← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

٦٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٣١، م: ٢٣٦٦]. ــ (مجرى) إما مصدر أو اسم، وعلى التقديرين يمكن إجراء الكلام على جريان الشيطان نفسه في بدن الآدمي لكونه من الأجرام اللطيفة، أو على جريان وساوسه فيه، والمقصود تمكنه من إغواء الإنسان تمكنًا تامًا، وتخصيص الطيبي (١) جواز الاحتمال الأول بالثاني تحكم، فتأمل. ٦٩ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (إلا يمسه) المس: اللمس باليد، من سمع ونصر، والأول أفصح. وقوله: (فيستهل) في (الصحاح) (٢): استهل الصبي، أي: صاح عند الولادة، وأَهَلَّ المُعْتَمِرُ: إذا رفع صوته في التلبية، وفي (القاموس) (٣): استهل الصبي: رفع صوته وخفضه، وفي (النهاية) (٤): استهلال الصبي تصويته عند ولادته، و (الصراخ) بضم الصاد: الصوت أو شديده. أخبره النبي ﷺ بأن الشيطان يمس كل مولود ويصييه بما يؤذيه ويؤلمه، ويتعرض له بما لم يعهد من الآلام، وهذا الإيلام هو المراد من النزغ المذكور في الحديث الآتي، ونزغه: طعنه، وبينهم: أفسد وأغوى ووسوس.

стр. 317

٧٠ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٤٨ بمعناه، م: ٢٣٦٧]. ــ ٧٠ - [٨] (عنه)، وفي (النهاية) (١): (صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان) أي: نخسة وطعنة، وقال التُّورِبِشْتِي: نزغه ونسفه: إذا نخسه بعود، وصوت الصبي وصراخه في تلك الحالة من ذلك الإيلام والإصابة، وقال: النزغ هو الدخول في أمر لإفساده، والشيطان إنما يبتغي بلمسه إفساد ما ولد المولود عليه من الفطرة، واستثنى ﷺ من ذلك مريم وابنها، وذلك لإجابة دعاء امرأة عمران أم مريم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، قالوا: وتفرد عيسى وأمه بذلك لا يدل على فضلهما على نبينا؛ إذ له ﷺ فضائل وكرامات لم يكن لأحد من النبيين، ولا يلزم أن يكون في الفاضل جميع صفات المفضول. قال العبد الضعيف صانه عما شانه: الظاهر أن نبينا ﷺ مستثنى من هذا العموم، وأنه يخبر عن عامة أحوال بني آدم سوى نفسه الكريمة المقدسة، إذ شأنه أرفع وأعلى من أن يدخل في مثل هذا الحكم، إذ هو الطاهر المطهر من كل دنس، والمعصوم من آفات الشيطان وإفساده خصوصًا في أول خلقه وحين ولادته كما خصوه في أمثال هذا؛ كإلباس إبراهيم ﵇ أَوّلًا بعد البعث ونحوه. نعم يمكن أن يكون جريان السنة الإلهية في مس الشيطان وقت الولادة كعموم ورود الأنبياء جهنم تحلة للقسم من غير وصول أثر هذا المس والنزغ إليهم وتضررهم به كما في ورود جهنم، وقد خصه بعض العلماء على ما روي عن ابن عباس ﵄ من ذلك الورود أيضًا، وقد قيل: إن المتكلم قد لا يدخل في عموم ما يخبر به الناس، واللَّه أعلم (٢).

стр. 318

٧١ - [٩] وَعَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ يبْعَثُ سَرَاياهُ يَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَدْناهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: . . . . ــ ٧١ - [٩] (جابر) قوله: (يضع عرشه على الماء) العرش: سرير الملك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، ووضعه إن كان على سطح الماء فإمساك اللَّه تعالى إياه من قبيل الاستدراج، وإن كان على شاطئ البحر فلا إشكال، ولا ضرورة في حمله على الكناية عن الاستيلاء والتملك كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] للضرورة هناك. وقوله: (ثم يبعث سراياه) وهي جنوده، جمع سرية بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء: طائفة من الجيش تبعث على العدو. قال في (القاموس) (١): هي من خمسة أنفس إلى ثلاث مئة أو أربع مئة. وقوله: (فأدناهم) أي: أقربهم، في (القاموس) (٢): دَناه دُنُوًّا، ودَنَّاه تَدْنِيَةً، وأَدْنَاه: قَرَّبَه، واستدناه: طلب منه الدنو. وقوله: (أعظمهم فتنة) في (القاموس) (٣): الفتنة بالكسر: الخبرة، والضلال، والإثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، وإذابة الذهب والفضة، والإضلال، والجنون،

стр. 319

مَا تَرَكَتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، ــ والمحنة، والمال، والأولاد، واختلاف الناس في الآراء، وفَتَنَه يفتنه: أَوْقَعَه في الفتنة، كَفتَّنَهُ وأَفْتَنَهُ فهو مُفْتَّنٌ ومَفْتُونٌ، ووقع فيها، لازمٌ ومتعدٌ، كافتتن فيهما، وإلى النساء، أراد الفجور بهن. وفي (مجمع البحار) (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] حرقوهم، من فتنت الفضة بالنار ليتميز رديئها من جيدها، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١] اختباره أو كفره ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]، أي: الفتون، أي: الجنون، أو الباء زائدة ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]، أي: على اللَّه بمضلين، وإنكم تفتنون في القبور، أي بمسألة منكر ونكير، من الفتنة وهو الامتحان، وأصل الفتنة الامتحان، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر، والقتال والإحراق، والإزالة والصرف عن الشيء. وقوله: (حتى فرقت بينه وبين امرأته) قال التُّورِبِشْتِي: أما استبشار الشيطان بمن فرق بين الرجل وامرأته، واستحسانه لذلك؛ فلأن الملعون حل عقدة عقدها الشرع، وترك الزوجين بمضيعة من تحصين الدين، وذلك عنده من جلائل الأمور، وعظائم الشؤون، انتهى. والظاهر من كلامه أن غرض اللعين إيقاع بني آدم في الذنوب والمعاصي حتى يعذبوا ويهلكوا، وذلك من عداوته لهم، ولكن لا خصوصية لذلك بالزوجين، فلذلك قال الطيبي (٢): يريد حل ما يعقده الشرع ليستبيح ما حرمه، فيكثر الزنا وأولاد الزنا، فيفسدوا في الأرض ويتعدوا حدود اللَّه، ومن ثم ورد عن النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة ولد زنية)، انتهى.

стр. 320

وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ"، قَالَ الأَعْمَشُ: أرَاهُ قَالَ: "فَيَلْتَزِمْهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١٣]. ٧٢ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ. . . . ــ أقول: قد تكلم الحفاظ في ثبوت هذا الحديث، قال ابن طاهر وابن الجوزي (١): إنه موضوع، وقال الشيخ مجد الدين في (سفر السعادة): باطل لم يثبت، وقد ذكرنا طرقه في شرحه، وقال ابن حجر العسقلاني (٢): وعلى تقدير الصحة فسره العلماء بأن المراد لم يدخل إن عمل بمثل عمل والديه، وقيل: المراد بولد الزنا من يواظب عليه ويلازمه، كما يقال للشجعان: بنو الحرب، ولأولاد المسلمين: بنو الإسلام، هذا ويمكن أن يراد بالتفريق بين الرجل وبين امرأته إيقاع الخصومة والشقاق بينهما حتى لا يجتمعان ولا يباشران الجماع، فلا يحصل الولد، وهذا أيضًا من العداوة؛ لأن العدو يحب قطع نسل أعدائه، واللَّه أعلم. وقوله: (نعم أنت) فاعل (نعم) محذوف، و (أنت) مخصوص بالمدح. وقوله: (قال الأعمش) وهو راوي الحديث عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر، فالمضمر المنصوب في (أراه) لطلحة، ويحتمل أن يكون لجابر ويكون هذا قول طلحة، فالمعنى قال الأعمش: قال طلحة: أراه، أي: جابرًا، فافهم. (قال: فيلتزمه) أي: يعانقه زيادة على (فيدنيه)، أو بدله. ٧٢ - [١٠] (عنه) قوله: (إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المصلون) قال

