وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٢٩، م: ٢٩٧].
٢١٠١ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٣٢، م: ١٦٥٦].
ــ
وقوله: (إلا لحاجة الإنسان) من بول أو غائط وكذا غسل الجنابة لوجوب خروجه من المسجد إذ ذاك، وكذا لصلاة الجمعة، وأما غسل الجمعة فلا ندري أنه من الحاجة أم لا، ولا نجد فيه رواية صريحة سوى ما ذكر في (شرح الأوراد): أنه يخرج للغسل فرضًا كان أو نفلًا.
٢١٠١ - [٥] (ابن عمر) قوله: (فأوف بنذرك) استدل به الشافعي وأحمد في رواية، وعلى قولهما أن الصوم ليس بشرط في الاعتكاف إلا بالتزامه بالنذر؛ لأنه لو كان الصوم شرطًا لما أمر بوفاء هذا النذر، والجواب عن هذا الاستدلال أنه قد جاء في رواية صحيحة (١) أنه قال عمر: أن أعتكف يومًا، والجمع بين الروايتين: المراد الليلة مع يومها أو يوم مع ليلة، واستدل أيضًا بحديث رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي (٢) عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ليس على المعتكف صيام إلا أن يلتزم على نفسه)، وقال بعض الحفاظ: إن في إسناد هذا الحديث عبد اللَّه بن محمد الرملي وهو مجهول، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس ومذهبه، ومع ذلك لا يخلو عن معارض؛ لأن البيهقي (٣) روى عن ابن عمر وابن عباس ﵃: (أن المعتكف يصوم)،
стр. 2382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذا روى عبد الرزاق (١) عن ابن عباس أنه قال: من اعتكف لزم عليه الصوم، وقد قيل: معنى قول ابن عباس أنه قال في الحديث السابق: (إلا أن يلتزمه) أي: يلزم الاعتكاف دون أن يلتزم الصوم. فمذهبه وجوب الصوم في الاعتكاف المنذور دون النفل، فخص به أيضًا حديث عبد الرزاق.
وعند أبي حنيفة ومالك الصوم شرط في الاعتكاف مطلقًا: واجبًا كان أو نفلًا، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، ومتمسكه حديث عائشة الآتي في الفصل الثاني من قوله: (ولا اعتكاف إلا بصوم) ولمواظبته ﷺ على ذلك، وفي رواية الأصل وقيل: هو قول محمد: أقل الاعتكاف ساعة فيكون بلا صوم، وجعل بعض الفقهاء عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، ولا يثبت له متمسك صحيح إلا ما روي من اعتكافه ﷺ في العشر الأول من شوال؛ فإن الظاهر منه الابتداء من أول شوال، وهو يوم الفطر، كذا قال الشيخ ابن الهمام (٢)، وأورد في (المواهب اللدنية) (٣) هذا الحديث دليلًا على قول الشافعي بعدم اشتراط الصوم إلا بالالتزام والنذر، ولكن قد جاء في بعض الروايات العشر الأخير أو العشر المطلق من شوال، واللَّه أعلم بحقيقة الحال (٤).
стр. 2383
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢١٠٢ - [٦] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِيْنَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٨٠٣].
٢١٠٣ - [٧] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ. [د: ٢٤٦٤، جه: ١٧٧١].
٢١٠٤ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ. . . . .
ــ
الفصل الثاني
٢١٠٢، ٢١٠٣ - [٦، ٧] (أنس) قوله: (اعتكف عشرين) اهتمامًا ودلالة على التأكيد، لا لأن ما فات من النوافل المؤقتة تقضى، واللَّه أعلم.
٢١٠٤ - [٨] (عائشة) قوله: (إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه) ظاهر الحديث أنه ﷺ كان يبدأ بالاعتكاف من أول النهار، وبه قال جماعة
стр. 2384
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٤٦٤، جه: ١٧٧١].
٢١٠٥ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ فَلَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ. . . . .
ــ
من الأئمة، وأما الأئمة الأربعة فقد ذهبوا إلى أنه يدخل قبل الغروب من ليلة الحادي والعشرين؛ لأنه ورد في أكثر الأحاديث (العشر الأواخر) بدون التاء، فكان المراد بها الليالي، والليالي العشر لا يكون إلا في هذه الصورة، وفي صورة الدخول في وقت الصبح لا يكون إلا ثماني أو تسعًا، وأيضًا أول محتملات وجود ليلة القدر في الليلة الحادية والعشرين، والعمدة في الاعتكاف إدراك تلك الليلة الشريفة، فينبغي أن يكون الدخول في ليلة الحادي والعشرين، وتأولوا هذا الحديث بأن المراد بالمعتكف فيه الموضع الذي كان يخلو فيه، فإنه ﷺ كان يتخذ في المسجد حجرة لنفسه يخلو فيه ويستتر من أعين الناس مثل الخيمة أو من الحصير، وقد ورد في الحديث الصحيح: إذا اعتكف اتخذ حجرة من حصير فيدخل المسجد في الليلة، ثم يدخل في وقت الصبح في ذلك الموضع، هكذا قالوا.
وقوله: (رواه أبو داود وابن ماجه) قال الجزري: ورواه البخاري ومسلم وكذا رواه الأربعة في حديث مطول، انتهى (١). وهو حديث ورد في ضرب الأزواج القباب، ورفعها بترك النبي ﷺ الاعتكاف في ذلك الرمضان ورفع تلك القباب.
٢١٠٥ - [٩] (عائشة) قوله: (فلا يعرّج) عرج تعريجًا: مال وأقام، و (يسأل) بيان لقوله: (يعود)، قال الطيبي (٢): من خرج لقضاء حاجة، واتفق له عيادة المريض،
стр. 2385
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٤٧٢، جه: ١٧٧٦].
