رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: فِي دُبرِ الصَّلَاةِ، وَرَوَى أَحْمَدُ لَفْظَ الْحَدِيثِ، وَعِنْدَهُ: فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ. [ت: ٣٠٣، ن: ١٣٤٧، حم: ٥/ ٣٩].
٢٤٨١ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَعْدِلُ الْكُفْرَ بِالدَّيْنِ، قَالَ: "نَعَمْ". وَفِي رِوَايَةٍ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ" قَالَ رَجُلٌ: وَيُعْدَلَانِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥٤٨٥].
* * *
٩ - باب جامع الدعاء
ــ
الإجازة في الأوراد.
وقوله: (وروى أحمد لفظ الحديث) أي: دون القصة.
٢٤٨١ - [٢٥] (أبو سعيد) وقوله: (نعم) أي: نعم، المديون يساوي الكافر والمنافق، فإن الرجل إذا غلبه الدَّين يكذب ويُخلف الوعد ويَفجر، وتلك من صفات المنافقين وعلاماتِ النفاق، والفقير أيضًا إذا لم يصبر كاد يفضي فقره إلى الكفر.
٩ - باب جامع الدعاء
من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الدعاء الجامع لمعان كثيرة في ألفاظ قليلة مثل جوامع الكلم، أو جامع للمقاصد، وهذا من خواص الأدعية المأثورة، والمراد بالدعاء الجنس.
стр. 2732
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٤٨٢ - [١] عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أعلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ،
ــ
الفصل الأول
٢٤٨٢ - [١] (أبو موسى الأشعري) قوله: (جدي وهزلي) في (القاموس) (١): الجِد: الاجتهاد في الأمر، وضد الهزل، وقال الأصوليون: الجد ما يراد معناه، كقولك: بعت واشتريت، مريدًا البيع والشراء، والهزل ضده.
وقوله: (وكل ذلك عندي) قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه، كذا قال الطيبي (٢)، وهو في الحقيقة لتعليم الأمة، وفيه توجيهات أُخر ذكروها في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢].
وقوله: (ما قدمت وما أخرت) كناية عن جميع الذنوب، أو ما كان قبل النبوة وبعدها، أو تعتبر نسبة بعض الذنوب إلى بعض؛ فإن التقدم والتأخر إضافيان، فبعضُها يكون متقدمًا بالنسبة إلى بعضٍ ومتأخرًا، أو المراد بـ (ما أخرت): ما لم يعمل بعد، فالمراد غفرانها على تقدير وقوعها.
وقوله: (أنت المقدم وأنت المؤخر) قد علم معناهما في (باب أسماء اللَّه تعالى).
стр. 2733
وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٩٩، م: ٢٧١٩].
٢٤٨٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَياةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرِّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٢٠].
٢٤٨٤ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٢١].
٢٤٨٥ - [٤] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُلِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ. . . . .
ــ
٢٤٨٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (ديني الذي هو عصمة أمري) فإن العصمة في النفس والمال والعِرض إنما تحصل بالدين، وإصلاحُ الدنيا بوصول الكفاف على وجه الحلال، ليتم أمر المعيشة، ويحصل به العونُ على الطاعة، والسلامةُ عن الآفات التي تورث خللًا وتشويشًا في الوقت، وإصلاح المعاد: التوفيق لما يهيِّئ النجاة عن العذاب، والفوز بالسعادة في الآخرة، وجَعْلُ الموتِ راحة من كل شر: التوفي عند خوف الفتنة، ولحوقِ الضرر في الدين.
٢٤٨٤ - [٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (والعفاف) عفّ عَفًّا وعَفافة بالفتح وعِفّة بالكسر: كف عما لا يَحل ولا يُحمد من السؤال والذل، كاستعف وتعفف، (والغنى) بالمال وبالقلب وهو الأصل.
٢٤٨٥ - [٤] (علي) قوله: (واذكر بالهدى) أي: اخطر ببالك في معنى الهداية
стр. 2734
وَبِالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٢٥].
٢٤٨٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمُهُ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٩٧].
٢٤٨٧ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٨٩، م: ٢٦٩٠].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٤٨٨ - [٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو يَقُولُ: "رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ،
ــ
وطلبِها هدايةَ من سلك الطريق المستقيم من غير ميل إلى يمين وشمال، و (سداد) يشبه سداد السهم نحو الغرض، أي: والسداد غاية الهدى ونهايته.
٢٤٨٦ - [٥] (أبو مالك الأشجعي) قوله: (علمه النبي ﷺ الصلاة) لكونها أفضل الأعمال وكونها واجبة بالفعل.
٢٤٨٧ - [٦] (أنس) قوله: (كان أكثر دعاء النبي ﷺ ) لكونه جامعًا لجميع الخيرات والبركات.
الفصل الثاني
٢٤٨٨ - [٧] (ابن عباس) قوله: (رب أعني) أي: على أعدائي في الدين والدنيا من النفس والشيطان والجن والإنس، والمعين: الظهير، والنصير أيضًا بمعنى الإعانة، ويتضمن معنى الإنجاء والتخليص.
стр. 2735
وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا، لَكَ مُخْبِتًا، إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا. رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي،
ــ
وقوله: (وامكر لي ولا تمكر علي) مكرُ اللَّه: إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون، وقيل: المكر: حيلة توقع بها المرء في الشر، وهو من اللَّه تعالى تدبير خفي، وهو استدراجه بطول الصحة وبظاهر النعمة، وقد يكون المكر باستدراج العبد بالطاعات، فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة. وحاصله: ألحق مكرك بأعدائي لا بي.
و(بغى) (١) بفتح الغين، و (راهبًا) أي: خائفًا، و (المطواع) المطيع، طاع له يطوع ويطاع: انقاد، و (أخبت) خشع وتواضع، والخَبْت في الأصل: المطمئن من الأرض، وأخبت الرجل: إذا قصد الخَبْت، فالمخبت هو المتواضع الذي اطمأن قلبه إلى ذكر ربه، و (الأواه) بتشديد الواو كثير التأوه من الذنوب، وكل كلام يدل على الحزن يقال له: التأوه، ويعبر بالأواه عمن يظهر ذلك خشية للَّه، في (الصحاح) (٢): أَوْهِ ساكنة الواو، وربما قلبوا الواو ألفًا، وقالوا: آهِ من كذا، وأَوّه من كذا، بالتشديد، ويحذف الهاء أيضًا ويقال: أوّ من كذا، ويقال: آوَّهْ بالمدّ والتشديد وفتح الواو، ويقال: أَوَّتاهُ بإدخال التاء، وفي (الصراح) (٣): أوه: درد وناله نمودن، تأويه تأوه: آه كَفتن، وفي (القاموس): الأَوَّاهُ: المُوقِنُ أَو الدَّعَّاءُ، أَو الرَّحيمُ الرقيقُ، أَو الفقيهُ، أَو المُؤْمِنُ بالحَبَشِيَّةِ. و (الحوبة) بالفتح الإثم وقد يضم.
