إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٩٠، م: ١٨٦٩].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: "لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ".
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢١٩٨ - [١٢] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنَ الْعُرْي، وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا، إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكَتَ الْقَارِئُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ " قُلْنَا: كُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي. . . . .
ــ
قوله: (إلى أرض العدو) وكان يكتبه بعض الصحابة لنفسه للحفظ أو التلاوة، وإن لم يكن مجموعًا كله في مصحف واحد، أو كان هذا إخبارًا بالغيب، وقيل: المراد نهي الحفاظ من الصحابة أن يذهبوا إلى أرض العدو فيهلكوا ويضيع ما عندهم من القرآن كما قتل القراء في بئر معونة، فإن قلت: قد كانوا يذهبون إلى الغزوات؟ قلت: لعل المراد تفردهم بالسفر، ومع العسكر لا يتعين هلاكهم، واللَّه أعلم بالصواب.
الفصل الثاني
٢١٩٨ - [١٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (في عصابة) أي: جماعة، والعصابة بالكسر، والعصبة بالضم من الرجال والخيل والطير: ما بين العشرة إلى الأربعين.
وقوله: (العري) بالضم والسكون خلاف اللبس.
وقوله: (فسلم) أي: رسول اللَّه ﷺ ، والفاء جواب شرط محذوف، أي: فلما سكت سلّم، فيفهم منه أن السلام على قارئ القرآن مكروه، فافهم.
وقوله: (كنا نستمع إلى كتاب اللَّه) أي: نصغي، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ
стр. 2452
مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ". قَالَ: فَجَلَسَ وَسَطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَتَحَلَّقُوا وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ، فَقَالَ: "أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَذَاكَ خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٦].
٢١٩٩ - [١٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ"،
ــ
إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥].
وقوله: (ليعدل بنفسه) أي: ليجعل نفسه عديلًا مساويًا من غير امتياز، (ثم قال) أي: أشار (بيده هكذا) أي: تحلقوا؛ لتبرز وجوههم له، و (الصعاليك) جمع صعلوك كعصفور: الفقير، وتَصَعْلَك: افتقر، وصعلكه: أفقره.
وقوله: (قبل أغنياء الناس) أي: الشاكرين منهم، كما أن المراد بالفقراء الصابرون، أي: وإن كان الأغنياء أفضل كما يدل عليه الحديث الآخر، وذهب إليه بعض، ويفهم من ظاهر الحديث أن هذا مخصوص بفقراء المهاجرين إلا أن يكون قيدًا اتفاقيًا، وقد جاء في حديث آخر (١): (إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا)، إلا أن يقال: إن العلة هو الفقر، وهي مشتركة بين الفقراء، وقد جاء بلفظ الإطلاق أيضًا (٢): (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام)، ويجيء الكلام فيه في: (باب فضل الفقراء) إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه أعلم.
٢١٩٩ - [١٣] (البراء بن عازب) قوله: (زينوا القرآن بأصواتكم) قيل: هو
стр. 2453
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ٢٨٥، د: ١٤٦٨، جه: ١٣٤٢، دي: ٢/ ٤٧٤].
٢٢٠٠ - [١٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنِ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ". . . . .
ــ
محمول على القلب، وقد روي كذلك، ويجوز أن يجري على ظاهره؛ لما يأتي من قوله ﷺ (١): (فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا)، ولا محذور في ذلك، لأن ما يزين الشيء يكون تابعًا له وملحقًا، كالحلي بالنسبة إلى العروس، وأيضًا المراد بالقرآن قراءته، وهو فعل العبد، وفيه أن تحسين الصوت بالقرآن مستحب، وذلك مقيد برعاية التجويد وعدم التغير.
٢٢٠٠ - [١٤] (سعد بن عبادة) قوله: (ثم ينساه) ظاهره نسيانه بعد حفظه، فقد عدّ ذلك في الكبائر، وقيل: المراد به جهله بحيث لا يعرف القراءة، وقيل: النسيان يكون بمعنى الذهول وبمعنى الترك، وهو ههنا بمعنى الترك، أي: ترك العمل به وقراءته، وقد جاء في الحديث (٢) عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها).
وقوله: (أجذم) الجذم بمعنى القطع، جذمه يجذمه: قطعه، وذكرت في تفسيره أقوال، فقيل: مقطوع اليد، قال في (القاموس) (٣): الأجذم: المقطوع اليد، أو الذاهب
стр. 2454
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٤٧٤، دي: ٢/ ٤٣٧].
٢٢٠١ - [١٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ. . . . .
ــ
الأنامل، يقال: جذِمتْ يده كفرح، وجذمتُها وأجذمتُها، وفي (الصحاح) (١): جذم الرجل، أي: صار أجذم، وهو المقطوع اليد، ثم أورد هذا الحديث مستشهدًا له، وقيل: الأجذم هنا بمعنى الذي ذهبت أعضاؤه كلها، إذ ليست يد القارئ أولى من سائر أعضائه، ويقال: أجذم ومجذوم: إذا تهافتت أطرافه، ولعله أخذه من الجذام للعلة المعروفة التي تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيئاتها، وربما انتهى إلى تأكّل الأعضاء وسقوطها، لكن الجوهري منع استعمال أجذم في هذا المعنى، وقال: إنما يقال فيه: مجذوم لا أجذم، وخطأه صاحب (القاموس) في ذلك وقال: وهم الجوهري في منعه، نعم حمل (أجذم) على معنى قطع اليد خاصة يناسب ما وقع في حديث علي ﵁: (من نكث بيعته لقي اللَّه وهو أجذم)؛ فإن البيعة تكون باليد، فيعاقب على نكثها بقطع اليد، على أنه قد يتكلم في تخصيصه فيه أيضًا ويقال: لو كان العقاب لا يقع إلا بجارحة عصت لما عوقب الزاني بالجلد والرجم في الدنيا وبالنار في الآخرة، فافهم.