٢١٠٦ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، وَلَا يَمَسُّ الْمَرْأَةَ، وَلَا يُبَاشِرُهَا، وَلَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٧٣].
ــ
والصلاة على الميت فلم ينحرف عن الطريق ولم يقف فيه وقوفًا أكثر من قدر الصلاة على الميت لم يبطل اعتكافه وإلا بطل، هذا عند الأئمة الأربعة، وقال الحسن والنخعي: يجوز الخروج للمعتكف لصلاة الجمعة وعيادة المريض والصلاة على الميت، انتهى.
٢١٠٦ - [١٠] (عنها) قوله: (ولا يمس المرأة) المراد بالمس الجماع والمباشرة فيما دون الفرج، قيل: يبطل، وقيل: لا يبطل، وقيل: إن أنزل يبطل وإلا فلا، قال في (الهداية) (١): ولو جامع فيما دون الفرج فأنزل، أو قبّل أو لمس فأنزل بطل اعتكافه؛ لأنه في معنى الجماع حتى يفسد به الصوم، ولو لم ينزل لا يفسد، وإن كان محرمًا.
وقوله: (ولا اعتكاف إلا بصوم) وهذا دليل أبي حنيفة في اشتراط الصوم للاعتكاف مطلقًا كما قلنا.
وقوله: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) إن كان (الجامع) بمعنى ما يقام فيه الجمعة فهو مذهب الشافعي في قول، والتحقيق من مذهبه أنه الأولى، ويجوز في مسجد الجماعة كما هو المذهب عندنا، فالمراد بمسجد الجامع هنا مسجد الجماعة، أو هذا بيان الأفضل والأولى، واللَّه أعلم.
стр. 2386
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢١٠٧ - [١١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِرَاشُهُ، أَوْ يُوضَعُ لَهُ سَرِيرُهُ وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٧٧٤].
٢١٠٨ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْمُعْتَكَفِ: "هُوَ يُعْتَكَفُ الذُّنُوبَ وَيُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَات كُلِّهَا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه. [جه: ١٧٨١].
ــ
الفصل الثالث
٢١٠٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (أسطوانة التوبة) هي أسطوانة من أسطوانات مسجد النبي ﷺ ، أضيفت إلى التوبة؛ لأن أبا لبابة الأنصاري تيب عليه عندها، وقصته (١) مذكورة في كتب السير والأحاديث.
٢١٠٨ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (وهو يعتكف) بلفظ المجهول، أي: يحبس ويمنع عن الذنوب، واللام في (الحسنات) للعهد، أي: التي يمتنع عنها بالاعتكاف كعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وأمثالهما مما يحصل بالخروج كذا قال الطيبي (٢)، وعلى هذا فاللام في قوله: (كعامل الحسنات) أيضًا يكون للعهد، ولا يناسبه التأكيد بـ (كلها)، ويجوز أن يراد بهذه الحسنات جنسها يعني كما يعطى لعامل الحسنات في
(٨) كتاب فضائل القرآن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٨ - كتاب فضائل القرآن
(الفضائل) جمع فضيلة، من الفضل، وهو ضد النقص، وفضل كنصر وعلم، وأما فَضِلَ كعلم، ويفضُل كينصر، فمركبة منهما، و (القرآن) في الأصل مصدر: قَرَأهُ كَنَصَرَهُ ومنعه قَرْءًا وقراءَةً وقُرْآنًا، فهو قارِئ: تَلَاهُ، كذا في (القاموس) (١)، وأصل القراءة الجمع، يقال: قرأ الشيء: جمعه وضمه، ويقال: ما قرأتْ هذه الناقةُ سَلًا قطُّ، وما قرأت جنينًا، أي: لم يضم رحمها ولدًا، قال أبو عبيدة: وبه سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور ويضمها، ويجمع القصص، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والآيات والسور، وهو مصدر كالغفران، وقد يطلق على الصلاة؛ لأن فيها قراءة، وعلى القراءة نفسها، كما في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، وتحذف همزته فيقال: قران، وقد يجعل القرآن من القران؛ لاقتران مقاصده بعضها مع بعض، وعلى هذا يكون الألف والنون أصليتين، وعلى الأول زائدتين، ولم يمنع من الصرف لعدم العلمية، بل هو من الأسماء الغالبة كأسود وأدهم، وذكره صاحب (الصحاح) (٢) و (القاموس) (٣) في
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢١٠٩ - [١] عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٠٢٧].
ــ
الفصل الأول
٢١٠٩ - [١] (عثمان) قوله: (خيركم من تعلم القرآن) قيل: المراد من خيركم؛ لورود ذلك في غير المعلم والمتعلم، كذا في بعض الحواشي، أقول: إن قيد بالعمل به الإتيان بكل ما فيه كما هو الظاهر؛ لأن تعلم القرآن وتعليمه إنما هو للعمل، ولا يعتد به كثيرًا بدون ذلك كما ورد: (رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه) فلا حاجة إلى هذه الإرادة؛ فإن كل ما يفرض من وجوه الخيرية داخل في العمل بالقرآن (١)، ولا يتجه أيضًا ما نقل النووي في (فتاواه) (٢): إن تعلم قدر الواجب من القرآن والفقه سواء في الفضل، وأما الزيادة على الواجب فالفقه أفضل (٣)، فافهم.
стр. 2392
٢١١٠ - [٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْم إِلَى بُطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَينِ. . . . . .
