وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، ومَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٧٣، م: ١٠٤٥].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٨٤٦ - [١٠] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ،
ــ
اجعله مالًا لك.
وقوله: (من هذا المال) إشارة إلى جنس المال.
وقوله: (أنت غير مشرف) أي: غير طامع وطالب، والإشراف: الاطلاع من الشرف، وهو المكان العالي.
وقوله: (فلا تتبعه) بتقديم الباء على العين من الإتباع، أي: لا تجعل نفسك تابعة له في طلبه، كذا في الحاشية من (المفاتيح شرح المصابيح) (١).
الفصل الثاني
١٨٤٦ - [١٠] (سمرة بن جندب) قوله: (المسائل كدوح) بضم الكاف جمع كدح بالفتح والسكون، وهو الخدش، في (القاموس) (٢): كدح وجهه: خدش، أو عمل به ما يشينه، وتكدّح الجلد: تخدّش، وكل أثر من خدش أو عض فهو كدح، ثم يحتمل أن يكون ذلك في القيامة، كما يدل عليه حديث ابن مسعود ككون الوجه عظمًا لا لحم عليه، أو هو كناية عن إراقة ماء الوجه وإسقاط جانبه وذله وشينه عند الناس، وهو الأنسب بقوله: (يكدح بها الرجل وجهه).
стр. 2173
فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلِى وَجْهِهِ، وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنهُ بُدًّا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٣٩، ت: ٦٨١, ن: ٢٥٩٩].
١٨٤٧ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "من سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ, جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ". . . . .
ــ
وقوله: (فمن شاء أبقى على وجهه) أي: صان وجهه عن الكدح ومنعه منه، وفي نسخة: (أبقى عليه وجهه) , والضمير في (عليه) لـ (كدح) أو لـ (من)، وفي أخرى: (أبقى على وجهه ماء).
وقوله: (ذا سلطان) أي: ذا ملك وسلطنة بيده بيت المال فيطلب حقه منه، وأما أخذ الأموال من الملوك والسلاطين من غير حق له في بيت المال مما يحوي أيديهم من الغضب والظلم فله حكم آخر, وهو إن غلب الحرام فيما أيديهم حرمت، وإن غلب المباح فمباح, وإلا فهو من قبيل الشبهة بعد ما كان الآخذ مستحقًا.
وقوله: (أو في أمر لا يجد منه بدًّا) كدفع الفاقة ورفع الحاجة (١)، كما سبق في أول الباب.
١٨٤٧ - [١١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح) أن تكون الألفاظ الثلاثة جمعًا لكون المسألة جنسًا، وأن تكون
стр. 2174
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٦٢٦، ت: ٦٥٠، ن: ٢٥٩٢، جه: ١٨٤٠، دي: ١٦٤٠].
١٨٤٨ - [١٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ". قَالَ النُّفَيْلِيُّ -وَهُوَ أَحَدُ رُوَاتِهِ- فِي مَوْضع آخَرَ: وَمَا الْغِنَى الَّذِي لَا يَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ؟ . . . . .
ــ
مصدرًا، وهو الظاهر، وأما في الحديث السابق فجمع لا غير بجمع (المسائل)، قال التُّورِبِشْتِي (١): هذه الألفاظ متقاربة المعاني، وكلها يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يُقَشّر أو يجرح، والظاهر أنه قد اشتبه على الراوي لفظ النبي ﷺ فذكرها سائرها احتياطًا واستقصاء في مراعاة ألفاظه، ويمكن أن يفرق بينها فيقول: الكدح دون الخدش، والخدش دون الخمش.
وقال الطيبي (٢): فيكون ذلك إشارة إلى أحوال السائلين من الإفراط والإقلال والتوسط، وأقول: ويناسب ذلك ذكر الخدش في البين فأعلاها الخمش، ثم الخدش، ثم الكدح، واللَّه أعلم.
١٨٤٨ - [١٢] قوله: (سهل بن الحنظلية) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المشالة، اسم أم سهل أو من أمهاته. و (النفيلي) نسبة إلى نفيل، نسبه بلفظ التصغير.
وقوله: (في موضع آخر) متعلق بـ (قال).
стр. 2175
قَالَ: "قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ". وَقَالَ فِي مَوْضعٍ آخَرَ: "أَنْ يَكُونَ لَهُ شَبَعُ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٢٩].
١٨٤٩ - [١٣] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ. . . . .
ــ
وقوله: (قدر ما يغدِّيه ويعشِّيه) قد سبق في حديث ابن مسعود ﵁: أن حدّ الغناء الذي يمنع عن السؤال: أن يملك خمسين درهمًا أو عدلها، وفي الحديث الآتي عن عطاء: أن يملك أوقية، قالوا: والأوقية يومئذٍ أربعون درهمًا، وفي هذا الحديث: (قدر ما يغديه ويعشيه)، وأخذ الشافعي بالأول، وأحمد وابن المبارك وإسحاق بالثالث، وبعض العلماء بالثاني، وأخذ أبو حنيفة وأصحابه بأن يملك مئتي درهم وإن لم يكن ناميًا، وقد ورد ذلك في الحديث، ذكره في (الكافي).
وقال الطيبي (١): قد روي مرسلًا: (من سأل الناس وله عدل خمس أواق فقد سأل إلحافًا) (٢)، وخمس أواق يكون مئتي درهم؛ لأنه أيسر على الناس، وقال في (الكافي): وهو ناسخ للأحاديث الآخر، واللَّه أعلم.
وقوله: (أن يكون له شبع يوم أو ليلة) الشبع بالفتح وكعنب: ضد الجوع، وبالكسر، وكعنب: اسم ما يشبعك، كذا في (القاموس) (٣)، وفي (مجمع البحار) (٤): شبع بكسر الشين وفتح الموحدة وهو بسكون الباء اسم: ما يشبع، وبالفتح مصدر.
١٨٤٩ - [١٣] (عطاء بن يسار) قوله: (وله أوقية) بضم الهمزة وتشديد الياء
стр. 2176
أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ١٨١٦، د: ١٦٢٧، ن: ٢٥٩٦].