٢٤٩١ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ مَا زَويتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٩١].
٢٤٩٢ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءَ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: "اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشيِتَكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ،
ــ
مفاعلة من العافية، فالمعافاة أن يعافيك اللَّه عن الناس بصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم، وقيل: مفاعلة من العفو، يعني: عفوك عنهم وعفوهم عنك، والمآل واحد.
٢٤٩١ - [١٠] (عبد اللَّه بن يزيد) قوله: (عبد اللَّه بن يزيد الخطمي) بفتح الخاء المعجمة نسبة إلى خطمة فخذ من الأوس وقد مرّ.
وقوله: (ما رزقتني مما أحب) أي: من المال والعافية وسائر النعم الدنياوية، (فاجعله قوة لي فيما تحب) بأن أصرفه في سبيلك وطلب رضائك وطاعتك شكرًا على ذلك، و (ما زويت) أي: قبضت وصرفت عني من الأشياء المذكورة، فاجعل صرفك إياه عني موجبًا لفراغي في طاعتك، واشتغالي بها خالصًا، يعني: إن أعطيتني شيئًا من الدنيا فوفقني بشكره حتى أكون من الأغنياء الشاكرين، وإن منعتني منه فاجعلني فارغًا عنه غير متعلق به حتى أصير من الفقراء الصابرين.
٢٤٩٢ - [١١] (ابن عمر) قوله: (لأصحابه) لكونهم داخلين في لفظ الجمع، أو تعليمًا لأصحابه.
وقوله: (ما تحول به) قد جاء نسبة الحول إليه تعالى في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤].
стр. 2738
وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيْبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا،
ــ
وقوله: (وقوتنا) في بعض الروايات: (وقوانا).
وقوله: (واجعله الوارث منا)، ذكروا في تأويل هذا الحديث وجوهًا:
الأول: أن الضمير في (اجعله) للمصدر الذي هو الجعل، أي: اجعل جعلًا، وعلى هذا الوجه (الوارث) مفعول أول، و (منا) مفعول ثان، أي: اجعل الوارث من نسلنا لا كلالةً خارجة منا، والكلالة قرابة ليست من جهة الولادة، وهذا الوجه قد ذكره بعض النحاة في قولهم: إن المفعول المطلق قد يضمر، ولكن لا يتبادر إلى الفهم من اللفظ، ولا ينساق الذهن إليه كما لا يخفى.
والثاني: أن الضمير للتمتع الذي هو مدلول (مَتِّعْنا)، والمعنى: اجعل تمتعنا بها باقيًا مأثورًا فيمن بعدنا؛ لأن وارث المرء لا يكون إلا الذي يبقى بعده، فالمفعول الثاني (الوارث)، وهذا المعنى يشبه سؤال خليل الرحمن على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
وقيل: معنى وراثته دوامُه إلى يوم الحاجة إليه، يعني يوم القيامة، والأول أوجه؛ لأن الوارث إنما يكون باقيًا في الدنيا.
والثالث: أن الضمير للأسماع والأبصار والقوى بتأويل المذكور، ومثل هذا شائع في العبارات لا كثير تكلُّف فيها، وإنما التكلف فيما قيل: إن الضمير راجع إلى أحد المذكورات، ويدل ذلك على وجود الحكم في البواقي؛ لأن كل شيئين تقاربا في معنيهما فإن الدلالة على أحدهما دلالة على الآخر، والمعنيُّ بوراثتها: لزومها له إلى موته؛ لأن الوارث من يلزم إلى وقت موته.
стр. 2739
وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِيننَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا،
ــ
هذا وقال التُّورِبِشْتِي (١): قد روي هذا الحديث عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه الذي أوردناه، وهو قوله ﷺ : (اللهم متِّعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني). أقول: وهذا يؤيد الوجه الثالث.
ثم قد ذهب بعض العلماء في تأويله إلى أن المراد بالسمع والبصر أبو بكر وعمر ﵄، واستدلوا بقوله ﷺ : (لا غنى بي عنهما [إنهما] في الدين بمنزلة السمع والبصر في الرأس)، وبقوله: (هذان بمنزلة السمع والبصر)، فكأنه ﷺ دعا بأن يمتع بهما في حياته وأن يرثاه خلافة النبوة بعد وفاته، ولكن الحديث المذكور في الكتاب لا يحتمل ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (واجعل ثأرنا على من ظلمنا) الثأر في الأصل: الغضب، من الثور بمعنى الهيجان، أي: قوّنا وأقدرنا على أن ندرك ثأرنا ممن ظلمنا، ويستعمل الثأر في الغالب على طلب الدم من القاتل، والمراد: اجعل ثأرنا مقصورًا على من ظلمنا حتى لا نأخذ غير الجاني كما كان في الجاهلية يقتلون جماعة لواحد، أو غيرَ من قتل من أقربائه.
وقوله: (ولا تجعل الدنيا أكبر همنا) إنما قال كذلك لأن أصل الهم في الدنيا لا بد منه، ولا يخلو عنه أحد.
وقوله: (لا مبلغ علمنا) تلميح إلى قوله سبحانه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩ - ٣٠].
стр. 2740
وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٠٢].
٢٤٩٣ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حديثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٥٩٣، جه: ٣٨٣٣].
٢٤٩٤ - [١٣] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَمَكَثْنَا سَاعَةً،
ــ
وقوله: (ولا تسلط علينا من لا يرحمنا) يعني: لا تجعلنا مغلوبين للكفار والظَّلمة، أو لا تجعل الظالمين حاكمًا علينا، وقيل: المراد ملائكة العذاب في القبر وفي النار.
٢٤٩٣ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني) إشارة إلى ما ورد: (مَن عَمِل بما عَلِم أورثه اللَّه علم ما لم يعلم).
وقوله: (وزدني علمًا) إشارة إلى الترقي في مقامات السلوك إن كان العلم علم المكاشفة، وإن كان علم المعاملة يكون المراد زيادة العلم والعمل، فالعلم يحصل بالعمل ثم هو يحصل بالعلم وهكذا إلى ما شاء اللَّه، فافهم.
٢٤٩٤ - [١٣] (عمر بن الخطاب) قوله: (عند وجهه) أي: من جانب وجهه، (كدويّ النحل) بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، ودوي الريح: حفيفها بالحاء المهملة، وكذا من النحل والطائر، وهذا الدوي إما صوت الوحي يسمعه الصحابة ولا ينكشف لهم انكشافًا تامًّا ولا يفهموا، أو ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ من غطيطه
стр. 2741
فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا"، ثُمَّ قَالَ: "أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١/ ٢٤، ت: ٣١٧٣].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٤٩٥ - [١٤] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَني، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قَالَ: فَادْعُهُ،
ــ
وشدة تنفسه من ثقل الوحي، والأول أظهر؛ لأنه قد وَصَف الوحي بأنه كان تارة مثل صلصلة الجرس، واللَّه أعلم.