ــ
٢١١٠ - [٢] (عقبة بن عامر) قوله: (ونحن في الصُفّة) (١) المراد صفة المسجد، وهي موضع مظلل من المسجد، كذا في (القاموس) (٢)، وقيل: هو المسجد القديم الذي كان قبلته إلى بيت المقدس.
وقوله: (إلى بطحان) بضم الباء.
وقوله: (أو العقيق) شك من الراوي تدل عليه عبارة (جامع الأصول) (٣): أو قال: إلى العقيق، وهما واديان بالمدينة، وإنما خصهما بالذكر لأنهما أقرب أسواق الإبل إلى المدينة، و (الكوماء) بالفتح: الناقة العظيمة السنام، وقد كَوِمتْ كفرِح،
стр. 2393
فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: "أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٣].
ــ
والأكوم المرتفِع.
وقوله: (في غير إثم) أي: في غير ما يوجب إثمًا؛ كسرقة وغصب.
وقوله: (نحب) الرواية بالنون باعتبار المعنى، والظاهر (يحب) بالياء باعتبار لفظ (كل)، وقد يروى بها.
وقوله: (فيعلم أو يقرأ) في أكثر نسخ (المشكاة) من التعليم، وصحح في (جامع الأصول) (١): من العلم، وكلمة (أو) للشك أو للتنويع، وهما منصوبان إن حمل (أفلا) على معنى العرض، ومرفوعان إن كان نفيًا.
وقوله: (خير له) خبر مبتدأ محذوف.
وقوله: (ومن أعدادهن من الإبل) أي: وعلى هذا القياس يكون عدد الآيات التي يعلمها أو يقرأها خيرًا من أعدادهن، فخمس خير من خمس، وست من ست، هذا هو المتبادر من هذا الكلام، وقال الطيبي (٢): ويحتمل أن يكون المعنى: الآيات تفضل على مثل عددها من النوق، ومثل عددها من الإبل، انتهى.
أقول: قد يؤيد هذا المعنى ذكر الإبل مكان النوق؛ فإن الظاهر على تقدير المعنى الأول أن يقال: من أعدادهن من النوق، إلا أن الإبل اسم جنس يشمل الذكر والأنثى، يقال للأنثى منه: ناقة، وللذكر: الجمل، كالإنسان الشامل للرجل والمرأة، فتدبر.
стр. 2394
٢١١١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟ " قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: "فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٢].
ــ
فإن قلت: إن آية من القرآن خير من الدنيا وما فيها، فأيّ شيء الناقة حتى يفضل عليها؟ قلنا (١): حقيقة المراد أن اشتغالهم بأمر الدين خير لهم مما يكدحون فيه من طلب الرزق، ولم يرد حقيقة بيان المقدار الواقع في المقايسة بين الشيئين، وإنما مثله بمثال، وخصه بالناقة الكوماء، لأنها خيار أموال العرب، أو أراد أنها خير منها في أمر المعاش، إذ يحصل منها من الخير والبركة ما لا يحصل منها، وأما في أمر المعاد فإنها خير من الدنيا وما فيها، هذا حاصل ما ذكره التُّورِبِشْتِي (٢).
٢١١١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (خلِفات) الخلف ككتف: المخاض، وهي الحوامل من النوق، الواحدة بهاء، يقال: خلفت الناقة: إذا حملت، فهي خلفة، وأخلفت فهي مخلفة، أي: لم تحمل، وهي الحوامل من النوق التي تظن بها حملًا ولم يكن كذلك.
وقوله: (يقرأ بهن) يقال: قرأه وقرأ به، والباء زائدة أو للملابسة والإلصاق.
وقوله: (من ثلاث خلفات) لم يعرِّفها لإرادة التنكير للتعظيم، وبهذا
стр. 2395
٢١١٢ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٣٧، م: ٧٩٨].
ــ
يغاير الأولى، فلا يراد أن النكرة إذا أعيدت نكرة تكون الثانية غير الأولى، فينبغي أن يعرف.
٢١١٢ - [٤] (عائشة) قوله: (الماهر) وهو الحاذق، والمراد به الجيد اللفظ والحفظ، و (السفرة) جمع سافر بمعنى كاتب، من السِّفر بمعنى الكتابة، أو بمعنى السفير من السفارة، والتركيب للكشف، يقال: سفرت المرأة: إذا كشفت وجهها، والمراد بهم الملائكة أو الأنبياء ينتسخون الكتب السماوية من اللوح المحفوظ أو الوحي، [أو سفراء] يسفرون بالوحي بين اللَّه وبين رسله أو الأمة، كذا قال البيضاوي (١)، وقيل: هم أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنهم أول ما نسخوا القرآن، وقيل: الملائكة الكاتبون لأعمال العباد، وقيل: مشتق من السفارة بالكسر بمعنى الإصلاح، سفر بين القوم: أصلح، والمراد الملائكة النازلون بأمر اللَّه لإصلاح العباد وحفظهم من الآفات والمعاصي وإلهامهم الخير، والمراد الملائكة بكونه مع هؤلاء كونه في الآخرة رفيقًا لهم، وفي الدنيا عاملًا بعملهم، و (التعتعة) في الكلام: التردد فيه من حصر أو عيّ، وعدم إطاعة اللسان إياه، وفي (القاموس) (٢): تعتعه: حركه بعنف.
وقوله: (له أجران) أي: أجر القراءة وأجر المشقة، لا أنه يفضل في الأجر على الماهر، فإنه لا شك أن الماهر به أفضل ممن يتعب في تعهده، وقيل بالعكس؛ لأن
стр. 2396
٢١١٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا على اثْنَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٢٥، م: ٨١٥].
ــ
الأجر بقدر التعب، والأول أشبه.
