من حديث أبي غالب (٢)، وقد قال الشُّمُنِّي: إنه روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يقوم من المرأة حذاء العجيزة كما هو مذهب الجماعة.
١٦٥٨ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (البارحة) الليلة الماضية، إن ذكرت قبل الزوال يقال لها: الليلة، وإن ذكرت بعده يقال: البارحة.
وقوله: (فصلى عليه) أي: على القبر بعد ما كان الناس قد صلوا عليه، كذا يفهم من بعض الأحاديث، وهو الظاهر لأن دفنهم الميت بدون الصلاة بعيد.
стр. 2001
١٦٥٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ -أَوْ شَابٌّ- فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا -أَوْ عَنْهُ- فَقَالُوا: مَاتَ. قالَ: "أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ ". قالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا -أَوْ أَمْرَهُ- فَقَالَ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ" فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا، .
ــ
١٦٥٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (كانت تقم) بضم القاف، قَمَّ البيت: كَنَسَه.
وقوله: (أو شاب) شك من الراوي بأن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شاب أسود كان يقمه.
وقوله: (فقدها) أي: لم يرها حاضرة في المسجد، هذا من قبيل اكتفاء ذكر حال المرأة، واكتفى به عن ذكر حال الرجل كما جاء في رواية: (أو شاب)، وقد يوجد في بعض النسخ: (أو فقده) على سبيل الشك، ويلائمه قوله: (فسأل عنها أو عنه) و (أمرها أو أمره).
وقوله: (قال: فكأنهم) قول الراوي من أبي هريرة، وفاعل (قال): أبو هريرة، كان الصحابة تخيلوا أن ذلك الميت حقير لا يليق أن يكلف لأجله رسول اللَّه ﷺ ، وذلك لغاية تعظيمهم أمره ﷺ .
وقوله: (دُلُّوني على قبره) وهو الموجود في أكثر النسخ، وفي بعضها: (قبرها)، وعلى كل تقدير هو من باب الاكتفاء، ويمكن أن يكون الضمير للميت أو للشخص.
واعلم أن الصلاة على القبر مختلف فيه بين العلماء، فذهب الجمهور إلى مشروعيتها سواء صلِّي أولًا أو لا، والنخعي وأبو حنيفة ومالك على أنه يصلى إن لم يصلَّ أولًا وإلا فلا، وفي رواية عن أحمد كذلك، وعن مالك أن من صلى أولًا مرة على الجنازة لم يصل على القبر. وأيضًا إنما يصلى عند أبي حنيفة إن لم يتفسَّخ في القبر،
стр. 2002
ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ. [خ: ١٣٣٧، م: ٩٥٦].
١٦٦٠ - [١٥] وَعَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ مَاتَ لَهُ ابْنٌ بِقُدَيْدٍ -أَوْ بِعُسْفَانَ- فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ! انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَاسٌ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ فَأَخْبَرْتُهُ،
ــ
وقدَّره بعضهم بثلاثة أيام، وفي رواية عن محمد: يصلِّى ما لم يتمزق، وهو مقدر إلى شهر، وقد جاء مثل ذلك في بعض الأحاديث، كذا في حواشي (الهداية) (١).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما جاء من ذلك لم يكن على وجه الصلاة، وإنما كان دعاء واستغفارًا فحسب، ولذا لم تذكر التكبيرات في بعض تلك الروايات، وما ذكرت فيه التكبيرات من الروايات لم تصح، كما يروى من صلاته ﷺ على شهداء أحد بعد ثمان سنين، وكان ذلك بطريق التوديع لا الصلاة، أو كان ذلك من خصائصه ﷺ ، حتى ذهب بعض العلماء أن الصلاة على القبر مطلقًا من خصائص النبوة كما يفهم من قوله: (إن اللَّه ينورها لهم بصلاتي عليهم) (٢).
١٦٦٠ - [١٥] (كريب مولى ابن عباس) قوله: (مات له ابن) الظاهر أن (له) صفة لابن قدمت عليه للاهتمام، ويجوز أن يكون متعلقًا بـ (مات)، لأن في موت الولد نفعًا للوالد، و (قديد) و (عسفان) بضم أوّلهما: موضعان بين مكة والمدينة، وعسفان أقرب إلى مكة من قديد.
وقوله: (انظر ما اجتمع له) (ما) عامة للعقلاء وغيرهم، إذ المراد الصفة، كما
стр. 2003
فَقَالَ: تَقُولُ: هُمْ أَرْبَعُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَخْرِجُوهُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٌ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٤٨].
١٦٦١ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِئَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٤٧].
ــ
فعله البيضاوي في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٦ - ٧].
وقوله: (فقال: يقول) كذا في نسخة الأصل (يقول) بالتحتانية، أي: قال كريب: يقول ابن عباس، وقوله: (هم أربعون) بحذف حرف الاستفهام، وفي نسخة صحيحة: (فقال: تقول) بالفوقانية، أي: قال ابن عباس خطابًا لي تقول: هم أربعون؟
وقوله: (قال: نعم) أي: قال كريب: قلت: نعم.
وقوله: (ما من رجل) ظاهره يدل على أن الابن كان بلغ مبلغ الرجال، أو قاس غير الرجال عليه.
وقوله: (فيقوم) أي: يصلون، وفيه إيماء إلى أن مجرد قيام المؤمنين الموحدين على الجنازة ودعائهم له مؤثر.
١٦٦١ - [١٦] (عائشة ﵂) قوله: (يبلغون مئة) لا منافاة بينه وبين حديث ابن عباس؛ لأن الظاهر أن الأربعين أقل من يرجى شفاعتهم والمئة أكثرهم، وقال التُّورِبِشْتِي (١): السبيل في أمثال هذا الحديث أن يكون الأقل من العددين متأخرًا فضلًا
стр. 2004
١٦٦٢ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَجَبَتْ"، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: "وَجَبَتْ" فَقَالَ عُمَرُ: مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ: "هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الأَرْض". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: "الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ". [خ: ١٣٦٧، م: ٩٤٩].
