كُنَّا فِي مَوْقِفٍ لَنَا بِعَرَفَةَ يُبَاعِدُهُ عَمْرٌو مِنْ مَوْقِفِ الإِمَامِ جِدًّا، فَأَتَانَا ابْن مِرْبَعٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَقُولُ لَكُمْ: "قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﵇". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨٨٣، د: ١٩١٩، ن: ٣٠١٤، جه: ٣٠١١].
٢٥٩٦ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٩٣٧، دي: ٢/ ٥٦ - ٥٧].
ــ
وقوله: (كنا في موقف لنا) أي: كنا واقفين بعرفات في موقف كان لآبائنا في الجاهلية.
وقوله: (يباعده) أي: يبعده ويصفه بالبعد.
وقوله: (فأتانا ابن مربع) بكسر الميم وسكون الراء، الأنصاري، صحابي، اسمه زيد أو يزيد أو عبد اللَّه، روى عنه يزيد بن شيبان.
وقوله: (قفوا على مشاعركم) أي: موضع نسككم ومواقفكم القديمة، فإنها جاءتكم من إرث إبراهيم، ولا تحقروا شأن موقفكم بسبب بُعده عن موقف الإمام، فإن عرفة كلها موقف، فمن وقف بأي بقعة من عرفات فهو آتٍ بسنة إبراهيم متبعٌ لملته، والغرض سدّ باب التنازع والتشاجر في المواقف بقربه من موقف النبي ﷺ وبعده منه.
٢٥٩٦ - [٥] (جابر) قوله: (وكل المزدلفة) مزدلفة أيضًا علم لموضع مخصوص كعرفة ومنى، ولكن أدخل عليها الألف واللام؛ لأن العلم المشتق يجوز فيه إدخال اللام وتركها كما في الحارث والحسن مثلًا، و (الفجاج) بكسر الفاء جمع
стр. 2837
٢٥٩٧ - [٦] وَعَنْ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ، قَائِمًا فِي الرِّكَابَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٩١٧].
٢٥٩٨ - [٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٨٥].
ــ
فج بالفتح: الطريق الواسع بين جبلين، أي: أيّ طريق تدخل مكة جاز، وفي أيّ موضع منها تنحر الهدي جاز، وإن لم يكن طريقًا دخل أو نحر فيه رسول اللَّه ﷺ ، وكذا المعنى في عرفة ومزدلفة، والمقصود التوسعة ونفي الحرج.
٢٥٩٧ - [٦] (خالد بن هوذة) قوله: (وعن خالد بن هوذة) بفتح الهاء وسكون الواو وفتح الذال.
وقوله: (قائمًا في الركابين) كأنه كان لقصد الارتفاع وحصول القوة في الكلام وإسماعه من البعيد.
٢٥٩٨ - [٧] (عمرو بن شعيب) قوله: (خير ما قلت) أي: دعوت، والدعاء هو: (لا إله إلا اللَّه وحده. . . إلخ)، وتسميته دعاء، إما لأن الثناء على الكريم تعريض بالدعاء والسؤال، وإما لحديث: (من شغله ذكري عن مسألتي) الحديث، هكذا قالوا، ولا يخفى أن عبارة هذا الحديث لا تقتضي أن يكون الدعاء قوله: الا إله إلا اللَّه. . . إلخ)، بل المراد أن خير الدعاء ما يكون يوم عرفة أيَّ دعاء كان.
وقوله: (خير ما قلت) إشارة إلى ذكر غير الدعاء، فلا حاجة إلى جعل (ما قلت) بمعنى: ما دعوت، نعم قد ورد في بعض الطرق: (دعائي ودعاء من قبلي من النبيين
стр. 2838
٢٥٩٩ - [٨] وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ "لَا شَرِيكَ لَهُ". [ط: ١/ ٤٢٢].
٢٦٠٠ - [٩] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ، وَلَا أَدْحَرُ، وَلَا أَحْقَرُ، وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ"، فَقِيلَ: مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: "فَإِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرئِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ"،
ــ
يوم عرفة: لا إله إلا اللَّه وحده)، وفي هذا الطريق أيضًا ذُكر بعد هذا الذكر أدعية، فيمكن أن يكون هذا الذكر توطئة لتلك الأدعية؛ لما يستحب من الثناء على اللَّه قبل الدعاء، فافهم.
٢٥٩٩، ٢٦٠٠ - [٨، ٩] (طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز) قوله: (وعن طلحة ابن عبيد اللَّه) هكذا وقع في النسخ: (عبيد اللَّه) بلفظ التصغير موافقًا لما وقع في بعض نسخ (المصابيح)، والصواب (عبد اللَّه) بدون الياء موافقًا لما ذكر في (جامع الأصول) و (المغني) (١)، تابعي، فحديثه مرسل، و (كريز) بفتح الكاف وكسر الراء وسكون الياء وآخره زاي.
وقوله: (ولا أدحر) الدحر: الطرد والإبعاد والدفع، قوله تعالى: ﴿مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] أي: مطرودًا.
وقوله: (يزع الملائكة) بالزاي والعين المهملة من وَزَعَه يَزَعُه فهو وازع: إذا
стр. 2839
رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَفِي: "شَرْحِ السُّنَّةِ" بِلَفْظِ "الْمَصَابِيحِ". [ط: ١/ ٤٢٢].
٢٦٠١ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاجِّينَ مِنْ كُلِّ فجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ! فُلَانٌ كَانَ يُرَهَّقُ،
ــ
كفه ومنعه، والمراد: يرتبهم وشمويهم ويكفهم عن الانتشار، وفي (القاموس) (١): الوازع: الزاجر، ومن يدبِّر أمور الجيش، ويرد من شذ منهم، وفي (الصراح) (٢): وزع: باز داشتن و [أول وآخر] لشكر را فراهم آوردن، وزاع: سرهنك وسالار لشكر وباز دارنده.
وقوله: (بلفظ المصابيح) ولفظه: (إلا ما كان من يوم بدر، فقيل: وما رأى من يوم بدر؟ قال: إنه قد رأى جبرئيل وهو يزع الملائكة).
٢٦٠١ - [١٠] (جابر) قوله: (فيباهي بهم) الضمير راجع إلى الواقفين بعرفة لتقدم ذكرهم حكمًا في قوله: (إذا كلان يوم عرفة)، ويحتمل أنه كان قد جرى ذكرهم صريحًا فذكر فضلهم.
وقوله: (ضاجين) في (الصحاح) (٣): أضجّ القوم: صاحوا، وضجوا: جزعوا، والمراد: رفع أصواتهم بالتلبية وجزعهم بالدعاء والتضرع والبكاء.
وقوله: (فلان كان يرهق) بلفظ المجهول من باب التفعيل أو الإفعال، مَن
стр. 2840
وَفُلَانٌ، وَفُلَانَةُ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ : قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [١٩٣١].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٦٠٢ - [١١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ،
ــ
يُظن به السوء، ومن يغشاه الناس، فالرهق محركة: ركوب الشر والظلم وغشيان المحارم، فيه رهق، أي: غشيان المحارم من شرب الخمر وغيره، رهقه كفرح: غشيه ولحقه، أرهقه طغيانًا: أغشاه إياه، وألحق ذلك به، قوله تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠].
وقوله: (وفلان وفلانة) أي: كذا وكذا، أي: عاص وفاسق ونحو ذلك.
وقوله: (فما من يوم أكثر) خبر (ما) منصوب أو مرفوع على لغة بني تميم، و (عتيقًا) تمييز والعائد محذوف، أي: فيه، أو جعل اليوم عتيقًا على الإسناد المجازي.
الفصل الثالث
٢٦٠٢ - [١١] (عائشة) قوله: (ومن دان دينها) أي: اتخذ دينهم له دينًا.
وقوله: (يقفون بالمزدلفة) ترفعًا على الناس، وكانوا يقولون: نحن أهل اللَّه وقُطَّان حرمه فلا نخرج منه.