стр. 321

فِي جَزيرَةِ الْعَرَبِ، ــ الطيبي (١): المراد بالمصلين المؤمنون، وبعبادة الشيطان عبادة الأصنام، والمعنى: إن الشيطان أيس أن يعود أحد إلى عبادة الصنم، ولا يرد على هذا [ارتداد] أصحاب مسيلمة ومانعي الزكاة وغيرهم ممن ارتدوا [بعد رسول اللَّه ﷺ ]؛ لأنهم لم يعبدوا الصنم، انتهى. وقال التُّورِبِشْتِي: أراد بالمصلين المؤمنون الذين يقيمون الصلاة، أي: أيس أن يرتدوا عن دينهم، فإن قال قائل: كيف بمن ارتد من أصحاب مسيلمة والعنسي وغيرهما؟ فالجواب أن يقول: إن النبي ﷺ لم يخبر عنهم أنهم لا يفعلون ذلك، وإنما أخبر عن اليأس الذي استشعر الشيطان منهم أن يعودوا في طاعته، فلا تضاد بين هذا الحديث وبين القضية التي ذكرت. ويحتمل معنى آخر، وهو أنه أشار ﷺ أن المصلين من أمتي الذين يقيمون الصلاة دينا وملة لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى، وذلك أن تقول: معنى الحديث: أن الشيطان أيس من أن يتبدل دين الإسلام، ويظهر الإشراك، ويستمر ويصير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد، بل لو عبد الأصنام أيضًا لم يضر في المقصود (٢)، فافهم. وقوله: (في جزيرة العرب) وإنما خص جزيرة العرب لأن الدين لم يتعدّ عنها، كذا قال التُّورِبِشْتِي، وقال شيخنا ومولانا الشيخ عبد الوهاب المتقي -نفعنا اللَّه ببركاته وبركات علومه في بعض تعليقاته-: اعلم أن عبارات الناس اختلفت في تحديد أرض

стр. 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العرب، فقال صاحب (التبيين): حدها طولًا ما وراء ريف العراق إلى أقصى حَجْر باليمن، وعرضها من جدة وما والاها من الساحل إلى حد الشام. وقال الزاهدي شارح القدوري: حدها ما بين العُذيب إلى مكة، ومن عدن إلى أقصى حجر باليمن بمهرة إلى حد الشام. وقال الإمام خواهر زاده: من عدن أبين إلى ريف العراق، ومن رمل يبرين إلى منقطع السماوة، وهي تهامة والحجاز ومكة واليمن والطائف والعمان والبحرين. وقال محمد ﵀: أرض العرب من العُذيب إلى مكة، ومن عدن أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة. وقال صاحب (مواهب الرحمن): هي ما بين العُذيب إلى أقصى حَجْر باليمن بمهرة طولًا، وما بين الدمناء ويبرين ورمل عالج إلى حد الشام عرضًا. وقال شارح (الوقاية): هي ما بين العذيب إلى أقصى حَجْر إلى حد الشام، وهذه العبارة موافقة لما في (ملتقى الأبحر) (١). وقال في (مجمع البحار) (٢): اسم صُقْعٍ من الأرض، وهو ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يَبْرِين إلى منقطع السَّمَاوَة في العرض، سمّيت به لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيها، وأحاط بالشمال دجلة والفرات. وقال الأصمعي: جزيرة العرب ما لم يبلغ مُلك فارس من أقصى عدن إلى ريف العراق، وعرضها من جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطوار الشام.

стр. 323

وَلَكِنَّ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١٢]. ــ وقال صاحب (القاموس) (١): جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام، ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن [أبين] إلى أطراف الشام طولًا، ومن جدة إلى ريف العراق عرضًا. وقال الشُّمُنِّي: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين أرض يَبْرِين إلى منقطع السماوة في العرض. وفي (صحيح البخاري) (٢): قال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن، وقال يعقوب: والعرج أول تهامة. وفي (شرح الوافي): هي أرض الحجاز وتهامة واليمن ومكة والطائف والبرية. وقوله: (ولكن في التحريش بينهم) أي: في حملهم على الفتن والحروب، ولعله إخبار عما جرى بين الصحابة، في (القاموس) (٣): التحريش الإغراء بين القوم أو الكلاب، وفي الحديث: (نهى عن التحريش بين البهائم) (٤)، هو الإغراء وتهييج بعضها كما يفعل بين الجمال والكباش والديوك وغيرها، والاحتراش في الأصل: الجمع والكسب والخديعة، ومنه احتراش الضب لاصطياده بالحيلة.

стр. 324

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٧٣ - [١١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّي أُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ لأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١١٢]. ٧٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، ــ الفصل الثاني ٧٣ - [١١] (ابن عباس) قوله: (حُمَمَةً) في (القاموس) (١): حمم كصرد: الفحم، واحدته بهاء. وقوله: (ردّ أمره) الظاهر أن الضمير للرجل، والأمر بمعنى واحد الأمور، ويحتمل أن يكون للشيطان، والأمر واحد الأمور أو واحد الأوامر. ٧٤ - [١٢] (ابن مسعود) قوله: (لمة) بفتح اللام، في (القاموس) (٢) أَلَمّ به: نزل، كَلَمّ، أي: نزولًا وقربًا وإصابة، (فإيعاد بالشر) بلفظ الإفعال، وكذا في قوله: (فإيعاد بالخير) قالوا: قد غلب استعمال الوعد في الخير، والوعيد في الشر، فقيل: الإيعاد في الأول في موقعه، وفي الثاني مشاكلة، وقيل: الوعيد في الاشتقاق اللغوي كالوعد، ولا فرق بينهما لغة.

стр. 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال في (القاموس) (١): وعده الأمر، وبه، [يَعِدُ] عدة ووَعْدًا ومَوْعِدًا ومَوْعِدَةً ومَوْعُودًا ومَوْعُودَةً، خيرًا وشرًا، فإذا أُسقِطا قيل في الخير: وعد، وفي الشر: أوعد، وقالوا: أوعد الخير وبالشر، وقيل: ذلك التمييز إنما هو عند الإطلاق، وأما ههنا فالفارق موجود بلا التباس، وهو لفظ الخير والشر، وقد يروى (فاتعاد) بلفظ الافتعال في الموضعين أو في الثانية. قال التُّورِبِشْتِي: الرواية المعتد عليها في الموضعين بلفظ الإفعال، والذي يروي بأنه من باب الافتعال فإنه لم يأت بشيء سوى أنه حرَّف اللفظ عن منهاج الرواية وغيَّر المعنى؛ لأن الاتعاد يستعمل على وجهين، إما بمعنى قبول الوعد، أو بمعنى اتعاد القوم بعضهم بعضًا في الشر، يقال: تواعد القوم، وعد بعضهم بعضًا في الخير، واتعدوا: إذا وعد بعضهم بعضًا في الشر، ولا وجه لإحدى الصورتين في هذا الحديث. قال سيدي الشيخ عبد الوهاب المتقي قدس اللَّه سره العزيز في رسالته (مفاتيح الغيوب في معرفة خواطر القلوب): مثل القلب كمثل حوض يقع من جوانبه أنهار، فنهر من ماء، ونهر من لبن، ونهر من دم، ونهر من بول، ونهر من صديد، وتجتمع المياه كلها في ذلك الحوض حتى امتلأ، فطريق تطهيره إنما يكون إذا سدّ خوخات الأنهار عن الوقوع في الحوض، ثم يعالج في إخراج ما يجتمع فيه من المياه الطاهرة والنجسة كلها، ثم يفتح خوخات الأنهار التي هي طاهرة ويسدّ ما دونها، فحينئذ يمتلئ الحوض بالمياه الطاهرة، ويتطهر عن المياه النجسة، فمن أراد تطهير ذلك من غير هذا الطريق تعب وضيع عمره، فكذلك القلب حوض، والحواس كلها مثل الأنهار يقع منها