١٦٦٣ - [١٨] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ". قُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: "وَثَلَاثَةٌ". قُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: "وَاثْنَانِ"، ثُمَّ لم نَسْأَلَهُ عَنِ الْوَاحِدِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٦٨].
ــ
من اللَّه وتكرمًا على عباده.
١٦٦٢ - [١٧] (أنس) قوله: (فأثنوا عليها) من إطلاق الثناء في الشر للمشاكلة.
وقوله: (هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة) معناه: أن الذين أثنوا عليه رأوا منه الخير والصلاح، وذلك علامة كون الرجل من أهل الجنة، وفي الثناء بالشر على عكس ذلك، وقطعه ﷺ باطِّلاعه عليه، كذا قالوا، ولا يذهب عليك أن قوله ﷺ : (أنتم شهداء) يدل بظاهره أن من شهد له أو عليه المؤمنون يثبت به قطعًا ما شهدوا به، فعلى هذا يكون المراد المؤمنون أهل الصدق والتقوى من غير مدخلية غرض نفساني، لا سيما إذا كانوا من أهل الإجماع لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فافهم.
١٦٦٣ - [١٨] (عمر) قوله: (ثم لم نسأله عن الواحد) ولعله لو سئل عنه لأجاب بقوله: وواحد، واللَّه أعلم، وهذا إخبار وإشارة منه ﷺ بكمال سعة رحمة اللَّه ورجاء
стр. 2005
١٦٦٤ - [١٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٩٣].
١٦٦٥ - [٢٠] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: . . . . .
ــ
وتوقع لذلك من فضله وكرمه، واللَّه ذو الفضل العظيم، واللَّه أعلم (١).
١٦٦٤ - [١٩] (عائشة) قوله: (لا تسبوا الأموات) النهي عن سب الأموات إنما هو في غير المنافق والكافر والفاسق المجاهر بفسقه، وأما هؤلاء فلا يحرم سبُّهم للتحذير من طريقهم، كما في الغيبة.
وقوله: (فإنهم قد أفضوا) أي: وصلوا (الى ما قدموا) من أعمالهم، فإن كان خيرًا فلا ينبغي أن يذكروا بشر، وإن كان شرًّا فلعله يغفر لهم، وإن لم يغفر فذكركم إياه وقوع فيما لا يعني.
١٦٦٥ - [٢٠] (جابر) قوله: (في ثوب واحد) قال زين العرب (٢): المراد به القبر الواحد إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتاهما (٣)، وقال الخطابي: يجوز
стр. 2006
"أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ "، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٤٣].
١٦٦٦ - [٢١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرٍ. . . . .
ــ
عند الضرورة جمعهما في ثوب واحد، كما في قبر واحد.
وقوله: (أيهم) وفي نسخة: (أيهما).
وقوله: (واللحد) بفتح اللام وبضم وسكون الحاء: الشق في عرض القبر.
وقوله: (ولم يصل عليهم ولم يغسلوا) ترك الغسل على الشهيد متفق عليه، وأما ترك الصلاة فمختلف فيه، وعندنا يصلى، والكلام فيه طويل (١)، وقد استوفيناه في (شرح سفر السعادة).
١٦٦٦ - [٢١] (جابر بن سمرة) قوله: (بفرس معرور) في (القاموس) (٢): اعرورى فرسًا: ركبه عريانًا، فهو متعد، وقال النووي (٣): مُعْرَوْرًى بضم الميم وفتح الراء، قال أهل اللغة: اعْرَوْريت الفرس: إذا ركبته عريانًا، فهو مُعْرَوْرًى، قالوا: لم يأت افعوعل متعديًا إلا قولهم: اعروريت الفرس واحْلَوْلَيْت الشيء، انتهى. وهكذا ذكر
стр. 2007
فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جَنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٦٥].
ــ
القاضي عياض (١).
وقال الطيبي (٢): القياس فتح الراء لكن صحت الرواية بكسر الراء، وعلى هذا ينبغي أن يكون مُعْرَوْرًى لازمًا، فيكون قد جاء المعرورى متعديًا لا لازمًا، فيكون معناه: فرس عار عن السرج، ولكن يفهم من كلامهم أن مجيئه لازمًا في غير هذا اللفظ، وفيه متعدٍّ.
قال في (القاموس) (٣): اعرورى: سار في الأرض وحده، واعرورى فرسًا: ركبه عريانًا. ويجوز أن يكون الكسر على تقدير التعدية على سبيل الإسناد المجازي وصفًا للفرس بوصف صاحبه، كذا قيل، فتدبر.
ثم في حصر النووي وعياض التعدية في اعرورى فرسه نظر، فقد جاء التعدية في غيره أيضًا، لأن صاحب (القاموس) قال: اعرورى قبيحًا: أتاه، واللَّه أعلم.
وقوله: (فركبه حين انصرف) وأما وقت الذهاب والمشايعة فلم يركب، بل أبى عنه، وجاء في رواية أبي داود ما معناه: أنه أتي بدابة حتى يركب، فأبى عن الركوب، ولما انصرف ركب، فسئل عنه فقال: (إن الملائكة يمشون على أقدامهم (٤)).
стр. 2008
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٦٦٧ - [٢٢] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَها وَعَنْ يَمِنِيهَا وَعَن يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا، وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٨].
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ قَالَ: "الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ. . . . .