هذا، وقد يحمل (أجذم) على معنى مقطوع الحجة، أي: لا لسان له يتكلم، ولا حجة في يده، ويقال: ليس له يد، أي: لا حجة له، وكأنه اعتبر أن الحجة تكون مكتوبة في صحيفة تؤخذ باليد عند الاحتجاج، وقيل: خالي اليد عن الخير، وقيل: ساقط الأسنان، والجذم في الأصل بمعنى القطع، فتدبر.
٢٢٠١ - [١٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من
стр. 2455
ثَلَاثٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٩٤٩، د: ١٣٩٤، دي: ١/ ٣٥٠].
٢٢٠٢ - [١٦] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٩١٩، د: ١٣٣٣، ن: ٢٥٦١].
ــ
ثلاث) ظاهره المنع من ختمه في أقل من هذه المدة، ولكنهم قالوا: قد اختلفت عادات السلف في مدة الختم من ختمة في شهرين إلى ثماني ختمات في كل يوم وليلة، والمختار أنه يكره التأخير في ختمه أكثر من أربعين يومًا، وروي أنه يحاج القرآن لمن لم يختمه في أربعين يومًا، وكذا التعجيل من ثلاثة أيام لهذا الحديث، والأولى أن يختمه في الأسبوع يبتدأ ليلة الجمعة ويختم ليلة الخميس.
والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص كما ذكره الطيبي (١) نقلًا عن النووي في (الأذكار) (٢).
٢٢٠٢ - [١٦] (عقبة بن عامر) قوله: (الجاهر بالقرآن. . . إلخ)، يدل على أفضلية القراءة سرًّا، وقد جاءت أخبار وآثار في فضيلة الجهر، والجمع بينهما أن الإسرار أفضل في حق من يخاف الرياء، وإلا فالجهر أفضل بشرط أن لا يؤذي غيره من مصل أو نائم أو غيرهما، والتوسط أفضل كما يدل عليه الكتاب والسنة.
стр. 2456
٢٢٠٣ - [١٧] وَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. [ت: ٢٩١٨].
٢٢٠٤ - [١٨] وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٩٢٣، د: ١٤٦٦، ن: ١٠٢٢].
٢٢٠٥ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجِ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ، يَقُولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ يَقِفُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، لأَنَّ اللَّيْثَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ. . . . .
ــ
٢٢٠٣ - [١٧] (صهيب) قوله: (من استحل محارمه) الظاهر أن المراد باستحلال المحارم عدم الاجتناب عنها، والحديث على التغليظ والتشديد، واللَّه أعلم.
٢٢٠٤ - [١٨] (الليث بن سعد) قوله: (وعن الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتانية آخره تاء (عن يعلى بن مملك) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية وفتح اللام.
وقوله: (فإذا هي تنعت) يحتمل أن يكون نعتها بالقول أو بالفعل.
٢٢٠٥ - [١٩] (ابن جريج) قوله: (ابن جريج) بالجيمين بلفظ التصغير.
وقوله: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف) اعلم أن الوقف على ثلاثة أقسام: تام، وكاف، وحسن؛ لأن الكلام إذا كان
стр. 2457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تامًّا، أي: مفيدًا فائدة يصح عليها السكوت، وكان مع ذلك غير متعلق بما بعده لا لفظًا ولا معنى فالوقف تام، فينبغي أن يوقف عليه ويبدأ بما بعده، وذلك عند تمام القصص، وأكثر ما يكون موجودًا في الفواصل ورؤس الآي كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، يوقف عليه ويبدأ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وكقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، يوقف عليه ويبدأ بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾.
وإذا كان الكلام تامًّا وله تعلق بما بعده من حيث المعنى دون اللفظ فالوقف كافٍ، يوقف ويبدأ أيضًا؛ لكون الكلام السابق كافيًا في أداء المقصود، وعدم شدة تعلقه بما بعده، بناء على كون التعلق من جهة المعنى فقط في حكم العدم، حتى لا ينضم إليه التعلق اللفظي الظاهر أثره في اللفظ والإعراب نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، يوقف عليه ويبدأ بـ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، وكالوقف على قوله: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
وإن كان الكلام تامًّا متعلقًا بما بعده لفظًا ومعنًى -وهو الغاية في التعلق- فالوقف حسن. جاز الوقف أيضًا على حسن لعدم ما يوجب القبح نظرًا إلى كون الكلام مفيدًا صحيح السكوت عليه، ولكن لا يحسن الابتداء بما بعده نظرًا إلى شدة التعلق والارتباط، ومثاله قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ جاز الوقف عليه من غير قبح، ولكن لا يحسن الابتداء بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأنه مجرور تابع لما قبله، والابتداء بمثل ذلك يكون قبيحًا، فينبغي للقارئ إن وقف عليه [أن] يرجع ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
نعم إذا كان هذا القسم رأس آية صح الابتداء بما بعده؛ فإن الوقف على رؤس الآي والابتداء بما بعده سنة مطلقًا، وإن كان التعلق شديدًا.
وأصله هذا الحديث المروي عن أم سلمة، وله طرق كثيرة وإن كان بعضها ضعيفًا،
стр. 2458
عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٢٠٦ - [٢٠] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَفينَا الأَعرَابِيُّ وَالأَعْجَمِيُّ، فَقَالَ: "اقْرَؤُوا فَكُلٌّ حَسَنٌ،
ــ
كذا ذكروا، وهو أصل في هذا الباب، فظهر أن ما قال الطيبي (١): إن الوقف هنا يوجب قطع الصفة عن الموصوف وهو غير صواب، وما قال صاحب (سفر السعادة) (٢): إن القراء اشترطوا في الوقف انفصال الكلام عما قبله وهو خلاف السنة، غير وارد، فتدبر.
وقوله: (وحديث الليث أصح) ليس بين الحديثين منافاة وتقابل، فلم يقع هذا القول في موقعه كما لا يخفى.
