٢٠٥٣ - [١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٤٠، م: ١١٥٣].
٢٠٥٤ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ ". . . . .
ــ
ضمنه، هذا وقد نقل عن مالك أنه قال في (الموطأ) (١): (لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه)، وقال النووي (٢): هذا الذي قاله مالك هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، فيتعين القول به، ومالك معذور؛ فإنه لم يبلغه، وقال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه، واللَّه أعلم (٣).
٢٠٥٣ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (في سبيل اللَّه) الظاهر أن المراد به الغزو، وقد ورد في فضل الصوم مع الجهاد أحاديث، قال الطيبي (٤): ويجوز أن يراد به لوجه اللَّه، ويؤيد ما قال ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ يأتي في آخر الباب، والمراد بـ (الخريف) السنة، والعرب يبتدئون السنة بالخريف، وقد مرّ وجهه فيما سبق.
٢٠٥٤ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (ألم أخبر) بلفظ المضارع
٢٠٥٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٧٦١، ن: ٢٤٢٤].
٢٠٥٨ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام. [ت: ٧٤٢، ن: ٢٣٦٨، د: ٢٤٥٠].
ــ
ولأنه لا يدري في أية ساعة تعرض، والصوم يستوعب النهار، ولأنه يجتمع مع الأعمال الأخر بخلاف ما عداه من الأعمال (١).
٢٠٥٧ - [٢٢] (أبو ذر) قوله: (فصم ثلاث عشرة. . . إلخ) لا ينافي هذا صوم ما عداها من الأيام، وإنما هو على أنها أفضل وأحبّ.
٢٠٥٨ - [٢٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (يصوم من غرة كل شهر) يعني في بعض الأحيان.
وقوله: (وقلّما كان يفطر يوم الجمعة) مطلق يشمل انفراده وجمعه مع يوم قبله أو بعده إلا أن يقيد بقرينة الأحاديث الأخر.
стр. 2349
٢٠٥٩ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ، وَمِنَ الشَّهْرِ الآخِرِ الثُّلَاثَاءَ وَالأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٤٦].
٢٠٦٠ - [٢٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي أَنْ أَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، أَوَّلُهَا الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٤٥٢، ن: ٢٤١٥].
٢٠٦١ - [٢٦] وَعَنْ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: سَأَلتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ فَقَالَ: "إِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، صُمْ رَمَضَانَ وَالَّذِي يَلِيهِ وَكُلَّ أَرْبِعَاءَ وَخَمِيسٍ، فَإِذًا أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ كلَّهُ". . . . .
ــ
٢٠٥٩ - [٢٤] (عائشة) قوله: (الثلاثاء) بالمد والفتح ويضم، و (الأربعاء) مثلثة الباء ممدودة.
٢٠٦٠ - [٢٥] (أم سلمة) قوله: (أولها الاثنين) مع الثلاثاء والأربعاء في شهر، (والخميس) مع الجمعة والسبت في شهر آخر، وفي بعض النسخ: (أو الخميس)، فيكون مخيرًا بين الابتداء من الاثنين أو من الخميس وهو رواية الطبراني، ثم قالوا في قوله: (أولها الاثنين): إن الظاهر أولها الاثنان بالألف لكونه خبرًا، فقيل في توجيهه: إن الاثنين صار علمًا لذلك اليوم، فأعرب بالحركة برفع النون، أو إن التقدير: يوم الاثنين فحذف المضاف وأبقي المضاف إليه على حاله على قراءة ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] بجرّ القرية، وإن كانت شاذة، والأكثر اكتساء إعراب المضاف، والمشهور في (اسأل القرية) القراءة بنصبهما، أو إن (أولها) منصوب بتقدير اجعل.
٢٠٦١ - [٢٦] (مسلم القرشي) قوله: (والذي يليه) أراد به الست من شوال،
стр. 2350
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٢٤٣٢، ت: ٧٤٨].
٢٠٦٢ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٤٠].
٢٠٦٣ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضغْهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٦/ ٣٦٨، د: ٢٤٢١، ت: ٤٣، جه: ١٧٢٦، دي: ١٧٤٩].
ــ
وقيل: أراد به شعبان، كذا في (شرح ابن الملك).
٢٠٦٢ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (نهى) أي: نهي تنزيه عن صوم يوم عرفة بعرفة، ومحمله وجدان المشقة والجهد في أداء وظائفها.
٢٠٦٣ - [٢٨] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (عن عبد اللَّه بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة (عن أخته الصماء) -بفتح المهملة وتشديد الميم ممدودة- بنت بسر.
وقوله: (لا تصوموا يوم السبت) أي: وحده (إلا فيما افترض عليكم) ولو بالنذر، و (اللحاء) ككساء قشر الشجرة، لَحَوت الشجرة ولَحَيْتُها والْتَحَيْتُها: إذا أخذت لحاءها، وهو قشرها، وسبب النهي لزوم تعظيمه بالصوم فيه، ففيه مخالفة لليهود، وإن كانوا لا يصومونه لأجل أنه عيد لهم، فهم يعظمونه لوجه آخر.
وسيأتي من حديث أم سلمة ﵂: أنه ﷺ كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد قصدًا لمخالفة اليهود والنصارى؛ لأنهم لا يصومونهما لكونهما عيدين لهم، فحينًا ترك
стр. 2351
٢٠٦٤ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٢٤].
٢٠٦٥ - [٣٠] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. [حم: ٤/ ٣٣٥، ت: ٧٩٧].
٢٠٦٦ - [٢١] وَذَكرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: . . . . .
ــ
صوم يومهما لئلا يلزم تعظيمهما، ووقتًا صامهما لمخالفتهم، ولعل الأول قبل أن يؤمر بمخالفتهم، كذا قيل، فتدبر، واللَّه أعلم.
٢٠٦٤ - [٢٩] (أبو أمامة) قوله: (خندقًا) في (القاموس) (١): الخندق كجعفر: حفير حول أسوار المدن، معربُ كَنْدَه.
وقوله: (كما بين السماء والأرض) (٢) وهذا أبلغ مما سبق في حديث أبي سعيد الخدري: (بعد اللَّه وجهه عن النار سبعين خريفًا) لأن بُعْدَ ما بين السماء والأرض على ما هو المشهور مسيرة خمس مئة سنة.
٢٠٦٥، ٢٠٦٦ - [٣٠، ٣١] (عامر بن مسعود) قوله: (الغنيمة الباردة) كناية عمّا يحصل من غير تعب ومشقة.
стр. 2352
"مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ" فِي (بَابِ الأُضْحِيَّةِ).
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٠٦٧ - [٣٢] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟ " فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ: أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ" فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٩٧، م: ١١٣٠].