ــ
الفصل الثاني
١٦٦٧ - [٢٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: (والسقط يصلى عليه) السقط مثلثة: الولد لغير تمام، فعندنا وعند الشافعي هذا مخصوص بأن يَسْتَهِلّ، وهو أن يكون منه ما يدلُّ على الحياة من حركةِ عُضْوٍ أو رَفْعِ صوب، والمعتبر في ذلك خروج أكثره حيًّا، حتى لو خرج أكثره وهو يتحرَّك صُلِّي عليه، وفي الأقلّ لا، وروى النسائي (١) عن جابر: (إذا استهل الصبي صُلِّي عليه ووُرِّثَ)، ورواه الحاكم (٢) عن أبي الزبير، وقال: صحيح. والحديث المذكور في الكتاب صحَّحه الترمذي، لكن الحظر مقدم على الإطلاق عند التعارض، كذا قال الشيخ ابن الهمام (٣)، وعند أحمد يصلَّى من غير استهلال لهذا الحديث، ولحديث ابن عمر جاء في معناه، وقال: إذا بلغ أربعة أشهر في البطن جاز وإن لم يستهل؛ لأنه ينفخ فيه الروح في هذه المدة، غايته أنه خرج ميتًا، وصلاة الجنازة
стр. 2009
وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ". وَفِي "الْمَصَابِيحِ" عَنِ الْمُغيرَةِ بْنِ زِيَادٍ. [حم: ٤/ ٢٤٧، ت: ١٠٣١، س: ١٩٤٢، جه: ١٤٨١].
١٦٦٨ - [٢٣] وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: . . . . .
ــ
إنما تكون على الميت وهم يقولون: إنه لا يسمى ميتًا إلا إذا خرج حيًّا ثم مات.
وقوله: (وفي المصابيح عن المغيرة بن زياد) قالوا: فيه تحريف لا يدرى من أين وقع، فإن المغيرة بن زياد لا يعرف أصلًا لا في الصحابة ولا في التابعين، وهذا الحديث إنما يروى عن المغيرة بن شعبة، وعليه مداره في (سنن أبي داود) (١) عن زياد بن جبير عن أبيه عن المغيرة بن شعبة، فلعل بعض النُّسَّاخ تَخَبَّطَ فيه فصار أُسْوَةً لمن لا عناية له بعلم الحديث، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢)، واللَّه أعلم.
١٦٦٨ - [٢٣] (الزهري) قوله: (يمشون أمام الجنازة) اختلفوا في المشي مع الجنازة، فقال أبو حنيفة والأوزاعي: المشي خلفها أحب، وقال الثوري وطائفة: هما سواء، وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل: قدامها أفضل، كذا قال الشُّمُنِّي، وقال: لنا في الصحيحين (٣) من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن اتَّبع حتى يوضع في القبر فله قيراطان)، وروى عبد الرزاق في (مصنفه) (٤)
стр. 2010
وَأَهْلُ الْحَدِيثِ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ مُرْسَلًا. [حم: ٢/ ٨، د: ٣١٧٩، ت: ١٠٠٧، س: ١٩٤٥، جه: ١٤٨٢].
ــ
عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: ما مشى رسول اللَّه ﷺ حتى مات إلا خلف الجنازة، وروى هو وابن أبي شيبة (١) عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كنت في جنازة وأبو بكر وعمر يمشيان أمامها، وعليّ يمشي خلفها، فقلت لعلي: أراك تمشي خلف الجنازة وهذان يمشيان أمامها، قال عليٌّ: لقد علمنا أن فضل المشي خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ، لكنهما أحبَّا أن ييسرا على الناس، انتهى.
ولأن المشي خلف الجنازة أظهر وأدخل في الاتعاظ والتفكر، وأقرب إلى المعاونة إذا احتيج إليها، وروى الترمذي وأبو داود (٢) عن ابن عمر: أن الجنازة متبوعة، ومن تقدمها فكأنها ليس معها.
ودليل الثلاثة هذا الحديث المذكور في الكتاب، وقالوا أيضًا: القوم شفعاء، والشفيع يتقدم في العادة، ومن سوَّى الأمرين قال: الدلائل متعارضة فيجوز الأمران، ولحديث المغيرة بن شعبة المذكور، وأيضًا روى رزين عن أنس أنه قال: (أنتم شفعاء فامشوا عن خلف وأمام ويمين وشمال)، وروي في كتب الفقه (٣) عن أبي حنيفة أنه قال: لا بأس بالمشي أمام الجنازة وعن يمينه وعن يساره (٤).
стр. 2011
١٦٦٩ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَا تتَّبعُ، لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَأَبُو مَاجِدٍ الرَّاوِيُّ رَجَلٌ مَجْهُولٌ. [ت: ١٠١١، د: ٣١٨٤، جه: ١٤٨٤].
١٦٧٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "من تبع جَنَازَةً وَحَمَلَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٠٤١].
١٦٧١ - [٢٦] وَقَدْ رُوِيَ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ . . . . .
ــ
١٦٦٩ - [٢٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (الجنازة متبوعة) هذا الحديث أيضًا يؤيد مذهب أبي حنيفة.
وقوله: (ولا تتبع (١)) بالتشديد، وفيه ضمير الفاعل للجنازة، أي: هي متبوعة غير تابعة، ذكره للتأكيد والتقرير، وكذا قوله: (ليس معها من تقدمها).
وقوله: (وأبو ماجد الراوي رجل مجهول) ونقل عن (ميزان الاعتدال) (٢): أن أبا ماجد عن ابن مسعود لا يعرف، وقال النسائي: هو منكر الحديث، وقال البخاري: ضعيف، وقيل: أبو ماجد حديثه في المشي مع الجنازة رواه أبو الأحوص عن أبي يحيى التيمي عن أبي ماجد عن ابن مسعود.
١٦٧٠، ١٦٧١ - [٢٥، ٢٦] (أبو هريرة) قوله: . . . . .
стр. 2012
حَمَلَ جَنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ. [شرح السنة: ٥/ ٣٣٧].
ــ
(بين العمودين) السنة عند الشافعي في حمل الجنازة: أن يَدخل واحد بين الخشبتين المقدَّمتين الشاخصتين وهما العمودان، ويجعلهما على عاتقيه والخشبةُ المعترضة بينهما على كاهله، ويحمل مؤخر النعش اثنان أحدهما من الجانب الأيمن والآخر من الأيسر، ولا يمكنه توسط الخشبتين فإنه لا يرى موضع قدميه والطريقَ بين يديه، قالوا: وإن لم يستقل المتقدم بالحمل أعانه رجلان خارج العمودين، فيكون محمولًا على خمسة، كذا في (الحاوي) (١) و (شرحه).
