٢٣ - [٢٢]، وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ، يَدْعُونَ لَهُ الْوَلَدَ،
ــ
وقيل: هو ظرف (أقلب)، وتعقب بأنه لا فائدة للظرفية، فالرفع أولى، بمعنى أنا المتصرف المدبر، وأنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من المسرة والمساءة، أو بحذف مضاف، أي: أنا مقلب الدهر وهو يذعن لأمري لا اختيار له، فمن ذمه فقد ذمني، وأنكر الخطابي الرفع بأنه يقتضي كون الدهر من أسماء الحسنى، بل معناه على الظرفية أي: أقلب الليل والنهار طول الزمان، كذا في (مجمع البحار) (١).
وقال في (القاموس) (٢): الدهر قد يعدّ في الأسماء الحسنى.
واعلم أن إيذاء اللَّه سبحانه بسب الدهر، إما أن يكون لرجوع السب إليه تعالى كما ذكروا، ويمكن أن يكون من جهة أن سب الدهر يشعر بنسبة التصرف إليه واللَّه هو المتصرف، ففيه نفي صفة الكمال عنه تعالى، فافهم.
٢٣ - [٢٢] (أبو موسى الأشعري) قوله: (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّه) الصبر الحبس، ومنه: قتل صبرًا، وهو أن يحبس حيًّا ويرمى حتى يموت، وصبر الإنسان. حبس النفس على ما يكرهه، وضده الجزع، والمراد ههنا لازمه، والصبور: الحليم الذي لا يعاجل العصاة بالنقمة بل يعفو أو يؤخر، كذا في (القاموس) (٣)، وقال في (النهاية) (٤): هو كالحليم، إلا أن المذنب لا يأمن في الصبور العقوبة كما يأمن في الحليم.
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومعنى الحديث: لا أشد حلمًا وصبرًا عن فاعله وتركًا للمعاقبة عليه من اللَّه سبحانه، وهذا التركيب يفيد في الأصل نفي الأشدية من غير اللَّه سبحانه، فإما أن يكون مساويًا أو ناقصًا، ولما استحال الأول تعين الثاني، والصبر والحلم موجودان في غير اللَّه سبحانه ممن يتخلق بالأخلاق الكريمة، ولكنهما فيه أتم وأكمل كما في غيرهما من الصفات الكاملة، وفي العرف يفيد الأشدية فيه تعالى كما ذكروا في أمثال هذا التركيب، وقد ذكروا وجهه بأن مساواة اثنين في صفة غير واقع، فإذا انتفت الأفضلية من أحد تثبت للآخر.
هذا وقال الطيبي (١) ما ملخصه: المراد نفي ذات المفضل وقلعه من أصله، فإذا انتفت انتفت المساواة والنقصان، وجعله من قبيل: لا ضب بها ينجحر، والغرض نفي الضب من أصله، وإنما ضمت إليه الصفة ليصير كالشاهد على نفي الصفة، والمعنى لا ضب هناك حتى يكون الانجحار، انتهى.
وفي حمل الحديث على هذا المعنى خفاء ظاهر، فإن المفهوم منه صريحًا نفي الأصبرية من غيره تعالى مع وجود الصابرين، وهو يستلزم أصبريته تعالى عرفًا كما قررنا لا نفي الصابرين، مع كونه غير واقع لكثرة وجود الصابرين، والصفة ههنا هي أصبرية غيره تعالى، وهو غير لازم للموصوف كالانجحار للضب، فلا يكون من ذلك القبيل، ثم تعينه النقصان مما لا دخل له في المقصود؛ لأن المقصود دفع الإشكال بأنه يلزم من نفي أصبرية غيره تعالى احتمال كونه مساويًا له تعالى في الصبر، ولا محذور في كونه ناقصًا على ما قررنا، فتأمل حتى يظهر المقصود.
стр. 248
ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٧٨، م: ٢٨٠٤].
٢٤ - [٢٣] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ، لَيْسَ بَيِنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي. . . . .
ــ
وقوله: (ثم يعافيهم) العافية دفاع اللَّه عن العبد، عافاه اللَّه عن المكروه عِفاءً ومعافاة وعافية: وَهَبَ له العافية من العلل والبلاء، كأعفاه، والمعافاة: أن يعافيك اللَّه من الناس ويعافيهم منك، كذا في (القاموس) (١)، أي: يدفع عنهم البلاء والضرر في الدنيا، ويرزقهم الأموال والأولاد وأنواع النعم فيها، ولا يعجل العقوبة، فإن اعتبرت حال الدنيا فهذا حلم، وإن اعتبرت الآخرة فصبر.
٢٤ - [٢٣] (معاذ) قوله: (كنت ردف النبي ﷺ ) الردف بالكسر: الراكب خلف الراكب، كالرديف والمرتدف، وكل ما يتبع شيئًا.
وقوله: (إلا مؤخرة الرحل) بضم فهمزة ساكنة فمعجمة مكسورة، أو همزة مفتوحة ومعجمة مفتوحة مشددة، وهي العود الذي يكون خلف الراكب يستند إليه، كذا في شرح الشيخ، وفي (القاموس) (٢): مؤخر الرحل ومؤخرته تكسر وتفتح خاؤهما مخففة ومشددة، وفي (الصحاح) (٣): مؤخرة الرحل بفتح الخاء لغة قليلة، وفيه لغة أخرى، وهي (آخرة) بالمد خلاف القادمة، و (الرحل) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة.
وقوله: (هل تدري) درى دراية: عَلِمَه، أو بضرب من الحيلة، كذا في (القاموس) (٤).
стр. 249
مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا"، قُلْتُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: "لَا تُبَشِّرُهُمْ فَيَتَّكِلُوا". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٥٦، ٥٩٦٧، م: ٣٠].
ــ
وقوله: (ما حق اللَّه على عباده) الحق: ضد الباطل، والأمر المقضي، والواجب، والموجود الثابت، لكن المراد بالأول الواجب الثابت شرعًا، وفي الثاني تفضلًا، وإنما سمّي حقًا واجبًا لتأكده بوعده الحق (٢).
وقوله: (ولا يشركوا به شيئًا) إن كان المراد بالإشراك الكفر، فالمراد أن لا يعذب عذاب المشركين، وإن كان الرياء فالعابد بالإخلاص حقه أن لا يعذب أصلًا.
وقوله: (أفلا أبشر به الناس) البشارة مثلثة الباء: الإخبار بما يسرّ، سمّي به لأنه يظهر أثره في البشرة.
وقوله: (فيتكلوا) بتشديد التاء، أي: يعتمدوا ويمتنعوا عن العمل، وروي: (ينكلوا) بضم الكاف من النكول، وهو الامتناع.
فإن قلت: كيف رواه معاذ وبشر به الناس مع نهيه ﷺ عنه؟
قلنا: علم معاذ ﵁ أن النهي مخصوص بذلك الزمان، أو رواه بعد الأمر
стр. 250
٢٥ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ -قَالَ: "يَا معَاذُ! " قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ! " قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ! " قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا، قَالَ: "ما مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا" فَأخْبر بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨، م: ٣٢].
ــ
بوجوب التبليغ وورود الوعيد على كتمان العلم كما يفهم من الحديث الآتي، أو النهي عن التبشير كان لمن يتكل، فأخبر لمن لا يخشى عليه.
٢٥ - [٢٤] (أنس) قوله: (لبيك (١) رسول اللَّه) حذف حرف النداء (٢) للقرب؛ سرعةً وإظهارًا للإجابة من نفسه لرسول اللَّه ﷺ والإقبال عليه.
وقوله: (إلا حرمه اللَّه على النار) أي: النار التي أعدت للكافرين، أو حرم الخلود فيها، والتأثم: الاحتراز من الإثم، وفي الحديث: (تأثموا من التجارة) (٣)، أي: احترزوا من إثم حاصل من التجارة، وفي (القاموس) (٤): تأثم: تاب من الإثم.
стр. 251
٢٦ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ"، قُلْتُ: وَإنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ"، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ، قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ"، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ"، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذرٍّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٢٧، م: ٩٤].
ــ
٢٦ - [٢٥] (أبو ذر) قوله: (قال: أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض. . . إلخ) أشار به إلى ثبته وإتقانه فيما يرويه باطلاعه على خصوصيات أحواله ﷺ ، وكأنه أوحي إليه ﷺ بذلك في هذا المنام، فأخبر به بعد استيقاظه، فذكره أبو ذر إشارة إلى ذلك.