الفصل الثالث
٢٢٠٦ - [٢٠] (جابر) قوله: (وفينا الأعرابي والأعجمي) في (القاموس) (٣): العرب: سكان الأمصار أو أعم، والأعراب منهم سكان البادية، لا واحد له، ولا بد أن لا تكون قراءتهم في مرتبة قراءة العرب الفصحاء في التجويد ورعاية القواعد من الأصحاب، ولكنه ﷺ أجاز قراءتهم كلهم وقررها وحسنها، ومراده دفع الحرج، والاستقصاء إلى الغاية، والنية في تحري الحسبة، والإخلاص في العمل، والتفكر في معاني القرآن، والغوص في بحارها، وشدة الاهتمام بهذا؛ فإن الاستقصاء في الأول دون الاهتمام بالثاني مما لا ينفع، ومع الاهتمام بالثاني والمساهلة في الأول لا يضر،
стр. 2459
وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ، يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [د: ٨٣٩، شعب: ٤/ ٢٠٤].
٢٢٠٧ - [٢١] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْعِشْق وَلُحُون أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَسَيَجِيءُ بَعدِي قَومٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرْآنِ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ،
ــ
كما قال: (وسيجيء أقوام يقيمونه) أي: يصلحونه ويسوّونه (كما يقام القِدح) بالكسر: وهو السهم قبل أن يراش وينصل، و (يتعجّلون) أي: يطلبون ثوابه في الدنيا ولا يطلبونه في الآخرة، أي: يؤثرون الدنيا على الآخرة.
٢٢٠٧ - [٢١] (حذيفة) قوله: (بلُحون العرب) في (القاموس) (١): لَحَّنَ في قِراءَتِهِ: طَرَّبَ فيها، وفي (الصراح) (٢): لحن آواز ألحان لحون جماعت وآواز كردانيدن، لحن في قراءته: إذا طرب بها وغرد، وهو ألحن الناس أحسنهم قراءة، والمراد بلحون العرب ما كان فيه تحسين الصوت وتطريبه من غير تكلف في رعاية القوانين الموسيقية بإعانة الطبيعة كما يشاهد ذلك في قراءتهم، و (لحون أهل العشق) ما يفعلون في مغازلة النساء ومحادثتهن في الأشعار وما يجري مجراها من رعاية قواعد الموسيقي، وكان اليهود والنصارى يقرؤون كتبهم نحوًا من ذلك ويتكلفون فيها، وقد يصحف لفظ العشق بالفسق وليس بصحيح، و (الترجيع) في القراءة ترديد الحروف وتحريك الصوت.
وقوله: (ولا يجاوز حناجرهم) كناية عن عدم صعودها إلى مصعد القبول.
стр. 2460
مَفْتُونَةٌ قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجبُهُمْ شَأْنُهُمْ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ. [شعب: ٤/ ٢٠٨].
٢٢٠٨ - [٢٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٤٧٤].
٢٢٠٩ - [٢٣] وَعَنْ طَاوُوسٍ مُرْسَلًا قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَحْسَنُ صَوْتًا لِلْقُرْآنِ؟ وَأَحْسَنُ قِرَاءَةً؟ قَالَ: "مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ أُرِيتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّه". قَالَ طَاوُوسٌ: وَكَانَ طَلْقٌ كَذَلِك. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٤٧١ - ٤٧٢].
ــ
وقوله: (مفتونة قلوبهم) أي مبتلى بحب الدنيا ومراءاة الناس وتحسينهم، نعوذ باللَّه من ذلك.
٢٢٠٨ - [٢٢] (البراء بن عازب) قوله: (فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا) وبذلك تزداد لذته على السامع، ويدخل في قلبه، ويؤثر تأثيرًا، فيورث زيادة محبة وشوق إلى طاعة اللَّه ولقائه، وبهذا الوجه كان سماع الصحابة ﵃ المشار إليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وهذا مما لا يختلف في حسنه واستحبابه اثنان من أهل الإيمان، والكلام في هذا المقام طويل تركناه مخافة التطويل.
٢٢٠٩ - [٢٣] (طاوس مرسلًا) قوله: (أريت) بلفظ الماضي المجهول من الإراءة، حاصل الجواب أنه تظهر في حسن صوته آثار الخشية والتحزن، فالخشية إنما تفهم من صوته وقراءته على الصفة المخصوصة، فمن يوجد في صوته بهذه الصفة فهو
стр. 2461
٢٢١٠ - [٢٤] وَعَنْ عَبِيدَةَ الْمُلَيْكِيِّ -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ! لَا تَتَوَسَّدُوا الْقُرْآنَ، وَاتْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ مِنْ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَفْشُوهُ وَتَغَنُّوهُ وَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَلَا تُعَجِّلُوا ثَوَابَهُ فَإِنَّ لَهُ ثَوَابًا". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٥/ ١٩].
* * *
٢ - باب
ــ
أحسن صوتًا، فليس الجواب من الأسلوب الحكيم كما قال الطيبي (١): حيث اشتغل بالجواب عن الصوت الحسن بما يظهر الخشية في القارئ المستمع، فافهم.
٢٢١٠ - [٢٤] قوله: (عبيدة) بفتح العين وكسر الباء (٢) (المليكي) بضم الميم وفتح اللام، كذا صحح في النسخ.
وقوله: (لا تتوسدوا القرآن) كناية عن التكاسل والنوم والتغافل عن القيام بحقوقه.
وقوله: (وأفشوه) بالإسماع والتعليم والكتابة والتفسير والمدارسة.
وقوله: (ولا تعجلوا) أي: لا تطلبوا ثوابه في العاجلة، (فإن له ثوابًا) عظيمًا في الآخرة. بضم التاء وكسر الجيم المشددة وبفتحهما.
٢ - باب في اختلافات القرآن
هذا أيضًا باب من غير ترجمة، وفي بعض النسخ: (باب في اختلافات القرآن وجمع القرآن)، ويكون المراد اختلاف قراءاته ولغاته وجمعه في مصحف واحد.