وقوله: (وكانوا) أي: قريش (يسمون) بلفظ المجهول (الحمس) بضم الحاء المهملة وسكون الميم جمع أحمس، من الحماسة بمعنى الشجاعة والشدة، ويقال
стр. 2841
فَكَانَ (١) سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ (٢) أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، فَيَقِفُ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضُ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٦٥، م: ١٢١٩].
٢٦٠٣ - [١٢] وَعَنْ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ، فَأُجِيبَ: أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ مَا خَلَا الْمَظَالِمَ،
ــ
للعام الشديد: سنة حمساء، وسنون أَحامِسُ، حمس كفرح: اشتد وصلب في الدين والقتال، فهو حَمِسٌ وأَحمسٌ، وهي حمساء، والحُمْس: الأمكنة الشديدة، وبه لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية؛ لتحمسهم في دينهم، أو لالتجائهم إلى الحمساء، وهي الكعبة، لأن حجرها أبيض إلى السواد وهو يكون شديدًا.
وقوله: (ثم يفيض منها) من الإفاضة بمعنى الدفع في السير بكثرة، وأصله من أفضت الماء: إذا صببته بكئرة، والخطاب في ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ لقريش، ويلزم منه الأمر للمسلمين أيضًا.
٢٦٠٣ - [١٢] (عباس بن مرداس) قوله: (وعن عباس بن مرداس) بكسر الميم وسكون الراء.
وقوله: (ما خلا المظالم) أي: حقوق الناس، جمع مظلمة بكسر لام وفتحها، وقد ينكَر الفتح، وقيل: بضم اللام أيضًا، وهي ما تطلبه من عند الظالم مما أخذه منك بغير حق، وهي في الأصل مصدر بمعنى الظلم، وقيل: جمع مَظْلِم بكسر اللام،
стр. 2842
فَإِنِّي آخِذٌ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ قَالَ: "أَيْ رَبِّ، إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ"، فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَ: تَبَسَّمَ- قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ، أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ؟ قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي، وَغَفَرَ لأُمَّتِي، أَخَذَ التُّرَابَ، فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ،
ــ
والمظالم أعم من أن تكون مالية أو عَرْضية.
وقوله: (فإني آخذ) بلفظ اسم الفاعل من الأخذ، وقد يروى بلفظ التكلم.
وقوله: (فلم يجب) بلفظ الغائب المجهول، والضمير لرسول اللَّه ﷺ .
وقوله: (فأجيب إلى ما سأل) قيل: (إلى) بمعنى اللام، يمكن أن يكون لتضمين نحو معنى الرجوع والوصول.
وقوله: (ما كنت تضحك فيها) أي: من شأنها أن لا تضحك فيها، أو المراد: في مثلها مما يبكى ويتضرع فيه، وإلا لم ير رسول اللَّه ﷺ في هذه الساعة قبلُ، لأنه لم يحج إلا أول حجتها، وإن قيل: إنه ﷺ قد حج قبل عهد الإسلام، فأبو بكر وعمر لم يرياه.
وقوله: (يحثوه) أي: التراب، أي: يجعله ويلقيه على رأسه بكفه، (ويدعو بالويل والثبور) أي: يقول: يا ويلاه يا ثبوراه، والويل: حلول الشر، وهي كلمة عذاب، واسم واد في جهنم، والثبور: الهلاك.
стр. 2843
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي: كِتَابِ "الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ" نَحْوَهُ. [جه: ٣٠٤٧].
* * *
ــ
اعلم أنهم قالوا: إن المراد بـ (الأمة) ههنا هم الواقفون بعرفة، ومن ههنا قيل: إن الحج يكفِّر حقوق العباد أيضًا، وقال الطبراني: هو محمول على الظالم الذي تاب وعجز عن وفاء الحقوق، وروى البيهقي نحو هذا الحديث، وقال: وله شواهد كثيرة، إن صحت فهي حجة، وإلا فقول اللَّه سبحانه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] كاف، والظلم داخل فيما دون الشرك.
وقال في (المواهب اللدنية) (١): قال الترمذي في الحديث الصحيح: (من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه): وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق اللَّه تعالى خاصة دون العباد، ولا يُسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق اللَّه تعالى لا تسقط عنه؛ لأنها حقوف لا ذنوب، وإنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي أنفسها، فالحج المبرور يُسقط إثم المخالفة لا الحقوق.
وقال ابن تيمية (٢): من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الحقوق كالصلاة يستتاب وإلا قتل، ولا يُسقط حق الآدمي بالحج إجماعًا، انتهى.
وفي هذا من التشديد والتضييق ما لا يخفى، والمشهور أن حقوق اللَّه مغفورة بالحج، وفي حقوق العباد خلاف، والجمهور على أنه لا يغفر، وفضل اللَّه واسع، وظاهر الحديث عام، واللَّه أعلم.
стр. 2844
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٦٠٤ - [١] عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٦٦، م: ٢٨٣].
ــ
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
قد عرف معنى الدفع وعرفة والمزدلفة، وحاصله: الرجوع والانصراف من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى.
الفصل الأول
٢٦٠٤ - [١] (هشام بن عروة) قوله: (كان يسير العنق) انتصابه بالمصدر من قبيل رجع القهقرى، والعنق بفتحتين: السير السريع، وقيل: بين الإبطاء والإسراع فوق المشي، وقيل: هو الخطو الفسيح.
وقوله: (فإذا وجد فجوةً) بفتح الفاء وسكون الجبم، أي: فرجة وسعة (١)، في (الصراح) (٢): فجوة: شكَاف ميان دوكوه، قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٧]، وفجوة الدنيا: ساحتها، أي: المكان الخالي عن المارة.
(نصَّ) أي: أسرع شديدًا أكثر من العنق، وأصله: الاستقصاء والبلوغ غاية الشيء، يقال: نص ناقته: استخرج أقصى ما عندها من السير، وفي حديث أبي بكر
стр. 2845
٢٦٠٥ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٦٧١].
٢٦٠٦ - [٣] وَعَنْهُ: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٨٦، م: ١٢٨١].
٢٦٠٧ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ، كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، .
ــ
حين دخل عليه عمر ﵄ وهو ينصنص لسانه ويقول: (هذا أوردني الموارد)، وقال أبو عبيد: هو بالصاد لا غير، وبالضاد المعجمة كذلك، ولكن ليست في الحديث.
٢٦٠٥ - [٢] (ابن عباس) قوله: (ليس بالإيضاع) أي: الإسراع في السير والدفع، وأَوْضَعَ الدابةَ: حملها على الإسراع والعدو، أي: ليس البر في الحج بذلك، بل إنما هو باجتناب الرفث والفسوق وسائر المحظورات والمكروهات.
٢٦٠٦ - [٣] (عنه) قوله: (كان ردف النبي ﷺ ) الردف بكسر الراء وسكون الدال: الراكب خلف الراكب كالمرتدف والرديف.
٢٦٠٧ - [٤] (ابن عمر) قوله: (كل واحدة منهما بإقامة) يعني: لم يؤذَّن إلا للمغرب.
وقوله: (ولم يسبح) أي: لم يصل النوافل بينهما.
стр. 2846
وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٦٧٣].
٢٦٠٨ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨٢، م: ١٢٨٩].
٢٦٠٩ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٧٨، م: ١٢٩٣].
ــ
وقوله: (ولا على إثر كل واحدة منهما) أي: لم يصل بعد العشاء أيضًا، وإثر يضبط بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين بمعنى: بَعْدَ، وعلى عقبه، وأصله أثر الأقدام.
٢٦٠٨ - [٥] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (صلاة المغرب والعشاء بجمع) صلاهما في وقت العشاء، هذا الحصر من ابن مسعود متروك الظاهر؛ لأنه قد صلى الظهر والعصر بعرفات في وقت الظهر، كذا قال الكرماني، وقال الشيخ ابن الهمام (١): كأنه ترك جمع عرفة لشهرته.
وقوله: (قبل ميقاتها) بأن قدَّم على وقت ظهور طلوع الصبح للعامة، وقد ظهر لرسول اللَّه ﷺ طلوعه، وقد جاء في (صحيح البخاري) عن ابن مسعود حديث مفسر لهذا الحديث، ومصرِّح بأنه صلى حين طلوع الفجر لا قبله، والغرض أن استحباب الصلاة في أول الوقت في هذا اليوم أشدّ وآكد.