стр. 326

فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٨]. . . . . ــ فيه أنواع الخير والشر فامتلأ بذلك، فمن أراد تطهيره فعليه أولًا بسدِّ جميع الحواس، وثانيًا بإخراج ما اجتمع في القلب من الحواس من الخير والشر بمعرفة الذكر، وثالثًا بفتح ما هي طاهرة محمودة، وسدّ ما هي نجسة مذمومة، فإذا أراد تطهيره من غير هذا الطريق تعب وضيع عمره، انتهى كلامه قدس سره. وقوله: (فليعلم أنه من اللَّه) أي: صادر من جانب لطفه ورحمته، فلمة الشيطان صادرة من قهره وغضبه. اعلم أن المشايخ الصوفية قسموا الخاطر إلى أربعة: حقاني، ونفساني، وملكي، وشيطاني، ويفهم من هذا الحديث اثنان: الملكي والشيطاني، ولعله باعتبار إرجاع النفساني إلى الشيطان، والحقاني إلى الملكي، ويستأنس له بقراءته ﷺ الآية المذكورة وآخرها ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فافهم. وقد ذكر الشيخ قدس سره في الرسالة المذكورة الخواطر الأربعة الجارية على ألسنة المشايخ وبيّنها وفصّلها بما لا مزيد عليه، ولم نعرف أحدًا ذكره فيما نعلم، قال فيه: وقال بعضهم: الخاطر على سبعة أنواع: ستة من المخلوقات، وسابع من الخالق الستة التي هي من المخلوقات، فأولها: الخاطر الدنياوي، وثانيها: الخاطر الأخروي، وثالثها: الشيطاني، ورابعها: الملكي، وخامسها: النفساني، وسادسها: الروحاني، فالدنياوي يقابل الأخروي، والشيطاني يقابل الملكي، والنفساني يقابل الروحاني.

стр. 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم ينقسم كل واحد من هذه الأقسام إلى ثلاثة أقسام، فالدنيوي ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول: تذكير بما مضى مما لا درك له، والثاني: تذكير بما يأتي مما لا يدري هل يوصل له؟ والثالث: تذكير بالأحوال الحاضرة، وهي سبب عمارة الدنيا المنسي للمعاد وعمارة الآخرة. والأخروي ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول: تذكير بما قضى على العبد وكتب عليه، وأن ذلك لا يزاد فيه ولا ينقص، والثاني: تذكير بما يلقى العبد في المعاد والدار الآخرة، والثالث: تذكير للعبد بما هو ملابس له من أمور الإيمان، وهل هو متصف بها حقيقة؟ . والشيطاني ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: نهي عن الخير كله من جميع جهاته، والثاني: أمر بالشر كله من جميع جهاته، والثالث: إفساد معاني الخير وتقوية معاني الشر. والملكي على ثلاثة أقسام: الأول: أمر بمعروف من كل وجه، والثاني: نهي عن المنكر من كل وجه، والثالث: إبطال معاني الشر والحض على تقوية معاني الخير. والنفساني على ثلاثة أقسام: الأول: يدعو إلى الشهوات وتناول الأغراض، والثاني: يدعو إلى الاستكبار والعلو والظهور ومنازعة الربوبية وصفاتها، والثالث: يتقلب في جميع الخواطر، فمع الخير بالتثبيط والتكاسل، ومع الشر بالتقوية والإمداد. والروحاني على ثلاثة أقسام: الأول: التنزه عن دنيء الأخلاق، والثاني: الاتصاف بمحاسن الأخلاق وأعاليها، والثالث: الأمر بإعطاء المملكة حقوقها وتنفيذ الأوامر الشرعية فيهم.

стр. 328

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذا حَديثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٩٨٨]. ــ وأما السابع: وبه تمت الخواطر، وهو خاطر الحق ، فهو على ضربين: الأول: يأتي بواسطة، وهو جميع ما تقدم من الخواطر، فإنها مضافة إليه تعالى حقيقة وإلى غيره مجازًا، والثاني: يرد على السر بحكم الجبر لا يمكن الانفصال عنه ولا الانفكاك منه، فإن الحق تعالى ما تجلى بشيء إلا خضع له، واللَّه غالب على أمره. قلت: وقد يكون خاطر الشيخ، فهو إمداد همة الشيخ يصل إلى قلب المريد الطالب مشتملًا على كشف معضل وحلِّ مشكل حصل للمريد في الواقعات والواردات الربانية، وهذا الخاطر إنما يرد على قلب المريد عند اشتكشافه ذلك باستمداده من ضمير الشيخ، فينكشف ويتبين الحال، سواء كان الشيخ حاضرًا أو غائبًا، حيًّا أو ميتًا، يدل عليه ما قال الشيخ العارف باللَّه علي بن حسام الدين المتقي -أسكنه اللَّه بحبوحة جنته، وتغمده بلفطه ورحمته-: يا عبد الوهاب إذا أشكل عليك شيء من الواقعات والواردات فاعرضها عليَّ بقلبك، واستكشف ذلك باستمدادك مني ولو بعد موتي، فجرَّبت ذلك فوجدته كما قال. وهذا الخاطر أيضًا في الحقيقة داخل تحت خاطر الحق سبحانه؛ لأن قلب الشيخ بمثابة باب مفتوح إلى عالم الغيب، وهو واسطة بين المريد وبين الحق سبحانه، فيصل إمداد فيضه على قلب المريد بواسطته، انتهى كلامه قدس سره. وقوله: (هذا حديث غريب) الغرابة لا تنافي الصحة، وليس طعنًا في الحديث؛ لأن الغريب هو أن يروي واحد عن واحد، ولكن قد يطلق بمعنى الشاذ، وهو بهذا المعنى ينافي الصحة، وقد ذكرناه في المقدمة فتذكر.

стр. 329

٧٥ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ: فَقُولُوا: اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤًا أحَدٌ، ثمَّ لِيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ فِي بَابِ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [د: ٤١٢٢، ٤٧٢٢]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٧٦ - [١٤] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ؟ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِمُسْلِمٍ: قَالَ: "قَالَ اللَّهُ ﷺ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: . . . . ــ ٧٥ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (فقولوا: اللَّه أحد. . . إلخ) وهذه الصفات نافية لأن يكون مخلوقًا. وقوله: (ثم ليتفل) أي: السامع أو كل واحد، والتفل: نفخ معه أدنى بزاق، وهو أكثر من النفث، من نصر وضرب، وسنبينه في موضعه أكثر من هذا، والمقصود من التفل استكراه الشيطان واستقذاره ومراغمته، ولعله يكون له تأثير فى دفع اللعين وشره، ولهذا أمر بذلك، وتخصيص جانب اليسار لأن الشيطان يكون في هذا الجانب. الفصل الثالث ٧٦ - [١٤] (أنس) قوله: (لن يبرح الناس) مرَّ شرحه في الفصل الأول [برقم: ٦٦].