стр. 2462
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٢١١ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يقْرَأ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْسِلْهُ، اقْرَأ" فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَكَذَا أُنْزِلَتْ"، ثُمَّ قَالَ لي: "اقْرَأ" فَقَرَأتُ، فَقَالَ: "هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ. [خ: ٢٤١٩، م: ٨١٨].
ــ
الفصل الأول
٢٢١١ - [١] (عمر بن الخطاب) قوله: (هشام بن حكيم بن حزام) بكسر الحاء وبالزاي.
وقوله: (على غير ما أقرؤها) أي: على [غير] وجه قراءة كنت أقرأ السورة عليه.
وقوله: (أن أعجل) بالتخفيف، وفي بعض النسخ: بالتشديد.
وقوله: (ثم [أمهلته حتى] انصرف) أي: عن القراءة، أي: تركها.
وقوله: (ثم لببته بردائه) لببته تلبيبًا: إذا جمعت ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جررته، واللَّبَّة واللَّبب: المنحر.
وقوله: (أرسله) خطاب لعمر ﵁، و (اقرأ) خطاب لهشام.
وقوله: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) قد سبق في كتاب العلم بيان المراد بسبعة أحرف أنها القراءات أو اللغات المختلفة.
стр. 2463
٢٢١٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ خِلَافَهَا، فَجئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقَالَ: "كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، فَلَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٤١٠].
٢٢١٣ - [٣] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَا، فَحَسَّنَ شَأْنَهُمَا، فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ (١) وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ,. . . . .
ــ
٢٢١٢ - [٢] (ابن مسعود) قوله: (في وجهه الكراهية) لجداله وخلافه، والاختلاف المنهي عنه إنكار أحد وجوه القرآن التي أنزل عليها.
٢٢١٣ - [٣] (أبي بن كعب) قوله: (فلما قضينا) بلفظ المتكلم مع الغير، وفي بعض النسخ: (فلما قضيا) بلفظ التثنية.
وقوله: (ولا إذ كنت في الجاهلية) أي: ولا وقع في نفسي التكذيب والوسوسة إذ كنت في الجاهلية، وهذا مبالغة، ولأنه كان في الجاهلية جاهلًا، فلا يستبعد وقوع التكذيب والوسوسة إذ ذاك.
стр. 2464
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْت عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا، فَقَالَ لِي: "يَا أُبَيُّ! أُرْسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقْرَأ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ. . . . .
ــ
وقوله: (ما قد غشيني) أي: من التكذيب والوسواس.
وقوله: (ففضت) على وزن (بعت)، من فاض الماء يفيض فيضًا: كثر حتى سال، و (عرقًا) تمييز، وهذا أبلغ من أن يقول: فاض عرقي، مثل قول القائل: سالت عيني دمعًا، و (فرقًا) بفتحتين، أي: خوفًا، مفعول له، و (أرسل) بصيغة المجهول أو المعلوم، أي: اللَّه تعالى، والأول أشهر رواية، والثاني أبلغ معنى؛ لأنه لما انكشف على أبيّ جلال اللَّه ونظر إليه بعين قلبه أرجع إليه الضمير غير ما سبق ذكره، أي: أرسل الذي رأيته ونظرت إليه.
وقوله: (أن أقرأ) بلفظ المتكلم والأمر.
وقوله: (فرددت) أي: راجعت إليه (فرد) أي: أرسل (إليّ الثانية) بلفظ المجهول أو المعلوم، والظاهر أن (اقرأه) هذا بلفظ الأمر، وكذا ما بعده.
وقوله: (ولك بكل ردة [رَدَدْتُكَهَا] مسألة) (١) أي: إجابة مسألة أيّ مسألة كانت،
стр. 2465
تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﵇". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٢٠].
ــ
ولذا وصفها بصيغة الجنس للتعميم، وقال: (تسألنيها) على وزن ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ﴾.
لما سأل رسول اللَّه -ومحبوبه ومقبوله في الحضرة ﷺ ثلاث مرات (أن هون على أمتي)، بارك عليه وكرّمه زيادة بركات وتكريمات متعلقة بأمر الآخرة لأمته المرحومة بعد أن أنجح مرامه وأسعف سؤله فيهم في أمر الدنيا بجميع التيسير والتسهيل عليهم في الدنيا والآخرة، فأمره تعالى بأن يسأله ثلاث مسائل، فسأل صلاة اللَّه وسلامه المغفرة لهم ثلاثًا، فالأولى للسابقين لما يصدر عنهم من الهفوات والزلات ما لا يليق بشأن قربهم ومكانهم من اللَّه على ما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، والثانية للمقتصدين المقصِّرين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وأَخَّرَ الثالثة للظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكابهم المعاصي وانهماكهم فيها، حتى لعل واحدًا منهم لم يكن فيهم إلا مثل حبة خردل من إيمان أو خير.
قال الطيبي (١): إنه ﷺ جعل الدعوات الثلاثة مقصورة على دعوة واحدة -وهي المغفرة- اقتصارًا على الأهم والأصل الجامع لجميع الخيرات، وامتثل أمره تعالى بالتثليث بتكراره ثلاثًا بطريق التأكيد، أو في أزمنة متعددة مرتين في الدنيا ومرة في الآخرة يوم تظهر رفعة شأنه وعظمة برهانه، وذلك اليوم يوم ينادي كل نبي: نفسي نفسي، وهو ﷺ يقول: (أمتي أمتي).
وقوله: (حتى إبراهيم) تخصيصه بالذكر لأنه أبوه وأصله وأفضل الأنبياء بعد نبينا صلوات اللَّه وسلامه عليه كما نص عليه العلماء، وليس عنهم نص في غيره من الأنبياء
стр. 2466
٢٢١٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الأَحْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الأَمْرِ تَكُونُ وَاحِدًا لَا تَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٩١، م: ٨١٩].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٢١٥ - [٥] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ! إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ،
ــ
مراتب (١)، وقيل: موسى أفضل بعد إبراهيم صلوات اللَّه وسلامه أجمعين، بل كلهم في الحقيقة داخلون في حوزة أمته؛ لأنه نبي الأنبياء ورسول الرسل، وكأنه لهذا تمنى من تمنى منهم: اللهم اجعلني من أمة محمد ﷺ أجمعين.