وقوله: (قلت: وإن زنى وإن سرق) تقدير الكلام أيدخل الجنة وإن زنى؟ والشرط حال، و (سرق) من باب ضرب يضرب.
وقوله: (على رغم أنف أبي ذر) إما متعلق بـ (يدخل) المقدر، أو قلت هذا، أو حكمت بهذا، والرغم والرغام بالفتح: التراب، ورغم رغمًا مثلثة الراء من سمع وفتح، وأرغم اللَّه أنفه: ألصقه بالرغام، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاب والانقياد على كره، وفي الحديث: (إذا صلى أحدكم فيلزم جبهته وأنفه الأرض حتى يخرج منه الرغم)، أي: حتى يظهر ذله وخضوعه، وفي حديث آخر: (رغم أنفي اللَّه)، أي: ذل وانقاد، وحديث: سجدتي السهو (كانتا ترغيمًا للشيطان) (١)، أي: إغاظة له وإذلالًا، فالمعنى وإن ذلّ وكره أبو ذر، فإنه لما استبعد دخول الجنة مع وجود الزنا
стр. 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والسرقة كأنه سعى في نفيه، فالحكم بخلافه وضده كان تذليلًا وإكراهًا.
واعلم أن هذا الحديث وأمثاله تدل على أن المؤمن إن كان فاسقًا ومرتكبًا للكبيرة دخل الجنة، ولم يخلد في النار، ويغفر اللَّه له إن شاء، أو يعذبه ثم يدخله الجنة، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، والأحاديث في ذلك كثيرة، والأحاديث الدالة على خلافه تؤول عندهم تطبيقًا بين الدلائل، وعلى هذا كان إجماع السلف من الصحابة والتابعين، ثم نشأت المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، وقالوا: في هذا انخلاع عن ربقة الدين والملة، وانسلال عن قيد الأحكام والشريعة، وإغراء للناس على ارتكاب المعاصي وتركهم سدى مهملين، وهذا خطأ منهم، فإن الوعيدات الواردة في شأن العصاة كافية في الزجر عن المعاصي وتركها، فلو شاء يعذب على أدنى معصية أحقابًا، وورد: (إن أدنى مدة مكث العصاة من المؤمنين مدة عمر الدنيا وسبع آلاف سنة)، نعم وعد المؤمنين بفضله ورحمته الواسعة بالخلاص عن خلود النار، وأما الأحاديث الناطقة بحرمة (من قال: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه صدقًا من قلبه) على النار فمؤول بحرمة خلوده فيها، أو المراد النار التي أعدت للكافرين، وقال بعضهم: إن هذا كان قبل نزول الفرائض والأوامر والنواهي، ومنهم من قال: إن المراد أن يقول هذه الكلمة ويؤدي حقها وفريضتها، وقيل: إذا قالها عند الندم والتوبة، هذا في حرمة قائلها على النار.
أما دخول الجنة ولو بعد التعذيب وعدم خلوده في النار؛ فالمذهب أن مجرد هذه الكلمة إذا صدرت خالصة من القلب صدقًا، ثم لم يطرأ عليها ما يضادها يحصل بها أصل النجاة ولو بعد تعذيب، وليست هذه الحالة يسيرة سهلة تحصل لكل أحد، فإن قلوب أرباب المعاصي قلما تخلو عن استحلال واستحقاق بالمعصية، محشوة
стр. 253
٢٧ - [٢٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ،
ــ
بالظلمات التي تتطرق بها الشكوك والأوهام المنافية لحقيقة التصديق اليقيني الخالص، وإذا حصل التصديق اليقيني من غير شائبة شك ووهم، واستقام وثبت، ومع ذلك صدرت المعصية بعارض غلبة شهوة وحمية وأنفة، وأمثال ذلك؛ لم يخلَّ بأصل الإيمان، وليس العمل داخلًا في أصل الإيمان بل في كماله، وتمام شعبه وخصاله، وإذا ثبت أمره في النفس الأخير على ذلك يظهر نوره وتندفع ظلمته [التي] طرأت بالمعصية بمغفرة من اللَّه وتطهيره وتنقيته بالعذاب وشفاعة الشافعين، وذلك فضل اللَّه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وهو العزيز الحكيم، وهو على كل شيء قدير، وتمام هذه المباحث تطلب من كتب الكلام، فتدبر.
٢٧ - [٢٩] (عبادة بن الصامت) قوله: (وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله) فيه رد على اليهود والنصارى، الأول في الثاني، والثاني في الأول.
وقوله: (وابن أمته) الظاهر أنه رد على النصارى خاصة وتقرير له، قال الطيبي (١): وكذا على اليهود؛ براءة لساحته من قذفهم.
وقوله: (وكلمته ألقاها) سمي عيسى كلمة اللَّه لوجوده بكلمة ﴿كُن﴾ من غير أب، أو لأنه تكلم في صغره.
وقوله: (وروح منه) سمي بالروح لإحيائه الأموات أو القلوب، أو ذو روح صدر منه اختراعًا لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له.
стр. 254
وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٣٥، م: ٢٨].
٢٨ - [٢٧] وَعَن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعَكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ "مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ " قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: "تَشْتَرِطُ مَاذَا؟ " قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي،
ــ
وقوله: (الجنة والنار حق) ذكر للمعاد كالذي قبله ذكر للمبدأ، والحق: الموجود الثابت، فهي صفة مشبهة، وإن حمل على معنى الصدق فهو مصدر من قبيل رجل عدل.
وقوله: (أدخله اللَّه الجنة) إما ابتداءً بعفو منه أو بشفاعة من رسوله، أو بعد تعذيبه بما شاء.
وقوله: (على ما كان عليه من العمل) (١) أي: كائنًا على أيِّ عمل كان عليه من صغيرة أو كبيرة، وليس في أكثر النسخ (عليه) فهو محذوف أو (كان) تامة.
٢٨ - [٢٧] (عمرو بن العاص) قوله: (فلأبايعك) إما بكسر اللام ونصب الفعل على أن اللام بمعنى (كي) و (أن) مقدرة، فالفاء زائدة، أو اللام للتأكيد والفاء هي التي يقدر بعدها (أن)، أو بفتح اللام الابتدائية، والفعل مرفوع.
وقوله: (تشترط ماذا) (ما) الاستفهامية لها صدر الكلام، فيقدر (ماذا) قبل (تشترط)، والمذكور مفسر له، وقيل: إذا ركّبت مع (إذا) لم يجب تصديرها، أو حرف الاستفهام مقدر قبل (تشترط) و (ماذا) مع فعله المحذوف ابتداء الكلام، ذكر
стр. 255
قَالَ: "أَمَا عَلِمْتَ يَا عَمْرُو أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ"؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١].
وَالْحَدِيثَانِ الْمَرْوِيَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ". وَالآخَرُ: "الْكِبْرِيَاء رِدَائِي"، سَنَذْكُرُهُمَا فِي بَابِ الرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
* الفصل الثاني:
٢٩ - [٢٨] عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. . . . .
ــ
الوجوه الثلاثة الطيبي (١)، والوجه الثالث أوجه وألطف.
وقوله: (أن الإسلام يهدم ما قبله) مظلمة كانت أو غيرها، وأما الهجرة والحج فيهدمان ما عدا المظالم، هذا ما عليه الجمهور، وقيل: يهدم الحج المظالم أيضًا، وقد روي في ذلك حديث سنذكره وأقوال العلماء فيه في كتاب الحج، واللَّه أعلم.
وقوله: (وأن الهجرة. . . إلخ) زيادة على الجواب لدفع استبعاد هدم الإسلام الذي هو أصل الأصول ما قبلها بأن ذلك جارٍ فيما هو فرعه من الأعمال، وقوله: (أما علمت) في معنى (اعلم)، عبر بهذا الوجه تنبيهًا على أنه أمر مهم ينبغي أن يسبق العلم به لكل أحد، فافهم.
الفصل الثاني
٢٩ - [٢٨] (معاذ) قوله: (يدخلني الجنة) بالرفع صفة لـ (عمل)، وهو الأقوى
стр. 256
وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لِيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالَى عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْت"، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ،
ــ
والأوجه رواية ودراية، وكذا قوله: (يباعدني من النار).
وقال التُّورِبِشْتِي: الجزم فيها على جواب الأمر غير مستقيم رواية ومعنى.