٢١١٣ - [٥] (ابن عمر) قوله: (لا حسد) (١) أي: لا غبطة (إلا في اثنين) وفي بعض النسخ: (اثنتين) بالتاء، أي: خصلتين، فعلى الأول الكلام محمول على الظاهر، وعلى الثاني المضاف محذوف، أي: في خصلة، (رجل) وهو مرفوع أو مجرور، و (آناء الليل) ساعتها جمع إِنّى بالكسر كـ (مِعًى)، وبالفتح كـ (عصًا)، وإِنوٌ وإِنيٌ بسكون النون (٢).
وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن مَثَلُ التَّمْرِةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلُوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٢٧، م: ٧٩٧].
وَفِي رِوَايَةٍ: "الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأُتْرُجَّةِ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ". [خ: ٥٠٥٩، م: ٧٩٧].
٢١١٥ - [٧] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨١٧].
ــ
وسكون التاء بينهما، وتشديد جيم مفتوحة، ويقال: الأترج بدون الهاء، وتُرنْجَة وتُرُنْج، ثمر معروف جامع لطيب الطعم والرائحة وحسن اللون ومنافع كثيرة، وكذلك المؤمن الذي يقرأ القرآن يلتذ بقراءته، ويستريح الناس بصوته، وتنعكس أشعة أنوار القدس من باطنه إلى ظاهره حتى تظهر من وجناته، ويحسن في أعين الناظرين، وقس عليه حال المشبهين الآخرين.
٢١١٥ - [٧] (عمر) قوله: (أقوامًا) يؤمنون به ويعملون ويقرؤون ويخلصون،
стр. 2399
٢١١٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ،
ــ
وآخرين حالهم على عكس هؤلاء (١).
٢١١٦ - [٨] قوله: (أسيد بن حضير) كلاهما على صيغة التصغير.
وقوله: (سورة البقرة) قال السيوطي عن القتبي (٢): السورة تهمز ولا تهمز، فمن همزها جعلها من أَسْأَرَتْ، أي: أفضلت، من السؤر، وهو ما بقي من الماء في الإناء، كأنها قطعة من القرآن، ومن لم يهمزها جعلها منه وسهّل همزها، ومنهم من شبهها بسور البناء، أي: القطعة منه، أي: منزلة بعد منزلة، وقيل: من سُور المدينة؛ لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور، ومنه السوار؛ لإحاطته بالساعد، وقيل: لارتفاعها؛ لأنها كلام اللَّه، والسورة المنزلة الرفيعة، قال النابغة:
ألم ترأن اللَّه أعطاك سورةً ... ترى كل ملك حولها يتذبذب
وقيل: لتركيب بعضها على بعض، من التسور بمعنى التصاعد والتركب، ومنه ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]، وقال الجعبري: حد السورة قرآن يشتمل على آي ذي فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات، وقال غيره: السورة الطائفة المترجمة توقيفًا، أي: المسماة باسم خاص بتوقيف من النبي ﷺ ، ويجوز أن يقال: سورة البقرة وسورة العنكبوت، وقد كرهه بعضهم، وقال: ينبغي أن يقال: السورة التي تذكر فيها البقرة،
стр. 2400
ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا، فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، وَلَمَّا أَخَّرَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ، فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "اقْرَأْ يَا بْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا بْنَ حُضيْرٍ". قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أن تَطَأَ يَحْيَي وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، وَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابيحِ، فَخَرَجْتُ حَتَّى لَا أَرَاهَا، قَالَ: "وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ ". . . . .
ــ
ويذكر فيها العنكبوت، وروى الطبراني والبيهقي ذلك [عن أنس مرفوعًا] (١)، وإسناده ضعيف، بل ادعى ابن الجوزي أنه موضوع، وروي أن المشركين كانوا يقولون: سورة البقرة وسورة العنكبوت يستهزؤن بها فنزل: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥].
وقوله: (فانصرف) أي: عن القرآن، والضمير المرفوع في قوله: (ولما أخره) لأسيد، والمنصوب لابنه، و (الظلة) بضم الظاء المعجمة: سحابة تظل، وما أظلك من شجر وغيره.
وقوله: (اقرأ يا بن حضير) مكرر مرتين للتأكيد (٢)، والمراد الاستمرار على القراءة، فاعتذر بقوله: (فأشفقت) وفي نسخة: (أشفقت) بدون الفاء.
وقوله: (حتى لا أراها) أي: لغلبة الفزع، و (حتى) حرف ابتداء.
стр. 2401
قَالَ: لَا، قَالَ: "تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتَ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠١٨، م: ٧٩٦].
وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي مُسْلِمٌ: "عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ" بَدَلَ: "فَخَرَجْتُ" عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ.
٢١١٧ - [٩] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فتغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو،
ــ
وقوله: (وفي مسلم: عرجت) من العروج على صيغة المؤنث الغائبة، والضمير راجع إلى الظلة، و (الجو) الهواء ما بين السماء والأرض.
٢١١٧ - [٩] (البراء) قوله: (وإلى جانبه) يقال: قعدت الجنب والجانب، والجنبة محركة: شق الإنسان، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): جنب بهلو، ويقال: قعدت إلى جنب فلان وإلى جانب فلان بمعنًى.
وقوله: (حصان) بكسر الحاء: الفرس الذكر، أو الكريم المضنون بمائه، وجمعه حصن ككتب، كذا في (القاموس) (٣)، و (الشطن) بفتح المعجمة والمهملة: الحبل الطويل، أو عام، وفي (الصراح) (٤): شطن: رسن دراز، ووصف الأعرابي فرسًا فقال: كأنه شيطان في أشطان.