وذكر في (الهداية) (٢) قول الشافعي: السنة أن يحملها الرجلان يضعها السابق على أصل عنقه، والثاني أعلى صدره، لأن جنازة سعد بن معاذ هكذا حملت، ولعله قول آخر منه. وذكر في بعض الشروح (٣): أن هذا عند حمل الجنازة من الأرض، ثم لا بأس بأن يعاونهم من شاء كيف شاء.
والسنة عندنا أن يحملها أربعة، لما روي عن ابن مسعود أنه قال: من السنة حمل السرير بجوانبه الأربع، رواه محمد في (الآثار) (٤) عن أبي حنيفة ﵀ بسنده إلى ابن مسعود، كذا رواه أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق (٥) عن شعبة عن
стр. 2013
١٦٧٢ - [٢٧] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا، فَقَالَ: "أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ إِنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ نَحْوَهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقدْ رُوِيَ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْقُوفًا. [ت: ١٠١٢، جه: ١٤٨٠، د: ٣١٧٧].
١٦٧٣ - [٢٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ عَلَى الْجَنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٠٢٦، د: ٣١٩٨، جه: ١٤٩٥].
ــ
منصور، وذكر الشيخ ابن الهمام (١) في الحمل بين العمودين آثارًا من الصحابة وحديثًا مرفوعًا ضعفه، وفي الحمل بجوانبه الأربع آثارًا وأحاديث مرفوعة صحيحة، وقال: تلك الآثار وقائع أحوال مخصوصة، فاحتمل كون ذلك للسنة، أو لعارض اقتضى ذلك في خصوص تلك الأوقات، وقال: ولا يجب على المناظر تعيين العارض، ولو يشاء يُبدي محتملات مناسبة كضيق المكان أو كثرة الناس أو قلة الحاملين وغير ذلك، واللَّه أعلم.
١٦٧٢ - [٢٧] (ثوبان) قوله: (فقال: ألا تستحيون) يفهم منه كراهة الركوب، وفي بعض الحواشي: في قوله: (فرأى ناسًا ركبانًا) أي: قريبًا من الجنازة، والحق أنه يجوز الركوب للضرورة بلا كراهة (٢).
١٦٧٣ - [٢٨] (ابن عباس) قوله: (رواه الترمذي) وقال: ليس إسناده بذاك، وإبراهيم بن عثمان منكر الحديث، والصحيح عن ابن عباس [قوله]: من السنة القراءة
стр. 2014
١٦٧٤ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣١٩٩، جه: ١٤٩٨].
١٦٧٥ - [٣٠] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا. اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ. . . . .
ــ
على الجنازة بفاتحة الكتاب، انتهى. وقالوا: إن قول الصحابي: (من السنة) في معنى المرفوع، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول.
١٦٧٤ - [٢٩] (أبو هريرة) قوله: (فأخلصوا له الدعاء) الإخلاص في الدعاء مستحسَن دائمًا، خصوصًا في هذه الحالة؛ لكون الاحتياج فيها أشد (١).
١٦٧٥ - [٣٠] (أبو هريرة) قوله: (وصغيرنا) قيل: المراد بالمغفرة للصغار: إعلاء الدرجة في الجنة، وقيل: هذا الكلام مجموعُهُ كناية عن شمول المغفرة للكل، ولا ينظر إلى مفرداته.
وقوله: (فتوفه على الإيمان) خصه بالإيمان لأن الإسلام أكثر ما يطلق على الأعمال الظاهرة، وليس هذا وقتها، كذا قيل، والحق أنهما مترادفان يدل عليه تعكيس العبارة في الرواية الأخرى، وقال الطيبي (٢): المراد بالإسلام في الرواية الأولى:
стр. 2015
اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٣٦٨، د: ٣٢٠١، ت: ١٠٢٤، جه: ١٤٩٨].
١٦٧٦ - [٣١] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الأَشْهَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَ"أُنْثَانَا". وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: "فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ وَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلَامِ" (١). وَفِي آخِرِهِ: "وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ". [س: ١٩٨٦، د: ٣٢٠١].
ــ
الانقياد والأعمال الظاهرة، وفي الثانية: الاستسلام وإخلاص العمل، وهو فوق الإيمان.
وقوله: (لا تحرمنا) بضم أوله وفتحه، كذا في شرح الشيخ، وفي (الصراح) (٢): حرم: نوميد كردن كسى را أز جيزى، إحرام كذلك، والمشهور الفتح.
١٦٧٦ - [٣١] قوله: (عن أبي إبراهيم) ليس في بعض النسخ لفظ (أبي)، والصواب وجوده، فإنه أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه، له ذكر في الصلاة على الجنازة، ولا يعرف، روى عنه يحيى بن أبي كثير فقط، وقال أبو حاتم: لا يدرى من هو ولا أبوه، كذا في الحاشية نقلًا عن (الميزان) (٣)، ومن قال: هو عبد اللَّه بن قتادة فقد وهم؛ لأنه من بني سلمة، وهذا من بني عبد الأشهل، وقيل: أبو إبراهيم اسمه إسماعيل بن إبراهيم
١٦٧٩ - [٣٤] وَعَنْ نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى جَنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ حِيَالَ رَأسِهِ، ثُمَّ جاؤوا بِجَنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِيادٍ: هَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ على الْجِنَازَة مَقَامَكَ مِنْهَا؟ وَمِنَ الرَّجُلِ مَقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ مَعَ زِيَادَةٍ وَفِيهِ: فَقَامَ عِنْدَ عَحيزَةِ الْمَرْأَةِ. [ت: ١٥٣٤، جه: ١٤٩٤، د: ٣١٩٤].
ــ
١٦٧٩ - [٣٤] قوله: (وعن نافع أبي غالب) خص بذلك لئلا يشتبه بنافع مولى ابن عمر.
وقوله: (حيال رأسه) بالتحتانية، أي: حذاءه.
