← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

٢٥٢٣ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٧٣٢، دي: ٢/ ٢٨]. ٢٥٢٤ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ــ وقيل: أراد أن من قَتَل في الحرم قُتِل، ولا يقبل قوله: إني صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم، كذا في (مجمع البحار) (١). ٢٥٢٣ - [١٩] (عنه) قوله: (من أراد الحج) أي: قدر على أدائه بوجود الاستطاعة، (فليعجل) وَيغنم الفرصة قبل أن يَمنع منه مانع لم يقدر عليه، وهذا أمر استحباب (٢). ٢٥٢٤ - [٢٠] (ابن مسعود) قوله: (تابعوا بين الحج والعمرة) أي: ائتوا كُلًّا

стр. 2767

فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٨١٠، ن: ٢٦٢٩]. ٢٥٢٥ - [٢١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ إِلَى قَوْلِهِ: "خَبَثَ الْحَدِيدِ". [حم: ٣/ ٤٤٧، جه: ٢٩١٨]. ٢٥٢٦ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨١٣، جه: ٢٨٩٦] ــ منهما بعد الآخر، و (الكير) كير الحداد، وهو المبني من الطين، وقيل: زق ينفخ به النار، والمبني الكور، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): الكير: زق ينفخ فيه الحداد، وأما المبني من الطين فكور. ٢٥٢٥ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (خبث) بفتحتين: ما تُبرزه النار من الجواهر المعدنية فتخلِّصها، وقد يروى بضم وسكون، أي: الشيء الخبيث، والأول أظهر. ولعل السبب في نفي الحج والعمرة الفقرَ: أنه ينفق فيهما من الأموال فيتحرى أضعافًا مضاعفة، ويكثر في المال، مع ما يحصل من التعب والمشقة المقتضي لتضعيف الأجر إلى ما شاء اللَّه. ٢٥٢٦ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (الزاد والراحلة) (٣) لما كان هذا عمدةً في

стр. 2768

٢٥٢٧ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: "الشَّعِثُ التَّفِلُ"، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْعَجُّ وَالثَّجُّ"، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: "زَادٌ وَرَاحِلَةٌ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ"، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ" إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْفَصْلَ الأَخِيرَ. [جه: ٢٨٩٦]. ــ شرائطه وآخرها كالجزء الأخير من العلة أسند الإيجاب إليه، والسبب للحج هو البيت وتعظيمه، كما تقرر في علم أصول الفقه، والسبب الحقيقي في العبادات هو أمر اللَّه تعالى. ٢٥٢٧ - [٢٣] (عنه) قوله: (ما الحاج؟ ) أي: ما صفته، (فقال: الشعث) بكسر العين: المُغْبَرُّ الرأس، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): أشعث زوليده موئ، وهو المغبر الرأس أيضًا، وبفتحها مصدر من باب سمع، و (التفل) ككتف: المتغير الرائحة لعدم تطييبه في مدة الإحرام، يقال: تفل كفرح: تغيرت رائحته، وهي تفلة، وهذان الوصفان أبلغ في سَمْت المحرم ورياضته ومشقته. وقوله: (أي الحج أفضل؟ ) أي: أيّ أعمال الحج، والمراد بـ (العج) بفتح العين وبالجيم: رفع الصوت بالتلبية، يقال: عجَّ عجًّا وعجيجًا: صاح ورفع صوته، وبـ (الثج): إراقة دم الهدي، يقال: ثجَّ الماءُ: سال، وثجَّه: أَسَالَه. وقوله: (وما السبيل؟ ) أي: الذي ذكر في الآية من قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].

стр. 2769

٢٥٢٨ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي شَيْخ كبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ، قَالَ: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٩٣٠، د: ١٨١٠، ن: ٢٦٢١]. ٢٥٢٩ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ؟ قَالَ: "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ ! قَالَ: أَخٌ لِي -أَوْ: قَرِيبٌ لِي- قَالَ: "أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٨١١، جه: ٢٩٠٣]. ٢٥٣٠ - [٢٦] وَعَنْهُ قَالَ: "وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٨٣٢، د: ١٧٤٠]. ــ ٢٥٢٨ - [٢٤] (أبو رزين العقيلي) قوله: (لا يستطيع الحج والعمرة) أي: أسباب ما يستطيع به السبيل من الزاد والراحلة ومع ذلك بلغ ضعفه إلى حد لا يقوى على الركوب، أو المعنى: لا يستطيع راجلًا ولا راكبًا، و (الظعن) السير والسفر، يقال: ظعن ظعنًا بالسكون والتحريك: سار، وأظعنه: سيَّره، والمراد ههنا السير بالركوب على الراحلة. ٢٥٢٩ - [٢٥] (ابن عباس) قوله: (عن شبرمة) بضم الشين والراء وسكون الموحدة بينهما. وقوله: (ثم حُجّ) بلفظ الأمر، وهو يدل بظاهره أن النيابة إنما تجوز بعد أداء فرض الحج، وإليه ذهب جماعة من الأئمة، والشافعي وأحمد منهم، وذهب آخرون إلى أنه يجوز بدونه وهو مذهبنا ومذهب مالك. ٢٥٣٠ - [٢٦] (عنه) قوله: (العقيق) موضع قريب ذات عرق.

стр. 2770

٢٥٣١ - [٢٧] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٧٣٩، ن: ٢٦٥٦]. ٢٥٣٢ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٧٤١، جه: ٣٠٠١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٥٣٣ - [٢٩] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ فَلَا يتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. . . . . ــ ٢٥٣١ - [٢٧] (عائشة) قوله: (وقت لأهل العراق ذات عرق) لا العقيق وهما متقاربان، لكن العقيق قبل ذات عرق، فقال الشافعي: ينبغي أن يحرم من العقيق احتياطًا وجمعًا بين الحديثين، وقال الطيبي: والأصح أن النبي ﷺ ما بيّن لأهل المشرق ميقاتًا، وإنما حدَّ لهم عمر ﵁ حين فتح العراق، انتهى. وليس في كتبنا ذكر العقيق، فتدبر. ٢٥٣٢ - [٢٨] (أم سلمة) قوله: (من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام) ولا بد أن يمر بين ذلك بالمدينة المطهرة، فتشرَّف بأفضل المقامات في الابتداء والوسط والانتهاء، فثبت له هذا الأجر العظيم. الفصل الثالث ٢٥٣٣ - [٢٩] (ابن عباس) قوله: (﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾) أي:

стр. 2771

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٤١]. ٢٥٣٤ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٩٣٣]. ٢٥٣٥ - [٣١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْحَجِّ حَاجَة ظَاهِرَة، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٤٥]. ٢٥٣٦ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْحَاجُّ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٨٩٢]. ــ تزودوا واتقوا الإبرام بالسؤال من الناس؛ فإن التقوى خير زاد للإنسان لسفر يوم القيامة، وكأنهم جعلوا التوكل واتخذوه زادًا، فقال: التقوى خير من ذلك، ولم يكونوا متوكلين في الحقيقة ولم يفوا بحقه، فافهم. ٢٥٣٤ - [٣٠] (عائشة) قوله: (عليهن جهاد لا قتال فيه) قد مر معناه في حديث عائشة في (الفصل الأول). ٢٥٣٥ - [٣١] (أبو أمامة) قوله: (حاجة ظاهرة) أرادوا بها فقد الزاد والراحلة. ٢٥٣٦ - [٣٢] (أبو هريرة) قوله: (الحاج) واحد الحجاج، وقد يطلق على الجماعة مجازًا، أو المراد ههنا الجنس. (والعمار) جمع عامر بمعنى المعتمر من عمر بمعنى اعتمر، و (الوفد) جمع وافد؛ كركب جمع راكب، وفد عليه وإليه: قدم وورد.

стр. 2772

٢٥٣٧ - [٣٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [ن: ٢٦٢٥، شعب: ٣٨٠٨]. ٢٥٣٨ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا لَقِيتَ الْحَاجَّ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَصَافِحْهُ، وَمُرْهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٦٩، ١٢٩]. ٢٥٣٩ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا ثُمَّ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِي وَالْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٣٨٠٦]. * * * ــ ٢٥٣٧ - [٣٣] (عنه) قوله: (ثلاثة) وفي حكمهم جماعةٌ وفدوا على رسول اللَّه ﷺ لتعلم الأحكام، ولما كانوا في الظاهر وافدين من قوم إلى رسول اللَّه ﷺ أضيفوا إليه ﷺ ، ولكنهم وافدون على اللَّه حقيقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]. ٢٥٣٨ - [٣٤] (ابن عمر) قوله: (قبل أن يدخل بيته) لأنه إلى الآن في سبيل اللَّه غير مشتغل عنه بأهله وعياله، وحقيقة المراد أن ثوابه وكونه من وفد اللَّه ثابت من حين خروجه من بيته إلى دخوله. ٢٥٣٩ - [٣٥] (أبو هريرة) قوله: (أو غازيًا) وفي حكمهم من خرج متعلمًا كما ذكرنا.

стр. 2773

١ - باب الإحرام والتلبية * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٥٤٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٣٩, ٢٧١، م: ١١٨٩ , ١١٩٠]. ــ ١ - باب الإحرام والتلبية الإحرام والتحريم: جعل الشيء حرامًا، ومنه تحريمة الصلاة، والتاء للنقل، أو بتقدير التكبيرة، ويجوز أن يكون من أحرم بمعنى: دخل في الحرم، ولما كان عقد الإحرام سببًا لاستباحة دخوله سمي به. الفصل الأول ٢٥٤٠ - [١] (عائشة) قوله: (ولحلّه) أي: خروجه من الإحرام، حل وأحل بمعنى، وقد وقع في بعض الروايات: (لإحلاله). وقوله: (قبل أن يطوف بالبيت) فإن الحاج بعد رمي جمرة العقبة يخرج من الإحرام، ويحل له كل شيء سوى النساء. وقوله: (وبيص الطيب) بالصاد المهملة: بريقه، يقال: وَبَصَ البرقُ يَبِصُ وَبْصًا ووبيصًا: لمع وبرق، وفيه مبالغة في بقاء أثر الطيب، و (المفارق) جمع مفرق بمعنى موضع الفرق وهو وسط الرأس، والجمع باعتبار نواحيه وأطرافه وأجزائه. وفي الحديث دليل على أن للمحرم أن يتطيب قبل إحرامه بطيبٍ يبقى أثره عليه بعد الإحرام، وأن بقاءه بعد الإحرام لا يضره، وهو المشهور من مذهبنا لهذا الحديث؛

стр. 2774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأن الممنوع التطيب، والباقي بعده كالتابع له لاتصاله به بخلاف الثوب؛ لأنه مباين فلا يصح اعتباره تبعًا، وأيضًا يُعدُّ الرجل بعد بقاء الثوب على بدنه لابسًا، ولا يُعدُّ بعد بقاء الطيب متطيبًا، وكذا لو حلف لا يتطيب فدام على طيب يجده لم يحنث، ولو حلف لا يلبس فدام عليه حنث. وعن محمد أنه يكره إذا تطيب بما تبقى عينُه بعد الإحرام، وهو قول مالك والشافعي؛ لأنه منتفع بالطيب بعد الإحرام. وجعل الطيبي (١) الإباحة قول الشافعي، والكراهة قول مالك، وإيجاب الفدية قول أبي حنيفة، والمذكور في (الهداية) (٢) وشروحه ما ذكرناه. وفي (شرح كتاب الخرقي) (٣): سئل عبد اللَّه بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرمًا؟ فقال: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضح طيبًا؛ لأن أُطلى بقطرانٍ أحبُّ إليّ [من] أن أفعل ذلك، فبلغ ذلك عائشة فأنكرت ذلك من ابن عمر، وقال مسلم بن صبيح: رأيت ابن الزبير وهو محرم وفي رأسه ولحيته من الطيب [ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال]، وما جاء في حديث يعلى بن أمية: أنه ﷺ رأى رجلًا وهو مصفِّر لحيته ورأسه وعليه جبة، فقال: (انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة)، متفق عليه، وفي رواية أبي داود: (اغسل عنك أثر الخلوق)، فذلك محمول على أنه كان زعفرانًا، والنبي ﷺ نهى أن يتزعفر الرجل، وإذا نهى عن ذلك في غير الإحرام ففيه أجدر، انتهى.

стр. 2775

٢٥٤١ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا، يَقُولُ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ"، لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩١٥، م: ١١٨٤]. ٢٥٤٢ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَاسْتَوَتْ بِهِ ناقتهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٦٥، م: ١١٨٧]. ــ ٢٥٤١ - [٢] (ابن عمر) قوله: (ملبدًا) بلفظ اسم الفاعل من التلبيد، وهو أن يجعل المحرم في رأسه شيئًا من صمغ أو غيره ليتلبد شعره وينضم بعضه ببعض دفعًا للشعث. وقوله: (إن الحمد لك) بكسر (إن) وهو أظهر معنًى ورواية، وقد تفتح الهمزة ولعله بتقدير: لأن الحمد. ٢٥٤٢ - [٣] (عنه) قوله: (في الغرز) بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها زاي: ركاب الرجل من جلد، وإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب. وقوله: (واستوت به ناقته) أي: رفعته مستويًا على ظهرها، وهذا الحديث يدل على أنه ﷺ لبَّى بعد استوائه على ظهرها، وبه أخذ الشافعي، وعندنا يُلبِّي بعد الصلاة، وهو قول مالك، قال في (الهداية) (١): ثم يلبي عقيب صلاته لما روي أن النبي ﷺ لبّى في دبر صلاته، فإن لبى بعد ما استوت به راحلته جاز، ولكن الأول أفضل لما روينا، والمشهور في مذهب أحمد بعد الصلاة، والمختار عند بعض أصحابه عند الاستواء.

стр. 2776

٢٥٤٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٤٧]. ٢٥٤٤ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ: قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّهُمْ لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٨٦]. ٢٥٤٥ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، ــ وفي (شرح كتاب الخرقي) (١): أنه روى سعيد بن جبير قال: قلت لعبد اللَّه بن عباس: يا ابن العباس! عجبت لاختلاف أصحاب رسول اللَّه ﷺ في إهلال رسول اللَّه ﷺ ! فقال: إني لأَعلمُ الناسِ بذلك، أهلّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظت عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهلّ، فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول اللَّه ﷺ ، فلما علا على شرف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهل حين علا من البيداء، وايم اللَّه لقد أوجب في مصلَّاه [وأهلَّ حين استوت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء]، رواه أبو داود (٢)، وبما ذكر يحصل به التوفيق بين الروايات. ٢٥٤٣ - [٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (نصرخ بالحج صراخًا) هذا الحديث يدل على أنهم كانوا مُفْردين بالحج. ٢٥٤٤ - [٥] (أنس) قوله: (وإنهم ليصرخون بهما) يدل على كونهم قارنين. ٢٥٤٥ - [٦] (عائشة) قوله: (فمنا من أهل بعمرة. . . إلخ)، يدل على أن

стр. 2777

وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، ــ بعضهم كانوا متمتعين، وبعضهم كانوا قارنين، وبعضهم مفردين بالحج (١)، وكذلك اختلفت الأخبار والروايات في فعله ﷺ : هل كان قارنًا؟ وفيه أكثر الأحاديث الصحيحة الصريحة مروية عن سبعة عشر من عظام الصحابة، أو مفردًا بالحج؟ وفيه أيضًا أحاديث كثيرة، وجاءت أحاديث صحيحة في التمتع أيضًا، وذكروا في توفيقها وترجيح كونه قارنًا وجوهًا متعددة، وقد ذكرناها في (شرح سفر السعادة) (٢) مستوفى، فلينظر ثمة،

стр. 2778

وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٦٢، م: ١٢١١]. ٢٥٤٦ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٩١، م: ١٢٢٧]. ــ واللَّه أعلم. ٢٥٤٦ - [٧] (ابن عمر) قوله: (تمتع بالعمرة إلى الحج) أي: استمتع وانتفع بالتقرب إلى اللَّه بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره، وقيل: معناه: استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإحرام إلى أن يحرم بالحج، هكذا فسر البيضاوي (١) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحاصله تضمين معنى الانضمام للتعدية بكلمة إلى. ولا بد أن نشير مجملًا إلى معنى القران والتمتع والإفراد؛ فالإفراد (٢): أن يحرم بالحج أو العمرة منفردًا، والقران: أن يحرم لهما معًا، فيعتمر أولًا ويبقى على إحرامه ويحج، والتمتع: أن يحرم للعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحج من عامه، وفضله أنه أحرز الفضيلتين في عام واحد، وحكمه أنه إن ساق الهدي بقي على إحرامه، وإن لم يسق يحل، كما يأتي بيانه في (باب حجة الوداع)، وعندنا القران أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد.

стр. 2779

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٥٤٧ - [٨] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٨٣٠، دي: ٢/ ٣١]. ٢٥٤٨ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٧٤٨]. ٢٥٤٩ - [١٠] وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَانِي جِبْرَئيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ أَوِ التَّلْبِيَةِ". رَوَاهُ مَالكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ط: ١/ ٣٣٤، ت: ٨٢٩، د: ١٨١٤، ن: ٢٧٥٣، جه: ٢٩٢٢، دي: ٢/ ٣٤]. ٢٥٥٠ - [١١] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، ــ الفصل الثاني ٢٥٤٧ - [٨] (زيد بن ثابت) قوله: (تجرد لإهلاله) أي: لإحرامه؛ لأن الإهلال هو رفع الصوت بالتلبية، وفي نسخ (المصابيح): (لإحرامه). ٢٥٤٨ - [٩] (ابن عمر) قوله: (بالغسل) بالكسر: وهو ما يغسل به كالخطمي وغيره؛ لئلا ينتشر الشعر، وروى بعضهم: (بالعَسَل) بفتحتين والعين المهملة، وهو تصحيف. ٢٥٤٩ - [١٠] (خلاد بن السائب) قوله: (أن يرفعوا أصواتهم) وتأتي فضيلته في الحديث الآتي. وقوله: (أو التلبية): (أو) للشك. ٢٥٥٠ - [١١] (سهل بن سعد) قوله: (من عن يمينه) وفي بعض الروايات:

стр. 2780

أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨٢٨، جه: ٢٩٢١]. ٢٥٥١ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: لَبيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ. [خ: ١٥٥٣، م: ١١٨٤]. ــ (ما عن يمينه)، وهو الأظهر معنًى، ووجه التعبير بـ (مَن) لتنزيل الأشياء المذكورة لإضافة التلبية إليها منزلة ذوي العقول. وقوله: (من ههنا وههنا) إشارة إلى المشرق والمغرب، والغاية محذوفة، أي: إلى منتهى الأرض. ٢٥٥١ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (والرغباء إليك) بفتح الراء وسكون المعجمة ممدودًا، وبضم الراء مقصورًا، كلاهما روايتان، يريد أن الرغبة وطلب الخير إليك؛ لأن الخير كله بيديك، وفي (القاموس) (١): رغب فيه، كسمع، رَغْبًا ويضم، ورَغْبة: أراده، كارتَغب، وعنه: لم يُرِده، وإليه رَغَبًا محركة، ورَغْبى، ويضمّ، ورَغْباء كصحراء، ورَغَبوتًا [ورَغَبُوتى] ورَغَبانًا، محرّكاتٍ، ورُغبة بالضم ويحرّك: ابتهل، أو هو الضراعة والمسألة. وقوله: (أو العمل) معطوف على (الرغباء)، أي: العمل منتهًى إليك، وأنت المقصود فيه، أو إليك يصعد العمل.

стр. 2781

٢٥٥٢ - [١٣] وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعْفَاهُ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [الأم: ٢/ ١٥٧]. * الْفَصْلُ الْثَّالِثُ: ٢٥٥٣ - عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ الْحَجَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا، فَلَمَّا أَتَى الْبَيْدَاءَ أَحْرَمَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). ٢٥٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَيْلَكُم قَدْ قَدْ"، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُون بِالْبَيْتِ. . . . . ــ ٢٥٥٢ - [١٣] (عمارة بن خزيمة) قوله: (عمارة) بضم العين وتخفيف الميم (ابن خزيمة) بضم الخاء وفتح الزاي. الفصل الثالث ٢٥٥٣ - [١٤] (جابر) قوله: (فلما أتى البيداء) الفلاة، وهو اسم لموضع بين مكة والمدينة قريب من ذي الحليفة. ٢٥٥٤ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (قد قد) يروى بسكون الدال وبكسرها مع التنوين بمعنى قط، بمعنى حَسْب، كانوا يقولون: لا شريك لك، (إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك) يعنون الأصنام، فلما بلغوا إلى قولهم: (لا شريك لك) قال النبي ﷺ : (قد قد) أي: لا تقولوا: إلا شريكًا لك، واكتفوا بقولكم: (لا شريك لك).

стр. 2782

رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٨٥]. * * * ٢ - باب قصة حجة الوداع * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٥٥٥ - [١] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ. . . . . ــ وقوله: (تملكه) صفة شريكًا، (وما ملك) عطف على الضمير المنصوب في (تملكه)، والضمير في (ملك) لـ (شريكا)، وعجبًا من حماقتهم أنهم قائلون بأن الأصنام مملوك اللَّه ثم يشركون بها، هل هذا إلا تناقض؟ ! . ٢ - باب قصة حجة الوداع [(الوداع)] بفتح الواو سميت بها لأن رسول اللَّه ﷺ ودعَّ الناس فيها، وعلَّمهم الشرائع، واستشهدهم على أداء الرسالة وتبليغ الأحكام، وكانت في السنة العاشرة، وحديث جابر المذكور أتمّ وأجمع الأحاديث المروية في هذا الباب (١)، وهو مروي عن الإمام جعفر الصادق عن أبيه الإمام محمد الباقر عن جابر ﵃. الفصل الأول ٢٥٥٥ - [١] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (ثم أذّن) أي: أعلم بلفظ المعلوم من

стр. 2783

بِالْحَجِّ (١) في الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي" فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ. قَالَ جَابرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، ــ التأذين, ويروى بلفظ المجهول. وقوله: (بشر كثير) ورد في بعض الروايات: كانوا أكثر من الحصر والإحصاء، ولم يعيِّنوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي هي آخر غزواته ﷺ مئة ألف، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، لا بد أن يزدادوا فيها، ويروى: مئة وأربعة عشر ألفًا، وفي رواية: مئة وأربعةً وعشرين ألفًا، واللَّه أعلم. وقوله: (واستثفري) الاستثفار: أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويًّا ويشدّ على هيئة ثفر الدابة بفتح الثاء وضمها. وقوله: (وأحرمي) فيه جواز الإحرام للنفساء، وكذا حكم الحائض. وقوله: (في المسجد) أي: مسجدٍ كان بذي الحليفة. و(القصواء) اسم ناقته ﷺ ، وقيل: إنما سميت بها لسبقها، وكان عندها أقصى السير وغاية الجري، وقيل: القصواء ناقة قطع طرف أذنها، فكلُّ ما قطع من الأذن

стр. 2784

لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ استَلَمَ الرُّكْنَ فَطَافَ (١) سَبْعًا، ــ فهو جدع، فإذا بلغ الربع فهو قصواء، وإذا جاوز فهو عضب، فإذا استؤصلت فهو صلم، والناقة قصواء، ولا يقال: بعير أقصى، ولم تكن ناقته ﷺ قصواء على الصحيح وإنما هو لقبلها، وقد روي في حديث آخر: كان له ناقة تسمى العضباء، وناقة تسمى الجدعاء، وفي أخرى: صلماء، وفي أخرى: مخضرمة، وكله في الأذن، فكل واحدة إما صفة ناقة مفردة، أو الجميع صفة ناقة واحدة، ويؤيده حديث علي ﵁ حين بعث ليبلّغ سورة براءة، فروي: العصواء، وفي آخر: العضباء، وفي آخر: الجدعاء، فهو يصرح بأن الثلاثة صفة ناقة واحدة، واللَّه أعلم. وقوله: (لسنا نعرف العمرة) المتبادر أن معناه: لم تكن العمرة في قصدنا حين الخروج ولم ننوها، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): أن المعنى: لسنا نعرف العمرة في أشهر الحج، وكان أهل الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وإنما شرعت عام حج رسول اللَّه ﷺ . وقوله: (استلم الركن) أي: الركن الأسود، وإليه ينصرف الركن عند الإطلاق، واستلامه: أن يقبله أو يلمسه باليد إن تيسر، وهو افتعال من السلام بمعنى التحية، ولذلك أهل اليمن يسمون الركن الأسود: المحيا، أي: الناس يحيونه، أي: يسلِّمون عليه، قاله الأزهري (٣). وقال القتيبي والجوهري: افتعال من السِّلَام، وهي الحجارة، واحده سَلِمة بكسر

стр. 2785

فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ــ اللام، يقال: استلمت الحجر: إذا لمسته، كما يقال: اكتحلت من الكحل. وقيل: افتعال من المسالمة، كأنه فعل ما يفعله المسالم. وقيل: الاستلام أن يحيِّي نفسه عند الحجر بالسلام؛ فإن الحجر لا يحيِّيه، كما يقال: اختدم، إذا لم يكن له خادم، وقال ابن الأعرابي: هو مهموز الأصل ترك همزه، مأخوذ من الملاءمة وهي الموافقة، وقيل: من اللأمة وهي السلاح، كأنه حصَّن نفسه بمس الحجر، ذكر هذه الوجوه شارح كتاب الخرقي (١). وقوله: (فرمل ثلاثًا) رمل رَمَلًا ورَمَلانًا محركتين: هرول، وقال في (المشارق) (٢): هو وثبٌ في المشي ليس بشديد مع هزِّ المنكبين، وقال: الرمل في الطواف، ورمل فيها بفتح الراء والميم في الاسم والفعل الماضي، وجاءت في رواية بعضهم ساكنة الميم على المصدر. وفي (شرح كتاب الخرقي) (٣): الرمل الهرولة، وقال الأزهري: الإسراع، وفسر الأصحاب الرمل بإسراع المشي مع تقارب الخطأ. وقال في (الهداية) (٤): الرمل أن يهزّ في مشيته الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين. وكان السبب في تشريع هذا الفعل في الابتداء إظهار المسلمين جلادتهم للمشركين، وكان ذلك في عمرة القضاء، ثم لما فعله ﷺ في حجة الوداع وقد زال ذلك السبب -لأنه لم يكن حينئذ بمكة من المشركين من تُظهر عنده الجلادة- صار ذلك سنةً

стр. 2786

ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: . . . . . ــ مستقلة، وقد ثبت عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ رمل في حجته وعمرته وكذلك فُعل بعده، وإلا فقد يرتفع الحكم بارتفاع العلة كما في سهم مؤلفة القلوب ونحوه. ثم هذا الرمل مسنون في كل طواف بعده سعيٌ كما في طواف العمرة وطواف القدوم وطواف الإفاضة دون طواف الوداع، وليس في هذا الحديث ذكر الاضطباع وهو مسنون أيضًا مع الرمل، وكيفية الاضطباع: أن يجعل رداءه تحت إبطه الأيمن، ويلقيه على كتفه الأيسر، من الضبع بسكون الباء، وهو وسط العضد، وقيل: هو ما تحت الإبط، وفيه أيضًا من التجلد كما في الرمل. وقوله: (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم) ومقام إبراهيم اسم لحجر، فيه أثر قدميه، موضوع قُبالة البيت. وقوله: (فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) في (اتخذوا) قراءتان: فتح الخاء وكسرها، والرواية في الحديث الكسر، وهو الأنسب بالمقام. وقوله: (فصلى ركعتين) وهاتان الركعتان واجبتان عندنا لورود الأمر بهما، وعند الشافعي سنة. وقوله: (فجعل المقام بينه وبين البيت) أي: صلى الركعتين خلف المقام، وهذا أفضل مكان لصلاة هاتين الركعتين، وجاز أن يصلي حيث شاء. وتقديم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] على ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] واقع في (صحيح مسلم) و (شرح السنة) في إحدى الروايتين، ويوجّه بأن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لإثبات التوحيد، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ للتبرؤ عن الشركاء، فقدم اهتمامًا بشأن الإثبات، وقد وقع في بعض الروايات بتقديم ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ كما هو الظاهر، والحديث

стр. 2787

أنه قَرَأَ في الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ"، بَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نزَلَ وَمَشَى إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ سَعَى، ــ دل على أنه لا بأس بتقديم سورة متأخرة على التي تقدم، وله شواهد كثيرة في الأحاديث. وقوله: (إلى الصفا) في (القاموس) (١): الصفاة: الحجر الضخم الصلد لا يُنبت، والصفا من مشاعر مكة بلِحْفِ أبي قبيس. وقوله: (فاستقبل القبلة) وكان إذ ذاك تُرى الكعبة من الصفا ولم يكن حائل بينهما والآن حجبها بناء الحرم، ومع ذلك يقع النظر إليها على الركن الأسود من أحد الأبواب بحذائه. وقوله: (حتى انصبت قدماه) أي: انحدرت في المسعى، من قولهم: صببت الماء فانصبّ: أي سكبته فانسكب، والمسعى كان إذ ذاك واديًا، ويحصل بالنزول عن الصفا انحدار وسعي، فيسعى إلى الميلين الأخضرين، والعلامة لذلك منصوبة إلى الآن في جدار المسجد، والأصل في ذلك: أن هاجر أم إسماعيل ذهبت يومًا -حين كان طفلًا- للماء، وكانت إذا دخلت الوادي حُجب إسماعيل عن نظرها فكانت تصعد

стр. 2788

حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ نَادَى وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ تَحْتَهُ فَقَالَ: . . . . . ــ الصفا والمروة لتنظر إليه، فبقيت ذلك سنَّة لفعله ﷺ السعي، والآن سوَّى التراب أرض البلد، ولا يحصل بعد النزول عن الصفا انحدار، ولكن يتكلفون في السعي إتيانًا بالسنة. والسعي بين الصفا والمروة واجب، وإنما قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ لأن الأنصار كانوا يتحرجون عن الطواف بين الصفا والمروة فقيل لهم: لا جناح عليه أن يطوف بهما، كذا قالوا. وقوله: (حتى إذا صعدتا) من الإصعاد، وهو الذهاب في الأرض والإبعاد سواء كان في صعود أو حدور، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وفي (القاموس) (١): أصعد في الأرض: مضى، وفي الوادي: انحدر، كصعّد تصعيدًا، وكذا في (الصحاح)، وفي (المشارق) (٢): يقال: سعد في الجبل: علاه، وصعد وأصعد كله واحد، وأصعد في الأرض لا غير: ذهب مبتدئًا، ولا يقال في الرجوع، قال ابن عرفة: وإنما يقال في الرجوع: انحدر، ومعناه في الحديث: ارتفاع القدمين في بطن المسيل إلى المكان العالي؛ لذكره في مقابلة الانصباب عند الهبوط في الوادي، ومعناه: دخلتا في الصعود. و (المروة) واحد المرو، وهي حجارة بيض برّاقة تورِي النارَ، أو أصلب الحجارة، اسم جبل بمكة.

стр. 2789

"لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً"، فَقَامَ سُراقَةُ بْنُ مَالِكِ ابْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخْرَى وَقَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ" مَرَّتَيْنِ. . . . . ــ وقوله: (لو أني استقبلت من أمري. . . إلخ)، هذا الكلام توطئة وتمهيد لقوله: (فمن كان منكم ليس معه هدي. . . إلخ)، قاله تطييبًا لقلوب أصحابه وتسلية لهم، ومعناه: لو عنَّ لي هذا الرأي الذي رأيته آخرًا وأمرتكم به أولًا في ابتداء أمري في الإحرام لما سقت الهدي، وحاصله: أنه ﷺ أمر أصحابه بعد وصوله مكة وأدائه العمرة بخروج من لم يسق الهدي عن الإحرام، وبقاء من ساقه، فشقّ عليهم أن يحلوا ورسول اللَّه محرم ويتركوا متابعته، وأيضًا قالوا: أنحج وتقطر مذاكيرنا؟ كما يأتي، فقال لهم: قد وقع مني ما وقع من سوق الهدي، وقد أمرني اللَّه بأن من ساق الهدي لا يحل حتى ينحر، فلا يصح له فسخ الحج بعمرة بخروجه عن الإحرام، ومن لم يسق الهدي اعتمر وحل من إحرامه ثم يحرم بعد ذلك للحج، ولو كنت علمت قبل هذا أن يشق عليكم الخروج من الإحرام، لما سقت الهدي، وخرجت من الإحرام، وجعلت الحج عمرة كما أمرتكم. وقوله: (ابن جعشم) بضم الجيم وسكون العين وضم الشين المعجمة. وقوله: (واحدة في الأخرى) حال، أي: جاعلًا واحدة منها في الأخرى، وهي حال مؤكدة؛ لأن التشبيك لا يكون إلا هكذا. وقوله: (دخلت العمرة في الحج) قال النووي (١): اختلف العلماء في معناه على

стр. 2790

"لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ" قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ" قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْي الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِئَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُم، ــ أقوال، أصحها -وبه قال جمهورهم- معناه: أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة، والمقصود بيان إبطال ما كانت أهل الجاهلية عليه من امتناع العمرة في أشهر الحج، وكانوا يرونه من أفجر الفجور. وقوله: (لا بل لأبد أبد) (لا) نفي لكلام مقدر يفهم مما سبق، تقديره: ليس لعامكم بل لأبد، أو المراد نفي ترديده، أي: ليس مردودًا بل يتعين القسم الثاني، و (أبد) مكررٌ اثنين، وفي بعض الروايات ثلاثًا. وقوله: (ببدن) بضم الباء وسكون الدال: جمع بدنة بفتح الباء والدال، وهي من الإبل خاصة عند الشافعي، وعندنا يشمل البقر، وقال النووي (١): البدنة عند جمهور أهل اللغة وبعض الفقهاء: الواحدة من الإبل والبقر والغنم، وخصَّها جماعة بالإبل، وهو المراد في حديث تبكير الجمعة، وقد سبق في (باب الجمعة). وقوله: (فرضت الحج) أي: ألزمته [على] نفسك بالإحرام. وقوله: (فحل الناس كلهم) أي الناس الذين كانوا لم يسوقوا الهدي، وجاء في الحديث: أن أمهات المؤمنين وفاطمة ﵅ كلهن أحللن، كذا في (سفر السعادة) (٢)، وقول الطيبي: هذا من العام الذي خُص؛ لأن عائشة ﵂ لم تحل ولم

стр. 2791

وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، ــ تكن ممن ساق الهدي، مما لا نعرف له سندًا، واللَّه أعلم. وقوله: (وقصروا) يدل بظاهره أنهم كلهم قصروا، وجاء في الحديث أن بعضهم حلقوا وبعضهم قصروا، فدعا رسول اللَّه ﷺ للمحلِّقين فقال: (اللهم ارحم المحلقين)، قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه، قال: (اللهم ارحم المحلقين)، قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه، قال: (والمقصرين) مرتين أو ثلاث مرات، قالوا: والسبب في تكرير الدعاء للمحلقين أن أكثر من حج معه ﷺ لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤوسهم شقّ عليهم. ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم، فرجَّح ﷺ فعل من حلق لكونه أبين في امتثال الأمر. وقيل: إن عادة العرب أنها كانت تحب توفر الشعور والتزين بها، وكانوا يرون الحلق من الشهرة ومن فعل الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. ثم اعلم أنه قد ورد هذا الحديث في الحديبية وفي حجة الوداع، فقيل: كان فيهما، لكن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقفٍ من الصحابة عن الإحلال؛ لِمَا دخل عليهم من الحزن؛ لكونهم منعوا عن الوصول إلى البيت، وفي حجة الوداع ما ذكرنا، ثم في الوداع: هل كان عند أمر النبي ﷺ الصحابة بالإحلال بعد العمرة قبل الحج، أو كان في الحج يوم النحر؟ فالمفهوم من (سفر السعادة) (١) أنه كان في الأول، ومن (المواهب اللدنية) وغيرها أنه كان في الحج يوم النحر، وسيأتي في الفصل الأول من (باب الحلق) من حديث ابن عمر أنه قال: في

стр. 2792

فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، ــ حجة الوداع، وقد وقع في رواية الشيخين عن أبي هريرة من غير تعيين: هل قاله في الحديبية أو في حجة الوداع؟ قالوا: لم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبي ﷺ ، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية، كذا في (المواهب) (١)، فتدبر. واللَّه أعلم. وقوله: (فلما كان يوم التروية) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة؛ لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعد، أو لأن إبراهيم ﵇ كان يتروّى ويتفكر في رؤياه فيه، كذا في (القاموس) (٢). وقوله: (توجهوا) أي: قصدوا التوجه (إلى مني فأهلوا) أي: أحرموا، ومنى كإلى وقد تصرف؛ سميت لما يمنى بها من الدماء، وعن ابن عباس: لأن جبرئيل ﵇ لما أراد أن يفارق آدم قال له: تمن، قال: أتمنى الجنة؛ فسميت مني لأمنية آدم، والذهاب إلى مني والبيتوتة فيها ليس عندنا واجبًا بل سنة. وقوله: (وركب رسول اللَّه ﷺ ) الحج راكبًا أفضل، خصوصًا على الإبل، و (نمرة) بفتح النون وكسر الميم: اسم موضع قرب عرفات، وهو منتهى أرض الحرم، وكأنه بين الحل والحرم، وعرفات من الحل، وقيل: اسم جبل شبهوه بالنمرة، حيوان معروف فيه النُّمرة، بالضم: النكتة بأيِّ لون كان، والأنْمَر ما فيه نمرة، كما قالوا: جبل ثور، لمشابهته به في الشكل.

стр. 2793

فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامٍ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنعُ في الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، ــ وقوله: (ولا تشك قريش) أي: لا تظن (إلا أنه واقف) وقال الطيبي (١): تقديره: لا تشك قريش في أن رسول اللَّه ﷺ يخالفهم في سائر المناسك إلا في الوقوف في المشعر الحرام، فتأمل، و (المشعر الحرام) اسم لجبل بمزدلفة يقال له: قُزَح. وقوله: (كما كانت قريش تصنع في الجاهلية) فإنهم كانوا يقفون بمزدلفة، ويسمونه موقف الحمس وأهل حرم اللَّه، بخلاف سائر العرب؛ فإنهم كانوا يقفون بعرفات، فظنت قريش أنه ﷺ يقف في المشعر الحرام على عادتهم. وقوله: (فأجاز) أي: تجاوز من المزدلفة إلى عرفات؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، (حتى أتى عرفة) وهي بفتح الراء، يجيء مفردًا بمعنى المكان والزمان، وعرفات بلفظ الجمع مخصوص بالمكان. وقوله: (فرحلت له) بلفظ المجهول، أي: شدَّ على ظهرها الرجل ليركبها. وقوله: (كحرمة يومكم هذا. . . إلخ)، تأكيد للحرمة فإنهم كانوا قائلين بحرمتها. وقوله: (تحت قدمي) بلفظ التثنية، وقوله: (موضوع) يحتمل أن يكونا خبرين،

стр. 2794

وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ ابْنِ الْحَارِثِ -وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا في بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَهُ هُذَيْل- وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، ــ أو الخبر هو (موضوع) و (تحت) ظرف له وهو الأظهر، والمراد بالوضع تحت القدم إبطاله وتركه، وتقول العرب في الأمر الذي لا تكاد تراجعه وتذكره: جعلت ذلك تحت قدمي. وقوله: (دم ابن ربيعة بن الحارث) ابن عبد المطلب، ربيعة ابن عم رسول اللَّه ﷺ ، صحبه، وروى عنه، توفي في خلافة عمر ﵁، واسم ابنه إياس، أصابه حجر في حرب كانت بين سعد وهذيل. وقوله: (وكان) أي: ابن ربيعة، قال التُّورِبِشْتِي: وقد وقع في نسخ (المصابيح): (دم ربيعة)، فذكر جمع من أهل العلم أن رواة هذا الحديث لم يصيبوا في نقل (دم ربيعة)، وإنما الصواب: (دم ابن ربيعة)، وقد ألحق هذه الزيادة بنسخ من (المصابيح)، ولا نرى التسليم لهم مع إمكان تقرير معنى الحديث على ما وردت به الرواية عن جماعة من علماء النقل وحفاظهم: (دم ربيعة)، وهي رواية البخاري، وإنما أضاف الدم إلى ربيعة لأنه كان وليَّ الدم، والمراد: قتيل ربيعة، والضمير في قوله: (وكان مسترضعًا) راجع إلى القتيل، فسلك بالكلام مسلك الإيجاز بالحذف والإضمار، ومثل ذلك جائز في الكلام إذا قرنت به دلالة عليه (١). وقوله: (بأمان اللَّه) أي: بعهده، وهو ما عهد إليكم فيهن، والمراد

стр. 2795

وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْربُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ "، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: . . . . . ــ بـ (كلمة اللَّه) قيل: هو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] وقيل: الإيجاب والقبول؛ لأن اللَّه تعالى أمر بها، وقيل: كلمة التوحيد، إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم. وقوله: (أن لا يوطئن) ضبط بالتخفيف من الإيطاء، وهو مهموز أبدل الهمزة ياء، ويجوز إثباتها، وهو كناية عن إقدار الغير على الدخول عليهن والاختلاط والحديث بهن. وقوله: (غير مبرح) بالحاء المهملة من باب التفعيل، أي: غير شديد، والبرح: الشدة والشر، وبُرَحَاء الحمّى وغيرها: شدة الأذى، ومنه: برّح به الأمر تبريحا، وتباريحُ الشوقِ: توهُّجُه، كذا في (القاموس) (١)، وهذا يدل على أنه ليس المراد بإيطاء الفرش الزنا. وقوله: (بعده) أي: بعد التمسك به والعمل به، أو بعد وجوده، أو بعد تركه. وقوله: (فقال بإصبعه) أي: أشار، و (يرفعها) حال، و (ينكتها) في نسخ (المشكاة)

стр. 2796

"اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ ركبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ ناقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ــ بالتاء الفوقانية، والصواب: (ينكبها) بالموحدة، قال في (المشارق) (١): روايتنا بتاء باثنتين فوقها، وقال بعض المتقنين: صوابه: (ينكبها) بباء واحدة، ومعناه: يردها ويقلبها إلى الناس مشيرًا إليهم ﵇ كان راكبًا، انتهى. وذلك لأن النكت بالفوقانية من نَكَتَ الأرض بالقضيب: إذا ضرب في الأرض فيؤثر فيها، وهذا بعيد من معنى الحديث، وقيل: مجاز عن الإشارة بقرينة (إلى). وفي (مجمع البحار): (ينكبها إلى الناس) أي: يميلها، من نكَب الإناءَ، ونكَّبه تنكيبا: إذا أماله وكبَّه، وروي بالفوقية بعد الكاف، وهو بعيد المعنى. وقوله: (فصلى العصر) أي: جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وهو عندنا، وعليه بعض أصحاب الشافعي، بسبب النسك؛ ليتضرع للوقوف والدعاء، وعند الشافعية للسفر. وقوله: (ولم يصل بينهما شيئًا) من السنن والنوافل، وذلك أيضًا للاستعجال بالوقوف. وقوله: (إلى الصخرات) وفي رواية: (الصخيرات) بإثبات ياء التصغير. وقوله: (وجعل حبل المشاة بين يديه) الحبل بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة: المستطيل من الرمل، وقيل: هو التّلّ الضخم منه، وجمعه حبال،

стр. 2797

فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، ــ وقيل: الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل، وفي [قصة] بدر: صعدنا على حبل، أي: قطعة من الأرض ضخمة ممتدة، وأضيف إلى المشاة لاجتماعهم هناك من الموقف. وفي (المشارق) (١): يعني صفَّهم ومجتمعهم تشبيهًا لصفهم بحبل الرمل، وقيل: (حبل المشاة) حيث يسلك الرجالة، والأول أولى، وقد يحتمل أن يراد به كثرة المشاة، والحبل: الخلق، انتهى. وهناك موقف النبي ﷺ ، وهو إن لم يتعين بخصوصه، ولكن ينبغي أن يقف في حوالي هذا الموضع، تارة ها هنا وتارة هناك، قريبَ البناء القديم الذي يقول له العامة: مطبح آدم ﵇؛ ليفوز بموقفه ﷺ ، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): إنه نقل عن الأخفش أنه قال: الحبل: جبل عرفة. وفي (مجمع البحار) (٣) عن النووي: روي بمهملة وسكون جاء بمعنى مجتمعهم، وبجيم وفتح جاء بمعنى طريقهم، وحيث تسلكه الرجالة، والرواية بالجيم مذكور في (شرح كتاب الخرقي) (٤). وقوله: (حتى غاب القرص) بيان لما قبله دفعًا لتوهم المجاز بإرادة غروب أكثر الشمس، وقيل: صوابه: حين غاب القرص.

стр. 2798

وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ، وَدَفَعَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، ــ وقوله: (ودفع) أي: أسرع في السير بمعنى اندفع، يقال: اندفع الفرس: أسرع في سيره، وقال في (المشارق) (١): الدفع تكرَّر في الحج في غير حديث، ومعناه: الذهاب والسير، يقال: دَفَعَتِ الخيلُ: إذا سارت، والقوم: جاؤوا بمرة. وقال السيوطي في (مختصر النهاية) (٢): دفع من عرفات: خرج منها. و(المزدلفة) بين عرفات ومنى، وازدلف افتعل من الزَّلَف بمعنى القُرْبة، ازدلف إليه: اقترب، سميت بها لأنه يتقرب فيها إلى اللَّه، أو لاقتراب الناس إلى مني بعد الإفاضة، أو لمجيء الناس إليها في زلفٍ من الليل، أو لأنها أرض مستوية مكنوسة، والزَّلَف يجيء بمعنى الأرض المكنوسة والمستوي من الجبل الدَّمِث، وهذا أقرب، كذا في (القاموس) (٣)، والمزدلفة تسمى جمْعًا أيضًا بسكون الميم، والمشهور في وجه تسميتها وهو المروي عن ابن عباس: أن آدم وحواء اجتمعا واقتربا فيها، وتعارفا بعرفات، واللَّه أعلم. وقوله: (بأذان واحد وإقامتين) كما صلى الظهر والعصر بعرفات، وهذا مذهب الشافعي وزفر وبعض آخر من الأئمة، وعند أبي حنيفة وبرواية عن أحمد وكثير من العلماء: بأذان وإقامة، وجاء رواية ذلك عن ابن عمر في (صحيح مسلم)، وحَسّنه الترمذي وصححه؛ لأن العشاء لما كانت هنا في وقت لم يحتج إلى الإفراد بالإقامة

стр. 2799

وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ــ والإعلام بها، والعصر بعرفة كانت في غير وقتها فيحتاج بزيادة الإعلام (١). وقوله: (لم يسبح بينهما) أي: لم يصل، والنافلة تسمى سبحة بضم السين وسكون الباء. وقوله: (ثم اضطجع) ولم يُحي هذه الليلة مع دوام مواظبته على ذلك، والمبيت بمزدلفة واجب عندنا، وكذلك عند أحمد وبعض الشافعية، وعند بعضهم فرض. وقوله: (حين تبين له الصبح) أقول: في قوله: (له) إشارة إلى أنه لم يتبين لغيره ﷺ ، فقد روي أنه صلاها لغير وقته، وفي رواية: (بغلس)، والتحقيق أنه صلاها في وقته، ولكن كان الناس يشكّون في طلوع الفجر، وعلمه رسول اللَّه ﷺ إما بالوحي أو لكمال علمه بذلك، وقد سبق الكلام فيه في (باب مواقيت الصلاة) فليتذكره. وقوله: (حتى أتى المشعر الحرام) هو اسم جبل بمزدلفة يسمى قُزَح، والوقوف عند المشعر الحرام -أي: ما يليه ويقرب منه- أفضل، وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسِّرٍ، وقال في (القاموس) (٢): المشعر الحرام وتكسر ميمه: المزدلفة، وعليه اليوم بناء، ووهم من ظنه جبيلًا بقرب ذلك البناء.

стр. 2800

وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ ابْنَ عَبَّاسٍ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ــ اعلم أنه قد ذكر في الحج المشعر الحرام ومشاعر الحج وشعائر الحج، فالمشاعر واحدها مشعر، والشعائر واحدها شعيرة، ويقال: شعارة، وهي أموره ومناسكه، ومعناه: علاماته، وقيل: الشعائر: الذبائح، وقال الفرَّاء والأخفش: هي أمور الحج، وقال الزجَّاج: الشعائر: كل ما كان من موقفٍ ومسعًى وذبحٍ، من قولهم: شعرت به، أي: علمت، وقال الأزهري: الشعائر المعالم، وقال غيره في المشاعر مثله، وذكر إشعار البدن، وهو من هذا، وهو تعليمها بعلامة، وهو شق جلد سنامها عند الحجازيين، وتقليدها بقلادة عند العراقيين، كذا في (مشارق الأنوار) (١). وقوله: (فأتى بطن محسر) بضم ميم وكسر سين مهملة مشددة: اسم واد قرب المزدلفة، وقيل: هو من مني، وقيل: ما يصيب منه في المزدلفة فهو من المزدلفة، وما يصيب منه بمنى فهو من مني، فهو برزخ بين المزدلفة ومنى، كوادي عُرَنة ونَمِرة برزخ بين الحرم وعرفات، وقيل: بعضه من مزدلفة وبعضه من مني، وصوّبه بعضهم. وقوله: (فحرك) أي: ناقته، وأسرع السير قليلًا، أو يفهم من بعض الأحاديث أنه أسرع شديدًا وعجل في خروجه، ويستحب الإسراع فيه إن كان ماشيًا، ويحرك دابته إن كان راكبًا تاسيا بالمأثور باتباعه ﷺ . واختلفوا في سبب إسراعه ﷺ منه، والمشهور أنه مكان نزول العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحب فيه الإسراع لما ثبت في الصحيح من أمره المارّين على ديار قوم لوط وديار ثمود ونحوهم بذلك، وهكذا كانت عادته ﷺ في المواضع التي نزل فيها بأس اللَّه بأعدائه.

стр. 2801

ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، ــ ونقل في (المواهب اللدنية) (١) عن الإسنوي: سببه أن النصارى كانت تقف فيه كما قاله الرافعي، أو العرب كما في (الوسيط)، فأُمرنا بمخالفتهم، وقال: وظهر لي فيه معنى آخر، وهو أنه مكان نزول العذاب على أصحاب الفيل: إلى آخره. وفي (شرح كتاب الخرقي) (٢): يسمى محسرًا لأنه يحسر سالكيه ويتعبهم، وقال الشافعي في (الإملاء): يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع، وقيل: يجوز أن يكون لأنه مأوى الشياطين، وقيل: سمي بذلك لأن قيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي: أعيى. وقوله: (ثم سلك الطريق الوسطى) وهي غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وذلك كانت طريق ضب، وهذا طريق المَأزِمَين اسمان للجبلين، ولأجل هذا لم يمر عليه وقت الذهاب على وادي محسر، ومر وقت الرجوع. وقوله: (يخرج على الجمرة الكبرى) هي الجمرة الأولى التي في جانب مزدلفة قريب مسجد الخيف التي يبدأ منها الرمي بعد هذا اليوم، ذكرها لتعيين الطريق، أما اليوم فيمر منه، ويأتي جمرة العقبة التي في جانب مكة، وهي في أصل الجبل، والعقبة بفتح العين والقاف: الطريق إلى الجبل، وهو موضع في أسفل مني، وإليه تضاف بيعة العقبة للأنصار، وسيأتي أحكام رمي الجمار في بابه. وقوله: (حصى الخذف) بدل (حصيات)، وفي بعض النسخ: (مثل حصى

стр. 2802

فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ــ الخذف) وهو بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين: رميُ الحصى بالأصابع، وفي الحديث: (نهى عن الخذف) وهو رميك حصاةً أو نواةً تأخذها بين سبابتيك. وفي (المشارق) (١): أو بين الإبهام والسبابة، وترمي بهما، أو تتخذ مخذفة من خشب ثم ترمي بها الحصاة، والمراد بيان مقدار الحصى في الصغر والكبر، وفسروا حصى الخذف بقدر حبَّة الباقلاء، وفسره الأثرم بأن يكون أكبر من الحمص دون البندق، وعن ابن عمر: مثل بعر الغنم، وهو قريب من ذلك، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (٢). وقوله: (ما غير) أي: بقي، والغابر أيضًا: الماضي، في (القاموس) (٣): غَبر غُبورًا: مَكث، وذهب، ضِدٌّ، وغُبْرُ الشيء، بالضم: بقيته. وقوله: (وأشركه في هديه) حقيقة، أو المراد: أعطاه بدنًا يذبحه. وقوله: (فأكلا) يؤيد الأول، وفيه جواز الاستنابة في ذبح الهدي، والأفضل أن يذبح بيده، وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا يوم النحر وإن كانت كثيرةً. و(البضعة) بفتح الباء: القطعة من اللحم، وقد مر تحقيق هذا اللفظ في (كتاب الإيمان)، والضمير في (لحمها) و (مرقها) للهدايا، ويجوز أن يكون للـ (قدر)، فإنها تؤنث. و(المرق) بفتح الميم والراء: جمع مرقة، والمَرْق بسكون الراء: إكثار مرقة

стр. 2803

فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، ــ القدر، كذا في (القاموس) (١). وقوله: (فأفاض) أي: أسرع إلى مكة ليطوف، ويسمى طواف الإفاضة، وهو فرض ثاني ركني الحج: الوقوف بعرفة والطواف بالبيت، وبه يتم الحج، وهو أفضل في يوم النحر، ويجوز بعده. وقوله: (فصلى بمكة الظهر) قال في (المواهب اللدنية) (٢): واختلف في أنه أين صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر يوم النحر؟ ففي رواية جابر عند مسلم: أنه صلى بمكة، وكذلك قالت عائشة، وفي حديث ابن عمر في الصحيحين: أنه ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى (٣)، فرجح ابن حزم في (كتاب حجة الوداع) له قول عائشة وجابر، وتبعه على ذلك جماعة؛ لأنهما اثنان، والاثنان أولى من الواحد، ولأن عائشة أخص الناس به، ولأن جابرًا ساق أفعال حجه ﷺ من أولها إلى آخرها أتم سياق، وهو أحفظ للقصة وأضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتى أمرًا منها (٤) ما لا يتعلق بالمناسك، وهو نزوله ﷺ في الطريق، فبال وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فمن ضبط هذا القدر فهو بضبط مكان صلاته الظهر يوم النحر أولى، وأيضًا فإن حجة الوداع كانت في آذار، وهو زمان تساوي الليل والنهار، وقد دفع من المزدلفة قبيل طلوع الشمس إلى مني، وخطب بها الناس، ونحر بدنه، وقسمها، وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه،

стр. 2804

فَأَتَى عَلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: "انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ"، ــ وتطيب، ثم أفاض، فطاف، وشرب من ماء زمزم، ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار ما يمكن معه الرجوع إلى مني بحيث يدرك الظهر فيها في فصل آذار. ورجحت طائفة أخرى حديث ابن عمر بأن حديثه متفق عليه، وحديث جابر من أفراد مسلم، فحديث ابن عمر أصح منه، وبأن رواته أحفظ وأشهر، وبأن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها: أنه طاف نهارًا، وفي رواية عنها: أنه أخر الطواف إلى الليل، وفي رواية عنها: أنه أفاض من آخر يومه، فلم تضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة، كما يأتي في (باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق)، وأيضًا فإن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع؛ لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به، ولم يصرح بالسماع بل عنعنه، فلا يقدم على حديث عبد اللَّه بن عمر، واللَّه أعلم. وقوله: (فأتى علي بني عبد المطلب يسقون) وكانت سقاية البيت على يد العباس بن عبد المطلب، و (زمزم) بئر عند البيت، وفي الأصل عين من ضرب جبرئيل رجله حين عطش إسماعيل، وقد ذكرنا شيئًا من أخبارها في (شرح سفر السعادة) (١)، وكثير من تفاصيل كتاب الحج ومناسكها مذكور فيه لم نذكرها ههنا، فلينظر ثمة. وقوله: (فلولا أن يغلبكم الناس. . . إلخ)، أي: لولا خوفُ غلبة الناس عليكم في نزع الماء من البئر لاتِّباع فعلي، وازدحامُهم على ذلك الموجِبُ لخروج هذا المنصب

стр. 2805

فَنَاوَلُوهُ دلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٨]. ٢٥٥٦ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا"، وَفِي رِوَايَةٍ: "فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ" قَالَتْ: فَحِضْتُ، وَلَم أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِالْحَجِّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، ــ من يدكم، لنزعت الماء من البئر. وقوله: (فناولوه دلوًا فشرب منه) وقد جاء في حديث آخر أن العباس قال: يا فضل، اذهب إلى أمك، فأت رسول اللَّه ﷺ بشراب من عندها، فمنعه عن ذلك، وشرب من ماء زمزم من الدلو، كما يأتي في (باب خطبة يوم النحر). ٢٥٥٦ - [٢] (عائشة) قوله: (ولا بين الصفا والمروة) أي: ولا طفت بينهما، فإن الطواف يطلق على السعي بين الصفا والمروة، كما ورد في الحديث، فإن كان مجازًا كما هو الظاهر -فإن الطواف: الحركة حول الشيء- يقدر بعد (لا): سعيت، أو يحمل على عموم المجاز. وقوله: (أن أنقض رأسي. . . إلخ)، أي: أخرج من إحرام العمرة وأستبيح محظورات الإحرام، (وأهل بالحج) أي: أحرم له، وإحرام الحائض والنفساء جائز،
следующие страницы →