٢٢١٤ - [٤] (ابن عباس) قوله: (إنما هي في الأمر) أي: أمر الدين (تكون واحدًا لا تختلف) مرجع الجميع إلى معنى واحد وإن اختلف اللفظ؛ فإن القراءات السبع لا تتناقض، وكذا اللغات المذكورة.
الفصل الثاني
٢٢١٥ - [٥] (أبي بن كعب) قوله: (أميين) في (القاموس) (٢): الأمي: من لا يكتب، ولم يتعلم الكتاب، وهو باق على جبلته كما ولدته أمه.
وقوله: (منهم العجوز) العجوز والعجوزة: امرأة مسنّة، كذا في (مجمع
стр. 2467
وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْغُلَامُ، وَالْجَارِيَةُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ، قَالَ: يَا مُحَمَّد! إِن الْقُرْآن أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: قَالَ: "لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ". [ت: ٢٩٤٤، حم: ٥/ ١٢٤، د: ١٤٧٧].
وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ قَالَ: "إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَأ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فَكُلُّ حَرْفٍ شَافٍ كَافٍ". [ن: ٩٤١].
٢٢١٦ - [٦] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصٍّ يَقْرَأُ ثُمَّ يَسْأَلُ، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: . . . . .
ــ
البحار) (١)، وقال في (القاموس) (٢): العجوز: الشيخ والشيخة، ولا تقل: عجوزة، أو هي لُغَيَّةٌ رَديئَةٌ.
وقوله: (والرجل الذي لم يقرأ كتابا قطّ) وإن تعلمه.
وقوله: (ليس منها إلا شاف كاف) أي: ليس حرف منها إلا هو شاف للصدور وكاف في الحجة.
٢٢١٦ - [٦] (عمران بن حصين) قوله: (مر على قاص) قص الخبر: أعلمه، والقاصّ: من يأتي بالقصة، ويطلق القُصّاص على الوعاظ، والمراد ههنا من يقصّ الأخبار ويقرأ آيات القرآن أيضًا، و (يسأل) الناس (فاسترجع) عمران، أي: قال: إنا للَّه
стр. 2468
"مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ بِهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤/ ٤٣٢، ت: ٢٩١٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٢١٧ - [٧] عَن بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَتَأَكَّلُ بِهِ النَّاسَ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٢٦٢٥].
٢٢١٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٧٨٨].
ــ
وإنا إليه راجعون؛ لابتلاء القاصّ بهذه المصيبة التي هي السؤال من الناس بالقرآن، أو لابتلاء عمران بمشاهدة هذه الحال الشنيعة، وهي مصيبة.
وقوله: (فليسأل اللَّه به) أي: بالقرآن حاجاته الدنيوية والأخروية.
الفصل الثالث
٢٢١٧ - [٧] (بريدة) قوله: (يتأكل به الناس) أي: يستأكل ويطلب منهم الأكل، أي: يجعل القرآن وسيلة إلى حطام الدنيا.
٢٢١٨ - [٨] (ابن عباس) قوله: (لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) قال الطيبي (١): هذا الحديث وما سيرد في آخر هذا الباب دليلان ظاهران على أن البسملة آية من كل سورة، أنزلت مكررة للفصل.
أقول: في دلالتهما على أنها جزء من كل سورة كما هو مذهب الشافعي خفاء ظاهر.
стр. 2469
٢٢١٩ - [٩] وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ، فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَقَرَأْتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَحْسَنْتَ"، فَبَيْنَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ، فَقَالَ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ؟ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧١٥، م: ١٨٦٧].
٢٢٢٠ - [١٠] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: . . . . .
ــ
نعم يدلان على أنها من القرآن أنزلت للفصل، كما هو مذهبنا، واللَّه أعلم.
٢٢١٩ - [٩] (علقمة) قوله: (فقال) الضمير فيه لرسول اللَّه ﷺ ، وفي قوله: (فبينا هو) لرجل، وفي (يكلمه) لابن مسعود، و (وجد) بلفظ المعلوم أو المجهول.
وقوله: (وتكذب بالكتاب) لا شك أن ما ثبت كونه من كتاب اللَّه يقينًا فتكذيبه كفر، وكان ذلك معلومًا قطعًا عند الصحابة خصوصًا على أمثال ابن مسعود، وبعدهم يثبت ذلك بالتواتر، وقد ادعى الجمهور ذلك في القراءات السبع، وبعضهم في العشرة، وفي هذا الباب كلام يعرف في كتب هذا الفن، وكتاب (الإتقان) للسيوطي وافٍ بذلك، وإن لم يكن ما قرأ ابن مسعود من سورة يوسف في هذه القصة من ذلك القبيل، فإطلاق تكذيب الكتاب عليه المستلزم للكفر تغليظ وتشديد، ولذا لم يحكم بارتداده، واللَّه أعلم.
٢٢٢٠ - [١٠] (زيد بن ثابت) قوله: (مقتل أهل اليمامة) بالنصب ظرف زمان، أي: أرسل إليّ وطلبني عنده في زمان قتل أهل اليمامة، وهو مقتل بني حنيفة الذي قتل فيه مسيلمة الكذاب -لعنة اللَّه عليه- في خلافة أبي بكر الصديق ﵁.
стр. 2470
إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنِ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرحَ اللَّهُ صَدْرِي لذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ،
ــ
وقوله: (إن القتل قد استحر) في (القاموس) (١): استحر القتل: اشتد، والحارّ من العمل: شاقّه.
وقوله: (بقراء القرآن) وكان عِدّة من قتل من القرّاء سبع مئة.
وقوله: (وإني أخشى أن استحرّ) إن كان (أن) بالفتح فهو مفعول (أخشى)، وإن كان بالكسر فمفعول (أخشى) محذوف، وكذا جزاء الشرط محذوف بقرينة ما قبله، أو ما قبله هو الجزاء على المذهبين للنحاة في مثل هذا التركيب.
