٢٠١١ - [١٣] وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بالْعَرْجِ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ١٠٣٢، د: ٢٣٧٨].
ــ
٢٠١١ - [١٣] (بعض أصحاب النبي ﷺ ) قوله: (بالعرج) بالفتح والسكون موضع بين مكة والمدينة، وفي (القاموس) (١): منزلة بطريق مكة (٢).
стр. 2312
٢٠١٢ - [١٤] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَي رَجُلًا بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ رَحِمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: وَتأَوَّلَهُ بَعْضُ مَنْ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ: أَيْ تَعَرَّضَا لِلإفْطَارِ: الْمَحْجُومُ لِلضَّعْفِ، وَالْحَاجِمُ لأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ بِمَصِّ الْمَلَازِمِ. [د: ٢٣٦٩، جه: ١٦٨١، دي: ١٧٣٠].
ــ
٢٠١٢ - [١٤] (شداد بن أوس) قوله: (وهو يحتجم وهو آخذ بيدي) الضمير الأول للرجل، والثاني لرسول اللَّه ﷺ .
وقوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) اعلم أن جمهور العلماء على أن الحجامة لا يفطر، ولا يكره للصائم إلا من جهة طريان الضعف، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي ﵏، وهو المروي من فعله ﷺ وجماعة من الصحابة سعد ابن أبي وقاص وعبد اللَّه بن عمر وزيد بن أرقم وأم سلمة ﵃، وروي أنه كان احتجم عند عائشة ولم تنه عنه، وذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء عبد اللَّه بن المبارك والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور إلى أن الحجامة يفطر الحاجم والمحجوم، ويجب القضاء، وشدد عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، وقال بقول أحمد من الشافعية: ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان، ونقل عن الزعفراني أن الشافعي علق القول به على صحة الحديث، وكان يقول: روي عن النبي ﷺ : (أنه احتجم وهو صائم)، وروي أيضًا أنه قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) ولا أرى شيئًا من الحديثين ثابتًا، فلو اجتنب الصائم الحجامة كان أحب إليّ، وإن احتجم لا أقول: إنه أفطر.
стр. 2313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الترمذي (١): كان الشافعي يقول ذلك ببغداد، أما بمصر فقال إلى الرخصة محتجًّا بأن النبي ﷺ احتجم في حجة الوداع وهو صائم، وكان على ذلك عمل بعض الصحابة أيضًا، وكان أبو موسى الأشعري ﵁ إذا احتجم احتجم بالليل، ونقل بعضهم عمل ابن عمر ﵄ كذلك، ودليل القائلين بالتفطير هذا الحديث المروي عن شداد بن أوس، وعدّ الترمذي اثني عشر نفرًا من الصحابة رووا الحديث في هذا الباب، وحديث رافع بن خديج أصحها، وبعضهم جعلوا حديث شداد بن أوس أصح، وقال: كره قوم من أهل العلم الحجامة للصائم من غير تفطير.
وقال في (فتح الباري) (٢): كان الشافعي يقول في بيان اختلاف الحديثين: حديث ابن عباس في احتجام النبي ﷺ أمثل وأرجح من جهة الإسناد، ومع ذلك لو اجتنب كان أحب إلي للاحتياط، والقياس يوافق حديث ابن عباس يعني من جهة أن بالحجامة يخرج شيء من الداخل إلى الخارج، ولا يدخل شيء من الخارج إلى الداخل، وأيضًا الحجامة موجب للضعف وكسر الشهوة، وموافق لمصلحة الصيام والجماع، وإن كان كذلك لكنه ثبت الاجتناب عنه بالنص، ومجمع عليه، والمحفوظ من الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم عدم الإفطار بالحجامة، انتهى. وقال البخاري (٣) في ترجمة باب: قال الحسن البصري: أفطر الحاجم والمحجوم، قالوا: عن النبي ﷺ ؟ قال: واللَّه أعلم. وعلماء مذهب أحمد بالغوا في تصحيح حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) وتأييد مذهبهم ونصرته بالمعقول والمنقول، وقد نقلناه في (شرح سفر
стр. 2314
٢٠١٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: . . . . .
ــ
السعادة) (١) فلينظر ثمة، والجمهور أولوا هذا الحديث بأن المراد بالإفطار التعرض له والوقوع فيه كما بين المؤلف في الكتاب، وأيضًا لما كان الاحتجام للصائم أمرًا مكروهًا، وارتكاب المكروه موجب لنقصان الأجر في العبادة، فكان ارتكابه موجبًا للفساد، وفيه ما فيه، وقيل: قوله ﷺ ذلك كان للشخصين بعينهما لارتكابهما أمرًا آخر صدر عنهما مفسدًا للصوم لا لأجل الحجامة، وليس الحديث نصًّا في أن الإفطار للحجامة، فكانا يغتابان، وقد وردت الأحاديث بتفطير الاغتياب، وكلا التوجيهين بعيد، وقيل: إنه ﷺ مرّ بهما مساء فقال ذلك، فكأنه عذرهما، أي: قد أمسيا ودخلا في وقت الإفطار، وقيل: الرخصة كان بعد النهي، واللَّه أعلم.
٢٠١٣ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (لم يقض عنه صوم الدهر كله) (٢) من باب التشديد والمبالغة، وإلا فالكفارة بصيام شهرين مجزئ عنه.
стр. 2315
سَمِعْتُ مُحَمَّدًا -يَعْنِي البُخَارِيَّ- يَقُولُ: أَبُو الْمُطَوِّسِ الرَّاوِي لَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. [حم: ٢/ ٣٨٦، ت: ٧٢٣، د: ٢٣٩٦، جه: ١٦٧٢، دي: ١٧١٤، خ: باب: ٢٩ كتاب الصوم].
٢٠١٤ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. . . . .
ــ
وقوله: (أبو المطَوِّس) بضم الميم وفتح الطاء وكسر الواو المشددة روى هذا الحديث عن أبيه عن أبي هريرة، فقال البخاري: لا أرى أبوه سمع من أبي هريرة، وقال القرطبي: هو حديث ضعيف لا يحتج بمثله، كذا في بعض الحواشي (١).
٢٠١٤ - [١٦] (عنه) قوله: (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ) (٢) وهو الذي لا يخلص للَّه ولا يجتنب عما نهى عنه، وكذا القائم.
صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ. [١٩٣٧].
٢٠١٨ - [٢٠] وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إِنْ مَضْمَضَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ الْمَاءِ لَا يَضِيرُهُ أَنْ يَزْدَرِدَ رِيقَهُ وَمَا بَقِيَ فِي فِيهِ،
ــ
صائم) بعدم تفطيره الصوم وعدم كراهة فيه، (ثم تركه فكان يحتجم بالليل) خوف الضعف لئلا يفضي إلى الإفطار فهو أفضل، فافهم.