وقوله: (وفيه: فقام عند عجيزة المرأة) العجيزة والعجز بمعنى: مؤخر الجسد، وهذا بيان قوله: (قام حيال وسط السرير)، وتمام الحديث مع قصته: أن نافعًا أبا غالب قال: فإذا أنا برجل عليه كساء رقيق، على رأسه خرقة تقيه من الشمس، فقلت: من هذا الدِّهقان؟ قالوا: أنس بن مالك، قال: فلما وضعت الجنازة فقام أنس فصلى عليها وأنا خلفه، لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه وكبر أربع تكبيرات، لم يُطل ولم يسرع، ثم ذهب يقعد، فقالوا: يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية، فقربوها وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، فصلى عليها نحو صلاته على الرجل، ثم جلس، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول اللَّه ﷺ يصلي على الجنازة كصلاتك:
стр. 2018
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٦٨٠ - [٣٥] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْن حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمُرَّ عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا، فَقيل لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ -أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ- فَقَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ: "أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١٢، م: ٩٦١].
ــ
يكبر عليها أربعًا، ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم. . .، الحديثَ إلى أن قال أبو غالب: فسألته عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند عجيزتها، فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش، فكان [الإمام] يقوم حيال عجيزتها يسترها من القوم (١)، وقد مر في الفصل الأول تمامه.
الْفَصْل الثَّالِث
١٦٨٠ - [٣٥] (عبد الرحمن بن أبي ليلى) قوله: (بالقادسية) اسم موضع على خمسة عشر ميلًا من الكوفة.
وقوله: (من أهل الأرض) سماهم أهل الأرض لسفالتهم ورذالتهم أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، أي: مال إليها، أو لأن المسلمين أقرُّوهم بعد الفتح على الأرض والخراج، وهذا المعنى أظهر.
стр. 2019
١٦٨١ - [٣٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَبِعَ جَنَازَةً لَمْ يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ، فَعَرَضَ لَهُ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّا هَكَذَا نَصْنعُ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "خَالِفُوهُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَبِشْرُ بْنُ رَافِعٍ الرَّاوِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. [ت: ١٠٢٠، د: ٣١٧٦، جه: ١٥٤٥].
١٦٨٢ - [٣٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجَنَازَةِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٨٢ - ٨٣].
١٦٨٣ - [٣٨] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِالْحَسَنِ ابْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَامَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَقُم ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ الْحَسَنُ: أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ؟ . . . . .
ــ
١٦٨١ - [٣٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (إنا هكذا نصنع) أي: نحن نقوم ولا نجلس.
وقوله: (فجلس) أي: كان بعد ذلك لا يقوم إلى الوضع في اللحد، فكان هذا ناسخًا لما قبله.
١٦٨٢ - [٣٧] (علي) قوله: (ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس) فأكَّد ذلك فعلًا وقولًا.
١٦٨٣ - [٣٨] (محمد بن سيرين) قوله: (قال) أي: ابن عباس في جواب
стр. 2020
قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ جَلَسَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٩٢٣].
١٦٨٤ - [٣٩] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ جَالِسًا فَمُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ حَتَّى جَاوَزَتِ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا مُرَّ بِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسًا، وَكَرِهَ أَن تَعْلُوَ رَأْسَهُ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَامَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٩٢٦].
١٦٨٥ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا مَرَّتْ بِكَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ فَقُومُوا لَهَا،
ــ
الحسن: (نعم، ثم جلس) أي: نعم قام رسول اللَّه ﷺ في أوائل الأمر، ثم جلس بعده، أي: فعل رسول اللَّه ﷺ كلا الأمرين، لكن جلوسه كان متأخرًا، فيكون ناسخًا لما قبله، وهذا هو الظاهر بل المتعين لأن يكون مرادًا، أو قيل: (ثم جلس) هو كلام ابن سيرين، وفاعل (جلس) الحسن بن علي، وهو خلاف المتبادر من الكلام جدًّا كما لا يخفى.
١٦٨٤ - [٣٩] (جعفر بن محمد) قوله: (فمر عليه) بلفظ المجهول.
وقوله: (إنما مر بجنازة يهودي) أي: فلا تقوموا، ثم ذكر جوابًا عما يستجيبون بقيام رسول اللَّه ﷺ لها.
وقوله: (وكان رسول اللَّه ﷺ . . . إلخ)، يعني إنما قام لرؤية جنازة يهودي لكراهة أن تعلو رأسه الشريف جنازة يهودي، لا لأن يستن القيام لها.
وقوله: (رأسه) مفعول (تعلو)، وفاعله (جنازة)، وهذا بعد علم الحسن بن علي بعدم القيام للجنازة ونسخ القيام، وهذا حديث منقطع؛ لأن محمدًا لم يدرك الحسن.
١٦٨٥، ١٦٨٦ - [٤٠، ٤١] (أبو موسى، وأنس) قوله: (إذا مرت بك) في بعض النسخ: (بكم).
стр. 2021
فَلَسْتُمْ لَهَا تَقُومُونَ، إِنَّمَا تَقُومُونَ لِمَنْ مَعهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٣٩١].
١٦٨٦ - [٤١] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ، فَقِيلَ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: "إِنَّمَا قُمْتُ لِلْمَلَائِكَةِ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٩٢٨].
١٦٨٧ - [٤٢] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ". فَكَانَ مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ. . . . .
ــ
وقوله: (من الملائكة) أي: ملائكة الرحمة مع جنازة المسلم، وملائكة العذاب مع جنازة الكافر.
قال الطيبي (١): اختلفت علل القيام، فتارة للفزع، وتارة كراهة رفع جنازة اليهودي على رأسه ﷺ ، وتارة لكراهة الملائكة، وتارة لم يعتبر شيئًا من ذلك لاختلاف الأحوال والمقامات، انتهى.
ولو ثبت أن آخر الأمر كان عدم القيام، نسخ ما قبله، واللَّه أعلم.
١٦٨٧ - [٤٢] (مالك بن هبيرة) قوله: (إلا أوجب) أي: اللَّه تعالى لذلك الميت الجنة، أو أوجب ذلك الفعل على اللَّه تعالى المغفرة منه تعالى (٢).