وقوله: (لقد سألت عن عظيم) في شرح الشيخ: أي يتعسر جوابه، أو عن عظيم فعله.
وقوله: (وإنه ليسير) أي: جوابه على الأول، أو فعله على الثاني، وقال: يرجح الثاني قوله: (تعبد) لأنه استئناف لبيان ذلك الأمر العظيم.
أقول: بل قوله: (وإنه ليسير على من يسره اللَّه) أيضًا ظاهر في الثاني كما لا يخفى.
وقوله: (ألا أدلك على أبواب الخير): (ألا) يحتمل أن تكون للعرض، وأن تكون الهمزة للاستفهام دخلت على حرف النفي، والثاني هو الظاهر من الأحاديث الأخر، لوقوع (بلى) في جوابه، إلا أن يكون باعتبار الأصل؛ لأن أصل العرض أيضًا هو الهمزة الداخلة على لا النافية.
وقوله: (الصوم جنة. . . إلخ) الظاهر أن المراد بهذه المذكورات نوافلها، فإنه لما ذكر الفرائض التي هي الأركان الخمسة الكافية في دخول الجنة والنجاة عن النار؛ ذكر النوافل التي هي أسباب كمال الخيرات وأبواب مزيد البركات، فالصوم كالتُّرس يمنع وصول الخطيئة وصدورها من الصائم؛ لمنعه الشهوات ومداخل الشيطان.
стр. 257
وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوفِ اللَّيْل)، ثمَّ تَلَا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُونَ﴾، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكَ بِرَأْس الأَمرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ " قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ــ
وقوله: (والصدقة تطفئ الخطيئة) الصادرة وإن كانت الحسنات يذهبن السيئات مطلقًا، ولكنه في الصدقة لوصول نفعها إلى الغير أتم واكمل فخص به، ثم قوله: (الصوم جنة) يحتمل أن يكون جملة واحدة يتضمن ذكر باب من الخير، وهو الصوم، وعلى هذا يقدر لقوله: (وصلاة الرجل في جوف الليل) خبر مثل كذلك، أي: تطفئ الخطيئة، أو من أبواب الخير، وأن يكون الصوم خبر مبتدأ محذوف، أي أحدها الصوم، وجنة خبر لمحذوف آخر، أي وهي جنة، وكذلك قوله: (والصدقة تطفئ)، وعلى هذا لا حاجة إلى تقدير خبر لقوله: (وصلاة الرجل).
وقوله: (ثم تلا) أي: لبيان فائدة الصلاة في جوف الليل، كذا قيل، والأظهر أن يكون فضيلة الصدقة والصلاة معا لشمول الآية إياهما، فافهم.
ثم انتخب من الأمور الدينية خلاصتها وأفضلها وقال: (ألا أدلك وأخبرك برأس الأمر) أي: بأصل أمر الدين الذي لا وجود له بدونه كالرأس بالنسبة إلى الجسد، وهو الإسلام المراد به ههنا كلمة الشهادة التي يحصل به أصل الدين.
وقوله: (وبعمود الأمر) بفتح العين: الذي يحصل به قوة وكمال كالعمادة بالنسبة إلى البيت، وهو الصلاة التي تحصل بإقامتها قوة في الدين.
وقوله: (وبذروة سنامه) والذروة بكسر الذال وضمها: أعلى الشيء، كذروة الجبل، و (السنام) بفتح السين بالفارسية: كوهان شتر، وهو الجهاد مع الكفار يحصل
стр. 258
قَالَ: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ"، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ " قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: "كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا"،
ــ
به علو ورفعة في الدين.
وقوله: (قلت: بلى يا نبي اللَّه) لما زادت رغبة السائل وشوقه إلى استماع ذلك الأمر العظيم ودركه في هذه المرتبة باستماع صفاته العظيمة؛ زاد كلمة الإجابة وناداه ﷺ زيادة في الإجابة والإقبال، وكذا في الثالثة مع تفنن نشأ من كثرة الشوق في العبادة، وقال: (يا نبي اللَّه) مع ما في هذا العنوان ومعنى الإخبار والرفعة من المناسبة، ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله) وملاك الشيء بالكسر والفتح: قوام الشيء ونظامه، وما يُعتمد عليه فيه، وفي (مختصر النهاية) للسيوطي (١): الملاك بالكسر والفتح: ما يقوم به الأمر، يقال: القلب ملاك الجسد، وفي (القاموس) (٢): ملاك الأمر بالفتح ويكسر: قوامه الذي يُملك به، وقال التُّورِبِشْتِي: أهل اللغة يكسرون الميم ويفتحونها والرواية بكسر الميم.
وقوله: (كله) أما تأكيد للأمر أو للملاك.
وقوله: (كف عليك هذا) أي: لسانك، فلا تتكلم بما يضرك وبما لا يعنيك، ولما كان السكوت كف اللسان في الظاهر ضررًا وثقيلًا على صاحبه؛ استعمله بكلمة (على).
стр. 259
فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! . . . . .
ــ
وقوله: (وإنا لمؤاخذون) يقال: آخذه بذنبه مؤاخذة، ولا يقال: واخذه، والمؤاخذة: أن يأخذ أحد أحدًا بذنب.
وقوله: (ثكلثك) بكسر الكاف، في (القاموس) (١): الثكل بالضم: الموت والهلاك، وفقدان الحبيب أو الولد، ويُحرَّك، وقد ثَكِلَ كفرح فهو ثَاكل وثكلانُ، وهي ثاكل وثَكلانَةٌ قليلة، وثَكولٌ وثَكْلَى.
وفي (النهاية) (٢): (ثكلتك أمك): أي فَقَدَتْكَ، والثُّكل: فقد الولد، وامرأة ثاكل وثَكْلَى، ورجل ثاكل وثكلان، كأنه دعاء عليه بالموت لسوء فعله أو قوله، والموت يعم كل أحد، فإذن الدعاء عليه كلا دعاء عليه، أو أراد إذا كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد سوءًا، ويجوز كونه مما يجري على ألسنتهم ولا يراد به الدعاء؛ كتربت يداك، وهو الأظهر.
وقال التُّورِبِشْتِي: ثكلته أمه، وقتلته السيول، وقاتله اللَّه، ونظائرها كلمات يستعملونها عند التعجب والحث على التيقظ في الأمور، ولا يريدون بها الوقوع ولا الدعاء على المخاطب بها، لكنهم أخرجوها عن أصلها للتأكيد مرة، وللتعجب والاستحسان تارة، وللإنكار والتعظيم أخرى، وقد جاء واثكلياه، وهو إما مصدر واللام مكسورة، وإما صفة واللام مفتوحة، وجاء واثكل أمياه بضم ثاء وسكون كاف وبفتحهما.
стр. 260
وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ،
ــ
وقوله: (وهل يكب الناس): (يكب) بفتح الياء وضم الكاف مضارع كبه بمعنى صرعه وأسقطه، وأَكَبَّ من الإفعال بمعنى سقط، فمجرده متعد ومزيده لازم، على عكس المعهود في الإفعال، وهذا هو المشهور، وفي (القاموس) (١): كبّه: قَلَبَه، وصرعه، كأكبّه، وكبكبه فأكب، وهو لازم متعد، وأَكَبّ عليه: أقبل ولزم، انتهى.
وقوله: (أو على مناخرهم) شك من الراوي، وهو جمع منخر بفتح الميم وكسر خاء وفتحها: ثقبة الأنف، والمراد ههنا الأنف نفسه، كذا في شرح الشيخ (٢).
وفي (النهاية) (٣): أخذ بنُخْرة الصبي، أي: بأنفه، ونُخْرتا الأنف: ثقباه، والنَّخَرَة بالحركة: مقدم الأنف، والمنخر والمنخران أيضًا ثقبا الأنف، انتهى.
وقال الكرماني (٤): المنخر بفتح الميم وكسر خاء، وقد تكسر ميمه اتباعًا للخاء، وفي (القاموس) (٥): نَخَرَ يَنْخِرُ: مَدَّ الصوت في خياشيمه، والمنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما، وكمجلس ومُلْمُولٍ (٦): الأنف، ونُخْرة الأنف: مقدمُه، أو خَرْقُه، أو ما بين المنخرين، أو أرنبته، انتهى.