ــ
الفصل الثالث
٢٠٦٧ - [٣٢] (ابن عباس) قوله: (فوجد اليهود صيامًا) الصيام مصدر صام، ويوصف به الشخص، يقال: هو صائم وصومانُ وصومٌ وصيام، والصائم للواحد والجمع، كذا في (القاموس) (١)، فلما كان (صيام) وصفًا للصائم يقال للواحد والجمع، فكذلك الصيام يقال لهما، فتدبر.
وقوله: (غرق) بالتشديد بمعنى أغرق، ويروى بالتخفيف كفرح.
وقوله: (فنحن أحق وأولى) أي: أقرب (بموسى منكم) فيه دفع توهم موافقتهم يعني نحن نصوم موافقة لموسى لا موافقة لكم، بقي أن خبر اليهود في الديانات غير مقبول فكيف عمل به رسول اللَّه ﷺ ؟ ويمكن أن يقال: صدق هذا الخبر ظهر له ﷺ بالتواتر أو بخبر جماعة منهم أسلموا كعبد اللَّه بن سلام وأمثاله من علمائهم، أو أوحي إليه بعد إخبارهم بذلك.
٢٠٧٢ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِكُلِّ شَيْءَ زَكَاةٌ، وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٧٤٥].
٢٠٧٣ - [٣٨] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ تَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَقَالَ: "إِنَّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ يَغْفِرُ اللَّهُ فِيهِمَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا ذَا هَاجِرَيْنِ، يَقُولُ: دَعْهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢٦٨، جه: ١٧٤٠].
٢٠٧٤ - [٣٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَبُعْدِ غُرَابٍ طَائِرٍ وَهُوَ فرْخٌ حَتَّى مَاتَ هَرِمًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٥٢٦].
٢٠٧٥ - [٤٠] وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي"شُعَبِ الإِيمَانِ". . . . .
ــ
والبيض حقيقة صفة لِلياليها.
٢٠٧٢ - [٣٧] (أبو هريرة) قوله: (زكاة الجسد) أي: وجوده وصحته وعافيته كأنه يصرف بالجوع والعطش وترك الشهوة شيئًا منه إلى اللَّه تعالى.
٢٠٧٣ - [٣٨] (أبو هريرة) قوله: (إلا ذا هاجرين) أي: قاطعين للرحم، أو تاركين حق الإسلام، و (ذا) معجمة كذا قالوا.
وقوله: (يقول) أي اللَّه تعالى: (دعهما) خطاب عام لكل من يحضر هذه القضية ويطلب غفرانهما، وجاء في بعض الأحاديث: (اتركوا)، وفي بعضها: (أنظروا هذين حتى يصطلحا)، وأنظروا من الإنظار بمعنى الإمهال.
٢٠٧٤، ٢٠٧٥ - [٣٩، ٤٠] (أبو هريرة) قوله: (وهو فرخ) حال من ضمير (طائر) أي: طار في زمان كونه فرخًا، و (حتى مات) غاية الطيران، و (هرمًا) حال من
стр. 2355
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ. [شعب: ٣٣١٨].
* * *
٧ - باب
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٠٧٦ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ " فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: "فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ". ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ،
ــ
فاعل (مات)، هو كناية عن طول عمر الغراب (١)، وهذا المثل بحسب العرف.
٧ - باب (٢)
باب في متممات ولواحق بالأبواب السابقة وما يتعلق بصوم التطوع ونقضه وقضائه.
الفصل الأول
٢٠٧٦ - [١] (عائشة) قوله: (ثم أتانا يومًا آخر) ويفهم من بعض الروايات أتى في ذلك اليوم الذي أتى فلم يجد ونوى الصوم، فخرج وعاد، وسأل فوجد الطعام فأكل.
وقوله: (أُهدي لنا حَيس) الحيس: الخلط، وتَمْرٌ يُخْلَطُ بِسَمْنٍ وأقِطٍ، فَيُعْجَنُ
стр. 2356
فَقَالَ: "أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا" فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٥٤].
ــ
شديدًا، ثم يُنْدَرُ منه نَواهُ، ورُبَّما جُعِلَ فيه سَويقٌ، حاسَهُ يَحيسُهُ، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (أرينيه) بلفظ خطاب الواحدة، والمراد: قَرِّبيه، وقد جاء في رواية كذلك، وفي رواية: (أدنيه) بمعنى قربيه.
وقوله: (فلقد أصبحت صائما) أي: ناويًا للصوم.
اعلم أن هذا الحديث مشتمل على حكمين: الأول: أن نية صوم التطوع جائزة في النهار، ولا يجب التبييت، وهذا مما اتفق عليه الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد بشرط أن يكون قبل الزوال، وفي رواية عن الشافعي بعد الزوال أيضًا، والخلاف في الفرض، فعندنا يجوز، وعندهما لا يجوز، ومالك يشترط التبييت في الكل، وقد سبق تفصيل الكلام فيه مع دلائلهم في الفصل الثاني من باب بعد (باب رؤية الهلال) في حديث: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له).
والحكم الثاني: أن إفطار صوم التطوع بلا عذر جائز، وعليه أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجب إتمامه، ولا يجوز الإفطار بعذر ضيافة أو نحوها؛ لأنه إبطال عمل، وإبطال العمل منهي عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وكذا في كل عمل الشرع يلزم عندنا، ولو نقضه قضى، وفي رواية: يجوز مطلقًا؛ لأن القضاء خَلَفَه فلا بأس به، وفي وجوب قضاء صوم النفل أيضًا خلاف، وعند مالك يقضي حيث لا عذر له، وسيشرح ذلك في حديث الزهري عن عروة.
стр. 2357
٢٠٧٧ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَ: "أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ". ثُمَّ قَامَ إِلَى ناحِيةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ فَدَعَا لأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيتِهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٩٨٢].
٢٠٧٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِن كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٥٠، ١٤٣١].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٠٧٩ - [٤] عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَتْح مَكَّةَ،
ــ
٢٠٧٧ - [٢] (أنس) قوله: (على أم سليم) هي أم أنس.
وقوله: (فإني صائم) يؤيد مذهبنا، وفيما سبق لعله كان له عذر في ذلك، وللخصم أن يقول: لعله كان بعد الزوال وحينئذٍ يكره الإفطار، أو يقول: إن الإفطار جائز، فلا ينافيه عدم الإفطار.
وقوله: (فصلى غير المكتوبة) يدل على أن المراد بقوله: (فليصل) في الحديث الآتي حقيقة الصلاة، وقيل: المراد الدعاء لصاحب البيت.
٢٠٧٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (فليقل: إني صائم) أي: لا يفطر، وفي قوله باللسان كلام سبق في الفصل الأول من (كتاب الصوم).
الفصل الثاني
٢٠٧٩ - [٤] (أم هانئ) قوله: (لما كان يوم الفتح فتح مكة) اتفقت الروايات
стр. 2358
جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عَلَى يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١)، وَأَمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَنَاوَلَتْهُ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ ناوَلَهُ أُمَّ هَانِئٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! . . . . .