وقوله: (فسرّي) بلفظ المجهول من التسرية، أي: كشف عنه وزال ما اعتراه من الحال.
وقوله: (من أقامهن) أي: حافظ وداوم عليهن وعمل بهن.
الفصل الثالث
٢٤٩٥ - [١٤] قوله: (عن عثمان بن حنيف) بالحاء المهملة بلفظ التصغير.
وقوله: (فهو خير لك) لأن ثوابه الجنة، كما ورد في من ابتلي بحبيبتيه، الحديث.
وقوله: (قال: فادعه) أي: قال الرجل للنبي ﷺ : فادع اللَّه ذلك؛ لغاية اضطراره، وعدم تصبره واختيارِه الثواب، ولذلك لم يرتض رسول اللَّه ﷺ منه ذلك، ولم يَدْع له بنفسه الكريمة، وأمره بأن يدعو لنفسه، لكن علّمه دعاء فيه ليتوسل به.
стр. 2742
قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ الْوُضُوءَ وَيَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي لِيقضِيَ لِي فِي حَاجَتي هَذِهِ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٧٣].
٢٤٩٦ - [١٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْداءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ" قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ داود يُحَدِّثُ عَنْهُ: يَقُولُ: "كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٤٩٠].
ــ
وقوله: (قال: فأمره) أي: قال عثمان بن حنيف: فأمر رسول اللَّه ﷺ ذلك الرجل الضرير بالوضوء والدعاء، والدعاء هذا: (اللهم إني أسألك. . . إلخ) والخطاب في (إني توجهت بك) للنبي ﷺ .
وقوله: (ليقضي لي في حاجتي) أي: ليوقع القضاء في حاجتي، أو (في) زائدة.
٢٤٩٦ - [١٥] (أبو الدرداء) قوله: (من نفسي) أي: من حبِّ نفسي، أو المراد: اجعل نفسك أحب إلي من نفسي، لكنه لم يقل كذلك، وإن جاز إطلاقه عليه بمُشاكلته لغاية التأدب.
وقوله: (من الماء البارد) وفيه مبالغة لأن حب الماء البارد طبيعي لا اختيار فيه، ففيه إشارة إلى سراية المحبة إلى الطبيعة أيضًا، وذلك أكمل مراتب المحبة.
وقوله: (وكان أعبد البشر) أي: في زمانه.
стр. 2743
٢٤٩٧ - [١٦] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ ابْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً، فَأَوْجَزَ فِيهَا. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ وَأَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ. فَقَالَ: أَمَا عَلَيَّ ذَلِكَ، لَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُل مِنَ الْقَوْمِ -هُوَ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ. . . . .
ــ
٢٤٩٧ - [١٦] (عطاء بن السائب) وقوله: (أوجزت الصلاة) يشبه أن يكون بإيجاز الدعاء فيها كما ينظر إليه سياق الحديث، ويحتمل أن يكون المعنى: إني وإن أوجزت الصلاة بتخفيف القراءة فيها، لكني (دعوت [فيها] بدعوات) تجبر النقصان، كما قيل: إن النوافل تكمل الفرائض، واللَّه أعلم.
وقوله: (أما عليّ ذلك) وجّه الطيبي (١) هذه العبارة بثلاثة وجوه:
أحدها: أن الهمزة يحتمل أن تكون للإنكار، أي: أتنكر؟ وما علي ضرر من ذلك، انتهى. يعني فقوله: (ما علي ذلك) جملة حالية والواو مقدرة، ولا حاجة إلى تقديرها، فقد تقع حالًا بدون الواو، نحو: كلَّمتُه فوه إلى فيَّ، وكأن في تقديره الواو إشارة إلى كونها حالًا، وقوله: ضرر من ذلك، بيان لحاصل المعنى.
وثانيها: أن تكون الهمزة لنداء القريب والمنادى محذوف، أي: يا فلان ليس علي ضرر من ذلك.
وثالثها: أن يكون (أما) للتنبيه، أي: عليَّ بيان ذلك، فتدبر.
وقوله: (فلما قام تبعه رجل من القوم) إلى ههنا قول السائب، عبر عن نفسه برجل من القوم، ولذلك فسره عطاء بقوله: (هو أبي) وقال: (غير أنه كنّى عن نفسه) أي:
стр. 2744
فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيتكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَى وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَى بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ. . . . .
ــ
بقوله: (رجل من القوم).
وقوله: (فسأله) أي: سأل الرجل وهو السائبُ عمارًا عن تلك الدعوات، (ثم جاء) الرجل (فأخبر) بذلك الدعاء (القوم).
وقوله: (في الغيب والشهادة) في السر والعلانية.
وقوله: (في الرضا والغضب) أي: في حالة رضا الخلق وغضبهم، يعني سواءٌ كانوا راضين به أو ساخطين، كما قيل: قل الحق وإن كان مُرًّا، أو المراد: (في الرضا) عن الحق (والغضب) عليهم، بأن يثْني عليهم إن كان راضيًا عنهم، ويذمهم إن كان مغضبًا عليهم، وكلاهما لم يكن مطابقًا لنفس الأمر.
وقوله: (القصد) أي: التوسط (في الفقر والغنى)، فإن المختار أن الكفاف أفضل من الفقر ومن الغنى.
وقوله: (قرة عين لا تنفطع) يحتمل أن يراد الذرية التي لا تنقطع بعده، أو المحافظةُ على الصلاة وإدامةُ ثوابها، أو المراد ثواب الجنة الذي لا ينقطع، فيكون تأكيدًا لقوله: (نعيمًا لا ينفد) فيكون تخصيصًا بعد تعميم.
وقوله: (لذة النظر) إما في الدنيا، فيكون المراد الرؤية بالقلب، ويؤيده قوله:
стр. 2745
وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٣٠٥].
٢٤٩٨ - [١٧] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: "الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ". [حم: ٦/ ٢٩٤، جه: ٩٢٥، "الدعوات الكبير": ١/ ١٨٦].
٢٤٩٩ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دُعَاءٌ حَفِظْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا أَدَعُهُ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أُعْظِمُ شُكْرَكَ،
ــ
(والشوق إلى لقائك)، أو في الآخرة، ويناسبه ذكره بعد ذكر الموت، واللَّه أعلم.
وقوله: (في غير ضراء) أي: الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء، وهما بناءان للمؤنث ولا مذكر لهما، وهو إما متعلق بقوله: (والشوق إلى لقائك)، والمراد أسألك شوقًا لا يضر في سيري وسلوكي واستقامتي على طريق الأدب ورعاية الأحكام، فإن الشوق قد يفضي إلى ذلك عند غلبة الحال وطفح السُّكْر، وهو المراد بـ (فتنة مضلة)، أو متعلق بـ (أحيني) حتى يتعلق بالكل، أي: أحيني متلبسا بنعمك المذكورة حال عدم كوني في ضراء مضرة، وهي البلية لا أصبر عليها، كذا قيل.