стр. 330

مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ؟ ". [خ: ٦٨٦٦، م: ١٣٦]. ٧٧ - [١٥] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بيني وَبَيْنَ صَلَاتِي وَبَيْنَ قِراءَتِي يُلَبِّسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزِبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا"، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي. رَوَاهُ مَسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٣]. ٧٨ - [١٦] وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أهِمُ فِي صَلَاتِي. . . . ــ ٧٧ - [١٥] (عثمان بن أبي العاص) قوله: (يلبسها) بفتح فسكون فكسر، أو بضم ففتح فتشديد الموحدة، كذا في شرح الشيخ. وقوله: (خنزب) في (مجمع البحار) (١): قيل: هو لقبه، والخنزب: قطعة لحم منتنة، ويقال بفتح خاء وزاء، وبكسرهما، وبكسر الأولى وفتح الثانية. وقوله: (ثلاثًا) الظاهر أنه قيد للتفل، ويحتمل أن يكون قيدًا للتعوذ والتفل معًا، واللَّه أعلم. ٧٨ - [١٦] (القاسم بن محمد) قوله: (إني أهم) في (القاموس) (٢): الوهم من خطرات القلب، أو مرجوح طرفي المتردِّد فيه، ووهم في الشيء كوعد: ذهب وَهْمُه إليه، وأوهم كذا من الحساب: أسقط، أو وَهَمَ كوَعَدَ ووَرِثَ، وأوهم بمعنًى،

стр. 331

فَيَكْثُرُ ذَلِكَ عَليَّ، فَقَالَ لَهُ: امْضِ فِي صَلَاتِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْكَ حَتَّى تَنْصَرِفَ وَأَنْتَ تَقُولُ: مَا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٣٢]. * * * ٣ - باب الإيمان بالقدر ــ وتَوَهَّمَ: ظن، والمراد ههنا الوسوسة، (فيكثر) بالمثلثة معلومًا ومجهولًا، أو بالموحدة معلومًا، وهو الأصح رواية ودراية، (فقال له) أي: قال القاسم بن محمد للسائل: إن علاج دفع وسوسة الشيطان أن تمضي في صلاتك ولا تصغي إلى قول الشيطان ووسوسته، فإنه لا يذهب ذلك الوهم عنك حتى تمضي في صلاتك وتنصرف عن الصلاة وأنت تقول للشيطان إرغامًا له: نعم ما أتممت صلاتي كما تقول، ولكن لا أتمها ولا أعيدها بقولك، اذهب فإن ربي كريم يقبل مني بكرمه، وهذا هو الأصل في دفع الوسواس كما مر في الفصل الأول في أحاديث أبي هريرة. هذا ما ذكروه في توجيه الحديث، وهو صحيح، غير أن قوله: (ما أتممت صلاتي) لا يظهر منه ما ذكروه من قولهم: (نعم ما أتمصت صلاتي. . . إلخ)، والذي يتبادر إلى الفهم أن المقصود أنك لو أصغيت إلى ذلك يبقى فيك الوسواس حتى تنصرف، وأنك تشكّ في صلاتك فتعيدها، وهكذا فتبقى مبتلًى بالوسوسة، ولكن يظهر المعنى الذي ذكروه بالتأمل في سياق الحديث من قوله: (امض في صلاتك)، وقوله: (لن يذهب ذلك عنك) فتأمل، واللَّه أعلم. ٣ - باب الإيمان بالقدر في (القاموس) (١): القدر محركة: القضاء والحكم ومبلغ الشيء، والقدرية:

стр. 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جاحدوا القدر. وفي (النهاية) (١): القدر محركة: ما قضاه اللَّه تعالى وحكم به من الأمور، وقد تُسَكّن داله، ومنه ليلة القدر وهي ليلة تقدر فيها الأرزاق وتقضى. وفي (الصراح) (٢): قدر بسكون وحركت: انذازه كرده خداي بربنده أز حكم، وقال الطيبي (٣): القدر بالفتح والسكون: ما يقدره اللَّه من القضاء، وبالفتح اسم لما صدر [مقدورًا] عن فعل القادر، كالهدم لما صدر عن فعل الهادم. وقال النووي (٤): قدر بالتخفيف والتشديد بمعنى قضاه، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] بالتخفيف، ويروى حديث: (لئن قدر اللَّه علي ليعذبني) بالتخفيف والتشديد بمعنى قدر وقضى. وبهذا ظهر أن القضاء والقدر في اللغة بمعنى واحد، وقد يفرق بينهما بأن القضاء هو الحكم الأزلي، والقدر وقوعه فيما لا يزال موافقًا لما سبق من القضاء، وإلى كليهما وقعت الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، فالمحو والإثبات إشارة إلى القدر، و (عنده أم الكتاب) إشارة إلى القضاء، وقد يجيء بيانهما على العكس، ويتم في شرح حديث عمران بن حصين (٥) في أثناء الفصل الأول. والمراد بالإيمان بالقدر (٦) أن يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن اللَّه تعالى قدر وقضى

стр. 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكائنات كلها في الأزل (١)، وأفعال العباد أيضًا بتمديره وقضائه وبخلقه، ومع ذلك جعل للعباد صفة الاختيار يكسب بها الأفعال، إن كانت طاعة يثاب بها، وإن كانت معصية يعاقب عليها، فالفعل واقع بخلق اللَّه، ولكسب العبد واختياره مدخل فيه، وتحقيقه أن في العبد صفة ترجح بها أحد طرفي الفعل والترك على الآخر بعد تصوره وانبعاث الشوق إليه إن كان ملائمًا، أو النفرة عنه إن كان منافرًا، ووجود هذه الصفة فيه معلوم قطعًا كوجود السمع والبصر وغيرهما من الصفات لضرورة التفرقة بين حركة المرتعش وغيره.

стр. 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذه الصفة هي التي تسمى بالاختيار، وجعل اللَّه تعالى قصد العبد سببًا عاديًا لوجود الفعل بخلقه تعالى كسائر الأسباب العادية، مثل النار للإحراق، والماء للتبريد، وعلى السبب العادي ما جرت عادة اللَّه سبحانه بخلق شيء بواسطته، فاللَّه تعالى إنما يخلق الحرارة بعد استعماله النار، فاستعمال النار سبب عادي للإحراق، وخلقه تعالى سبب حقيق، فإذا استعملت النار تحت الماء خلق اللَّه الحرارة وأوجدها فيه، ولو شاء ما خلق الحرارة وإن استعملت النار، ولو شاء أوجدها بدون النار، وذلك خرق العادة، ولكن جرت العادة بأن يخلقها بوساطة النار، فالنار وحرارتها وإحراقها كلها بخلق اللَّه تعالى، وهو السبب الحقيقي للإحراق، والنار سبب عادي جعلها اللَّه سببًا للإحراق، فكذلك قصد العبد واختياره سبب عادي لوجود الفعل يوجده بعد وجود القصد من العبد كإيجاد الحراراة وخلقها بعد وجود النار. وهذا معنى ما اشتهر بينهم أن إرادة الجزئية من العبد مقدم على خلق اللَّه، فصرف العبد اختياره وترجيحه أحد طرفي الفعل والترك يسمى بالكسب، وإيجاد اللَّه تعالى إياه بالخلق، فالكسب من العبد، والخلق من اللَّه، فكما أن إنكار وساطة النار وسببيتها العادية للإحراق جهل ومخالف لنفس الأمر، كذلك إنكار مدخلية كسب العبد في وجود الفعل، فليس قدرة العبد مستقلة في إيجاد الفعل، وليس وجود الفعل بقدرته، وكيف يكون كذلك وذات العبد وصفاته التي هي مبادئ أفعاله ليست منه وليس لقدرته مدخل فيها؟ فكيف يكون أفعاله صادرة بخلقه وقدرته؟ نعم له مدخل فيها، وهو فاعلها، فليس العبد مستقلًا في أفعاله خالقًا له كما يقول القدرية، وليس حركاته مثل حركات الجماد بحيث لا يكون له قصد واختيار فيها كما يقوله الجبرية، أما الثاني فالضرورة شاهدة له، وأما الأول فبإخبار الشارع بذلك كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وغير

