"أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ ". قَالَ: امْرَأةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ. [خ: ١٤٤٦، م: ١٠٠].
١٩٣٥ - [٧] وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٩٢، م: ٩٩٩].
١٩٣٦ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: يَا رَسُول اللَّه! إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: . . . . .
ــ
وقوله: (أي الزيانب؟ ) جمع زينب بتنكيرها (١).
١٩٣٥ - [٧] (ميمونة) قوله: (أعتقت وليدة) الوليد: المولود والصبي والعبد، وأنثاهما بهاء.
وقوله: (أخوالك) لصلة الرحم، ولأنهم كانوا محتاجين إلى خادم.
١٩٣٦ - [٨] (عائشة) قوله: (إن لي جارين) اختلفوا في حد الجوار، فعن علي ﵁: من سمع النداء فهو جار، وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار، وعن عائشة: الجوار أربعون دارًا من كل جانب، أخرج البخاري في (الأدب المفرد) (٢) عن الحسن مثله.
стр. 2242
"إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٥٩٥].
١٩٣٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢٥].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٩٣٨ - [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٧٧].
ــ
١٩٣٧ - [٩] (أبو ذر) قوله: (وتعاهد جيرانك) أي: تفقدهم وتجدد عهدك واحفظ به حق الجوار، والتعهد: التحفظ بالشيء وتجديد العهد به، والتعاهد ما بين اثنين من ذلك، ذكره التوربشي (١)، وفي (القاموس) (٢): تعهده وتعاهده: تفقده وأحدث العهد به.
الفصل الثاني
١٩٣٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (جهد المقل) أي: قليل المال، في (النهاية) (٣): الجهد بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسع، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير، وهذا على تقدير عدم العيال وصحة التوكل كما أسلفناه.
وقوله: (وابدأ بمن تعول) إذا كان لك عيال ولم يرضوا بفوات حقهم ولم يصح لهم التوكل.
стр. 2243
١٩٣٩ - [١١] وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِم ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ١٧، ن: ٦٥٨، ن: ٢٥٨٢، جه: ١٨٤٤، دي: ١٦٨٠].
١٩٤٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: "أَنْتَ أَعْلَمُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٩١، ن: ٢٥٣٥].
١٩٤١ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟ . . . . .
ــ
١٩٣٩ - [١١] قوله: (وعن سليمان بن عامر) كذا في نسخ (المشكاة) سليمان بالضم والياء، وكتب في الحاشية: صوابه سلمان مكبرًا، وسليمان سهو إما من الكتّاب أو من صاحب الكتاب، واللَّه أعلم بالصواب.
وقوله: (وهي على ذي الرحم) أي: شخص ذي قرابة الولادة والأقرب فالأقرب.
١٩٤٠ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (أنت أعلم) أي: بحال من يستحق الصدقة، يعني: أنفقْها على الفقراء وتحرّ في ذلك من هو أولى وأحرى.
١٩٤١ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (ألا أخبركم بخير الناس؟ ) أراد أنه من خير الناس، إذ قد علمنا أن من القاعدين من هو خير من هذا الذي أمسك بعنان فرسه إذا
стр. 2244
رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَتْلُوهُ؟ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ فِيهَا. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ رَجُلٌ يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٦٥٢، ن: ٢٥٦٩، دي: ٢٣٩٥].
١٩٤٢ - [١٤] وَعَنْ أُمِّ بُحَيْدٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ. [ط: ٩٣٢، ن: ٢٥٦٥، ت: ٦٦٥، د: ١٦٦٧].
ــ
كان أعلم باللَّه وأخشى من اللَّه وأزهد في الدنيا، ولم يكن الجهاد عليه فرض عين، وكذلك قوله: (ألا أخبركم بشرّ الناس؟ ) أي: من هو شر الناس، ولإرادة هذا المعنى نظائر كثيرة في الأحاديث، هذا حاصل كلام التُّورِبِشْتِي (١)، والمراد بـ (رجل ممسك عنان فرسه) الغازي.
وقوله: (يتلوه) أي: يتبعه في الفضيلة ويقربه، و (غنيمة) تصغير غنم.
وقوله: (يسأل) بلفظ المجهول.
وقوله: (ولا يعطي) بالمعلوم، وقد يضبط الأول بالمعلوم، والثاني بالمجهول، فافهم.
١٩٤٢ - [١٤] (وعن أم بجيد) بضم الموحدة وفتح الجيم.
وقوله: (لا تردوا) وفي بعض النسخ: (ردوا) (السائل).
وقوله: (ولو بظلف محرق) مبالغة؛ لأن الظلف المحرق لا ينتفع به.
стр. 2245
١٩٤٣ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَعَاذَ مِنْكُمْ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تُرَوْا أَنْ قَدْ كَافَأتُمُوهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢/ ٦٨، د: ١٦٧٢، ن: ٢٥٦٧].
ــ
١٩٤٣ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (من استعاذ منكم باللَّه فأعيذوه) يعني إذا طلب أحد منكم أن تدفعوا عنه شركم [أو] شر غيركم باللَّه فأجيبوه وادفعوا عنه الشر، والعوذ: الالتجاء كالعياذ والمعاذ والتعوذ والاستعاذة.
وقوله: (ومن صنع إليكم معروفًا) في (الصراح) (١): صنع بالضم نيكوئي كردن بر كسى، صلته بإلى، وبدي كردن وصلته بالباء، يقال: صنع إليه معروفًا وصنع به صنيعًا قبيحًا، أي: فعل.
وقوله: (فكافئوه) المكافأة المجازاة، وهي أفضل الصدقة، فناسب الترجمة.
قوله: (ما تكافئوه) بحذف النون من غير ناصب وجازم تخفيفًا، قال الكرماني في "شرح صحيح البخاري": حذف النون بدون ناصب وجازم فصيح، وقد ذكرنا ذلك في باب الأذان.
