← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

"خُلُقٌ حَسَنٌ"، ــ خلق حسن) توجيه الحديث لا يخلو عن شيء، فإنه سأل إما عن حقيقة الإسلام ومفهومه، ولا شك أنه عبارة عن الأركان الخمسة التي بني عليها كما مر تفسيره في حديث (١) جبرئيل ﵇، أو عن خصاله ولوازمه وروادفه وهي كثيرة، فما معنى أنه طيب الكلام وإطعام الطعام، وأفضله من سلم المسلمون من لسانه ويده؟ وكذا الكلام في الإيمان، فإن حقيقته أن تؤمن باللَّه وملائكته إلى آخر ما ذكر في الحديث المذكور، وخصاله وشعبه كثيرة، فما معنى أن الإيمان الصبر والسماحة وأفضله خلق حسن؟ والذي يفهم من كلام الطيبي (٢) في توجيهه أن جوابه عن الإسلام أنه طيب الكلام وإطعام الطعام بعث له على مكارم الأخلاق، أي: ما الإسلام إلا مكارم الأخلاق، ومن ثم سأل أيً الإسلام أفضل؟ أَيْ: أَيُّ الأخلاق أفضل، كأنه يريد أن المسؤول خصال الإسلام، فأشار بها بأنها مكارم الأخلاق، لكنه اكتفى بذكر شيئين منهما هما العمدة، وهي التواضع والسخاوة الواصل أثرهما إلى خلق اللَّه سبحانه، أو لأنهما أدخل وأصلح بحال السائل، ثم سأل أفضل الأخلاق الذي لا يصح الإسلام ولا يتم إلا به، وهي كف النفس عن إيذاء الخلق، فالأول تحلية، والثاني تخلية، قدم ذكر التحلية لكونها المقصودة من التزكية، فصار حاصل الجواب: أن الإسلام تخلية النفس عن الرذائل وتحليتها بالفضائل، وأجاب بأن محصل خصال الإيمان وشعبه الصبر والسماحة إشارة إلى ترك ما نهي عنه وفعل ما أمر به، كما فسر الحسن البصري ﵁ بقوله: الصبر عن معصية اللَّه، والسماحة على أداء فرائض اللَّه، والخلق الحسن أفضل خصاله؛ لكونه حاصل أصل

стр. 282

قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقُنُوتِ"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ"، قَالَ: فَقُلْتُ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ السَّاعَاتِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جَوْفُ اللَّيلِ الآخِرِ". رَوَاهُ أَحمد. [حم: ٤/ ٣٨٥]. ــ العمل وأصعبه، هذا تقرير كلام الطيبي وتحقيقه في توجيه الحديث، فافهم. وقوله: (طول القنوت) يطلق على معان متعددة؛ كالطاعة والخشوع، والصلاة والدعاء، والقيام والسكوت، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه، كذا قال الطيبي (١)، والظاهر حمله على القيام، وقد تمسك به من قال: طول القيام أفضل من كثرة السجود، حيث اختلفوا في أن أيهما أفضل (٢)، فتدبر. وقوله: (أن تهجر ما كره ربك) قد مر تفسيره في الأحاديث السابقة. وقوله: (عقر جواده) الجواد بالفتح فَرَسٌ بَيِّنُ الجُودة بالضم، الذكر والأنثى سواء. وقوله: (أهريق دمه) أي: أريق، والإراقة: صب المائع من ماء أو دم أو غيرهما، وأصله أراق يريق إراقةً، ثم أبدلت الهاء، وهذه الكلمة لا يخلو بيان بنائه من قلق وخفاء في كلامهم، وأجمع كلام فيه كلام (الصحاح) (٣) فاكتفينا به، قال: هراق الماء

стр. 283

٤٧ - [٤٦] وَعَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَيُصَلِّي الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، غُفِرَ لَهُ"، قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "دَعْهُمْ يَعْمَلُوا". رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ٥/ ٢٣٣]. ــ ويهريقه بفتح الهاء هِراقة بالكسر، وأصله أراق يُرِيقُ إراقة، وهو في الأصل أَرْيَقَ يُرْيِقُ، وأصل مضارعه يُأَرْيِقُ فأبدلوا الحركة والسكون بين الراء والياء فصار يَأْرِيقُ، واستثقلوا الهمزتين في قولهم: أنا أُأَريقه فقالوا: أهريقه مبدلة بالهاء، وفيه: لغة أخرى يقال: أهرق الماءَ يُهْرِقه إهراقًا، قال سيبويه: أبدلوا من الهمزة الهاء، ثم ألزمت فصارت كأنها من نفس الكلمة، ثم أدخلت الألف بعده على الهاء وتركت الهاء عوضًا من حذفهم العين؛ لأن أصل أهرق أريق، وفيه: لغة ثالثة: أَهْراقَ يُهْرِيقُ إهراقًا فهو مُهْرِيقٌ، وذلك مُهْراقٌ بالحركة والسكون، وهذا شاذ، ونظيره: أسطاع يُسطيع اسطياعًا بفتح الهمزة في الماضي وضم الياء في المضارع لغة في أطاع يُطيع، فجعلوا السين عوضًا من ذهاب حركة عين الفعل، وكذلك حكم الهاء في يهريق، ويهريق مثل يُهَفْعِلُ ومُهَرَاق مُهَفْعَلٌ، وأما مثال يهريق بسكون الهاء لا يمكن أن ينطويه؛ لأن الهاء والفاء جميعا ساكنان، وكذا مُهْرَاق، ويقال: مطر مُهْرَوْرِقٌ من باب افعيعال. ٤٧ - [٤٦] (معاذ بن جبل) قوله: (كفر له) أي: ذنوبه التي ارتكبها، إما كله بأن لا يعذبه أصلًا، أو بعضه بأن يعذبه على بعضها ويعفو عن بعض، والظاهر هو الأول، ولذا منع عن تبشيرهم، وتخصيص الصلاة والصوم إما لأنه لم يفرض حينئذ سواهما من الزكاة والحج، أو لأنهما عمدة العبادات، أو لأن سنة اللَّه جرت بالمغفرة لمن أتى بهما، وإن أذنب وترك الفرائض الأخر، وهي بعد في مشيئة اللَّه، يعذب من

стр. 284

٤٨ - [٤٧] وَعَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الإِيْمَانِ، قَالَ: "أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ، وَتُبْغِضَ لِلَّهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ"، قَالَ: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٤٧]. * * * ١ - باب الكبائر وعلامات النفاق ــ يشاء ويغفر لمن يشاء. ٤٨ - [٤٧] (معاذ بن جبل) قوله: (وماذا) أَيْ: وأَيُّ شيء أصنع بعد ذلك؟ . ١ - باب الكبائر وعلامات النفاق الكبائر جمع كبيرة، وهي من الصفات الغالبة، اسم للفعلة القبيحة من الذنوب التي يعظم ارتكابها إثمًا، وتقابلها الصغيرة، وهي ما لا يعظم إثمها، وقد اضطربت الأقوال في حد الكبائر وتعينها، وقد ذكرت في الأحاديث ذنوب بأعيانها ثلاثًا أو أربعًا أو سبعًا أو تسعًا أو أكثر، فقيل هي الكبائر، وما دونها صغائر، والمختار أنه ليس المراد بها الحصر، وقد روي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أنه قال: الكبائر إلى سبع مئة أقرب منها إلى سبع، بل النبي ﷺ أخبر في كل مجلس ما أوحي إليه، وما كان مفسدته مثل مفسدة شيء من المذكورات أو أكثر منها فهي أيضًا من الكبائر (١).