٢٠١٨ - [٢٠] (عطاء) قوله: (لا يضيره) من الضير، في (القاموس) (١): ضاره الأمر يضوره ويضيره ضورًا وضيرًا: ضرّه، وفي نسخة: لا يضره من الضر، و (يزدرد) أي يبتلع، في (القاموس) (٢): زرد اللقمة كسمع: بلعها كازدردها، والمزرد: الحلق، و (ما) في قوله: (وما بقي) موصولة عطف على (ريقه)، أو نافية، والجملة حالية، وقال ابن بطال: أظن أنه سقطت كلمة (ذا) عن الناسخ، وكان أصله: وماذا بقي في فيه، أي: لا ماء في فيه بعد تفريغه، كذا قال الكرماني (٣)، قيل: وقد وقع لفظ (ذا) في بعض الروايات حيث قال في (فتح الباري) (٤): هذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن ابن جريج، قلت لعطاء: الصائم يمضمض ثم يزدرد ريقه وهو صائم؟ قال: لا يضره وماذا بقي في فيه (٥)، وكذلك أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج،
стр. 2318
وَلَا يَمْضَغُ الْعِلْكَ، فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ لَا أَقُولُ: إِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ. [خ: كتاب الصوم، باب: ٢٨].
٤ - باب صوم المسافر
ــ
انتهى. أقول: يجوز أن يكون (ما) استفهامية استفهام إنكار وإن لم يكن معها (ذا)، ويتم المعنى كما لا يخفى.
وقوله: (ولا يمضغ العلك) بالكسر صمغ معروف يمضغ مثل المصطكى، وشيء عِلْكٌ، أي: لَزِجٌ، والعَلك اللَّوك والمضغ، وكرهه الشافعي لأنه يجفف الفم ويعطش، وفي بعض النسخ: ويمضغ العلك بحذف كلمة (لا)، كذا وقع عند بعض رواة البخاري وكلاهما صحيح، ووجود كلمة (لا) أوفق بالسياق، وقال في (الهداية) (١): مضغ العلك لا يفطر الصائم؛ لأنه لا يصل إلى جوفه، وقيل: إذا لم يكن ملتئمًا يفسد؛ لأنه يصل إليه بعض أجزائه، وقيل: إذا كان أسود يفطر وإن كان ملتئمًا؛ لأنه يتفتت إلا أنه يكره للصائم لما فيه من التعرض على الفساد، ولأنه يتهم بالإفطار، انتهى.
٤ - باب صوم المسافر
الأحاديث الواردة في صوم المسافر وإفطاره، منها: ما ورد في إباحة الإفطار مطلقًا من غير تعرض لكون الصيام والإفطار أفضل، وبعضها ورد في التخيير بين الصيام والإفطار، وبعضها في جواز الإفطار وذم الصيام، واتفق جمهور العلماء من أهل الفتوى أن الإفطار والصيام كلاهما جائز، واختلفوا في أن أحدهما أفضل أو هما
стр. 2319
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٠١٩ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٤٣، م: ١١٢١].
٢٠٢٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ،
ــ
سواء، فأبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري وغيرهم على أن الصوم أفضل لمن يطيقه لتبرئة الذمة، ويسره بموافقة المسلمين، وعسر القضاء بعد مضي رمضان، وفعله ﷺ في الصيام يصلح حجة لهم، وعند أحمد وإسحاق وسعيد بن المسيب والأوزاعي الإفطار أفضل مطلقًا.
ونقل بعض أصحاب الشافعي هذا القول عنه أيضًا تمسكًا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وبأحاديث وردت في ذم الصوم حتى إنه ذهب بعض أهل الظواهر إلى عدم جواز الصوم في السفر، وإن صام قضى، وذهب بعض العلماء إلى أن أفضل الأمرين أيسرهما، وبعضهم إلى استوائهما، والمرء مخيَّرٌ بينهما.
الفصل الأول
٢٠١٩ - [١] (عائشة) قوله: (إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر) هذا الحديث دليل على جواز الصيام في السفر، والتخيير بينهما.
٢٠٢٠ - [٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (غزونا) والمراد غزوة الفتح.
وقوله: (لستّ عشرة) والمشهور أنه خرج لعاشر من رمضان وكان الفتح لعشرين.
стр. 2320
فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِم. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١١٦].
٢٠٢١ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " قَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٤٦، م: ١١١٥].
ــ
وقوله: (فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) هذا أيضًا ظاهر في التخيير والمساواة إلا أن يراد بعدم العيب أصل جواز الأمرين وإن كان أحدهما أفضل.
٢٠٢١ - [٣] (جابر) قوله: (قد ظُلِّل عليه) أي: جعل على رأسه ظل ليفيق عن ما وجد من الجهد بالعطش وحرارة الصوم، أو كناية عن قيام الناس على رأسه وجوانبه.
وقوله: (ما هذا؟ ) أي: ما سبب هذا الزحام والتظليل؟ فقالوا ههنا: (صائم) سقط بضعفه فظلل بسببه، أو (ما) بمعنى (من).
وقوله: (ليس من البر الصوم في السفر) إشارة إلى كراهة الصوم في مثل هذه الحالة، والعبرة وإن كان لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، لكن يمكن أن يدعى في مثل هذا المقام أن النظر إلى العلة، واللَّه أعلم (١).
стр. 2321
٢٠٢٢ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، فَسَقَطَ الصَّوَّامُونَ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الأَبْنِيةَ وَسَقَوا الرِّكَابَ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ (١) ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٩٠، م: ١١١٩].
٢٠٢٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدِهِ. . . . .
ــ
٢٠٢٢ - [٤] (أنس) قوله: (فضربوا الأبنية) أي: الخيام، و (الركاب) بالكسر جمع راكب، كذا في (القاموس) (٢)، ولعل المراد مراكبهم، وفي (الصراح) (٣): وركاب أيضًا شتران كه برآن سفر كرده شود، لا واحد لها من لفظها، وفيه دليل على أن الفطر مع القوة أفضل من الصوم مع العجز.
٢٠٢٣، ٢٠٢٤ - [٥، ٦] (ابن عباس) قوله: (خرج رسول اللَّه ﷺ من المدينة إلى مكة) أي: عام الفتح، و (عسفان) بضم العين وسكون السين المهملة موضع على مرحلتين من مكة، فيه أبيار عذبة الماء.
وقوله: (فرفعه إلى يده) أي: رفع الماء منتهيًا إلى أقصى مدّ يده.
стр. 2322
لِيَرَاهُ النَّاسُ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أفْطَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٤٨، م: ١١١٣].