وقوله: (فادعوا له حتى تُرَوا أن قد كافأتُموه) بالهمزة؛ أي: كرروا الدعاء، وبالغوا فيه حتى تحصل المثلية، ويكفي في ذلك قول القائل: جزاك اللَّه خيرًا؛ إذ فيه مبالغة من حيث رؤية العجز من نفسه في المكأفاة وتفويضه إلى اللَّه تعالى، كذا كان يقول الشيخ ﵁.
стр. 2246
١٩٤٤ - [١٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إِلَّا الْجَنَّةُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧١].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٩٤٥ - [١٧] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَة أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَة إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
١٩٤٤ - [١٦] (جابر) قوله: (لا يسأل بوجه اللَّه إلا الجنة) فيه وجهان؛ أحدهما: المنع عن السؤال عن الناس بوجه اللَّه لأنه لما قال: (لا يسأل بوجه اللَّه إلا الجنة) والجنة لا تسأل عن الناس لزم أن لا يسأل عنهم شيء بوجهه تعالى، وثانيها: لا يسأل من اللَّه شيء من متاع الدنيا لحقارتها، وإنما يسأل الجنة، والمقصود المبالغة.
الفصل الثالث
١٩٤٥ - [١٧] (أنس) قوله: (بيرحاء) اختلف في هذا اللفظ هل هو بكسر موحدة أو فتحها وبعدها همزة أو تحتية، والراء مفتوحة أو مضمومة، معرب أو لا، ممدود أو مقصور، منصرف أو لا، واسم قبيلة أو امرأة أو بئر أو بستان.
وقوله: (مستقبلة المسجد) أي: باعتبار قبلة الشام، أو المراد مقابل باب المسجد.
стр. 2247
"بَخٍ بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦١، م: ٩٩٨].
١٩٤٦ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تُشْبعَ كَبِدًا جَائِعًا". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٣٣٦٧].
* * *
ــ
وقوله: (بخ بخ) في (القاموس) (١): بخ، أي: عظُم الأمر وفخُم، تقال وحدها وتكرّر: بَخٍ بَخْ، الأول منوَّن والثاني مسكَّن، وقيل في الإفراد: بَخْ ساكنة، وبخِ مكسورةً، وبخٍ منوَّنة مكسورةً، وبخٌ منوَّنة مضمومةً، ويقال: بَخْ بَخْ مُسَكَّنَيْنِ، وبخٍ بخٍ منوَّنين، وبخٍّ بخٍّ مُشدَّدين، كلمة تقال عند الرِّضى والإعجاب بالشيء، أو الفخر والمدح. وقال في (المشارق) (٢): بخ بخ يقال: بإسكان الخاء فيهما وبكسرها فيهما دون التنوين، وبالكسر مع التنوين، وبالتشديد أيضًا، والضم والتنوين.
قال الخطابي: والاختيار إذا كررت تنوين الأولى وتسكين الثانية، قال الخليل: يقال ذلك للشيء إذا رضيته، وقيل: لتعظيم الأمر، فمن سكن شبهها بهل وبل، ومن كسرها ونونها أجراها مجرى صه ومه وشبهها من الأصوات.
وقوله: (مال رابح) أي: ذو ربح بالموحدة والمهملة.
١٩٤٦ - [١٨] (أنس) قوله: (كبدًا جائعًا) إسناد مجازي، قال الطيبي (٣): مؤمنًا
стр. 2248
٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٩٤٧ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذْ أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٣٧، م: ١٠٢٣].
ــ
كان أو كافرًا، ناطقًا أو غير ناطق.
٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج
(باب) من عادة المؤلف أن يذكر الباب ولم يجعل له ترجمة، ويذكر فيه متممات وملحقات بالباب السابق، وفي بعض النسخ: (باب صدقة المرأة)، وفي بعضها: (نفقة المرأة من مال الزوج)، وأحاديث الباب لا يختص بها، بل يشمل الخازن والخادم أيضًا.
الفصل الأول
١٩٤٧ - [١] (عائشة) قوله: (إذا أنفقت) أي: تصدقت.
وقوله: (غير مفسدة) أي: غير مسرفة.
وقوله: (من طعام بيتها) أي: ما يؤكل ولا يدخر، والحديث مطلق في جواز التصدق بأمر الزوج وبدونه، ومن لم يجوز للمرأة أن تتصدق بشيء من مال الزوج دون إذنه، تأول الحديث على عادة أهل الحجاز أنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم في الإنفاق والتصدق مما يكون في البيت للسائل والضيف، ولكن الحديث الآتي صريح في الجواز بدون الأمر، ولعلهم يحملونه على عدم أمر جديد، فافهم.
стр. 2249
١٩٤٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٦٠، م: ١٠٢٦].
١٩٤٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٣٨، م: ١٠٢٣].
١٩٥٠ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ. . . . .
ــ
١٩٤٨ - [٢] (أبو هريرة) وقوله: (فلها نصف أجره) أي: الأجر بينهما مشترك.
قوله: (من غير أمره) مع علمها برضى الزوج صريحًا أو دلالةً وكان شيئًا قليلًا، كذا في الحواشي، قال التُّورِبِشْتِي (١): الأمر في ذلك راجع إلى عادة الناس باديهم وحاضرهم، وهو المختار.
١٩٤٩ - [٣] (أبو موسى الأشعري) قوله: (موفرًا) بفتح الفاء من التوفير، وقد يكسر، حال من المفعول أو الفاعل.
وقوله: (أحد المتصدقين) خبر قوله: (الخازن) بلفظ التثنية والجمع، كما في حديث: (أحد الكاذبين)، والمراد شركته في الأجر.
١٩٥٠ - [٤] (عائشة) قوله: (افتلتت) على لفظ المجهول من الافتعال، أي:
стр. 2250
نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نعم". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٨٨، م: ١٠٠٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٩٥١ - [٥] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حُجَّةِ الْوَدَاعِ: "لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلَا الطَّعَامَ؟ قَالَ: "ذَلِكَ أفضَلُ أَمْوَالِنَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٧٠].