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أما المثل فكشرب بعض المسكرات من غير الخمر، وكاللواطة مثل الزنا، وكإيذاء الأستاذ مثل إيذاء الوالد، وكالغصب مثل الربا. وأما الأكثر فمثل قطع الطريق مع أخذ المال أكثر من السرقة، وكذا إيذاء النبي ﷺ أكثر من إيذاء الوالد، وكدلالة جيوش الكفار على بلاد المؤمنين للغارة أكثر من الفرار عن الزحف، وكحكم القاضي بغير الحق أكثر من شهادة الزور ظلمًا وإثمًا. وقيل: ما ثبت النهي عنه بنص قطعي، وقيل: ما قرن به في الشرع حد أو لعن أو وعيد، وإلى هذا مال أكثرهم، وعمم بعضهم هذا القول أيضًا، قال: وما كان مفسدته كمفسدة ما قرن به أحد الثلاثة أو أكثر، وقيل: ما أشعر بتهاون المرتكب بالدين إشعارًا مثل إشعار الكبائر، كقتل رجل يعتقد أنه معصوم الدم فظهر أنه مستحق للقتل، أو وطئ زوجته وهو يظنها أجنبية. ونقل عن (الكافي): والأصح أن ما كان شنيعًا بين المسلمين، وفيه هتك حرمة الدين، فهي كبيرة، وإلا فهي صغيرة. وأما ما قيل: كل معصية أصرّ عليه العبد فهي كبيرة، وكل ما استغفر عنها فهي صغيرة، فيلزم منه أن يكون الزنا وشرب الخمر مثلًا صغائر إذا لم يصر عليها، اللهم إلا أن يريد ما عدا المنصوص عليها، وأغرب منه ما نقل عن صاحب (الكفاية) أنه قال: الحق أنهما اسمان إضافيان لا يعرفان بذاتيهما، فكل معصية أضيفت إلى ما فوقها فهي

стр. 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صغيرة، وإن أضيفت إلى ما دونها فهي كبيرة، وهذا مشكل جدًا، إذ لا شك أن الكبائر والصغائر متمايزة بالذات وبالأحكام، فإن الصغائر مكفرة بالطاعات مثل الصلاة والصوم والوضوء، وعليه قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وقد اختلف في التقوى بأنه هل يكفي فيه الاجتناب عن الكبائر أو لا بد من اجتناب الصغائر أيضًا؟ وأيضًا أنهم فرقوا بينهما بأن الكبيرة تسقط العدالة دون الصغيرة، وهذا يدل على أنهما يفرقان بذاتيهما، وأيضًا لا حاجة على هذا التقرير لتخصيص الكبيرة بالذكر في قولهم: الكبيرة لا تخرج العبد من الإيمان على ما ذكر في العقائد، نعم الكبيرة والصغيرة نسبيان ضرورة كون الكبر والصغر كذلك، فالذنوب إنما تسمى صغائر بالنسبة إلى ما فوقها من الذنوب، والكبائر إنما تسمى كبائر بالنسبة إلى ما تحتها، وهذا ظاهر. وأما كونهما غير متعينين بحيث يكون كل ذنب بالنسبة إلى ما فوقها صغيرة، وهو بعينه بالنسبة إلى ما تحتها كبيرة، فيشكل بما ذكرنا، فثبت أن الكبائر والصغائر متمايزتان في أنفسهما، ومع ذلك مراتب الكبائر مختلفة، وكذا الصغائر حتى قيل: أكبر الكبائر الإشراك باللَّه، وأصغر الصغائر حديث النفس، ولا يخفى أن مراتب حديث النفس أيضًا مختلفة، وكذا الإشراك باللَّه إن أريد به الكفر، فتدبر، هذا وقد عد بعض العلماء كثيرًا من الذنوب من الكبائر. ونقل العلامة الدواني من الروياني من أصحاب الشافعي رحمة اللَّه عليه أنه قال: الكبائر هذه قتل النفس بغير حق، والزنا، واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبًا، والقذف، وشرب كل مسكر ملحق بشرب الخمر، وشرط في الغصب أن يبلغ دينارًا، وشهادة الزور، وأكل الربا، والإفطار في نهار رمضان بلا عذر، واليمين

стр. 287

* الْفَصْلُ الأَوَّل: ٤٩ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا. . . . . ــ الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وحرب المسلم بغير الحق، والكذب على النبي ﷺ ، وسب الصحابة ﵃, وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والعناد بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من اللَّه، والأمن من مكروه، وإهانة أهل العلم وحملة القرآن، والظهار، وأكل لحم الخنزير، وهذا ما ذكره، والحق أنه إن فسرت بما ورد الوعيد [به] فهي أكثر مما ذكر (١)، كما لا يخفى على المتتبع، واللَّه أعلم. الفصل الأول ٤٩ - [١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أن تدعو للَّه ندًا) في (القاموس) (٢): الند بالكسر: المثل، والجمع أنداد، والنديدة، والجمع ندائد، انتهى. وفي (النهاية) (٣): الند: مثل الشيء [الذي] يضاده وينادّه أي يخالفه، وفي (تفسير البيضاوي) (٤): الند:

стр. 288

وَهُوَ خَلَقَكَ"، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ"، ــ المثل المناوئ، من ندّ ندودًا: إذا نفر، وناددت الرجل: خالفته، خص بالمخالف المماثل في الذات كما خص المساوي في المماثل في القدر، وقد يفرق بين الند والضد أن الأول المخالف المماثل في الحقيقة، والضد المخالف الغير المماثل، وقد وقع في (العقائد العضدية) في تنزيه الباري: ولا ند له ولا مثل، وفسره المحقق الدواني بقوله: قيل: الند هو المناوئ، أعني المخالف في القوة، والمثل هو المساوي في القوة، فتدبر. والمعنى أن تجعل للَّه ندًا بتضمين الدعاء معنى الجعل، وقد جاءت الرواية بهذا اللفظ، وفي القرآن المجيد: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]. فإن قلت: إنهم ما جعلوا الأصنام أندادًا للَّه، وما زعموا أنها تساويه في ذاته وصفاته، ولا أنها تخالفه في أفعاله؟ قلنا: إنهم لما عظموها وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات قادرة على أن تدفع عنهم عذاب اللَّه وتخالفه في أفعاله. وقوله: (وهو خلقك) إشارة إلى الخطأ في هذا الجعل، وهذا لمن يعلم أن اللَّه خالقه كما كان المشركون في عهد رسول اللَّه ﷺ يعلمون أن الخالق هو اللَّه، أي: والحال أنك تعلم أن اللَّه خلقك ولم يخلقك أحد غيره، أو قال ذلك للمتمكن من العلم بذلك عند النظر والتأمل في الدلائل الدالة على أنه الخالق، وبالوجهين فسر قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقوله: (قال: ثم أيٌّ) أي: ثم أخبرني أَيّ ذنب أكبر الكبائر بعد الكفر، (قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) فالقتل بهذه القيود أكبر الكبائر بعد الكفر، ويدخل

стр. 289

قَالَ: ثمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٦١، م: ٨٦]. ــ في المفضل عليه القتل المطلق أيضًا، وإن كان المطلق أكبر مما سواه من الذنوب، وكذلك الزنا بحليلة الجار، فافهم. وقال الطيبي (١): هذا البيان إنما ورد على الأمر الواقع المخصوص على مقتضى حال السائل, وهو من باب مفهوم الأغلب، ولا يعمل به، انتهى. حاصله: أن القيد اتفاقيٌّ وليس احترازيًّا، وأقول: السؤال إنما وقع عن أكبر الكبائر، ولا شك أنه مقيد بقيود وذكرت، ولكن القرآن أطلق لبيان الكبائر مطلقًا ولا بعد فيه، والطيبي أطلق عن القيود بقرينة الآية النازلة فيها، اللهم إلا أن تحمل صيغة التفضيل على الإضافي دون الحقيقي، فتدبر، ويؤيده إطلاق الآية النازلة لتصديق هذه الوقائع والأحكام، فافهم، ولعل باب المفاعلة في (تزاني) (٢) للمعالجة والمزاولة، أو لأن الزنا أكثر ما يكون بالميل من الجانبين. والحليلة: الزوجة، قال في (القاموس) (٣): حليلتك: امرأتك، وأنت حليلها، ويقال للمؤنث: حليل أيضًا، انتهى. وهو يحتمل أن يكون من الحل أو الحلول، كما قال الطيبي (٤)،

стр. 290

٥٠ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٢٠، ٦٦٨٥]. ــ والأول أظهر. ٥٠ - [٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الإشراك باللَّه) أي: جعل غير اللَّه شريكًا له، إما في الوجود أو الخلق أو العبادة، وفسروا الإشراك بالكفر بأنواعه، وإنما عبر الكفر بالشرك؛ لأن كفار العرب كانوا مشركين، وقد يفسر في غير هذا المقام في مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] بالشرك الجلي الذي بمعنى الكفر والخفي الذي يشتمل الرياء كما مر فيما سبق من الأحاديث. وقوله: (وعقوق الوالدين) في (القاموس) (١): عق والدَه عُقُوقًا ومَعَقَّةً: ضدُ بَرّه، فهو عَاقٌّ وعَقٌّ وعَقَقٌ محركة، والمراد إيذاؤهما من غير حق شرعي، وقيدوهما بالمسلمين، ويفهم منه أن إيذاء الكافرين وإن كان بغير حق لا يكون كبيرة، ولابد أن يكون ذنبًا (٢)، واللَّه أعلم. وقوله: (واليمين الغموس) في (القاموس) (٣): وهي اليمين الكاذبة التي يتعمدها صاحبها عالمًا أن الأمر بخلافه، أو التي تقتطع بها مالَ غيرك، وفي (النهاية) (٤): هي اليمين الكاذبة الفاجرة التي يقتطع بها مال غيره؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم

стр. 291

٥١ - [٣] وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: "وَشَهَادَةُ الزُّورِ" بَدَلَ "الْيَمِينُ الْغَمُوسُ" مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٥٣، م: ٨٨]. ــ في النار، وفي الحديث: (اليمين الغموس تذر الديار بلاقع)، وقول الطيبي (١): لأنها تدخل صاحبها في النار أو في الإثم أو في الكفارة مبني على مذهب الشافعية؛ لأنه لا كفارة لها عندنا، وكلمة (أو) لكفاية اعتبار أحد الأمور في وجه التسمية، وإلا فهي تدخل في الكل. ٥١ - [٣] (أنس) قوله: (شهادة الزور) قال في (القاموس) (٢): الزور بالفتح: وسط الصدر، أو ما ارتفع منه إلى الكتفين، أو ملتقى أطراف عظم الصدر حيث اجتمعت، ثم ذكر معنى الزيارة والزائرة وغيره من المعاني، وقال: وبالضم الكذب، ويظهر من هذا أن معنى وسط الصدر أو ما ارتفع منه كما ذكره الطيبي ليس أصلًا منقولًا عنه لمعنى الكذب، وقد جعله الطيبي (٣)، وذكر المناسبة، ونقل في (مجمع البحار) (٤) عن النووي في (شرح صحيح مسلم) (٥): قول الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، وفي (مختصر النهاية) (٦): (زورت في نفسي مقالة) أي: هَيّأتُ وأصلحتُ، ورحم اللَّهِ امرأً زَوَّر نفسه على نفسه أي: قوّمها وحسّنها، وحقيقته نسبتها إلى الزور، كفَسَّقَه وجَهَّله.

стр. 292

٥٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ، ــ ٥٢ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الموبقات) في (القاموس) (١): وبق كوَعَدَ وَوَجِلَ وَوَرِثَ وُبُوقًا: هلك، وأوبقه: حبسه أو أهلكه، وقال: والموبق كمجلس: واد في جهنم. وقوله: (والسحر) أصله الخدع، ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أنى تخدعون، ويكون بكلام ملفف، أو تركيب أجسام، أو مزج بين قوى لا يعرفه إلا الساحر، ويظهر على أيدي الكفار والفساق، والمراد فعله وتعليمه وتعلمه، وقيل: فعله فقط، وتعلمه جائز ليعرف ويرد، كذا نقل في (مجمع البحار) (٢) عن النووي (٣)، وقيل: فعله كفر بالاتفاق. واختلف في الساحر، فذهب جماعة من الصحابة ﵃ وغيرهم أنه يقتل، وعند الشافعي: يقتل إن كان ما يسحر به كفرًا إن لم يتب، وقيل: إذا لم يتم سحره إلا بدعوة كوكب أو بموجب كفر يجب قتله؛ لأنه استعانة بالشيطان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة؛ فإن التعاون مشروط بالتناسب، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعرفة الأدوية، أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام، وتسميته سحرًا تجوز، وأما تعلمه ففيه ثلاثة أوجه: التكهن وإتيان الكاهن، والتنجيم، والضرب بالرمل وبالحصى

стр. 293

وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ". متفق عليه. [خ: ٢٧٦٦، م: ٨٩]. ٥٣ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ــ وبالشعبذة، وتعليمها وأخذ العوض عليها حرام. وقوله: (والتولي يوم الزحف) في (القاموس): تولى: أدبر، وعنه: أعرض أو نأى، وزحف إليه كمنع زَحْفًا وزُحُوفًا وزَحَفَانًا: مشى، [والدَّبى: مشى] قُدُمًا، والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو، والصبي يزحف قبل أن يمشي (١). وفي (الصراح) (٢): زحف: لشكر رونده سُوئ دشمن ورفتن غثريدن كودك، وفي (مجمع البحار) (٣): هو الجيش الكثير الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، من زَحَفَ الصبي: إذا دبّ على استه، وزحفت راحلته، أي: أعيت ووقفت. وقوله: (الغافلات) أي: البريئات مما قذفن به. ٥٣ - [٥] (عنه) قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إما نفي الكمال كما فسره البخاري، أو خبر في معنى النهي، أو المراد لا ينبغي له ذلك، أو هو تشديد وتغليظ (٤)، وقد يفهم من رواية ابن عباس توجيه آخر، ويومئ إليه قوله: (حين

стр. 294

وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِين يَغُلُّ وَهُوَ مُؤمِنٌ، ــ يزني)، فافهم. وقوله: (ولا يشرب) قيل: هذا وما بعده من القرائن من باب حذف الفاعل، فتدبر. وقوله: (نهبة) بفتح النون مصدر، وبالضم: المال الذي ينتهب ويغار، وكلا المعنيين صحيح، لكن الرواية المشهورة هي الضم. وقوله: (يرفع الناس إليه) إما أن يكون المراد بالناس هم الذين تنتهب أموالهم، أو غيرهم ممن يرونها ولا يقدرون على المنع والدفع، وهذا على طريق العادة، ولبيان قبحه وشناعته، وهذا في أخذ مال المسلم أو ما في حكمه، ويجوز نهب أموال أهل الحرب. وقوله: (ولا يغل أحدكم) في (القاموس) (١): غلّ غلولًا: خان، أو خاص بالفيء، وفي (النهاية) (٢): الغلول: الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، وكل من خان في شيء خُفية فقد غلّ، وسميت غلولًا لأن الأيدي فيها مغلولة أي: ممنوعة كأنه مجعول فيها غُلٌّ، وهي حديدة تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها جامعة أيضًا، انتهى. والمشهور أن المراد في هذا الحديث هو الخيانة من المغنم، وهو من الكبائر،

стр. 295

فَإيَّاكُمْ إيَّاكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٧٥، م: ٥٧]. ٥٤ - [٦] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "وَلَا يَقْتُلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ". قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الإِيْمَانُ مِنْهُ؟ قَالَ: هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا، فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَكُونُ هَذَا مُؤْمِنًا تَامًّا، وَلَا يَكُونُ لَهُ نُورُ الإِيْمَان. هَذَا لَفْظُ البُخَارِيِّ. [خ: ٦٨٠٩]. ٥٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ". . . . . ــ وقد سبق في الحديث: (لا إيمان لمن لا أمانة له) (١)، والأمانة ضد الخيانة مطلقًا، فتدبر. وقوله: (فإياكم إياكم) من باب التحذير، والتكرير للتأكيد المناسب للتحذير، ولا يذهب عليك أنه يحتمل أن يكون من القسم الأول للتحذير، أي: إياكم من هذه الذنوب، ويحتمل أن يكون من القسم الأخير، أي: اتقوا أنفسكم وشرورها. ٥٤ - [٦] (ابن عباس) قوله: (فإن تاب عاد إليه) ظاهره يدل على أن عود الإيمان إنما يكون بعد التوبة، ويمكن أن يكون المراد من التوبة الرجوع والخروج عن ذلك العمل على المعنى اللغوي كما يأتي في الفصل الثاني من حديث أبي هريرة ﵁[برقم: ٦٠]. ٥٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (آية المنافق ثلاث. . . إلخ) (٢) أي: علامته،

стр. 296

زَادَ مُسْلِمٌ: "وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ"، ثُمَّ اتَّفَقَا: "إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ". [خ: ٣٣، م: ٥٩]. ٥٦ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ. . . . . ــ ولا يلزم من وجود علامة النفاق أن يكون النفاق موجودًا حقيقة، يعني أنها من صفات المنافقين، وهم أحقاء بها، ولا يحق للمؤمن أن يتصف بها؛ لما فيها من مخالفة الظاهر للباطن، ولعلها إن اجتمعت في المؤمن واعتاد بها وأصرّ عليها ودامت فيه واستمرت ورسخت يفضي به إلى حقيقة النفاق، وهو إنذار وتحذير للمؤمن أن يتصف بها كيلا يعتاد، وحث على التجنب والتحرز عنها، وتشديد وتغليظ على من اتصف بشيء من ذلك، وإشارة إلى أن النفاق حقيقي ومجازي كالشرك جلي وخفي. وقيل: إن هذا تنبيه وإعلام منه ﷺ لأصحابه بأشخاص المنافقين بذكر صفاتهم ليجتنبوا منهم ويتحرزوا عن صحبتهم من غير تعيين بذكر أسمائهم لئلا يفتضحوا بين الناس وينتشر سرهم، وقد يقال في قوله: (وإذا وعد أخلف) أي: وعد على قصد الخلاف مضمرًا في قلبه ذلك حين الوعد، أما إذا وعد عازمًا على الوفاء، ثم لم يحصل الوفاء بعارض فليس من هذا القبيل، وهذا التأويل يمكن إجراؤه في قوله: (إذا أؤتمن خان) كما لا يخفى. ٥٦ - [٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (أربع) الظاهر المتبادر من العبارة أن قوله: (أربع) مبتدأ والشرطية خبره، والحق أن المدار في نكارة المبتدأ على الإفادة كما قال الرضي.