ــ
على أن فتح مكة كان في رمضان، إما في الثالث عشر منه أو عشرين، وعليه الأكثر، وعلى هذا يشكل كون صوم أم هانئ تطوعًا أو قضاء، وقد تكلموا في حديث أم هانئ، ويحتمل أن يكون هذا أحد وجوه الكلام فيه إلا أن يقال: ليس المراد بيوم الفتح أول أيامه، بل الزمان الممتد الذي أقام فيه رسول اللَّه ﷺ بمكة، ويمكن أن يسمى بيوم الفتح وليس فيه كثير بعد، وقد روي حديث أم هانئ بطريق ليس فيها ذكر يوم الفتح كما في (جامع الترمذي) (٢).
وقوله: (وأم هانئ) من وضع المظهر موضع المضمر.
وقوله: (فجاءت الوليدة) أي: الجارية (فناولته) أي: أعطت الجارية النبي، والمفعول الثاني محذوف، أي: ذلك الإناء، (ثم ناوله أم هانئ) أي: ناول النبي ﷺ
стр. 2359
لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ لَهَا: "أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا؟ " قَالَتْ: لَا. قَالَ: "فَلَا يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ، وَفِيهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً فَقَالَ: "الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ". [د: ٢٤٥٦، ت: ٤٣١، دي: ٢/ ١٦، حم: ٦/ ٤٢٤].
ــ
الإناء أم هانئ، وأم هانئ المفعول الأول، أُخّر لاتصال الأول بالفعل.
وقوله: (لقد أفطرت وكنت صائمة) وفي رواية (١): (أني أذنبت فاستغفر لي).
وقوله: (أكنت تقضين شيئًا؟ ) أي: كان عليك قضاء صوم من رمضان أو من نذر حتى تحرجت من إفطاره.
وقوله: (رواه أبو داود والترمذي) وقال الترمذي: في إسناده مقال، وكذا قال المنذري، قال: ولا يثبت، وفي إسناده اختلاف كثير أشار إليه النسائي.
وقوله: (أمير نفسه) وفي رواية: (أمين نفسه، أو أمير نفسه) على الشك.
وقوله: (إن شاء صام وإن شاء أفطر) تأويله أن له أن يفطر نظرًا إلى ما يبدو له من الأمور التي ائتمن عليها كالذي يضيف قومًا أو ينزل بقوم وهم يحبون أن يفطر، ويرى في ترك الإفطار استيحاشًا من جانب صاحبه، فله أن يساعده على ما يؤنسه من غير حرج وتبعة، وهو أمين نفسه راعيًا شرائط الأمانة فيما يتوخاه، وهذا معنى قوله: (لا يضرك)، وليس في أحد القولين دليل على أن القضاء غير واجب عليه بعد الالتزام، لا سيما وقد ورد في الحديث الأمر بقضائه، وهو حديث عائشة الذي بعد هذا الحديث، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢).
стр. 2360
٢٠٨٠ - [٥] وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلَنَا مِنْهُ قَالَ: "اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ رَوَوْا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا، وَلَمْ يَذْكرُوا فِيهِ عَن عُرْوَةَ، وَهَذَا أَصَحُّ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ زُمَيْلٍ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. [ت: ٧٣٥، د: ٢٤٥٧].
ــ
٢٠٨٠ - [٥] (الزهري) قوله: (فعرض) بلفظ المجهول، وفي بعض النسخ بلفظ المعلوم بمعنى ظهر وحضر.
وقوله: (اقضيا يومًا آخر) وهذا دليل الحنفية على وجوب قضاء صوم التطوع، وقال الشافعية: كان الأمر بالقضاء على طريق الاستحباب، ولعله كان صوم نذر أو قضاء، والمذهب عندهم أنه لا يجب قضاؤه لقوله ﷺ : (المتطوع أمير نفسه)، وأيضًا: (المتطوع متبرع)، ولا يلزم التبرع، وقضاء الشيء يكون حكمه حكم الأصل، وكذا عند أحمد، وفي رواية منه: إن نوى في الليل وأفطر بلا عذر وجب القضاء، وكذا عند مالك، وعندنا يجب القضاء، ويلزم النفل بالشروع كما يلزم بالنذر، وتحقيقه في أصول الفقه.
وقوله: (مرسلًا) أراد به المنقطع كما هو اصطلاح البعض.
وقوله: (ورواه أبو داود) من حديث يزيد بن الهاد (عن زميل) بالزاي على صيغة التصغير، وقيل: لا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد من زميل، انتهى.
وقال الخطابي (١): إسناده ضعيف، وزميل مجهول.
٨ - باب ليلة القدر
ــ
٨ - باب ليلة القدر
سميت بها لأنه تقدر فيها الأرزاق وتقضى، وتكتب الآجال والأحكام التي تقدر في السنة، والقدر بهذا المعنى يجوز فيه تسكين الدال، والمشهور التحريك، وقيل: سميت بها لعظم قدرها وشرفها، والإضافة على هذا من قبيل: حاتم الجود وزيد الخير، وقيل: لأن من أتى الطاعات فيها صار ذا قدر، أو أن الطاعات لها قدر زائد فيها، واعلم أنه قد كثر فيها الاختلاف، واختلفت الأقوال، وقد ذكر الشيخ في (فتح الباري) (١) أكثر من أربعين قولًا مثل ما ذكر في ساعة الجمعة، ونسب كل قول إلى قائله وذكر ما استند به قائله من الأحاديث والآثار على ما هو عادته ﵀ في البحث والتحقيق في أمثال هذا المقام، وأكثر الأحاديث في أنها في رمضان خصوصًا في أوتار العشر الأخير لاسيما في السابع والعشرين، وفي قول هي دائرة في تمام السنة وتنتقل وتتحول، وجعل الشيخ هذا القول مشهورًا من الحنفية، وذكر أن قاضيخان وأبا بكر الرازي من علماء الحنفية حكيا ذلك، وقالوا: إنه روي عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وغيرهم، انتهى.
قال الشيخ ابن الهمام (٢): إنه روي عن أبي حنيفة أن ليلة القدر في رمضان، ولكن لا يدرى أنها أية ليلة منه، فتارة تتقدم، وأخرى تتأخر، وكذا عن صاحبيه، لكنها متعينة عندهما لا يتقدم ولا يتأخر، وفي (فتاوى قاضيخان) (٣): أن الرواية المشهورة
стр. 2363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن أبي حنيفة أنها تتحول في السنة، وتكون في رمضان وفي غيره، وأجاب أبو حنيفة عن الأدلة التي دلت على أنها في العشر الأخير من رمضان بأن المراد الرمضان الذي طلبها فيه رسول اللَّه ﷺ ، وسياق الحديث يدل عند من تأمل طرق الأحاديث وألفاظها على هذا المعنى، انتهى. وهذا القول أقرب إلى تطبيق الأقوال وجمعها، واللَّه أعلم.