١٩٥٢ - [٦] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءَ قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ،
ــ
ماتت فجاءة من الفلتة، ومنه كان الأمر فلتة، أي: فجأة من غير تردد وتدبر، أفلت الكلام: ارتجله.
وقوله: (نفسها) بالرفع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله لـ (افتلتت) وبالنصب على أنه مفعول ثان أبقي منصوبًا وأسند الفعل إلى الأول، وهو متعد إلى مفعولين يقال: افتلته الشيء؛ أي: اختلسه واستلبه منه، وفي الحديث دليل على أن ثواب الصدقة يصل إلى الميت، وكذا حكم الدعاء، هذا هو مذهب أهل الحق، واختلفوا في العبادات البدنية كالصلاة وتلاوة القرآن، والمختار [عند الحنفية] نعم قياسًا على الدعاء.
الفصل الثاني
١٩٥١ - [٥] (أبو أمامة) قوله: (ذلك أفضل أموالنا) وفي بعض النسخ: (أموال الناس).
١٩٥٢ - [٦] (سعد) وقوله: (كأنها من نساء مُضر) بضم الميم وفتح الضاد
стр. 2251
فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَزْوَاجِنَا، فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: "الرَّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٨٦].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٩٥٣ - [٧] عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا، فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: "لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ " فَقَالَ: يُعْطِي طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ، فَقَالَ: "الأَجْرُ بَيْنَكُمَا". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: . . . . .
ــ
المعجمة مخففًا، قبيلة مشهورة من قبائل العرب، أخو ربيعة وهو مضر بن نزار، ويقال له: مضر الحمراء، ولأخيه: ربيعة الفرس، لأنه أعطي في الميراث الذهب، وأخوه الخيل، وفي الحديث: (مضر مَضَّرَها اللَّه في النار) وكان أصله من مَضْرِ اللبن، وهو قَرْصُه اللسانَ وحَذْيُه له، كذا في (الصحاح) (١)، وفي (الصراح) (٢): ماضر شير ترش زبان كز.
قوله: (إنّا كَلٌّ) بفتح الكاف وتشديد اللام: الثقل والعيال، وقيل: الكل من لا يستقل بأمره.
وقوله: (قال: الرطب) ضد اليابس، وهو ما يسرع إليه الفساد من الأطعمة.
الفصل الثالث
١٩٥٣ - [٧] (عمير مولى آبي اللحم) (٣) قوله: (الأجر بينكما) فيه تسلية للمولى
стр. 2252
كُنْتُ مَمْلُوكًا فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٢٥].
* * *
٩ - باب من لا يعود في الصدقة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٩٥٤ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: . . . . .
ــ
وترغيبه في الثواب ومنع عن ضربه العبد لا أنه إطلاق ليد العبد في الإنفاق.
٩ - باب من لا يعود في الصدقة
أي لا ينبغي للإنسان أن يعود فيما تصدق على أحد، وظاهره أن يسترد ويندم على التصدق، وفي الحديث أن لا يشتريه منه أيضًا، وذلك مبالغة وأخذ عزيمة كما سيأتي.
الفصل الأول
١٩٥٤ - [١] (عمر بن الخطاب) قوله: (حملت على فرس) أي: أعطيت أحدًا من المجاهدين الذين لم يكن عنده ما ينفق، وتصدقت عليه (فأضاعه) أي: أساء بسياسته في القيام بعلفه وسقيه، و (الرخص) ضد الغلاء، وقد رخص ككرم.
стр. 2253
"لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٠٣، م: ١٦٢٠].
١٩٥٥ - [٢] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: "وَجَبَ أَجَرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ". قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أفأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: "صُوْمِي عَنْهَا". قَالَتْ: . . . . .
ــ
وقوله: (لا تشتره) معناه لا تشتر برخص، فإن ذلك في حكم العود، ولكن ظاهر سوق الكلام يقتضي أن يقال: وإن أعطاكه بالألف مثلًا، وفيه مبالغة تأمل. وقال الطيبي (١): معناه لا ترغب البتة ولا تنظر إلى رخصه، وصحة بيعه، بل انظر إلى أنه صدقتك، وأن العود فيه مكروه، فافهم.
١٩٥٥ - [٢] (بريدة) قوله: (وإنها ماتت) يعني تعود تلك الجارية بعد موت أمي إليّ بالإرث، فهل هذا من قبيل العود في الصدقة؛ فقال: لا، لأنها دخلت في ملكك بالميراث، والملك بالميراث ضروري ثبت من غير اختيار لك فيه بخلاف الشراء؛ فإنه في حكم الاسترداد بالاختيار.
وقوله: (صومي عنها) يدل على أن للولي أن يصوم عن الميت ما كان عليه من الصوم من قضاء رمضان أو نذر وكفارة، وإليه ذهب أحمد لهذا الحديث، ولم يجوزه الأئمة الثلاثة، كذا قال الطيبي (٢)، ومذهبنا أنه لا يصوم عنه وليه؛ لقوله ﷺ : (لا يصوم
стр. 2254
إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٤٩].
ــ
أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد)، بل يطعم عنه ويفدي، فإن أوصى وجبت الفدية من الثلث، وإن لم يوص جاز أن يتبرع الورثة ولم يلزمهم، وعند الشافعي ﵀ لا حاجة إلى الوصية، كذا ذكر في (الهداية) (١).
وتفصيله أن العبادات أنواع: مالية محضة كالزكاة، وبدنية محضة كالصلاة، ومركبة منهما كالحج، والنيابة تجري في النوع الأول في حالتي الاختيار والضرورة لحصول المقصود بفعل النائب، ولا تجري في النوع الثاني بحال؛ لأن المقصود هو إتعاب النفس، وهو لا يحصل به، ويجري في النوع الثالث عند العجز للمعنى الثاني وهو المشقة بتنقيص المال، ولا تجري عند القدرة لعدم إتعاب النفس، وفي الحج النفل تجوز الإنابة حالة القدرة؛ لأن باب النفل أوسع، انتهى. ثم الظاهر من قوله في الحديث: (إنها لم تحج قط) أن الحج كان نفلًا، فافهم.