وقوله: (إذا استقل أهل الجنازة) أي: عدهم قليلًا، تَقَلَّل الشيء واستقله وتقاله: رآه قليلًا.
١٦٩٠ - [٤٥] وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا: قَالَ: الْحَسَنُ يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وَذُخْرًا وَأَجْرًا. [خ: ٢٣ - الجنائز، ٦٥ باب].
١٦٩١ - [٤٦] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "وَلَا يُورَثُ". [ت: ١٠٣٢، جه: ١٥٠٨].
١٦٩٢ - [٤٧] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُومَ الإِمَامُ فَوْقَ شَيْءٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ، يَعْنِي أَسْفَلَ مِنْهُ. رَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ في "الْمُجَتَبى" في كِتَابِ الْجَنَائِزِ. [قط: ٢/ ٨٨].
* * *
ــ
١٦٩٠ - [٤٥] (البخاري) قوله: (تعليقًا) التعليق: أن تحذف من أول الإسناد كلًّا أو بعضًا، وقالوا: تعليقات البخاري في حكم المسانيد، وقد مر في المقدمة تفصيل ذلك.
١٦٩١ - [٤٦] (جابر) قوله: (حتى يستهل) قد مر بيانه.
١٦٩٢ - [٤٧] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (أن يقوم الإمام) يعني وحده (١).
стр. 2024
٦ - باب دفن الميت
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٦٩٣ - [١] عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَن سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٦٦].
ــ
٦ - باب دفن الميت
دَفَنَهُ يَدْفِنُهُ: ستره وواراه، غلب في ستر الميت في الأرض، والقبر بمعناه، قَبَرَهُ يَقْبُرُهُ قَبْرًا: دفنه، وأَقْبَرَهُ: جعل له قبرًا، والقبر مخصوص بمدفن الإنسان، والمقبرة: موضع القبور، مفتوحة الميم ومثلثة الباء، وجاء بكسر الميم وفتح الباء، وأوَّلُ من دفن في الأرض هابيل؛ لكونه أول من مات، والقبر نوعان: باللحد وبالشق، وكلاهما مشروع، لكن اللحد أفضل وأوفق بالسنة، كما سيجيء بيانه في شرح الأحاديث.
الفصل الأول
١٦٩٣ - [١] (عامر بن سعد بن أبي وقاص) قوله: (ألحدوا) (١) اللحد بفتح اللام وبضم، والإلحاد في اللغة: الميل، وفي الشرع: الشق الذي يحفر في عرض القبر في جانب القبلة، يقال: لَحَدَ القبر كمنع. والحده: عمل له لحدًا، ولحد الميت: دفنه، و (ألحدوا) جاء بوصل الهمزة من اللحد، وبقطعها من الإلحاد. و (اللبن) بفتح اللام وكسر الباء ككتف، واللبنة واحدها، على مثال كلم وكلمة، وجاء بكسرتين.
стр. 2025
١٦٩٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٦٧].
١٦٩٥ - [٣] وَعَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ: أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٣٩].
ــ
١٦٩٤ - [٢] (ابن عباس) قوله: (قطيفة) القطيفة: دِثَارٌ مُخَمَّلٌ، كذا في (القاموس) (١)، ويقال له: الخميلة، وسبب فرش القطيفة في قبره ﷺ قيل: ألقاها شقران مولى النبي ﷺ وَقالَ: كرهت أن يلبسها أحد بعده ﷺ ، ألقاها بعد أمر الصحابة ورضاهم، وكرهه العلماء لكونه تضييعًا وإسرافًا، وقيل: ذلك من خواص النبوة لكونه حيًّا في قبره، واللَّه أعلم (٢).
١٦٩٥ - [٣] قوله: (وعن سفيان التمار) من كبار أتباع التابعين، وقد لحق عصر الصحابة، ولم أر له رواية عن صحابي، كذا في (فتح الباري) (٣).
وقوله: (مسنمًا) أي: على هيئة سنام البعير، وروى هذا الحديث ابن أبي شيبة في (مصنفه)، ولفظه: عن سفيان يعني التمار: دخلت البيت الذي فيه قبر النبي ﷺ ، [فرأيت قبر النبي ﷺ ] وقبر أبي بكر وعمر مسنَّمةً، والسنة في القبر التسنيم، وقد جاء في ذلك أخبار وآثار صحيحة، قال أبو حنيفة: حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبي ﷺ أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها، وروى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن حماد بن
стр. 2026
١٦٩٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: . . . . .
ــ
سليمان عن إبراهيم قال: أخبرني من رأى قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وعمر ناشزة من الأرض، عليها فلق من مدر أبيض.
وما عورض به مما روى أبو داود عن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة فقلت لها: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء (١)، ليس معارضًا لهذا حتى يحتاج إلى الجمع، يعرف بأدنى تأمل، كذا قال الشيخ ابن الهمام (٢).
وعند الشافعي يسطح القبر، وقال في (الحاوي) (٣): التسطيح أولى من التسنيم، وقال في شرحه: لأن النبي ﷺ سطح قبر ابنه إبراهيم، وعن القاسم بن محمد أنه قال: رأيت قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ مسطحة، هذا وقد ذكر الشيخ ابن الهمام عن جماعة من التابعين والصحابة أنهم قالوا: إنها مسنمة، وأما حديث أبي الهَيَّاج الأسدي الآتي فلا يدل على التسطيح، بل هو على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء الحسن العالي، وليس مرادنا بالتسنيم ذلك، بل قدر ما يبدو من الأرض، واللَّه أعلم.
وقيل: السنة أن يرفع القبر شِبرًا، وقد يروى ابن حبان (٤) أن قبره ﷺ كذلك.
١٦٩٦ - [٤] قوله: (وعن أبي الهياج الأسدي) بفتح الهاء وتشديد التحتانية، تابعي جليل، صحيح الحديث.
стр. 2027
أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٦٩].
١٦٩٧ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧].
١٦٩٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧٢].