стр. 297

كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذا خَاصَمَ فَجَرَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤، م: ٥٨]. ٥٧ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغنمَيْنِ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِه مرَّة". رَوَاهُ مُسلم. [م: ٢٧٨٤]. ــ وقوله: (كان منافقًا خالصًا) فيه مبالغة في التشديد والتغليظ. وقوله: (حتى يدعها) الظاهر في المعنى أن الضمير لخصلة لا للخصال جملتها، وأيضًا لو كان للخصال لكان الظاهر أن يقول: يدعهن. وقوله: (إذا عاهد غدر) في (القاموس) (١): العهد: المَوْثِقُ، والغدر ضد الوفاء، فهذا قريب من معنى قوله: (إذا وعد أخلف) وأخص منه. وقوله: (وإذا خاصم فجر) (٢) في (القاموس) (٣): الخصومة: الجدل، وفجر: فَسَقَ وكَذَب [وكذَّب]، وعصى وخالف، وفي (الصراح) (٤): ميل كردن ودروغ كَفتن وبي فرماني [نمودن] وتباهي كردن. ٥٧ - [٩] (ابن عمر) قوله: (كالشاة العائرة) أي: المائلة المترددة لطلب الفحل بين الغنمين، أي: القطيعين لا تدري أيهما تتبع، كذلك المنافق لا إلى هؤلاء

стр. 298

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٨ - [١٠] عَنْ صَفوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ: نَبِيٌّ، إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ لَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَاهُ عَنْ [تِسْعِ] آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ــ ولا إلى هؤلاء معينًا، في (الصراح) (١): عير بيك كَوشه بيرون شدن ناقه بطلب فحل، وخص العائرة بالذكر؛ لأن المنافق يمشي إلى الطائفتين بشهوة نفسه واستيفائها منهم. الفصل الثاني ٥٨ - [١٠] قوله: (صفوان بن عسال) بفتح العين وتشديد السين المهملتين. وقوله: (إلى هذا النبي) أي: الذي يقال: إنه نبي، أو قاله استهزاء يشعر به لفظ (هذا)، أو لأنهم كانوا قائلين بنبوته ﷺ إلى الأميين. وقوله: (لكان له أربع أعين) قالوا: هذا كناية عن مضاعفة السرور، فإن السرور يمد القوة الباصرة، وسمعت من بعض المشايخ أن المراد عينا القلب وعينا الرأس؛ يعني أنه يفرح ظاهرًا وباطنًا، ويمكن أن يقال: إنه إذا سمع يترقب وينتظر ظهور صدقه وشيوع أمره وكثرة أتباعه من أهل ديننا؛ لأن من ينتظر شيئًا ويترقبه يفتح عينيه في طريق وصوله، فكأنه يصير عيناه أربعًا لكثرة الترقب والانتظار، واللَّه أعلم. وقوله: (فسألاه عن تسع آيات بينات) المتبادر إلى الفهم بالنظر إلى قوله تعالى:

стр. 299

وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تَوَلَّوا لِلْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، ــ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وسؤال اليهود أن يكون المراد معجزات ظهرت على يد موسى ﵇ من اليد والعصا والدم وأخواتها (١) على ما ذكرت في التفاسير مع اختلاف فيما ذكروا، فعلى هذا قوله: (لا تشركوا) أحكام ذكرها النبي ﷺ لهم بعد ذكر جوابهم، ولم يذكر الراوي الجواب لشهرتها، قالوا: ويجوز أن يراد بالآيات الأحكام العامة للملل الثابتة لكل الشرائح، سميت بالآيات لأنها تدل على حال المكلف بها من السعادة والشقاوة، ثم استأنف بذكر ما يخص اليهود زائدًا على الجواب. قال الطيبي (٢): إنه كان عندهم عشر آيات، تسع منها متفق عليها، والعاشر مختص بهم، فسألوا عن التسع وأضمروا العاشر، فلما بينه ﷺ قبّلا يديه ورجليه وشهدا بنبوته. أقول: بل ذكر هذه الأحكام كلها دليل على نبوته؛ لأنها مذكورة في التوراة، فذكره ﷺ إياه إنما يكون بالوحي؛ لعدم قراءته التوراة، فهي في حكم الإخبار بالغيب كما لا يخفى، فافهم، ويحتمل أن يكون الجواب على طريقة الأسلوب الحكيم. وقوله: (ببريء) أي: بريء مما يتهم به. وقوله: (ولا تولوا) بضم التاء من التولية في أكثر النسخ، وبلام الجر على الفرار،

стр. 300

وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً الْيَهُودَ أَنْ لَا تَعْتَدَوا فِي السَّبْتِ". قَالَ: فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، ــ وفي بعضها بفتح التاء من التولي بحذف إحدى التائين ونصب الفرار بدون لام الجر، فالمعنى واحد، قال في (القاموس) (١): وَلّى تولية كتولى: أدبر. وقوله: (عليكم خاصة اليهود): (خاصةً) بالتنوين، و (اليهود) بالنصب على الاختصاص، قال التُّورِبِشْتِي: ووجدت في كثير من طرق هذا الحديث (يهود) بغير حرف التعريف، وهو المنادى المفرد المعرفة حذف منه حرف النداء، قال: وذلك أفصح لفظًا، وأحسن معنًى، وقال أيضًا: ولقد أدركت جماعة ممن لا دربة لهم بهذا العلم يتلفظون بقوله: (خاصة اليهود) على صيغة المنادى المضاف، وهم لم يأخذوا العلم من أفواه الرجال، ولم يتفكروا في انحراف المعنى، وذلك لأن الاعتداء في السبت لم يكن مختصًّا بخاصة اليهود دون عامتهم، وليس المعنى كذلك، وإنما المعنى: وفرض عليكم يا يهود وخصّ بكم خاصة أن لا تعتدوا في السبت. وفي (كتاب أبي عيسى): وعليكم اليهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت، وهذا كلام الشيخ توربشتي يوجب أن يؤخذ هذا العلم عن المشايخ ويتمرن برهة من الزمان في خدمته وتصحيحه عليهم، ولا يكتفى فيه بعلم العربية كما فعله بعض العلماء فأخطؤوا، وأما في زماننا فقد شاع بين الطلبة الاشتغال بهذا العلم الشريف كيف شاؤوا وبما شاؤوا، فضلوا وأضلوا، ومن الأدب أن لا يتكلم فيه أحد ما دام في البلد أعلم منه، عافانا اللَّه من ذلك. وقوله: (وقالا: نشهد أنك نبي) أي: نعرفه ونعلمه، ولكن لا نذعن به ولا نؤمن