٢٠٢٤ - [٦] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ شَرِبَ بَعْدَ الْعَصْرِ. [١١١٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٠٢٥ - [٧] عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمَ عَنِ الْمُسَافِرِ وَعَنِ الْمُرْضِعِ وَالْحُبْلَى". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٤٠٨، ت: ٧١٥، ن: ٢٢٧٤، جه: ١٦٦٧].
٢٠٢٦ - [٨] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِي إِلَى شِبْعٍ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أدْرَكَهُ". . . . .
ــ
الفصل الثاني
٢٠٢٥ - [٧] (أنس بن مالك الكعبي) قوله: (والصوم) ليس عطفًا على (شطر الصلاة)، بل منصوب بفعل مقدر تقديره: ووضع (الصوم عن المسافر، وعن المرضع والحبلى).
٢٠٢٦ - [٨] (سلمة بن المحبّق) قوله: (وعن سلمة بن المحبّق) بضم الميم وفتح المهملة وكسر الموحدة، والمحدثون يفتحونها، كذا في (المغني) (١).
وقوله: (من كان له حمولة) بفتح الحاء كل ما يحمل عليه من إبل أو حمار أو
стр. 2323
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٤١٠].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٠٢٧ - [٩] عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١١٤].
ــ
غيرهما، أي: مركب يوصله إلى المنزل في حال شبع ورفاهة، ولم يلحقه في سفره جهد ومشقة، والأمر فيه محمول على الندب وإلا فالإفطار جائز في السفر وإن لم يلحقه مشقة، وهذا الحديث ضعيف بسبب بعض رجاله، ذكره الشيخ ابن حجر (١).
الفصل الثالث
٢٠٢٧ - [٩] (جابر) قوله: (حتى بلغ كراع الغميم) يعني فأفطر كما مرّ في الفصل الأول من حديث ابن عباس، و (كراع الغميم) بضم الكاف وفتح الغين المعجمة وكسر الميم، اسم موضع بين مكة والمدينة على ثلاثة أميال من عسفان.
وقوله: (أولئك العصاة) لأنهم خالفوا فعل الرسول ولم يقبلوا رخصة اللَّه، وقد ورد (٢): (إن اللَّه يحب أن يؤتى رخصه كما يحب أن يؤتى عزائمه) وفيه تشديد وتغليظ.
стр. 2324
٢٠٢٨ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَائِمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٦٦٦].
٢٠٢٩ - [١١] وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامٍ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ قَالَ: "هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٢١].
* * *
٥ - باب القضاء
ــ
٢٠٢٨ - [١٠] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر) فيه مبالغة في المنع عن الصوم في السفر، وهو محمول على حال عدم القدرة، ولحوق الضرر والاستنكاف عن العمل برخصة اللَّه، وقيل: التشبيه في أن أحدهما تارك الرخصة، والآخر تارك العزيمة.
٢٠٢٩ - [١١] (حمزة بن عمرو الأسلمي) قوله: (هي رخصة) التأنيث للخبر، وفي الحديث إشعار بأولوية الإفطار، ومحمله ما ذكرنا.
٥ - باب القضاء
الظاهر أن المراد قضاء صوم رمضان، وإن أريد التعميم يراد الصوم الواجب سواء كان من رمضان أو من النذر، ولصوم رمضان ثلاثة أحكام: إن كان الإفطار ناسيًا فلا قضاء ولا كفارة، وإن كان متعمدًا من غير عذر ففيه الكفارة، وقد سبق في الأبواب حكمها، وإن كان بعذر كالسفر والمرض فحكمه القضاء، وقد ذكر في هذا الباب من الأحاديث ما يتعلق بذلك.
стр. 2325
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٠٣٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: تَعْنِي الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ، أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٥٠، م: ١١٤٦].
٢٠٣١ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ،
ــ
الفصل الأول
٢٠٣٠ - [١] (عائشة) قوله: (كان يكون عليّ الصوم) قال الطيبي (١): (الصوم) اسم (كان)، و (عليّ) خبره، و (يكون) زائدة، انتهى. ويجوز أن يكون اسم (كان) ضمير الشأن، و (يكون عليّ الصوم) الجملة خبره، أي: كان من عادتي يكون علي الصوم، وحينئذٍ لا حاجة إلى القول بزيادة (يكون).
وقوله: (الشغل) مرفوع بفعل مقدر، أي: يمنعها الشغل الصادر من جانب النبي لطلبه منها الاستمتاع، أو من جانبها لتهيئها له، وذلك لأنه ﷺ كان يصوم شعبان أكثره بل كله كما ورد في الحديث، فلا يسعها القضاء إلا في شعبان لفراغها عن خدمة النبي ﷺ سواء كان في هذه السنة أو في السنة الآتية، فافهم.
٢٠٣١ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد) يشمل ابتداء الصيام والإفطار بعده، وحينئدٍ تقضيه كما هو مذهب أبي حنيفة ومن وافقه في قضاء صوم النفل بعد نقضه، فيوافقه الترجمة بهذا الاعتبار، أو المراد بالترجمة حكم قضاء الصوم وجودًا أو عدمًا، فيوافق على مذهب الشافعي ومن معه في عدم
стр. 2326
وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٢٦].
٢٠٣٢ - [٣] وَعَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ لِعَائِشَةَ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٣٥].
٢٠٣٣ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٥٢، م: ١١٤٧].
ــ
وجوب قضائه، فافهم.
وقوله: (ولا تأذن) منصوب بالعطف على (تصوم)، (ولا) زائدة لتأكيد النفي، أي لا يحل لها أن تأذن أحدًا في دخول بيت الزوج إلا بإذنه (١)، وقد يرفع، والخبر في معنى النهي، ويحتمل الجزم على النهي، كذا في بعض الحواشي.
٢٠٣٢ - [٣] (معاذة العدوية) قوله: (كان يصيبنا ذلك فنؤمر. . . إلخ) تعني أنه أمر تعبدي، وقد تعقل العلة في ذلك وهي دفع الحرج، لكن لا حاجة إلى السؤال عنها، ويكفي أمر الشارع بذلك.
٢٠٣٣ - [٤] (عائشة) قوله: (صام عنه وليه) أخذ قوم بظاهر هذا الحديث، فأجازوا أن يصوم عنه وليه ما وجب عليه قضاؤه، وبه قال أحمد وهو أحد قولَي الشافعي، وصححه النووي، وقال بعض الشافعية: يخير بين الصوم والإطعام، وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عنه، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في أصح قوليه عن أكثر أصحابه، وأولوا الحديث بأن المراد إطعام الولي عنه وتكفيره عنه، فعندنا إن أوصى فيؤخذ من الثلث، وعند الشافعي أوصى أو لم يوص فيؤخذ من كل ماله.