قالوا: والحكمة في إخفائها ليجِدّوا ويجتهدوا في الطاعة، وقيل: من اجتهد في قيام السنة أدركها إن شاء اللَّه تعالى، وفي مثل هذا المعنى قيل: من لم يعرف قدر الليلة لم يعرف ليلة القدر، وقد ذكر بعض العلماء لها علامات وأمارات استنبطوها من بعض الأحاديث والآثار، وأدرك بَعْضَها أهلُ الكشف من ذوي الأبصار، وقال الإمام الغزالي: ليلة القدر في حق كل أحد ما كوشف فيها له من عالم الملكوت، وقد نقل الطبري عن قوم أن الأشجار في تلك الليلة تسجد وتقع على الأرض ثم ترجع إلى منابتها، ويسجد فيها كل شيء.
وروى البيهقي في (فضائل الأوقات) (١) من طريق الأوزاعي عن عبيدة بن أبي لبابة: أن المياه المالحة تعذب تلك الليلة، وروى ابن عبد البر (٢) من طريق زهرة بن معبد نحوه، وتسطع الأنوار حتى في الأماكن المظلمة، ويسمع السلام والخطاب من الملائكة، والتحقيق أنه لا يشترط في إدراكها مشاهدة أمثال هذه الأمور، فقد يكون من يدركها ولا يشاهد منها، ويمكن أن يكون اثنان في مكان واحد ويدركانها فيكشف لواحد ولا يكشف لآخر، وأحسن ما يحصل فيها توفيق الذكر والعبادة والمناجات
стр. 2364
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٠٨٣ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠١٧].
٢٠٨٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبع الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
والخضوع والخشوع والذوق والحضور والإخلاص، وهذه الأشياء كرامات بلا شبهة، ومشاهدة الخوارق محل خطر، ومن مظان الاشتباه، وقد ورد في الأحاديث الترغيب في إحياء تلك الليلة، والمختار أن المعتبر إحياء أكثرها، ولو أحيا تمام الليلة ولم ينجرّ إلى مرض وملال واختلال في الفرائض والسنن المؤكدة فهو أفضل وأكمل، وإلا فأي مقدار قام حصل المرام، وليس للإنسان إلا ما سعى، وكان سعيه مشكورًا، رزقنا اللَّه السعي والجد في طلب مرضاته، ولم يحرمنا من فضله وبركاته، آمين.
الفصل الأول
٢٠٨٣ - [١] (عائشة) قوله: (تحروا) أمر من تتحرى تفعل من الحر، أو معنى تحراه تعمد وطلب ما هو أحرى وأولى، أي: اطلبوا ليلة القدر في الأوتار من ليالي العشر الأواخر من رمضان، وهي خمس ليال.
٢٠٨٤ - [٢] (ابن عمر) قوله: (في السبع الأواخر (١)) الظاهر أن المراد السبع
стр. 2365
"أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبع الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠١٥، م: ١١٦٥].
ــ
الأواخر التي تلي [آخر] الشهر؛ لأن معنى التأخر فيه أظهر، واللَّه أعلم.
وقوله: (قد تواطأت) بالهمزة، وفي بعض النسخ: تواطت بدونها، والأول أصوب، قال التُّورِبِشْتِي (١): المواطأة الموافقة، وأصله أن يطأ الرجل برجله موطأ صاحبه، وقد رواه بعضهم بالهمزة وهو الأصل، وجاء في عامة نسخ الجامعين للصحيحين وغيرهما بغير همز، ولعل بعضهم لم يكتب للهمزة ألفًا، فترك بعضهم همزها، فأقرت على ذلك، انتهى. ومثل هذا قال في (المشارق) (٢) حيث قال: جاء في عامة نسخ البخاري والموطأ ومسلم: تواطت، وعند ابن الحذاء: تواطأت مهموزًا،
стр. 2366
٢٠٨٥ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ: فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٢١].
ــ
وكذا للقابسي مرة بالهمزة، وكذا قيدناه في (الموطأ) عن شيخنا أبي إسحاق، ولعلهم لم يكتبوا للهمزة ألفًا فترك بعضهم ذكرها جهلًا، وفي الحديث دليل على أن الرؤيا لها اعتبار في الأمور الموجودية، وذلك حق إذا لم يكن مخالفًا للأحكام الشرعية.
٢٠٨٥ - [٣] (ابن عباس) قوله: (التمسوها) الضمير مبهم يفسره قوله: (ليلة القدر)، ويمكن أن يكون راجعًا إلى ليلة القدر المذكورة في مقام السؤال، وقوله: (ليلة القدر) بدلًا منه، ويجوز الإبدال في الضمير الغائب.
وقوله: (في تاسعة تبقى (١). . . إلخ) الذي يظهر في توجيهه أن يكون المراد التاسعة والعشرين والسابعة والعشرين والخامسة والعشرين كما ذكر في الرواية الأخرى، من حديث عبادة بن الصامت في الفصل الثالث، فيكون الترديد بين الأوتار الثلاثة من أوتار العشر الأخير، أو يكون المراد من التاسعة والسابعة والخامسة التسعة والسبعة والخمسة كما في حديث أبي بكرة في الفصل الثاني، فيكون الترديد بين الأوتار التي وقعت في تسعة أيام باقية من العشر الأخير وهي أربع ليال، والأوتار التي وقعت في سبعة أيام وهي ثلاث ليال، والأوتار التي في خمسة أيام، وهي ليلتان، واللَّه أعلم.
وقد يقال: (تاسعة تبقى) الليلة الثانية والعشرون؛ فإنها تاسعة، والرابعة والعشرون سابعة منها، والسادسة والعشرون خامسة منها، وهذا له وجه إن كان ذهب أحد إلى أن هذه الليالي ليلة القدر، نعم قد نقل في (فتح الباري) (٢) قول شاذ في أربعة وعشرين،
стр. 2367
٢٠٨٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فِي قُبّهٍ تُرْكيَّةٍ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: "إِنِّي اعْتكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِه اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِر، فَمَنْ كَانَ اعْتكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ". قَالَ: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ،
ــ
واللَّه أعلم.
٢٠٨٦ - [٤] (أبي سعيد الخدري) قوله: (في قبة تركية) نوع من القباب من لبود، ويسمى بالفارسية خِركَاه، كذا في بعض شروح (المصابيح).
وقوله: (أطلع) بفتح الهمزة وسكون الطاء، أي: أخرجه من القبة.
وقوله: (اعتكف) حكاية عن الحال الماضية كأنه يعتكف الآن طلبًا لها، وإلا كان الظاهر (اعتكفت).
وقوله: (ثم أتيت) بلفظ المجهول، أي: أتاني آت من الملائكة.