وقوله: (فيذهب) مرفوع أو منصوب.
وقوله: (إني أرى) من الرأي.
وقوله: (قلت: لعمر) قول أبي بكر.
وقوله: (هذا واللَّه خير) فيه أنه بدعة حسنة، ومن البدع ما هو واجب كتعلم الصرف والنحو، ومنه ما هو مستحب، وقد مر بيانه في أول الكتاب في (باب الاعتصام بالكتاب والسنة).
وقوله: (فتتبع [القرآن] فاجمعه) أمر من الجمع.
стр. 2471
فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْحِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآن، قَالَ: قُلْتُ: كَيفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَال، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ،
ــ
وقوله: (فواللَّه) قول زيد بن ثابت.
وقوله: (لو كلفوني) أي: الناس، ولم يسنده إلى أبي بكر ﵁ تأدّبًا وصونًا له عن الأمر بالمحال، ولو فرضًا وتقديرًا.
وقوله: (العسب) بضمتين جمع عسيب بالمهملة، وهو جريدة النخل أو ورقه، وأكثر ما يقال إذا يبست، وإذا كانت رطبة فَشَطْبَةٌ، وقال السيوطي: كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض، (واللخاف) بالكسر جمع لخفة بالفتح: حجارة بيض رقاق، وفي رواية: والرقاع، وفي أخرى: وقطع الأديم، وفي أخرى: والأكتاف، وفي أخرى: والأضلاع، وفي أخرى: والأقتاب، والرقاع جمع رقعة، وقد يكون من جلد أو ورق أو كاغد، والأكتاف جمع كتف: وهو العظم الذي للبعير أو الشاة، كانوا إذا جف كتبوا عليه، والأقتاب جمع قتب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه.
وقوله: (وصدور الرجال) هذا هو الأصل والمعتمد، ووجدانه من العسب واللِّخاف وغيرها تقرير على تقرير، والمراد بقوله: (لم أجدها مع أحد غيره) يعني
стр. 2472
ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٩٠].
ــ
مكتوبًا لا محفوظًا، وكذا ما ورد في بعض الروايات: أنهم كانوا يحلفون من عنده أنه من القرآن، أو قام على ذلك شاهدان، والمراد به التأكيد والتحقيق والمبالغة في الاحتياط، وإلا فقد كان زيد وعدة من الأصحاب حافظين له، وقال الشيخ ابن حجر (١): المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب، وقال السخاوي في (جمال القراء) (٢): المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، وقال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ لا من مجرد الحفظ، قال: ولذلك قال في آخر سورة التوبة: لم أجدها مع غيره، أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي ﷺ عام وفاته، وكل ذلك تأكيد ومبالغة في التحقيق والتفتيش، ذكر هذا كله السيوطي في (الإتقان) (٣).
وأقول: لا شبهة أن القرآن كان معلومًا بالقطع، معروفًا عندهم، متميزًا عما سواه، وكان مجمعًا عليه مقطوعًا به لا أنه كان مشتبهًا، وكان بعضه عند أحد ولا يعرفه آخر، أو ينكر كونه قرآنًا، أو يثبت بالحلف أو الشهادة، حاشا من ذلك، وكانوا يُبدون عن تأليف معجز ونظم معروف، وقد شاهدوا تلاوته من النبي ﷺ ثلاثًا وعشرين سنة، فكان عن تزوير ما ليس منه مأمونًا، وإنما كان الخوف من ذهاب شيء من صحيفة، ونقل السيوطي عن الحارث المحاسبي من (كتاب فهم السنن): كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقًا في الرقاع وغيرها، وإنما أمر الصديق ﵁
стр. 2473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعًا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللَّه ﷺ فيها القرآن منتشرًا، فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء.
وقال الخطابي: إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بفوته ألهم اللَّه الخلفاء الراشدين ذلك وفاءً بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق الأكبر بمشورة عمر ﵄، والكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة (١).
تنبيه: قد كان القرآن كله كتب في عهد رسول اللَّه ﷺ ، لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السورة، ولهذا قال الحاكم (٢): جمع القرآن ثلاث مرات:
أحدها: بحضرة النبي ﷺ ، وأخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: (كنا عند رسول اللَّه ﷺ نؤلف القرآن في الرقاع)، الحديث.
وقال البيهقي (٣): يشبه أن يكون المراد تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ .
والثانية: بحضرة أبي بكر الصديق ﵁، روى البخاري في (صحيحه) (٤) عن زيد ابن ثابت قال: (أرسل إليّ أبو بكر)، الحديث المذكور في الكتاب، وأخرج ابن أبي داود في (المصاحف) بسند حسن عن عبد خير قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: أعظم
стр. 2474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الناس في المصحف أجرًا أبو بكر، رحمة اللَّه على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب اللَّه (١).
الثالث: جمع عثمان ﵁، جمع الصحابة فنسخوها في المصاحف وكتبوها بلغة قريش، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا كما يأتي في الحديث الآتي.
قال ابن حجر (٢): وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال علي ﵁: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فواللَّه ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، قال: فما يقولون في هذا القرآن، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت.
قال ابن التين وغيره (٣): الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان ﵄ أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءات حين قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضًا، فخشي من تفاقم الأمر، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجًّا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعًا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت، فاقتصر على لغة واحدة.
стр. 2475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق، وقد قال علي ﵁: لو وليت لعملت بالمصاحف عمل عثمان بها (١)، انتهى.
واختلف في عدة المصاحف التي أرسلها عثمان إلى الآفاق، فالمشهور أنها خمسة، قال أبو داود: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف، فأرسل إلى مكة وإلى الشام وإلى اليمن وإلى البحرين وإلى البصرة وإلى الكوفة، وحبس واحدًا بالمدينة، هذا في جمع المصاحف.