стр. 335

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٧٩ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ"، قَالَ: . . . . ــ ذلك من الآيات والأحاديث التي هي ناطقة بأن الكل بمشيئة اللَّه وإرادته، وبسبق قضاء اللَّه وقدره، شاملًا لكل المخلوقات، ولذا قال إمام العارفين جعفر الصادق عليه وعلى آبائه الكرام السلام والتحية: لا جبر ولا قدر، ولكن أمر بين أمرين، فاللَّه تعالى خلق الأسباب والمسببات، ورتب المسببات على الأسباب، وجعل لها مدخلًا في وجودها، وخلق لها شرائط، وجعلها متوقفة عليها، بحيث لو لم تتحقق الشرائط لم توجد المشروطات، على قياس خلق الأسباب والشرائط للأحكام الشرعية، بحيث لا تصح ولا توجد إلا بها كذلك للأشياء الخارجية، والقدر شامل للكل ولا منافاة بينه وبين مدخلية الأسباب في وجود المسببات وبين توقف المشروطات على الشرائط. الفصل الأول ٧٩ - [١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (كتب اللَّه مقادير الخلائق) أي: أثبت في اللوح بإجراء القلم، أو أمر الملائكة بكتابة أقدار وأحكام تتعلق بالخلائق، وقيل: قدرها وعينها تعينًا لا يتأتى خلافه، وهذه تأويل لكتابته، والظاهر إثبات النقوش والحروف في لوح أو غيره. وقوله: (قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) قالوا: المراد به طول الأمد، وتمادي ما بين التقدير وخلق السموات والأرض، لا تحديد هذا العدد، وإلا فالتقدير في الأزل، ولعله مبني على تأويل الكتابة بالتقدير والتعيين كما قيل، وإلا

стр. 336

"وَكَانَ عَرْشُهُ على المَاء". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٣]. ــ فالكتابة يمكن أن يكون فيما لا يزال سابقًا على الخلق بهذه المدة من الزمان، واستشكل بأنه كيف يحمل على الزمان، ولم يخلق الزمان بعد (١)؟ وهذا أيضًا مبني على التأويل المذكور، وإلا فالزمان يمكن أن يكون مخلوقًا وقت الكتابة فيما لا يزال، وأما أن الزمان عبارة عن مقدار حركة الفلك فكيف يكون مخلوقًا قبل خلق السموات؟ فمبني على أقوال الفلاسفة فلا يسلّم، فيمكن أن يخلق الزمان إذ ذاك ويكون عبارة عن حالة وأمر ممتد يعرف به مقدار الأمور وينضبط به، فافهم، وباللَّه التوفيق. فإن قلت: قد جاء في حديث آخر (٢): (إن اللَّه كتب كُتُبًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام أنزلت منه آيتان)، وفي رواية: (أنزل منه آيتين)، وهذا ينافي رواية خمسين، فالجواب أن من الجائز أن لا يكون إثبات الكوائن في اللوح دفعة واحدة بل يثبتها اللَّه شيئا فشيئًا، أو يكون المراد من الكتاب في هذا الحديث غير ما في اللوح، وعلى ما قيل: إن المراد بالزمانين نفس السبق والمبالغة لا التحديد فلا إشكال، وفيه ما فيه. وقوله: (عرشه على الماء) وفي بعض النسخ: (وكان عرشه) قال البيضاوي (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ

стр. 337

٨٠ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٥]. ــ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]: أي: قبل خلق السماوات والأرض لم يكن حائل بينهما لا أنه (١) كان موضوعًا على متن الماء، واستدل به على أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم، وقيل: كان الماء على متن الريح، واللَّه أعلم بذلك. وقال صاحب (الكشاف) (٢): فيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض، وقال الشيخ (٣): ليس المراد بالماء ماء البحر بل هو ماء تحت العرش كما شاء اللَّه تعالى، ويحتمل أن يحمل على ماء البحر بمعنى أن حملته في البحر، انتهى. وقيل: قوله: (وعرشه على الماء) كناية عن القدرة. ٨٠ - [٢] (ابن عمر) قوله: (حتى العجز والكيس) بالرفع فيهما عطف على (كل)، وبالجر عطف على (شيء)، وقال التُّورِبِشْتِي: الخفض في الرواية أكثر، واعلم أن العجز ضد القدرة، والكيس بفتح الكاف وسكون الياء: ضد الحمق، كذا في (القاموس) (٤)؛ فليس بين العجز والكيس تقابل. فقال الطيبي (٥) في توجيهه: فائدة هذا الأسلوب تقييد كل من المعنيين بما يقابل الآخر كأنه قيل: حتى الكيس والقدرة والبلادة والعجز، يعني قديذكر شيء هو ضد لشيء يذكر معه شيء آخر غير ضده، ويتضمن

стр. 338

٨١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ﵉ عِنْدَ رَبِّهِمَا فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، ــ هذا ذكر شيئين آخرين: أحدهما ضد الأول، والآخر ضد الثاني، إذ ذكر أحد الضدين يستتبع ذكر الضد الآخر، كما قيل مثل هذا في قول الشاعر: كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وكم جاهل جاهل تلقاه مرزوقا بأن الجاهل ليس ضد للعاقل، وإنما ضده الأحمق، فكأنه قال: كم عاقل وكم عالم وكم أحمق وكم جاهل، واكثر ما يوجد من هذا التركيب فيما يقرب من الضد؛ لأنه لو لم يكن في معنى الضد أصلًا لا يحسن أو لا يجوز ذكره معه، فتدبر. وقال التُّورِبِشْتِي (١): الكيس: جودة القريحة، وإنما أتى به في مقابلة العجز؛ لأنه هو الخصلة التي تفضي لصاحبها إلى الجلادة وإتيان الأمور من أبوابها، وذلك نقيض العجز، ولهذا المعنى كنوا به عن الغلبة، فقالوا: كايسته فكيسته، أي: غلبته، والعجز ههنا عدم القدرة، وقيل: ترك ما يجب فعله بالتسويف فيه والتأخير، يريد أن الكيس يتضمن معنى القدرة لأنه القدرة والجلادة على إمضاء الأمور وإنفاذ العزمة، والمراد بالعجز ههنا عدم القدرة على ذلك بالتسويف والتأخير، فيصح ذكر أحدهما في مقابلة الآخر، وهذا الوجه أولى وأظهر كما لا يخفى، والمعنى: أن الكل بتقدير اللَّه ومشيئته سواء كان من صفاتنا وأفعالنا أو غيرها، ففيه رد على القدرية القائلين بأن أفعال العباد مخلوقة لهم وواقعة بمشيئتهم وإرادتهم، فـ (حتى) للعطف يفيد التراخي والترتيب في الذهن، كما في قولهم: قدم الحاج حتى المشاة، أي: حتى ما يقع منكم بمشيتكم. ٨١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى)

стр. 339

قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهَبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئتَكَ إِلَى الأَرْضِ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلَّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًا، ــ الحجة: الدليل والبرهان، يقال: حاجّه فحجه أي: غلبه بالحجة، وتحاجّا أي: تخاصما. وقوله: (عند ربهما)، أي: في عالم آخر غير هذا العالم، وهو العالم العلوي الروحاني، وهو عالم الحقيقة حين التقت أرواحهما في السماء، أو أحياهما اللَّه تعالى، أو أحيا آدم في حياة موسى، كذا في (مجمع البحار) (١). قد سبق أن وجود الأسباب لا ينافي التقدير، وكلاهما ثابت بل الكل تقدير، فموسى ﵇ تكلم بمقتضى الظاهر وعالم الأسباب، وآدم ﵇ نطق بالحقيقة وبالنظر إلى التقدير، وكلاهما حق؛ لأن هذه المحاجة كانت في عالم الحقيقة بعد اندفاع مواجب الكسب ورفع التكليف، لا في عالم الأسباب الذي لم يجز فيه قطع النظر عن الوسائط، وهذا الوجه يقتضي أن الأظهر أن يحمل هذه المكالمة بينهما في زمان حياة موسى بإحياء آدم في حياته أو إراءته بوجه آخر، ولهذا قال آدم ﵇ في حياته: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقيل: إنما احتج في خروجه من الجنة بأن اللَّه خلقه ليجعله خليفة في الأرض بهبوطه بسبب الذنب لا أنه نفى عن نفسه الذنب، فتدبر. وقوله: (فيها تبيان كل شيء) أي: من الأحكام مما يحتاج إليه في الدعوة والرسالة.