وقوله: (فتغشته) أي: سترت الفرس من فوق رأسه، والضمير في (جعلت)
стр. 2402
وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠١١، م: ٧٩٥].
٢١١٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ (١)، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ". فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ قُلْتَ: لأُعَلِّمِّنَكَ أَعْظَمَ سُوْرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. . . . .
ــ
لـ (سحابة)، و (ينفر) بالياء والتاء؛ لأن لفظ الفرس يذكر ويؤنث، وإن كان المراد المذكر، و (السكينة) الطمأنينة، وقد تجيء بمعنى الرحمة، وبمعنى التأني والوقار، وقيل: هي ما يحصل به السكون وصفاء القلب وذهاب الظلمة النفسانية، ونزول ضياء الرحمانية والحضور والذوق والغيبة، وقد مرّ الكلام فيها أكثر من هذا في (كتاب العلم) في الفصل الأول منه.
٢١١٨ - [١٠] (أبو سعيد بن المعلى) قوله: (عن أبي سعيد بن المعلى) بالضم والتشديد.
وقوله: (فلم أجبه) وفي حديث الترمذي (٢) عن أبي هريرة مخبرًا عن وقوع هذه القصة بالنسبة إلى أُبيّ: (فخففت الصلاة ثم أتيته).
وقوله: (أعظم سورة) من حيث اشتمالها عن معان كثيرة مع وجازة ألفاظها.
стр. 2403
هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٧٤].
ــ
وقوله: (هي السبع المثاني) اللام للعهد إشارة إلى المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال البيضاوي في (تفسيره) ما نصه (١): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾ سبع آيات وهي الفاتحة، وقيل: سبع سور وهي الطوال، وسابعتها: الأنفال والتوبة فإنهما في حكم سورة واحدة، أو الحواميم السبع، وقيل: سبع صحائف وهي الأسباع (٢)، ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ بيان للسبع، والمثاني من التثنية أو الثناء، فإن كل ذلك مثنى تكرر قراءته أو ألفاظه أو قصصه ومواعظه، أو مثني عليه بالبلاغة والإعجاز، أو مثنٍ على اللَّه بما هو أهله من صفاته العظمى وأسمائه الحسنى، ويجوز أن يراد بالمثاني القرآن أو كتب اللَّه تعالى، فتكون (من) للتبعيض، ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ إن أريد بالسبع الآيات أو السور فمن عطف الكل على البعض أو العام على الخاص، وإن أريد به الأسباع فمن عطف أحد الوصفين على الآخر، انتهى. فظهر مما ذكر أن قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ محتملة للفاتحة وغيرها، وقد ذكر في الحديث أنها هي السبع المثاني بلفظ الحصر، اللهم إلا أن لا يراد به معنى الحصر أو يراد مبالغة، واللَّه أعلم.
стр. 2404
٢١١٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَجْعَلُوا بِيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مَنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأ فِيْهِ سُوْرَةُ الْبقَرَةِ! . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٨٠].
٢١٢٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَايتَانِ، أَو فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ. . . . .
ــ
٢١١٩ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر) أي: لا تجعلوا بيوتكم خالية عن الذكر والتلاوة والطاعة مثل المقابر، أي: لا تكونوا كالموتى لا يذكرون ولا يتلون، ثم ذكر ما هو أفضل وأقرب نفعًا للبيوت وأهلها بقوله: (إن الشيطان ينفر) إلى آخره.
٢١٢٠ - [١٢] (أبو أمامة) قوله: (الزهراوين) الزهراء تأنيث الأزهر (١)، والممدود إن كانت همزته للتأنيث قلبت واوًا في التثنية كما في حمراوين، و (الغمامة) السحابة البيضاء، و (الغياية) بالتحتانيتين: كل ما أظل الإنسان من فوق رأسه كالسحابة ونحوها، كذا في (القاموس) (٢).
وقوله: (الفرق) بالكسر في الأصل: القطيع من الغنم، والمراد ههنا الجماعة
стр. 2405
صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ (١)، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٤].
٢١٢١ - [١٣] وَعَنِ النَّوَاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبقَرَةِ وَآلُ عِمْرانَ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْداوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَن صَاحِبِهِمَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٥].
ــ
من طير، و (صواف) جمع صافة، من الصف و (أو) للتنويع.
وقوله: (لا تستطيعها البطلة) أي: أصحاب البطالة والكسالة، وقد يراد بها السحرة والفجرة.
٢١٢١ - [١٣] قوله: (وعن النوّاس) بفتح النون وتشديد الواو (ابن سمعان) بكسر السين، وقد تفتح.
وقوله: (تقدُمه) بضم الدال، من باب نصر ينصر.
وقوله: (سوداوان) وصفهما بالسواد لكثافتهما ولشدة ظلمتهما.
وقوله: (بينهما شرق) بالشين المعجمة وبفتح الراء وإسكانها، أي: ضوء، وقيل: فُرجة، قالوا: كأنه نور التسمية، أو فصلها بين السورتين.
قَالَ: دَعْنِي؛ فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! مَا فَعَلَ أَسِيرُك؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ"، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ سَيَعُودُ"، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، إِنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرُبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ " قُلْتُ: زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ، وَهُوَ كذُوبٌ، وَتَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ؟ " قُلْتُ: لَا، قَالَ: "ذَاكَ شَيْطَان". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣١١].
ــ
وقوله: (إنك تزعم) صحح بكسر (إن) وفتحها، والكسر أظهر؛ فإن الفتح يوهم أن الزعم يكون ثلاث مرات، وليس كذلك، فافهم.
وقوله: (أما إنه قد صدقك) في هذا القول (وهو كذوب) في سائر أحواله.