٢٦٠٩ - [٦] (ابن عباس) قوله: (في ضعفة أهله) المراد بالضعفة النساء والصبيان كما سيأتي من الأحاديث، وجاء في رواية النسائي عن الفضل بن عباس أنه
стр. 2847
٢٦١٠ - [٧] وعَنْهُ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ -وَكَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ (١) ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: "عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ"، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا، وَهُوَ مِنْ مِنًى،
ــ
قال: أمر رسول اللَّه ﷺ ضعفة بني هاشم أن يخرجوا من جمع في الليل، وفي رواية أخرى عند أبي داود والنسائي عن ابن عباس: قدَّم رسول اللَّه ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على حمر، وأمرهم أن لا يرموا حتى تطلع الشمس كما يأتي، وجاء في رواية أبي داود عن عائشة: أنه ﷺ أرسل أم سلمة ليلة النحر، وفي رواية للبخاري ومسلم والنسائي: استأذنت سودة رسول اللَّه ﷺ أن تخرج ليلة جمع، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة، وفي رواية: ضخمة ثبطة، وفي رواية مسلم والنسائي عن أم حبيبة أنها قالت: أرسلني رسول اللَّه ﷺ ليلة الجمع، فيحتمل أن يكون قد أرسلهن كلهن، ثم جاء في بعض الروايات أنه أمر بالرمي بعد الطلوع، وفي بعضها قبل الفجر، وفي بعضها مطلق ساكت عن ذلك، فذهب الشافعي وأحمد -رحمهما اللَّه- إلى أنه يجوز رمي جمرة العقبة بعد نصف الليل، وعند الإمام أبي حنيفة ﵁ لا يجوز إلا بعد طلوع الشمس آخذًا بحديث ابن عباس الآتي أن يرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، واللَّه أعلم.
٢٦١٠ - [٧] (الفضل بن عباس) قوله: (وهو كافٌّ ناقته) أي: كان يكفها من الإسراع.
وقوله: (وهو) أي: وادي محسر (من منى) وقيل: من مزدلفة، والتحقيق أنه كالبرزخ بين مزدلفة ومنى كما مر.
стр. 2848
قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةَ". وَقَالَ: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٨٢]
٢٦١١ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَفَاضَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ جَمْع وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ. وَقَالَ: "لَعَلِّي لَا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا". لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. . . . .
ــ
وقوله: (عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به) أي: يلزمكم أن ترفعوا حصاة لترموا بها الجمرة، ثم اختلفوا أنه يرفعها من الطريق وهو ظاهر الحديث، وجاء في بعض الروايات رفعها من المزدلفة، وهذا منقول من ابن عمر وسعيد بن جبير، والمختار أنه يجوز أن يرفع من أيِّ مكان شاء إلا الجمرات التي رَمَى بها، ويجوز بها أيضًا لكن الأفضل أن لا يرمي بها.
ثم اختلفوا في أن يرفع سبع حصيات لرمي يوم النحر فقط، ونص الشافعي ﵀ استحباب ذلك، أو سبعين حصاة: سبعة ليوم النحر، وثلاثًا وستين لما بعده من الأيام، فظاهر إفراد الجمرة ينظر إلى القول الأول، واللَّه أعلم.
وقوله: (حتى رمى الجمرة) أي: جمرة العقبة يوم النحر، وعند ذلك قطع التلبية.
٢٦١١ - [٨] (جابر) قوله: (وأوضع) أي: أسرع.
وقوله: (لم أجد هذا الحديث في الصحيحين) أي: في أحاديثهما حتى يشمل (جامع الأصول)، و (الجمع بين الصحيحين) للحميدي، فافهم.
وهذا اعتراض على صاحب (المصابيح) في إيراده في الصحاح.
стр. 2849
إِلَّا فِي "جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ" مَعَ تَقْدِيمِ وَتَأْخِيرٍ. [ت: ٨٨٦].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٦١٢ - [٩] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ حِينَ تَكُونُ الشَّمْسُ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ، وَمِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ حِينَ تَكُونُ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ، وَإِنَّا لَا نَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَنَدْفَعُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، هَدْيُنَا مُخَالِفٌ لِهَدْي عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالشِّرْكِ". . . . .
ــ
وقوله: (إلا في جامع الترمذي) استثناء منقطع.
الفصل الثاني
٢٦١٢ - [٩] (محمد بن قيس) قوله: (حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم) نقل الطيبي (١) عن القاضي: شبَّه ما يقع من ضوء الشمس حينما دنت من الأفق بالعمامة؛ لأنه يلمع في وجهه لمعان بياض العمامة، انتهى. وقيل: المراد كأن الشمس حين غاب نصفها عمامة على رأس الجبل؛ لأن شكل العمامة شكل نصف الكرة.
فإن قلت: قوله: (في وجوههم) يدل على ما ذكره الطيبي؟ قلت: نعم إن كان متعلقًا بقوله: (تكون الشمس)، وليس بمتعيِّن، بل يحتمل أن يتعلق بـ (عمائم الرجال) ظرفًا مستقرًا.
стр. 2850
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَالَ: "خَطَبَنَا" وَسَاقَهُ بِنَحْوِهِ. [ق: ٥/ ١٢٠].
٢٦١٣ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ -أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- عَلَى حُمُرَاتٍ،
ــ
وقوله: (رواه البيهقي، وقال) فيه: (خطبنا، وساقه بنحوه) في الكتاب ههنا بياض، وهذه العبارة كتبها الجزري في الحاشية، وفي تخريج ابن حجر: أخرجه البيهقي من حديث مِسْوَر بن مَخْرَمة.
٢٦١٣ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (أغيلمة) بالنصب على الاختصاص، مثل (إنا معاشر الأنبياء)، وأما القول بإبداله من الضمير في (قدَّمَنا) كما قال الطيبي، ففيه أن إبدال الظاهر من ضمير المتكلم بدلَ الكل غيرُ جائز كما ذكر في كتب النحو.
و(أغيلمة) بضم الهمزة وفتح الغين تصغير أَغْلِمة جمع غلام، وقال في (النهاية) (١) وتبعه التُّوربِشْتِي: إن أغلمة لم يجع في جمع غلام، وإنما جمعه غلمة وغلمان، كما قال في (الصحاح) (٢)، ولكنهم صغروا أغلمة وإن لم يستعمل، ومثله أُصيبية تصغير أصبية، ولم يجئ، وإنما جاء: صبية، هذا وقد يوجد في بعض نسخ (القاموس): أن جمع غلام: أغلمة وغلمان، واللَّه أعلم.
وقوله: (على حمرات): جمع حمر بضمتين: جمع حمار، كذا في (مجمع البحار) (٣)، هذا ولكن المفهوم من كتب اللغة أنه جمع حمار، قالوا: الحمار يجمع على حمر وحمير وأحمرة وحمور وحمرات، وكأنهم أرادوا بجمعه ما يشمل جمعه وجمع جمعه.
стр. 2851
فَجَعَلَ يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا، وَيَقُولُ: "أُبَيْنِيَّ،
ــ
و(اللطح) بالحاء المهملة، لطحه: ضربه ببطن كفه، أو ضربًا ليِّنا على الظهر، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (أبيني) صحح بضم الهمزة وفتح الباء وسكون الياء وكسر النون وفتح الياء المشددة في الآخر، نقل الطيبي (٢) عن (النهاية): أنه تصغير أبنى كأعمى وأُعيمى، وهو اسم مفرد يدل على الجمع، وقيل: إن ابنا يجمع على أبنا مقصورًا وممدودًا، وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر. وقال أبو عبيد: هو تصغير بَنِيَّ جمع ابن مضافًا إلى النفس، فهذا يوجب أن يكون اللفظ في الحديث أبيني بوزن سُرَيْجي، انتهى.