وقوله: (زينا) بتشديد الياء والنون.
٢٤٩٨ - [١٧] (أم سلمة) قوله: (في دبر الفجر) وفي بعض النسخ: (دبر صلاة الفجر)، ولعل وقوعه في دبر صلاة الفجر اتفاقي، وإنما سمع الراوي في هذا الوقت، أو لأنه خصصه بها لأنه أول النهار وابتداء ظهور آثار العلم والعمل ووصول الرزق، واللَّه أعلم.
٢٤٩٩ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (أعظم شكرك) من الإعظام، وفي بعض
стр. 2746
وَأُكْثِرُ ذِكْرَكَ، وَأَتَّبِعُ نُصْحَكَ، وَأَحْفَظُ وَصِيَّتَكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٠١].
٢٥٠٠ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الصِّحَّةَ، وَالْعِفَّةَ، وَالأَمَانَةَ، وَحُسْنَ الْخُلُقِ، وَالرِّضَى بِالْقَدَرِ".
٢٥٠١ - [٢٠] وَعَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ، وَعَمَلِي مِنَ الرِّيَاءِ، وَلِسَانِي مِنَ الْكَذِبِ، وَعَيْنِي مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي: "الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ". [الدعوات الكبير: ١/ ٣٥٠ - ٣٥١].
ــ
النسخ: من التعظيم، (وأكثر) أيضًا من الإكثار والتكثير.
وقوله: (وأتبع نصحك) أي: نصيحتك، وهو الخلوص وإرادة الخير، والإضافة يحتمل أن تكون إلى الفاعل أو إلى المفعول، والأول أظهر، كما في (وصيتك)، ووصّاه: عهد إليه، والاسم الوصية.
٢٥٠٠ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الصحة) الظاهر أن المراد صحة البدن، و (العفة) هو العفاف، وقد مرّ معناه في أول الباب.
٢٥٠١ - [٢٠] (أم معبد) قوله: (وعن أم معبد) بفتح الميم والباء الموحدة.
وقوله: (فإنك تعلم خائنة الأعين) أي: النظرة الخائنة؛ كالنظرة الثانية إلى غير المَحْرم، واستراق النظر إليه، أو خيانة الأعين، (وما تخفي الصدور) من الضمائر.
٢٥٠٤ - [٢٣] وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قُلْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيرَتِي خَيْرًا مِنْ عَلَانِيَتِي، وَاجْعَلْ عَلَانِيَتِي صَالِحَةً، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ صَالِحِ مَا تُؤْتِي النَّاسَ مِنَ الأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ غَيْرِ الضَّالِّ وَلَا الْمُضِلِّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٨٠].
ــ
٢٥٠٤ - [٢٣] (عمر) قوله: (إني أسألك من صالح ما تؤتي الناس) قيل: من زائدة على مذهب الأخفش، وقيل: تبعيضية.
وقوله: (من الأهل) بيانية و (غير) بالجر بدل من مجموع (الأهل والمال والولد).
تم (كتاب الدعوات) بعون اللَّه وحسن توفيقه، ويتلوه (كتاب المناسك).
* * *
стр. 2749
(١٠) كتاب المناسك
стр. 2750
(١٠) كتاب المناسك
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٠ - كتاب المناسك
النَّسْكُ مثلثة وبضمتين: العبادة، وكلُّ حق للَّه ، نسك كنصر وكرم، وتنسَّك: صار عابدًا، والمناسك جمع منسك بفتح سين وكسرها، وهو المتعبَّد، ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سميت به أمور الحج، والنَّسْك الذبح، والنسيكة الذبيحة.
والحج بفتح الحاء وكسرها لغتان، وقد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فقيل: بالفتح اسم، وبالكسر مصدر، وقيل بالعكس، وهو الأظهر.
واختلفوا في وقت ابتداء فرضيته فقيل: قبل الهجرة، وهذا قول في غاية الشذوذ لمخالفته لنقل الثقات، ولا تظنّنّ أنه لِمَا ثبت أنه ﷺ حج قبل الهجرة أكثر من ثلاث أو أربع مرات، وإن لم يحفظ عدده معينًا، فلا بد أن يكون فرضًا؛ لأن قريشًا كانوا يحجّون في الجاهلية والإسلام، فيحتمل أن تكون حجته ﷺ قبل الهجرة من ذلك القبيل من غير فرضية، واللَّه أعلم.
والصحيح أن فرضية الحج في الإسلام إنما هو بعد الهجرة، والجمهور على أنه في السنة السادسة؛ لأنه في هذه السنة نزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
стр. 2751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البقرة: ١٩٦]، وهذا مبنيٌّ على أن المراد من الإتمام ابتداؤه، كما فسره البيضاوي (١) بقوله: أي: ائتوا بهما تامّين، ويؤيّده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي: (وأقيموا)، وقد روى الطبري هذه القراءة عنهم بأسانيد صحيحة، وقد وقع الأمر بالحج في قدوم ضمام بن ثعلبة، وقدومُه -على ما ذكره الواقدي- كان في السنة الخامسة، فلو ثبت هذا لدلَّ على أن فرضية الحج كان قبل السنة الخامسة أو في هذه السنة، كذا في (فتح الباري) (٢)، وذكر في (جامع الأصول) (٣) أنه قيل: كان قدومه في سنة سبع، وقيل: سنة تسع.
وقالت طائفة: إن نزول فرضية الحج كان في السنة التاسعة، واحتجوا بأن نزول صدر (سورة آل عمران) الذي وقع فيه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ كان في السنة التاسعة وهي عام الوفود، فاشتغل رسول اللَّه ﷺ بتجهيز أسباب سفر الحج، ولم يتيسر له لاشتغاله بأمر الغزوات وتشييد أحكام الشرع وتعليم الوفود إياها، فأمّر أبا بكر الصديق على الحاج، وبعثه إلى مكة ليحج بالناس، وأجابوا عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ على فرضيته في السادسة بأنه لا يدل على ابتداء فرضية الحج والعمرة، بل على وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما، فيحتمل أن يكون الأمر بإتمام الحج بعد الشروع في السنة السادسة وبفرضيته في التاسعة، وقال في (فتح الباري): هذه الآية تقتضي تقدم فرضية الحج قبل مشروعيته، والأمر به مما لا معنى له، انتهى (٤).
стр. 2752
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٥٠٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا"، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ: "لَوْ قُلْتُ نعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ"، ثُمَ قَالَ: . . . . .