وقد جاء في الحديث: (أتي السكران في رمضان، فقال: للمنخرين) (٧) أي:
стр. 261
إِلَّا حَصَائدُ أَلْسِنَتِهِمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْنُ مَاجَه. [حم: ٥/ ٢٣١، ت: ٢٦١٦، جه: ٣٩٦٩].
٣٠ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ؛ فَقَدِ اسْتكْمَلَ الإِيمَانَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٦٨١].
ــ
كبه اللَّه لمنخريه، وجاء: لما خلق اللَّه إبليس نخر، والنخر صوت الأنف، وبالجملة المراد ههنا السقوط والدخول في النار على وجوههم، ولما كان الأنف أرفع أجزاء الوجوه ويقع السقوط عليه أولًا نسب إليه.
و(الحصائد) جمع حصيدة، والحصد: قطع الزرع، شبه إطلاق المتكلم لسانه بما يقتضيه الطبع من الكلام من غير تمييز بين الخير والشر ما يعني وما لا يعني بفعل الحاصد الذي لا يميز بين شوكة وزرع، وهذا باعتبار الأغلب، فإن أكثر ما يقع الإنسان في البلاء من جهة اللسان، وذكر التُورِبِشْتِي أنه ذكر في بعض الروايات (حصاد ألسنتهم) وذهب في معناه إلى حصاد اللسان وهي رزانته، قال: وذلك ليس بشيء لأنه يخالف رواية الجمهور، والظاهر أن بعض الكلمة سقط عن الكاتب على ما وجد في النسخة، انتهى. ولقد ضيع هذا الراوي وحرم عن إدراك بلاغة هذه الاستعارة اللطيفة البليغة الصادرة من أفصح فصحاء العرب والعجم ﷺ ، فهذه الرواية مما لا ينبغي أن تروى وتسمع، واللَّه أعلم.
٣٠ - [٢٩] (أبو أمامة) قوله: (من أحب للَّه، وأبغض للَّه، وأعطى للَّه، ومنع للَّه؛ فقد استكمل الإيمان) يعني من كان جميع أفعاله لوجه اللَّه لا لحظ نفسه وميل إلى ما سوى اللَّه ورضاه سبحانه، فقد جعل إيمانه كاملًا تامًّا، وهذا توحيد الإخلاص
стр. 262
٣١ - [٣٠] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ مَعَ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ, وَفِيه: "فقد اسْتكْمَل إيمَانَهُ". [ت: ٢٥٢٠].
٣٢ - [٣١] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٥٩٩].
٣٣ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،
ــ
وتجريد الذي لا يتيسر إلا للكُمَّلِ من الصديقين، رزقنا اللَّه، واستكمل وأكمل وكمل بمعنى أتم وجمل.
٣١ - [٣٠] (معاذ بن أنس) قوله: (مع تقديم وتأخير) لفظ (المصابيح) هو الأول.
٣٢ - [٣١] (أبو ذر) قوله: (أفضل الأعمال (١) الحب في اللَّه والبغض في اللَّه) معناه معنى حديث أبي أمامة، و (في) أجلية بمعنى اللام كقولهم: (عذبت امرأة في هرة) (٢)، وقولهم: المتفكر في معرفة اللَّه، ونحو ذلك، وأمثال هذه الأحاديث من جوامع الكلم التي تجمع معنى الإسلام والإيمان والإحسان، ويتضمن أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة.
٣٣ - [٣٢] (أبو هريرة) قوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)
стр. 263
وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٦٢٩، س: ٤٩٩٥].
ــ
وقد سبق بيانه في حديث عبد اللَّه بن عمرو (١).
وقوله: (والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) (٢) أَمِنَ كفرح أمنة، فأنا آمن، أي: لم يخافوه على أموالهم وأنفسهم، والأعراض جعلها داخلة في الدماء بكمال تعلقها بنفس الإنسان كأنها جزؤه، ثم ظاهر سياق الكلام يوهم بمغايرة الإيمان والإسلام والمؤمن والمسلم ومغايرة أحكامهما ولكنهما واحد، والفقرة الثانية تأكيد وتقرير للأولى، ورتب من سلم على المسلم ومن أمنه على المؤمن رعاية للمطابقة في مادة الاشتقاق تفننًا غير أنه اقتصر في الثاني على مأثم اليد على ما هو الظاهر اكتفاءً، أو لأن آفة اللسان ظاهرة شائعة لا حاجة إلى تكرارها، بخلاف آفة اليد فإنها مفتقرة إلى البيان والتقرير، هكذا وجهه الطيبي (٣).
ويمكن أن يقال: الإيمان من حيث إنه فعل القلب أكمل من الإسلام وهو الانقياد في الظاهر، والأمن أيضًا أتم وأقوى من السلامة، فإن السلامة أن لا يصيب منه ضرر وآفة مع توهم حصوله واحتماله، والأمن أن لا يبقى التوهم والاحتمال أيضًا، فافهم.
стр. 264
٣٤ - [٣٣] وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" بِرِوَايَةِ فَضَالَةَ: "وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا والذُّنُوبَ". [هب: ٥٤٩].
٣٥ - [٣٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَلَّمَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا قَالَ: . . . . .
ــ
٣٤ - [٣٣] (فضالة) قوله: (والمجاهد من جاهد نفسه) (١) أي المجاهد الحقيقي الذي ينبغي أن يسمى مجاهدًا من حارب نفسه لكونها أعدى الأعداء وملازمًا للشخص دائمًا به كيدها، ويدق دركه ويصعب علاجه.
وقوله: (المهاجر من هجر الخطايا والذنوب) لأن المقصود من الهجرة التمكن من الطاعات بلا مزاحمة الأغيار، وتشوش القلب بمصاحبة الأشرار، ففي الحقيقة الهجرة ترك الذنوب والخطايا، فمن هو في الوطن تارك الخطايا والمأثم، فهو مهاجر حقيقة، ومن خرج منه ولم يترك الذنوب فلا هجرة له نافعة، فالمهاجر الحقيقي من هجر الخطايا والذنوب، وقد مر في حديث عبد اللَّه بن عمرو (٢).
٣٥ - [٣٤] (أنس) قوله: (قلما خطبنا) (ما) مصدرية، والفعل بتأويل المصدر فاعل (قلَّ) أي: خطبتُه، أو كافّة، فيكون (قلما) بمعنى (ما) النافية، ويحتمل أن يكون (ما) عبارة عن زمان موصولة أو موصوفة، والعائد محذوف، وأما إن كانت مقحمة كما قال الطيبي (٣) فلعل الفعل مؤول بالمصدر، أو منزل منزلته ليكون فاعل (قل)، فتدبر.
стр. 265
"لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيْمَانِ". [هب: ٤١٨٤].
* الفصل الثالث:
٣٦ - [٣٥] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ النَّارَ". رَوَا مُسلم. [م: ٢٨، ٢٩].
٣٧ - [٣٦] وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ مُسلم. [م: ٢٦].
ــ
وقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) إن أريد بالأمانة المعنى المتعارف من حفظ أموال الناس ومجالسهم مثلًا، وبالعهد ما جرى بينهم من ميثاق، فهذا تغليظ وحث على محافظتهما، والمنفي هو الإيمان الكامل، وإن أريد التكاليف الشرعية والعهد الذي أخذه اللَّه من عباده بأداء حقوق ربوبيته والانقياد لأحكامه، فحيث يشتمل ذلك الدين والإيمان كله أصولًا وفروعًا فلا إشكال في هذا النفي، ويكون في الكلام تكرير أو تأكيد أو تقرير، ويحتمل أن تكون الأمانة محمولة على المعنى الأعم، والعهد على الأخص، فيكون تخصيصًا بعد تعميم، فتدبر.
الفصل الثالث
٣٦ - [٣٥] (عبادة بن الصامت) قوله: (حرم اللَّه عليه النار) قد مر تأويله (١).
٣٧ - [٣٦] (عثمان) قوله: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا اللَّه) بأن لم يطرأ
стр. 266
٣٨ - [٣٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثِنْتَانِ مُوجِبَتَانِ".
قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ مُسلم. [م: ١٥٠].
٣٩ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعنا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ فِي نَفَرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا،
ــ
قلبه ما يضاده، ويحتمل أن يكون المراد حصول العلم في ذلك الوقت فإن له فضيلة خاصة، فافهم، ثم هذا الحديث ظاهر في أن الإيمان هو التصديق فقط.