وقوله: (في العشر الأواخر) وصف بالجمع لما أن أوتارها مظنة الليلة كما جاء في الروايات بخلاف العشر الأول والأوسط فلم يصفهما بالجمع (١).
وقوله: (فقد أريت هذه الليلة) أي: معينة.
стр. 2368
وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمِ إِلَى قَوْلِهِ: "فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ". وَالْبَاقِي للْبُخَارِيِّ. [خ: ٢٠١٦، م: ١١٦٧].
٢٠٨٧ - [٥] وَفِى رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: "لَيْلَةُ (١) ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٨].
٢٠٨٨ - [٦] وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كعْبٍ. . . . .
ــ
و(العريش) بيت يسقف من أغصان الشجر كما يجعل للكروم، والعريش كل ما يستظل به، وكان سقف مسجده فى زمانه من أغصان النخل.
وقوله: (فوكف المسجد) أي: قطر ماء المطر من سقفه، وكف البيت يكف وكْفًا وكيفًا: قطر.
٢٠٨٧ - [٥] (عبد اللَّه بن أنيس) قوله: (من حديث) (٢) وفي بعض النسخ: (في رواية عبد اللَّه بن أنيس) بضم الهمزة بلفظ التصغير.
٢٠٨٨ - [٦] (زرّ بن حبيش) قوله: (وعن زرّ) بكسر الزاي وتشديد الراء (ابن حبيش) بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتانية في آخره شين معجمة.
وقوله: (سألتُ أبي بن كعب) وكان كثير الصحبة لأبي، وقال في
стр. 2369
فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُم الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ: ﵀، أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ -أَوْ بِالآيَةِ- الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٢].
ــ
(الكاشف) (١): قال أبي بن كعب: يا زرّ ما تريد أن تدع آية إلا سألتني عنها.
وقوله: (ثم حلف لا يستثني) عطف على قال، أي: حلف أبي جازمًا من غير أن يقول: إن شاء اللَّه، ويتردد فيه، والضمير في (أنها تطلع) للشمس، وشعاعُ الشمس وشُعُّها، بضمهما: الذي تراه كأنه الحِبال مقبلةً عليك إذا نظرت إليها، أو الذي ينتشر من ضَوئها، أو الذي تراه ممتدًّا كالرِّماح بُعَيْدَ الطُّلوعِ وما أشْبهه، كذا في (القاموس) (٢).
وجاء في رواية من حديث أحمد (٣): (مثل الطست) فظهر أن أُبيًّا إنما قال بأمارة لا بالنص، وروي (٤) أنه دعا عمرُ أصحابَ رسول اللَّه ﷺ وسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر، فقال ابن عباس لعمر: إني لأعلم -أو أظن- أيّ ليلة، هي سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر، فقال: من أين علمت ذلك؟ قال: خلق اللَّه سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، والدهر يدور في سبع، والإنسان خلق من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، وذكر الطواف والجمار وأشياء ذكرها،
стр. 2370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال: لقد فطنت لأمر ما فطنا له، انتهى.
وقال بعض الفضلاء: إن اللَّه تعالى ذكر ليلة القدر في سورة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، ومجموعها سبعة وعشرين، وفيه إشارة إلى أنها الليلة السابعة والعشرون، وهذه وأمثالها كلها أمارات ظنية لا دلائل قطعية، ولا قطع بتعينها لأحد، وإن كان رسول اللَّه ﷺ عالمًا بها قطعًا فلم يؤذن بتعينها للصحابة، وإن كان من الصحابة من أعلم بها فهو أيضًا ممنوع عنه، وفي ذلك سر وحكمة، واللَّه أعلم.
وقد روي (١) عن أبي ذر ﵁: أنه سأل رسول اللَّه ﷺ وأقسم عليه ليخبره بها حتى أغضبه فقال: (لو أذن اللَّه لي أن أخبركم بها لأخبرتكم)، فإن قلت: فكيف حلف أبيّ من غير استثناء وهو يدل على الجزم والتوقيف؟ قلنا: هو مبالغة منه، ولعله حلف على غلبة ظنه، ويجوز الحلف على غلبة الظن، وعدم الاستثناء من باب المبالغة، واللَّه أعلم.
قالوا: قد اختلفت الروايات في تعيين هذه الليلة اختلافًا لا يرتفع معه الخفاء، إذ لم يثبت فيما يعول عليه من النقل من أحد من الصحابة، فإنه ما قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يحدث بميقاتها مجزومًا به، وإنما ذهب كل واحد إلى ما ذهب مما تبين له من معاريض الكلام الذي سمعه من رسول اللَّه ﷺ ، والفهم يبلغ تارة ويقصر أخرى، والمجتهد يخطئ ويصيب، هذا ما ذكره الشارحون، وأقول: الظاهر أن رسول اللَّه ﷺ كان عالمًا به، وأيُّ سرٍّ هذا يكتم له وقد كوشف له من الأسرار ما لا يعلمه إلا اللَّه؟
стр. 2371
٢٠٨٩ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٧٥].
٢٠٩٠ - [٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٢٤، م: ١١٧٤].
ــ
ولا يبعد أن كان هو ﷺ قد خصه به بعض المقربين من أصحابه كما خص حذيفة بن اليمان بإعلام المنافقين، ولا يستنكر ذلك، وإنما يستنكر في الحدود والأحكام التي يتعبد بها المكلفون، فإن قلت: كيف يصح ذلك وقد قال ﷺ : (أريت هذه الليلة ثم أنسيتها؟ ) قلنا: يحتمل أنه أنسيها في عامه ذلك ثم كوشف بها بعد، فأخبر بها، كذا ذكر التُّورِبِشْتِي (١) ﵀ رحمة واسعة.
٢٠٨٩ - [٧] (عائشة) قوله: (ما لا يجتهد في غيره) وذلك أمارة أن فيها ليلة القدر ولا يجزم، لعله كان لتمام شهر رمضان وانقضائه، واللَّه أعلم.
٢٠٩٠ - [٨] (عنها) قوله: (شدّ مئزره) أي: إزاره، وهو كناية عن الاجتهاد في العبادة أو عن الاعتزال عن النساء ومباشرتهن، ولا معنى لإرادة حقيقة شد المئزر، ولا فائدة في بيانها، والذي تقرر في علم البيان من جواز إرادة المعنى الحقيقي في الكناية إنما هو بمعنى عدم المانع من إرادته؛ لعدم نصب القرينة المانعة من إرادته كما في المجاز، لا بإرادتهما معًا إلا بطريق التوسل والعبور عنه إلى المعنى المقصود الذي كني عنه، فتدبر.
وقوله: (وأحيا ليله) الظاهر أن (ليله) مفعول به، ويحتمل أن يكون ظرفًا، والمفعول به محذوف، أي: أحيا نفسه في ليله، والاحتمالان جاريان في قولنا: إحياء
стр. 2372
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٠٩١ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: "قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعفُ عَنِّي". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [حم: ٦/ ١٧١، جه: ٣٨٥٠، ت: ٣٥١٣].