ــ
وهذا ظاهر، ولكن يمكن أن يقال: إن الأمر بإتمام الحج بعد الشروع لا يستلزم تقدم فرضيته، فيمكن أن يكون نفلًا فأمر بوجوب إتمامه بعد الشروع كما هو حكم النفل عند البعض من لزوم إتمامه بالشروع، وأيضًا يكفي في الأمر بإتمامهما ما كانوا يفعلونهما قبل مشروعيتهما، على أنه يمكن أن يكون أمرًا بإتمامهما بعد شرعيتهما كما ذكر، وإن كان فيه شيء من البعد، فتدبر، واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٢٥٠٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (فقال رجل) وهو الأقرع بن حابس.
وقوله: (ولو قلت: نعم، لوجبت) استدل بظاهره على أن الأحكام كانت مفوضة إليه ﷺ كما ذهب إليه بعضهم، وتعقب بأن القول أعم من أن يكون من تلقاء نفسه أو بوحي نازل، والدال على الأعم لا يدلّ على الأخص.
стр. 2753
"ذَرُونِي مَا تَرَكتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نهيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٣٧].
٢٥٠٦ - [٢] وعَنْهُ قَالَ: "سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ"، قِيلَ: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [م: ٢٦، م: ٨٣].
ــ
وقوله: (ذروني ما تركتكم) لأني مبعوث لبيان الشرائع وتبليغ الأحكام، فما كان مشروعًا أبيّنه لكم لا محالة ولا حاجة إلى السؤال.
وقوله: (فأتوا منه ما استطعتم) يجوز أن يكون تأكيدًا ومبالغة في إتيان ما أمر به، وبذلِ الطاقة فيه، وأن يكون إشارة إلى التيسير ورفع الحرج، كما في الصلاة وأركانها وشرائطها إذا عجز عن بعضها أتى بما استطاع، وهذا في الأمر، وأما النهي فينبغي أن يحتاط في تركه ويبذل المجهود بالغًا ما بلغ.
٢٥٠٦ - [٢] (عنه) قوله: (أي العمل أفضل؟ ) قد وردت أحاديث مختلفة في بيان الأفضل من الأعمال، ووجه التوفيق بينها: اختلاف الجهات والحيثيات والمقامات وأحوال السائلين والمخاطبين، كما أشرنا إليه في أول (كتاب الصلاة).
وقوله: (إيمان باللَّه ورسوله) نكِّر الإيمان للدلالة على أن قليلًا منه أفضل، فما حال الكامل منه، وعرّف (الجهاد) للإشارة إلى أنه ينبغي أن يؤتى بالتام الكامل منه، فإن قليله لا يفي بالفرض منه ولا يعتدّ به.
وقوله: (حج مبرور) البِر يجيء بمعنى الخير والاتساع في الإحسان والطاعة، والمراد بالحج المبرور: ما لا يخالطه الإثم وارتكاب المناهي ولا سمعة ولا رياء،
стр. 2754
٢٥٠٧ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٢١، م: ١٣٥٠].
ــ
وهذا صحيح، والأصح أن المراد: المقبول منه ذلك بفضل اللَّه سبحانه، وإن كان ذلك مما ذكر، ولكن فضل اللَّه واسع، قد يتقبل من العبد ويتجاوز عن سيئاته ويعفو، قالوا: ومن علامته أن يرجع خيرًا مما كان، ولا يعاود المعاصي، ويجيء راغبًا في الآخرة وزاهدًا في الدنيا، وباللَّه التوفيق.
٢٥٠٧ - [٣] (عنه) قوله: (فلم يرفث) من باب نصر وفرح وكرم، والرفث والرفوث: الجماع، والفحش من القول، وكلام النساء في الجماع، أو ما وُوجِهْنَ به من الفحش، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): ما رُوجع به النساءُ، والرفث المنهي عنه ما خوطبت به المرأة، لا ما يقال بغير سماعها، وقال الأزهري: هو كل ما يريده الرجل من النساء، والمراد به في قول اللَّه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧] الجماع.
وقال البيضاوي (٣): ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ فلا جماع، أو فلا فحش من الكلام، ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ ولا خروج عن حدود الشرع بالسيئات وارتكاب المحظورات، ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ ولا مراء مع الخدم والرفقة.
ولم يذكر في الحديث الجدال، فلعله لإدخاله في الفسوق، وقال الطيبي (٤): لم يذكر اعتمادًا على الآية.
стр. 2755
٢٥٠٨ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٧٣، م: ١٣٤٩].
٢٥٠٩ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٨٢، م: ١٢٥٦].
٢٥١٠ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ ركْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: "مَنِ الْقَوْمُ؟ " قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: "رَسُولُ اللَّهِ", فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ . . . . .
ــ
٢٥٠٨ - [٤] (عنه) قوله: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) وذلك كالوضوء والصلاة ورمضان كفارة لما بينهما، وهو من الصغائر، والظاهر أن ههنا أيضًا يكون كذلك، فإن الكفارة عن الكبائر مخصوصة بالحج، فتدبر.
٢٥٠٩ - [٥] (ابن عباس) قوله: (تعدل حجة) أي: في الثواب لا في كل شيء، حتى لو كانت عليه حجة فاعتمر في رمضان لم يجزئ عنها، كذا في بعض الشروح، وهذا حق، ولكن العدل في الثواب أيضًا محل كلام، والظاهر أن المراد المبالغة إلحاقًا للناقص بالكامل، كما تقرر في أمثال ذلك، واللَّه أعلم.
٢٥١٠ - [٦] (عنه) قوله: (لقي ركبًا) وكان ذلك في الرجوع عن الحج عند وصوله إلى هذا الموضع، في (القاموس): الركب: رُكبان الإبل، اسم جمع، أو جمع، وهم العشرة فصاعدًا، وقد يكون للخيل، والجمع أَرْكُبٌ ورُكوب.
و(الروحاء) بالفتح: موضع على ثلاثة مراحل من المدينة المشرفة.
وقوله: (ألهذا حج؟ ) أي: أجره وثوابه لأن حجه نفل؛ ولهذا لم تذكر
стр. 2756
قَالَ: "نَعَمْ لَكِ أَجْرٌ". رَواه مُسْلِمٌ. [م: ١٣٣٦].
٢٥١١ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ (١)، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. . . . .
ــ
بكلمة على.
وقوله: (ولكِ أجر) لأجل تربيته وإعانته، والصبي إذا حجَّ في حالة الصبا وجب عليه الحج بعد البلوغ، وكذا العبد بعد الحرية، بخلاف الفقير بعد الغنى.
٢٥١١ - [٧] (ابن عباس) قوله: (أفأحج عنه؟ قال: نعم) الحج عن الغير إذا كان فرضًا جائز عند العجز إذا استوعب العجزُ إلى الموت وأَمر الغير وأنفق، وبعد موته إذا أوصى، وإن كان نفلًا يجوز عند القدرة مطلقًا، وتفصيله مذكور في كتب الفقه.
وقوله: (وذلك في حجة الوداع) أي: كانت هذه القصة في حجة الوداع عند
стр. 2757
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥١٣، م: ١٣٣٤].