وقوله: (ذاك شيطان) أي: شيطان من الشياطين، ولا يلزم أن يكون إبليس نفسه، ثم إنه يحتمل أن تكون آية الكرسي محفوظة له، أو كانت هذه الخاصية له معلومة من غير أن يحفظها كلها، واللَّه أعلم (١).
стр. 2408
٢١٢٤ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ ﵇ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورينِ أُوتيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: . . . . .
ــ
٢١٢٤ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (إذ سمع نقيضًا) أي: صوتًا مثل صوت الباب والمحامل والرحال، والأول هو الأنسب بقوله: (فتح)، والضمير فيه وفي (رفع) و (قال) لجبرئيل، وقيل: الأولى أن في الأولين للنبي ﷺ ، وفي (قال) لجبرئيل.
وقوله: (فنزل) الظاهر أنه عطف على (فتح)، فهو من تتمة كلام جبرئيل، وفي الحاشية أنه كلام الراواي، ويلائمه قوله: (فقال) أي: جبرئيل: (هذا ملك نزل) فإنه على المعنى الأول يكون فيه شائبة تكرار.
وقوله: (فسلم) أي: الملك النازل على النبي ﷺ .
стр. 2409
فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيم سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٦].
٢١٢٥ - [١٧] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الآيَتَانِ مِنْ آخَرِ سُورَةِ الْبقَرَةِ، مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٠٨، م: ٨٠٧].
٢١٢٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [٨٠٩].
ــ
وقوله: (فاتحة) بالجر، ويحتمل الرفع والنصب، وكذا قوله: (خواتيم)، والضمير في (أعطيته) بلفظ المجهول المخاطب لـ (الحرف)، فهو بمعنى الطرف، والمراد به الجملة الواقعة فيهما مثل ﴿اهْدِنَا﴾، و ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾، وغير ذلك من المطالب، أي: أجيبت دعواتك، أو المراد أعطيت ثوابه، أي: يكون البتة مقبولًا ومجزئًا، وعلى هذا المراد بـ (الحرف) أجزاء الكلمات من حروف التهجي، فقد ورد: إن لكل حرف من القرآن جزاء، وعليه ثواب.
٢١٢٥ - [١٧] (أبو مسعود) قوله: (كفتاه) أي: دفعتا عنه شر الجن والإنس، أو كفتا عن سائر أوراد الليل.
٢١٢٦ - [١٨] (أبو الدرداء) قوله: (من حفظ) ظاهره أن العصمة جزاء الحفظ من غير أن يقرأ، ويحتمل أن يكون المراد قرأ، فإن الحفظ إنما يكون للقراءة.
وقوله: (من الدجال) أي: المعهود، أو كل كذاب مُلَبِّس، والدَّجل في اللغة: الكذب والخيانة، والخداع والتلبيس.
стр. 2410
٢١٢٧ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيَعْحِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ " قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨١١].
٢١٢٨ - [٢٠] وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. [خ: ٥٠١٥].
٢١٢٩ - [٢١] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنعُ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٧٥، م: ٨١٣].
ــ
٢١٢٧، ٢١٢٨ - [١٩، ٢٠] (أبو الدرداء) قوله: (يعدل ثلث القرآن) أي: في الثواب والفضيلة إلحاقًا للناقص بالكامل كما في أمثال ذلك، قيل: إن القرآن قصص وأحكام وتوحيد، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يشتمل على الأخير.
٢١٢٩ - [٢١] (عائشة) قوله: (يقرأ لأصحابه) أي: يؤمهم (فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: يختم قراءته بها، يعني كان من عادته أن يقرأها بعد الفاتحة، كذا قال الطيبي (١)، وفي (صحيح البخاري) (٢) في ترجمة (٣) عن عبيد اللَّه عن ثابت عن أنس قال: (كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يُقرأ به افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة
стр. 2411
٢١٣٠ - [٢٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قَالَ: "إِنَّ حُبَّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى البُخَارِيُّ مَعْنَاهُ. [ت: ٢٩٠١، خ: ٧٧٤].
٢١٣١ - [٢٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨١٤].
ــ
أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلتُ، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر فقال: (يا فلان! ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ ) قال: إني أحبها، قال: (حبك إياها أدخلك الجنة).
٢١٣٠ - [٢٢] (أنس) قوله: (أدخلك الجنة) فإن حبك إياها سبب لحب اللَّه إياك، وحب اللَّه إياك سبب لدخولك الجنة.
٢١٣١ - [٢٣] (عقبة بن عامر) قوله: (ألم تر) أي: ألم تعلم، وهي كلمة تعجب وتعجيب.
وقوله: (لم ير مثلهن قطّ) أي: في باب التعوذ؛ فإن فيهما تعوذًا من المكاره الظاهرة والباطنة على أبلغ وجه وأوكده، وقد نقل الطيبي (١) شيئًا، فانظره.
стр. 2412
٢١٣٢ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠١٧، م: ٢١٩٢].
وَسَنَذْكرُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي "بَابِ الْمِعْرَاج" إِن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢١٣٣ - [٢٥] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ،
ــ
٢١٣٢ - [٢٤] (عائشة) قوله: (ثم نفث فيهما، فقرأ) النفث كالنفخ، وأقل من التفل، كذا في (القاموس) (١)، وحقيقته إخراج ريح من الفم مع شيء من الريق، ثم اختلفوا في توجيه الفاء في قوله: (فقرأ) فإنه يدل على تأخير القراءة عن النفث، والظاهر العكس، فقيل: المراد أراد النفث فقرأ، وقيل: الفاء بمعنى الواو، وقيل: تقديم النفث على القراءة مخالفة للسحرة البطلة، وقيل: هي سهو من الراوي أو الكاتب، واللَّه أعلم. وقد روي أنه ﷺ في مرضه أخذ بيدي عائشة ﵂ فقرأ ونفث فيهما وأمرها بإمرارهما على جسده الشريف.