ــ
وقوله: (على ما بعثني) التعدية بـ (على) لتضمين معنى الإمارة والتسليط، وفي الحديث دلالة على أن هذه الأمور الثلاثة المذكورة من الأمور العظيمة المهمة في الدين.
وقوله: (تمثالًا) أي: صورة، (إلا طمسته) أي: محوته، (ولا قبرًا مشرفًا) أي: عاليًا، أي: بني عليه حتى صار عاليًا، لا ما أعلم بالتراب والحجارة والرمل والحصى حتى يتميز من الأرض.
وقوله: (إلا سويته) قيل: المراد تسطيحه لا تسويته بالأرض؛ جمعًا بين الأخبار، كذا في شرح الشيخ.
١٦٩٧ - [٥] (جابر) قوله: (أن يبنى عليه) قيل: المراد البناء بالحجارة ونحوها، وقيل: أن يضرب الخباء ونحوه، فإن ذلك مكروه منهي عنه.
وقوله: (وأن يقعد عليه) لأن فيه خلاف ما يقتضيه القبر وإكرام المؤمن، وقيل: المراد الجلوس عليه لقضاء الحاجة (١).
١٦٩٨ - [٦] (أبو مرثد الغنوي) قوله: (لا تجلسوا على القبور) لأن فيه استخفافًا، (ولا تصلوا إليها) لأن فيه تعظيمًا بليغًا.
стр. 2028
١٦٩٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧١].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٧٠٠ - [٨] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ وَالآخَرُ لَا يَلْحَدُ، فَقَالُوا: أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلًا عَمِلَ عَمَلَهُ. فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٥/ ٣٨٨، خ: ١٥١].
١٧٠١ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّحْدُ لَنَا. . . . .
ــ
١٦٩٩ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فتحرق ثيابه) صححوه من الإحراق.
وقوله: (فتخلص) أي: تصل، من الخلوص.
الفصل الثاني
١٧٠٠ - [٨] (عروة بن الزبير) قوله: (أحدهما يلحد) الرواية بفتح الياء من باب فتح يفتح، وهو أبو طلحة الأنصاري. (والآخر لا يلحد) وهو أبو عبيدة بن الجراح، فإنه كان يشق وسط القبر، ويطلق عليه الشق بفتح الشين، وهو الضريح، والضريح يقال للقبر أيضًا بلحد وبلا لحد، من الضرح بمعنى الدفع، وضرح للميت: حفر له ضريحًا، واختلفت الصحابة في أيهما يفعل للنبي ﷺ ، فاتفقوا على أن أيَّ الرجلين جاء أولًا عمل عمله، فجاء أبو طلحة فلحد، فلا شك أن اللحد يكون هو الأفضل، ومع ذلك قيل: اللحد أفضل إن كانت الأرض صلبة، والشق أفضل إن كانت رخوة، كذا نقل عن الجزري.
١٧٠١، ١٧٠٢ - [٩، ١٠] (ابن عباس، وجرير بن عبد اللَّه) قوله: (اللحد لنا
стр. 2029
وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٠٤٥، د: ٣٢٠٨، ن: ٢٠٠٩، جه: ١٥٥٤].
١٧٠٢ - [١٠] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. [حم: ٤/ ٣٥٦].
١٧٠٣ - [١١] وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: "احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا. . . . .
ــ
والشق لغيرنا) إن كان المراد بضمير الجمع في (لنا) المسلمون و (لغيرنا) اليهود والنصارى مثلًا، فلا شك أنه يدل على أفضلية اللحد، بل على كراهة غيره، وإن كان المراد (لغيرنا) الأمم السابقة، ففيه أيضًا إشعار بالأفضلية، وعلى كل تقدير ليس اللحد واجبًا، والشق منهيًّا عنه، وإلا لما كان يفعله أبو عبيدة، وهو لا يكون إلا بأمر من الرسول وتقرير منه، وأيضًا لم يتفقوا على أن أيهما جاء أولًا عمل عمله، فهذا من الاختيارات دون السنن، أي: اللحد هو الذي نؤثر ونختار، والشق اختيار من قبلنا، وقيل: المراد (لغيرنا) غير أهل المدينة من مكة وغيرها؛ لأن أرض المدينة صلبة صالحة للحد بخلاف أرض مكة، وهذا محل نظر (١)، وقال الطيبي (٢): هذا إخبار عن الكائن، فيكون معجزة، واللَّه أعلم.
١٧٠٣ - [١١] (هشام بن عامر) قوله: (وأعمقوا) فيه دليل على أن الإعماق سنة في القبر، والمعنى فيه أن فيه صيانة الميت عن الضياع، وعن محمد ﵀ قال: ينبغي أن يكون مقدار العمق إلى صدر رجل وسط القامة، وكلما زاد فهو أفضل، وعن عمر ﵁ أنه قال: يعمق القبر إلى صدر الرجل، فإن أعمق على مقدار قامة الرجل فهو
стр. 2030
وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرآنًا". رَوَاهُ أحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْله: "وأَحْسِنُوا". [حم: ٤/ ١٩، ت: ١٧١٣، د: ٣٢١٥، ن: ٢٠١١، جه: ١٥٦].
١٧٠٤ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَبِي لِتَدْفِنَهُ فِي مَقَابِرِنَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "رُدُّوا الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعِهِمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَلَفْظُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ. [حم: ٤/ ٢٩٧، ت: ١٧١٧، د: ٣١٦٥، ن: ٣١٤٩، دي: ١/ ١٩ - ٢١].
ــ
أحسن، كذا في (مطالب المؤمنين) نقلًا عن (المحيط) (١).
وقوله: (وأحسنوا) أي: أجيدوا العمل في تسوية حفره وتنظيفه من التراب والقذاة ونحوهما، وفي شرح الشيخ: أحسنوا إلى الميت بالمبالغة في الرفق في تغسيله وتكفينه وحمله وإنزاله القبر.
وقوله: (وادفنوا الاثنين والثلاثة) هذا في حالة الضرورة، وأما في حالة الاختيار فيحرم جمع اثنين في قبر واحد.