стр. 2327
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٠٣٤ - [٥] عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ (١). [ت: ٧١٨].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٠٣٥ - [٦] عَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ: هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ فَيَقُولُ: لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أحَدٍ. رَوَاهُ فِي "الْمُوَطَّأِ". [ط: ١٠٦٩].
* * *
ــ
الفصل الثاني
٢٠٣٤ - [٥] (نافع) قوله: (فليطعم عنه) بلفظ المجهول، وهذا يؤيد ما ذهب إليه الجمهور في تأويل الحديث السابق.
الفصل الثالث
٢٠٣٥ - [٦] (مالك) قوله: (لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد) وهذا أيضًا حجة الجمهور في عدم صيام الولي عن الميت، بل وجب الإطعام، والإطعام في الصلاة استحسان من المشايخ قياسًا على الصوم، وقال محمد: نرجو القبول، كما علم في أصول الفقه، واللَّه أعلم (٢).
стр. 2328
٦ - باب صيام التطوع
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٠٣٦ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيْلًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٦٩، م: ١١٥٦].
ــ
٦ - باب صيام التطوع
تطوَّعَ: تفعَّلَ من الطَّوع بمعنى الانقياد، طاع له يطوع ويطاع: انقاد، فرس طَوْعُ الْعِنَان: سَلِسٌ، ويقال: تطوع بالشيء: تبرع منه، كذا في (الصحاح) (١)، وقال في (القاموس) (٢): صلاة التطوعِ: النافلةُ، وكل متنفّلِ خيرٍ: متطوّعٌ.
الفصل الأول
٢٠٣٦ - [١] (عائشة) قوله: (حتى نقول) بالنون، وفي بعض النسخ بالتاء على خطاب العام، وفي شرح ابن الملك: ويجوز بياء الغائب، أي: يقول القائل، ولكن الرواية الصحيحة بالنون على لفظ المتكلم.
وقوله: (ما رأيته) الضمير لرسول اللَّه ﷺ ، وكذا في (منه)، و (رأيت) إما بمعنى علمت أو أبصرت، و (أكثر) إما مفعول ثان أو حال، و (في شعبان) متعلق بـ (صيامًا).
وقوله: (كان يصوم شعبان إلا قليلًا) قيل: هو تفسير للأول، وبيان أن المراد
стр. 2329
٢٠٣٧ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟ قَالَ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلَّا رَمَضَانَ، وَلَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٥٦].
٢٠٣٨ - [٣] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ فَقَالَ: "يَا أَبَا فُلَانٍ! . . . . .
ــ
بالكل الأكثر، قال ابن المبارك: ومن عادة العرب أنه إذا صام أحد أكثر الشهر قالوا: صام كله، كما يقال: يقوم الليل كله ويصلي، وهو يأكل فيه ويفعل أفعالًا سوى الصلاة، وبالجملة تنزيل الأكثر منزلة الكل من عادة الناس في المحاورات مبالغة، وفي نسخة: (وكان يصوم) بالواو، وعلى هذا يكون المعنى كان يصوم تارة كله وأخرى أكثر، وهذا أحسن وأقوى، فافهم.
٢٠٣٧ - [٢] (عبد اللَّه بن شقيق) قوله: (حتى يصوم منه) أي: بعضه، و (حتى) الأولى بمعنى كي، والثاني بمعنى إلى، وقيل: المراد يصوم كله في سنة، وأكثره في سنة أخرى.
وقوله: (حتى مضى لسبيله) كناية عن الموت، أي: إلى أن توفي، وفي (القاموس) (١): مضى سبيله: مات (٢).
٢٠٣٨ - [٣] (عمران بن حصين) قوله: (أنه سأله) الضمير المرفوع للرسول ﷺ ، والمنصوب لعمران.
стр. 2330
أَمَا صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨٣، م: ١١٦١].
٢٠٣٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصِّيامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ،
ــ
وقوله: (أما صمت من سرر شعبان؟ ) بفتح السين وكسرها، وحكي ضمها، وروي (من سرار هذا الشهر) وهما بمعنى، ويجيء بمعنى أول الشهر وأوسطه وآخره، ذكره في (القاموس) (١)، فقيل: المراد هنا أوله أو مستهله أو وسطه لا آخره، إذ لم يأت في صوم آخره ندب، بل ورد النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين كما سبق.
وقال الأزهري: لا أعرفه بهذا المعنى إنما يقال: سرار الشهر وسراره وسرره لآخر ليلة يستتر الهلال بنور الشمس. فيجاب أنه كان معتادًا بصيام آخره أو نذره، فتركه لظاهر النهي، فبين ﷺ أن المعتاد أو المنذور ليس بمنهي.
وقد يقال: هو سؤال زجر وإنكار، ولا يناسبه قوله: (فإذا أفطرت) أي: رمضان، أي: فرغت منه (فصم يومين)، فالظاهر أن هذا الرجل قد أوجبه على نذر فاستحب له الوفاء بالنذر، وقد ورد في الحديث (٢): (صوموا الشهر وسرّه)، فقيل: أوله، وقيل: مستهله، وقيل: وسطه، وقالوا: سر كل شيء جوفه، فكأنه أراد أيام البيض، فتدبر (٣).
٢٠٣٩ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (شهر اللَّه المحرم) أي: صومُه، وقالوا: المراد
стр. 2331
وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٣].
٢٠٤٠ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ. . . . .
ــ
يوم عاشوراء ذكرًا للكل وإرادة للجزء الأعظم، ويؤيده الحديث الآتي من ابن عباس ﵁، والإضافة إلى اللَّه للتشريف لا للتخصيص، ولو أريد المحرم كله صار محلًا أن يستفسر عن وجه صيام شعبان كله أو أكثره دون المحرم، ويقال في جوابه: لعله ظهر فضل شعبان أخيرًا، أو لعله كان يمنع من صيام المحرم مانع، واللَّه أعلم.
وقوله: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) فيه دليل لمن قال بذلك، وقال كثير من الشافعية: الرواتب أفضل بعد الفريضة، كذا قال الطيبي (١)، ولكن قال في (الحاوي) (٢) في مذهب الشافعي ﵀: أفضل النفل صلاة العيد، فالخسوف، فالاستسقاء، فالوتر، ثم ركعتان قبل الصبح، ثم قبل الظهر وبعده، وبعد المغرب والعشاء، ثم التراويح، ثم الضحى، ثم ركعتا الطواف والإحرام والتحية، هذا عند الشافعية، وأما عندنا فالرواتب أفضل، وأفضلها وأقواها ركعتا الفجر، ثم سنة المغرب، ثم ركعتا العشاء، ثم أربع ركعات قبل الظهر، وقيل: السنة قبل الظهر مثلها بعد ركعتي الفجر، كذا ذكره الشُّمُنِّي، وأما العيدان والوتر فواجبة عندنا.