١٨٥٠ - [١٤] وَعَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيِّ إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ غُرْمٍ مُقْطِعٍ (١)، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَرَضْفًا يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ،
ــ
وقد تخفف (٢).
١٨٥٠ - [١٤] (حُبشِيّ بن جُنادة) قوله: (لذي فقر مدقع) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف: الملصق بالدقعاء، وهي التراب كناية عن شدة الحاجة والفقر ألصقه بالتراب، ومنه سمي المسكين سكن ولم يقدر على الحركة، كما قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦].
وقوله: (أو غرم مقطع) قطع الأمر ككرم: اشتدت شناعته وجاوز المقدار في ذلك، كأقطع وأقطعه واستقطعه وتقطعه: وجده قطيعًا.
وقوله: (ليثري به ماله) أي: يكثره، والثروة كثرة العدد من الناس والمال، وفي (القاموس): ثري كرضي: كثر ماله كأثرى، فعلى هذا يجوز أن يكون (ماله) مرفوعًا على الفاعلية، لكن الرواية بالنصب وهو الأوجه معنى. و (الرضف) بالفتح وسكون
стр. 2177
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٥٣].
١٨٥١ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: "أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ " فَقَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ، وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: "ائْتِنِي بِهِمَا" قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيْ هَذَيْنِ؟ " قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمِ، قَالَ: "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، فَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: "اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا، فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا، فَائْتِنِي بِهِ"،
ــ
الضاد المعجمة: الحجارة المحماة.
وقوله: (فليقل) من الإقلال، وكذا (فليكثر) من الإكثار، والمفعول محذوف، أي: السؤال أو الوصف, كما سبق.
١٨٥١ - [١٥] (أنس) قوله: (حِلس) بِالكسر: كساء على ظهر البعير تحت البرذعة يبسط في البيوت تحت حُرِّ الثياب، ويحرك, كذا في (القاموس) (١). والقعب بفتح القاف وسكون العين: القدح الضخم الجافي، أو إلى الصِّغر، أو يُرْوِي الرَّجُلَ.
وقوله: (أنا آخذهما) بصيغة المضارع, وفي الثاني: بصيغة اسم الفاعل.
و(القدوم) بفتح القاف وضم الدال مخففة أو مشددة، قدوم [آلة] النجار مؤنثة، والذي وقع في حديث إبراهيم: (اختتن بالقدوم) (٢)، قيل: هي هذه، وقيل: اسم موضع
أَوْ غِنًى آجِلٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٦٤٥، ت: ٢٣٢٦].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٨٥٣ - [١٧] عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ أَنَّ الْفِرَاسِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا، وَإِنْ كنْتَ لَا بُدَّ فَسَلِ الصَّالِحِينَ". . . . .
ــ
بالكفاية عما هو فيه (إما بموت عاجل أو بغنى آجل) هو ضد العاجل، انتهى. وجه التعليل أن على تقدير الكسر لا يصح هذا الترديد؛ لأنه لا يحصل الغناء بالموت.
وقوله: (أو غنى عاجل) بالعين، كذا في أكثر نسخ (المصابيح)، وفي (سنن أبي داود) و (الترمذي): (أو غنى آجل) وهو أصح درايةً كقوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] كذا قال الطيبي (١)، وجه الأصحية أنه إذا لم يكن موت عاجل يكون بعده غناء آجل، أما تأييده بالآية فلا يخلو عن خفاء.
الفصل الثالث
١٨٥٣ - [١٧] قوله: (عن ابن الفراسي) بكسر الفاء، نسبته إلى فراس بن غنم ابن مالك بن كنانة.
وقوله: (أسأل) بتقدير حرف الاستفهام.
وقوله: (وإن كنت لا بدّ) أي: وإن كنت تريد أن تسأل الناس ولا بد لك من ذلك لحاجة أو فاقة، و (لا بدّ) بمعنى لا فراق ولا محالة، بدَّده تبديدًا: فرّقه.
وقوله: (فسل الصالحين) لكرمهم وكون رزقهم حلالًا (٢).
١٨٥٨ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَشْتَرِطُ عَلَيَّ: "أَنْ لَا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا" قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "وَلَا سَوْطَكَ إِنْ سَقَطَ مِنْكَ حَتَّى تَنزلَ إِلَيْهِ فتأْخُذَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٧٢].
* * *
٥ - باب الإنفاق وكراهية الإمساك
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٨٥٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ
ــ
١٨٥٨ - [٢٢] (أبو ذر) وقوله: (ولا سوطك) مبالغة في النهي عن السؤال وحسم لمادته وإن لم يكن من السؤال المحرم.
٥ - باب الإنفاق وكراهية الإمساك
أنفق ماله: أنفده، وكل ما فاؤه نون وعينه فاء فهو دالّ على معنى الذهاب والخروج, نحو نفر ونفع ونفس, والإمساك: البخل, ولعل المراد الإنفاق من غير الزكاة, ولذا ذكر الكراهية؛ لأن الزكاة وأحكامها قد ذكرت, ويجوز أن يراد مطلقًا ما يشمل الفرض والنفل, ويكون المراد مدح صفة الإنفاق وذم الإمساك مطلقًا, وقد فسر الإنفاق والبخل الواقعان في الآيات بما يشملهما, ولكن سوق الأحاديث المذكورة في الباب أكثرها ينظر إلى مدح السخاء وإنفاق المال كله وعدم إبقاء شيء منه.
الفصل الأول
١٨٥٩ - [١] (أبو هريرة) وقوله: (أن لا يمر عليّ ثلاث ليال) إشارة إلى غاية ما يبقى منه شيء إلى ثلاث ليال مع غاية كثرة ذلك المال, وقد كان لا يمر عليه ﷺ أكثر
стр. 2183
وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٨٩].
١٨٦٠ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٤٢، م: ١٠١٠].
١٨٦١ - [٣] وَعَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْفِقِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي. . . . .