لا يخفى أن أبنى على وزن أعمى ليس لفظًا مستعملًا بكون مفرد أبنا جمع ابن، ولم يذكر في الكتب المشهورة في اللغة، ولعل هذا القائل وجده، فاعتبِر، واللَّه أعلم.
نعم لو ثبت جمع ابن على أبنا مقصورًا فذلك وجه، أو يقال: الجمع هو الممدود لكن يقصر على غير القياس، وأما القول بكونه تصغير ابن فوجهوه بأن يعتبر ابن مقطوع الهمزة ويصغر على أُبين، ثم يجمع على أُبينون، ثم يحذف النون للإضافة ويعل إعلال مسلميَّ، وقد استشهد التُّوربِشْتِي على استعمال أبينون محذوف النون للإضافة ببيت (الحماسة) وغيرها، وضعَّف هذا القول أن همزة الابن للوصل، وأصل ابن: بَنَوٌ، وجمعه: بنون، ولا يقال فيه: ابنون، فكيف يصح ذلك، والقاعدة أن يصغر على الأصل ويردّ المحذوف؟
стр. 2852
لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٩٤٠، ن: ٣٠٦٤، جه: ٣٠٢٥].
٢٦١٤ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ،
ــ
وقوله: (لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) اختلف في وقت رمي هذه الجمرة، فقال الشافعي وأحمد في رواية: يجوز قبل طلوع الفجر إذا كان بعد نصف الليل؛ لحديث أم سلمة ﵂ الآتي، لكن فيه مقال، وعندنا وعند أحمد في الأشهر: يجوز بعد طلوع الفجر ولا يجوز قبل ذلك، والأفضل عندنا أن يكون بعد طلوع الشمس وإن جاز بعد طلوع الفجر أيضًا جمعًا بين الأحاديث، وذهب بعض العلماء إلى أنه جاز للمعذور ولا يجوز للقادر، وفي (شرح ابن الهمام) (١): بعد طلوع الفجر جائز مع إساءة، وبعد طلوع الشمس إلى الزوال وقت مسنون، وآخر الوقت إلى غروب الشمس، كذا روي في (الموطأ) عن ابن عمر، وإن رمى في الليل لم يلزم شيء، وإن أخّر إلى الغد رمى ويلزم الدم.
٢٦١٤ - [١١] (عائشة) قوله: (فرمت الجمرة قبل الفجر) هذا الحديث مستند الشافعي، وفي (سفر السعادة) (٢): إن في إسناد هذا الحديث مقالات، وأساطين الحديث ينكرونه، وهذا في حديث أبي داود، ولكن جاء في رواية النسائي (٣) مبهمًا: أنه ﷺ أمر إحدى نسائه من جمع أن ترمي جمرة العقبة وتصبح في منزلها، فيحتمِل ذلك أن
стр. 2853
ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْيَوْمَ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٩٤٢].
٢٦١٥ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُلَبِّي الْمُقِيمُ، أَوِ الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. [د: ١٨١٧].
* الْفَصْلُ الْثَّالِثُ:
٢٦١٦ - [١٣] عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ الشَّرِيدَ يَقُولُ: أَفَضْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . . . .
ــ
تكون أم سلمة أو سودة كما جاء في رواية أخرى، وفي أخرى وقعت أم حبيبة، لكن سكت فيها عن الرمي قبل طلوع الصبح أو بعده.
وقوله: (فأفاضت) أي: طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة.
وقوله: (وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون. . . إلخ)، أي: كان يوم نوبتها، كأنه إشارة إلى سبب استعجالها في الرمي والإفاضة، واللَّه أعلم.
٢٦١٥ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (يلبي المقيم) المراد مَن يقيم بمكة ويعتمر، وفي (المصابيح): قال ابن عباس: يلبي المعتمر حتى يَفْتَتِح الطواف، ويروى: حتى يستلم، ورفعه بعضهم، انتهى (١).
الفصل الثالث
٢٦١٦ - [١٣] (يعقوب بن عاصم بن عروة) قوله: (أنه سمع الشريد) بفتح المعجمة وكسر راء وبتحتية فدال مهملة.
стр. 2854
فَمَا مَسَّتْ قَدَمَاهُ الأَرْضَ حَتَّى أَتَى جَمْعًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٩٢٠].
٢٦١٧ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ: كَيْفَ نَصْنَعُ فِي الْمَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. . . . .
ــ
وقوله: (فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعًا) عبارة عن الركوب من عرفة إلى الجمع، والمراد أنه ﷺ ما مشى وما سلك الطريق في سيره من عرفة إلى مزدلفة، وإلا فقد جاء في (صحيح البخاري (١)) من حديث أسامة بن زيد: أن النبي ﷺ حيث أفاض من عرفة مال إلى الشعب، فقضى حاجته فتوضأ، فقلت: يا رسول اللَّه ﷺ ! أتصلي؟ قال: (الصلاة أمامك)، وفي حديث آخر عنه: أنه لما بلغ ﷺ الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ثم جاء، الحديث.
٢٦١٧ - [١٤] (ابن شهاب) قوله: (نزل بابن الزبير) أي: بارز وقاتل.
وقوله: (سأل عبد اللَّه) أي: ابن عمر، وعبد اللَّه وإن كان عند الإطلاق ينصرف إلى عبد اللَّه بن مسعود، لكن لم يكن عبد اللَّه بن مسعود إذ ذاك، لأنه مات في زمن عثمان ﵄.
وقوله: (فقال سالم) وهو ابن عبد اللَّه بن عمر.
وقوله: (فهجر بالصلاة) أي: صلاة الظهر والعصر، أي: صل بالهجر، أي: نصف النهار، أي: عجِّل بها.
وقوله: (كانوا يجمعون بين الظهر والعصر) أي: في وقت الظهر في
стр. 2855
فِي السُّنَّةِ. فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أفعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: وَهَلْ يَتَّبِعُونَ ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ؟ ! رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٧٠].
* * *
٦ - باب رمي الجمار
ــ
الهجر بعرفة.
وقوله: (في السنة) أي: لأجل السنة واتباعها، وقال الطيبي: أي: متوغلين في السنة ومتمسكين بها.
وقوله: (هل يتبعون ذلك) أي: التهجر (إلا سنته) أي: لسنته، أو التقدير: هل يتبعون في ذلك إلا سنته؟ وهذا القول من سالم في مقابلة ذلك الظالم العنيد العتيد من كمال دينه وقوته وتصلبه وسلامته من المساهلة والمداهنة، ولهذا روي أنه قال عبد اللَّه بن عمر: ولقد أحسنت أمه حيث سمَّته سالمًا، أو قولًا هذا معناه.
٦ - باب رمي الجمار
وهو واجب عندنا في الأيام كلها، والجمار: الأحجار الصغار، ومنه سمي جمار الحج للحصا التي ترمى بها، وأما موضع الجمار بمنى فسمى جمرة لأنها ترمى بالجمار، أو لأنها مجتمع حصاة ترمى بها، والجمر يجيء بمعنى الجمع كثيرًا، أو من أجمر بمعنى أسرع، ومنه أن آدم ﵇ رمى بمنى فأجمر إبليسُ بين يديه، أي: أسرع (١).
стр. 2856
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٦١٨ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٩٧].
ــ
الفصل الأول
٢٦١٨ - [١] (جابر) قوله: (لتأخذوا) هي لام الأمر دخل على أمر المخاطب كما في قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، أو لام التعليل والمعلل محذوف، أي: فعلت ما فعلت لتأخذوا.
وفي الحديث دليل على جواز الرمي راكبًا، وقال في (الهداية): وكل رمي بعده رمي فالأفضل أن يرميه ماشيًا، وإلا فيرميه راكبًا؛ لأن الأول بعده وقوف ودعاء، فيرمي ماشيًا ليكون أقرب إلى التضرع، وبيان الأفضل مروي عن أبي يوسف ﵀ (١).
فعلى هذا يرمي جمرة العقبة راكبًا، سواء كان في يوم النحر أو في أيام بعده لأنه ليس بعده رمي، وحكي عن إبراهيم بن جراح أنه قال: دخلت على أبي يوسف في مرضه الذي مات، ففتح عينه فقال: الرمي راكبًا أفضل أم ماشيًا؟ فقلت: ماشيًا، فقال: أخطأت، فقلت: راكبًا، قال: أخطأت، ثم قال: كل رمي بعده وقوف فماشيًا أفضل، وما ليس بعده وقوف فراكبًا أفضل، فقمت من عنده فما انتهيت إلى باب الدار حتى سمعت الصراخ بموته، فتعجبتُ من حرصه على العلم في مثل تلك الحالة.
هذا والذي جاء في الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر
стр. 2857
٢٦١٩ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٩٩].
٢٦٢٠ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٤، م: ١٣٠٠].
٢٦٢١ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبع حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٤٧، م: ١٢٩٦].
ــ
راكبًا، وفي الأيام الأُخر رمى ماشيًا في الكل، وقد جاء في بعض كتب الفقه: أنه رمى راكبًا في الكل، ووجهوه بأنه فعله ليكون أظهر للناس حتى يقتدوا به فيما يشاهدون منه، والأول أصح، واللَّه أعلم.
٢٦١٩ - [٢] (عنه) قوله: (بمثل حصى الخذف) مر شرحه.
٢٦٢٠ - [٣] (عنه) قوله: (وأما بعد ذلك) يعني: أيام التشريق، فرميها لا يجوز إلا بعد الزوال.
٢٦٢١ - [٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إلى الجمرة الكبرى) وهي الجمرة التي في جانب مسجد الخيف.
وقوله: (هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة) يعني رسول اللَّه ﷺ وإنما خص (سورة البقرة) بالذكر؛ لأن مناسك الحج مذكور فيها، وأما ما قيل: خصت لأنها التي ذكر فيها الرمي. قال الشيخ: ولم أعرف موضع ذكر الرمي فيها، قلت: لعل الإشارة إلى ذكر الرمي في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي
стр. 2858
٢٦٢٢ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الِاسْتِجْمَارُ تَوٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ تَوٌّ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وَإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٠٠].
ــ
يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فإن الرمي في تلك الأيام، وينبئ عنه أول حديث عائشة في (الفصل الثاني).
وقيل: المراد: أنزل عليه القرآن، وإنما خص (سورة البقرة) لكونها أطول السور وأرفعها، كما ورد: (لكل شيء سثام وسنام القرآن سورة البقرة) (١)، وأكثرها اشتمالًا للأحكام الشرعية، والمعنى الأول أنسب وأشبه.
٢٦٢٢ - [٥] (جابر) قوله: (الاستجمار توّ) التوُّ بفتح الفوقانية وتشديد الواو: الفرد، أي: وتر لا شفع، يقال: جاء الرجل تَوًّا: إذا جاء وحده، ووجَّه فلان من خيله بألف توٍّ، أي: بألف واحد، والمراد بالاستجمار التمسح بالجمار، وهي الحجارة الصغار، أي: الاستنجاء السنة فيه ثلاثة أحجار، وقيل: المراد به البخور، بأن يأخذ منه ثلاث قطع أو ثلاث مرات.
(ورمي الجمار تو) أي: سبع، وكذا في السعي والطواف، وفي بعض الروايات لم يذكر رمي الجمار بل أريد بالاستجمار ذلك.
وقوله: (وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو) تكرير وتأكيد للحكم الأول مبالغة في رعاية التثليث في الاستنجاء، وقيل: ليس بتكرير، فإن قوله: (الاستجمار تو) بيان لكرَّات الفعل، وقوله: (إذا استجمر) بيان عدد الأحجار، ولا يخفى ما فيه.
стр. 2859
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٦٢٣ - [٦] عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ (١) ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى ناقَةٍ صَهْبَاءَ، لَيْسَ ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَيْسَ قِيلُ إِلَيْكَ إِلَيْكَ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. [الأم: ٢/ ٢١٣، ت: ٩٠٣، ن: ٣٠٦١، جه: ٣٠٣٥، دي: ٢/ ٦٢].
٢٦٢٤ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ". . . . .
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٦٢٣ - [٦] (قدامة بن عبد اللَّه) قوله: (عن قدامة) بضم القاف وتخفيف الدال (ابن عبد اللَّه بن عمار) بفتح العين وتشديد الميم. (والصهباء) الناقة التي يعلو بياضَها حمرة تخالطها، وهو أن يحمر أعلى الوبر وتبيضَّ أجوافه، وفي (القاموس) (٢): الصهب محركة: حمرة أو شقرة في الشعر.
وقوله: (ليس قيل) بكسر القاف وسكون الياء بمعنى القول اسم (ليس)، (وإليك) بمعنى: تنحَّ وابعد.
وقوله: (والترمذي) ليس في حديث الترمذي لفظ (ابن عمار) وليس في حديثه ذكر (صهباء).
٢٦٢٤ - [٧] (عائشة) قوله: (إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر اللَّه). . . . .
стр. 2860
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٩٠٢، دي: ٢/ ٥٠].
٢٦٢٥ - [٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ألَا نَبْنِي لَكَ بِنَاءً يُظِلُّكَ بِمِنًى؟ قَالَ: "لَا، مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٨٨١، جه: ٣٠٠٦، دي: ٢/ ٧٣].
ــ
لما كان أفعال الحج كثرها مما (١) لا يدرك العقلُ أسرارَها، ووجهَ كونها عبادة خصوصًا مثل رمي الجمار والسعي من هنا إلى ههنا، بل هو أمور تعبدية محضة، أشار إلى أن شرع كل منها لإقامة ذكر اللَّه في حد أنفسها، وبما يقارنها من الأذكار والأدعية، وإن لم يظهر عند العقل، على أن العاقل إذا تفكر في السعي والرمي مثلًا يتحير، ولم يفهم منها إلا التعبد المحض، ويرى عقلَه معزولًا مضمحلًّا عند تلك الحركات، فلا يرى غير اللَّه ولا يذكر سواه.
٢٦٢٥ - [٨] (عنها) قوله: (قال: لا) أي: لا تبنوا، و (المناخ) موضع إناخة الإبل، والمراد هنا المنزل، يعني: أن منى ليست مختصًّا بأحد، وإنما هو موضع العبادة، فلو أجيز فيها البناء لكثرت الأبنية وتضيَّق المكان بالشوارع ومقاعد الأسواق، وهذا توجيه الشافعية، وعندنا وجه النهي: أن أرض الحرم موقوفة، لأن رسول اللَّه ﷺ فتح مكة قهرًا، وجعل أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يتملكها أحد، وقال بعضهم: إنما لم يأذن في البناء لنفسه والمهاجرين بمنى؛ لأنها دار هاجروا منها للَّه تعالى، فلم يختاروا أن يعودوا إليها أو يقيموا فيها، وقد سبق شيء من ذلك في (باب صلاة السفر).
стр. 2861
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٦٢٦ - [٩] عَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ وُقُوفًا طَوِيلًا يُكَبِّرُ اللَّه، وَيُسَبِّحُهُ، وَيَحْمَدُ، وَيَدْعُو اللَّهَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١/ ٤٠٦].
* * *
٧ - باب الهدي
ــ
الفصل الثالث
٢٦٢٦ - [٩] (نافع) قوله: (ويحمده) من الحمد أو من التحميد.
وقوله: (ولا يقف عند جمرة العقبة) وسيجيء في (باب خطبة يوم النحر) أنه قال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله، ويذكر هناك وجه عدم الوقوف عند جمرة العقبة، والوقوف عند الجمرتين الأخريين إن شاء اللَّه تعالى.
٧ - باب الهدي
هو بفتح وسكون، وبفتح وكسر وتشديد، والأول لغة أهل الحجاز والآخرين، وهي لغة القرآن، والثاني لغة بني تميم مع آخرين، وقرئ بهما، وواحدهما هَدْيَةٌ وهَدِيَّةٌ، وهو ما يُهدى إلى الكعبة من النعم لتنحر، وقد يطلق على مطلق الإبل وإن لم يكن هديًا، يقال: كم هدي بني فلان؟ أي: كم إبلهم، وسمي هديًا لأن صاحبه يتقرب به ويُهديه إلى اللَّه تعالى كالهدية يُهديها الرجل لغيره.
والهدي من الإبل والبقر، وفي الغنم خلاف، وعندنا جاز الهدي من الغنم،
стр. 2862
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٦٢٧ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ. . . . .
ــ
قال في (الهداية) (١): الهدي أدناه شاة، لما روي أنه ﵇ سئل عن الهدي قال: (أدناه شاة)، وقال: وهو من ثلاثة أنواع: الإبل، والبقر، والغنم؛ لأنه ﵇ لما جعل الشاة أدنى فلا بد أن يكون له أعلى وهو البقر والجزور، ولأن الهدي ما يهدى إلى الحرم ليتقرب به، والأصناف الثلاثة سواء في هذا المعنى، ولا يجوز في الهدايا إلا ما جاز في الضحايا؛ لأنه قربة تعلقت بإراقة الدم كالأضحية فيتخصصان بمحلٍّ واحد.
الفصل الأول
٢٦٢٧ - [١] (ابن عباس) قوله: (ثم دعا بناقته) أي: التي أراد أن يجعلها هديًا، (فأشعرها) الإشعار: أن يشق أحد سنامي البُدن حتى يسيل دمها، وهو سنة لتعرف أنها هدي، ولتتميز إن خلطت، وعُرفت إذا ضلّت، ويرتدع السرَّاق عنها، ويأكلها الفقراء إذا ذبح حين تعطب، وهو من شعرت بمعنى علمت، وقال في (القاموس): أشعر البدن: أعلمها، وهو أن يشق جلدها أو يطعنها حتى يظهر الدم، و (الصفحة): الجانب، ومنك: جنبك، ومن الوجه والسيف: عرضه، و (السنام) بفتح السين معروف، كذا في (القاموس) (٢).
وقوله: (الأيمن) صفة (صفحة) بتأويل جانب.
وقوله: (وسلت الدم) أي: أماطه، يقال: سلتت الخضاب عن يدها: إذا مسحته
стр. 2863
عَنْهَا، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٤٣].
ــ
وألقته، وأصله القطع، يقال: سلت الشيء: قطعه، وسلت أنفه، أي: جدعه، وسلت الشعر: حلقه، وسلت القصعة: مسحها بإصبعه، هذا وقال في (القاموس) (١): سلت دم البدنة: قشره حتى أظهر دمها.
قوله: (قلدها نعلين) أي: جعلها قلادةً في عنقه، قالوا: وكان من عادة الجاهلية إشعار الهدي وتقليده بنعل أو عروة أو لحاء شجرة أو غير ذلك، فقرره الإسلام أيضًا لصحة الغرض، واتفقوا على أن الغنم لا تُشعر لضعفها؛ ولأنه يستر بالصوف، ويقلد.
واعلم أن الإشعار سنة عند جمهور الأئمة، وروي عن أبي حنيفة أنه يستحب التقليد، والإشعار مكروه بدعة لأنه مُثلة وتعذيب للحيوان وهو حرام، وإنما فعله ﷺ لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا بالإشعار، وقالوا: إنه مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار وليس مثلة، بل هو كالفصد والحجامة والختان والكي للمصلحة، وأيضًا تعرض المشركين في ذلك الوقت كان بعيدًا؛ لقوة الإسلام وشوكة الدين، هذا هو المشهور فيما بينهم.
وقد قيل: إن كراهة أبي حنيفة الإشعار إنما كان من أهل زمانه، كانوا يبالغون فيه بحيث يُخاف سراية الجراحة وفساد العضو، وكان يقول: يكفي التقليد في الإحرام ولا حاجة إلى الإشعار؛ لأن الإشعار مكروه، أو كره أن يشعر ولا يقلد، وأيضًا كان الناس في زمانه تركوا الإشعار، ولم يبق الإشعار علامة للإحرام، والذين يفعلون
стр. 2864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كانوا يبالغون فيه ويتجاوزون عن الحد، فكره لذلك، واللَّه أعلم.
قال التُّوربِشْتِي (١): قد اختلف في الإشعار بالطعن وإسالة الدم، فرآه الجمهور، ونفرَ عنه نفرٌ، وقد صادقتُ [بعض] علماء الحديث [يشدِّد] في النكير على من أباه، حتى أفضَتْ مقالته إلى الطعن فيه، والادعاءِ بأنه عاند رسول اللَّه ﷺ في قبول سنته، وكيف يَسُوغ الطعن في أئمة الاجتهاد، وهم في اللَّه يكدحون وعن سنة نبيه يتناضلون، وأنَّى يظن بهم ذلك؟ ولم يدر أن سبيل المجتهد غير سبيل الناقل، وأن ليس للمجتهد أن يسارع إلى قبول النقل والعمل به إلا بعد الاطمئنان والإيقان وتصفح العلل والأسباب، فلعله علم من ذلك ما لا يعلمه غيره، وغاية ما يرمى به المجتهد في قضية يوجد فيها حديث فخالفه، أن يقال: لعله لم يبلغه الحديث، أو بلغه بطريق لم ير قبوله، على أن النبي ﷺ ساق بعضر هديه من ذي الحليفة وساق بعضها من قديد -موضع بين مكة والمدينة، اشترى [ ﷺ هديه] منه كما روى ابن عمر ﵄ وبعضها أتى به عليٌّ ﵁ من اليمن، أفلا يحتمل أن يتامل المجتهد في فعل النبي ﷺ ، فيرى أن النبي ﷺ إنما أقام الإشعار في واحدة، ثم تركه في البقية حيث رأى الترك أولى لا سيما والترك آخر الأمرين، واكتفى بالإشعار عن التقليد، وهو يسد مسده في المعنى المطلوب، والإشعار يجهد البدنة، وفيه ما لا يخفى من أذية الحيوان، وقد نهى عن ذلك قولًا، ثم استغنى عنه بالتقليد، ولعله بهذه الاحتمالات رأى القول بذلك؛ لأن النبي ﷺ قد حج وقد حضره الجم الغفير، ولم يروِ حديث الإشعار إلا شرذمة قليلون، فنظر المجتهد إلى تلك العلل والأسباب، ورأى كراهة الإشعار جمعٌ من التابعين، واللَّه أعلم.
стр. 2865
٢٦٢٨ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٠١، م: ٣٦٧].
٢٦٢٩ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣١٩].
٢٦٣٠ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣١٩].
٢٦٣١ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا، وَأَشْعَرَهَا، وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ. . . . .
ــ
٢٦٢٨ - [٢] (عائشة) قوله: (فقلدها) عُلم من هذا أنه لا إشعار في الغنم.
٢٦٢٩ - [٣] (جابر) قوله: (عن عائشة) أي: من جهتها ولأجلها، ولعله كان ذلك بإذنها؛ لأن التضحية عن الغير لا تجوز بغير إذنه.
٢٦٣٠ - [٤] (عنه) قوله: (عن نسائه بقرة) إن كان عن نسائه كلها فهو متمسَّك مالك في اكتفاء البقرة والبعير عن أهل البيت جميعًا وإن كانوا أكثر من سبعة، واللَّه أعلم (١).
٢٦٣١ - [٥] (عائشة) قوله: (وأهداها) أي: مع أبي بكر في السنة التاسعة، لم يحج بنفسه الكريمة، وأمَّر أبا بكر، وبعثه حتى يحج بالناس.
وقوله: (فما حرم عليه من شيء) يعني: لم يجر عليه أحكام الإحرام.
стр. 2866
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٩٦، م: ١٣٢١].
٢٦٣٢ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: "فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٠٥، م: ١٣٢١].
٢٦٣٣ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنةً، فَقَالَ: "اركَبْهَا". فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنة. قَالَ: "ارْكَبْهَا". فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنةٌ. قَالَ: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ" فِي الثَّانِيَةِ، أَوِ الثَّالِثَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٨٩، م: ١٣٢٢].
٢٦٣٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْي، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: . . . . .
ــ
وإنما قالت عائشة هذا ردًّا لما بلغها من فتوى ابن عباس فيمن بعث هديًا إلى مكة: أنه يَحرم عليه ما يحرم على المحرم حتى يبلغ الهدي مكة وينحر، وذكر النووي في (شرح مسلم) (١) مع ابن عباس ابنَ عمر وعطاء ومجاهدًا وسعيد بن جبير أيضًا.
٢٦٣٢ - [٦] (عائشة) قوله: (من عهن) بكسر العين وسكون الهاء: الصوف أو الملون منه.
٢٦٣٣ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (اركبها) ذهب قوم إلى أنه يجوز ركوب الهدي غيرَ مضرٍّ بها، وقوم آخرون إلى أنه لا يركبها إلا أن يضطر إليه، وهو قول أبي حنيفة.
٢٦٣٤ - [٨] (أبو الزبير) قوله: (وعن أبي الزبير) هو أبو الزبير محمد بن مسلم المكي، تابعي.
стр. 2867
"ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٢٤].
٢٦٣٥ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ عَشَرَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، وَأَمَّرَهُ فِيهَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنعُ بِمَا أُبْدِع عَلَيَّ مِنْهَا؟ قَالَ: "انْحَرْهَا،
ــ
وقوله: (حتى تجد ظهرًا) أي: مركبًا، غايةٌ لقوله: (اركبها).
٢٦٣٥ - [٩] (ابن عباس) قوله: (مع رجل) قيل: هو ناجية بالنون وجيم مكسورة وتخفيف التحتانية، الأسلمي، صاحب بدن رسول اللَّه ﷺ ، ويقال: إنه ناجية ابن عمرو، هو معدود في أهل المدينة، وكان اسمه ذكوان، فسماه رسول اللَّه ﷺ ناجية، وهو الذي نزل قليب الحديبية لسهم رسول اللَّه ﷺ فيما قال، روى عنه عروة ابن الزبير، مات في المدينة في أيام معاوية.
وقوله: (وأمره) أي: جعله أميرًا.
وقوله: (بما أُبدع عليّ) بضم الهمزة وكسر الدال مسند إلى الجار والمجرور، وقد يُعدَّى بالباء كما في الحديث الآخر: (أُبْدِعَ بي فاحملني)، وهو الأصل، وتعديته بـ (على) لقصد معنى التضرر، والعائد إلى الموصول محذوف، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، ومعناه: عطب وهلك، في (المشارق) (١): قال بعضهم: هكذا استعملت العرب هذه اللفظة فيمن وقفت به دابته، وقال غيره: أبدعت الراحلة: إذا كلَّت وعطبت وانقطعت عن السير لكلال أو ضلع، وقيل: الإبداع لا يكون إلا بضلع، وروي: (أبدعت) مجهولًا ومعلومًا. وقال السيوطي: المعلوم أوجه وأقيس.
стр. 2868
ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهَا عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٢٥].
ــ
وقال القاضي عياض في حديث (فعيي بشأنها إن هي أبدعت): كذلك بضم الهمزة على ما تقدم، وفي أصل ابن عيسى من رواية ابن الحذاء: أبدعت بفتحها، والمعروف ما تقدم، وقال في هذا الحديث الذي نحن فيه: قد رواه العذري: (بدِّع) بغير همزة وتشديد الدال، والمعروف رواية غيره كما ذكرنا، انتهى.
وقوله: (ثم اصبغ) أي: اغمس نعليها اللتين قلد بهما، و (اجعلها) أي: النعل كأنهما شيء واحد (على صفحتها) ليعلم المارة أنه هدي فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء، و (الرفقة) بتثليث الراء وسكون القاف: جماعةٌ تُرافِقُهم، والجمع ككتاب وأصحاب وصُرد، كذا في (القاموس) (١)، وإضافة (أهل) إليه بيانية، وليس في بعض النسخ لفظ (أهل)، والصحيح ثبوته، وإنما نهاهم رفعًا للتهمة عنهم، أو قطعًا لطريق الخيانة عليهم، وهذا حكم السابق الذي بعثه مالك البدن معه، وكذلك حكم المالك.
قال في (الهداية) (٢): وإن عطبت البدنة في الطريق، فإن كانت تطوعًا نحرها وصبغ نعلها بدمها وضرب بها صفحة سنامها، ولم يكل هو ولا غيره من الأغنياء [منها]، بذلك أمر رسول اللَّه ﷺ ناجية الأسلمي ﵁، وإن كانت واجبةً أقام غيرها مقامها، وصنع بها ما شاء؛ لأنه لم يبق صالحًا لما عيَّنه، وهو ملكه كسائر أملاكه.
بقي ما استُشكل: أنه إذا لم يأكله أحد أكلته السباع، وفيه إضاعة المال؟ وجوابه: أن العادة جارية بأن أهل البوادي يتبعون خلفهم فينتفعون، وقد يأتي قافلة أخرى فيأكلون.
стр. 2869
٢٦٣٦ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣١٨].
٢٦٣٧ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بِدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، قَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧١٣، م: ١٣٢٠].
٢٦٣٨ - [١٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا قَالَ: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧١٧، م: ١٣١٧].
٢٦٣٩ - [١٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَرَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: . . . . .
ــ
٢٦٣٦ - [١٠] (جابر) قوله: (البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) يدل بظاهره على أن البدنة اسم للبعير، وكأنه باعتبار غالب الاستعمال، وإلا فهو يتناول البعير والبقرة والشاة.
٢٦٣٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (قيامًا) حال، أي: انحرها قائمة (مقيدة) أي: مغلولة اليد اليسرى.
وقوله: (سنة) بالنصب على أنه مفعول، أي: الزم سنة محمد ﷺ ، فالسنة في الإبل النحر، وفي البقرة والغنم الذبح.
٢٦٣٨ - [١٢] (علي) قوله: (وأن لا أعطي الجزار) أي: في أجرته لأنه في حكم البيع، وإن تصدق جاز.
٢٦٣٩ - [١٣] (جابر) قوله: (فرخص) النهي كان لاحتياج الناس في ابتداء الأمر، فيجب التصدق عليهم ولا يتزود، ولما ارتفع الاحتياج ارتفع النهي، وكما
стр. 2870
"كُلُوا وَتَزَوَّدُوا" فَأَكَلْنَا، وَتَزَوَّدْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧١٩، م: ١٩٧٢].
* الْفَصْلُ الثاني:
٢٦٤٠ - [١٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي هَدَايَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمَلًا كَانَ لِأَبِي جَهْلٍ، فِي رَأْسِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ -وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ ذَهَبٍ- يَغِيظُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٧٤٩].
ــ
يأتي من حديث سلمة بن الأكوع ونبيشة ﵄.
ثم الأكل منها إنما هو في غير ما سبق ذكره، وعند أبي حنيفة جاز الأكل من هدايا التطوع والتمتع والقران؛ لأنها دماء النسك فيجوز أكلها كالأضحية، وقد صح أنه ﷺ أكل من لحم الهدي وشرب من مرقها كما مرّ، ولا يجوز الأكل من الهدايا التي هي دماء كفارات الجنايات، والذي جاء في حديث ناجية الأسلمي أنه نهى عن الأكل كانت هدايا بعثها في إحصار يوم الحديبية، كذا في (الهداية) (١).
الفصل الثاني
٢٦٤٠ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (في هدايا رسول اللَّه ﷺ ) مِن وضعِ المظهَر موضع المضمر، (جملًا كان لأبي جهل) اغتنم يوم بدر (في رأسه) أي: في أنفه (برة) بضم الباء وفتح الراء مخففة: حلقة تجعل في أنف البعير أو لحمة أنفه، كذا في (القاموس) (٢).
وقوله: (يغيظ) الغيظ: الغضب أو أشدّه أو سورته وأوله، غاظه يغيظه فاغتاظ، وفيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩].
стр. 2871
٢٦٤١ - [١٥] وَعَنْ ناجِيَةَ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنَ الْبُدْنِ؟ قَالَ: "انْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا فَيَأْكُلُونَهَا". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ١٤٨، ت: ٩١٠، جه: ٣١٠٦].
٢٦٤٢ - [١٦] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ ناجِيةَ الأَسْلَمِيِّ. [د: ١٧٦٢، دي: ١٩١٥، ١٩١٦].
٢٦٤٣ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ". قَالَ ثَوْرٌ: وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي. . . . .
ــ
٢٦٤١ - [١٥] (ناجية الخزاعي) قوله: (بين الناس) المراد مَن عدا مَن كانت البدن معهم كما مر.
٢٦٤٢ - [١٦] (ناجية الأسلمي) قوله: (ورواه أبو داودث والدارمي عن ناجية الأسلمي) الظاهر أن الاختلاف في النسبة دون الذات، ولكن ليس من دأب المؤلف التعرض لذلك في الكتاب، ولم يذكر فيما رأينا من الكتب ناجية من الصحابة إلا واحد، هو ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي، وكان اسمه ذكوان، فسماه رسول اللَّه ﷺ ناجية، إذ نجا من قريش.
٢٦٤٣ - [١٧] (عبد اللَّه بن قرط) قوله: (عن عبد اللَّه بن قرط) بضم القاف وسكون الراء وإهمال الطاء.
وقوله: (إن أعظم الأيام) أي: من أعظم الأيام، وإلا فقد ورد في الحديث: أن أفضل الأياء يوم عرفة، فأفضل الأيام عشرة ذي الحجة ويوم النحر منها.
وقوله: (ثم يوم القر) بفتح القاف من القرار، وهو الغد من يوم النحر، سمي به لأن الناس يقرون ويسكنون فيه بمنى بعد ما تعبوا في أداء المناسك.
стр. 2872
قَالَ: وَقُرِّبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَنَاتٌ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا، قَالَ: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ قَالَ: "مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذُكِرَ حَدِيثُ (١) ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ فِي (بَابِ الأُضْحِيَّةِ). [د: ١٧٦٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٦٤٤ - [١٨] عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ، فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيءٌ". فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا الْعَامَ الْمَاضِي؟ قَالَ: "كُلُوا،
ــ
وقوله: (يزدلفن) أي: يقربن إليه ﷺ قاصدين متوجهين (٢)، (بأيتهن يبدأ) والباء صلة (يبدأ).
وقوله: (فلما وجبت) أي: سقطت (جنوبها) جمع جنب، والوجوب بمعنى السقوط، أي: سقطن على الأرض لسراية النحر.
وقوله: (قال) أي: الراوي: (فتكلم) أي: رسول اللَّه ﷺ (فقلت) أي: سألت الذي يليه: (مما قال؟ ) فقال: (قال) ﷺ : (من شاء اقتطع) أي: ليقتطع من شاء من هذا الهدي شيئًا لنفسه، واستدل بعض العلماء على جواز النهب والإغارة في النثار، وقال: ليس هذا من النهب الذي نهي عنه.
الفصل الثالث
٢٦٤٤ - [١٨] (سلمة بن الأكوع) قوله: . . . . .
стр. 2873
وَأَطْعِمُوا، وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهِمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٦٩، م: ١٩٧٤].
٢٦٤٥ - [١٩] وَعَنْ نُبَيْشَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحُومِهَا أَنْ تَأْكُلُوهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ لِكَيْ تَسَعَكُمْ، جَاءَ اللَّهُ بِالسَّعَةِ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَائْتَجِرُوا، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللَّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨١٣].
* * *
٨ - باب الحلق
ــ
(كان بالناس جهد) بالفتح: المشقة.
وقوله: (أن تعينوا فيهم) أي: توقعوا الإعانة فيهم وأحسنوا فيهم.
٢٦٤٥ - [١٩] (نبيشة) قوله: (عن نبيشة) بضم النون وفتح الباء وسكون الياء، الهذلي، ويقال: نبيشة الخير.
وقوله: (أن تأكلوها) بدل اشتمال.
وقوله: (وائتجروا) من الأجر، أي: اقبلوا الأجر وأصيبوه واطلبوه لا من التجارة، وإلا لكان مشددًا، ولا يصح التجارة في الضحايا.
٨ - باب الحلق (١)
اتفقوا على أن الحلق أفضل من القصر للحاج والمعتمر إلا للنساء؛ لأن الحلق
стр. 2874
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٦٤٦ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٢٦، م: ١٣٠١].
٢٦٤٧ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ: إِنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٣٠، م: ١٣٢٦].
ــ
حرام عليهن، وقال النووي (١): يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج؛ ليقع الحلق في أكمل العبادتين، انتهى.
ووجه أفضلية الحلق: أن المقصر مبقٍ على نفسه الزينةَ من الشعر، والحاج مأمور بترك الزينة، ولأنه أدل على التذلل والانكسار للَّه تعالى، وأدنى التقصير أن يأخذ من رؤوس شعره مقدار الأنملة، ويكفي في الحلق عندنا حلق ربع الرأس اعتبارًا بالمسح، وحلق الكل أولى للسنة، ولم يثبت الحلق منه ﷺ في غير الحج والعمرة، وفي حلق سائر شعور البدن كلام مذكور في موضعه، ولا كلام في أصل الجواز.
الفصل الأول
٢٦٤٦ - [١] (ابن عمر) قوله: (وأناس من أصحابه) لإدراك شرف متابعته وفضيلةِ الحلق التي بيَّنها بالدعاء للمحلقين مرات، (وقصر بعضهم) أخذًا بالرخصة بعد دعائه للمقصرين في المرة الآخرة بالتماسهم.
٢٦٤٧ - [٢] (ابن عباس) قوله: (إني قصرت من رأس النبي ﷺ ) وجاء في رواية: (أنه ﷺ قصَّر عن رأسه)، (بمشقص) وهو كمنبر: نصل عريض، أو سهم فيه ذلك، أو نصل طويل، أو سهم فيه ذلك، وقيل: المراد به الجلم بالجيم بفتحتين، وهو
стр. 2875
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذي يجز به الشعر والصوف وهو أشبه.
ثم اعلم: أن في هذا الحديث إشكالًا، وهو أنه لا يدرى أن تقصير رأسه ﷺ الذي أخبر به معاوية كان في الحج أو في العمرة؟ ولا يصح الحمل على الأول، لأن الحلق والتقصير من الحاج يكون بمنى لا عند المروة، وقد ثبت حلق رأسه في الحج، فتعين أن يكون في العمرة.
ثم في أيّ عمرة من عُمَره كان؟ لا يجوز أن يكون في العمرة الحكمية التي كانت بالحديبية؛ لأنه حلق يومئذ بالحديبية ولم يدخل مكة، ولم يسلم معاوية يومئذ، ولا يصح أن يحمل على عمرة القضاء؛ لأنه قد ثبت عن أهل العلم بالسير أن معاوية إنما أسلم عام الفتح، نعم قد يُنقل عنه نفسه أنه كان يقول: أسلمت عام القضية، لكن الصحيح أنه أسلم عام الفتح، وفي هذا النقل وهن، أو يحمل على عمرة الجعرانة، وكان في ذي القعدة عام الفتح، وذلك أيضًا لا يصح؛ لأنه قد جاء في بعض ألفاظ الصحيح: (وذلك في حجته)، وفي رواية النسائي بإسناد صحيح: (وذلك في أيام العشر)، وهذا إنما يكون في حجة الوداع، كذا في (المواهب اللدنية) (١)، فتعين حمله على عمرة حجة الوداع، وقد ثبت أنه ﷺ لم يحل يومئذ ولا من كان معه هدي، وإنما أمر بحلِّ من لم يسق الهدي، نعم قد توهم بعض الناس أنه ﷺ حجَّ متمتعًا، حلّ فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم التروية بالحج مع سوق الهدي، وتمسكوا بهذا الحديث من معاوية، لكن الصواب أنه ﷺ لم يحلّ يومئذ.
وقد قالوا: إن الصحابة ﵃ أنكروا هذا القول على معاوية وغلطوه فيه، كما أنكروا على ابن عمر ﵄ في قوله: (إن إحدى عمره ﷺ كان في رجب)، وقالت