ثم اعلم أن الباب خال من الفصل الثاني، وقد فات المؤلف الإشارة إلى ذلك هنا على ما هو عادته، وليس في هذا الباب الفصل الثالث أيضًا، واللَّه أعلم.
تم (كتاب الزكاة) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الصوم).
* * *
стр. 2255
(٧) كتاب الصوم
стр. 2256
(٧) كتاب الصوم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٧ - كتاب الصوم
الصوم والصيام مصدرا صام، وهو في اللغة الإمساك من أي شيء كان، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، وقال الشاعر:
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحتَ العَجَاجِ وَأخرى تعلُكُ اللُّجُمَا
أي: ممسكة عن الصهيل، وفي الشرع: إمساكٌ مخصوص، واختلفوا في أن الصوم أفضل أم الصلاة؟ والمشهور عند الجمهور أن الصلاة أفضل من سائر الأعمال لحديث: (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) رواه أبو داود وغيره (١)، وقيل: الصوم أفضل لحديث النسائي عن أبي أمامة (٢) قال: (أتيت النبي ﷺ ، وقلت: يا رسول اللَّه! مرني بأمر آخذه عنك، قال: عليك بالصوم، فإنه لا عدل له)، وصوم رمضان من أركان الإسلام المعلوم كونه من الدين بالضرورة، وكان فرضيته في شهر شعبان سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرًا بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر، ثم المعتبر في ابتداء الصوم أول طلوع الصبح عند الجمهور، وقيل: استنارته، وهو مروي عن عثمان وحذيفة وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش، قال مسروق:
стр. 2257
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٩٥٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ شَهَرُ رَمَضَانَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ".
ــ
لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، وإنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت، قال شمس الأئمة الحلواني: الأول أحوط، والثاني أرفق (١).
الفصل الأول
١٩٥٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إذا دخل [شهر] رمضان) في (القاموس) (٢): الرمض محركة شدةُ وقعِ الشمس على الرمل وغيره. رمض يومُنا، كفرح: اشتد حرّه، وقدمه: احترقت من الرمضاء، للأرض الشديدة الحرارة، ورمضان معروف، والجمع رمضانات ورمضانون وأرمضة، وأرمض شاذ، سمي به لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر زمن الحر والرمض، أو من رَمَضَ الصائمُ: اشتد حرُّ جوفه، أو راجع إلى معنى الغافر، أي: يمحو الذنوب ويمحقها، انتهى.
وقوله: (فتحت أبواب السماء) بالتخفيف والتشديد، وفي التشديد من المبالغة ما ليس في التخفيف، وقد قرئت بهما في الآية، لكن التخفيف في الحديث أكثر وأشهر وأظهر؛ لأن الفتح كل الفتح إنما يكون في الآخرة للدخول والاستقرار فيها، وأما في الدنيا فشيء منها في الجملة، ثم إنهم قالوا: الفتح هنا كناية عن تنزيل الرحمة وكثرتها وتواترها، وتؤيده رواية: (فتحت أبواب الرحمة) وكذلك فتح أبواب الجنة كناية عن
стр. 2258
وَفِي رِوَايَةٍ: "فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ (١) ".
ــ
التوفيق للخيرات الذي هو سبب لدخول الجنة، وغلق أبواب جهنم كناية عن تخلص نفوس الصوام من بواعث المعاصي بقمع الشهوات، ولا يحسن حملها على الظواهر؛ لأن ذكرها على سبيل المن على الصوام، وأي فائدة في فتح باب السماء، وكذا في فتح أبواب الجنة وغلق أبواب جهنم؛ لأنه لا يدخل فيها أحد ما دام في هذه الدار إلا أن يقال: المقصود بيان شرف رمضان وفضله على سائر الشهور، وإنزال الرحمة والتوفيق والتخلص المذكور حاصل أيضًا، أو يحمل ذلك على أن الأمر متعلق بمن مات من صوام رمضان من صالحي أهل الإيمان وعصاتهم الذين استحقوا العقوبة، فوصول الروح من الجنة وعدم إصابة لفح جهنم وسمومها عليهم في عالم البرزخ أكثر وأوفر على تقدير الفتح والغلق كذا قيل.
يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. . . . .
ــ
(يضاعف) خبره بتقدير الضمير، أي: يضاعف الحسنة منه.
وقوله: (إلا الصوم) فإن ثوابه لا يقادر قدره ولا يقدر إحصاءه إلا أنا، فأنا أجزي به ما أشاء.
وقوله: (فإنه لي) أضافه تعالى إليه إضافة تشريف وتكريم كما في قوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ مع أن العالم كله له سبحانه، وقيل: لأنه لم يعبد غيره تعالى به، فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود وغيرهما، وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه، بخلاف غيره من العبادات الظاهرة، يعني: لا يدخل الرياء بفعله وإن كان قد يدخله بالقول كمن يخبر بأنه صائم، فإنما يدخل الرياء من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال؛ فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها، وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظ، وقيل: لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب تعالى، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته تعالى أضافه إليه، والموافق بسياق الحديث أن الإضافة لأجل أنه تعالى هو المتفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته.
وقوله: (يدع شهوته وطعامه) جملة موجبة لعلة الحكم، و (طعامه) من عطف الخاص على العام، وفي رواية: (طعامه وشرابه) فحينئذٍ يكون المراد بالشهوة شهوة الجماع.
وقوله: (فرحة عند فطره) إما بما يحصل من انتعاش الطبيعة بالأكل والشرب بعد الجوع والعطش مع ضميمة نورانية العبادة والتقرب والشكر كما قيل: الماء الحلو
стр. 2261
وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِبح الْمِسْكِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ،
ــ
البارد يخرج الشكر من صميم القلب، وإما بالشكر على تمام النعمة وتوفيق اللَّه سبحانه به، و (الخلوف) بالضم تغير فم الصائم وطيبه (١)، (عند اللَّه) كناية عن قربه تعالى ورضاه عن الصائم، وقيل: يكون يوم القيامة أطيب منه كدم الشهيد (٢).