ــ
من ليلة واحدة حتى ينفق ما عنده، فافهم.
وقوله: (إلا شيء أرصده) بضم الهمزة، يقال: أرصدت له: أعددت، وفيه أن إعداد المال وحفظه لأجل الدين جائز، بل عسى أن يجب في بعض الأحيان، وتخصيصه بالدَّين للاهتمام دِينًا ودنُيًا، والحاجات الضرورية تكون في حكمه.
١٨٦٠ - [٢] (وعنه) قوله: (خلفًا) أي: مالًا عوضًا مما أنفق، ويجوز أن يكون المراد أعم من المال والولد، فكأنه ببركة الإنفاق يبارك في المال والأولاد، والخلف ما استخلفت من شيء والولد الصالح. و (أعطى) الثاني بمعنى حصل وأوجد، و (التلف) تلف المال، أو أعم كما في الخلف.
١٨٦١ - [٣] قوله: (عن أسماء) أي: بنت أبي بكر ﵁.
وقوله: (ولا تحصي) بلفظ نهي المخاطبة وحذف النون من الإحصاء، وهو الإحاطة بالشيء حصرًا وتعدادًا؛ لأن عادة العرب أن يعدد الشيء بالحصاء، والمراد هنا عدّ الشيء لتبقيته وادخاره، والمراد بإحصاء اللَّه إما قطع مادة البركة والمزيد، وإما حساب الآخرة. و (الإيعاء): حفظ الأمتعة بالوعاء، والمراد هنا الإمساك وترك الإنفاق.
وقوله: (ارضخي) من رضخ يرضخ من باب فتح يفتح، يقال: رضخ له: أعطاه
стр. 2184
مَا اسْتَطَعْتِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٩١, م: ١٠٢٩].
١٨٦٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٥٢، م: ٩٩٣].
١٨٦٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا ابْنَ آدَمَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُوْلُ". . . . .
ــ
[عطاءً] غير كثير، والمراد أعطي شيئًا وإن كان يسيرًا، وقال التُّورِبِشْتِي (١): إنما قال: ارضخي لما عرف من حالها ومقدرتها، ولأنه لم يكن لها تصرف في مال زوجها إلا في شيء يسير، الذي جرت فيه العادة بالتسامح من قبل الأزواج كالكسرة والتمرة والطعام الذي يفضل في البيت، ولا يصلح للخزن لتسارع الفساد إليه، أو فيما سبق إليها من نفقتها وحصتها.
١٨٦٢ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (أُنفق عليك) أي: أعطيك وأفيض عليك، وإسناد الإنفاق إلى اللَّه تعالى مجاز للمشاكلة؛ لما عرفت أن أصل الإنفاق يتضمن معنى النفاد والفناء، وخزائن اللَّه تعالى لا تنفد ولا تفنى.
١٨٦٣ - [٥] (أبو أمامة) قوله: (أن تبذُل الفضل) أي: بذلك الزيادة على الحاجة خير وفيه نفع لك.
وقوله: (ولا تلام على كفاف) أي: لا تلام على إمساك الكفاف، أي: القوت الذي يكف عن السؤال، وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان.
وقوله: (وابدأ بمن تعول) أي: تمون، أي: ابدأ في إنفاق الزائد على الكفاف
стр. 2185
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٣٦].
١٨٦٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا، وَتَرَاقِيهِمَا،
ــ
بعيالك، ووسع عليهم أولًا زيادة على نفقتهم الواجبة.
١٨٦٤ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (عليهما جنتان) بضم الجيم، في (المشارق) (١): هي بالنون، أي: درعان، ويروى: (جبتان) بالباء، والنون هنا أوجه، ونقل الطيبي (٢) بعلامة -مح- هي بالنون في هذا الموضع بلا شك، وقال التُّورِبِشْتِي (٣): وقد رواه البخاري في بعض طرقه عن أبي هريرة بالباء مكان النون، وهو تصحيف عن بعض الرواة لا خفاء به، ولا يلتبس ذلك على من له أدنى فهم، وذلك أن الجبة بالباء من حديد شيء لم يعهد ولم يعرف في كلامهم، يعني أن المراد هنا الدرع بدليل ذكر الحديد، والحلقة والدرع لا يسمى جبة بالباء بل النون.
وقوله: (قد اضطرت) بلفظ المجهول، أي: التصقت، وأصل الاضطرار الاحتياج إلى الشيء.
وقوله: (إلى ثُديِّهما) بضم المثلثة وكسر المهملة وشدة تحتية: جمع ثدي بمفتوحة فساكنة، وروي بالإفراد، كذا في (مجمع البحار) (٤)، و (التراقي) جمع ترقوة
стр. 2186
فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٤٣، م: ١٠٢١].
١٨٦٥ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ،
ــ
بفتح التاء وضم القاف وفتح الواو: العظم بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، وقد يجمع باعتبار الجوانب والأطراف. و (جعل) بمعنى طفق من أفعال المقاربة، و (قلصت) بفتحات، أي: انضمت وانقبضت الجُنة، والمعنى أن الجواد إذا هم بالنفقة انشرح لذلك صدره وطاوعته يداه فامتدتا بالعطاء والبذل، والبخيل يضيق صدره وتنقبض يده عن الإنفاق.
١٨٦٥ - [٧] (جابر) قوله: (اتقوا الظلم) يشمل أنواع المعاصي، وأعظمها وأشدها الشرك، وإِنّ الشرك لظلم عظيم، فجمعه ظلمات يحتمل أن يكون بهذا الاعتبار، وأن يكون المراد أن الظلم الواحد يكون سبب ظلمات متراكمة وشدائد متعددة من أهوال يوم القيامة وأحوالها.
وقوله: (واتقوا الشحَّ) مثَلَّثة: البخل والحرص. فهو شحاح كسحاب وشحيح، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (النهاية) (٢): الشح: أشد البخل، وقيل: البخل مع الحرص، وقيل: البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام، وقيل: البخل في مال، وهو في مال ومعروف، وقيل: الشح خلة غريزية جبل عليها الإنسان، وهي كالوصف
стр. 2187
حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٧٨].