الفصل الثاني
٢١٣٣ - [٢٥] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (يحاج العباد) فيما ضيعوا من
стр. 2413
لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَالأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ تُنَادِي: أَلَا مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّه". رَوَاهُ فِي "شَرْح السُّنَّةِ" [شرح السنة: ٣٤٣٣].
ــ
أحكامه وحدوده، وأيضًا يحاج ويخاصم عنهم بسبب محافظتهم عليها، وقد ورد أن القرآن حجة لك أو عليك، وظاهر سياق هذا الحديث أيضًا ناظر في ذلك كما قال في الرحم: (من وصلني وصله اللَّه، ومن قطعني قطعه اللَّه) كذا قيل، لكن إرادة كلا المعنيين هنا لا يخلو عن الإشكال، فافهم، وهذه مع قوله: (له ظهر وبطن) (١) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وقد علم معنى الظهر والبطن في كتاب العلم، والمراد بـ (الأمانة) حفظ حقوق الناس في أموالهم وأعراضهم ودمائهم، أو يخص بالأموال كما في الودائع، فإنه قد يتبادر منه هذا المعنى، وإلا فالأمانة المشار إليها بقوله تعالى:
стр. 2414
٢١٣٤ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارَتْقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢/ ١٩٢، ت: ٢٩١٤، د: ١٤٦٤، ن في الكبرى: ٨٠٥٦].
٢١٣٥ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٩١٣، دي: ٣٣٠٦].
٢١٣٦ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقُولُ الرَّبُّ ﵎: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي. . . . .
ــ
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] شامل للتكاليف كلها، والنداء إما مخصوص بالرحم تنبيهًا على المبالغة في حقها، أو من باب اكتفاء فحذف في القرآن والأمانة، ومع ذلك يفهم منه الاهتمام في باب الرحم.
٢١٣٤ - [٢٦] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وارتق) أي: في الدرج على قدر ما يقرأ من آي القرآن، فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درج الجنة المعد لها واللائقة بحالها، فالأمر شامل لجميع أصحاب القرآن من الأنبياء والمرسلين والأولياء وسائر الصالحين على قدر درجاتهم في الحفظ والتلاوة والعمل.
٢١٣٥ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (في جوفه) أي: في قلبه، والظاهر منه الحفظ، ويمكن أن يراد منه القراءة حفظًا أو نظرًا.
٢١٣٦ - [٢٨] (أبو سعيد) قوله: (ذكري ومسألتي) أي: اللتين ليستا في القرآن.
стр. 2415
أَعْطَيْتُهُ أفضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ"، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٩٢٦، دي: ٣٣٥٦، شعب: ٢٠١٥].
٢١٣٧ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أقولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، أَلْفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، غَرِيب إِسْنَادًا. [ت: ٢٩١٠، دي: ٣٣٠٨].
٢١٣٨ - [٣٠] وَعَنِ الْحَارِثِ الأَعْوَرِ قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: . . . . .
ــ
وقوله: (ما أعطي السائلين) أي: الذاكرين، اكتفى بالسؤال لأن الذكر أيضًا سؤال تعريضًا.
٢١٣٧ - [٢٩] (ابن مسعود) قوله: (لا أقول: ﴿الم﴾ حرف، ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) قد يتبادر من ظاهر لفظ الحديث أن المراد نفي الحرفية من مجموع ﴿الم﴾ التي هي ثلاثة أحرف وإثباتها لأسامي الحروف، ولكنهم صرحوا بأن المراد نفيها من الأسامي وإثباتها للمسميات التي هي بسايط الحروف؛ لأن توهم الحرفية على المجموع الثلاث بعيد حتى تنفى، فقالوا: تكون حسنات ﴿الم﴾ التي هي فاتحة سورة البقرة تسعين، والتي في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ثلاثين، فافهم.
٢١٣٨ - [٣٠] (الحارث الأعور) قوله: . . . . .
стр. 2416
"أَلا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ"، قُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: "كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نبَأٌ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُم، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ،
ــ
(نبأ ما قبلكم) النبأ محركة: الخبر، ومنه النبي ﷺ على وجه، والمراد بـ (ما قبلكم) أحوال الأمم الماضية، وبـ (ما بعدكم) الأمور الآتية وأحوال القيامة، والتعبير بـ (الخبر) تفنن، وبـ (ما بينكم) من الحوادث والوقائع.
وقوله: (وهو الفصل) الفاصل بين الحق والباطل (ليس بالهزل) فإنه جد كله، وتعريف الخبر لقصره على الفصل، فقوله: (ليس بالهزل) تأكيد.
وقوله: (من تركه) أي: استبد برأيه غير منقاد له (من جبار) متكبر معاند للحق، فغير الجبار بطريق الأولى.
وقوله: (قصمه اللَّه) كسره قطعة قطعة.
وقوله: (وهو حبل اللَّه المتين) (١) فيه استعارة مشهورة، و (المتين) إما ترشيح إن أريد به المتانة الحسنة، أو تجريد إن أريد رصانة ألفاظه ومعانيه.
وقوله: (لا تزيغ) بفتح الفوقانية (به) أي: بسببه (الأهواء) وإنما زاغ من اتبع المتشابهات وترك المحكمات، وهذا وصف معانيه.