وقوله: (والصيام جنة) أي: من المعاصي في الدنيا، أو من النار في الآخرة.
وقوله: (فلا يرفث) بضم الفاء أي لا يفحش ولا يتكلم بكلام قبيح، (ولا يصخب) بفتح الخاء، أي: لا يرفع صوته بالهذيان والخصومة.
стр. 2262
فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِم". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٤، م: ١١٥١].
* الْفصْلُ الثَّانِي:
١٩٦٠ - [٥] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ. . . . .
ــ
وقوله: (فإن سابه) أي شتمه (أو قاتله) أي: خاصمه.
وقوله: (فليقل) إما باللسان وهو الأظهر؛ لأن حقيقة القول فعل اللسان، وقال في (فتح الباري) (١): وبه جزم المتولي ونقله عن الرافعي، أو بالقلب يعني يذكر نفسه أني صائم حتى لا يجيبه بالشتم، ورجحه النووي في (الأذكار) (٢)، وقال في (شرح المهذب) (٣): كلا القولين حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمع بينهما كان أحسن، وقيل: إن كان صوم فرض يقول باللسان، وإن كان نفلًا فبالقلب ليبعد عن الرياء، واختاره الروياني، ونقل عن القاضي أبي بكر بن العربي أن موضع الخلاف صوم التطوع، وفي الفرض يقول باللسان قطعًا (٤).
الفصل الثاني
١٩٦٠، ١٩٦١ - [٥، ٦] (أبو هريرة) قوله: (صفِّدت) بلفظ المجهول من التصفيد، في (القاموس) (٥): صفده: شده وأوثقه، كأصفَده وصفّده، وككتاب:
стр. 2263
وَمَرَدَةُ الْحِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ. . . . .
ــ
ما يوثق به الأسير من قِدٍّ أو قيد، (مردة) بفتحات جمع مارد وهو العاتي الشديد المتجرد للشرور، والمراد من التصفيد والفتح والتغليق المذكورة إما حقائقها أو كناية عن قلة إغواء الشياطين وفعل الخيرات والكف عن المخالفات، وأغرب من قال بتخصيصه بزمان النبوة، وإرادة الشياطين المسترقة للسمع، والظاهر العموم ولعدم خصوصيتها في ذلك الزمان برمضان إلا أن يراد الكثرة والغلبة، واللَّه أعلم (١).
стр. 2264
فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ (١): يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٦٨٢، جه: ١٦٤٢].
١٩٦١ - [٦] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٤/ ٣١٢].
ــ
وقوله: (يا باغي الخير) أي طالب الثواب (أقبل) ويقال: واطلب الثواب، فهذا أوانه وموسمه، و (أقصر (٢)) من الإقصار أقصر وقصر وتقاصر، انتهى. وقصر عنه تركه هو لا يقدر عليه.
стр. 2265
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٩٦٢ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيم، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (١)، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢/ ٢٣٠، ن: ٢١٠٦].
١٩٦٣ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ،
ــ
الفصل الثالث
١٩٦٢ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فقد حرم) (٢) أي: خيرًا كثيرًا، أو حرم الخير كله كما يأتي في حديث أنس ﵁.
١٩٦٣ - [٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الصيام والقرآن) الظاهر أن المراد به قيام رمضان به في التراويح وصلاة الليل، ويحتمل أن يكون مطلقًا.
وقوله: (يشفعان) (٣) الرواية المشهورة بالتخفيف وقد يثقل.
стр. 2266
يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ! إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ١٩٩٤].
١٩٦٤ - [٩] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مَنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا كُلُّ مَحْرُومٍ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٦٤٤].
١٩٦٥ - [١٠] وَعَن سلمَانَ الْفَارَسِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مَنْ أَلْفِ شَهْرٍ،
ــ
وقوله: (أي رب) دون أن يقول: يا رب إشارة إلى قربهما من حضرة الحق تعالى.
١٩٦٤ - [٩] (أنس بن مالك) قوله: (فقد حرم الخير كله) في (حرم) ضمير لـ (من)، و (الخير) منصوب بنزع الخافض، وفيه مبالغة في بيان فضل هذه الليلة، أو المراد ما يتعلق برمضان والقيام فيه من الخير وأمثاله، واللَّه أعلم.
وقوله: (إلا كل محروم) أي: من السعادة والطاعة والتقرب إلى اللَّه محكوم عليه بالحرمان مستحيل عليه بذلك.
١٩٦٥ - [١٠] (سلمان الفارسي) قوله: (قد أظلكم) أي: شارفكم وألقى ظله عليكم، وفي (القاموس) (١): أظلني الشيء: غشِيني، والظلّة بالضم الغاشية وما أظلك
أَوْ تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَأعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ".
١٩٦٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَطْلَقَ كُلَّ أَسِيرٍ، وَأَعْطَى كُلَّ سَائِلٍ.
١٩٦٧ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْجَنَّةَ تُزَخْرَفُ. . . . .
ــ
بالماء، والمذيق كأمير [اللبن] الممزوج بالماء، مَذَقَهُ فَامْتَذَقَ فهو ممذوق ومذيق.
وقوله: (أو تمرة) عطف على (مذقة).
١٩٦٦ - [١١] (ابن عباس) قوله: (أطلق كل أسير) فإن قلت: كيف يجوز إطلاق كل أسير وقد يكون على بعض الأسراء حق لأحد من الناس؟ قلنا: لم يكن أسراؤه ﷺ إلا الكفار أسروا في الغزوات، وهو مخير فيهم بعد الأسر بين المن والإطلاق وأخذ الفداء والاسترقاق عند أكثر الأئمة، ويتعين القتل أو الاسترقاق عند الحنفية، ولم يكن بينهم من عليه حقوق الناس من الديون ونحوها، ولو كانت فلعله ﷺ كان يُرضي أهلها ويطلق، واللَّه أعلم.