стр. 301

قَالَ: "فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟ ". قَالَ: إِنَّ دَاوُدَ ﵇ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرَّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (١) وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣١٤٤، س: ٤٠٧٨]. ٥٩ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الإِيْمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا تُكَفِّرْهُ بِذَنْبٍ، وَلَا تُخْرِجْهُ مِنَ الإِسْلَام بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُذْ بَعَثَنِي اللَّهُ. . . . . ــ للمانع المذكور، فافهم. وقوله: (قالا: إن داود ﵇ دعا ربه) افتروا على داود أنه دعا هذا الدعاء؛ لأن داود ﵇ قرأ في التوراة نعت محمد ﷺ وأنه خاتم النبين، وأنه ينسخ به جميع الأديان، فكيف يدعو بخلافه؟ ٥٩ - [١١] (أنس) قوله: (لا تكفره بذنب ولا تخرجه من الإسلام) بيان لعدم التكفير وتأكيد له، والأولى أن الأولى رد على الخوارج، والثانية على المعتزلة القائلين بالواسطة. وقوله: (ماض) أي: باق مستمر، وفيه رد على المنافقين الزاعمين أن دولة الإيمان تنقرض بعد أيام. قال الطيبي (٢): ولعل محيي السنة أورد هذا الحديث في باب النفاق لهذا المعنى،

стр. 302

إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ، وَالإِيمَانُ بالأقْدَارِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٣٢]. ٦٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الإِيمَانُ، فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ، ــ ولا يخفى أن عدم التكفير بالذنب المراد منه الكبيرة أظهر مناسبة لباب الكبائر وبيان حكمها، فلهذا الحديث مناسبة أيضًا بباب الإيمان بالقدر، لكنه اعتبر الجزء الأول منه فأورده في هذا الباب. وقوله: (إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال) غاية لشرعية الجهاد؛ لأن بعد قتله وخروج يأجوج ومأجوج بعده وقتالهم لم يبق كافر. وقوله: (لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل) يعني يجب إمضاؤه مع إمام عادل محب وظالم، فلا يجوز تركه وإن كان ظالمًا، والمراد استواء الحالتين وعدم إبطال الجور، وأيضًا العدول قد يتوهم إبطال الجهاد لوجود الأمن، وعدم الفساد حتى يحتاج به إلى الجهاد، فقال: يجب إقامة الجهاد في الحالتين، كذا قيل، فافهم. ٦٠ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (خرج منه الإيمان) هذا أيضًا تغليظ وتشديد كالحكم بسلبه عنه في الحديث الآخر، ومع ذلك فيه إشارة إلى أنه وإن خالف حكم الإيمان فإنه تحت ظله لا يزول عنه حكمه، وتأويل الإيمان بالحياء لا يوافق سياق الحديث. وقوله: (كالظلة) بالضم: كل ما أظلك، وفي (القاموس) (١): الظل بالضم:

стр. 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أول سحابة تظل، وفي (مجمع البحار) (١): وهي ما بقي من الشمس؛ كسحاب أو سقف أو بيت أو غيرها، والظلة صورة الإيمان تمثل بها. قال السيوطي في رسالته المسماة بـ (المعاني الدقيقة في إدراك الحقيقة): التحقيق أن جميع المعاني المعقولة في هيئة الأجسام المشخصة، والأحاديث النبوية ناطقة به وشاهدة له، وذكر أن المنام من ذلك، فإن الرائي في منامه يرى أجسامًا فتؤول بأعراض، فتلك الأجسام المرئية هي صورة لتلك الأعراض المعبر عنها في عالم الملكوت. ثم سرد الأحاديث في الإيمان، منها هذا الحديث الناطق بكونه في صورة ظلة، وقال: فحمله على الاستعارة من جملة التأويلات البعيدة التي حكمها الرد، وفي السكينة مثل الضبابة أو مثل الغمامة، وفي الصلاة: (أنها تخرج بيضاء مسفرة تقول للعبد: حفظك اللَّه كما حفظتني) (٢)، وكذا في الصيام والإسلام وسائر الأعمال الحسنة والسيئة، وفي الرحم تقوم عند اللَّه وتقول: (هذا مقام العائذ بك من القطيعة) (٣)، وفي الأذكار والدعوات قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، والصعود والرفع من صفات الأجسام. وأخرج الترمذي (٤) وحسنه عن ابن عمرو ﵂ عن النبي ﷺ قال: (لا إله إلا اللَّه ليس لها دون اللَّه حجاب حتى تخلص إليه)، وأمثال هذا كثيرة.

стр. 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي اللعنة (أنها إذا وجهت إلى من وجهت، فإن أصابت إليه سبيلًا أو وجدت فيه مسلكًا وإلا قالت: يا رب وُجِّهْتُ إلى فلان فلم أجد فيه مسلكا ولم أجد عليه سبيلًا فيقال لها: ارجعي من حيث جئت) (١). وفي المعروف والمنكر ينصبان للناس يوم القيامة، وفي الأيام والليالي، وفي الدنيا أن النبي ﷺ قال: (أتتني الدنيا خضرة حلوة، ورفعت رأسَها (٢)، وتزينت لي فقلت: إني لا أريدك، فقالت: إن انفلتَّ مني لم ينفلت مني غيرك) (٣)، وفي حديث آخر: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها) (٤) الحديث، وورد (أنه تحشر الأيام على هيئاتها، وتحشر الجمعة زهراء منيرة أهلها، يحفون بها كالعروس، تضيء لهم يمشون في ضوئها) (٥)، وقال رسول اللَّه ﷺ : (أتاني جبرئيل وفي يده مرآة بيضاء، وفيها نكتة سوداء) (٦) الحديث، وأمثال هذا كثير. وفي الموت: (يؤتى في صورة كبش فيذبح) (٧)، وقد ورد (أن العبد إذا قال: لا إله إلا اللَّه خرج من فيه طائر أبيض يرفرف تحت العرش) الحديث.

стр. 305

فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ رَجَعَ إِلَيْهِ الإيمَانُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبَو دَاوُدَ. [ت: ٢٦٢٥، د: ٤٦٩٠]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٦١ - [١٣] عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ، قَالَ: "لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، ــ وقال: وأخبرني فقير كان به سُعلة فسأل اللَّه تعالى يريه تلك السعلة، قال: فكنت أراها مثل الجرادة تأتي إلي وتعرض بين كتفي وأنا أنظر إليها حتى تنتهي الرئة، فأسعل عند ذلك، فإذا خرجت أنظر إليها حين تخرج وتطير، فيسكن عني السعال، انتهى. وقوله: (فإذا خرج) أي: فرغ منه. الفصل الثالث ٦١ - [١٣] (معاذ) قوله: (وإن قتلت وحرقت) بلفظ المجهول فيهما وتشديد الثاني أي: عرضت لها، فإنه بعد وقوع القتل والتحريق لا معنى للنهي لعدم تصور الإشراك بعد وقوعهما، حمله على اختيار العزيمة لعلو قدره وارتفاع مقامه، وإلا ففي التلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان رخصة في الشرع، ولذلك قال لعمار ابن ياسر ﵁: وإن يعودوا فعد، ويمكن أن المراد لا تعتقد الشرك لخوف القتل والإحراق، ولا ينبغي أن يتطرق الشك في الإيمان إلى قلبك بعارض الخوف، لكنه بعيد كما لا يخفى. وقوله: (وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك) قالوا: هذا شرط للمبالغة وليس بواجب.

стр. 306

فَإِنَّ مَن تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا؛ فَإِنَّهُ رَأَسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ، وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصيَةَ؛ فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللَّهِ، وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ، وَإِذا أصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ وَأَنت فيهم فَاثْبتْ، ــ وقوله: (وإياك والمعصية) وإن كانت صغيرة. وقوله: (فإن بالمعصية) اسم (إن) ضمير الشأن محذوف، وحكم النحاة بضعف حذفه مع (إن) المكسورة مردود؛ لوقوعه في الأحاديث. وقوله: (فإذا أصاب الناس موت) أي: طاعون ووباء، (فاثبت) الأصل أن الطاعون إذا دخل في بلد لا يجوز الخروج عنه، وإذا كان خارجًا لا يجوز الدخول فيه، أما الدخول فيه فلأنه تعرّض للبلاء، وإلقاء للنفس في التهلكة، وهو منهي عنه في الشرع، ومخالف لمقتضى العقل. وأما الخروج عنه فلأن الطاعون والوباء يكون في الغالب عامًّا وشاملًا لعامة أهل البلد، فإذا وقع علم أنه سرت في نفوسهم عامة فلم يفد الخروج؛ لأنه إذا صار وجود المفسدة والعلة تيقنًا والانفكاك عنه غير متوقع؛ كان الاحتراز والفرار عنه عبثًا؛ ولأنهم إذا توافقوا على الخروج ضاع الذين عجزوا عن الخروج بالمرض المذكور أو بغيره، ويفقد من يتعهد ويتفقد أحوالهم في الحياة وبعد الممات، وأيضًا فيه كسر قلوب الضعفاء، وهذا هو الحكمة في ورود الوعيد على الفرار من الزحف. هذا، وفي ذكر الثبوت عند إصابة الناس الموت مع التبعيد عن الفرار يوم الزحف إشارة إلى أنه في حكمه، وقد وقع ذلك صريحًا في حديث روته عائشة ﵂ أن الفرار عن الطاعون كالفرار عن الزحف، ويستلزم كونه كبيرة.