١٨٦٦ - [٨] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا" (١). . . . .
ــ
اللازم، ومركزها النفس، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] فإذا انتهى سلطانه إلى القلب واستولى على عرش القلب ومنع عن أحكام الإيمان فهي مذمومة؛ لأنه يشح بالطاعة فلا يسمح بها، ولا يبذل الانقياد لأمر اللَّه، والشح في النفوس كالشهوة والحرص جبلت للابتلاء ولمصلحة عمارة العالم، فالمذموم أن يستولي سلطانه على القلب فيطاع، وهو المراد بقوله: (شح مطاع)، هذا خلاصة ما ذكره التُّورِبِشْتِي (٢).
وقوله: (حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم) أي: سائر ما حرم اللَّه عليهم من المعاصي، فهو أعم من سفك الدماء، وإنما حملهم الشح على ذلك لما فيه من التهاجر والتقاطع المؤدي إلى المعاداة المفضي إلى التشاجر والتقاتل.
١٨٦٦ - [٨] (حارثة بن وهب) قوله: (يأتي عليكم) الخطاب لجنس الأمة ولو
стр. 2188
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤١١ م: ١٠١١].
١٨٦٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤١٩، م: ١٠٣٢].
١٨٦٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ" فَقُلْتُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ. . . . .
ــ
في ضمن البعض، وذلك يكون في آخر الزمان زمن المهدي، كما يجيء في (باب أشراط الساعة)
١٨٦٧ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (أن تصدق) أي: تتصدق.
وقوله: (وأنت صحيح شحيح) أي: مظنة أن تشح وتمنعك نفسك أن تبذل.
وقوله: (ولا تُمهِل) بالنصب عطفًا على (تصدق)، وبالجزم على صيغة النهي، والضمير في (بلغت) للروح.
وقوله: (قلتَ: لفلان كذا) هذا على سبيل التمثيل، فقيل: فلان الأول والثاني الموصى له، وفلان الأخير الوارث؛ لأنه إن شاء أبطله وإن شاء أجازه، يعني بخل حتى أشرف على الموت ثم طفق يتصدق مما تعلق به حق الوارث وهو باطل، ويحتمل أن يكون المراد بالجميع الموصى له، وإنما أدخل (كان) في الثالث إشارة إلى تقدير المقدر له، وقال الكرماني: يحتمل أن بعضها وصية وبعضها إقرار، فتدبر.
١٨٦٨ - [١٠] (أبو ذر) وقوله: (إلا من قال) أي: فعل، والقول يطلق في
стр. 2189
هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا؛ مِنْ بَين يَدَيْهِ وَمن خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِيْنِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٣٨، م: ٩٩٠].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٨٦٩ - [١١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ،
ــ
لسان العرب على الأفعال كلها، يقال: قال بيده، أي: أخذ، وقال برجله، أي: مشى ونحو ذلك، وذلك كثير في الأحاديث، أي: فعل (هكذا وهكذا وهكذا) أي: بذله ونثره في كل جانب.
وقوله: (من بين يديه) وأخواته بيان للإشارة بهكذا وهكذا وهكذا، واكتفى في الإشارة بثلاثة مع أن الجوانب المذكورة أربعة اكتفاء (١).
وقوله: (وقليل ما هم) أي: وهم قليل، و (ما) مزيدة للإبهام والتعجب من قلتهم، كذا قال البيضاوي (٢).
الفصل الثاني
١٨٦٩ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (السخي قريب من اللَّه) الحديث مبالغة في
стр. 2190
قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ. وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ. وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٦١].
١٨٧٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِئَةٍ عِنْدَ مَوْتِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨٦٦].
١٨٧١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ يُعْتِقُ كَالَّذِي يُهْدِي. . . . .
ــ
مدح السخاوة وذمِّ البخل، والظاهر أن المراد بالبخل والسخاء هنا في أداء الزكاة، أو المراد الاتصاف بهذين الخلقين مطلقًا، وعلى الأول يناسب حمل اللام على العهد الخارجي نوعًا، وعلى الثاني على الجنس.
وقوله: (من عابد بخيل) ظاهر المقابلة يقتضي أن يقال هنا: من عالم بخيل، أو يقال هناك: غير عابد سخي، وسلوك هذه الطريقة في الكلام يشتمل على ذكر كل من مقابلي كل منهما، وهذا معنى قول الطيبي (١): ليفيد أن الجاهل غير العابد [السخي] أحب إلى اللَّه من العالم العابد [البخيل]، فافهم.
١٨٧٠ - [١٢] (أبو سعيد) قوله: (في حياته) أي: في الحالة التي يكون فيها صحيحًا شحيحًا.
وقوله: (بمئة) في بعض النسخ: (بماله).
١٨٧١ - [١٣] (أبو الدرداء) قوله: (كالذي يهدي) بضم الياء من الهدية، أي:
стр. 2191
إِذَا شَبعَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [حم: ٥/ ١٩٦، ن: ٣٦١٤, د: ٣٢٢٦، ت: ٢١٢٣].
١٨٧٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٦٢].
ــ
يعطي، وفي التعبير بالإهداء استهزاء.
١٨٧٢ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (خصلتان لا تجتمعان) قال الطيبي (١): مبتدأ موصوف وخبره محذوف، أي: فيما أحدثكم، و (البخل وسوء الخلق) خبر مبتدأ محذوف، والجملة مبنية، ويجوز أن يكون خبرًا، والبخل مبتدأ، انتهى. ويحتمل العكس، وهذا كله على محافظة ما اشتهر من النحويين من عدم جواز كون المبتدأ نكرة، ولو جوز ذلك وجعل المدار على الإفادة كما قال الرضي في: (كوكب انقض الساعة) لم يحتج إلى هذه التحملات، ويكون (خصلتان) مبتدأ و (لا تجتمعان) خبره، وهو المتبادر إلى الفهم، وقد ذكرنا هذا الكلام مرارًا، فتدبر.