١٩٦٧ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (تزخرف) (١) أي: تزين،
стр. 2269
لِرَمَضَانَ مِنْ رَأْسِ الْحَوْلِ إِلَى حَوْلٍ قَابِلٍ". قَالَ: "فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ هَبَّتْ رِيحٌ تَحْتَ الْعَرْشِ (١) مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ عَلَى الْحُورِ الْعِينِ، فَيَقُلْنَ: يَا رَبِّ! . . . . .
ــ
في (القاموس) (٢): الزخرف بالضم: الذهب وكمال حسن الشيء، والمزخرف المزين، وزخارف الدنيا أنواع فلنتها.
وقوله: (على الحور العين) الحور جمع حوراء من الحور بفتحتين شدة بياض العين في شدة سوادها، أحور وحوراء نعت منه، وقال أبو عمرو: الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر، وليس في بني آدم حور، وإنما يقال للنساء: حور العيون تشبيهًا بالظباء والبقر، كذا في (الصحاح) (٣). قال في (القاموس) (٤): الحور جمع أحور وحوراء بالتحريك: أن يشتد بياض العين وسوادها، وتستدير حدقتها،
стр. 2270
اجْعَلْ لَنَا مِنْ عِبَادِكَ أَزْوَاجًا تَقَرَّ بِهِمْ أَعْيُنُنَا، وَتَقَرَّ أَعْيُنُهُمْ بِنَا". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٣٦٠٨، ٣٦٢٩، ٣٦٣٣].
١٩٦٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يُغْفَرُ لأُمَّتِهِ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ". . . . .
ــ
وترق جفونها، ويبيضّ ما حواليها، أو شدة بياضها وسوادها في بياض الجسد، أو اسوداد العين كلها مثل الظباء، ولا يكون في بني آدم، بل يستعار لها، والعِينُ جمع عَيناء وهي المرأة الواسعة العين، في (القاموس) (١): عَيِنَ كفرح عينًا وعِينةً بالكسر: عَظُم سَوادُ عينه في سعة فهو أعيَنُ.
وقوله: (تقر) -بفتح القاف وكسرها- إما من القر بفتح القاف وكسرها بمعنى القرار والثبات، فهو عبارة عن نيل المقصود والفوز بالبغية؛ لأن العين تقر وتسكن بالنظر إلى المحبوب وتطمئن برؤيتها، وبالنظر إلى غير المحبوب يتحرك ويلتفت إلى كل جانب، أو من الفرح والسرور؛ لأن العين يستقر في حالة السرور، وفي الهم والحزن يتحرك كقوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، أو من القر بضم القاف بمعنى البرودة، وبرودة العين ولذته في مشاهدة المحبوب، وحره واحتراقه في رؤية الأعداء، ولهذا سمي الولد قرة العين، كأنهن لما رأين زخرفة الجنة وزينتها زادت أمنيتهن في الأزواج، فسألن اللَّه ذلك.
١٩٦٨ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (يغفر لأمته) هكذا في النسخ المصححة، وفي نسخة: (لأمتي) فهو لفظ النبي ﷺ ، وبلفظ الغائب حكاية عن معنى ما تلفظ به ﷺ لا لفظه.
стр. 2271
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ (١) قَالَ: "لَا، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٢٩٢].
* * *
١ - باب رؤية الهلال
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٩٦٩ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ". . . . .
ــ
١ - باب رؤية الهلال
الهلال اسم لغُرّة القمر أو لِليلتين أو إلى ثلاثٍ أو إلى سبع، ولِليلتين من آخر الشهر ست وعشرين وسبع وعشرين، وفي غير ذلك قمر، كذا في (القاموس) (٢)، والمراد هنا المعنى الأول، وهو ما يرى في الليلة الأولى من رمضان أو من شوال، يجب في نهاره الصوم أو الإفطار.
الفصل الأول
١٩٦٩ - [١] (ابن عمر) قوله: (فإن غُمّ عليكم) أي غطي الهلال وستر بالغمام ووقع الشك في رؤيته (فاقدروا له) بكسر الدال وضمها، وقيل: الضم خطأ رواية،
стр. 2272
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٦، ١٠٨٠].
ــ
واختلفوا في معناه على وجوه، والمختار الذي عليه الجمهور أن المراد قدروا له تمام ثلاثين وأكملوا هذا العدد في الشهر الذي كنتم فيه كما في الرواية الأخرى: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، قال في (المواهب) (١): وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة ﵁ وجمهور السلف والخلف.
وقال بعضهم: إن المراد تقدير منازل القمر وضبط حساب النجوم حتى يعلم أن الشهر ثلاثون أو تسع وعشرون، وهذا القول غير سديد، فإن قول المنجمين غير مقبول، ولا يعتبر في الشرع، فلا يعتمد عليه إلا في رواية شاذة في الفقه، وقد نقل عن ابن شريح أنه قال: هذا لمن خصه اللَّه تعالى بهذا العلم.
وقوله: (فأكملوا العدة) خطاب للعامة، قال ابن العربي (٢): فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد، وهذا بعيد، انتهى.
وقال التُّورِبِشْتِي (٣): قد خالف ابن شريح في هذه الفتيا من جعل لأهل التنجيم مدخلًا في عبادات المسلمين، ولقد علم أن العرب لم يكن يتعاطاه وكان النبي ﷺ يأباه، وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﷺ : (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) الحديث، وقال: (فأكملوا العدة ثلاثين) خطابًا للعامة، وخفي عليه أن الصحابة -رضوان اللَّه عليهم- لم يفتوا بذلك ولم يعلموه، وهم خير هذه الأمة وأخصهم بعلم الشريعة وأولاهم
стр. 2273
١٩٧٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صُومُوا لِرُؤيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُم فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٩، م: ١٠٨١].
١٩٧١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا". . . . .