٢٥١٢ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دينٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَاقْضِ دَيْنَ اللَّهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٩٩، م: ١١٤٨]
٢٥١٣ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: "اذْهَبْ فَاحْجُجْ مَعَ امْرَأَتِكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٠٦، م: ١٣٤١].
ــ
انصراف رسول اللَّه ﷺ من المزدلفة، وفيه قصة إردافه ﷺ فضل بن عباس ﵄، ونظره إلى تلك المرأة ونظرها إليه، وصرفه وجه الفضل عنها، وقد ذكرناها في (شرح سفر السعادة).
٢٥١٢ - [٨] (عنه) قوله: (إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت) وفي هذه الصورة أيضًا إنما يجوز بالوصية والإنفاق، وهذا مذهبنا، وعند الشافعي من مات وفي ذمته حق اللَّه تعالى من حج أو غيره فإنه يجب قضاؤها من رأس ماله مقدمًا على الوصايا والميراث.
٢٥١٣ - [٩] (عنه) قوله: (اكتُتِبْتُ) بلفظ الماضي المجهول المتكلِّم، من الاكتتاب، افتعال من الكَتْب والكتابة، أي: كتب وأُثبتَ اسمي في من يخرج إلى غزوة، يقال: اكْتَتَب الرجل: إذا كتب اسمه في ديوان السلطان، استفتَى في أن يخرج إلى الغزو أو إلى الحج مع امرأته؟ فأفتاه ﷺ بأن يحج مع امرأته؛ لأن الغزو يقوم غيره فيه
стр. 2758
٢٥١٤ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: "جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [خ: ٢٨٧٥].
٢٥١٥ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. . . . .
ــ
مقامه، بخلاف الحج معها، ولم يكن لها محرم غيره.
٢٥١٤ - [١٠] (عائشة) قوله: (جهادكنّ الحج) يعني: يكفي للنساء الخروج إلى الحج من الغزو، ولا حاجة لهن أن يخرجن إليه، وهو اللائق بحالهن.
٢٥١٥ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة) وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: (لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام)، وعلى كل تقدير ليس المراد التحديد، بل كل ما يسمى سفرًا نهى المرأة أن تسافر فيه بغير محرم، ولم يثبت عند المحدثين من الشارع للسفر وأحكامه حد معين بل يشمل كل مسافة قصيرة وطويلة، والوارد في الأحاديث السفر مطلقًا، وقد كانت الأسفار التي قصر فيها النبي ﷺ الصلاة متفاوتة، بعضها قريبة وبعضها بعيدة، وبالجملة لم يُحدَّ لحرمة مسافرة المرأة بغير محرم حد معين، وقد وقع ههنا في رواية ابن عباس السفر مطلقًا من غير ذكر حد معين.
ونقل الطيبي (٢) عن القاضي عياض أنه قال: اتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم، إلا الهجرة من دار الحرب؛ لأن إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين، وسواء في ذلك الشابة والكبيرة، ولو كانت مع نسوة ثقات يجوز، ولو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها، لكن يجوز لها الحج معها، هذا هو الصحيح، كذا قال الطيبي.
стр. 2759
إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٨٨، م: ١٣٣٩].
٢٥١٦ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّام الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ،
ــ
والمراد بالمَحرم من يحرم عليه نكاحها على التأبيد، فلا يجوز السفر لأخت المرأة وعمتها مثلًا مع زوجها.
وقوله: (إلا ومعها ذو محرم) (١) هكذا وقعت في الروايات، والظاهر أن لفظ (ذو) مقحم، أو هو من إضافة المسمى إلى الاسم، نحو ذات مرة وذات يوم.
٢٥١٦ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (وقّت) من التوقيت بمعنى التحديد والتعيين، أي: جعلها ميقاتًا للإحرام، واستعمل ههنا في المكان، والشائع استعماله في الزمان. و (ذو الحليفة) بالحاء المهملة والفاء على لفظ التصغير في آخره تاء: موضع قرب المدينة على أميال (٢). و (الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة: موضع بين مكة والمدينة، وقد يحرم أهل المدينة منها إذا وصلوا على طريق الشام، فيأخذون حكم أهل الشام، وذلك جائز كما يأتي. و (قرن) بسكون الراء: موضع بالطائف، وأما القرن المنسوب إليه أويس القَرَني ﵀، فهو بالتحريك منسوب إلى قرن بن رومان بن ناجية بن
стр. 2760
وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ. . . . .
ــ
مراد أحد أجداده. و (يلملم) اسم جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة.
وقوله: (فهن لهن) أي: هذه المواضع المذكورة مواقيت لأهل هذه البلاد، بحذف المضاف، أي: الساكنين فيها، ووقع في رواية: (فهن لهم) وهذا أظهر.
وقوله: (ولمن أتى عليهن من غير ساكنين) أي: لمن وصل إلى هذه البلاد من بلاد أخر من أكناف العالم، ويجوز أن يجعل هؤلاء داخلين في أهلهن، ويراد بمن أتى عليهن من يمر من أهل بلد على ميقات غيره من مواقيت البلاد، كما يمرّ الشامي على ميقات المدينة وبالعكس، ولهذا قد يحرم أهل المدينة من جحفة كما ذكرنا، وأهل ديارنا من الهند إذا وصل المركب محاذي يلملم أحرموا فيه، ثم قد لا يأتونهن بل يأتون موضعًا يحاذيهن فيحرمون من ذلك الموضع، وهذا حال أهل ديارنا.
وقوله: (لمن كان يريد الحج والعمرة) فيه دلالة على أن من مر بالميقات لا يريد حجًّا ولا عمرةً لا يلزمه الإحرام لدخول مكة، كما هو الصحيح عند الشافعية، وعندنا لا يجوز دخول مكة لغير إحرامه وإن لم يرد الحج والعمرة؛ لقوله ﷺ : (لا يجاوز أحد الميقات إلا محرمًا)، لأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة، فيستوي فيه التاجر والمعتمر وغيرهما، ومن كان داخل الميقات فله أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته؛ لأنه يكثر دخوله مكة، وفي إيجاب الإحرام في كل مرة حرج بيِّن، فصاروا كأهل مكة، كذا في (الهداية) (١).
وقوله: (فمن كان دونهن) أي: كان داخل هذه المواقيت، سواء كان من أهل
стр. 2761
فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ وَكَذَاكَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٢٦، م: ١١٨١].
٢٥١٧ - [١٣] وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَرِيقُ الآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٨٣].
ــ
مكة أو لا، (فمهله) بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام، أي: موضع الإهلال بمعنى رفع الصوت بالتلبية بعد الإحرام حيث كان.
وقوله: (حتى أهل مكة يهلون منها) أي: من مكة، وهذا مخصوص بالحج، وأما العمرة فيهل لها أهل مكة من الحل، وقد تعارف الآن الموضع الذي يسمى التنعيم لقربه من مكة من باقي مواضع الحل، ومنه أمر النبي ﷺ عائشة أن تحرم منه للعمرة، وفيه مسجد عائشة ﵂، أي: الموضع الذي أحرمت ﵂ منه، كما يأتي في (باب قصة حجة الوداع).