أما ترتيب السور والآيات فالإجماع والنصوص مترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك ولا خلاف فيه بين المسلمين، أما النصوص فمنها حديث ابن عباس الآتي، ومنها ما أخرج أحمد (٢) بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسًا عند رسول اللَّه ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوبه، قال: (أتاني جبريل ﵇ فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] الآية.
ومنها حديث في خواتيم سورة البقرة.
стр. 2476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها ما جاء من حفظ عشر آيات من أول سورة البقرة، ومنها ما أخرجه ابن أبي داود (١) من طريق أبي الغالب (٢) عن أبي بن كعب أنهم جمعوا القرآن، فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧] ظنوا أن هذا آخر ما نزل، فقال أبي: إن رسول اللَّه ﷺ أقرأني بعد هذا آيتين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر السورة، وغير ذلك من الأحاديث.
وقال مكي وغيره: ترتيب الآيات في السورة بأمر من النبي ﷺ .
وقال البغوي في (شرح السنة) (٣): الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزل اللَّه على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا شيئًا؛ خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته، فكتبوه كما سمعوا من رسول اللَّه ﷺ من غير أن قدموا شيئًا أو أخروه، أو وضعوا له ترتيبًا لم يأخذوه من رسول اللَّه ﷺ ، وكان رسول اللَّه ﷺ يلقن أصحابه ويعلمهم ما أنزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفها بتوقيف جبرئيل إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في سورة كذا، فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه؛ فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، أنزله اللَّه جملة إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله مفرقًا عند الحاجة، فترتيب النزول على غير ترتيب التلاوة.
وقال ابن الحصّار: ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحي، وكان رسول اللَّه ﷺ يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل
стр. 2477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول اللَّه ﷺ ، ومما أجمع الصحابة على وضعه بكذا في المصحف، هذا وقد ظهر به أن ترتيب السور أيضًا توقيفي (١).
وقال الكرماني في (البرهان) (٢): ترتيب السور هكذا هو عند اللَّه في اللوح المحفوظ، [وهو] على هذا الترتيب كان ﷺ يعرض على جبرئيل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه في السنة التي توفي فيها مرتين، هذا هو الذي عليه الجمهور، وقد ينقل عن بعض العلماء، منهم مالك والقاضي أبو بكر في أحد قوليه.
وقال القاضي: قال أبو بكر ابن الأنباري: أنزل اللَّه القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرّقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جوابًا لمستخبر، ويُوقف جبرئيل النبي ﷺ على موضع الآية والسور، فاتساق السور كاتساق الآيات، والحروف كلها عن النبي ﷺ ، فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن، وقال القاضي في قوله الآخر في أن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة، ومما يستدل به لذلك اختلاف مصاحف بعض السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علي ﵁، كان أوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾، ثم ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾، ثم ﴿تَبَّتْ﴾، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني، وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران على اختلاف شديد، وكذا مصحف أُبي وغيره.
وقال الزركشي في (البرهان) (٣): الخلاف بين الفريقين لفظي؛ لأن القائل بأن
стр. 2478
٢٢٢١ - [١١] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذَرْبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ،
ــ
ترتيب السور باتفاق الصحابة واجتهادهم يقول: إنه رمز إليهم بذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي ﷺ مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي أو بمجرد إستناد فِعْلِيٍّ بحيث بقي لهم فيه مجال للنظر، وسبقه إلى ذلك جعفر ابن الزبير، هذا كله مما نقلناه من كتاب (الإتقان) (١) للسيوطي الذي هو أجمع كتاب في علوم القرآن، ولقد وقع فيه الإكثار والإطناب، ولا بأس فإن المطلب مهم يكثر فيه التكلم والتفاؤل، واللَّه أعلم بالصواب.
٢٢٢١ - [١١] (أنس بن مالك) قوله: (أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان) قد [تقدم] شرح الحديث في ضمن ما بيناه من الكلام في جمع القرآن، فلم يبق إلا بيان معنى بعض الألفاظ الواقعة فيه.
وقوله: (فتح أرمينية) (٢) في (القاموس) (٣): بالكسر، وقد تشدد الياء الأخيرة،
وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بنُ زَيدِ بنِ ثَابتٍ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْناهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٩٨٧].
٢٢٢٢ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلتُ لعُثْمَان: مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةٍ وَهِيَ مِنَ الْمِئينِ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلم تكْتبُوا سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبعِ الطُّوَلِ؟ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِك؟ . . . . .
ــ
و(أن يحرق) المشهور بالحاء المهملة، وقد يروى بالمعجمة، ولعله بعد ردها إلى حفصة ﵂.
٢٢٢٢ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (وهي من المثاني) أي: من السبع المثاني، وهي السبع الطوال (١).
وقوله: (وهي من المئين) وهي السور التي تلي المثاني، سميت بذلك لأن كل سورة تزيد على مئة آية أو تقاربها، ثم ما يلي المئين تسمى الثواني؛ لأنها تَثْنيها، أي: كانت بعدها، فهي لها ثوان، والمئون لها أوائل، وقيل: هي السور التي آيها أقل من مئة؛ لأنها تثنى أكثر مما يثنى الطوال والمئون، وقيل: لتثنية الأمثال فيها بالعبر والخبر،
стр. 2481
قَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ تَنزلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: "ضَعُوا هَؤُلَاءِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا"، فَإِذَا نزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ فَيَقُولُ: "ضَعُوا هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا". وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، وَكَانَت قِصَّتُهَا شَبيهَةً بِقِصَّتِهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَينَهُمَا سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾،
ــ
والمفصل ما ولي الثواني من قصار السور، كذا ذكر السيوطي في (الإتقان) (١)، فالمراد بقول ابن عباس: (وهي من المثاني) أي: عندكم جعلتموها داخلة في السبع الطوال، وجعلتم براءة من المئين مع أن الأولى أقصر من الثانية، ثم بعد تقدير هذا الجعل لم تكتبوا بينهما ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فكأنه سأل سؤالين، فأجاب عثمان ﵁ أنهما سورة واحدة، فتصح التسمية بالسبع المثاني التي هي السبع الطوال، ولم تصح كتابة البسملة بينهما، لكنهم وضعوا فاصلة بالبياض من غير البسملة لمكان الاحتمال والاشتباه، فافهم.