٢٠٤٠ - [٥] (ابن عباس) قوله: (فضّله على غيره) بلفظ الماضي من التفضيل صفة (يوم) أو (صيام)، وقد يروى (فَضْلِه) بالتخفيف بلفظ المصدر، فهو بدل اشتمال منه.
стр. 2332
إلَّا هَذَا الْيَوْمَ: يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٠٦، م: ١١٣٢].
ــ
وقوله: (إلا هذا اليوم يوم عاشوراء) وقيل: لعل هذا على فهم ابن عباس، وإلا فيوم عرفة أفضل الأيام (١) ما عدا الجمعة، فبينهما اختلاف، والمختار هو الأول، وعاشوراء بالمدّ والقصر، وكذا عشوراء وعاشور اسم لليوم العاشر من المحرم، وقيل: لليوم التاسع، كذا في (القاموس) (٢)، وسيجيء أن الصواب هو الأول، ثم قيل: عاشوراء اسم لليلة، ويوم عاشور بالإضافة بمعنى يوم الليلة العاشوراء، وبعد غلبة الاسمية ترك ذكر الموصوف، كذا ذكره بعضهم.
стр. 2333
٢٠٤١ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٣٤].
ــ
٢٠٤١ - [٦] (ابن عباس) قوله: (لأصومن التاسع) الظاهر أن المراد لأضم إليه يومًا آخر ليخالف اليهود في تعظيمه، وخص التاسع لتقدمه على يوم عاشوراء، وهو أدخل في نفي التعظيم عنه، ثم إنه ﷺ لم يعش إلى قابل ولم يضم، لكن صار صوم التاسع سنة بهذا القول، وكان ﷺ يصوم يوم عاشوراء البتة، وكان ذلك من أوكد السنن عنده، كما يجيء من حديث حفصة في (الفصل الثالث)، وقالوا: مراتب صوم المحرم ثلاث: الأفضل أن يصوم يوم العاشر ويومًا قبله ويومًا بعده (١)، وقد جاء ذلك في حديث أحمد والبزار عن ابن عباس (٢)، وثانيهما: أن يصوم التاسع والعاشر، وثالثهما: يصوم العاشر فقط، وقد جاء في التاسع والعاشر أحاديث، ولهذا لم يجعلوا صوم العاشر والحادي عشر من المراتب وإن كانت مخالفة اليهود في هذه الصورة أيضًا، وكذا لا يجزئ صوم التاسع من السنة كما ذهب إليه بعض العلماء مع أنه أيضًا يتضمن
стр. 2334
٢٠٤٢ - [٧] وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ،
ــ
مخالفة اليهود؛ لأنها تحصل بضم التاسع إليه أو بنقل الصوم منه إليه، وذلك لأنه وإن تضمن المخالفة لكن لا بد من صوم عاشوراء مع ضميمة المخالفة.
واعلم أنه قد توهم بعض الناس أن عاشوراء اسم لليوم التاسع، وتكلفوا للتسمية بعاشوراء، وأخذوه من إظماء الإبل؛ لأن العرب من عادتهم أن جعلوا لسقي الإبل نوبة، وهي ثمانية أيام يسمونها الورد بكسر الواو، وسموا الثالث منها رِبعًا بالكسر، وبهذا الاعتبار يكون اليوم التاسع عِشرًا، وهذا وهم منهم، ومنشأ التوهم حديث ابن عباس رواه مسلم (١) أنه قال حكم بن الأعرج: أتيت ابن عباس وقلت: أخبرني عن صوم عاشوراء، فقال ابن عباس: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد أيامه فأصبح اليوم التاسع منه وأنت صائم، قلت: أكان محمد ﷺ يصبح هذ اليوم؟ قال: نعم، قال النووي (٢): هذا تصريح من ابن عباس أن مذهبه أن عاشوراء اسم لليوم التاسع من المحرم، وهذا محل نظر، لأن الذي يفهم من كلام ابن عباس صريحًا هو الأمر بصوم اليوم التاسع، وقد جاء ذلك في السنة مع العاشر، فترك تعين يوم عاشوراء على شهرته وظهوره، وعلم السائل بأنه اليوم العاشر وأرشده إلى كيفية صومه بضم التاسع إليه، وأخبره بفعل الرسول ﷺ بتنزيل عزمه عليه في العام القابل منزلة فعله ﷺ ، فتدبر.
٢٠٤٢ - [٧] (أم الفضل بنت الحارث) قوله: (تماروا) بفتح الراء وسكون الواو
стр. 2335
فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيْرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨٨، م: ١١٢٣].
ــ
أي: شكوا وتجادلوا وتباحثوا، وفي (القاموس) (١): المرية بالكسر والضم: الشك والجدل، ماراهَ مماراةً ومِراءً، وامترى [فيه] وتمارى: شك، وقد روى أبو داود (٢) عن أبي هريرة، والبخاري ومسلم (٣) نحو هذا الحديث عن ميمونة أيضًا، وقال الترمذي (٤): وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر، وقد روي عن ابن عمر قال: حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه -يعني يوم عرفة-، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به ولا أنهى عنه، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم يستحبون الإفطار بعرفة ليتقوى به الرجل على الدعاء، وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة، انتهى. وقد ورد في فضل يوم عرفة أحاديث، وأنه يكفر السنة التي بعده والتي قبله، فالمختار أن صوم عرفة مستحب إلا للحاج إذا لم يقو على الدعاء والاجتهاد فيه. (٥).
стр. 2336
٢٠٤٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٧٦].
٢٠٤٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْله، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ غَضَبَهُ قَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نبَيًّا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ،
ــ
٢٠٤٣ - [٨] (عائشة) قوله: (في العشر) أي: عشر ذي الحجة، وقد ثبت في الأحاديث فضيلة الصوم في هذه الأيام، وفضيلة مطلق العمل فيها، وثبت صومه ﷺ فيها، وحديث عائشة لا ينافيه؛ لأنها إنما أخبرت عن عدم رؤيتها، فلعلها لم تطلع على عشرة صامه ﷺ فيها، أو كان له مانع منه من مرض أو سفر أو غيرهما.
وجاء في (صحيح البخاري) (١): أنه قال رسول اللَّه ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل من هذه الأيام)، وفي (صحيح أبي عوانة) و (صحيح ابن حبان) (٢) عن جابر ﵁: (ما من أيام أفضل من عشر ذي الحجة)، ولو نذر أحد صيام أفضل أيام السنة انصرف إلى هذه الأيام، وإن نذر صوم يوم أفضل من سائر الأيام فإلى يوم عرفة، وإن نذر صوم يوم من الأسبوع فإلى يوم الجمعة، والمختار أن أيام هذه العشرة أفضل لما فيها من يوم عرفة، وليالي عشرة رمضان لما فيها من ليلة القدر، وهذا هو القول الفصل.