стр. 340

فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٢]. ٨٢ - [٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يَجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. . . . ــ وقوله في آخر الحديث: (فحج آدم موسى) فذلكة للقصة ومجمل للتفصيل المذكور، وروي: (فحج آدم موسى ثلاثًا) أي قاله ثلاثًا، وشرح ما وقع في الحديث من الكلمات يطلب من كتب التفسير. ٨٢ - [٤] (ابن مسعود) قوله: (وهو الصادق المصدوق) أي: الذي صدقه ربه، والمصدوق: من صدقه غيره -بتخفيف الدال- صدق زيد عمروًا، أي قال له صدقًا وأخبر بالصدق، وفي (مجمع البحار) (١): الصادق من صدق في قوله وتحرى في فعله، والمصدوق من صدقه غيره، أي: صدقه جبرئيل ﵇ فيما أخبر به، أو مصدق من عند الناس، والجمع بينهما للمدح أو للتأكيد، أو يلزم من أحدهما الآخر. وقوله: (أن خلق أحدكم) (إن) بكسر الهمزة على حكاية لفظه ﷺ ، والمراد بخلقه مادة خلقه. وقوله: (في بطن أمه) أي: رحمها، قال في (النهاية) (٢): إن النطفة إذا وقعت

стр. 341

نُطْفَةً، ــ في الرحم فأراد اللَّه أن يخلق منها بشرًا طارت في بشرة جسم المرأة تحت كل ظفر وشعر، وقال: تمكث أربعين ليلة (١)، ثم تنزل دمًا في الرحم، فذلك جمعها، كذا فسره ابن مسعود فيما قيل، ويجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم للخلق والتصوير، ثم تُخْلَقُ بعد الأربعين، وقيل: المعنى تقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة متفرقًا، فجمعه اللَّه تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة، ثم لا يخفى أن تسميتها نطفة بعد الاستقرار يكون باعتبار ما كان. وفي (مجمع البحار) (٢): وقال الأطباء: إنما يتصور الجنين فيما بين ثلاثين إلى أربعين، والمفهوم من الحديث النبوي ﷺ أنه بعد أربعة أشهر، ولهذا وصفه بالصادق إشارة إلى بطلان ما قالوه، أو ذكره تلذذًا وتبهجًا ومدحًا. وقوله: (نطفة) في (القاموس) (٣): النطفة بالضم: الماء الصافي قلّ أو كثر، أو قليل ماء يبقى في دلو أو قِربة، والجمع نطاف ونطُفٌ، والبحر، وماء الرجل، والجمع نُطَفٌ. وفي (النهاية) (٤): يقال للماء الكثير والقليل: نطفة، وهو بالقليل أخص، يقال: نطف الماء: قطر قليلًا قليلًا، ومنه: (فجاء رجل بنطفة في إداوة)، أي ماء قليل، والمني

стр. 342

ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا. . . . ــ نطفة لقلته، ومما جاء النطفة بمعنى البحر حديث: (وينقص الشرك (١) وأهله حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جورًا) أراد بهما بحر المشرق وبحر المغرب، وقيل: ماء الفرات وماء بحر يلي جدة، أو بحر الروم وبحر الصين، أي: لا يخشى في طريقه أحدًا يجور عليه ويظلمه، وروي: (لا يخشى إلا جورًا)، أي: لا يخاف في طريقه إلا الضلال والجور عن الطريق. وقوله: (ثم يكون علقة) في (القاموس) (٢): العلق محركة: الدم عامةً، أو الشديد الحمرة، أو الغليظ، أو الجامد، القطعة منه بِهاء، والمراد في الحديث الدم الجامد. وقوله: (ثم يكون مضغة) المضغة بالضم: مضغة لحم وغيره، والجمع كصرد، مضغه كمنعه ونصره: لاكه بسِنِّهِ. وقوله: (ثم يبعث اللَّه إليه ملكًا) (٣) عطف على (يجمع في بطن أمه) فظاهره أن

стр. 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعثه يكون بعد مئة وعشرين يومًا، وجاء في بعض الروايات أنه يبعث بعد بضع وأربعين، وفي بعضها: (بأربعين)، وفي بعضها: (ثنتين وأربعين، فيصورها ويخلق سمعها ويصرها وجلدها)، وأشبه ما جمع به أن الأول هو الغالب، والثاني فيمن يولد لستة أشهر. ولا يذهب عليك أنه لا حاجة إلى تخصيص الثاني فيمن يولد لستة أشهر، بل يمكن أن يقال: إن من الناس من يكتب له ذلك عقيب الأربعين الأولى، ومنهم من يكتب له عقيب الأربعين الثالثة، واللَّه أعلم بالحكمة في ذلك، وقيل: إنها تكون مرتين: مرة في السماء، ومرة في الأرض، وهذا إن ثبت بالرواية فمسلّم وإلا فمجرد الاحتمال لا يُعبأ به. ثم إنه يشكل أن هذا التصوير لحمًا وعظمًا وسمعًا وبصرًا إنما يكون قريبًا من نفخ الروح لا بعد الأربعين الثانية، فإنه يكون فيها علقة، فيحمل قوله: (فيصورها) على معنى صوّرها قولًا وكتابًا لا فعلًا، ويكون إرسال الملك مرة عقيب الأربعين الأولى، ومرة عقيب الأربعين الثالثة، كذا في حاشية (مجمع البحار) (١)، بخط مصنفه نقلًا عن شرح ابن ماجه، واللَّه أعلم.

стр. 344

بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: فَيَكْتُبُ عَمَلَهُ، ــ وقوله: (بأربع كلمات) قال الشيخ ابن حجر في (شرح الأربعين) (١): وفي خبر صحيح عن ابن حبان (خمس)، الثلاثة الآتية، والأثر [و] المضجع، أي القبر، قال: وفي حديث صحيح أيضًا: (أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ )، والجمع بأنه يمكن أن الزوائد مما يوحى إليه ﷺ بعده، واللَّه أعلم. ثم الكلمة تطلق على القول والفعل كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]، قيل: هي عشر خصال من الفطرة، وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤]، أي: لا خلف لما وعد، وقد يراد به العلم والقرآن كما في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، في (مجمع البحار) (٢): كل ما دعا اللَّه للناس إليها فهو كلمة، والظاهر أن المراد في هذا الحديث الخصال ونحوها، ويجوز أن يأمر اللَّه الملك بأربع أوامر فيكون الكلمات على حقيقتها. وقوله: (فيكتب عمله) وهذه الكتابة غير كتابة المقادير السابقة على خلق السموات والأرض، جرت السنة الآلهية بإفرادها وتحديدها تأكيدًا وتقريرًا، ويكون فيها الأمر للملك إظهارًا للقضاء الأزلي (٣)، وقد جاء في خبر عند البزار: أن كتابته ذلك يكون بين عينيه، وفي حديث آخر: أنه يكتمب ذلك في صحيفته وبين عيني الولد، ثم الظاهر من هذا الحديث أنه يؤمر بكتابة تلك الأربع ابتداء، ودلت الأحاديث الصحيحة أنه يؤمر

стр. 345

وَأَجَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ، ثُمَ يُنْفَخُ فِيهِ الْرُّوْحَ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. . . . ــ بذلك بعد أن يسأل عنها، وهو المراد ههنا، كذا ذكر الشيخ. وقوله: (وأجله) في (القاموس) (١): الأجل محركة: غاية الوقت في الموت، ومدة الشيء، يعني الأجل يطلق على مجموع المدة المضروبة للشيء وعلى آخره، والحديث يحتمل المعنيين. وقوله: (وشقي أو سعيد) وهذه الخاتمة أو السابقة، وهي المشار إليها بقوله: (السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه)، وهي غير العمل المذكورة أولًا، لأنه قد تعرض الشقاوة مع حسن العمل في مدة العمر، والشقاوة مع سوئه كما بيّنه بقوله: (حتى إن أحدكم ليعمل) الحديث، ولما كانت الشقاوة والسعادة مستمرة دائمة وأثره باقيًا دائمًا عبّر عنهما بالجملة الاسمية وغَيّر الأسلوب. وقوله: (ثم ينفخ فيه الروح) على صيغة المجهول أو المعلوم، والأول أشهر، وظاهر هذه الرواية أن النفخ بعد الكتابة، وفي رواية البيهقي عكسه، قيل: فإما أن يكون من تصرف الرواة، أو المراد ترتيب الإخبار فقط، ولكن رواية البخاري ومسلم أصح وأثبت (٢). وقوله: (حتى ما يكون) بالرفع لأن (ما) ألغت (حتى)، كذا قال الشيخ ابن حجر في (شرح الأربعين) (٣)، وهكذا صح في النسخ، وفي بعضها بالنصب أيضًا، ولعله على