٣٨ - [٣٧] (جابر) قوله: (ثنتان) أي: خصلتان، وهما الإشراك وعدم الإشراك؛ يعني الكفر والإيمان.
وقوله: (موجبتان) أي: الجنة والنار بحكم اللَّه ووعده ووعيده.
٣٩ - [٣٨] (أبو هريرة) قوله: (في نفر) في (النهاية) (١): النفر: رهط الإنسان وعشيرته، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة من ثلاثة إلى عشرة، ولا واحد له من لفظه، انتهى. وقد يستعمل بمعنى القوم والجماعة من الجن والإنس.
وقوله: (من بين أظهرنا) أي من بيننا، والأظهر جمع ظهر مقحم للتأكيد، ومثله ظهرينا وظهرانينا بفتح النون، ووجهه أن من كان بين قوم كان بين أظهرهم؛ لأن ظهر كل واحد منهم يكون في جانب عنه، وتوضيحه ما قال في (النهاية) (٢) في حديث: (فأقاموا بين ظهرانيهم وبين أظهرهم) أي: أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد
стр. 267
وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا، فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ،
ــ
إليهم، وزيدت ألف ونون مفتوحة تأكيدًا، ومعناه أن ظهرًا منهم قدامه وظهرًا منهم وراءه، فهو مكنوف من جانبيه ومن جوانبه إذا قيل: بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا.
وقوله: (أن يقتطع دوننا) في (الصراح) (١): الاقتطاع باره أز جيزي جدا كردن، وفي (النهاية) (٢): أي يؤخذ ويتفرد به، قال النووي (٣): أي يصاب بمكروه من عدوه، ومنه أبا حزم أحذرهم أن يقتطعوك، أي: لا يرونك منفردًا فيطمعوا في قتلك فيقتلوك، فالمعنى: خشينا أن يصاب بمكروه من عدو أو غيره حال كونه دوننا، أي: متجاوزًا عنا.
وقوله: (وفزعنا) لعل الخشية في الباطن، والفزع ظهور آثارها في الظاهر كما يناسب قول أبي هريرة ﵁: (فكنت أول من فزع) (٤)، فافهم.
وقوله: (حتى أتيت حائطًا) المراد بالحائط البستان من النخيل إذا كان عليه حائط، وهو الجدار، وجمعه الحوائط، وأصله من الإحاطة، في (القاموس) (٥): الحائط: الجدار والبستان.
стр. 268
فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا؟ فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ، وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ، قَالَ: فَاحْتَفَزْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: . . . . .
ــ
وقوله: (هل أجد له بابًا) أي: مفتوحًا، ويجوز أن لا يكون دورانه حول الحائط كله، بل دار بعض أطرافه ولم يجد بابه، والظاهر أن خروجه لم يكن من الطريق الذي دخل به، بل من بابه الذي وجده بعد الدخول، واللَّه أعلم، ولعله ﷺ أغلق بابه بعد دخوله وسد طريقه.
وقوله: (فإذا ربيع) الربيع: الجدول والنهر الصغير.
وقوله: (من بئر خارجة) بتنوين فيهما موصوف وصفة، وبتنوين (بئر) وبهاء الضمير في (خارجه) يرجع إلى الحائط، أي: بئر في موضع خارج الحائط، وبإضافة (بئر) إلى (خارجة) بتاء تأنيث اسم رجل، والوجه الأول أظهر، وقيل: هو المشهور، والبئر يؤنث، كذا في (القاموس) (١)، ثم الظاهر أن المراد بالبئر ههنا معناها المعروف لا البستان كما قيل.
نعم قد تطلق البئر على البستان لكونها فيه؛ كبئر بضاعة، وهي بستان.
وقوله: (فاحتفزت) بالزاي، أي: تضاممت ليسعني المدخلُ، في (القاموس) (٢): احتفز: تضامّ في سجوده وجلوسه، واستوى جالسًا على وركيه، وفي (الصراح) (٣): احتفاز برسريائ نشستن وخويشتن درجيدن، وفي حديث علي ﵁: (إذا صلت المرأة
стр. 269
"أبُو هُرَيْرَةَ؟ " فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟ " قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُوننًا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ" وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: "اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيَكَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"،
ــ
فلتحتفز إذا جلست وإذا سجدت) (١)، وفي حديث الأحنف: كان يوسع لمن أتاه، فإذا لم يجد متسعًا تحفز له تحفزًا، هذا، وأما رواية الراء فليس له معنى ظاهر مناسب للمقام، والصواب هو الرواية بالزاي، كذا قالوا.
وقوله: (أبو هريرة) أي: أنت أبو هريرة؟ على طريق الاستفهام للتعجب؛ لكون الطريق مسدودًا فاستغرب.
وقوله: (أعطاني نعليه) كما هو العادة في أعطاء شيء مما يعرف به أنه أرسله، ولعله لم يكن شيء آخر عنده سواهما، وقد ذكر الطيبي (٢) في تخصيص النعلين نكات مناسبة لا تخلو عن خفاء، واللَّه أعلم. ولعله ﷺ لما شاهد منهم كمال المحبة والإخلاص من فزعهم بأدنى مفارقة وتوحشهم بذلك؛ عطف عليهم وتوجه إلى جناب القدس لاستجلاب الرحمة لهم، فأوحي بذلك.
وقوله: (فمن لقيك. . . إلخ) حاصل المعنى أخبرهم بأن من شهد به مستيقنًا دخل الجنة، فافهم.
стр. 270
فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ عُمَرَ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ قُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي بِهِمَا، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَخَرَرْتُ لِاسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجْهَشْتُ بِالبُكَاءِ، وَرَكِبَنِي عُمَرُ. . . . .
ــ
وقوله: (فكان أول من لقيت عمر) الظاهر برفع أول ونصب عمر، ويجوز العكس.
وقوله: (فخررت لاستي) بكسر الهمزة وسكون السين، أي: سقطت على مقعدي، واللام بمعنى (على).
وقوله: (فقال: ارجع) كان عمر ﵁ عالمًا من عند النبي ﷺ أن هذا بشارة تطييبًا لقلوبهم، وأنهم لو سمعوا يتكلوا، وأن الأمر لم يكن للإيجاب، ولذا خلاهم رسول اللَّه ﷺ آخرًا، فافهم.
وقوله: (فأجهشت بالبكاء) في (القاموس) (١): جهش إليه كسمع ومنع جهشًا وجهوشًا وجهشانًا: فزع إليه وهو يريد البكاء، كالصبي يفزع إلى أمه، كأجهش، ولما كان في الحديث ذكر البكاء كان في الجهش تجريد، ومنه حديث: (أصابنا عطش فجهشنا إلى رسول اللَّه ﷺ ) (٢).
وقوله: (ركبني عمر) أي علا عليَّ عاديًا. في (القاموس) (٣): ركبه
стр. 271
فَإِذا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا لَك يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ " قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بعثتني بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً، فَخَرَرْتُ لِاسْتِي، فَقَالَ: ارْجع، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَخَلِّهِمْ". رَوَاهُ مُسلم. [م: ٥٢].
٤٠ - [٣٩] وَعَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَفَاتِيحُ الْجنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه". رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ٥/ ٢٤٢].
ــ
كسمعه: علاه.
وقوله: (على أثري) بكسر الهمزة وسكون المثلثة، ويروى بفتحتين، أي: فنظرت فإذا هو على عقبي.
وقوله: (بأبي أنت وأمي) أي: أنت مفدُّى بأبي وأمي، وأبي وأمي فداك، فداه يفديه فداء وفِدًى، ويُفتح، وافتدى به وفاداه: أعطى شيئًا فأنقذه، والفداء ككساء، وكـ (على) و (إلى)، والفدية: ذلك المعطى، وفاداه بنفسه وفداه: إذا قال له: جعلت فداك.
وقوله: (فلا تفعل) دعاء وتضرع من عمر ﵁ إلى حضرته أن لا يفعل لما رأى من المصلحة.
٤٠ - [٣٩] (معاذ بن جبل) قوله: (مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا اللَّه) لعل جمع المفاتيح باعتبار المواد وأفراد المؤمنين، أو الجنات، أو درجاتها ومنازلها، أو
стр. 272
٤١ - [٤٠] وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ حَزِنُوا عَلَيْهِ، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يُوَسْوِسُ،
ــ
جعل كل جزء منها مفتاحًا مبالغة.