٢٠٤٤ - [٩] (أبو قتادة) قوله: (كيف تصوم؟ ) الظاهر أن يقول: كم تصوم؛ لأن
стр. 2337
فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيفَ بِمن يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ: "لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ"، أَوْ قَالَ: "لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ". قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ . قَالَ: "وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟ ". . . . .
ــ
الظاهر أن سؤاله كان من صوم الدهر أو أقل من ذلك، كما فعله عمر ﵁، لا من كيفية الصوم، ولكن يحصل للصوم من ذلك صفة وحالة مخصوصة فيجوز أن يعبر عنها بالكيفية كما يجوز أن يعبر بالكمية أيضًا، كما يظهر ذلك من كلامهم في بيان تخطئة السائل وتسفيهه، وسبب غضبه ﷺ عليه بأنه كان حقه أن يقول: كيف أصوم؟ ، أو كم أصوم؟ ، فيخص السؤال بنفسه ليجاب بمقتضى حاله مع ما فيه من سوء الأدب لوجود المصالح في فعله ﷺ في القلة والكثرة مما لا يصلح لغيره.
وقوله: (لا صام ولا أفطر) اختلفوا في توجيه معناه فقيل: هذا دعاء عليه كراهة لصنعه وزجرًا له عن فعله، والظاهر أنه إخبار، فعدم إفطاره ظاهر لأنه لم يطعم شيئًا، وأما عدم صومه فلمخالفة السنة، وفيه احتياط لأجره على صومه، وقيل: لأنه يستلزم صوم الأيام المنهية وهو حرام، وقيل: لأنه يتضرر به، وربما يفضي إلى إلقاء النفس إلى التهلكة، وإلى العجز عن الجهاد والحقوق الأخرى، ويختص النهي على هذه التوجيهات بمن لم يفطر في الأيام المنهية وبمن يتضرر به بضعف، وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى جوازه لمن عداه، واستدلوا بما حكي عن بعض الصحابة كأبي طلحة الأنصاري وحمزة بن عمرو الأسلمي، وقد قررهما رسول اللَّه ﷺ على ذلك، وكثير من التابعين من سردهم الصوم واختيارهم صوم الدهر، وقيل: معناه من اعتاده زال عنه كلفة ومشقة يتعلق به الثواب، وهي الغاية من شرعية الصوم، وهذا على عكس ما أفاده الوجه الأول من الوقوع في الكلفة والمشقة، فافهم.
وقوله: (ويطيق ذلك أحد) على معنى الاستفهام لتبعيده عن درجة القبول
стр. 2338
قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُوم يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: "ذَاك صَوْمُ دَاوُدَ" قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ،
ــ
والرضا به.
وقوله: (ذلك صوم داود) فيه فضيلة وكمال ونوع من الاعتدال، ولكنه شاق كما ينبئ عنه سياق الحديث، فافهم.
وقوله: (وددت أني طوّقت) بالتشديد، أي: لم يشغلني عن ذلك الحقوق حتى أصوم، وفي لفظ (طوّقت) بلفظ المجهول مبالغة بمعنى أنه ليس في طاقتي وطبيعتي إلا أن يجعله اللَّه فيها، والغرض تبعيد هذا القسم أيضًا ورده.
وقوله: (ثلاث) كان الظاهر أن يقال: ثلاثة؛ لأنه عبارة عن الأيام، أي: صيام ثلاثة أيام، ولكنهم يعتبرون في مثل ذلك الليالي، والأيام داخلة معها، قال صاحب (الكشاف) (١): تقول: صمت عشرًا، ولو قلت: عشرة خرجت من كلامهم، ثم الأولى أن يكون (ثلاث) خبر مبتدأ محذوف، أي: الأولى أو الأليق ثلاث من كل شهر.
وقوله: (فهذا) تعليل له، وقال الطيبي (٢): (ثلاث) مبتدأ و (فهذا) خبره، أدخل الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
وقوله: (صيام الدهر كله) أي: في حكمه في الأجر والثواب، أما رمضان فقد
стр. 2339
وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوراءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٢].
٢٠٤٥ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ: "فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٢].
ــ
فرض اللَّه ولا بد من فعله، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر في حكم صوم الشهر كله؛ لأن الحسنة بعشرة أمثالها.
وقوله: (أحتسب على اللَّه) أي: أعده وأطلب أجره واجبًا على اللَّه بفضله وكرمه أن يكفر ذنوب السنة التي قبله وذنوب السنة التي بعده بأن يحصل له من الرحمة والثواب ما يكفر ذنوب السنة الآتية أيضًا إن وقعت (١)، وقالوا: هذه المزية لصوم يوم عرفة على صوم يوم عاشوراء؛ لأن صوم يوم عرفة من شريعة محمد ﷺ وصوم عاشوراء من شريعة موسى ﵇.
٢٠٤٥ - [١٠] (أبو قتادة) قوله: (عن صوم الاثنين) يحتمل أن يكون السؤال عن سبب صيامه ﷺ يوم الاثنين، فالجواب أنه لما كان ولادتي ونزول الوحي عليّ في هذا اليوم أحب أن أصوم فيه شكرًا لهاتين النعمتين العظيمتين، ويحتمل أنهم سألوا عن استحباب صومهم فيه، فالمراد لما كان وجود نبيكم ونزول كتابكم في هذا اليوم استحب لكم أن تصوموا فيه، وكلام الطيبي (٢) ناظر إلى الوجه الثاني.
стр. 2340
٢٠٤٦ - [١١] وَعَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوَّيةِ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّام الشَّهْر يَصُومُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٠].
ــ
٢٠٤٦ - [١١] (معاذة العدوية) قوله: (فقلت) أي: قالت معاذة: فقلت، اعلم أنه قد ثبت في السنة قولًا وفعلًا استحباب صوم ثلاثة أيام من الشهر مطلقًا، ومقيدًا بكونها ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة التي يقال لها: أيام البيض، وهو الأحب، ومقتضى أكثر الأحاديث والآثار وقول أكثر أهل العلم، وقد ورد صوم ثلاثة أولها يوم الاثنين مع الثلاثاء والأربعاء، وأولها الخميس مع الجمعة والسبت، وكان قد يصوم من شهر السبت والأحد والاثنين، ومن شهر آخر الثلاثاء والأربعاء والخميس كما يجيء في حديث عائشة وأم سلمة ﵄، وقد روى ابن خزيمة (١) في حديث ابن مسعود ﵁: (أنه ﷺ كان يصوم ثلاثة من غرة كل شهر).