стр. 307

وَأنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ مِنْ طَوْلِكَ، وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَبًا وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٣٨]. ٦٢ - [١٤] وَعَن حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّمَا النِّفَاقُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ أَوِ الإِيمَانُ. رَوَاهُ البُخارِيُّ. [خ: ٧١١٤]. * * * ــ وقد يقال. إن في النهي عن الخروج إشارة من الشارع إلى علاج هذا المرض، وذلك أن الأطباء منعوا صاحب هذه العلة من الرياضة والحركة، وأوصوا بالدعة والسكون حتى يسلم من هيجان الأخلاط، ولا شك أن الخروج من أرض الوباء والسفر إلى أرض أخرى لا يحصل غالبًا إلا بحركة عنيفة، وضرره ظاهر، ففي النهي عنه جمع بين العلاج الجسماني والعلاج الروحاني الذي يحصل من التوكل والصبر والرضاء، وقد ذكرنا حقيقة الطاعون والوباء والفرق بينهما طِبًّا وشرعًا في (شرح سفر السعادة) فعليك به، وسنذكر تتمة هذا البحث في الفصل الثاني من باب الفأل والطيرة في حديث (١) (إن من القرف التلف) إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: (من طولك) الطول بالفتح: الفضل والقدرة، والغنى والسعة. وقوله: (أدبًا) مفعول له لما يتضمنه (لا ترفع عصاك) من معنى الضرب. ٦٢ - [١٤] (حذيفة) قوله: (إنما النفاق) أي حكمه بعدم التعرض لأهله والستر عليهم كان على عهد رسول اللَّه ﷺ لمصالح كانت مقتصرة على ذلك الزمان، أما اليوم فلم تبق تلك المصالح، فنحن إن علمنا أنه كافر سرًّا قتلناه حتى يؤمن.

стр. 308

٢ - باب الوسوسة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٦٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا. . . . . ــ ٢ - بَابُ الوَسْوَسَةِ الوسوسة في الأصل بمعنى الصوت الخفي، يقال: وسوس الحلي: إذا تحرك، ويطلق على كلام مختلط غير مبين، يقال: وسوس: إذا اختلط كلامه وتكلم بكلام لم يبينه، وفي الشرع: حديث النفس والشيطان من الأفكار الفاسدة والخواطر الرديئة الداعية إلى المعاصي، وما يدعو إلى الطاعات إلهامٌ، ويقال: الوسواس بالفتح والكسر، وقيل: بالفتح الاسم وبالكسر المصدر، والوسواس اسم للشيطان أيضًا، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس: ٤]. الفصل الأول ٦٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما وسوست به صدورها) يروى بالرفع وهو الأظهر؛ لأن وسوس لازم، ويراد بصدورها أنفسها، ويروى بالنصب، ووسوست بمعنى حدثت، والضمير للأمة، كما جاء في الرواية الأخرى: (ما حدثت به أنفسها)، ويجوز فيها الرفع أيضًا، لكن النصب يؤيده ما جاء في أحاديث أخر: (إن أحدنا يحدث نفسه)، و (إني أحدث نفسي)، وظاهر الحديث أن العبد لا يؤاخذ ما لم يعمل، وإن همّ بمعصية ومحزم عليها، وإليه ذهب بعض العلماء أخذًا بظاهر الحديث، والصواب الذي عليه أكثر الفقهاء والمحدثين أنه يؤاخذ على العزم دون الهم، وتحقيقه أن ما وقع في القلب بغتة من غير اختيار سمّاه بعضهم الهاجس فهو معفو عن جميع الأمم لعدم

стр. 309

مَا لم تعْمل بِهِ أَو تَتَكَلَّم". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٢٨، ٦٦٦٤، م: ١٢٧]. ٦٤ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ ناسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا. . . . . ــ الاختيار فيه، ثم إذا استمرّ وجال في الصدر يسمّى الخاطر فهو معفو عن هذه الأمة فضلًا من اللَّه وتكريمًا لنبيهم ﷺ ، وهو في حكم السهو والنسيان اللذين رفعا عن هذه الأمة. ثم إذا همّ بالمعصية في قلبه بالمحبة والتلذذ كما يقصد الوصول إلى امرأة يحبها، فهذا أيضًا مرفوع، ولا يكتب ما لم يعمل، بل تكتب حسنة إذا همّ وكفّ نفسه عن العمل، وقد وردت فيه أحاديث متعددة. وههنا قسم آخر، وهو العزم، وهو توطين النفس على المعصية، وعقد القلب بها، والتهالك عليها بحيث لا يمنعه عنها إلا عدم تهيؤ الأسباب من خارج، وليس في نفسه مانع وكراهة ونفرة منها، ويؤاخذ عليه؛ لأنه من أعمال القلب، والعبد مؤاخذ عليها، ومن هذا القبيل العقائد الفاسدة ومساوئ الأخلاق، والهم الذي ذكرنا سابق عليه، وليس المراد به القصد الذي يقع به الفعل ويقارنه، وقد يذكر بمعنى العزم، ويقال بالمؤاخذة، لكن العبرة للمعنى. وينبغي أن يعلم أن عزم الزنا ليس في حكم حقيقة الزنا، والمؤاخذة عليه مؤاخذة الزنا، بل هو معصية في نفسه أدنى من الزنا، وبهذا التحقيق ينحل كثير من الإشكالات، ويحصل به التطبيق في الأحاديث والآيات، فتدبر. وقوله: (ما لم تعمل) في الأفعال، (أو تتكلم) في الأقوال. ٦٤ - [٢] (عنه) قوله: (إنا نجد) بكسر الهمزة وفتحها.

стр. 310

مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: "أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "ذَاك صَرِيحُ الإِيْمَان". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٤]. ٦٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ. . . . ــ وقوله: (ما يتعاظم) صيغة التفاعل للمبالغة، أي: يجد أحدنا التكلم به في غاية العظم لاعتقاد القلب بنقيضه يقينًا. و(أحدنا) مرفوع، وقال الطيبي (١): ويجوز النصب، أي: يعظم [ويشق التكلم به] على أحدنا، كأنه يريد نصبه على الحذف والإيصال، ولا يخفى بُعده، ثم لا يدرى أن قوله: (ويجوز النصب) ما معناه؟ إما بالرواية أو بمجرد احتمال العربية، فلا يجدي الثاني نفعًا، فهلا يقول: يروى بالنصب؟ واللَّه أعلم. وقوله: (أوقد وجدتموه) مثل هذه العبارة في القرآن والأحاديث كثيرة، وإعرابها أن الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدر من فعل عام، أي: حصل أو وجد ذلك، وقد وجدتموه، وفيه تكرير وتأكيد. وقوله: (ذاك) إشارة إلى التعاظم أو وجدانكم إياه عظيمًا (صريح الإيمان)، لأن التعاظم إنما يكون لاعتقاد بطلانه، ولخوف اللَّه وخشيته وتعظيمه، وكله من الإيمان. ٦٥ - [٣] (عنه) قوله: (فيقول) وهذا القول وأمثاله هو الذي أجمله في الحديث السابق بقوله: (ما يتعاظم أحدنا). وقوله: (فإذا بلغه) أي: بلغ الشيطان هذا القول، وهو: مَنْ خَلَقَ ربك،