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وتأويل هذا الحديث أن نقول: المراد به اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النهاية بحيث لا ينفك عنهما، ويوجد منه الرضاء بهما، فأما الذي يبخل حينًا ويسوء خلقه في وقت، أو في أمر دون أمر، أو يندر منه فيندم [عليه] ويلوم نفسه أو تدعوه النفس إلى ذلك فينازعها فإنه بمعزل عن ذلك، انتهى. ثم المراد من سوء الخلق فيما يخالف أحكام الإيمان، وإلا فالغضب للَّه محمود، فافهم.
стр. 2192
١٨٧٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ وَلَا بَخِيلٌ وَلَا مَنَّانٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٦٣].
١٨٧٤ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥١١].
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: "لَا يَجْتَمعُ الشُّحُّ وَالإِيمَانُ" فِي "كِتَابِ الْجِهَاد" إِن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
١٨٧٣ - [١٥] (أبو بكر الصديق) قوله: (لا يدخل الجنة خبٌّ) الخب: الخدّاع الجُرْبُز، ويكسر خاؤه كما ورد: (المنافق خب لئيم)، والظاهر أن (المنان) من المنة المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقد يجعل من المن بمعنى القطع والنقص، أي: قطع الحق ونقصه بالخيانة فيه وقطع التحاب والتوادد، وهذا تغليظ وتشديد بليغ من الشارع على هذه الصفات الذميمة، وقد عرف تأويله في أصول الدين جمًا بين الأدلة، والنبي ﷺ اقتصر في مثل هذه المواطن على القول المجمل إبقاء للخوف في نفوس المكلفين، وتحذيرًا عما فيه المنقصة في الدين، علمًا منه أنه يرده العلماء الراسخون إلى ما هو الحق من أصول الدين.
١٨٧٤ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (شح هالع) الهلع أفحش الجزع، وقد علم تفسيره من قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١] والمراد هنا أنه يجزع في شحه أشد الجزع على استخراج الحق فيه، و (هالع) على لفظ النسبة أو الإسناد المجازي للملابسة، وكذا (خالع)، والخلع: النزع إلا أن في الخلع مهلة، أي حين يخلع فؤاده من الخوف يريد شدتهما، فأما أصل الشح والجبن فموجود في الكل؛ لكونهما غريزتين.
стр. 2193
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٨٧٥ - [١٧] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاج النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا أَسْرعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: "أَطْوَلُكُنَّ يَدًا" فَأَخَذوا قَصَبَةً يَذْرَعُونها، وَكَانَت سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَ طُولُ يَدِهَا الصَّدَقَةَ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ زينَبُ،
ــ
الفصل الثالث
١٨٧٥ - [١٧] (عائشة) قوله: (أينا أسرع بك لحوقًا؟ ) اللحوق: انضمام شيء بشيء، واللحاق بالفتح: إدراك شخص غيره، والمقصود استكشاف أنه من يموت بعده ﷺ من أزواجه بلا واسطة كما في حديث فاطمة: (إنك أول أهلي لحوقًا بي) (١).
وقوله: (فأخذوا) وضع ضمير المذكر مكان ضمير المؤنث تعظيمًا بشأنهن، وليس المراد أن رجالًا من أهل بيته ﷺ أخذوا (قصبة يذرعونها) أي: أيديهن، وهو ظاهر، وليس أيضًا من باب التغليب كما قيل في قوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ لأن الذكور لم يكونوا داخلين في هذا الفعل كما في الرواية الأخرى: (وكانت يتطاولن أيتهن أطول يدًا).
وقوله: (إنما كانت طول يدها) أي: يد المرأة المرادة من قوله: (أطولُكُنَّ يدًا) يعني كان المراد باليد الصدقة؛ فإنه قد تستعمل اليد في معنى النعمة مجازًا، فيكون ذكر الطول ترشيحًا للمجاز.
وقوله: (وكانت أسرعنا لحوقًا به زينب) هي زينب بنت جحش، وماتت سنة عشرين أو إحدى وعشرين، فهي أول من ماتت من أزواج النبي ﷺ ، وهو الصحيح،
стр. 2194
كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٤٢٠].
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: [م: ٢٤٥٢] قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْرَعكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلكُنَّ يَدًا". قَالَتْ: وَكَانَتْ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ، لأَنَّهَا كَانَت تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ.
ــ
قال الشيخ (١): وقع في (التاريخ الصغير) للبخاري بهذا الإسناد: (فكانت سودة ﵂ أسرعنا لحوقًا)، وكذا أخرجه البيهقي، وكذا في رواية عفان عند أحمد وابن سعد أيضًا، وفسره الخطابي وقال: لحوق سودة به من أعلام النبوة، لكن هذا خلاف المعروف عند أهل العلم لاتفاق أهل السير على أنها زينب ﵂، صرح به النووي، وسبقه إلى نقل الاتفاق ابن بطال، فكانت ماتت في زمان أمير المؤمنين عمر ﵁، وبقيت سودة ﵁ إلى أن توفيت في زمان معاوية في شوال سنة أربع وخمسين، حتى قال ابن الجوزي: هذا الحديث غلط من بعض الرواة، والعجب من البخاري كيف لم يتنبه عليه، كما رواه مسلم من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ بلفظ: (فكانت أطولهن يدًا زينب) انتهى كلام الشيخ، وله فيه كلام بعد، وهذا الذي ذكره الشيخ للبخاري كان في (تاريخه الصغير) فإنه صرح فيه بأن سودة أسرعهن لحوقًا، ولفظ البخاري في (صحيحه) أيضًا ظاهر في ذلك؛ فإنه ليس فيه لفظ (زينب) في قوله: (فكانت أسرعنا لحوقًا به زينب) كما في أكثر نسخ (المشكاة)، فظاهر السياق أن الضمير لسودة.
فقال السيوطي: قال بعض الحفاظ: كأن الحديث سقط عنه لفظ (زينب) بعد قوله: (فكانت)، وعندي أنها من بعض نساخ الصحيح لا من المصنف، أو سقطت من المصنف حال الكتابة، وقيل: وإما أن في الحديث اختصارًا وطيًّا لذكر زينب ﵂،
стр. 2195
١٨٧٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ؟ ! لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ؟ ! لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِق وزَانِيَة وغَنِيٍّ؟ فَأُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقَ. . . . .