٤١ - [٤٠] (عثمان) قوله: (حين توفي) بصيغة المجهول من التوفي، أي: توفاه اللَّه وقبض روحه، والوفاة الموت، كذا في (القاموس) (١)، وحقيقة التوفي استيفاء الحق وقبضه تامًا، فاللَّه سبحانه يستوفي حق الأجل الذي ضرب له، كما قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقد يسند التوفي إلى ملك الموت كما قال: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] أي: يستوفي عددكم ويستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئًا، والتفعل بمعنى الاستفعال يأتي كثيرًا، كتنقصه واستنقصه وتعجلته واستعجلته، كذا قال البيضاوي، وعلى صيغة المجهول جاءت القراءة السبع في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقرئ (يتوفون) بصيغة المعلوم، أي: يستوفون آجالهم، قيل: وهو قراءة علي ﵁.
وقوله: (حزنوا عليه) حزن كفرح بصيغة المعلوم لازم بمعنى اندوهكَين شدن، حزن وحزين لغتان منه، وكنصر متعد، يقال: حزنه وأحزنه: جعله حزينًا، فهو محزون، وحزن بسكون الزاي مصدر، ويجيء بمعنى الأرض الوعرة، والحزن بالضم وبفتحتين اسمان بمعنى (اندوه) خلاف السرور، ويجيئان مصدرين من كلا البابين.
وقوله: (يوسوس) الوسوسة: حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، كالوسواس بالكسر، والاسم بالفتح، كذا في (القاموس) (٢)، و (وسوس) لازم، أي:
стр. 273
قَالَ عُثْمَانُ: وَكُنْتُ مِنْهُم، فَبَيْنَا أَنا جَالِسٌ من مَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ وَسَلَّمَ فَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ، فَاشْتَكَى عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄، ثُمَّ أَقْبَلَا حَتَّى سَلَّمَا عَلَيَّ جَمِيعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا حَمَلَكَ ألَّا تَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ عُمَرَ سَلامَهُ؟ قُلْتُ: مَا فَعَلْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلَى، وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتَ، قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ أَنَّكَ مَرَرْتَ وَلَا سَلَّمْتَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ عُثْمَانُ، قَدْ شَغَلَكَ عَنْ ذَلِكَ أَمْرٌ، فَقُلْتُ: أَجَلْ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: تَوَفَّى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ قَبْلَ أَنْ نسْأَلَهُ عَنْ نَجَاةِ هَذَا الأَمْرِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قد سَأَلْتُهُ عَن ذَلِكَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا،
ــ
وقع في الوسوسة.
فقوله: (يوسوس) بكسر الواو الثانية، أي: يقع في الوسوسة، والفتح لحن.
وقوله: (مر علي عمر وسلم) عرف ذلك بعد الإفاقة وتحقيق الحكاية فاشتكى عمر، لعل الشكاية لأجل فوات هذا الواجب من عثمان ﵁، وهو رد السلام، أو لأجل فوات بركة دعائه.
وقوله: (قلت: ما فعلت) أي ما تركت رد السلام عليه، عبر بالفعل إشارة بأنه لم يقع ذلك منه باختياره ليكون فعلًا صادرًا منه يؤاخذ عليه، أو يقال: إن الترك أيضًا فعل، فافهم.
وقوله: (صدق عثمان) وكيف يصدر ذلك منه مع شعوره، ثم خاطب عثمان ﵁ وقال: قد شغلك عن ذلك أمر عظيم نشأ من وفاة رسول اللَّه ﷺ ، ويحتمل أن يتم الكلام بـ (صدق)، والضمير فيه لـ (عمر)، ويكون عثمان ﵁ منادى بحذف حرف النداء، وذلك وجه، واللَّه أعلم.
стр. 274
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَجَاةُ هَذَا الأَمْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَبِلَ مِنِّي الْكَلِمَةَ الَّتِي عَرَضْتُ عَلَى عَمِّي فَرَدَّهَا [عَلَيَّ]؛ فَهِيَ لَهُ نَجَاةٌ". رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ١/ ٦].
ــ
وقوله: (ما نجاة هذا الأمر) قال الطيبي (١): يجوز أن يكون المراد بالأمر ما عليه المؤمنون من الدين، أي: نسأله عما يتخلص به من النار، وأن يراد به ما عليه الناس من غرور الشيطان وحب الدنيا والتهالك فيها والركون إلى شهواتها وركوب المعاصي وتبعاتها، أي: نسأله عن نجاة هذا الأمر الهائل، وهذه الكلمة سبب النجاة من النار، والنجاة من الغفلة وصداء القلب، ولهذا التزمه السائرون إلى اللَّه العارفون به، انتهى ملخصًا.
ويتوجه على الوجه الأول أن عثمان ﵁ هو الذي روى الحديث الذي في الفصل السابق من حديث مسلم، وهو: (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا اللَّه دخل الجنة)، فكيف يصح قوله: (توفى اللَّه تعالى نبيه ﷺ قبل أن نسأله عن نجاة هذا الأمر)؟ اللهم إلا أن يقال: إنه نسي الحديث لما دهشه من المصيبة والحيرة، هذا والصواب أن يقال: إن المراد النجاة عن حديث النفس ووسواس الشيطان كما جاء في رواية محمد بن جبير: أن عمر مرّ على عثمان فسلّم عليه، فلم يردّ عليه، فدخل على أبي بكر ﵁ فاشتكى ذلك إليه، فقال أبو بكر ﵁: ما منعك أن تردّ على أخيك السلام؟ قال: واللَّه ما سمعته وأنا أحدث نفسي، قال أبو بكر ﵁: فماذا تحدث نفسك؟ قال: خلا بي الشيطان، فجعل يلقي في نفسي أشياء ما أحب أني تكلمت بها وأن لي ما على الأرض، قلت في نفسي حين ألقي الشيطان ذلك: يا ليتني سألت رسول اللَّه ﷺ ما ينجينا من
стр. 275
٤٢ - [٤١] وَعَنِ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ. . . . .
ــ
هذا الحديث الذي يلقي الشيطان في أنفسنا؟ قال أبو بكر ﵁: فإني واللَّه لقد اشتكيت إلى رسول اللَّه وسألته: ما الذي ينجينا من هذا الحديث الذي يلقي الشيطان في أنفسنا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (ينجيكم من ذلك أن تقولوا مثل الذي أمرت به عمي عند الموت فلم يفعل) (١)، رواه أبو يعلى في (مسنده) (٢).
قال البوصيري في (زوائد العشرة) (٣): سنده حسن، كذا في (جمع الجوامع) للسيوطي، وذكر شيخ شيوخنا ابن حجر المكي في سرح قوله (كاد بعضهم يوسوس) أي: يقع في نفسه انقضاء هذا الدين وانطفاء أنواره.
٤٢ - [٤١] (المقداد) قوله: (لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر)، في (القاموس) (٤): المدر محركة: قطع الطين اليابس، واحدته بهاء، والحجارة والمِدارة إتباعٌ، وفي (مجمع البحار) (٥): المدر بفتح ميم ودال: الطين المجتمع الصلب، والوبر محركة: صوف الإبل والأرانب ونحوها، والجمع أوبار، والمراد ببيت المدر: المدن والقرى، مدرة الرجل: بلدته، وفي الحديث: (أما إن العمرة
стр. 276
إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الإِسِلَامِ بِعِزِّ عَزِيزٍ وَذُلِّ ذَلِيلٍ، إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهَا". قُلْتُ: فَيَكُونُ الدِّينُ كلُّهُ للَّهِ. رَوَاهُ أَحْمَد. [حم: ٤/ ٦].
٤٣ - [٤٢] وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّهٍ قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ،
ــ
من مدركم) أي: بلدكم، يقول: من أراد العمرة ابتدأ لها سفرًا جديدًا من منزله من غير سفر الحج، وهو مستحب لا واجب.
وببيت الوبر البوادي؛ لأنهم يسكنون فيها في الخيام، وهي من الوبر غالبًا.
وقوله: (إلا أدخله) أي: أدخل اللَّه، حذف للعلم ودلالة السياق، وقد ذكر في بعض النسخ صريحًا، والضمير المنصوب الراجع إلى البيت ظرف بتقدير (في) وإن كان مكانًا محدودًا لكونه بعد دخلت.