стр. 311

فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٧٦، م: ١٣٢]. ٦٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ. . . . ــ (فليستعذ باللَّه ولينته) بالقيام وتغير الحالة؛ فإنه مؤثر في دفع ما فيه الرجل كما في حالة الغضب ونحوها، وإنما أمر بالاستعاذة والانتهاء لأن في محاجة الشيطان والمناظرة معه فتح باب الوساوس وزيادتها، ولعله يغلب بالشبه والمغالطات، ولم يقدر أحدكم على دفعه، ولا سبيل إلا الاستعاذة باللَّه تعالى، والطلب منه تعالى أن يدفع شره بالتمسك باسمه الهادي، وقد أمر في القرآن المجيد بالاستعاذة من شر الوسواس، والاشتغال بالرياضة، وتزكية النفس، وتصفية القلب أعلى أقسام الاستعاذة. واعلم أن الخلاص من اللعين الرجيم لا يحصل إلا بالإعراض عنه، وترك الجدال والتقاول به وإن جاء بصورة النصيحة والإنصاف، فإن كيده مستتر فيه، قالوا: قد جاء الشيطان في صلاة بعض المشايخ وقال: لم تصل هذه الصلاة التي صليتها كما ينبغي فأعدها، قال: لا أعيد، صليت كما تيسر لي وأعتذر إلى ربي سبحانه من التقصير، فألحّ في ذلك، وقال: إني لك لمن الناصحين، هذه عبادة ومقامك عند اللَّه رفيع، فلا تواجهه بمثل هذه الصلاة، قال: لا أعيد وأرضى بنزول مقامي، قال: فإن اللَّه لا يقبل منك مثل هذا العمل، قال: ربي كريم يقبل مني ولا يتأتى مني أكثر من هذا، فانخذل العدو ومضى، والحمد للَّه. ٦٦ - [٤] (عنه) قوله: (لا يزال الناس يتساءلون) الظاهر من العبارة أن التساؤل يجري بين الناس بعضهم مع بعض ولا بعد، فقد يتفق السؤال إلى أن يبلغ إلى هذا القول، ويشهد بذلك حديث مسلم (١): (لا يزال الناس يسألونكم عن العلم

стр. 312

حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: . . . . ــ حتى يقولوا: هذا اللَّه خلقنا فمن خلق اللَّه؟ ) وحديث: (لا يزال الناس يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا: هذا اللَّه خلقنا فمن خلق اللَّه؟ ) وحديث البخاري: (إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا ما كذا حتى يقولوا: هذا اللَّه خلق الخلق فمن خلق اللَّه؟ ) (١). والظاهر أن المجادلين من أهل الكلام المتوغلين فيها غير المتحاشين من إطلاق مثل هذه الألفاظ في مباحثاتهم من غير مبالاة بما يتفوهون داخلون في هذا الوعيد، وعلى هذا ليس هذا من قبيل الوسوسة، ويحتمل أن يكون المراد التساؤل بين الناس وأنفسهم والشياطين، وعلى هذا هو من باب الوسوسة. نعم وقوعه بينهم وبين النفس والشيطان أكثر. وقوله: (حتى يقال: هذا خلق اللَّه الخلق فمق خلق اللَّه؟ ) في هذه العبارة وجوه أظهرها وأقلها تكلفًا أن يكون المعنى حتى يقال هذا القول، وهو خلق اللَّه. . . إلخ، ويحتمل أن يكون التقدير: هذا قد علم، أو علم هذا، ويكون هذا إشارة إلى ما جرى من الكلام بينهم بالتساؤل كما يقع في عبارات المصنفين هذا، أي: علم هذا ومعنى هذا، وهذان الوجهان ذكرهما التُّورِبِشْتِي، وزاد الطيبي (٢) وجهًا آخر، وهو أن التقدير: هذا مقرر، و (خلق اللَّه) بيان له، ووجهًا آخر، وهو أن يقدر: هذا القول مقرر، فوضع (خلق اللَّه الخلق) موضع القول، وهو بعيد، فإن هذا إنما يوصف بالمعرف باللام

стр. 313

آمَنتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ عن أنس: ٧٢٩٦، م: ١٣٤]. ــ لا بما وضع موضعه، هذا وقد جاء في رواية مسلم عن أنس، وفي رواية البخاري عن أبي هريرة -كما يأتي في الفصل الثالث (١) -: (هذا اللَّه خلق الخلق)، وهو يحتمل سوى الوجوه المذكورة أن يكون (هذا اللَّه) مبتدأ وخبرًا، أو (هذا) مبتدأ، و (اللَّه) عطف بيان، و (خلق الخلق) خبره. واعلم أن قوله: (فمن خلق اللَّه) بعد قوله: (خلق اللَّه الخلق) ظاهر الفساد، إذ لم يبق شيء يوصف بالخلقة إلا دخل تحت قوله: (خلق اللَّه الخلق)، فإذا ادّعى قسمًا آخر خارجًا عن تلك الجملة فقد ناقض بأخر كلامه أوله، وكان المقصود التشكيك في انتهاء سلسلة الوجود إلى الواجب تعالى وتقدس، والذهول والإذهال عنه، وطريقة أهل العقل في ذلك التمسك والتعلق بالدليل والبرهان، ولكن قضية جناب الرسالة عن ذلك الاستعاذة والالتجاء باللَّه تعالى والإيمان به، فافهم. وقوله: (آمنت باللَّه ورسله) إن كان ذلك القول صادرًا عن اعتقاد وسؤالًا عن خالقه تعالى وتقدس مع تسليم كونه مخلوقًا كما هو الظاهر من عبارة (من خلق اللَّه) فهو كفر، وهذا القول توبة ورجوع عن ذلك، وإن كان بطريق الوسوسة أو البحث والمجادلة خصوصًا إذا كان التساؤل بين النفس والشيطان على ما قاله الطيبي (٢) لم يكن كفرًا، فقوله: (آمنت) في المعنى استعاذة وانتهاء، فاقتصار الطيبي في تعليل قوله: (فليقل آمنت باللَّه) على أنه كفر يجب تداركه بكلمة الإيمان لا يخلو عن شيء، فليتأمل.

стр. 314

٦٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ". قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَإِيَّايَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، ــ ٦٧ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة) أي: بكل أحد من بني آدم مصاحب من الملك ومصاحب من الشيطان، وهو القرين، فقرينه من الملائكة يأمره بالخير، وقرينه من الشيطان يأمر بالشر، وقد ورد في بعض الروايات أنه لا يولد لبني آدم ولد إلا يولد لإبليس مثله ويوكل به، كذا في الحواشي نقلًا عن بعض الشروح. وقوله: (وقرينه من الملائكة) ليس في (المصابيح) ولا في نسخ من (صحيح مسلم)، وقال الطيبي (١): ولكن ذكره الحميدي والصغاني في (المشارق) عن مسلم. وقوله: (قالوا: وإياك) أي: وإياك يعني أيضًا داخلًا في هذا العموم، وفي رواية: (قيل: وأنت، قال: وأنا)، هكذا ذكر لفظ الحديث في (مشارق الأنوار) للقاضي عياض. وقوله: (فأسلم) قال التُّورِبِشْتِي: يووى مفتوحة الميم على بناء الماضي من الإسلام، ومضمومة الميم على بناء المضارع من السلامة، ومن أهل العلم من يختار الرواية بضم الميم، ويقول: القرين من الجن إنما هو الشيطان، والشيطان هو المصر على العتو والتمرد، والمطبوع على الكفر فأنّى يتصور منه الإسلام؟ قلت: وإذا صحت الرواية فلا عبرة بهذا التعليل، ولا يستبعد من فضل اللَّه

стр. 315

فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١٤]. ٦٨ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٣٨، م: ٢١٧٥]. ــ ورحمته أن يختص حبيبه ﷺ بهذه الكرامة، على أن قوله ﷺ : (فلا يأمرني إلا بخير) يحكم عليه بخلاف ما ذهب إليه، مع أن قوله: (فأسلم) بفتح الميم يحتمل أن يكون بمعنى أذعن، انتهى. وقد يتعقب دلالة قوله: (فلا يأمرني إلا بخير) على الإسلام بحديث أبي هريرة في توكيله ﷺ بحفظ زكاة رمضان وتعليم الشيطان إياه آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه، وقوله ﷺ : (صدقك وهو كذوب)؛ لأنه يدل على تعليم الكافر الخير، اللهم إلا أن يراد العموم، فافهم. نعم توجيه رواية الفتح بكونه بمعنى أذعن واستسلم صحيح، يدل عليه حديث تفلّت الشيطان وقطع الصلاة عليه ﷺ ، وقوله ﷺ : (فأمكنني اللَّه منه، فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد)، وقد جاء في رواية: (فاستسلم)، قال القاضي عياض: وقد روي في غير هذه الأمهات (فاستسلم)، وقال صاحب (النهاية) (١): ويشهد لكونه من الإسلام حديث: (كان شيطان آدم كافرًا وشيطاني مسلمًا)، وهذا هو المختار، فليس ببعيد أن يخص اللَّه سبحانه نبيه ﷺ بهذا الفضل والكرامة كما لا يخفى. ٤٦٨ - [٦] (أنس) قوله: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم):