٢٥١٧ - [١٣] (جابر) قوله: (والطريق الآخر) (١) أي: مهلّ أهل الطريق الآخر (الجحفة) وذلك لما ذكرنا أنه يصير في حكم أهل الشام.
وقوله: (ومهل أهل العراق) العراق: بلاد معروفة من عبَّادَان إلى الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا، ويذكّر، سميت بها؛ لأنه على عراق دجلة والفرات، أي: شاطئهما، والعراق: شاطئ البحر.
وقوله: (ذات عرق) موضع من شرقي مكة، بينهما مرحلتان يوازي قرنًا، والعرق
стр. 2762
٢٥١٨ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ،
ــ
بالكسر بمعنى: الجبل الصغير.
٢٥١٨ - [١٤] (أنس) قوله: (أربع عمر) بضم العين وفتح الميم جمع عمرة بسكون الميم، وهي في اللغة بمعنى الزيارة، وفيها تعمير للمحبة والوداد، وفي الشرع: اسم لأفعال مخصوصة، هي الطواف والسعي بين الصفا والمروة دون الوقوف بعرفة، والحج وقوف وطواف وسعي، وفيها زيارة البيت وتعمير وتعظيم المسجد، ويفهم من (المشارق) (١) أن الحج والعمرة كلاهما يجيء بمعنى القصد؛ ولذا قد يسمى الحج عمرة، كذا قال.
وقوله: (عمرة من الحديبية) بالرفع والنصب، و (الحديبية) بتخفيف الياء وتشديدها، والتخفيف أكثر وأشهر، قيل: هي اسم بئر سمي المكان بها، وقيل: شجرة، وقيل: قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم، وهي على تسعة أميال من مكة، وفيها كانت بيعة الرضوان التي كانت تحت الشجرة، خرج رسول اللَّه ﷺ يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة للعمرة في ألف وأربع مئةٍ أو أكثر، فاجتمع له قريش، وصدّوه عن دخول مكة، وكان ﷺ يسير حتى إذا وصل إلى هذا الموضع بركت راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحّت على عدم القيام، فقال ﷺ : (حبسها حابس الفيل)، فصالحهم، ورجع إلى المدينة على أن يأتي العام المقبل، ولم يعتمر، ومن ههنا شرع حكم الإحصار، فعلم أنه لم يكن في الحديبية عمرة، ولكنهم عدُّوها من العُمَر لترتب
стр. 2763
وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْجعِرَّانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٤٨، م: ١٢٥٣].
ــ
أحكامها من إرسال الهدي والخروج عن الإحرام.
وقوله: (وعمرة من العام المقبل) حيث قدم ﷺ مكة بحكم المصالحة، واعتمر ومكث بمكة ثلاثة أيام، وخرج في اليوم الرابع، وتسمى هذه العمرة عمرة القضاء، وقد أطلق هذا الاسم في الأحاديث عليها، وهذا يؤيد مذهب الحنفية حيث قالوا: إن المحرم يصير بالإحصار حلالًا، ويجب عليه القضاء، وعند الشافعي لا قضاء عليه، والقضاء الذي وقع في الأحاديث بمعنى الصلح، والقضاء والمقاضاة يجيء بمعنى الصلح والمصالحة، فمعنى عمرة القضاء عندهم: عمرة كانت بمقاضاته مع قريش على أن يأتي في العام المقبل؛ لا أنها وقعت قضاء عما صُدَّ عنه.
وقوله: (وعمرة من الجعرانة) بكسر الجيم والعين وتشديد الراء: موضع على مرحلة من مكة، اعتمر منها في السنة الثامنة بعد فتح مكة حين قسم غنائم حنين في ذي القعدة، روي أنه ﷺ خرج من الجعرانة ليلًا معتمرًا، فدخل مكة ليلًا، فقضى عمرته، ثم خرج من ليلته، فأصبح بالجعرانة كبائت فيها.
وقوله: (وعمرة مع حجته) أي: حجة الوداع، فهذه أربع عمر، وبعض العلماء عدوها ثلاثًا بناء على أنه لم يكن في الحديبية عمرة حقيقةً كما ذكرنا، فكانت عمره ﷺ في ذي القعدة إلا التي كانت في الحج فإنها كانت في ذي الحجة، وقد ورد عن ابن عمر: أنه ﷺ اعتمر أربعًا إحداهن في رجب، رواه الترمذي (١) وقال: حديث صحيح
стр. 2764
٢٥١٩ - [١٥] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٨١].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٥٢٠ - [١٦] عَنِ ابْنِ عَباسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ"، فَقَامَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَوْ قُلْتُهَا نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا، وَالْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فتَطَوُّعٌ". . . . . .
ــ
غريب، ولما بلغ هذا القولُ من ابن عمر إلى عائشة خطأته وقالت: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن لم يعتمر رسول اللَّه ﷺ عمرة إلا كان هو معه، ولم يكن له عمرة في رجب، فكأنه سها وأخطأ، واللَّه أعلم.
٢٥١٩ - [١٥] (البراء بن عازب) قوله: (اعتمر رسول اللَّه ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين) كأنه لم يَعدَّ عمرة الحديبية؛ لأنها لم تكن عمرة حقيقةً كما عرفْتَ، فتكون عمره ثلاثًا: في العام المقبل من الحديبية، والتي من الجعرانة وهما قبل أن يحج، وثالثها التي مع حجته.
الفصل الثاني
٢٥٢٠ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (لو قلتها) أي: لو قلت لها، أي: للحجة، أي: لإيجابها (نعم)، فالضمير في (لوجبت) للحجة، ويمكن أن يكون الضمير في (قلتها) مبهمًا يفسره قوله: (نعم)، والمراد: لو قلت هذه الكلمة لوجبت، أي: لزمت موجبها.
وقوله: (الحج مرة) مبتدأ وخبر، أي: واحدة.
стр. 2765
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ١/ ٢٥٥، ن: ٢٦٢٠، دي: ٢/ ٣٩].
٢٥٢١ - [١٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نصرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ، وَالْحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [ت: ٨١٢].
٢٥٢٢ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا صَرُورَةَ فِي الإِسْلَامِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٧٢٩].
ــ
٢٥٢١ - [١٧] (علي) قوله: (تُبلّغه) صفة لقوله: (راحلة).
وقوله: (فلا عليه) أي: لا تفاوت عليه، وفيه تغليظ شديد، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] حيث عبّر عن ترك الحج بالكفر تغليظًا، وقيل: المراد التشبيه بأحد هذين الفريقين في عدم المبالاة بالحج؛ فإنه لم يكن مفروضًا عليهم، بل فرضه من شعار هذه الملة البيضاء وخصائصهم.