стр. 346

إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا". مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٦٦١٤، م: ٢٦٥٢]. ٨٣ - [٥] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجنَّة وَإنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالْ بِالْخَوَاتِيمِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٠٧، م: ١١٢]. ٨٤ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جِنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ، ــ القول بعدم الإمضاء. وقوله: (إلا ذراع) الذراع بالكسر: من طرف المرفق إلى الأصبع الوسطى، ومنه ذراع الثوب، فإنه في الأصل على مقدار الذراع، ثم زاد الناس فيها واصطلحوا على ما شاؤوا، وهو تمثيل للقرب، وفي الحديث: أن العبرة بالخواتيم، وقد يأتي ذكره صريحًا في الحديث الآتي. ٨٣ - [٥] (سهل بن سعد) قوله: (وإنما الأعمال بالخواتيم) بالياء على وزن المصابيح، وفي بعض النسخ (بالخواتم) على وزن مساجد، في (القاموس) (١): ختمه ختمًا: بلغ آخره، والخاتم من كل شيء: عاقبته، والجمع خواتم وخواتيم. ٨٤ - [٦] (عائشة) قوله: (إلى جنازة صبي) في (القاموس) (٢): جنزه ويجنزه:

стр. 347

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طُوبَى لِهَذَا عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَقَالَ: "أَوَغَيْرُ ذَلكِ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٦٢]. ــ ستره وجَمَعَه، والجنازة: الميت، ويفتح، أو بالكسر الميت، وبالفتح السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت، وكل ما ثقل على قوم واغتموا به، فعلى تقدير كونها بمعنى الميت يكون الإضافة بيانية كقولهم: جيفة فلان. وقوله: (طوبى لهذا) في (القاموس) (١): طوبى: الطِّيب، وتأنيث الأطيب، والحسنى، والخير، والخِيَرَة، وشجرة في الجنة، أو الجنة بالهندية، كطيبي، وطوبى لك وطوباك لغتان، أو طوباك لحن. وقوله: (عصفور من عصافير الجنة) جعلته عصفورًا لصغره، ومن عصافير الجنة لكونه من أهلها في اعتقادها، فهو إما تشبيه بليغ كما هو المختار، أو استعارة على ما ذهب إليه بعض المتأخرين من الأصوليين، وقول الطيبي (٢): إنه من باب الادعاء، لا يخرجه عن أحد القسمين، إذ لو حمل على الحقيقة فهو تشبيه وإلا فاستعارة، نعم لما كان ذكر المشبه على وجه ينبئ عن التشبيه مانعًا من الحمل على الاستعارة تعيّن الأول وليس الادعاء قسما آخر، وهو ظاهر. وقوله: (لم يعمل السوء) إشارة إلى سبب كونه من أهل الجنة. وقوله: (أوغير ذلك) ذكروا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الهمزة للاستفهام

стр. 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والواو عاطفة على محذوف، و (غير) مرفوع بعامل مقدر تقديره: أَوَقَعَ هذا أو غير ذلك؟ ثانيها: أن يكون (أو) التي لأحد الأمرين، أي الواقع هذا أو غير ذلك، كذا قالوا، والظاهر أن الاستفهام إنكاري، والمقصود إنكار أن يكون وقوع هذا مجتمعًا مع وقوع غيره جزمًا أو ترددًا بل الواقع هو الغير وحده. وبهذا ظهر أن الأوجه هو الوجه الثالث الذي ذكره الطيبي، وهو أن يكون (أو) بمعنى بل كما هو في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، ومع ذلك المقصود المنع عن القطع بذلك، ثم ظاهر الحديث أن دخول الجنة والنار غير منوط بالأعمال، بل اللَّه سبحانه جعل من خلقه أهلًا للجنة عملوا الحسنات أو لم يعملوا، وكذلك جعل منهم أهلًا للنار عملوا السيئات أولم يعملوا، فهذا الصبي إن جعله اللَّه من أهل النار أدخله النار وإن لم يعمل سوءًا، فكيف تجزمين بأنه من أهل الجنة؟ لكن الذي عُلم من الدين وانعقد عليه الإجماع أن أطفال المسلمين في الجنة، وفي أطفال المشركين ثلاثة أقوال: الأول: الدخول في النار، والثاني: التوقف، والثالث: أنهم من أهل الجنة، وهو الصحيح لأنه قد علم بالضرورة من الدين أن اللَّه لا يعذب أحدًا بغير ذنب. وقيل: يحتمل أنه لم يرتض بهذا القول من أم المؤمنين عائشة ﵂ لما فيه من الحكم بالغيب والقطع بإيمان أبوي الصبي إذ هو تبع لهما، وفيه إرشاد للأمة إلى التوقف عند الأمور المبهمة، والسكوت عما لا علم لهم به، وحسن الأدب بين يدي علام الغيوب،

стр. 349

٨٥ - [٧] وعَن عَليٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسِّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، . . . . ــ والأصوب أنه ﷺ قال هذا قبل أن أوحي إليه: أن أطفال المسلمين في الجنة، فلما أوحي إليه ذلك فأخبر بذلك وبأنهم يدخلون في آبائهم وأمهاتهم الجنة كما جاء في الحديث، واللَّه أعلم. ٨٥ - [٧] (علي) قوله: (ومقعده من الجنة) في أكثر الروايات بالواو، وهو مطابق لما ورد في حديث آخر: أن لكل واحد من المؤمنين والكافرين مقعدًا في الجنة ومقعدًا في النار، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]، وقوله ﷺ : (إذا كان يوم القيامة دفع اللَّه إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فكاكك من النار)، ولا حاجة إلى جعل الواو بمعنى أو، ولا يأبي التفصيل المذكور حمل الواو على حقيقتها، فإن كلا المقعدين مكتوب، لكن على تقدير كونه من أهل السعادة يبدل مقعده من النار بمقعده الجنة، وعلى تقدير كونه من أهل الشقاوة على العكس، فافهم، نعم قد جاءت الرواية بلفظ (أو) فبهذه القرينة لو حملت على معنى أو مع كونه أوفق بالمقصود لكان له وجه. وقوله: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ ) فهموا أنه إذا سبق القضاء لنا بالجنة أو النار فأيّ فائدة في السعي والعمل؟ وأيّ حاجة إلى ذلك؟ وليس كذلك، فإن القضاء قد سبق ولكن اللَّه قد أمر ونهى، وتفهمون الخطاب ويأتي منكم الامتثال وتركه، وهو ربكم وأنتم عبيده، وقد ناط الجنة والنار بالعمل وجعله علامة عليه، غايته أنه لا يأتي منكم إلا ما سبق به القضاء كما أجاب ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وعلى أيِّ

стр. 350

أمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الآيَة [الليل: ٥ - ٦]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٦٢، ٤٩٤٥، ٤٩٤٩، م: ٢٦٤٧]. ٨٦ - [٨] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، ــ تقدير لا يكون سبق القضاء باعثًا على ترك العمل، والقول بأنه لما سبق فلأي شيء نعمل لأنه من جملة القضاء أيضًا، وقد أوضحنا هذا المعنى بما لا مزيد عليه في ترجمة الباب، وباللَّه التوفيق. وقوله: (فسييسر) على صيغة المضارع المجهول الغائب من التيسير. ٨٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه كتب على ابن آدم حظه) أي: نصيبه حال كون ذلك النصيب (من الزنا، أدرك) أي: وصله ولحقه (لا محالة) بفتح الميم وتخفيف اللام، أي: لا حولان ولا تغير لهذا، وكل ما تحول وتغير من الاستواء إلى العوج فقد حال واستحال، كذا في (القاموس) (١)، وفيه لا محالة منه بالفتح أي لابد، والمعنى كتب اللَّه، أي أثبت على ابن آدم بأن خلق له الحواس التي يجد بها اللذة، وركز في جبلته الشهوة والميل إلى النساء، ثم إنه سبحانه يعصم من يشاء، أو المعنى قدّر في الأزل أن يجري على ابن آدم الزنا فلابد أن يدركه، وهذا المعنى أنسب بترجمة الباب، فمنهم من يكون زناه حقيقيًا بإدخال الفرج في الفرج، ومنهم من يكون زناه