وكان للسلف في ذلك أقوال واختيارات، اختار كل منهم ما ثبت عنده بخبر أو أثر يقتضي أولويته ورجحانه، ومجموع ذلك عشرة أقوال؛ أحدها: عدم التعيين وكره التعيين. وثانيها: الثلاثة الأول من الشهر، قاله الحسن البصري والنخعي وجماعة، ورجحوه بأنه الأحوط، فإنه لا يدري أن يدرك بعدها أو لا، وفي التأخير آفات، وثالثها: من الثاني عشر إلى الرابع عشر، ورابعها: من الثالث عشر إلى الخامس عشر، وهو قول الأكثرين والراجح من الأقوال لوقوعه في أكثر الأحاديث: (وخير الأمور أوساطها)، ولأن الزمان له فيها نور خاص وحالة مخصوصة، ولأن خسوف القمر يكون فيها،
стр. 2341
٢٠٤٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالَ. . . . .
ــ
ونحن أمرنا بمزيد العبادة وفعل الخيرات في الخسوف، وخامسها: آخر ثلاث من الشهر، حكاه الأسنوي عن الماوردي أنه يستحب صيام أيام السود في مقابلة أيام البيض، وسادسها: أولها أول سبت من أول الشهر ثم من أول الثلاثاء من الشهر الذي يليه، وهكذا وهو مروي عن عائشة ﵂، وسابعها: أول الشهر والعاشر والعشرون، وهو مروي عن أبي الدرداء، وقالوا كان صوم الإمام مالك هكذا، وثامنها: أول كل عشر فيكون أول الشهر، والحادي عشر، والحادي والعشرين، وهو منقول عن ابن شعبان المالكي، وتاسعها: من أول اثنين في الشهر، ومن أول خميس في الشهر الآخر، كما يأتي من حديث عائشة في الكتاب، وعاشرها: عكس ذلك لأنه قد ثبت الصوم في الاثنين والخميس منه ﷺ ، فالابتداء منه أفضل (١)، وبالجملة صوم ثلاثة أيام من الشهر سنة، فمن صام أي أيام الشهر كان أدرك هذه الفضيلة، واللَّه الموفق.
٢٠٤٧ - [١٢] (أبو أيوب الأنصاري) قوله: (أنه حدثه) الضمير المرفوع لأبي أيوب، والمنصوب لروايه، وجَعْلُه للحديث كما جوّزه الطيبي (٢) مجرد احتمال اللفظ في عبارة (المشكاة)، وأما في عبارة مسلم يتعين رجوعه إلى الراوي؛ لأن عبارته تكون هكذا: حدثنا فلان قال: ثنا فلان عن أبي أيوب أنه حدثه، ولا يحتاج بل لا يتجه رجوعه إلى الحديث كما لا يخفى، وعلى كل تقدير لا حاجة للمؤلف إلى ذكر هذه اللفظة كما لا يخفى.
стр. 2342
كَانَ كصِيَامِ الدَّهْرِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٤].
٢٠٤٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ. . . . .
ــ
وقوله: (كان كصيام الدهر) (١) يعني إذا صام مدة عمره وإلا ففي كل سنة صام كان كصيام تلك السنة، وقد ورد في هذا المعنى أيضًا حديث ثوبان رواه ابن ماجه (٢)، وفي رواية: (فأتبعه)، وليس المراد التعقيب الحقيقي لاستلزامه صوم يوم العيد فيصح من أول الشهر وآخره، والمختار عند الشافعية من أول شهر متتابعة، وعندنا أعم، وكذا عند أحمد، قالوا: عندنا تفريقها أبعد عن الكراهة والتشبه بالنصارى.
٢٠٤٨ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (نهى رسول اللَّه ﷺ عن صوم يوم
стр. 2343
الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٩١، م: ٨٢٧].
٢٠٤٩ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ: الْفِطْر وَالأَضْحَى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٧، م: ٨٢٧].
٢٠٥٠ - [١٥] وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٤١].
ــ
الفطر والنحر) هذا مما اتفق عليه الأئمة، وعند أكثرهم لا يجوز النذر أيضًا، وعندنا يجوز ويقضى في يوم آخر.
٢٠٤٩ - [١٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا صوم في يومين) أي: فعله، وأما نذره فيهما فليس صومًا فيهما، وتحقيقه في أصول الفقه.
٢٠٥٠ - [١٥] قوله: (نبيشة) بضم النون وفتح الموحدة وسكون التحتانية وبالشين المعجمة، و (الهذلي) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة منسوب إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.
وقوله: (أيام التشريق) في (القاموس) (١): التشريق تقديد اللحم، ومنه أيام التشريق، أو لأن الهدي لا ينحر حتى تطلع الشمس، ومنه المُشرَّق على وزن مُعظَّم مسجد الخيف الذي بمنى.
وقوله: (وذكر اللَّه) لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وذلك بالتكبير أدبار الصلاة وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها في هذه الأيام.
стр. 2344
٢٠٥١ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَن يَصُومَ قَبْلَهُ أَو يَصُومَ بَعْدَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨٥، م: ١١٤٤].
٢٠٥٢ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٤٤].
ــ
٢٠٥١ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده) بمعنى أنه يكفي أحدهما، ولو صامهما معًا جاز أيضًا، وهو الظاهر.
٢٠٥٢ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (ولا تختصّوا يوم الجمعة) وفي رواية: (ولا تخصوا)، وخص متعد، واختص جاء متعديًا أيضًا كقوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وفي (القاموس) (١): اختصه بالشيء: خصه به فاختصّ وتخصص لازم متعد، وقد ذكروا للنهي عن تخصيص يوم الجمعة بصوم وجوهًا (٢):
الأول: أنه نهى عن صومه لئلا يحصل له ضعف يمنعه عن إقامة وظائف الجمعة وأورادها، وهذا الوجه اختاره النووي، ويتعقب بوجهين؛ أحدهما: أن هذا المعنى موجود في صومها مع وجود الصوم قبلها أو بعدها، بل أكثر من صورة الإفراد، ويجاب بأنه يحصل بفضيلة صوم اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل بصوم يومها من فتور أو تقصير، وفيه نظر؛ لأن الجبران لا ينحصر في الصوم، بل يحصل بجميع أفعال الخير، فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرًا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن
стр. 2345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعتق فيه رقبة، ولا قائل بذلك. وثانيهما: أن النهي حينئذٍ يختص بمن يخشى عليه الضعف لا من يتحقق له القوة إلا أن يقال: أقيم مظنة الضعف مقام حقيقته كما في السفر في حق جواز الإفطار.