٢٥٢٢ - [١٨] (ابن عباس) قوله: (لا صرورة في الإسلام) بالصاد المهملة على وزن الضرورة، وهو التبتل وترك النكاح، والصرورة أيضًا الذي لم يحج قط، وأصله من الصر بمعنى الحبس والمنع، وفي (القاموس) (١): رجل صَرورٌ وصرارةٌ وصارورة: لم يحج أو لم يتزوج، انتهى. أي: لا ينبغي للمسلم أن يقول: لا أتزوج ولا أحج،
стр. 2766
٢٥٢٣ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٧٣٢، دي: ٢/ ٢٨].
٢٥٢٤ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ،
ــ
وقيل: أراد أن من قَتَل في الحرم قُتِل، ولا يقبل قوله: إني صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم، كذا في (مجمع البحار) (١).
٢٥٢٣ - [١٩] (عنه) قوله: (من أراد الحج) أي: قدر على أدائه بوجود الاستطاعة، (فليعجل) وَيغنم الفرصة قبل أن يَمنع منه مانع لم يقدر عليه، وهذا أمر استحباب (٢).
٢٥٢٤ - [٢٠] (ابن مسعود) قوله: (تابعوا بين الحج والعمرة) أي: ائتوا كُلًّا
стр. 2767
فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٨١٠، ن: ٢٦٢٩].
٢٥٢٥ - [٢١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ إِلَى قَوْلِهِ: "خَبَثَ الْحَدِيدِ". [حم: ٣/ ٤٤٧، جه: ٢٩١٨].
٢٥٢٦ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨١٣، جه: ٢٨٩٦]
ــ
منهما بعد الآخر، و (الكير) كير الحداد، وهو المبني من الطين، وقيل: زق ينفخ به النار، والمبني الكور، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): الكير: زق ينفخ فيه الحداد، وأما المبني من الطين فكور.
٢٥٢٥ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (خبث) بفتحتين: ما تُبرزه النار من الجواهر المعدنية فتخلِّصها، وقد يروى بضم وسكون، أي: الشيء الخبيث، والأول أظهر.
ولعل السبب في نفي الحج والعمرة الفقرَ: أنه ينفق فيهما من الأموال فيتحرى أضعافًا مضاعفة، ويكثر في المال، مع ما يحصل من التعب والمشقة المقتضي لتضعيف الأجر إلى ما شاء اللَّه.
٢٥٢٦ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (الزاد والراحلة) (٣) لما كان هذا عمدةً في
стр. 2768
٢٥٢٧ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: "الشَّعِثُ التَّفِلُ"، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْعَجُّ وَالثَّجُّ"، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: "زَادٌ وَرَاحِلَةٌ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ"، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ" إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْفَصْلَ الأَخِيرَ. [جه: ٢٨٩٦].
ــ
شرائطه وآخرها كالجزء الأخير من العلة أسند الإيجاب إليه، والسبب للحج هو البيت وتعظيمه، كما تقرر في علم أصول الفقه، والسبب الحقيقي في العبادات هو أمر اللَّه تعالى.
٢٥٢٧ - [٢٣] (عنه) قوله: (ما الحاج؟ ) أي: ما صفته، (فقال: الشعث) بكسر العين: المُغْبَرُّ الرأس، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): أشعث زوليده موئ، وهو المغبر الرأس أيضًا، وبفتحها مصدر من باب سمع، و (التفل) ككتف: المتغير الرائحة لعدم تطييبه في مدة الإحرام، يقال: تفل كفرح: تغيرت رائحته، وهي تفلة، وهذان الوصفان أبلغ في سَمْت المحرم ورياضته ومشقته.
وقوله: (أي الحج أفضل؟ ) أي: أيّ أعمال الحج، والمراد بـ (العج) بفتح العين وبالجيم: رفع الصوت بالتلبية، يقال: عجَّ عجًّا وعجيجًا: صاح ورفع صوته، وبـ (الثج): إراقة دم الهدي، يقال: ثجَّ الماءُ: سال، وثجَّه: أَسَالَه.
وقوله: (وما السبيل؟ ) أي: الذي ذكر في الآية من قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
стр. 2769
٢٥٢٨ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي شَيْخ كبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ، قَالَ: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٩٣٠، د: ١٨١٠، ن: ٢٦٢١].
٢٥٢٩ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ؟ قَالَ: "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ ! قَالَ: أَخٌ لِي -أَوْ: قَرِيبٌ لِي- قَالَ: "أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٨١١، جه: ٢٩٠٣].
٢٥٣٠ - [٢٦] وَعَنْهُ قَالَ: "وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٨٣٢، د: ١٧٤٠].
ــ
٢٥٢٨ - [٢٤] (أبو رزين العقيلي) قوله: (لا يستطيع الحج والعمرة) أي: أسباب ما يستطيع به السبيل من الزاد والراحلة ومع ذلك بلغ ضعفه إلى حد لا يقوى على الركوب، أو المعنى: لا يستطيع راجلًا ولا راكبًا، و (الظعن) السير والسفر، يقال: ظعن ظعنًا بالسكون والتحريك: سار، وأظعنه: سيَّره، والمراد ههنا السير بالركوب على الراحلة.
٢٥٢٩ - [٢٥] (ابن عباس) قوله: (عن شبرمة) بضم الشين والراء وسكون الموحدة بينهما.
وقوله: (ثم حُجّ) بلفظ الأمر، وهو يدل بظاهره أن النيابة إنما تجوز بعد أداء فرض الحج، وإليه ذهب جماعة من الأئمة، والشافعي وأحمد منهم، وذهب آخرون إلى أنه يجوز بدونه وهو مذهبنا ومذهب مالك.
٢٥٣٠ - [٢٦] (عنه) قوله: (العقيق) موضع قريب ذات عرق.
стр. 2770
٢٥٣١ - [٢٧] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٧٣٩، ن: ٢٦٥٦].
٢٥٣٢ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٧٤١، جه: ٣٠٠١].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٥٣٣ - [٢٩] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ فَلَا يتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. . . . .
ــ
٢٥٣١ - [٢٧] (عائشة) قوله: (وقت لأهل العراق ذات عرق) لا العقيق وهما متقاربان، لكن العقيق قبل ذات عرق، فقال الشافعي: ينبغي أن يحرم من العقيق احتياطًا وجمعًا بين الحديثين، وقال الطيبي: والأصح أن النبي ﷺ ما بيّن لأهل المشرق ميقاتًا، وإنما حدَّ لهم عمر ﵁ حين فتح العراق، انتهى.
وليس في كتبنا ذكر العقيق، فتدبر.
٢٥٣٢ - [٢٨] (أم سلمة) قوله: (من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام) ولا بد أن يمر بين ذلك بالمدينة المطهرة، فتشرَّف بأفضل المقامات في الابتداء والوسط والانتهاء، فثبت له هذا الأجر العظيم.
الفصل الثالث
٢٥٣٣ - [٢٩] (ابن عباس) قوله: (﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾) أي: