ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ،
ــ
ونقل في (المواهب اللدنية) (١) عن الإسنوي: سببه أن النصارى كانت تقف فيه كما قاله الرافعي، أو العرب كما في (الوسيط)، فأُمرنا بمخالفتهم، وقال: وظهر لي فيه معنى آخر، وهو أنه مكان نزول العذاب على أصحاب الفيل: إلى آخره.
وفي (شرح كتاب الخرقي) (٢): يسمى محسرًا لأنه يحسر سالكيه ويتعبهم، وقال الشافعي في (الإملاء): يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع، وقيل: يجوز أن يكون لأنه مأوى الشياطين، وقيل: سمي بذلك لأن قيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي: أعيى.
وقوله: (ثم سلك الطريق الوسطى) وهي غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وذلك كانت طريق ضب، وهذا طريق المَأزِمَين اسمان للجبلين، ولأجل هذا لم يمر عليه وقت الذهاب على وادي محسر، ومر وقت الرجوع.
وقوله: (يخرج على الجمرة الكبرى) هي الجمرة الأولى التي في جانب مزدلفة قريب مسجد الخيف التي يبدأ منها الرمي بعد هذا اليوم، ذكرها لتعيين الطريق، أما اليوم فيمر منه، ويأتي جمرة العقبة التي في جانب مكة، وهي في أصل الجبل، والعقبة بفتح العين والقاف: الطريق إلى الجبل، وهو موضع في أسفل مني، وإليه تضاف بيعة العقبة للأنصار، وسيأتي أحكام رمي الجمار في بابه.
وقوله: (حصى الخذف) بدل (حصيات)، وفي بعض النسخ: (مثل حصى
стр. 2802
فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ،
ــ
الخذف) وهو بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين: رميُ الحصى بالأصابع، وفي الحديث: (نهى عن الخذف) وهو رميك حصاةً أو نواةً تأخذها بين سبابتيك. وفي (المشارق) (١): أو بين الإبهام والسبابة، وترمي بهما، أو تتخذ مخذفة من خشب ثم ترمي بها الحصاة، والمراد بيان مقدار الحصى في الصغر والكبر، وفسروا حصى الخذف بقدر حبَّة الباقلاء، وفسره الأثرم بأن يكون أكبر من الحمص دون البندق، وعن ابن عمر: مثل بعر الغنم، وهو قريب من ذلك، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (٢).
وقوله: (ما غير) أي: بقي، والغابر أيضًا: الماضي، في (القاموس) (٣): غَبر غُبورًا: مَكث، وذهب، ضِدٌّ، وغُبْرُ الشيء، بالضم: بقيته.
وقوله: (وأشركه في هديه) حقيقة، أو المراد: أعطاه بدنًا يذبحه.
وقوله: (فأكلا) يؤيد الأول، وفيه جواز الاستنابة في ذبح الهدي، والأفضل أن يذبح بيده، وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا يوم النحر وإن كانت كثيرةً.
و(البضعة) بفتح الباء: القطعة من اللحم، وقد مر تحقيق هذا اللفظ في (كتاب الإيمان)، والضمير في (لحمها) و (مرقها) للهدايا، ويجوز أن يكون للـ (قدر)، فإنها تؤنث.
و(المرق) بفتح الميم والراء: جمع مرقة، والمَرْق بسكون الراء: إكثار مرقة
стр. 2803
فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ،
ــ
القدر، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (فأفاض) أي: أسرع إلى مكة ليطوف، ويسمى طواف الإفاضة، وهو فرض ثاني ركني الحج: الوقوف بعرفة والطواف بالبيت، وبه يتم الحج، وهو أفضل في يوم النحر، ويجوز بعده.
وقوله: (فصلى بمكة الظهر) قال في (المواهب اللدنية) (٢): واختلف في أنه أين صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر يوم النحر؟ ففي رواية جابر عند مسلم: أنه صلى بمكة، وكذلك قالت عائشة، وفي حديث ابن عمر في الصحيحين: أنه ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى (٣)، فرجح ابن حزم في (كتاب حجة الوداع) له قول عائشة وجابر، وتبعه على ذلك جماعة؛ لأنهما اثنان، والاثنان أولى من الواحد، ولأن عائشة أخص الناس به، ولأن جابرًا ساق أفعال حجه ﷺ من أولها إلى آخرها أتم سياق، وهو أحفظ للقصة وأضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتى أمرًا منها (٤) ما لا يتعلق بالمناسك، وهو نزوله ﷺ في الطريق، فبال وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فمن ضبط هذا القدر فهو بضبط مكان صلاته الظهر يوم النحر أولى، وأيضًا فإن حجة الوداع كانت في آذار، وهو زمان تساوي الليل والنهار، وقد دفع من المزدلفة قبيل طلوع الشمس إلى مني، وخطب بها الناس، ونحر بدنه، وقسمها، وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه،
стр. 2804
فَأَتَى عَلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: "انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ"،
ــ
وتطيب، ثم أفاض، فطاف، وشرب من ماء زمزم، ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار ما يمكن معه الرجوع إلى مني بحيث يدرك الظهر فيها في فصل آذار.
ورجحت طائفة أخرى حديث ابن عمر بأن حديثه متفق عليه، وحديث جابر من أفراد مسلم، فحديث ابن عمر أصح منه، وبأن رواته أحفظ وأشهر، وبأن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها: أنه طاف نهارًا، وفي رواية عنها: أنه أخر الطواف إلى الليل، وفي رواية عنها: أنه أفاض من آخر يومه، فلم تضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة، كما يأتي في (باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق)، وأيضًا فإن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع؛ لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به، ولم يصرح بالسماع بل عنعنه، فلا يقدم على حديث عبد اللَّه بن عمر، واللَّه أعلم.
وقوله: (فأتى علي بني عبد المطلب يسقون) وكانت سقاية البيت على يد العباس بن عبد المطلب، و (زمزم) بئر عند البيت، وفي الأصل عين من ضرب جبرئيل رجله حين عطش إسماعيل، وقد ذكرنا شيئًا من أخبارها في (شرح سفر السعادة) (١)، وكثير من تفاصيل كتاب الحج ومناسكها مذكور فيه لم نذكرها ههنا، فلينظر ثمة.
وقوله: (فلولا أن يغلبكم الناس. . . إلخ)، أي: لولا خوفُ غلبة الناس عليكم في نزع الماء من البئر لاتِّباع فعلي، وازدحامُهم على ذلك الموجِبُ لخروج هذا المنصب
стр. 2805
فَنَاوَلُوهُ دلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٨].
٢٥٥٦ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا"، وَفِي رِوَايَةٍ: "فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ" قَالَتْ: فَحِضْتُ، وَلَم أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِالْحَجِّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ،
ــ
من يدكم، لنزعت الماء من البئر.
وقوله: (فناولوه دلوًا فشرب منه) وقد جاء في حديث آخر أن العباس قال: يا فضل، اذهب إلى أمك، فأت رسول اللَّه ﷺ بشراب من عندها، فمنعه عن ذلك، وشرب من ماء زمزم من الدلو، كما يأتي في (باب خطبة يوم النحر).
٢٥٥٦ - [٢] (عائشة) قوله: (ولا بين الصفا والمروة) أي: ولا طفت بينهما، فإن الطواف يطلق على السعي بين الصفا والمروة، كما ورد في الحديث، فإن كان مجازًا كما هو الظاهر -فإن الطواف: الحركة حول الشيء- يقدر بعد (لا): سعيت، أو يحمل على عموم المجاز.
وقوله: (أن أنقض رأسي. . . إلخ)، أي: أخرج من إحرام العمرة وأستبيح محظورات الإحرام، (وأهل بالحج) أي: أحرم له، وإحرام الحائض والنفساء جائز،
стр. 2806
فَفَعَلْتُ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، بَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي. . . . .
ــ
يغتسلن ويُحرمن.
وقد وقع في بعض الروايات: (أن اغتسلي وأحرمي) كما مرّ في أول الباب من حديث جابر: فأمرها برفض تلك العمرة التي كانت أحرمت بها أولًا والانتقال إلى الحج، المفرد، فلما أن حجها أمرها بالاعتمار قضاء لتلك العمرة السابقة، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، فإن مذهبهم أن المرأة إذا تمتعت وأحرمت للعمرة فحاضت قبل الطواف تركت العمرة وأحرمت للحج المفرد، ثم قضت العمرة، ويستدلون بهذا الحديث عن عائشة.
وقال الأئمة: أمر النبي ﷺ عائشة بالقران، فلما طهرت وأفاضت من عرفات فطافت وسعت، تم لها الحج والعمرة، كما هو حال القارن، قالت: يقع في نفسي أني طفت للعمرة بعد الوقوف، وكان وقته قبله، بعث معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر، حتى أحرمت من التنعيم، واعتمرت، فهذه عمرة زائدة على ما وجب عليها، أمرها بها تطييبًا لقلبها وجبره، وإلا كان الطواف والسعي اللذَين فعلتهما بعد الإحرام كفتها (١) من الحج والعمرة كما للقارن، فكانت ﵂ متمتعة في الابتداء، وصارت قارنة في الانتهاء، وما جاء في الروايات: (ارفضي عمرتك)، و: (دعي عمرتك)، و: (اقضي عمرتك)، يؤيد مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وهم يؤولونها بأن المراد برفض العمرة وتركها التحلل منها، وما جاء في رواية: (أمسكي عن العمرة) محتمِل للوجهين.
وقوله: (وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي) أي: بدلها قضاءً لما فات، وهذا أيضًا يؤيد مذهبنا.
стр. 2807
مِنَ التَّنْعِيم، قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٩، م: ١٢١١].
٢٥٥٧ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ . . . . .
ــ
وقوله: (من التنعيم) متعلق بـ (أعتمر)، والتنعيم: موضع من الحل على ثلاثة أميال من مكة، وفيه مكان يقال له: مسجد عائشة لإحرامها فيه.
وقوله: (ثم حلّوا) تعني: الذين لم يسوقوا الهدي.
وقوله: (ثم طافوا طوافًا بعد أن رجعوا من مني) تعني: طواف الزيارة.
وقوله: (فإنما طافوا طوافًا واحدًا) يعني: يوم النحر للحج والعمرة كما هو حكم القارن (١).
٢٥٥٧ - [٣] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (تمتع رسول اللَّه ﷺ ) تأويله عند من قال:
стр. 2808
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيقصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ" فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ،
ــ
إنه ﷺ كان قارنًا، أن المراد بالتمتع المعنى اللغوي، وهو الانتفاع والالتذاذ، ولا شك أن ذلك في القران موجود للاكتفاء على النسكين بنسك واحد، أو المراد أمر بعض أصحابه بالتمتع على طريق الإسناد إلى السبب الآمر توفيقًا بين الروايات، وأما التوفيق بأحاديث الإفراد أنه أحرم للحج مفردًا، ثم أدخل العمرة في الحج وصار قارنًا، وقال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)، ثم أهل للحج والعمرة معًا، فمن سمع أول الكلام روى أنه أفرد بالحج، ومن سمع تمامه روى أنه قارن، وتفصيله في (شرح سفر السعادة) (١).
وقوله: (وليقصر) اقتصاره على الأدنى، وقد مر الكلام فيه في حديث جابر.
وقوله: (ثلاثة أيام في الحج) الأفضل أن يصوم السابع والثامن والتاسع، وهو المذهب عندنا، وقيل: الأولى أن يصوم الثلاثة قبل التاسع.
وقوله: (وسبعة إذا رجع إلى أهله) اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فقيل: إذا رجعتم إلى أهليكم، وهو أحد قولي الشافعي، أو: إذا نفرتم وفرغتم من أعمال الحج ورجعتم إلى مكة، وهو مذهب أبي حنيفة، أو: قول
стр. 2809
ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٩١، م: ١٢٢٧].
٢٥٥٨ - [٤] وَعَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٤١].
ــ
للشافعي، كذا قال البيضاوي والطيبي (١)، والمذكور في (الهداية) (٢): إذا رجع إلى أهله.
وقوله: (ثم خب) الخبب: نوع من العدو، أو كالرمل، كذا في (القاموس) (٣)، والمراد هنا الرمل.
وقوله: (ثم حل من كل شيء حرم منه) حتى النساء، وأما قبل الطواف بعد النحر فقد حل ما سوى النساء.
٢٥٥٨ - [٤] (ابن عباس) قوله: (فإن العمرة قد دخلت في الحج) قد مضى شرحه فيما سبق.
стр. 2810
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٥٥٩ - [٥] عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي ناسٍ مَعِي قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ مُحمدٍ ﷺ (١) بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ: حِلُّوا، وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: . . . . .
ــ
وهذا الباب خال عن الفصل الثاني.
الفصل الثالث
٢٥٥٩ - [٥] (عطاء) قوله: (أصحاب محمد) منصوب على الاختصاص نحو: نحن معاشر الأنبياء.
وقوله: (فأمرنا) بلفظ الماضي المعلوم.
وقوله: (أن نحل) بفتح النون وكسر الحاء.
وقوله: (قال عطاء: قال: حلوا) الظاهر من السياق أن يكون فاعل (قال) جابرًا، أي: قال جابر في تفسير قوله: (أمرنا أن نحل) حاكيًا عن قول رسول اللَّه ﷺ : (حلوا) بكسر الحاء بلفظ الأمر، ويجوز أن يكون فاعل (قال) رسول اللَّه ﷺ ، أي: قال عطاء: قال جابر في تفسيره: قال رسول اللَّه ﷺ ، فافهم.
ثم فسر عطاء تفسير جابر بقوله: (ولم يعزم) أي: لم يوجب عليهم وَطْأهن، (ولكن أحلهن) أي: أباح وَطْأهن.
стр. 2811
لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمسٌ أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكيرُنَا الْمَنِيَّ، قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ كأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِينَا، فَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا"، فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: . . . . .
ــ
وقوله: (إلا خمس) أي: خمس ليال.
وقوله: (أن نفضي) من الإفضاء، وهو لازم بمعنى الوصول، ولهذا عُدّي بالباء، وفي حديث: (إذا أفضى أحدكم بيده) أي: أوصل يده، وفي (الصحاح) (١): أفضى إلى امرأته: باشرها.
وقوله: (فنأتي عرفة) ليس من تمام أمر رسول اللَّه ﷺ ، بل هو عطف على مقدر، أي: فتنزهنا من ذلك، وقلنا: فنأتي عرفة، كذا قال الطيبي (٢)، ويمكن أن يقال: يجوز أن يكون من تمام أمر الرسول عطفًا على قوله: (نفضي) باعتبار ما يستلزمه ذلك الأمر، كأنه لما أمر بالإفضاء إلى النساء أمر بإتيانهم عرفة بهذه الحالة. و (مذاكير) جمع ذكر على غير القياس، كذا قال السيوطي في (مختصر النهاية).
وقوله: (قال) أي: عطاء: (يقول جابر) أي: يشير.
وقوله: (انظر إلى قوله) أي: إشارته (بيده يحركها) أي: اليد لأراءة صورة الذكر.
стр. 2812
فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِهِ، فَقَالَ: "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ "، قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا"، قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ قَالَ: "لِأَبَدٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٦].
٢٥٦٠ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَرْبَع مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ، قَالَ: أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلَّ كَمَا حَلُّوا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١١].
* * *
ــ
وقوله: (من سعايته) سعى سعايته: باشر عمل الصدقات.
وقوله: (فأهد) بقطع الهمزة من الإهداء.
وقوله: (وأهدى له) أي: لنفسه.
وقوله: (قال: لأبد) قد يدل بعض الأحاديث على أنه كان خاصًّا بالصحابة في تلك السنة، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي، فوجْهُ التوفيق: أن الاعتمار في أشهر الحج والحل على تقدير عدم الإهداء والبقاءَ على الإحرام على تقدير الإهداء باق إلى يوم القيامة، وأما فسخ الحج إلى العمرة فمختص بتلك السنة، كذا قالوا.
٢٥٦٠ - [٦] (عائشة) قوله: (من أغضبك) استفهامية، و (أدخله اللَّه النار) دعاء، وهذا أظهر وأعذب من جعل الكلام جملة شرطية كما لا يخفى.
стр. 2813
٣ - باب دخول مكة والطواف
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٥٦١ - [١] عَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَغْتَسِلَ وَيُصَلِّيَ،
ــ
٣ - باب دخول مكة والطواف
ذكر في الباب كيفية دخول مكة، ومن أين يدخل؟ ومن أين يخرج؟ وأيَّ وقت يدخل؟ وذكر كيفية الطواف وما يلزمه من استلام الحجر وكيفيته وما يتبع ذلك، وقال في (القاموس) (١): مكَّهُ: أهلكه، ونقصه، ومنه: مكة: للبلد الحرام، أو للحرم كله، لأنها تنقص الذنوب أو تفنيها، أو تهلك من ظلم فيها. وتسمى بكة أيضًا، من بكَّ عنقه: إذا دقَّها, لدقها أعناق الجبابرة، أو لازدحام الناس بها، وقيل: لأنها تبك الرجال، أي: تدقهم وتكسر سَورتهم بالرياضة والمجاهدة، وقيل: بكة اسم لما بين جبليها، أو للمطاف، والطواف: الحركة حول الشيء، غلب على الحركة حول الكعبة، زادها اللَّه تعظيمًا وتشريفًا.
الفصل الأول
٢٥٦١ - [١] (نافع) قوله: (لا يقدم) من القدوم، وهو من باب سمع يسمع، و (ذو طوى) مثلثة الطاء وينون: موضع قرب مكة، كذا في (القاموس) (٢)، وقال التُّوربِشْتِي (٣): هو موضع بمكة داخل الحرم، يفتح طاؤه ويضم، والفتح أشهر، وقد
стр. 2814
فَيَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا، وَإِذَا نَفَرَ مِنْهَا مَرَّ بِذِي طُوًى، وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٧٣، م: ١٢٥٩].
٢٥٦٢ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٧٧، م: ١٢٥٨].
ــ
قيدها بعض الرواة بالكسر، ولا أحسبه صوابًا، وفي (مجمع البحار) (١): موضع في صوب طريق العمرة، وفتح الطاء أشهر الثلاثة.
وقوله: (فيدخل مكة نهارًا) فيه استحباب دخول مكة نهارًا ليرى البيت ويدعو، وجرت العادة الآن لمن يأتي من طريق جدة أن يدخلوه وقت السحر، والسنة مع الأول.
وقوله: (كان يفعل ذلك) هذا في الدخول، فافهم.
٢٥٦٢ - [٢] (عائشة) قوله: (دخلها من أعلاها) وهو جانب المعلى، وذو طوى أيضًا في هذا الجانب، والمعلى مقبرة مكة بفتح الميم وسكون العين، والعامة يقول: معلى بضم الميم وفتح العين وتشديد اللام، وفي حديث ابن عمر قال: (كان النبي ﷺ إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج خرج من الثنية السفلى)، متفق عليه (٢)، قال في (شرح كتاب الخرقي) (٣): وعلى هذا يتم فعل الأمة سلفًا بعد سلف.
стр. 2815
٢٥٦٣ - [٣] وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً. ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٤١، م: ١٢٣٥].
ــ
٢٥٦٣ - [٣] (عروة بن الزبير) قوله: (إن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف) وهذا هو طواف القدوم.
وقوله: (ثم لم تكن عمرة) يحتمل أن يكون قولَ عائشة، وأن يكون من قول عروة، وقول التُّوربِشْتِي: والذي يدل عليه سوق الكلام أنه من قول عروة (١)، محل نظر. وأما قوله: (ثم حج أبو بكر) إلى آخر الحديث قول عروة بلا تردد، ويدل على ذلك سياق حديث مسلم.
و(عمرة) مرفوع وكان تامة، وقد ينصب، أي: لم يكن الطواف عمرةً، أي: لم يحلوا من إحرامهم ذلك، ولم يفسخوا الحج إلى العمرة، فالنبي ﷺ لم يفعله بنفسه ولا من جاء بعده من الخلفاء المذكورين، وأما أمر الأصحاب بفسخ الحج إلى العمرة فكان مخصوصًا بهم عامئذ، ولم يكن لأحد بعدهم.
هذا وقد جاء في بعض الروايات: (ثم لم يكن غيره) أي: غير الطواف، أي: لم يكن تَحَلُّلٌ بالطواف من الإحرام، بل أقاموا على إحرامهم حتى نحروا هديهم.
وقال القاضي عياض (٢): في حديث مسلم عن هارون بن سعيد في طواف القارن،
стр. 2816
٢٥٦٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦١٦، م: ١٢٦١].
٢٥٦٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٦٢].
ــ
وذكر حج النبي ﷺ وحج أبي بكر وطوافهما بالبيت، ثم قال: (ثم لم يكن غيره) بالغين المعجمة بعدها ياء باثنتين تحتها، ثم ذكر في حج عثمان مثل ذلك، وفي حج الزبير، وذكر البخاري هذا وقال: (ثم لم تكن عمرة) بعين مهملة بعدها ميم ساكنة وهو الصواب، انتهى.
٢٥٦٤ - [٤] (ابن عمر) قوله: (سعى ثلاثة أطواف) والمراد به الرمل المذكور فيما قبلُ، اعلم أن الطواف عبارة عن سبعة أطواف حول البيت، ويقال لكل طوفة: شوط، والشوط: الجري مرة إلى غاية، والجمع أشواط، وقد وقع في رسائل المناسك ذكره، ولكن قال صاحب (القاموس) (١): إنه كره جماعة من الفقهاء أن يقال لِطَوَفات الطواف: أشواط، ولم يبين وجه ذلك، ولعل الوجه في ذلك رعاية الأدب بذكره بلفظ يدل على التعظيم من الجري حوله، أو لأن هذا لفظ الجاهلية، فكرهوا إطلاقه، كما قيل في كراهة إطلاق يثرب على المدينة المطيبة، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثم سجد سجدتين) صلى ركعتين.
٢٥٦٥ - [٥] (عنه) قوله: (وكان يسعى ببطن المسيل) السعي أشد من المشي
стр. 2817
٢٥٦٦ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاشتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٨].
٢٥٦٧ - [٧] وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَأَلَ رَجُل ابْنَ عُمَرَ عَنِ اسْتِلَامِ الحَجَرِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٦١١].
٢٥٦٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ. مُتَّفَقٌ علَيْهِ. [خ: ١٦٠٩، م: ١٢٦٧].
ــ
وأخف من العدو.
٢٥٦٦ - [٦] (جابر) قوله: (ثم مشى) يعني: كان ابتداؤه في الطواف باستلام الحجر، وإطلاق (ثم) هنا لا يخلو عن مسامحة إلا أن يعتبر ابتداء الاستلام، على أن التعقيب والتراخي يختلف باختلاف الأمور عرفًا، فرب أمر يعتبر متراخيًا مع قربه وآخر متعاقبًا مع بعده، فتدبر.
٢٥٦٧ - [٧] (الزبير) قوله: (وعن الزبير بن عربي) على لفظ ضد عجمي، تابعي بصري.
وقوله: (يستلمه ويقبله) الاستلام يتناول اللمس والتقبيل، فذكرُ التقبيل بعده في حكم ذكر الخاص بعد العام، أو يراد ههنا اللمس بقرينة ذكر التقبيل.
٢٥٦٨ - [٨] (ابن عمر) قوله: (إلا الركنين اليمانيين) المراد بهما الركن الأسود والركن اليماني تغليبًا، والركنان الآخران أحدهما شامي وثانيهما عراقي، ويقال لهما: الشاميان تغليبًا، وركن البيت جانبه، وللركنين اليمانيين فضيلة باعتبار بقائهما على
стр. 2818
٢٥٦٩ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٠٧، م: ١٢٧٢].
ــ
بناء الخليل؛ فلذلك خصهما بالاستلام، والركن الأسود أفضل لكون الحجر الأسود فيه، ولهذا يقبَّل، ويكتفى باللمس في الركن اليماني، ولم يثبت منه ﷺ تقبيل الركن اليماني، وعليه الجمهور، وفي استلام الركنين الشاميين كلام ذكرناه في "شرح سفر السعادة) (١)، والأشهر في (اليمانيين) بتخفيف الياء وقد تشدد، والأصل في النسبة يمني، وقد جاء يمان بمعنى النسبة بإبدال الألف من الياء المشددة، وقد يجيء يماني بتخفيف الياء بتعويض الألف من إحدى الياءين وإبقاء الأخرى، فيقال: اليمانيين بالتخفيف، وقد تشدد، وفيه جمع بين العوض والمعوض عنه، قال في (فتح الباري) (٢): وجوز سيبويه التشديد، وقال: الألف زائدة.
٢٥٦٩ - [٩] (ابن عباس) قوله: (على بعير) قالوا: إنما طاف رسول اللَّه ﷺ راكبًا لكثرة ازدحام الناس وسؤالهم عنه ﷺ الأحكام، وكانت ناقته محفوظة من الروث والبول فيه، وأما الطواف لغيره ﷺ فجائز أيضًا، والأفضل المشي. و (المحجن) بكسر الميم وفتح الجيم: العصا المعوجة، وكل معطوف معوج، يقال: حجن العودَ يَحْجِنه: عطَفه، وفلانًا: صدّه وصرفه وجذبه بالمحجن، وكانت في يده ﷺ عصا معوجة الرأس مثل الصولجان، والعصا في عرف العرب: خشبة صغيرة أصغر من الرمح والعنزة، والرمح أكبر، ثم العنزة، ثم العصا أصغر من الكل، وكانت عادته ﷺ أن يأخذ بيده عصا وراء العنزة التي يحملها الخادم لمصلحة السترة ونحوها, وليس المراد
стр. 2819
٢٥٧٠ - [١٠] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٦٣٢].
٢٥٧١ - [١١] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٧٥].
٢٥٧٢ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: "لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: . . . . .
ــ
بالعصا العصا التي يأخذ المشايخ والضعفاء بأيديهم، ولم يثبت منه ﷺ أخذ هذا العصا، ولم يتعارف أيضًا في فقهاء مكة يعتمدون في المشي عليها إلا بعض الفقراء من أهل اليمن وغيرهم.
٢٥٧٠ - [١٠] (عنه) قوله: (أشار إليه بشيء) كالمحجن، وليس في هذا الحديث تقبيل ذلك الشيء، ويأتي في الحديث الآتي تقبيل المحجن.
٢٥٧١ - [١١] (أبو الطفيل) قوله: (ويستلم الركن) أي: الأسود.
وقوله: (يقبل المحجن) بيَّن ما أبهم في الحديث السابق كما قلنا.
٢٥٧٢ - [١٢] (عائشة) قوله: (بسرف) بفتح السين المهملة وكسر الراء: موضع على مرحلة من مكة أو أقل، فيه قبر ميمونة زوج النبي ﷺ ، وقد اتفق تزوجها والبناء بها وموتها في هذا الموضع.
وقوله: (طمثت) أي: حضت من نصر وسمع، ونفست أيضًا بمعنى حضت من سمع، وقد يقال: نُفست بلفظ المجهول، وأما في الولادة فيقال بالمجهول، والمراد
стр. 2820
"فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ؟ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٤، م: ١٢١١].
٢٥٧٣ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَداعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ، أَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: "أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٩، ١٦٢٢، م: ١٢٤٧].
ــ
بـ (بنات آدم) النساء، أو بنات آدم بلا واسطة، وقد مر الكلام في ابتداء حدوث الحيض في بابه.
وقوله: (غير أن لا تطوفي) وذلك إما لاشتراط الطهارة في الطواف كما هو مذهب الأئمة، أو لأجل حرمة دخول الحائض المسجد، وهذا عند أبي حنيفة، فإن الطهارة ليست شرطًا للطواف عنده.
٢٥٧٣ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (أمره النبي ﷺ ) بالتشديد من التأمير، و (يوم النحر) ظرف لـ (بعثني)، وفي بعض النسخ: (في يوم النحر).
وقوله: (أمره أن يؤذن) الضمير للرهط باعتبار اللفظ، أو لأبي هريرة على الالتفات.
وقوله: (ألا لا يحج بعد العام مشرك) قيل: هو من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد بالمسجد الحرام الحرم، والظاهر أن هذا النهي على حِدَةٍ سوى النهي عن قرب المسجد الحرام، فافهم.
وقوله: (ولا يطوفن بالبيت عريان) وكان ذلك عادة في أهل الجاهلية، وكانوا يقولون: لا نعبد اللَّه في ثياب أذنبنا فيها, ولعل هذا قبل النهي عن قرب المسجد
стр. 2821
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٥٧٤ - [١٤] عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ، قَالَ: سُئِلَ جَابِرٌ عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٨٥٥، د: ١٨٧٠].
٢٥٧٥ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ مَكَّةَ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ،
ــ
الحرام، وإلا فالطواف في المسجد، وهم ممنوعون عنه سواء كانوا عارين أو لابسين، ولم يكن طائفون عراة حتى ينهوا عنه، وذلك ظاهر.
الفصل الثاني
٢٥٧٤ - [١٤] (المهاجر المكي) قوله: (فلم نكن نفعله) بالنون، وقد يروى بالياء، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقال أحمد: يرفع اليدين ويدعو، وتمسكوا بما روي عن ابن جريج: (أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًّا)، رواه الشافعي في (مسنده)، كذا ذكره في (شرح كتاب الخرقي) (١) في مذهب الإِمام أحمد رحمة اللَّه عليه، وذُكر في بعض رسائل المناسك الحنفية: أن أول ما رأى البيت يدعو، ولا بد أن يرفع اليدين؛ لأنه سنة في الدعاء، فتدبر في حديث جابر.
٢٥٧٥ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (فاستلمه) (٢) والاستلام: مسح الحجر باليد
стр. 2822
ثُمَّ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَاهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ وَيَدْعُو. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٧٢].
ــ
أو بالقبلة، فيقال: من السلام بمعنى التحية، ولهذا يسمي أهل اليمن [الركن] الأسود: المحيا؛ لأن الناس يحيونه، قاله الأزهري، وقال الجوهري: هو مشتق من السِّلام (١) بالكسر بمعنى الحجارة، وواحده سَلِمة بفتح السين وكسر اللام، استلمت الحجر: أي: لمسته، كما جاء اكتحل من الكحل، وقال بعضهم: الاستلام افتعال من المسالمة، كأنه فعل أمرًا يَفعله المسالم والمصالح، وقال بعض من الناس: كأنّ المستلم يحيى نفسه عند الحجر بالسلام؛ لأن الحجر لا يردُّ عليه، كما يقال: اختدم إذا لم يكن له خادم، وقال ابن الأعرابي: هو مهموز الأصل، تُركت همزته، وهو مشتق من الملاءمة وهو بمعنى الموافقة، وقيل: [من اللأمة وهي السلاح] كأنه حفظ وحصَّنَ نفسه ولبس السلاح [بمس الحجر] ذكرت هذه الوجوه كلها في (شرح الخرقي) (٢) في مذهب الإِمام أحمد.
وقوله: (ثم أتى الصفا) لم يذكر في هذا الحديث ركعتي الطواف، ولعله اقتصر على الأركان والواجبات، والركعتان عند أبي هريرة سنتان كما هو مذهب الشافعي، ولكنهما عندنا واجبتان لورود الأمر، واللَّه أعلم.
وقوله: (فجعل يذكر اللَّه ما شاء ويدعو) وقد ورد فيه الأدعية المخصوصة المذكورة في كتب المناسك، وهي مذكورة في (سفر السعادة) (٣)، وقال محمد: ليس
стр. 2823
٢٥٧٦ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. [ت: ٩٦٠، ن في الكبرى: ٣٩٣٠، دي: ٢/ ٤٤].
٢٥٧٧ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدتهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: ١/ ٣٠٧، ت: ٨٧٧].
ــ
في مناسك الحج دعاء مخصوص ويدعو بما شاء، وقال: إن تعيين الدعاء يُذهب الشوق.
٢٥٧٦ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (الطواف حول البيت مثل الصلاة) قد يُتمسك بهذا الحديث في اشتراط الطهارة كما هو مذهب الأئمة، ولكن لا يخفى أن ليس المراد حقيقتها؛ لأن طهارة الثوب واستقبال القبلة والقراءة وسائر الأركان ليس بمعتبر، لكن الطهارة أفضل عندنا.
٢٥٧٧ - [١٧] (عنه) قوله: (نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم)، قيل: في هذا الحديث امتحان إيمان الرجل، فإن كان كامل الإيمان يقبل هذا, ولا يتردد، وإن كان ضعيف الإيمان يتردد، والكافر ينكر، انتهى.
ولعمري ما في الحديث ما يخالف الدليل القاطع الحاكم باستحالته حتى يجبَ تأويله وصرفه عن ظاهره، أما النزول من الجنة فلا استحالة فيه، فإن الجنة فيها جواهر، فيمكن أن اللَّه أنزل منها شيئًا إلى الأرض، حتى يحمل الإنزال على معنى القضاء
стр. 2824
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والقسمة، أو معنى الخلق، أو إقامة إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦].
وأما قولهم: إنا قد عرفنا بالنصوص الثابتة أن الجنة وما احتوت عليه من الجواهر مباينة لما خلق في هذه الدار الفانية في الخواص وحُكمِ الزوال والفناء وإحاطة الآفات بها، فإن ذلك خَلْقُ الخالق محكما غير قابل لشيء من ذلك، وقد وجدنا الحجر أصابه الكسر حتى صار فلقًا، وذلك من أقوى أسباب الزوال.
فنقول: يمكن أن يكون فقدان خواص الجنة لنزوله إلى هذه الدار وسراية أحوالها وأحكامها إليه، ويستأنس له بما يأتي من حديث عبد اللَّه بن عمر: (أن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس اللَّه نورهما, ولو لم يطمس اللَّه نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب)، وكما قالوا في الجواب عن قول الزائغين في كون ما بين قبر النبي ﷺ ومنبره روضة من رياض الجنة على تقدير كونه محمولًا على الحقيقة: أنه لو كان من الجنة لما نجوع ونظمأ فيها، وكما في عكس هذه الصورة من صعود بعض الأنبياء في السماء من عدم انحلال قواهم وفساد مزاجهم وتغير أحوالهم كما في الدنيا، فليكن ههنا كذلك، واللَّه على كل شيء قدير.
ومثل هذا الكلام في قوله: (أشد بياضًا فسودته خطايا بني آدم) بأن يكون في ابتداء نزوله أبيض، ثم جُعل لذنوب بني آدم ومس أيديهم خاصية وسببية في تسويده. وأما قول بعض الزائغين بأنه لو كان هذا الذي رووه من تسويد خطايا بني آدم الحجر واقعا لتناقلته الأمم في عجائب الأخبار، فساقط من درجة الاعتبار، ولا استبعاد فيه، نعم، لو قيل: المراد هو الظاهر، ولكن يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى مناسب،
стр. 2825
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يستبعد.
ومما قيل في تأويل كونه من الجنة: إنه جعل لما فيه من اليمن والتبرك والشرف والكرامة كالشيء الذي نزل من الجنة، وأراد به مشاركته جواهر الجنة في بعض أوصافها، ومثله قوله ﷺ : (العجوة من الجنة)، وقد علمنا أنه أراد به مشاركتها في أثمار الجنة في بعض الصفات، لِمَا جعل فيها من الشفاء والبركة بدعائه ﷺ بذلك فيها, ولم يرد أنه من ثمار الجنة نفسها للاستحالة التي شاهدنا فيها كاستحالة غيرها من الأطعمة، وتحولها عن النعوت والصفات الواردة في ثمار الجنة، أو لأنه من حيث إنه مكفر للخطايا محاء للذنوب كأنه من الجنة.
وتأويل قوله: (نزل من الجنة) أي: الصفات الموهوبة لها كأنها من الجنة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، فيحمل الإنزال على معنى القضاء والقسمة، أو على معنى الخلق، أو إقامة إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها.
وتأويل قوله: (كان أشد بياضًا فسؤدته خطايا بني آدم) أنه من كثرة تحمله أوزار بني آدم صار كأنه ذو بياض شديد فسودته الخطايا، وإن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد، فتجعل المبيضَّ منها مسودًّا، فكيف بقلوبهم، وهذا نوع من التمثيل والمبالغة في شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، ففيه تخويف وتنبيه، فإن الرجل إذا علم أن الذنب يسوِّد الحجر خاف أن يَسْوَدّ بدنه بشؤم ذنوبه، ويذهب نور الإيمان, والعياذ باللَّه.
وهذا كله تأويلات وتمحلات من النفس ناشئة من ضيق دائرة الإيمان, ومَن
стр. 2826
٢٥٧٨ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَجَرِ: "وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَان يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى. . . . .
ــ
شرح اللَّه صدره للإسلام (١) ووسع دائرة المعرفة يصدِّقه ويقول: آمنا به، واللَّه على كل شيء قدير، غايته أن يقال: المراد هو الظاهر، ويحتمل -واللَّه أعلم- أن يكون المراد ما ذكرنا من المعاني المتناسبة، فافهم، وباللَّه التوفيق.
ثم اعلم أنه قد اشتهر في الناس أنه قد بقي في الحجر الأسود بياض إذا زال جاءت القيامة أو قربت أو كما يقولون، وكنت متحيرًا في ذلك، وأن له أصلًا أم لا، وذكرت ذلك في حضرة الشيح يومًا فلم يتكلم بشيء، ثم وجدت في (تاريخ مكة) للفاكهي ذكر ذلك، فترجم لذلك بقوله: ذكر ما روي من البياض في الحجر الأسود بعد اسوداده، ثم قال: ذكر ابن جبير في (جزء رحلته) أن في الحجر الأسود نقطة بيضاء صغيرةً مشرقة ولم يذكر سواها، وكانت رحلته في سنة تسع وسبعين وخمس مئة، وقال الفقيه سليمان بن خليل العسقلاني في (منسكه) (٢): لقد أدركت في الحجر الأسود ثلاث مواضع بيض، نقشه في الناحية التي تلي باب الكعبة المعظمة، ثم إني أملح تلك النقط فإذا هي كل وقت في نقص، ونقل القاضي عز الدين ابن جماعة في (منسكه) كلام ابن خليل هذا، وذكر أنه رأى الحجر الأسود في سنة ثمان وسبع مئة، وفيه نقطة بيضاء ظاهرة، وأنه لم يرها في سنة ست وثلاثين إلا بعد جهد، انتهى.
٢٥٧٨ - [١٨] (عنه) قوله: (يبصر بهما) فيعرف من استلمه. وكلمة (على) باعتبار تضمين معنى الرقيب والحفيظ.
стр. 2827
مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٩٦١، جه: ٢٩٤٤، دي: ٢/ ٤٢].
٢٥٧٩ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الرّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٨٧٨].
ــ
وقوله: (بحق) يتعلق بـ (من استلمه) أي: استلمه إيمانًا واحتسابًا، ويجوز أن يتعلق بـ (يشهد).
وهذا الحديث أيضًا محمول على ظاهره، فإن اللَّه قادر على إيجاد البصر والنطق في الجمادات، فإن الأجسام متشابهة في الحقيقة يقبل كل منها ما يقبل الآخر من الأعراض، ويؤوِّله الذين في قلوبهم زيغ التفلسف -واللَّه العاصم- ويقولون: إن ذلك كناية عن تحقيق ثواب المستلم، وأن سعيه لا يضيع، والعجب من البيضاوي أن يقول: إن الأغلب على الظن أن المواد هذا، وإن لم يمتنع حمله على الظاهر، ولا عجيب فإنه مجبول على التفلسف في تفسير القرآن وشرح الأحاديث، تجاوز اللَّه عنه.
٢٥٧٩ - [١٩] (ابن عمر) قوله: (ياقوتتان من ياقوت الجنة) وهذا أيضًا يؤولونه بأن المواد بيان شرفهما وكرامتهما؛ لأن الياقوت من أشرف الأحجار، ولا بد أن يكون ياقوت الجنة أشرف وأجود من ياقوت الدنيا، فكأنه قال: كأنهما ياقوتتان من الجنة.
وقوله: (طمس اللَّه نورهما) ليكون الإيمان بهما إيمانًا بالغيب.
وقوله: (رواه الترمذي) وأخرجه ابن حنبل في (مسنده) وابن حبان في (صحيحه) (١).
стр. 2828
٢٥٨٠ - [٢٠] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ زِحَامًا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُزَاحِمُ عَلَيْهِ. قَالَ: إِنْ أَفْعَلْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا"، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا، فَأَحْصَاهُ، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ" وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا أَحَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٩٥٩].
٢٥٨١ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا بَيْنَ الرّكنَيْنِ: " ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٩٢].
٢٥٨٢ - [٢٢] وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي بِنْتُ أَبِي تُجْرَاةَ قَالَتْ: . . . . .
ــ
٢٥٨٠ - [٢٠] (عبيد بن عمير) قوله: (وعبيد بن عمير) كلاهما بلفظ التصغير. وقوله: (إن أفعل) أي: إن أزاحم فلا تنكروا علي؛ فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ في فضل استلامهما ما لا أطيق الصبر عنه، وفيه الحرص على الفضائل وارتكاب التعب والمشقة في تحصيلها.
وقوله: (فأحصاه) أي: حافظ على رعاية واجباته وسننه وآدابه، والضمير في (لا يضع) لـ (من)، وفي (بها) للقدم.
٢٥٨١ - [٢١] (عبد اللَّه بن السائب) قوله: (يقول ما بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا﴾) الآية، قيل: لم يصح عن رسول اللَّه ﷺ دعاء في الطواف إلا هذا، واللَّه أعلم.
٢٥٨٢ - [٢٢] (صفية بنت شيبة) قوله: (بنت [أبي] تجراة) ضبط بضم التاء
стр. 2829
دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دارَ آلِ أَبِي حُسَيْنٍ، نَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَرَأَيْتُهُ يَسْعَى، وَإِنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْي وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" وَرَوَى (١) أَحْمَدُ مَعَ اخْتِلَافٍ. [حم: ٦/ ٤٢١].
٢٥٨٣ - [٢٣] وَعَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرٍ، لَا ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ"، رَوَاهُ فِي "شَرْح السُّنَّةِ". [٧/ ١٤٢، رقم: ١٩٢٢].
ــ
وسكون الجيم والراء قبل الألف، وفي بعض النسخ بالهمزة بعد الراء.
وقوله: (وإن مئزره) في (القاموس) (٢): الإزار: الملحفة كالمئزر، وقال في باب الفاء: اللحاف ككتاب: ما يلتحف به، واللباس فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه، كالملحفة والملحف بكسرهما.
وقوله: (فإن اللَّه كتب عليكم السعي) ظاهر في الفرضية، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد، وقيل: هو تطوع بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال أبو حنيفة: واجب، وهو قول جامع في الحديث والآية، فافهم (٣).
٢٥٨٣ - [٢٣] (قدامة بن عبد اللَّه) قوله: (قدامة) بضم قاف وخفة قال. (ولا إليك إليك) اسم فعل بمعنى تنح.
стр. 2830
٢٥٨٤ - [٢٤] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٨٥٩، د: ١٨٨٣، جه: ٢٩٥٤، دي: ٢/ ٤٤٣].
٢٥٨٥ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا، وَجَعَلُوا أَرْدِيتهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٨٤].
* الْفَصْلُ الْثَّالِثُ:
٢٥٨٦ - [٢٦] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا تَرَكْنَا اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِي وَالْحَجَرِ، فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨، م: ١٢٦٨].
ــ
٢٥٨٤ - [٢٤] (يعلي بن أمية) قوله: (مضطبعًا) مر معنى الاضطباع.
٢٥٨٥ - [٢٥] (ابن عباس) قوله: (اعتمروا من الجعرانة) بكسر الجيم والعين المهملة وتشديد الراء: موضع على مرحلة من مكة في جانب حنين وهوازن، فسم رسول اللَّه ﷺ [بها] غنائم حنين، وأقام فيها سبعة عشر يومًا أو أقل أو أكثر، والمشهور أنه ﷺ أتى مكة ليلًا، ولم يخبر أحدًا، فصلى العشاء في الجعرانة، ثم أتى مكة واعتمر، ثم ذهب إليها وصلى الفجر فيها، واللَّه أعلم.
وقوله: (وجعلوا أرديتهم. . . إلخ)، هذا هو معنى الاضطباع.
الفصل الثالث
٢٥٨٦ - [٢٦] (ابن عمر) قوله: (في شدة ولا رخاء) أي: ازدحام وخلوة.
стр. 2831
٢٥٨٧ - [٢٧] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: قَالَ نَافِعٌ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. [م: ١٢٦٨].
٢٥٨٨ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي. فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٤٠، م: ١٢٧٦].
٢٥٨٩ - [٢٩] وَعَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ،
ــ
٢٥٨٧ - [٢٧] قوله: (ما تركته) الظاهر أن الضمير للاستلام مطلقًا، ويجوز أن يكون للاستلام على الوجه المخصوص المذكور، وهو أنه استلم الحجر بيده ثم قبّل يده، والأول هو الوجه، فافهم.
٢٥٨٨ - [٢٨] (أم سلمة) قوله: (أني أشتكي) مفعول (شكوت)، الشكوى والشكاية: الإخبار عن مكروه أصاب، وهو المراد بقوله: (شكوت)، ويجيء بمعنى المرض وهو المراد بقوله: (أني أشتكي)، فيكون المعنى: شكوت مرضي، ومقصودها أنها لا تستطيع الطواف راجلًا.
وقوله: (يصلي) وكانت صلاة الفجر.
٢٥٨٩ - [٢٩] (عابس بن ربيعة) قوله: (عابس) بالموحدة المكسورة بين المهملتين.
وقوله: (أنك حجر) باعتبار صورته في هذه الدنيا، قيل: إنما قال عمر هذا
стр. 2832
وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٢٠، م: ١٢٧٦].
٢٥٩٠ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "وُكِّلَ بِهِ سَبْعُونَ مَلَكًا -يَعْنِي الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ- فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ قَالُوا: آمِينَ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٩٥٧].
٢٥٩١ - [٣١] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِـ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
ــ
القول لئلا يفتتن بعض قريبي العهد بالإِسلام بعبادته، وروي أنه لما قال عمر ﵁ ذلك قال علي ﵁ وكرم وجهه: مه يا أمير المؤمنين, إنه ينفع ويضر بإذن اللَّه.
٢٥٩٠ - [٣٠] (أبو هريرة) قوله: (يعني الركن اليماني) تفسير لضمير (به)، والظاهر أنه إذا كان فضل الركن اليماني إلى هذه المرتبة كان فضل الركن الأسود أكثر وأعلى من ذلك، إلا أن تكون هذه الخاصية مخصوصة به، وتكون للحجر الأسود فضائل وخواص أخر أوفر وأعظم، واللَّه أعلم.
٢٥٩١ - [٣١] (عنه) قوله: (ومن طاف فتكلم) أي: بتلك الكلمات وهو في حالة الطواف، وإنما كرر (من طاف) ليناط به غير ما نيط به أو لا، كذا قال الطيبي (١).
ويمكن أن يكون معناه: تكلم بكلام الناس دون ما ذكر من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير مقابلًا لقوله: (ولا يتكلم إلا بسبحان اللَّه) أي: لا يتكلم بغير ذكر اللَّه، فيكون مقابله أن يتكلم بغير ذكره، ومع ذلك كان له ثواب لكنه يكون كالخائض
стр. 2833
وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، مُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَمَنْ طَافَ فَتَكَلَّمَ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ بِرِجْلَيْهِ كَخَائِضِ الْمَاءِ بِرِجْلَيْهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٩٥٨].
* * *
٤ - باب الوقوف بعرفة
ــ
في الرحمة برجليه وأسفل بدنه؛ لكونه عاملًا وعابدًا به، ولا تبلغ الرحمة إلى أعلاه لكونه متكلمًا بغير ذكر اللَّه، وإذا لم يتكلم إلا بذكر اللَّه يستغرق في بحر الرحمة من قدمه إلى رأسه ومن أسفله إلى أعلاه، هكذا يختلج في القلب معنى الحديث، واللَّه أعلم.
٤ - باب الوقوف بعرفة
هذا أحد ركني الحج عظيم حتى ورد: (الحج عرفة)، وعرفة اسم للمكان المخصوص، وقد يجيء بمعنى الزمان، وأما عرفات بلفظ الجمع فيجيء بمعنى المكان فقط، ولعل جمعه باعتبار نواحيه وأطرافه وتعدد محالِّ الوقوف فيه، ووجه تسميتها بها إما لتعارف آدم وحواء في هذا المكان بعد الهبوط، أو لأن جبرئيل كان يعلِّم الخليل المناسك ويقول: أعرفت؟ أو لأنه مكان معظَّم مشهور كأنه معروف قبل التعريف، وقيل: لتعرُّف العباد فيه إلى اللَّه تعالى بالعبادات والأدعية، وهذا المكان محل عظيم لا يوازيه أحد من الأمكنة الأرضية، فسمي بها، وعلى هذه الوجوه هو مشتق من المعرفة.
стр. 2834
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٥٩٢ - [١] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: "كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ مِنَّا فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٩، م: ١٢٨٥].
٢٥٩٣ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَحَرْتُ هَهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ؛ فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٨].
ــ
وقيل: هو مشتق من العَرْف بسكون الراء، وششعمل في الأكثر في الرائحة الطيبة، ولما كان في منى الروائح المنتنة من الذبائح سمَّوا في مقابلها عرفة لخلوها عن تلك الروائح.
الفصل الأول
٢٥٩٢ - [١] (محمد بن أبي بكر) قوله: (محمد بن أبي بكر) بن عوف (الثقفي).
وقوله: (غاديان) أي: ذاهبان في الغدوة.
وقوله: (ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه) علم من هذا أن المقصود للحاج ذكر اللَّه في ذلك اليوم بعد أن لبّى بعد الإحرام مرة أو مرتين، نعم التلبية أولى وأفضل وأقرب إلى السنة.
٢٥٩٣ - [٢] (جابر) قوله: (نحرت ههنا) إشارة إلى مكان مخصوص في منى نحر فيه، وكذا في عرفات، و (جمع) والجمع عَلَم للمزدلفة، والظاهر أنه قال كلًّا من
стр. 2835
٢٥٩٤ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ ! ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٤٨].
* الْفَصْلُ الثاني:
٢٥٩٥ - [٤] عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ خَالٍ لَهُ -يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ شَيْبَانَ- قَالَ: . . . . .
ــ
هذه الكلمات في مكانه جمعها الراوي.
٢٥٩٤ - [٣] (عائشة) قوله: (ما من يوم كثر من أن يعتق اللَّه فيه عبدًا من النار من يوم عرفة) وقعت كلمة (من) في هذا الحديث متعددة، فـ (من) الأولى زائدة في النفي، و (أكثر) بالنصب خبر (ما)، وقد يرفع فيكون خبر مبتدأ محذوف، أو واقع على لغة بني تميم، و (من) الثانية أيضًا زائدة، و (أن يعتق) بتأويل المصدر تمييز، والثالثة متعلقة بـ (يعتق)، والرابعة تفضيلية متعلقة بـ (أكثر)، فيكون المعنى: ليس يوم أكثر إعتاقًا فيه من النار من يوم عرفة.
وقوله: (ما أراد هؤلاء) بلفظ الاستفهام للتعجب، وحملِ الملائكة على الاعتراف بفضل بني آدم، والإشارةِ إلى أن مبتغاهم المغفرة، وقد غفرت لهم عاجلًا، ولهم من الدرجات العلى في الآخرة آجلًا، فماذا يريدون بعد ذلك؟ .
الفصل الثاني
٢٥٩٥ - [٤] (عمرو بن عبد اللَّه) قوله: (عن عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان) بن أمية بن خلف الجمحي القرشي.
стр. 2836
كُنَّا فِي مَوْقِفٍ لَنَا بِعَرَفَةَ يُبَاعِدُهُ عَمْرٌو مِنْ مَوْقِفِ الإِمَامِ جِدًّا، فَأَتَانَا ابْن مِرْبَعٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَقُولُ لَكُمْ: "قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﵇". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨٨٣، د: ١٩١٩، ن: ٣٠١٤، جه: ٣٠١١].
٢٥٩٦ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٩٣٧، دي: ٢/ ٥٦ - ٥٧].
ــ
وقوله: (كنا في موقف لنا) أي: كنا واقفين بعرفات في موقف كان لآبائنا في الجاهلية.
وقوله: (يباعده) أي: يبعده ويصفه بالبعد.
وقوله: (فأتانا ابن مربع) بكسر الميم وسكون الراء، الأنصاري، صحابي، اسمه زيد أو يزيد أو عبد اللَّه، روى عنه يزيد بن شيبان.
وقوله: (قفوا على مشاعركم) أي: موضع نسككم ومواقفكم القديمة، فإنها جاءتكم من إرث إبراهيم، ولا تحقروا شأن موقفكم بسبب بُعده عن موقف الإمام، فإن عرفة كلها موقف، فمن وقف بأي بقعة من عرفات فهو آتٍ بسنة إبراهيم متبعٌ لملته، والغرض سدّ باب التنازع والتشاجر في المواقف بقربه من موقف النبي ﷺ وبعده منه.
٢٥٩٦ - [٥] (جابر) قوله: (وكل المزدلفة) مزدلفة أيضًا علم لموضع مخصوص كعرفة ومنى، ولكن أدخل عليها الألف واللام؛ لأن العلم المشتق يجوز فيه إدخال اللام وتركها كما في الحارث والحسن مثلًا، و (الفجاج) بكسر الفاء جمع
стр. 2837
٢٥٩٧ - [٦] وَعَنْ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ، قَائِمًا فِي الرِّكَابَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٩١٧].
٢٥٩٨ - [٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٨٥].
ــ
فج بالفتح: الطريق الواسع بين جبلين، أي: أيّ طريق تدخل مكة جاز، وفي أيّ موضع منها تنحر الهدي جاز، وإن لم يكن طريقًا دخل أو نحر فيه رسول اللَّه ﷺ ، وكذا المعنى في عرفة ومزدلفة، والمقصود التوسعة ونفي الحرج.
٢٥٩٧ - [٦] (خالد بن هوذة) قوله: (وعن خالد بن هوذة) بفتح الهاء وسكون الواو وفتح الذال.
وقوله: (قائمًا في الركابين) كأنه كان لقصد الارتفاع وحصول القوة في الكلام وإسماعه من البعيد.
٢٥٩٨ - [٧] (عمرو بن شعيب) قوله: (خير ما قلت) أي: دعوت، والدعاء هو: (لا إله إلا اللَّه وحده. . . إلخ)، وتسميته دعاء، إما لأن الثناء على الكريم تعريض بالدعاء والسؤال، وإما لحديث: (من شغله ذكري عن مسألتي) الحديث، هكذا قالوا، ولا يخفى أن عبارة هذا الحديث لا تقتضي أن يكون الدعاء قوله: الا إله إلا اللَّه. . . إلخ)، بل المراد أن خير الدعاء ما يكون يوم عرفة أيَّ دعاء كان.
وقوله: (خير ما قلت) إشارة إلى ذكر غير الدعاء، فلا حاجة إلى جعل (ما قلت) بمعنى: ما دعوت، نعم قد ورد في بعض الطرق: (دعائي ودعاء من قبلي من النبيين
стр. 2838
٢٥٩٩ - [٨] وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ "لَا شَرِيكَ لَهُ". [ط: ١/ ٤٢٢].
٢٦٠٠ - [٩] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ، وَلَا أَدْحَرُ، وَلَا أَحْقَرُ، وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ"، فَقِيلَ: مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: "فَإِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرئِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ"،
ــ
يوم عرفة: لا إله إلا اللَّه وحده)، وفي هذا الطريق أيضًا ذُكر بعد هذا الذكر أدعية، فيمكن أن يكون هذا الذكر توطئة لتلك الأدعية؛ لما يستحب من الثناء على اللَّه قبل الدعاء، فافهم.
٢٥٩٩، ٢٦٠٠ - [٨، ٩] (طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز) قوله: (وعن طلحة ابن عبيد اللَّه) هكذا وقع في النسخ: (عبيد اللَّه) بلفظ التصغير موافقًا لما وقع في بعض نسخ (المصابيح)، والصواب (عبد اللَّه) بدون الياء موافقًا لما ذكر في (جامع الأصول) و (المغني) (١)، تابعي، فحديثه مرسل، و (كريز) بفتح الكاف وكسر الراء وسكون الياء وآخره زاي.
وقوله: (ولا أدحر) الدحر: الطرد والإبعاد والدفع، قوله تعالى: ﴿مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] أي: مطرودًا.
وقوله: (يزع الملائكة) بالزاي والعين المهملة من وَزَعَه يَزَعُه فهو وازع: إذا
стр. 2839
رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَفِي: "شَرْحِ السُّنَّةِ" بِلَفْظِ "الْمَصَابِيحِ". [ط: ١/ ٤٢٢].
٢٦٠١ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاجِّينَ مِنْ كُلِّ فجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ! فُلَانٌ كَانَ يُرَهَّقُ،
ــ
كفه ومنعه، والمراد: يرتبهم وشمويهم ويكفهم عن الانتشار، وفي (القاموس) (١): الوازع: الزاجر، ومن يدبِّر أمور الجيش، ويرد من شذ منهم، وفي (الصراح) (٢): وزع: باز داشتن و [أول وآخر] لشكر را فراهم آوردن، وزاع: سرهنك وسالار لشكر وباز دارنده.
وقوله: (بلفظ المصابيح) ولفظه: (إلا ما كان من يوم بدر، فقيل: وما رأى من يوم بدر؟ قال: إنه قد رأى جبرئيل وهو يزع الملائكة).
٢٦٠١ - [١٠] (جابر) قوله: (فيباهي بهم) الضمير راجع إلى الواقفين بعرفة لتقدم ذكرهم حكمًا في قوله: (إذا كلان يوم عرفة)، ويحتمل أنه كان قد جرى ذكرهم صريحًا فذكر فضلهم.
وقوله: (ضاجين) في (الصحاح) (٣): أضجّ القوم: صاحوا، وضجوا: جزعوا، والمراد: رفع أصواتهم بالتلبية وجزعهم بالدعاء والتضرع والبكاء.
وقوله: (فلان كان يرهق) بلفظ المجهول من باب التفعيل أو الإفعال، مَن
стр. 2840
وَفُلَانٌ، وَفُلَانَةُ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ : قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [١٩٣١].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٦٠٢ - [١١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ،
ــ
يُظن به السوء، ومن يغشاه الناس، فالرهق محركة: ركوب الشر والظلم وغشيان المحارم، فيه رهق، أي: غشيان المحارم من شرب الخمر وغيره، رهقه كفرح: غشيه ولحقه، أرهقه طغيانًا: أغشاه إياه، وألحق ذلك به، قوله تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠].
وقوله: (وفلان وفلانة) أي: كذا وكذا، أي: عاص وفاسق ونحو ذلك.
وقوله: (فما من يوم أكثر) خبر (ما) منصوب أو مرفوع على لغة بني تميم، و (عتيقًا) تمييز والعائد محذوف، أي: فيه، أو جعل اليوم عتيقًا على الإسناد المجازي.
الفصل الثالث
٢٦٠٢ - [١١] (عائشة) قوله: (ومن دان دينها) أي: اتخذ دينهم له دينًا.
وقوله: (يقفون بالمزدلفة) ترفعًا على الناس، وكانوا يقولون: نحن أهل اللَّه وقُطَّان حرمه فلا نخرج منه.
وقوله: (وكانوا) أي: قريش (يسمون) بلفظ المجهول (الحمس) بضم الحاء المهملة وسكون الميم جمع أحمس، من الحماسة بمعنى الشجاعة والشدة، ويقال