وقوله: (وهو تنزل) بلفظ المعلوم والمجهول (٢).
وقوله: (ذوات العدد) أي: السور المتعددة، أو ذوات الآيات المتعددة، وهذا أولى وأنسب.
стр. 2482
وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ١/ ٥٧، ت: ٣٠٨٦، د: ٧٨٦].
ــ
وقوله: (ووضعتها) أي: مجموعها.
تم (كتاب فضائل القرآن) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الدعوات).
تم بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد الرابع ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الخامس وأوله: (كتاب الدعوات).
وصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.
* * *
стр. 2483
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
للخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)
تأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي
عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي
المولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى
تحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي
طبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان
ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة
المجلد الخامس
دار النوادر
стр. 2484
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2485
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (٥)
стр. 2486
دار النوادر
المؤسس والمالك نور الدين طالب
مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.
سوريا - دمشق - الحلبوني:
ص. ب: ٣٤٣٠٦
جميع الحقوق محفوظة للمحقق
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.
الطبعة الأولى
١٤٢٥ هـ - ٢٠١٤ م
E-mail: info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
شركات شقيقة
دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
دار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)
دار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند
الهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١
البريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com
стр. 2487
(٩) كتاب الدعوات
стр. 2488
(٩) كتاب (١) الدعوات
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٩ - كتاب الدعوات
اعلم أن الدعاء عند نزول البلاء أو عند خوف نزوله مسنونٌ مأثور عن الأنبياء صلوات اللَّه عليهم وأتباعهم رحمة اللَّه عليهم أجمعين، وقد يكتفون بعلم اللَّه تعالى وتقديره، ويسكتون عن الدعاء كقول الخليل ﵇: حسبي عن سؤالي علمه بحالي، قال الشيخ ابن عطاء اللَّه الإسكندري الشاذلي في (كتاب الحكم): ربما دلَّهم الأدب على ترك الطلب اعتمادًا على قسمته واشتغالًا بذكره عن مسألته.
وقال ابن عباد في (شرح الكتاب): قال الإمام أبو القاسم القشيري: واختلف الناس في أي شيء أفضل: الدعاء أم السكوت والرضاء؟ فمنهم من قال: الدعاء في نفسه عبادة. قال ﷺ : (الدعاء مخ العبادة (٢))، فالإتيان بما هو عبادة أولى من تركه، ثم هو [حقُّ] الحق ، فإن لم يستجب للعبد ولم يصل إلى حظ نفسه فلقد قام بحق ربه؛ لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية، وقد قال أبو حازم الأعرج رحمة اللَّه عليه: لأَنْ أُحرم الدعاء أشدُّ عليّ من أن أحرم الإجابة.
وطائفة قالوا: السكوت والخمود تحت جريان الحكم أتم، والرضا بما سبق
стр. 2489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من اختيار الحق أولى، ولهذا قال الواسطي: اختيار ما جرى لك في الأزل خير لك من معارضة الوقت، وقد قال ﷺ خبرًا عن اللَّه تعالى (١): (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).
وقال قوم: يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه وصاحب رضًى بقلبه؛ ليأتي بالأمرين جميعًا.
قال الإمام أبو القاسم القشيري ﵀: والأولى أن يقال: إن الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أولى من السكوت وهو الأدب، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب، وإنما يعرف ذلك في الوقت؛ لأن علم الوقت يحصل في الوقت، فإذا وجد بقلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أولى، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت له أولى.
ويصح أن يقال: ينبغي للعبد أن لا يكون ساهيًا عن شهود ربه تعالى في حال دعائه، ثم يجب أن يراعي حاله، فإن وجد من الدعاء زيادة بسط في وقته فالدعاء له أولى، وإن عاد إلى قلبه في وقت الدعاء ووجد شبه زجر ومثل قبض فالأولى ترك الدعاء في هذا الوقت، وإن لم يجد في قلبه لا زيادة بسط ولا حصول زجر فالدعاء وتركه هنا سِيَّانِ، وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت العلم فالدعاء أولى لكونه عبادة، وإن كان الغالب في هذا الوقت المعرفة والحال فالسكوت والسكون أولى.
ويصح أن يقال: ما كان للمسلمين فيه نصيب أو للحق فيه حق فالدعاء أولى، وما كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم، وفي الخبر المروي: (أن العبد يدعو واللَّه تعالى يحبه فيقول: يا جبرئيل أخِّر حاجة عبدي؛ فإني أحب أن أسمع صوته)،
стр. 2490
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٢٢٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، فَهِيَ نائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ أَقْصَرُ مِنْهُ. [م: ٣٣٨، خ: ٦٣٠٤].
٢٢٢٤ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ،
ــ
وإن العبد ليدعو وهو يبغضه فيقول: يا جبرئيل اقض لعبدي حاجته فإني أكره أن أسمع صوته، انتهى كلام القشيري (١).
الفصل الأول
٢٢٢٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لكل نبي دعوة مستجابة) المفهوم من سياق الحديث: أنه جرت العادة الإلهية بأن يأذن كلَّ نبي بدعوة واحدة لأمته يستجيبها، فكل نبي دعا في الدنيا فاستجيب له، وإني سترت وأخرت دعوتي لأشفع أمتي يوم القيامة، فدعوتي تصيب في ذلك اليوم من مات على الإيمان.
وأما سائر دعوات الأنبياء فقيل: مستجابة كلها، وهذا محل توقُّفٍ بقوله ﷺ : (سألت اللَّه ثلاثا فأعطاني اثنين، ومنعني واحدة) (٢) وهي أن لا يذيق بعض أمته بأس بعض، واللَّه أعلم.
٢٢٢٤ - [٢] (وعنه) قوله: (اللهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه) المقصود