وقوله: (ولا تلتبس به الألسنة) لا يختلط على الألسنة؛ بأن يشتبه بغيرها، أو
стр. 2417
وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلُقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا يَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١]، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ،
ــ
لا تتغير به ألسنة المؤمنين بانشراح صدورهم لتلاوتها من غير ضيق، (ولا يشبع منه العلماء) أي: لا يحفظ على علومهم به (١) فيقفوا وقوف من شبع من مطعوم، أو لا يشبع من تلاوته من يعلم ويشهد سلاسة ألفاظه ولطائف معانيه، (ولا يخلق) خلق الثوب كنصر وكرم وسمع، والخلق محركة: البالي عن كثرة التردد؛ أي: الترداد والتكرار.
وقوله: (ولا ينقضي عجائبه) كالعطف التفسيري والفذلكة لما قبله.
وقوله: (لم تنته الجن) أي: لم يمتنعوا عن مدحه وثنائه، ولم يتوقفوا فيه.
وقوله: (من قال به) في (القاموس) (٢) قال به: أي غلب [به]، ومنه: (سبحان من تعطّف بالعزّ وقال به)، و (قال) يجيء بمعنى (تكلّم)، وبمعان أخر، ويعبّر بها عن التهيُّؤ للأفعال والاستعداد لها. يقال: قال فأكل، وقال فتكلم ونحوه.
وقال في (النهاية) (٣): قال به بمعنى أحبه واختصه لنفسه، وقيل: معناه حكم به، وقيل: غلب به، أصله من القَيْل بمعنى المَلِك؛ لأنه ينفذ قوله.
وقوله: (ومن دعا إليه هُدي) روي مجهولًا، أي: من دعا إليه وفق لمزيد الاهتداء،
стр. 2418
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ، وَفِي الْحَارِثِ مَقَالٌ. [ت: ٢٩٠٦، دي: ٣٣٣١].
٢١٣٩ - [٣١] وَعَنْ معَاذٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ضَوْؤهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟ ". رَوَاهُ أحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٣/ ٤٤٠، د: ١٤٥٣].
٢١٤٠ - [٣٢] وَعَنْ عُقْبةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٣٣١٠].
ــ
ولو روي معروفًا كان المعنى: من دعا الناس إلى القرآن هداهم إلى صراط مستقيم، وهذا أظهر في المعنى، ولكن الرواية المشهورة هي الأولى، كذا يفهم من كلام الطيبي (١)، ويجوز أن يكون المعنى على الأولى هدي المدعو بهدايته إلى صراط مستقيم.
٢١٣٩ - [٣١] (معاذ الجهني) قوله: (أُلبس والداه تاجًا) يجوز أن يكون محمولًا على ظاهره، وأن يكون كناية عن الملك والسيادة.
وقوله: (ولو كانت) أي: الشمس (فيكم) أي: في بيوتكم، في هذا مبالغة.
وقوله: (عمل بهذا) أي: قرأ القرآن وعمل بما فيه.
٢١٤٠ - [٣٢] (عقبة بن عامر) قوله: (ولو جُعل القرآن في إهاب) قيل: هذا على سبيل الفرض والتقدير مبالغة في بيان شرف القرآن وعظمته، أي: من شأنه ذلك، على وتيرة قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] الآية، وقيل: المراد
стр. 2419
٢١٤١ - [٣٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَاسْتَظْهَرَهُ، فَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، كلُّهمُ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ" (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ (٢)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَحَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّاوِي لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ، يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [حم: ١/ ١٤٨، ت: ٢٩٠٥، جه: ٢١٦].
٢١٤٢ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ " فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: "مَا أُنْزِلَتْ". . . . .
ــ
النار التي خلقها اللَّه مميزة بين الحق والباطل، وقيل: كان ذلك معجزة في زمن النبي ﷺ ، وقيل: المراد من علّمه اللَّه القرآن لم تحرقه نار الآخرة، واللَّه أعلم.
٢١٤١ - [٣٣] (علي) قوله: (فاستظهره) أي: حفظه، وفي (القاموس) (٣): استظهر: استعان من ظهر القلب، أي: حفظًا بلا كتاب.
وقوله: (أحل حلاله وحرم حرامه) أي: عمل به أو اعتقده.
٢١٤٢ - [٣٤] (أبو هريرة) قوله: (كيف تقرأ في الصلاة) كأنه سؤال عن حال
стр. 2420
وَلَمْ يَذْكُرْ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٨٧٥، دي: ٣٣٧٣].
٢١٤٣ - [٣٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَاقْرَؤُوهُ، فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَ فَقَرَأَ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا، تَفُوحُ رِيحُهُ كُلَّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَرَقَدَ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِئَ عَلَى مِسْكٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٨٧٦، ن في الكبرى: ٨٧٤٩، جه: ٢١٧].
٢١٤٤ - [٣٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ ﴿حم﴾ الْمُؤْمِنَ إِلَى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأَ بِهِمَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبحَ". . . . .
ــ
القراءة في الصلاة وتعيّنها، أي: ما تقرأ؟
وقوله: (ولم يذكر) أي: الدارمي (أبي بن كعب) وسؤال رسول اللَّه ﷺ عنه، بل روى عن أبي هريرة (١) أن رسول اللَّه ﷺ قال: (ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل والزبور والقرآن مثلها، يعني أم القرآن)، الحديث.
٢١٤٣ - [٣٥] (وعنه) قوله: (وقام به) أي: عمل به، أو قام الليل بالقرآن.
وقوله: (فرقد) أي: نام وغفل ولم يقم ولم يعمل به، وظاهره يدل على أن المراد بـ (قام به) قيام الليل.
٢١٤٤ - (وعنه) قوله: (من قرأ ﴿حم﴾ المؤمن) في أكثر النسخ صُحِّح بكسر الميم، وفي بعض النسخ بفتحها.