والثاني: خوف المبالغة في تعظيمه، فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت والنصارى بالأحد، وهو منتقض بثبوت تعظيمه في الشرع بغير الصيام، وأجيب بأن اللَّه تعالى لما خص هذا اليوم وعظمه بفضائل كثيرة فاللائق أن يقتصر على تلك الفضائل والتعظيمات التي وردت في الشرع، ولا نزيد من عند أنفسنا شيئًا مبالغة في تعظيمه لئلا يوهم الفضل بجميع الوجوه، ويصير سببًا للتجاوز عن الحد والإفراط، ويصير سببًا للافتتان، نعم يرد عليه أن اليهود والنصارى لا يعظمون السبت والأحد بالصيام، فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتَحَتَّمَ صومه. وقد يأتي في (الفصل الثالث) من حديث أم سلمة رواه أحمد وقد رواه النسائي أيضًا وصححه ابن حبان (١): أن النبي ﷺ كان يصوم يوم السبت والأحد، وكان يقول: (إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم).
والثالث: أن سبب النهي خوف اعتقاد وجوبه وهو منتقض بصوم يوم الاثنين والخميس، وقد ورد فضلها.
والرابع: أن يوم الجمعة يوم عيد فلا يصام فيه، وقد ورد في الحديث (٢): (يوم الجمعة يوم عيد، ولا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم)، وهذا الوجه أحسن الوجوه؛ لأنه منطوق الحديث، لكن جاز فيما إذا صام قبله وبعده، فيدفع بأن اللائق أن لا يصوم فيه، وإن صام فلا ينبغي منفردًا مقصودًا بالذات بل يكون في موافقة يوم آخر وفي
стр. 2346
٢٠٥٣ - [١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٤٠، م: ١١٥٣].
٢٠٥٤ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ ". . . . .
ــ
ضمنه، هذا وقد نقل عن مالك أنه قال في (الموطأ) (١): (لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه)، وقال النووي (٢): هذا الذي قاله مالك هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، فيتعين القول به، ومالك معذور؛ فإنه لم يبلغه، وقال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه، واللَّه أعلم (٣).
٢٠٥٣ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (في سبيل اللَّه) الظاهر أن المراد به الغزو، وقد ورد في فضل الصوم مع الجهاد أحاديث، قال الطيبي (٤): ويجوز أن يراد به لوجه اللَّه، ويؤيد ما قال ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ يأتي في آخر الباب، والمراد بـ (الخريف) السنة، والعرب يبتدئون السنة بالخريف، وقد مرّ وجهه فيما سبق.
٢٠٥٤ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (ألم أخبر) بلفظ المضارع
٢٠٥٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٧٦١، ن: ٢٤٢٤].
٢٠٥٨ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام. [ت: ٧٤٢، ن: ٢٣٦٨، د: ٢٤٥٠].
ــ
ولأنه لا يدري في أية ساعة تعرض، والصوم يستوعب النهار، ولأنه يجتمع مع الأعمال الأخر بخلاف ما عداه من الأعمال (١).
٢٠٥٧ - [٢٢] (أبو ذر) قوله: (فصم ثلاث عشرة. . . إلخ) لا ينافي هذا صوم ما عداها من الأيام، وإنما هو على أنها أفضل وأحبّ.
٢٠٥٨ - [٢٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (يصوم من غرة كل شهر) يعني في بعض الأحيان.
وقوله: (وقلّما كان يفطر يوم الجمعة) مطلق يشمل انفراده وجمعه مع يوم قبله أو بعده إلا أن يقيد بقرينة الأحاديث الأخر.
стр. 2349
٢٠٥٩ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ، وَمِنَ الشَّهْرِ الآخِرِ الثُّلَاثَاءَ وَالأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٤٦].
٢٠٦٠ - [٢٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي أَنْ أَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، أَوَّلُهَا الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٤٥٢، ن: ٢٤١٥].
٢٠٦١ - [٢٦] وَعَنْ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: سَأَلتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ فَقَالَ: "إِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، صُمْ رَمَضَانَ وَالَّذِي يَلِيهِ وَكُلَّ أَرْبِعَاءَ وَخَمِيسٍ، فَإِذًا أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ كلَّهُ". . . . .
ــ
٢٠٥٩ - [٢٤] (عائشة) قوله: (الثلاثاء) بالمد والفتح ويضم، و (الأربعاء) مثلثة الباء ممدودة.
٢٠٦٠ - [٢٥] (أم سلمة) قوله: (أولها الاثنين) مع الثلاثاء والأربعاء في شهر، (والخميس) مع الجمعة والسبت في شهر آخر، وفي بعض النسخ: (أو الخميس)، فيكون مخيرًا بين الابتداء من الاثنين أو من الخميس وهو رواية الطبراني، ثم قالوا في قوله: (أولها الاثنين): إن الظاهر أولها الاثنان بالألف لكونه خبرًا، فقيل في توجيهه: إن الاثنين صار علمًا لذلك اليوم، فأعرب بالحركة برفع النون، أو إن التقدير: يوم الاثنين فحذف المضاف وأبقي المضاف إليه على حاله على قراءة ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] بجرّ القرية، وإن كانت شاذة، والأكثر اكتساء إعراب المضاف، والمشهور في (اسأل القرية) القراءة بنصبهما، أو إن (أولها) منصوب بتقدير اجعل.
٢٠٦١ - [٢٦] (مسلم القرشي) قوله: (والذي يليه) أراد به الست من شوال،
стр. 2350
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٢٤٣٢، ت: ٧٤٨].
٢٠٦٢ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٤٠].
٢٠٦٣ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضغْهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٦/ ٣٦٨، د: ٢٤٢١، ت: ٤٣، جه: ١٧٢٦، دي: ١٧٤٩].
ــ
وقيل: أراد به شعبان، كذا في (شرح ابن الملك).
٢٠٦٢ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (نهى) أي: نهي تنزيه عن صوم يوم عرفة بعرفة، ومحمله وجدان المشقة والجهد في أداء وظائفها.
٢٠٦٣ - [٢٨] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (عن عبد اللَّه بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة (عن أخته الصماء) -بفتح المهملة وتشديد الميم ممدودة- بنت بسر.
وقوله: (لا تصوموا يوم السبت) أي: وحده (إلا فيما افترض عليكم) ولو بالنذر، و (اللحاء) ككساء قشر الشجرة، لَحَوت الشجرة ولَحَيْتُها والْتَحَيْتُها: إذا أخذت لحاءها، وهو قشرها، وسبب النهي لزوم تعظيمه بالصوم فيه، ففيه مخالفة لليهود، وإن كانوا لا يصومونه لأجل أنه عيد لهم، فهم يعظمونه لوجه آخر.
وسيأتي من حديث أم سلمة ﵂: أنه ﷺ كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد قصدًا لمخالفة اليهود والنصارى؛ لأنهم لا يصومونهما لكونهما عيدين لهم، فحينًا ترك