ــ
فالضمائر كلها لزينب لاشتهارها به، يعني اختصر البخاري القصة، ونقل القطعة الأخيرة من حديث فيه ذكر زينب، فالضمائر راجعة إليها، وإما أنه اكتفى بشهرة الحكاية فيعود الضمير إلى من هو مقرر في أذهانهم، وإما أن يأول الكلام بأن الضمير راجع إلى المرأة التي علم رسول اللَّه ﷺ لحوقها به أولًا، كذا قال الكرماني (١).
١٨٧٦ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (قال رجل) يعني: من بني إسرائيل.
وقوله: (يتحدثون) أي: الناس بطريق التعجب أو الإنكار، ويقولون: (تصدق) بلفظ المجهول، أي: أرى من تصدق، (فقال) أي: الرجل شكرًا أو تعجبًا وتسليةً.
وقوله: (فأتِيَ) بلفظ المجهول، أي: أري في المنام أتاه ملك النوم.
وقوله: (فلعله يعتبر فينفق) فإن الغني إذا نظر إلى تصدقه اقتدى به، ويزجر عن صفة البخل.
стр. 2196
مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. [خ: ١٤٢١, م: ١٠٢٢].
١٨٧٧ - [١٩] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ، يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَان -الاسْمُ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ- فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ . . . . .
ــ
وقوله: (مما أعطاه اللَّه) وفي بعض النسخ: (مما آتاه اللَّه)، وكلاهما بمعنى (١).
١٨٧٧ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (بفلاة) هي المفازة لا ماء فيها، أو الصحراء الواسعة، و (اسق) أمر للسحابة، و (الحديقة) الروضة ذات الشجر، والبستان من النخل والشجر، والقطعة من النخل.
وقوله: (فتنحى ذلك السحاب) أي: ذهب نحو حديقة فلان، (الحرة) أرض ذات حجارة، و (الشرجة) مسيل ماء من الحرة إلى السهل، والجمع: الشراج والشروج، والضمير في (تتبع) للرجل، و (المسحات) بكسر الميم وسكون السين، من سحا الطين يسحيه ويسحوه ويسحاه سحيًا: قشره وجرفه، [والمسحاة] ما سُحِيَ به (٢)، والضمير
فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا". قَالَ: "فَأَتَى الأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ". قَالَ: "فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ"، قَالَ: "وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا"، قَالَ: "فَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ: . . . . .
ــ
وقوله: (فأعطي) بلفظ المجهول، أي: الأبرص.
وقوله: (ناقة) مبني على الرواية الأولى.
وقوله: (عشراء) بضم العين وفتح الشين، في (القاموس) (١): العشراء من النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر، أو ثمانية، أو هي كالنفساء من النساء، قال في (النهاية) (٢): وأكثر ما يطلق على الإبل والخيل، (فقال) أي: الملك.
وقوله: (فأعطي بقرة حاملًا) حملت المرأة تَحْمِلُ: عَلِقَتْ، وهي حامل وحاملة، كذا في (القاموس) (٣)، وقال في (الصحاح) (٤): فمن قال: (حامل) قال: هذا نعت لا يكون إلا للإناث، ومن قال: (حاملة) بناه على حملت فهي حاملة، فإذا حملت شيئًا على ظهرها أو رأسها فهي حاملة لا غير؛ لأن الهاء إنما ملحق للفرق، فأما ما لا يكون للمذكر فقد استغنى فيه عن علامة التأنيث، فإن أتي بها فإنما هو على الأصل، وهذا قول أهل الكوفة.
وقوله: (قال: بارك اللَّه) هنا بدون الفاء والواو، وفي الأول كان (فقال) بالفاء.
стр. 2199
أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ". قَالَ: "فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا.
فَأَنْتَجَ هَذَانِ، وَولَّد هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ". قَالَ: . . . . .
ــ
وقوله: (شاة والدًا) هو أيضًا مثل حامل، ويقال: هي والد ووالدة وولود.
وقوله: (فأنتج هذان) يعني صاحب الإبل والبقر، هكذا الرواية أنتج من الإنتاج، ويفهم من (المشارق) (١) أنه من رواة مسلم، وغيرهم رووا: (فنتج) بلفظ المعلوم وهو الصواب؛ لأن الناتج للإبل كالقابلة للنساء، يقال: نتجت الناقة أنتجها: إذا ولدتَها وتوليتَ نتاجها، فأما أنتجت فمعناه: حملت أو حان نتاجها أو ولدت فهي نتوج، ولا يقال: منتج، وأنكر بعضهم أنتجت على ما جاء في الرواية، وحكى الأخفش الوجهين: نتجت وأنتجت، وقال: لغتان، وقال النووي (٢): أنتج لغة في نتج بمعنى تولي الولادة، وسيجيء الكلام فيه في قوله: (كما تنتج البهيمة) في حديث الفطرة.
وقوله: (وولد هذا) أي: الأعمى بصيغة المعلوم من التوليد، يقال: وَلَّدَ الرجل غنمه توليدًا، أي: تولى ولادة ماشيته، في (الصحاح) (٣): فالناتج للإبل والمولد للغنم كالقابلة للنساء، وقد يستعمل الناتج في الغنم كالتوليد في مطلق الماشية، لكن الأغلب ما ذكر.
стр. 2200
"ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُوْرَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ مَالًا؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وُرِّثْتُ هَذَا الْمَالَ. . . . .
ــ
وقوله: (ثم إنه) أي: الملك المذكور.