١٧٠٤ - [١٢] (جابر) قوله: (ردوا القتلى إلى مضاجعهم) أي: لا تنقلوهم من الموضع الذي قُتِلوا فيه إلى غيره، بل ادفنوهم حيث قتلوا، ويُفْهمُ من خصوص قصة جابر وأبيه أنه نُقِل وَرُدَّ وَأُعيد إلى الموضع الأول، إلا أن يراد بمجيء عمته بأبيه إرادتها لذلك، ولكن صحّ أن جابرًا جاء بأبيه عبد اللَّه بعد ستة أشهر من أحد،
стр. 2031
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ودفنه في البقيع (١).
وفي نقل الأموات من مكان إلى مكان تفصيل ذكر في الفقه (٢)، والمختار أنه لا يجوز بلا ضرورة، ككون الأرض مغصوبة مثلًا، وقد جاء في بعض الروايات نقل الأم ولدها إلى قربها، وقال الشيخ ابن الهمام (٣): إذا أرادوا نقله قبل الدفن وتسوية اللبن، فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين؛ لأن المسافة في المقابر قد تبلغ هذا المقدار، والمستحب أن يدفن كل في مقبرة البلدة التي مات بها، وقالت عائشة حين رأت قبر أخيها عبد الرحمن -وكان مات على مرحلة من مكة، وحمل منها إليها-: لو كان الأمر قبل (٤) إلي ما نقلتك، ولدفنتك حيث متَّ.
وقال في (التجنيس): في النقل من بلد إلى بلد لا إثم، لما نُقِل أن يعقوب ﵇ مات بمصر فنقل إلى الشام، وموسى ﵇ نقل تابوت يوسف بعد ما أتى عليه زمان من مصر إلى الشام ليكون مع آبائه الكرام، ولا يخفى أن هذا شرع من قبلنا، ولم يتوفر فيه شروط كونه شرعًا لنا، إلا أنه نقل عن سعد بن أبي وقاص أنه مات في ضيعة على أربعة فراسخ من المدينة، فحمل على أعناق الرجال إليها، وفي النقل من بلدة إلى بلدة اشتغال بما لا يعني، وفيه تأخير دفنه، وكفى بذلك كراهة.
ولا ينبش بعد إهالة التراب لا لمدة طويلة ولا قصيرة إلا لعذر، والعذر أن يظهر
стр. 2032
١٧٠٥ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ٦٠٠].
١٧٠٦ - [١٤] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا،
ــ
أن الأرض مغصوبة أو يأخذها شفيع، ولهذا لم يحول كثير من الصحابة، وقد دُفِنوا بأرض الحرب، فإن أحب صاحب الأرض أن يسوي الأرض ويزرع فوقه كان له ذلك؛ فإن حقه في باطنها.
ومن الأعذار أن يسقط في اللحد مال أو ثوب أو درهم لأحد، واتفقت كلمة المشايخ في امرأة دُفِن ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر وأرادت نقله أنه لا يسعها ذلك، فتجويز بعض المتأخرين لا يلتفت إليه، ولم نعلم خلافًا بين المشايخ في أنه لا ينبش وقد دفن بلا غسل أو بلا صلاة، ولا يدفن صغير ولا كبير في البيت الذي كان فيه؛ فإن ذلك خاص بالأنبياء، بل ينقل إلى مقابر المسلمين، ولا يدفن اثنان في قبر واحد إلا لضرورة، انتهى.
١٧٠٥ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (سل رسول اللَّه ﷺ ) أي: جُرَّ، والسلّ والإسلال: انتزاع الشيء وإخراجه في رفق كسلِّ السيف، وذلك بأن توضع الجنازة في مؤخر القبر، ثم يخرج من قبل رأسه ويدخل القبر، وبه أخذ الشافعي، وعندنا السنة: أن توضع الجنازة إلى القبلة من القبر، ويحمل منها الميت ويوضع في القبر، وهكذا كان رسول اللَّه ﷺ يدخل الميت في القبر كما يأتي في الحديث الآتي؛ لأن جانب القبلة معظَّم، فيستحب الإدخال منه، والأخبار جاءت مضطربة متعارضة فتساقطت، ولم يكن في حجرة النبي ﷺ سعة في ذلك الجانب؛ لأن قبره ملصق بالجدار، واللَّه أعلم.
١٧٠٦ - [١٤] (وعنه) قوله: (دخل قبرًا) قيل: صاحب القبر هو عبد اللَّه
стр. 2033
فَأُسْرِجَ لَهُ بِسِرَاجٍ، فَأَخَذَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَقَالَ: "رَحِمَكَ اللَّهُ إِنْ كُنْتَ لأَوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ": إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ت: ١٠٥٧].
ــ
ذو البجادين، والبجاد بكسر الموحدة وبالجيم: كساء مخطط، وسمي به لأنه قطع بجادًا قطعتين فارتدى بإحداهما واتَّزر بالأخرى، كان دليل رسول اللَّه ﷺ ، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (فأسرج له) بلفظ المجهول، أي: اشعل له سراج.
وقوله: (فأخذ) أي: الميت، والضمير للنبي ﷺ .
وقوله: (إن كنت) مخففة من المثقلة، و (الأواه) أي: الموقن بالدعاء، أو الرحيم الرقيق، أو الفقيه، أو المؤمن بالحَبَشِيَّةِ، وَالأهّةُ: التحزن والتوجع، كذا في (القاموس) (٢)، وقال البيضاوي (٣): كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس.
وقوله: (إسناده ضعيف) لأن فيه الحجاج بن أرطاة، ومنهال بن خليفة، وقد اختلفوا فيهما، وبذلك ينحط الحديث عن درجة الصحيح إلى الحسن، ولذا حسَّنَهُ الترمذي، وفيه دليل لمذهبنا، وفيه جواز الدفن بالليل، وعليه أكثر أهل العلم، كذا قال الترمذي، وقال أيضًا: وفي الباب عن جابر ويزيد بن ثابت، وهو أخو زيد بن ثابت، وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم [إلى هذا]، وقالوا: يدخل الميت القبر من قبل القبلة، وقال بعضهم: يسلّ سلًّا.