ــ
بالتأييد والتوفيق، وقال الشيخ ابن الصلاح: معرفة منازل القمر وهو معرفة الأهلة، وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفة الآحاد، فمعرفة منازل القمر يدرك بأمر محسوس يدركه من يوافق النجوم، وهذا هو الذي أراده ابن شريح وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه، ونقل الروياني عنه أنه لم يقل بوجوبه عليه، وإنما قال بجوازه، وأما أبو إسحاق فقد نقل فيه في (المهذب) (١) لزوم الصوم في هذه الصورة.
وقوله: (الشهر تسع وعشرون ليلةً) أي قد يكون كذا، وقيل: هو محمول على الغالب.
١٩٧٠ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (صوموا لرؤيته) اللام بمعنى الوقت.
١٩٧١ - [٣] (ابن عمر) قوله: (إنا أمة أمية) أي: العرب، وقيل: أراد نفسه، وأمية قيل: نسبة إلى أمة العرب؛ لأنها لا تكتب، وقيل: نسبة إلى الأمهات، أي: إنهم على أصل ولادة أمهم، أو لأن المرأة هذه صفتها غالبًا، وقيل: منسوبون إلى أم القرى، وإنما قيل للعرب: أميون؛ لأن الكتابة كانت فيهم نادرة، وكذا معرفة الحساب.
وقوله: (لا نكتب ولا نحسب) دل على أن معرفة الشهر عندنا ليس بالحساب، كما هو عند المنجمين، وأكده بالإشارة بقوله: (هكذا وهكذا. . . إلخ) كما هو شأن
стр. 2274
وَعَقَدَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ. ثُمَّ قَالَ: "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا". يَعْنِي تَمَامَ الثَّلَاثِينَ، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَمرَّة ثَلَاثِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩١٣، م: ١٠٨٠].
١٩٧٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩١٢، م: ١٠٨٩].
١٩٧٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ،
ــ
العامة ممن لم يعرف الحساب أصلًا.
وقوله: (يعني تمام الثلاثين) متعلق بالأخير.
وقوله: (يعني مرةً تسعًا وعشرين، ومرةً ثلاثين) متعلق بكليهما، وكلاهما من كلام الراوي.
١٩٧٢ - [٤] (أبو بكرة) قوله: (شهرا عيد لا ينقُصان: رمضان وذو الحجة) ذكروا لهذا توجيهات، والأصوب ما قال في (النهاية) (١): أي: في الحكم وإن نقصا في العدد، أي: ينبغي أن لا يعرض في قلوبكم شك إذا صمتم تسعًا وعشرين يومًا، أو أن يقع في الحج خطأ لم يكن في نسككم نقص. فإن قلت: فكيف يتصور ذلك في ذي الحجة، فإن الحج في العشر الأول؟ قلت: يتصور بإغماء هلال ذي الحجة، ويقع منه في الغلط بزيادة يوم نقصانه، فيقع عرفة في الثامن أو العاشر منه.
١٩٧٣ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين) المشهور في تعليله كما صرح به الترمذي التقوي بالفطر لرمضان ليدخل فيه
стр. 2275
إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩١٤، م: ١٠٨٩].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٩٧٤ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٢٣٧، ت: ٧٣٨، جه: ١٦٥١، دي: ١٧٤٠].
ــ
بنشاط، وينافيه التخصيص بيوم أو يومين لأنه يدل أنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام أو أربعة جاز، كذا قال الشيخ (١)، اللهم إلا أن يكون ذكر يوم أو يومين على وجه التمثيل لا التخصيص.
وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض وإيراثه الشك بين الناس فيقولون: لعله رأى هلال رمضان حتى يصوم، وهذا الوجه أيضًا لا يخلو عن ضعف على أنه يجوز لمن له عادة، والاختلاط المذكور باق، إلا أن يقال: جوز ذلك لأن ترك الورد شاق على من ألِفه، فيكون في حكم صوم القضاء والنذر، فالوجه هو الأول، وذكر بعضهم أن النهي مخصوص بالضعفاء، وقد كان رسول اللَّه ﷺ جمع بين صوم الشهرين.
الفصل الثاني
١٩٧٤ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) (٢) هذا في
стр. 2276
١٩٧٥ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٨٧].
١٩٧٦ - [٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ. . . . .
ــ
حق من لم يقو على تتابع الصيام الكثير.
١٩٧٥ - [٧] (وعنه) قوله: (أحصوا هلال شعبان لرمضان) (١) يؤيد أن المراد بالقدر هو عد الثلاثين من شعبان، لكنهم قالوا: الإحصاء أبلغ من العد في الضبط.
١٩٧٦ - [٨] (أم سلمة) قوله: (إلا شعبان ورمضان) اعلم أن الأحاديث في صوم شعبان وردت مختلفة، منها: حديث أبي هريرة (٢) الناهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ومنها حديثه (٣) الناطق بالنهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان، ومنها
стр. 2277
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٣٣٦، ت: ٧٣٦، ن: ٢١٧٥، جه: ١٦٤٨].
ــ
هذا الحديث من أم سلمة ﵂ الدال على استيعاب شهر شعبان بالصوم، وقد جاء من عائشة ﵂ (١): (ما رأيت رسول اللَّه ﷺ استكمل صيام شهر قط)، وجاء في حديث آخر (٢) منها: (ما رأيته في شهر أكثر منه صائمًا، كان يصوم شعبان كله إلا قليلًا)، ويدل هذا الحديث على خلاف ما دل عليه حديث أم سلمة، وقالوا في التوفيق بين هذه الأحاديث: إن عائشة وأم سلمة ﵄ أخبرت كل واحدة منهما بما رأت منه ﷺ ، فيحتمل أن أم سلمة وجدته صائمًا في أيام نوبتها في شعبان، فظنت أنه واصل شعبان برمضان، ووجدته عائشة ﵂ مفطرًا في بعض أيامها فأخبرت عما رأت، ويدل على ذلك قولها: (ما رأيته في شهر أكثر منه صائمًا) الحديث، ولا يلزم أن يقدر ما قدرناه في حديث أم سلمة ﵂ على التعاقب والتوالي في سائر السنين بل في بعضها، فإنها إذا رأته على ذلك عامًا أو عامين صح لها أن تخبر عما أخبرت، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٣).