وقوله: (في صورته وهيئته) أي: التي جاء فيها أول مرة، وهذا أدخل في شناعة منعه وإنكاره، (فقال: رجل) أي: أنا رجل (مسكين قد انقطعت بي) الباء للتعدية، (الحبال) بالباء الموحدة، أي: الأسباب في طلب الرزق، وفي (فتح الباري) (١): وفي بعض روايات مسلم: (الحيال) بالتحتانية جمع حيلة، وفي بعض روايات البخاري: (الجبال) بالجيم والموحدة وهو تصحيف، والمراد بهذا الكلام إنشاء الاستعطاف لا الإخبار حقيقة، و (البلاغ) بالفتح: اسم من الإبلاع، ويجيء بمعنى الكفاية أيضًا، وهو المراد هنا، أي: لا كفاية لي في تحصيل القوت، ويجوز أن يكون من البلوغ، أي: ما أبلغ به إلى غرضي.
وقوله: (ثم بك) بطريق التنزيل على وجه التسبب والمجاز، ويجوز أن يقال: رفعت حاجتي إلى اللَّه ثم إليك، ولا يجوز إلى اللَّه وإليك، واستعنت باللَّه وبك، و (بعيرًا) مفعول (أسألك)، و (أتبلغ) بالغين المعجمة: من البلغة بالضم ما يتبلغ ويتوصل ويكتفي به إلى العيش، و (ورثت) بلفظ المجهول من التوريث هكذا الرواية.
стр. 2201
كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ". قَالَ: "وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ". قَالَ: "وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أُجْهِدُكَ الْيَوْم شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فقد رَضِيَ عَنْكَ وَسَخَطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٦٤، م: ٢٩٦٤].
ــ
وقوله: (كابرًا عن كابر) الكابر: الكبير، أي: عن آبائي وأجدادي كبيرًا عن كبير في العز والشرف، و (إنْ) في (إن كنت كاذبًا) ليس للشك، بل فيه توبيخ وتقريع.
وقوله: (وأتى الأعمى في صورته وهيئته) إلى آخره، لم يختصر فيه كما اختصر في الأقرع؛ لأنه كان في حكم الأبرص في المنع، وأما الأعمى فقد اعترف بالنعمة وشكرها، فبالغ في استعطافه وسؤاله.
وقوله: (لا أجهدك) بضم الهمزة وكسر الهاء وبفتحها روايتان، والجهد الطاقة، ويضم، والمشقة، واجهَدْ جهدَك: ابلُغْ غايَتَك، وجَهَدَ كمنع.
وقوله: (فقد رضي عنك وسخط) كلاهما على لفظ المعلوم، أي: رضي اللَّه وسخط، وصححا أيضًا بلفظ المجهول، في (القاموس) (١): رضيه فهو مرضو ومرضي.
١٨٨١ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلًا؟ قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٢٣٧].
١٨٨٢ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُثْمَانَ، فَأَذِنَ لَهُ، وَبِيَدِهِ عَصَاهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ! إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَصِلُ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ. فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَضَرَبَ كَعْبًا وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا أُحِبُّ لَوْ أَنَّ لِي. . . . .
ــ
فتدبر.
١٨٨١ - [٢٣] (ابن عباس) قوله: (الذي يسأل باللَّه) الباء للاستعانة أو القسم.
وقوله: (ولا يعطي به) قال الطيبي (١): وهذا مشكل إلا أن يهتم السائل بعدم الاستحقاق، وأقول: أو يكون المسؤول عنه محتاجًا لنفسه أو لعياله، ولا يكون له سوى ما في يده، واللَّه أعلم.
١٨٨٢ - [٢٤] (أبو ذر) قوله: (بيده) أي: بيد أبي ذر، (عصاة) التاء للوحدة مثل تمرة.
وقوله: (وترك مالًا) أي: مالًا عظيمًا، وقد روي أنه كان له أربع نسوة فصولحت على ربع الثمن الذي هو حقهن، فأصاب كل واحدة منهن ثمانين ألفًا.
وقوله: (فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبًا) كان أبو ذر ﵁ من فقراء الصحابة وزهادهم، وكان مذهبه ترك الكل واختيار التجريد، وإلا فما أدى زكاته فلا كنز
стр. 2204
هَذَا الْجَبَلَ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي أَذَرُ خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أَوَاقِيَّ". أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ يَا عُثْمَانُ! أَسَمِعْتَهُ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٦٣].
١٨٨٣ - [٢٥] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ. . . . .
ــ
ولا وعيد عليه، لاسيّما إذا وصلت فيه الحقوق من الصدقات النافلة (١)، و (هذا الجبل) إشارة إلى الجبل المتخيل المستحضر في الذهن تمثيلًا، أو يكون إشارة إلى جبل أحد، واللَّه أعلم.
وقوله: (ويتقبل مني) فيه مبالغة، أي: مع أنه يتقبل ويترتب عليه الثواب، و (أذر) مفعول (أحب) بتقدير أن بالرفع بعد تقديرها كقوله: وتسمع بالمعيدي.
وقوله: (ثلاث مرات) ظرف (قال) أي: قاله أبو ذر ثلاث مرات.
١٨٨٣ - [٢٥] (عقبة بن الحارث) قوله: (إلى بعض حجر نسائه) متعلق بـ (قام) أو (مسرعًا).
стр. 2205
عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، قَالَ: "ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: "كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ". [خ: ٨٥١, ١٤٣٠].
١٨٨٤ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي فِي مَرَضِهِ سِتَّةُ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةٌ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُفَرِّقَهَا، فَشَغَلَنِي وَجَعُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْهَا: "مَا فَعَلَتِ السِّتَّةُ أَوِ السَّبْعَةُ؟ " قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، لَقَدْ كَانَ شَغَلَنِي وَجَعُكَ، فَدَعَا بِهَا، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي كَفِّهِ، فَقَالَ: "مَا ظَنُّ نبِيِّ اللَّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وَهَذِهِ عِنْدَهُ؟ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ١٠٤].
ــ
وقوله: (أن يحبسني) أي: يمنعني عن مقام الزلفى ويلهيني عن خالص التوجه.
وقوله: (أبيته) أي: أتركه يدخل عليه الليل.