ــ
الليل، بأن تكون الإضافة معنوية بمعنى (في)، أو لفظية إلى المفعول به، وجهها أن النائم في حكم الميت، وأن الزمان حياته أن يعبد فيه، كذا قالوا (١).
الفصل الثاني
٢٠٩١ - [٩] (عائشة) قوله: (أيّ ليلة) الظاهر (أية ليلة) بالتأنيث، وإنما ذكره بتأويل الزمان، وقد وقع مثل ذلك في قوله ﷺ : (أيّ آية من كتاب اللَّه معك أعظم) باعتبار الكلام أو اللفظ، كذا قيل، ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن التأنيث لفظي.
стр. 2373
٢٠٩٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْتَمِسُوهَا -يَعْنَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ- فِي تِسْعٍ يَبْقَيْنَ، أَو فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ، أَو فِي خَمْسٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٩٤].
٢٠٩٣ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ: "هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: رَوَاهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ. [د: ١٣٨٧].
ــ
٢٠٩٢ - [١٠] (أبي بكرة) قوله: (في تسع يبقين أو في سبع يبقين أو في خمس يبقين) قيل: (في تسع يبقين) محمول على الثانية والعشرين، و (في سبع يبقين) محمول على الرابعة والعشرين، و (في خمس) على السادسة والعشرين، و (أو ثلاث) على الثامن والعشرين.
وقوله: (أو آخر ليلة) محمول على التاسع والعشرين، وقيل: على السلخ، أقول: هذا إذا كان الشهر ثلاثين يومًا، وأما إذا كان تسعًا وعشرين فالأولى على الحادية والعشرين، والثانية على الثالثة والعشرين، والثالثة على الخامسة والعشرين، والرابعة على السابعة والعشرين، وهذا أولى لكثرة الأحاديث الواردة في الأوتار، بل نقول: لا دليل على كونها أولى هذه الأعداد، فالظاهر أن المراد من كونها (في تسع يبقين. . . إلخ) ترديدها في الليالي الخمس أو الأربع أو الثلاث أو الاثنين أو الواحدة، وآخر ليلة يحتمل التاسعة والعشرين والسلخ، فافهم.
٢٠٩٣ - [١١] (ابن عمر) قوله: (في كل رمضان) أي: ليست مخصوصة بالعشر الآخر، فهذا متمسك ما روي عن أبي حنيفة أن ليلة القدر في رمضان، ولكن لا يدرى أنها أية ليلة منه على ما ذكر الشيخ ابن الهمام كما مر، أو ليست مخصوصة برمضان
стр. 2374
٢٠٩٤ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي بَادِيَةً أُكَونُ فِيهَا، وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: "انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ". قِيلَ لِابْنِهِ: كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٨٠].
ــ
سنة دون سنة بل في رمضانات جميع السنين، فلا ترفع كما قيل: ولا في غير رمضان، وهذا أيضًا قول من الأقوال.
٢٠٩٤ - [١٢] (عبد اللَّه بن أنيس) قوله: (إن لي بادية (١)) إما دار إقامة له فيها فيكون من الأعراب، أو خيمة أو بيتًا هناك كما هو دأب العرب.
وقوله: (فمرني بليلة) أي: من رمضان.
وقوله: (أنزلها) بلفظ المتكلم من النزول مرفوع أو مجزوم، أي: أنزل فيها كما في: دخلت الدار، وفي ترك (في) إشارة إلى قيام الليل كله.
وقوله: (إلى هذا المسجد) أي: قاصدًا إليه أو منتهيًا إليه، والمراد المسجد النبوي، ولفظ (هذا) لتعظيمه وقربه إلى القلوب وانجذابها إليه.
وقوله: (فلا يخرج منه لحاجة) أي: لحاجة منافية للاعتكاف، وفي رواية: إلا في حاجة، أي: ضرورية يضطر إليه.
стр. 2375
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٠٩٥ - [١٣] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: "خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٣٣].
٢٠٩٦ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيْلُ ﵇ فِي كُبْكُبَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدِهِمْ -يَعْنِي يَوْمَ فِطْرِهِمْ- بَاهَى بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ. . . . .
ــ
الفصل الثالث
٢٠٩٥ - [١٣] (عبادة بن الصامت) قوله: (فتلاحى رجلان (١)) في (القاموس) (٢): لَحَاه: شَتَمَه، ولَاحَاه مُلاحاةً ولِحاءً: نازعَه، فيكون تلاحى بمعنى تنازع وتخاصم.
وقوله: (فرفعت) أي: رفع عن خاطري تعيينها، ولذلك قال: فالتمسوها في الليالي المذكورة، لعلها يصادف أحد بها، ويعلم من هذا أنها كانت مترددة بين هذه الليالي، أو قال ذلك لغلبة الظن، واللَّه أعلم.
٢٠٩٦ - [١٤] (أنس) قوله: (كبكبة) الكبة والكبكب والكبكبة بالفتح والضم:
стр. 2376
فَقَالَ: يَا مَلَائِكَتِي! مَا جَزَاءُ أَجِيرٍ وَفَّى عَمَلَهُ؟ قَالُوا: رَبَّنَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى أَجْرَهُ. قَالَ: مَلَائِكَتِي! عَبِيدِي وَإِمَائِي قَضَوْا فَرِيْضَتِي عَلَيْهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا يَعُجُّونَ إِلَى الدُّعَاءِ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وكَرَمِي وَعُلُوِّي وَارْتفَاعِ مَكَانِي لأُجِيبَنَّهُمْ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ. قَالَ: فَيَرْجِعُونَ مَغْفُورًا لَهُمْ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٣٧١٧].
* * *
٩ - باب الاعتكاف
ــ
جماعة، والمباهاة (١): المفاخرة.
وقوله: (يعجون) عج يعج من ضرب وعلم صاح ورفع صوته، (لأجيبنهم) أي: لأقبلن دعاءهم.
٩ - باب الاعتكاف
الاعتكاف في اللغة: الحبس، والمكث، واللزوم، والإقبال على شيء، وفي الشرع عبارة عن المكث في المسجد ولزومه على وجه مخصوص، وهو في الظاهر من مذهب الحنفية سنة مؤكدة لمواظبة رسول اللَّه ﷺ حتى توفاه اللَّه تعالى، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة، قال الزهري (٢): عجبًا من الناس كيف تركوا الاعتكاف ورسول اللَّه ﷺ كان يعمل من النوافل تارة ويتركها أخرى، ولم يترك الاعتكاف أبدًا، ولم يجب؛ لأنه كان من دأبه ﷺ في الواجب مع وجود المواظبة أن يأمر به وينكر على
стр. 2377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تركه، ولم يفعل في الإنكار كذلك، بل قال: (من أحب منكم أن يعتكف فليفعل) كما جاء في الصحيحين، انتهى.