وقوله: (بعز عزيز) أي: ملتبسة بعز شخص يعزّه اللَّه بها، بأن يختار تلك الكلمة ويؤمن بها، وملتبسة بذل ذليل، أي: شخص يذلّه اللَّه بها، بأن لم يؤمن.
وقوله: (إما يعزهم اللَّه) بيان وتفصيل لدخول الكلمة كل بيت بعز وذل، فبالعز بأن يجعلهم أهلها، وبالذل بأن يدينوا وينقادوا الكلمة ويقبلوا الجزية، فتدخل الكلمة في الكل ويكون الدين كله للَّه، ويكون غالبًا على جميع الأديان طوعًا وكرها.
٤٣ - [٤٢] (وهب بن منبه) قوله: (له أسنان) (١) كنى بها عن الأعمال الصالحة
стр. 277
فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَة بَابٍ. [كتاب الجنائز، باب: ١].
٤٤ - [٤٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشَرِ أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّه". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٢، م: ١٢٩].
٤٥ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : مَا الإيمَانُ؟ . . . . .
ــ
وأركان الإسلام، وفيه حث وترغيب على العمل وإن لم يكن جزءًا من أصل حقيقة الإيمان، فإن دخول الجنة مع السابقين والفوز بالدرجات والمراتب الرفيعة لا يكون إلا بالأعمال، وإن جاز أن يحصل أصل النجاة من خلود النار بالعفو والمغفرة.
وقوله: (رواه البخاري في ترجمة باب) على جهة التعليق، وتعليقات البخاري كلها متصلة صحيحة، لا سيما إذا ذكرت لا بصيغة التمريض كما علم في أصول الحديث، وقد مر في المقدمة.
٤٤ - [٤٣] (أبو هريرة) قوله: (إذا أحسن أحدكم إسلامه) أي أخلصه، والإحسان ضد الإساءة، وفي (القاموس) (١): الضعف بالكسر مثل الشيء، وضعفاه مثلاه، أو الضعف: المثل إلى ما زاد، ويقال: لك ضعفه يريدون مثليه وثلاثة أمثاله؛ لأنه زيادة غير محصورة.
٤٥ - [٤٤] (أبو أمامة) قوله: (ما الإيمان) أي: علامة صحته وصدقه.
стр. 278
قَالَ: "إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتْكَ سَيِّئتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ"،
ــ
وقوله: (قال: إذا سرتك حسنتك. . . إلخ) فإن ذلك علامة وجود التصديق واليقين باللَّه وأحكامه واليوم الآخر وجزاء الأعمال، ومن مواضع اليقين الذي يجب أن يتيقن العبد به جزاء الأعمال، وهو أن يعلم يقينًا أن لكل عمل يعمله جزاء خيرًا كان أو شرًا.
قال شيخنا قدوة أرباب الصحو والتمكين الشيخ عبد الوهاب المكي المتقي في (كتاب الحبل المتين في تقوية اليقين): كل ما أخبر به رسول اللَّه ﷺ يجب به اليقين، وهو مع كثرته وبلوغه إلى حد لا يحصى، يرجع إلى أربعة مواضع:
أحدها: التوحيد، بأن يعلم أن كل ما يقع في العالم إنما هو بقدرة الباري تعالى وإرادته، وهو الضار والنافع، والمعطي والمانع، وفائدته عدم الاستناد والالتفات إلى ما سوى الحق سبحانه.
وثانيها: التوكل والثقة بضمانية الحق تعالى رزق العباد، وفائدته الإجمال في الطلب مع ترك الأسف على ما فات.
وثالثها: جزاء الأعمال من الثواب والعقاب، وفائدته الإقبال على الطاعات والاجتناب عن المعاصي.
ورابعها: اطلاع الرب تعالى على أحوال العباد سرها وعلانيتها، وفائدته السعي والمبالغة في إصلاح الظاهر والباطن.
وقال الشيخ العارف باللَّه ابن عطاء اللَّه الإسكندري الشاذلي (١) في (كتاب الحكم):
стр. 279
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الإِثْمُ؟ ، قَالَ: "إِذَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ". رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ٥/ ٢٥٦، ٢٥٢].
ــ
علامة موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات، وترك الندم على ما فعلته من وجود الذلات، وقال سيدي أحمد بن زَرّوق (١) في (شرحه): دليل حياة القلب ثلاث: أولها: التأثر بالعوارض، فالقلب الذي يحسن الحسن ويقيح القبيح حيٌّ، وإلا فلا.
الثاني: التشوق للقوام، فالقلب الذي يطلب ما يقوم به وجوده، وهو التقوى حيٌّ وإلا فلا.
الثالث: تَطَعُّم الوقائع فيه من مستلذ وغيره، فالقلب الذي يستلذ الحسنة دون السيئة حي وإلا فلا، ثم القلب بعد تأثره بالعوارض، إما أن ينهض للعمل، فهو صحيح في حياته، وإلا فهو مريض، والقلوب ثلاثة: قلب مشروح، وهو قلب المؤمن المطيع، وقلب مذبوح، وهو قلب الكافر والمنافق، وقلب مجروح، وهو قلب المؤمن العاصي.
وقوله: (ذا حاك في نفسك شيء) في (القاموس) (٢): حاك الشيء في صدري: رسخ، وحاك القول في القلب حَيْكًا: أخذ، والسيفُ: أَثّر، والشَّفْرَةُ: قطعت، كأحاك
стр. 280
٤٦ - [٤٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الأَمْرِ؟ قَالَ: "حُرٌّ وَعَبْدٌ"، قُلْتُ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: "طِيبُ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ"، قُلْتُ: مَا الإِيْمَانُ؟ قَالَ: "الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الإِيْمَانِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: . . . . .
ــ
فيهما، وفي (مختصر النهاية) (١): حاك في نفسه يحيك: أَثَّر، والمعنى إذا حاك في نفسك، أي: أَثَّر فيها ورسخ فاترك، فإن ذلك علامة كونه إثمًا، يعني ما يؤثر في النفس الشريفة القدسية المتحلية بحلية التقوى ونور الإيمان تأثيرًا بالنفرة والكراهة، أي: ما لا ينشرح له صدر من شرح اللَّه صدره دون عموم المؤمنين، وعلى هذا يحمل قوله: (استفت قلبك) وذلك فيما إذا لم يوجد دليل شرعي من الكتاب والسنة، ويتعارض أقوال العلماء، فحيئنذ يستفتي من القلب لترجيح بعض الأقوال على بعض، كما تقرر في أصول الفقه، وروي (حاكّ) بالتشديد من المحاكة بمعنى المباراة، مجرَّدُه الحكُّ بمعنى النحت، والأول هو الأصح.
٤٦ - [٤٥]: (عمرو بن عبسة) قوله: (حر وعبد) أي: أبو بكر وبلال، وقيل: زيد بن حارثة، وقيل: الوجه هو الأول، فإن في إحدى روايات مسلم: (ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ﵄)، وقيل: المراد كل الناس من الأحرار والعبيد، إخبار عما يتقرر عليه أمر الإسلام في الاستقبال، وفيه ما فيه، وإلا فقد قيل في ترجمة عمرو بن عبسة: إنه رابع أربعة أو ثالث ثلاثة في الإسلام.