١٨٨٤ - [٢٦] (عائشة) قوله: (ما فعلت الستة) (١) فعلٌ وفاعلٌ، أي: ما حالها؟ وإلى ما صارت، أنفقتها أم لا؟ فقولها: (لا) اختيار للشق الأول المقدر، ويحتمل أن تكون كلمة (لا) من لواحق القسم كما يقولون: لا واللَّه، وهي أيضًا وإن كانت نفيًا للكلام السابق لكن يكون قوله: (ما فعلت الستة) في معنى قد قصرت في تفريقها، فقالت: (لا واللَّه، شغلني وجعك)، فافهم.
وقوله: (ما ظن نبي اللَّه) الإضافة إلى الفاعل، أي: هي منافية لمقام النبوة.
٦ - باب فضل الصدقة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٨٨٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ (١)،
ــ
٦ - باب فضل الصدقة
هذا أيضًا يحتمل أن يحمل على النافلة وهو الأغلب، وعلى ما يعم الفرض والنفل، وإنما سميت صدقة لدلالتها على صدق صاحبها في دعوى صحة الإيمان ظاهرًا وباطنًا كما سمي الزكاة؛ لأنها تزكي صاحبه وتشهد بصحة إيمانه على أحد الوجوه التي ذكروها فيها كما مرّ.
الفصل الأول
١٨٨٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (من تصدق بعدل تمرة) أي: بما يعادلها
стр. 2208
فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ،
ــ
ويماثلها في القيمة، والعدل بالكسر: المثل، وبالفتح في الأصل مصدر بمعنى التسوية، فجعل اسمًا للمثل، ويطلق أيضًا على الفدية؛ لأنها سميت بالمفدى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، ويفرق بأن العدل بالفتح مثل الشيء من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، نقل ذلك عن الفراء، وربما يكسر بعض العرب في غير الجنس أيضًا، قال الجوهري: وكأنه منهم غلط، ويروى في الحديث بالفتح والكسر.
وقوله: (فإن اللَّه يتقبلها بيمينه) المراد حسن القبول ووقوعها منه موضع الرضا، وذكر اليمين للتعظيم والتشريف، وكلتا يدي الرحمن يمين، والمراد بـ (تربيتها) تضعيفها ومزيد الثواب عليها كما أومئ إليه بذكر (الفلو) بالنسبة إلى تمرة، وهو بفتح الفاء وضم اللام وروي بسكون لام وفتح فاء، كذا في (مجمع البحار)، الْمُهْر وهو ولد الفرس أول ما ينتج، وفي (مجمع البحار) (١): الفلو المهر الصغير، وقيل: هو العظيم من أولاد ذات الحافر، وفي (القاموس) (٢): والفِلْوُ، بالكسر وكعَدُوٍّ وسُمُوٍّ: الجَحْشُ والمُهْرُ
стр. 2209
حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَل". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤١٠, م: ١٠١٤].
١٨٨٩ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ شَيْئًا، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٨٨].
١٨٩٠ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَاب الْجنَّة،
ــ
فُطِمَا، أو بَلَغَا السَّنَةَ، وقال في (مشارق الأنوار) (١): فلوه بفتح الفاء وضم اللام وهو المهر؛ لأنه يفلي عن أمه، أي: يعزل ويتحد، وحكي فيه فلو بكسر الفاء وسكون اللام، وحكاه الداودي، وأنكر ابن دريد وغيره غير الوجه الأول، وخص الفلو بالتشبيه لأنه أقبل للتربية من سائر النتاج وأشرف، وأصل الفلو: العظم، فَلَا الصبيُّ والمهر فلوًا وفَلاءً: عزله عن الرضاع أو فطمه، ثم بالغ في التشبيه فقال: (حتى تكون) أي: التمرة، أي: ثوابها عظيمًا كنسبة الجبل إلى ما هو مثل التمرة في المقدار.
١٨٨٩ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (من مال) (من) زائدة أو تبعيضية أو بيانية، بل يزيد أضعافًا مضاعفة في الدنيا بالبركة وجلب المزيد، وفي الآخرة بزيادة الأجر والثواب، وكذا العفو وإن كان يرى ذلًّا في الصورة لكنه يزيد عزه وكرامته وسيادته في الدنيا والآخرة، وكذا في التواضع، وفي الحديث دليل على أن العبرة للمعنى والحقيقة، دون الصورة والظاهر.
١٨٩٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (من أنفق زوجين) قال في (المشارق) (٢):
стр. 2210
وللجنة أَبْوَابٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجهَاد دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجهَادِ، وَمَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ،
ــ
قال الحسن البصري: يعني اثنين درهمين دينارين ثوبين، وقال غيره: يريد شيئين درهمًا ودينارًا، درهمًا وثوبًا، فالمراد بالزوج الصنف، وما يأتي من حديث أبي ذر في (الفصل الثالث) صريح في المعنى الأول، وقال الباجي: يحتمل أن يريد بذلك العمل من صلاتين أو صيام يومين، انتهى. ولا يخفى أن الإنفاق لا يلائم هذا المعنى، وأما إرادة تكرار الإنفاق مرة بعد أخرى، ومعنى الكلام الإنفاق بعد الإنفاق فلا يخلو عن بعد، ووجهه أنه إذا أنفق درهمًا في سبيل اللَّه ثم عاد فأنفق آخره يصير زوجين.
وقوله: (فمن كان من أهل الصلاة) أي: من كان الغالب عليه ذلك وكذا في البواقي، وإلا فالمؤمن يتصف بالجميع لا يخلو عن شيء منها أو أكثرها.
وقوله: (من باب الريان) بفتح الراء وتشديد الياء التحتية بوزن فعلان: من الري اسم علم لباب من أبواب الجنة يختص بدخوله الصائمون، وقد روي: (من دخله لم يظمأ) اكتفى بذكر الري عن الشبع من حيث إنه يستلزمه، أو لكونه أشق على الصائم، كذا قال الشيخ (١)، أو لكونه أهم حينئذٍ، قاله الطيبي (٢).
وقوله: (ما على من دعي من تلك الأبواب) (ما) نافية، أي: ليس ضرورة على