والحق أنه ثبت ترك الاعتكاف منه ﷺ في بعض الرمضانات، وقيل: يستحب استحبابًا متأكدًا، والصواب أنه على ثلاثة أقسام: واجب، وهو الاعتكاف المنذور، وسنة، وهو في العشر الأخير، وما سواهما مستحب، واتفق العلماء (١) على اشتراط المسجد في الاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي؛ فإنه جوزه في كل مكان، وجوز الحنفية للنساء في مسجد البيت، والمراد بمسجد البيت مكان تقرر فيه للصلاة، وليس له حكم المسجد إلا في هذا الحكم، وهو قول قديم للشافعي، ونقل عن بعض أصحابنا أن اعتكاف المرأة في المسجد مع زوجه جائز، وبه قال الإمام أحمد، وإذنه ﷺ للأزواج المطهرة دليل على ذلك، والمنع كان لمصلحة أخرى كما سيأتي. ثم خص أبو حنيفة وأحمد بمسجد تقام فيه الصلوات الخمس لئلا يكون الاعتكاف سببًا لترك الجماعة، ولا يكون باعثًا على الخروج في خمس أوقات مع إمكان الاحتراز عنه، وفي شرح ابن الهمام (٢): أنه قال بعضهم: إن المراد غير مسجد الجامع؛ فإنه يجوز فيه، وإن لم تقم فيه الصلوات الخمس، وفي رواية عن أبي يوسف: أن الاعتكاف الواجب لا يجوز في غير مسجد الجماعة، ويجوز النفل، ومالك ﵀ شرط مسجد الجامع، وهو قول للشافعي، وقال في (الحاوي) (٣): الجامع أولى، وعند جمهور الشافعية جاز في كل مسجد.
стр. 2378
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٠٩٧ - [١] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٢٦، م: ١١٧٢].
٢٠٩٨ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ،
ــ
ثم اعلم أنه ليس لأكثر مدة الاعتكاف حد، فإن نوى الاعتكاف مدة عمره جاز، وإنما الاختلاف في أقل مدته، فعند البعض أقله ساعة، ولهذا قالوا: ينبغي للمرء إذا دخل المسجد أن ينوي الاعتكاف ليحرز ثوابه، وعند هذا القائل القعود أيضًا ليس بشرط، والصحيح أن العبور غير معتبر، وعند البعض أقله يوم، وهو المختار في مذهب الحنفية، وقيل: هذا الاختلاف فرع الاختلاف في اشتراط الصوم، والتحقيق أن مع وجود اشتراط الصوم يحتمل الاعتكاف أن يكون في أقل من يوم، فإن الصائم إن مكث ساعة أو ساعتين حصل الاعتكاف، وثمرة اشتراط الصوم أنه إذا نوى اعتكاف الليلة لم يجز عند من يشرط الصوم؛ فإنه ليس محلًا للصوم، وسيأتي الكلام فيه في ضمن شرح الأحاديث.
الفصل الأول
٢٠٩٧ - [١] (عائشة) قوله: (حتى توفاه اللَّه) هذا دليل لمن قال: إنه سنة مؤكدة كما قلنا.
٢٠٩٨ - [٢] (ابن عباس) قوله: (كان رسول اللَّه ﷺ أجود الناس) الحديث، كان هو ﷺ المظهر الأتم الأكمل لجود اللَّه سبحانه وكرمه، فكان أجود الناس وأكرمهم
стр. 2379
وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، كَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٢، م: ٢٣٠٨].
٢٠٩٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً،
ــ
دائمًا، ولما كان هذا الشهر العظيم موسم الخيرات ومنبع البركات، وكان نعم اللَّه سبحانه وفيوضه فيه أجلّ وأعظم، كان يفعل العبادات والقربات فيه أكثر وأوفر شكرًا لنعم اللَّه، وأيضًا لما كان جوده سبحانه على عباده فيه متضاعفًا كان جوده ﷺ على أمته أيضًا متكاثرًا؛ لأنه تعالى جعله مظهرًا لأنوار صفاته، ومحلًا لآثار كمالاته، فجبله على مجابه، وجعلها عادة له، فافهم.
وقوله: (وكان أجود ما يكون في رمضان) (ما) مصدرية، والوقت مقدر، أي: كان أجود أوقات كونه حال كونه في رمضان، وفي الحديث إشارة إلى أن الإنسان ينبغي أن يكون في موسم الخيرات وأفاضل الأوقات، وفي حضرة الصلحاء وصحبتهم أشد في اكتساب الخيرات والميراث.
وقوله: (من الريح المرسلة) (١) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] فإن الرياح تبعث السحاب، وتنزل الأمطار، وبها تنشأ الأرزاق والبركات والروح والريحان.
٢٠٩٩ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (كان يعرض) بلفظ المجهول، أي: يعرض جبرئيل
стр. 2380
فَعُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عَشْرَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٩٩٨].
٢١٠٠ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى إِلَيَّ رَأَسَهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ،
ــ
على النبي ﷺ القرآن، ولا منافاة بين عرض النبي ﷺ القرآن على جبرئيل وبين عرض جبرئيل عليه؛ لأنه كان يعرض جبرئيل ثم يعرض هو على جبرئيل كما في السماع عن الشيخ ثم القراءة عليه، وفيه أحكام القراءة وإتقانها، وقد ورد أنهما كانا يقرأان بطريق المدارسة، فيصح العرض من الجانبين (١)، فلا حاجة إلى القول بالقلب كما قال الطيبي (٢).
وقوله: (فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض) ومنه علم النبي ﷺ أنه عام وفاته، فأخبر به بنته فاطمة الزهراء فبكت، ثم أخبر بأنها أول من يلحق به فضحكت، كما جاء في الحديث.
وقوله: (عشرين) بفتح العين والراء تثنية (عشر)، أو بكسرهما: العقد الذي بعد العشر.
٢١٠٠ - [٤] (عائشة) قوله: (أدنى إليّ رأسه) فيه أنه لا بأس بإخراج المعتكف رأسه من المسجد، وقد سبق في (باب الحيض) أنها ﵂ كانت حائضة فيقول ﷺ لها: (إن حيضتك ليست في يدك).
стр. 2381
وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٢٩، م: ٢٩٧].
٢١٠١ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٣٢، م: ١٦٥٦].
ــ
وقوله: (إلا لحاجة الإنسان) من بول أو غائط وكذا غسل الجنابة لوجوب خروجه من المسجد إذ ذاك، وكذا لصلاة الجمعة، وأما غسل الجمعة فلا ندري أنه من الحاجة أم لا، ولا نجد فيه رواية صريحة سوى ما ذكر في (شرح الأوراد): أنه يخرج للغسل فرضًا كان أو نفلًا.