وقوله: (قلت: ما الإسلام؟ قال: طيب الكلام وإطعام الطعام) إلى قوله (قال:
стр. 281
"خُلُقٌ حَسَنٌ"،
ــ
خلق حسن) توجيه الحديث لا يخلو عن شيء، فإنه سأل إما عن حقيقة الإسلام ومفهومه، ولا شك أنه عبارة عن الأركان الخمسة التي بني عليها كما مر تفسيره في حديث (١) جبرئيل ﵇، أو عن خصاله ولوازمه وروادفه وهي كثيرة، فما معنى أنه طيب الكلام وإطعام الطعام، وأفضله من سلم المسلمون من لسانه ويده؟ وكذا الكلام في الإيمان، فإن حقيقته أن تؤمن باللَّه وملائكته إلى آخر ما ذكر في الحديث المذكور، وخصاله وشعبه كثيرة، فما معنى أن الإيمان الصبر والسماحة وأفضله خلق حسن؟
والذي يفهم من كلام الطيبي (٢) في توجيهه أن جوابه عن الإسلام أنه طيب الكلام وإطعام الطعام بعث له على مكارم الأخلاق، أي: ما الإسلام إلا مكارم الأخلاق، ومن ثم سأل أيً الإسلام أفضل؟ أَيْ: أَيُّ الأخلاق أفضل، كأنه يريد أن المسؤول خصال الإسلام، فأشار بها بأنها مكارم الأخلاق، لكنه اكتفى بذكر شيئين منهما هما العمدة، وهي التواضع والسخاوة الواصل أثرهما إلى خلق اللَّه سبحانه، أو لأنهما أدخل وأصلح بحال السائل، ثم سأل أفضل الأخلاق الذي لا يصح الإسلام ولا يتم إلا به، وهي كف النفس عن إيذاء الخلق، فالأول تحلية، والثاني تخلية، قدم ذكر التحلية لكونها المقصودة من التزكية، فصار حاصل الجواب: أن الإسلام تخلية النفس عن الرذائل وتحليتها بالفضائل، وأجاب بأن محصل خصال الإيمان وشعبه الصبر والسماحة إشارة إلى ترك ما نهي عنه وفعل ما أمر به، كما فسر الحسن البصري ﵁ بقوله: الصبر عن معصية اللَّه، والسماحة على أداء فرائض اللَّه، والخلق الحسن أفضل خصاله؛ لكونه حاصل أصل
стр. 282
قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقُنُوتِ"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ"، قَالَ: فَقُلْتُ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ السَّاعَاتِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جَوْفُ اللَّيلِ الآخِرِ". رَوَاهُ أَحمد. [حم: ٤/ ٣٨٥].
ــ
العمل وأصعبه، هذا تقرير كلام الطيبي وتحقيقه في توجيه الحديث، فافهم.
وقوله: (طول القنوت) يطلق على معان متعددة؛ كالطاعة والخشوع، والصلاة والدعاء، والقيام والسكوت، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه، كذا قال الطيبي (١)، والظاهر حمله على القيام، وقد تمسك به من قال: طول القيام أفضل من كثرة السجود، حيث اختلفوا في أن أيهما أفضل (٢)، فتدبر.
وقوله: (أن تهجر ما كره ربك) قد مر تفسيره في الأحاديث السابقة.
وقوله: (عقر جواده) الجواد بالفتح فَرَسٌ بَيِّنُ الجُودة بالضم، الذكر والأنثى سواء.
وقوله: (أهريق دمه) أي: أريق، والإراقة: صب المائع من ماء أو دم أو غيرهما، وأصله أراق يريق إراقةً، ثم أبدلت الهاء، وهذه الكلمة لا يخلو بيان بنائه من قلق وخفاء في كلامهم، وأجمع كلام فيه كلام (الصحاح) (٣) فاكتفينا به، قال: هراق الماء
стр. 283
٤٧ - [٤٦] وَعَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَيُصَلِّي الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، غُفِرَ لَهُ"، قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "دَعْهُمْ يَعْمَلُوا". رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ٥/ ٢٣٣].
ــ
ويهريقه بفتح الهاء هِراقة بالكسر، وأصله أراق يُرِيقُ إراقة، وهو في الأصل أَرْيَقَ يُرْيِقُ، وأصل مضارعه يُأَرْيِقُ فأبدلوا الحركة والسكون بين الراء والياء فصار يَأْرِيقُ، واستثقلوا الهمزتين في قولهم: أنا أُأَريقه فقالوا: أهريقه مبدلة بالهاء، وفيه: لغة أخرى يقال: أهرق الماءَ يُهْرِقه إهراقًا، قال سيبويه: أبدلوا من الهمزة الهاء، ثم ألزمت فصارت كأنها من نفس الكلمة، ثم أدخلت الألف بعده على الهاء وتركت الهاء عوضًا من حذفهم العين؛ لأن أصل أهرق أريق، وفيه: لغة ثالثة: أَهْراقَ يُهْرِيقُ إهراقًا فهو مُهْرِيقٌ، وذلك مُهْراقٌ بالحركة والسكون، وهذا شاذ، ونظيره: أسطاع يُسطيع اسطياعًا بفتح الهمزة في الماضي وضم الياء في المضارع لغة في أطاع يُطيع، فجعلوا السين عوضًا من ذهاب حركة عين الفعل، وكذلك حكم الهاء في يهريق، ويهريق مثل يُهَفْعِلُ ومُهَرَاق مُهَفْعَلٌ، وأما مثال يهريق بسكون الهاء لا يمكن أن ينطويه؛ لأن الهاء والفاء جميعا ساكنان، وكذا مُهْرَاق، ويقال: مطر مُهْرَوْرِقٌ من باب افعيعال.
٤٧ - [٤٦] (معاذ بن جبل) قوله: (كفر له) أي: ذنوبه التي ارتكبها، إما كله بأن لا يعذبه أصلًا، أو بعضه بأن يعذبه على بعضها ويعفو عن بعض، والظاهر هو الأول، ولذا منع عن تبشيرهم، وتخصيص الصلاة والصوم إما لأنه لم يفرض حينئذ سواهما من الزكاة والحج، أو لأنهما عمدة العبادات، أو لأن سنة اللَّه جرت بالمغفرة لمن أتى بهما، وإن أذنب وترك الفرائض الأخر، وهي بعد في مشيئة اللَّه، يعذب من
стр. 284
٤٨ - [٤٧] وَعَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الإِيْمَانِ، قَالَ: "أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ، وَتُبْغِضَ لِلَّهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ"، قَالَ: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٤٧].
* * *
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
ــ
يشاء ويغفر لمن يشاء.
٤٨ - [٤٧] (معاذ بن جبل) قوله: (وماذا) أَيْ: وأَيُّ شيء أصنع بعد ذلك؟ .
١ - باب الكبائر وعلامات النفاق
الكبائر جمع كبيرة، وهي من الصفات الغالبة، اسم للفعلة القبيحة من الذنوب التي يعظم ارتكابها إثمًا، وتقابلها الصغيرة، وهي ما لا يعظم إثمها، وقد اضطربت الأقوال في حد الكبائر وتعينها، وقد ذكرت في الأحاديث ذنوب بأعيانها ثلاثًا أو أربعًا أو سبعًا أو تسعًا أو أكثر، فقيل هي الكبائر، وما دونها صغائر، والمختار أنه ليس المراد بها الحصر، وقد روي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أنه قال: الكبائر إلى سبع مئة أقرب منها إلى سبع، بل النبي ﷺ أخبر في كل مجلس ما أوحي إليه، وما كان مفسدته مثل مفسدة شيء من المذكورات أو أكثر منها فهي أيضًا من الكبائر (١).
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما المثل فكشرب بعض المسكرات من غير الخمر، وكاللواطة مثل الزنا، وكإيذاء الأستاذ مثل إيذاء الوالد، وكالغصب مثل الربا.
وأما الأكثر فمثل قطع الطريق مع أخذ المال أكثر من السرقة، وكذا إيذاء النبي ﷺ أكثر من إيذاء الوالد، وكدلالة جيوش الكفار على بلاد المؤمنين للغارة أكثر من الفرار عن الزحف، وكحكم القاضي بغير الحق أكثر من شهادة الزور ظلمًا وإثمًا.
وقيل: ما ثبت النهي عنه بنص قطعي، وقيل: ما قرن به في الشرع حد أو لعن أو وعيد، وإلى هذا مال أكثرهم، وعمم بعضهم هذا القول أيضًا، قال: وما كان مفسدته كمفسدة ما قرن به أحد الثلاثة أو أكثر، وقيل: ما أشعر بتهاون المرتكب بالدين إشعارًا مثل إشعار الكبائر، كقتل رجل يعتقد أنه معصوم الدم فظهر أنه مستحق للقتل، أو وطئ زوجته وهو يظنها أجنبية.
ونقل عن (الكافي): والأصح أن ما كان شنيعًا بين المسلمين، وفيه هتك حرمة الدين، فهي كبيرة، وإلا فهي صغيرة.
وأما ما قيل: كل معصية أصرّ عليه العبد فهي كبيرة، وكل ما استغفر عنها فهي صغيرة، فيلزم منه أن يكون الزنا وشرب الخمر مثلًا صغائر إذا لم يصر عليها، اللهم إلا أن يريد ما عدا المنصوص عليها، وأغرب منه ما نقل عن صاحب (الكفاية) أنه قال: الحق أنهما اسمان إضافيان لا يعرفان بذاتيهما، فكل معصية أضيفت إلى ما فوقها فهي