стр. 316

٦٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٣١، م: ٢٣٦٦]. ــ (مجرى) إما مصدر أو اسم، وعلى التقديرين يمكن إجراء الكلام على جريان الشيطان نفسه في بدن الآدمي لكونه من الأجرام اللطيفة، أو على جريان وساوسه فيه، والمقصود تمكنه من إغواء الإنسان تمكنًا تامًا، وتخصيص الطيبي (١) جواز الاحتمال الأول بالثاني تحكم، فتأمل. ٦٩ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (إلا يمسه) المس: اللمس باليد، من سمع ونصر، والأول أفصح. وقوله: (فيستهل) في (الصحاح) (٢): استهل الصبي، أي: صاح عند الولادة، وأَهَلَّ المُعْتَمِرُ: إذا رفع صوته في التلبية، وفي (القاموس) (٣): استهل الصبي: رفع صوته وخفضه، وفي (النهاية) (٤): استهلال الصبي تصويته عند ولادته، و (الصراخ) بضم الصاد: الصوت أو شديده. أخبره النبي ﷺ بأن الشيطان يمس كل مولود ويصييه بما يؤذيه ويؤلمه، ويتعرض له بما لم يعهد من الآلام، وهذا الإيلام هو المراد من النزغ المذكور في الحديث الآتي، ونزغه: طعنه، وبينهم: أفسد وأغوى ووسوس.

стр. 317

٧٠ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٤٨ بمعناه، م: ٢٣٦٧]. ــ ٧٠ - [٨] (عنه)، وفي (النهاية) (١): (صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان) أي: نخسة وطعنة، وقال التُّورِبِشْتِي: نزغه ونسفه: إذا نخسه بعود، وصوت الصبي وصراخه في تلك الحالة من ذلك الإيلام والإصابة، وقال: النزغ هو الدخول في أمر لإفساده، والشيطان إنما يبتغي بلمسه إفساد ما ولد المولود عليه من الفطرة، واستثنى ﷺ من ذلك مريم وابنها، وذلك لإجابة دعاء امرأة عمران أم مريم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، قالوا: وتفرد عيسى وأمه بذلك لا يدل على فضلهما على نبينا؛ إذ له ﷺ فضائل وكرامات لم يكن لأحد من النبيين، ولا يلزم أن يكون في الفاضل جميع صفات المفضول. قال العبد الضعيف صانه عما شانه: الظاهر أن نبينا ﷺ مستثنى من هذا العموم، وأنه يخبر عن عامة أحوال بني آدم سوى نفسه الكريمة المقدسة، إذ شأنه أرفع وأعلى من أن يدخل في مثل هذا الحكم، إذ هو الطاهر المطهر من كل دنس، والمعصوم من آفات الشيطان وإفساده خصوصًا في أول خلقه وحين ولادته كما خصوه في أمثال هذا؛ كإلباس إبراهيم ﵇ أَوّلًا بعد البعث ونحوه. نعم يمكن أن يكون جريان السنة الإلهية في مس الشيطان وقت الولادة كعموم ورود الأنبياء جهنم تحلة للقسم من غير وصول أثر هذا المس والنزغ إليهم وتضررهم به كما في ورود جهنم، وقد خصه بعض العلماء على ما روي عن ابن عباس ﵄ من ذلك الورود أيضًا، وقد قيل: إن المتكلم قد لا يدخل في عموم ما يخبر به الناس، واللَّه أعلم (٢).

стр. 318

٧١ - [٩] وَعَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ يبْعَثُ سَرَاياهُ يَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَدْناهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: . . . . ــ ٧١ - [٩] (جابر) قوله: (يضع عرشه على الماء) العرش: سرير الملك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، ووضعه إن كان على سطح الماء فإمساك اللَّه تعالى إياه من قبيل الاستدراج، وإن كان على شاطئ البحر فلا إشكال، ولا ضرورة في حمله على الكناية عن الاستيلاء والتملك كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] للضرورة هناك. وقوله: (ثم يبعث سراياه) وهي جنوده، جمع سرية بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء: طائفة من الجيش تبعث على العدو. قال في (القاموس) (١): هي من خمسة أنفس إلى ثلاث مئة أو أربع مئة. وقوله: (فأدناهم) أي: أقربهم، في (القاموس) (٢): دَناه دُنُوًّا، ودَنَّاه تَدْنِيَةً، وأَدْنَاه: قَرَّبَه، واستدناه: طلب منه الدنو. وقوله: (أعظمهم فتنة) في (القاموس) (٣): الفتنة بالكسر: الخبرة، والضلال، والإثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، وإذابة الذهب والفضة، والإضلال، والجنون،

стр. 319

مَا تَرَكَتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، ــ والمحنة، والمال، والأولاد، واختلاف الناس في الآراء، وفَتَنَه يفتنه: أَوْقَعَه في الفتنة، كَفتَّنَهُ وأَفْتَنَهُ فهو مُفْتَّنٌ ومَفْتُونٌ، ووقع فيها، لازمٌ ومتعدٌ، كافتتن فيهما، وإلى النساء، أراد الفجور بهن. وفي (مجمع البحار) (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] حرقوهم، من فتنت الفضة بالنار ليتميز رديئها من جيدها، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١] اختباره أو كفره ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]، أي: الفتون، أي: الجنون، أو الباء زائدة ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]، أي: على اللَّه بمضلين، وإنكم تفتنون في القبور، أي بمسألة منكر ونكير، من الفتنة وهو الامتحان، وأصل الفتنة الامتحان، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر، والقتال والإحراق، والإزالة والصرف عن الشيء. وقوله: (حتى فرقت بينه وبين امرأته) قال التُّورِبِشْتِي: أما استبشار الشيطان بمن فرق بين الرجل وامرأته، واستحسانه لذلك؛ فلأن الملعون حل عقدة عقدها الشرع، وترك الزوجين بمضيعة من تحصين الدين، وذلك عنده من جلائل الأمور، وعظائم الشؤون، انتهى. والظاهر من كلامه أن غرض اللعين إيقاع بني آدم في الذنوب والمعاصي حتى يعذبوا ويهلكوا، وذلك من عداوته لهم، ولكن لا خصوصية لذلك بالزوجين، فلذلك قال الطيبي (٢): يريد حل ما يعقده الشرع ليستبيح ما حرمه، فيكثر الزنا وأولاد الزنا، فيفسدوا في الأرض ويتعدوا حدود اللَّه، ومن ثم ورد عن النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة ولد زنية)، انتهى.

стр. 320

وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ"، قَالَ الأَعْمَشُ: أرَاهُ قَالَ: "فَيَلْتَزِمْهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١٣]. ٧٢ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ. . . . ــ أقول: قد تكلم الحفاظ في ثبوت هذا الحديث، قال ابن طاهر وابن الجوزي (١): إنه موضوع، وقال الشيخ مجد الدين في (سفر السعادة): باطل لم يثبت، وقد ذكرنا طرقه في شرحه، وقال ابن حجر العسقلاني (٢): وعلى تقدير الصحة فسره العلماء بأن المراد لم يدخل إن عمل بمثل عمل والديه، وقيل: المراد بولد الزنا من يواظب عليه ويلازمه، كما يقال للشجعان: بنو الحرب، ولأولاد المسلمين: بنو الإسلام، هذا ويمكن أن يراد بالتفريق بين الرجل وبين امرأته إيقاع الخصومة والشقاق بينهما حتى لا يجتمعان ولا يباشران الجماع، فلا يحصل الولد، وهذا أيضًا من العداوة؛ لأن العدو يحب قطع نسل أعدائه، واللَّه أعلم. وقوله: (نعم أنت) فاعل (نعم) محذوف، و (أنت) مخصوص بالمدح. وقوله: (قال الأعمش) وهو راوي الحديث عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر، فالمضمر المنصوب في (أراه) لطلحة، ويحتمل أن يكون لجابر ويكون هذا قول طلحة، فالمعنى قال الأعمش: قال طلحة: أراه، أي: جابرًا، فافهم. (قال: فيلتزمه) أي: يعانقه زيادة على (فيدنيه)، أو بدله. ٧٢ - [١٠] (عنه) قوله: (إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المصلون) قال
следующие страницы →