وقال أيضًا: وأرى إحدى المعاني التي كانت تستدعي النبي ﷺ أن يواصل شعبان برمضان أو يصوم أكثرها اشتغال أزواجه بقضاء ما فاتهن من رمضان، ويدل على ذلك حديث عائشة ﵂: (كان يكون عليّ الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضي إلا في شعبان)، قال الراوي: تعني الشغل بالنبي ﷺ ، وفيه أنه لا يمكن الجزم بأن الباعث للنبي ﷺ على صوم شهر شعبان كله أو أكثره كان اشتغال أزواجه بقضاء ما فاتهن من صوم رمضان، بل الظاهر أن الأمر بالعكس، كان الباعث لهن على قضاء ما فات وجود
стр. 2278
١٩٧٧ - [٩] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: "مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدَ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٣٣٤، ت: ٦٨٦، ن: ٢١٨٨، جه: ١٦٤٥، دي: ١٦٨٢].
ــ
الفرصة لهن باشتغاله ﷺ بالصوم في شعبان.
فالظاهر أن سبب كثرة صومه ﷺ في شعبان فضله بقرب رمضان، وتحصيل صفاء الوقت وتنوير القلب للتهيؤ لصوم رمضان مع كونه ﷺ قويًا مغتذيًا بالأنوار والأسرار كما يظهر من حديث صوم الوصال، والنهي للأمة للشفقة والترحم عليهم، على أن بعض المحققين صرحوا بأن النهي إنما هو في حق الضعفاء ومن لم يقو على الصيام، ومن هذا ظهر محمل حديث أبي هريرة المفيد للنهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان المنافي لتتابع صومه وأكثريته، وهو أنه نهاهم شفقة عليهم ليتقووا على صيام الفرض ويباشروا العمل فيه بنشاط، وكان حاله في ذلك خلاف حال غيره ﷺ كما قلنا، أو كان النهي منسوخًا، والوجه الأول هو المعتمد المختار، واللَّه أعلم.
١٩٧٧ - [٩] (عمار بن ياسر) قوله: (من صام اليوم الذي يشك فيه) وهو اليوم المحتمل لأن يكون أول رمضان بأن غم هلاله بغيم أو غيره، والمراد الصوم بنية رمضان، والمختار عند أبي حنيفة والشافعي ومالك وأكثر الأئمة أن لا يصوم يوم الشك، وإن صام فليصم بنية النفل، ويستحب ذلك عندنا لمن صام يومًا يعتاد وللخواص، ويفطر غيرهم بعد نصف النهار، وقال الإمام أحمد وجماعة: إذا كان بالسماء غيم فليس بيوم الشك، ويحسب صومه عن رمضان، وكان ابن عمر وكثير من الصحابة ﵃ إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يومًا التمسوا الهلال؛ فإن رأوه أوسمعوا خبره صاموا وإلا فإن كان المطلع صافيًا بغير علة أصبحوا مفطرين، وإن كان فيه علة صاموا، وحمله
стр. 2279
١٩٧٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ -يَعْنِي هِلَالَ رَمَضَانَ- فَقَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَن يَصُومُوا غَدًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٣٤٠، ت: ٦٩١، ن: ٢١١٢، جه: ١٦٥٢، دي: ١٦٩٢].
ــ
الجمهور على صوم النفل، واللَّه أعلم.
١٩٧٨ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (جاء أعرابي) الحديث، في الحديث دليل على أن الرجل الواحد إن كان مستور الحال فخبره مقبول في هلال رمضان، وتفصيل المذاهب أن مذهب الحنفية والصحيح من مذهب الشافعية والمشهور من مذهب أحمد -رحمهم اللَّه تعالى- أنه يثبت بخبر واحد عدل، ولا يشترط لفظ الشهادة وعددها؛ لأن هذا أمر ديني يتعلق به وجوب الصوم، فشابه رواية الأخبار والأحاديث يقبل فيها خبر واحد عدل، وعند مالك وفي قول للشافعي وفي رواية عن أحمد وإسحاق: يشترط شهادة اثنين كما في سائر الشهادات، وتمسكوا بحديث رواه أبو داود والدارقطني (١) عن حارث بن حاطب وكان أمير مكة قال: عهد إلينا رسول اللَّه ﷺ أن نصوم برؤية الهلال، وإن لم نره فبشهادة عدلين، وقالوا: إسناده صحيح متصل، وفي رواية النسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب نحوه، وأجيب بأن لهذا الحديث منطوقًا ومفهومًا، ومفهومه يعارض بالأحاديث التي وردت
стр. 2280
١٩٧٩ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٣٤٢، دي: ١٦٩١].
ــ
في قبول خبر الواحد، ورجحناها بالدليل الذي ذكرنا، لكن عدالة المخبر شرط بالاتفاق (١).
وقال الطحاوي: يقبل خبره عدلًا كان أو غيره، وأراد بغير العدل المستور، وهو موافق لإطلاق الحديث المذكور، ونقل الشُّمُنِّي عن (المحيط) أنه ينبغي أن يفسر جهة الرؤية، فإن احتمل انفراده برؤية يقبل وإلا فلا، ثم عندنا يقبل وإن كان الواحد امرأة أو فتى، وهذا في الصوم، أما في الفطر مع الغيم فيشترط العدد والثقة والشهادة والعدالة والحرية، وبدون العلة يشترط فيهما جمع عظيم، وهو عند الأكثر عدد التواتر، وعند البعض أهل محلته، وروي عن أبي يوسف أنه خمسون رجلًا.
١٩٧٩ - [١١] (ابن عمر) قوله: (تراءى الناس) أي أرى بعضهم بعضًا، يعني