٢١٠١ - [٥] (ابن عمر) قوله: (فأوف بنذرك) استدل به الشافعي وأحمد في رواية، وعلى قولهما أن الصوم ليس بشرط في الاعتكاف إلا بالتزامه بالنذر؛ لأنه لو كان الصوم شرطًا لما أمر بوفاء هذا النذر، والجواب عن هذا الاستدلال أنه قد جاء في رواية صحيحة (١) أنه قال عمر: أن أعتكف يومًا، والجمع بين الروايتين: المراد الليلة مع يومها أو يوم مع ليلة، واستدل أيضًا بحديث رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي (٢) عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ليس على المعتكف صيام إلا أن يلتزم على نفسه)، وقال بعض الحفاظ: إن في إسناد هذا الحديث عبد اللَّه بن محمد الرملي وهو مجهول، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس ومذهبه، ومع ذلك لا يخلو عن معارض؛ لأن البيهقي (٣) روى عن ابن عمر وابن عباس ﵃: (أن المعتكف يصوم)،
стр. 2382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذا روى عبد الرزاق (١) عن ابن عباس أنه قال: من اعتكف لزم عليه الصوم، وقد قيل: معنى قول ابن عباس أنه قال في الحديث السابق: (إلا أن يلتزمه) أي: يلزم الاعتكاف دون أن يلتزم الصوم. فمذهبه وجوب الصوم في الاعتكاف المنذور دون النفل، فخص به أيضًا حديث عبد الرزاق.
وعند أبي حنيفة ومالك الصوم شرط في الاعتكاف مطلقًا: واجبًا كان أو نفلًا، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، ومتمسكه حديث عائشة الآتي في الفصل الثاني من قوله: (ولا اعتكاف إلا بصوم) ولمواظبته ﷺ على ذلك، وفي رواية الأصل وقيل: هو قول محمد: أقل الاعتكاف ساعة فيكون بلا صوم، وجعل بعض الفقهاء عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، ولا يثبت له متمسك صحيح إلا ما روي من اعتكافه ﷺ في العشر الأول من شوال؛ فإن الظاهر منه الابتداء من أول شوال، وهو يوم الفطر، كذا قال الشيخ ابن الهمام (٢)، وأورد في (المواهب اللدنية) (٣) هذا الحديث دليلًا على قول الشافعي بعدم اشتراط الصوم إلا بالالتزام والنذر، ولكن قد جاء في بعض الروايات العشر الأخير أو العشر المطلق من شوال، واللَّه أعلم بحقيقة الحال (٤).
стр. 2383
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢١٠٢ - [٦] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِيْنَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٨٠٣].
٢١٠٣ - [٧] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ. [د: ٢٤٦٤، جه: ١٧٧١].
٢١٠٤ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ. . . . .
ــ
الفصل الثاني
٢١٠٢، ٢١٠٣ - [٦، ٧] (أنس) قوله: (اعتكف عشرين) اهتمامًا ودلالة على التأكيد، لا لأن ما فات من النوافل المؤقتة تقضى، واللَّه أعلم.
٢١٠٤ - [٨] (عائشة) قوله: (إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه) ظاهر الحديث أنه ﷺ كان يبدأ بالاعتكاف من أول النهار، وبه قال جماعة
стр. 2384
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٤٦٤، جه: ١٧٧١].
٢١٠٥ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ فَلَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ. . . . .
ــ
من الأئمة، وأما الأئمة الأربعة فقد ذهبوا إلى أنه يدخل قبل الغروب من ليلة الحادي والعشرين؛ لأنه ورد في أكثر الأحاديث (العشر الأواخر) بدون التاء، فكان المراد بها الليالي، والليالي العشر لا يكون إلا في هذه الصورة، وفي صورة الدخول في وقت الصبح لا يكون إلا ثماني أو تسعًا، وأيضًا أول محتملات وجود ليلة القدر في الليلة الحادية والعشرين، والعمدة في الاعتكاف إدراك تلك الليلة الشريفة، فينبغي أن يكون الدخول في ليلة الحادي والعشرين، وتأولوا هذا الحديث بأن المراد بالمعتكف فيه الموضع الذي كان يخلو فيه، فإنه ﷺ كان يتخذ في المسجد حجرة لنفسه يخلو فيه ويستتر من أعين الناس مثل الخيمة أو من الحصير، وقد ورد في الحديث الصحيح: إذا اعتكف اتخذ حجرة من حصير فيدخل المسجد في الليلة، ثم يدخل في وقت الصبح في ذلك الموضع، هكذا قالوا.
وقوله: (رواه أبو داود وابن ماجه) قال الجزري: ورواه البخاري ومسلم وكذا رواه الأربعة في حديث مطول، انتهى (١). وهو حديث ورد في ضرب الأزواج القباب، ورفعها بترك النبي ﷺ الاعتكاف في ذلك الرمضان ورفع تلك القباب.
٢١٠٥ - [٩] (عائشة) قوله: (فلا يعرّج) عرج تعريجًا: مال وأقام، و (يسأل) بيان لقوله: (يعود)، قال الطيبي (٢): من خرج لقضاء حاجة، واتفق له عيادة المريض،
стр. 2385
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٤٧٢، جه: ١٧٧٦].
٢١٠٦ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، وَلَا يَمَسُّ الْمَرْأَةَ، وَلَا يُبَاشِرُهَا، وَلَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٧٣].
ــ
والصلاة على الميت فلم ينحرف عن الطريق ولم يقف فيه وقوفًا أكثر من قدر الصلاة على الميت لم يبطل اعتكافه وإلا بطل، هذا عند الأئمة الأربعة، وقال الحسن والنخعي: يجوز الخروج للمعتكف لصلاة الجمعة وعيادة المريض والصلاة على الميت، انتهى.
٢١٠٦ - [١٠] (عنها) قوله: (ولا يمس المرأة) المراد بالمس الجماع والمباشرة فيما دون الفرج، قيل: يبطل، وقيل: لا يبطل، وقيل: إن أنزل يبطل وإلا فلا، قال في (الهداية) (١): ولو جامع فيما دون الفرج فأنزل، أو قبّل أو لمس فأنزل بطل اعتكافه؛ لأنه في معنى الجماع حتى يفسد به الصوم، ولو لم ينزل لا يفسد، وإن كان محرمًا.
وقوله: (ولا اعتكاف إلا بصوم) وهذا دليل أبي حنيفة في اشتراط الصوم للاعتكاف مطلقًا كما قلنا.
وقوله: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) إن كان (الجامع) بمعنى ما يقام فيه الجمعة فهو مذهب الشافعي في قول، والتحقيق من مذهبه أنه الأولى، ويجوز في مسجد الجماعة كما هو المذهب عندنا، فالمراد بمسجد الجامع هنا مسجد الجماعة، أو هذا بيان الأفضل والأولى، واللَّه أعلم.