стр. 351

وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، العَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِناهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ". [خ: ٦٣٤٣، م: ٢٦٥٧]. ٨٧ - [٩] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصُيْنٍ: إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، . . . . ــ مجازيًا بالنظر الحرام والتكلم بالكلام الحرام واستماعه والإصغاء إليه، وما يتعلق بتحصيله أشار إليه بقوله: (فزنا العين النظر. . . إلخ). وقوله: (الفرج يصدق ذلك ويكذبه) كناية عن الإتيان بالزنا والإباء عنه، وإسناد التصديق والتكذيب إلى الفرج مجازي، هذا كلامهم، ويدل ظاهرًا على أن المراد كتب على كل أحد من بني آدم حظه من الزنا، لكن اللَّه يعصم من يشاء ويجعله لممًا في حق بعض، ويجعله كبيرة في حق بعض آخر. ولا يذهب عليك أنه يمكن أن يكون المراد كتب على من كتب عليه من جنس آدم، أي على بعضهم حظًّا من الزنا، ثم جعله إما بالنظر أو بالكلام أو بالفرج لا أنه كتب الزنا على بني آدم كلهم، وهذا المعنى أحسن وأولى، واللَّه أعلم بمراد رسوله. وقوله: (والقلب يهوى) بفتح الواو أي: يحب ويريد من عَلِمَ يعلم، وأما هوى يهوي من ضرب يضرب فهو بمعنى السقوط من فوق. ٨٧ - [٩] (عمران بن حصين) قوله: (أرأيت) أي: أخبرنا، وقد يجيء بالكاف في آخره نحو أرأيتك، وأرأيتكما، وأرأيتكم، وهي حرف خطاب يدل على أحوال

стр. 352

وَيَكْدَحُونَ فِيهِ؟ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ . . . . ــ المخاطب كما في ذلك وذلكما وذلكم، وفي (القاموس) (١): هي كلمة يقول العرب بمعنى أخبرني وأخبراني وأخبروني، والتاء مفتوحة، انتهى. وحقيقته أنه استفهام عن رؤية المخاطب أو علمه أي: هل رأيت فأخبرني؟ وقال الطيبي (٢): الاستفهام فيه للتقرير، أي: قد رأيت ذلك فأخبرني به. وقوله: (ويكدحون فيه) في (القاموس) (٣): كدح في العمل كمنع: سعى وعمل لنفسه خيرًا وشرًا، وكدح وجهه: خدش، وتَكَدَّح الجلدُ: تَخَدَّش. وقوله: (أشيء قضي عليهم؟ ومضى فيهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم) وفي رواية: (أم فيما يستقبلون به) بلفظ المعلوم في النسخ كلِّها فيما رأينا، وقال السيد جمال الدين المحدث: (يستقبلون) بصيغة المجهول في سماعنا، ولكن في أكثر نسخ (المشكاة) بلفظ المعلوم، أي أخبرنا أن عمل الناس فيما لا يزال هل سبقه قضاء في الأزل على وفقه أو لم يسبقه قضاء؟ أو إنما هو مستأنف على وفق ما يأتيهم نبيهم فيأمرهم وينهاهم، فيمتثلون أو يعصون من عند أنفسهم باختيارهم وقدرتهم. وقوله: (من قدر سبق) إما بيان لشيء قضي فيكون القضاء والقدر شيئًا واحدًا، وهو ما حكم اللَّه من الأمور كما تدل عليه عباراتهم مما أسلفنا ذكره في شرح ترجمة

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الباب، و (من) ابتدائية متعلقة بـ (قضي) أي: أقضي عليهم لأجل قدر سبق؟ فيكون القضاء ناشئًا، ومبتدئًا من قدر، والقدر سابقًا عليه، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: خلقهن، فقوله: (جف القلم بما هو كائن) قدرٌ، و ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] قضاءٌ، ولهذا قال بعضهم: إنها شؤون يُبديها لا شؤون يَبْتَدِيهَا، فالقدر كالأساس، والقضاء كالبناء، هكذا قال بعضهم في (النهاية) (١). وفي (مجمع البحار) (٢)، عن الكرماني: وقال بعضهم: القضاء الأمر الكلي الإجمالي، وهو حكم اللَّه تعالى في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الكلي مفصلات، وهذا عكس ما في (النهاية)، ويوافق ما قال القاضي: القضاء هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها. وقال الإمام الغزالي: إذا كان معنى الحكمة ترتيب الأسباب فتوجهها إلى المسببات كان حكمًا مطلقًا؛ لأنه مسبب كل الأسباب جملتها وتفصيلها، ومن الحكم ينشعب القضاء والقدر، فتدبيره أصل وضع الباب ليتوجه إلى المسببات حكمُه، ونصبه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسماوات السبع والكواكب وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله قضاؤه، كما قال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]،

стр. 354

فَقَالَ: "لَا، بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ " [الشمس: ٧ - ٨]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٠]. ــ وتوجه هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة فلحظة قدره، فالحكم هو التدبير الأول الكلي والأمر الأول الذي كلمح البصر، والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة بعدد معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شيء من قضائه وقدره، انتهى. فالقضاء والقدر كلاهما جاء بمعنى واحد، وبالمعنيين المتغايرين بالتعاكس، وموارد الاستعمال تصلح دليلًا على الكل، ولا محذور في ذلك. وقوله: (فقال: لا بل شيء قضي عليهم) استشكل على هذا الجواب؛ أما على رواية (أم فيما يستقبلون به) فلأن جواب (أم) المتصلة إنما يكون بتعيين أحد الأمرين دون لا أو نعم، وقد يجاب بنفي كليهما لاحتمال الخطأ في اعتقاد المتكلم وجود أحدهما، وههنا ليس كذلك؛ لأن أحد الأمرين ثابت قط ﷺ والسؤال عن تعيينه، وأما على رواية (أو فيما يستقبلون) فلأن المقصود السؤال عن أحدهما واقع لا على التعيين، وهو حق لا يصلح للرد، وتوجيهه ما قال الطيبي (١): إن (أم) منقطعة و (أو) بمعنى بل، فنفى ﷺ ما أثبته وقرره وأكده ببل، فافهم. وقوله: (وتصديق ذلك في كتاب اللَّه : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾) [الشمس: ٧ - ٨] تسوية النفس: إنشاء خلقها على سواء من التدبير بحسب

стр. 355

٨٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، كَأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الاخْتِصَاءِ، قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، ــ ما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة، وذلك بما يركب فيها من القوى التي جعلت مقدمة للنفس، وصارت النفس بها مستعدة لقبول الفهم والإفهام، ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ بالأمور الجبلية والقضاء الطبعية بأن ركزت في جبلته حب الشهوات، وخلقها على هذا الوجه، ﴿وَتَقْوَاهَا﴾ بالنصوص الشرعية والأدلة العقلية، والتصديق في قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾، أي: قدرها وخلقها كذلك. ٨٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أخاف على نفسي العنت) في (القاموس) (١): العنت محركةً: الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة والزنا. وقوله: (في الاختصاء) في (القاموس) (٢): الخصى والخصية بضمهما وكسرهما من أعضاء التناسل، وخصاه خِصاءً: سَلَّ خصيتيه فهو خَصِيٌّ ومَخْصِيٌّ. وقوله: (ثم قلت مثل ذلك) لعله قال في الثانية بعبارة أخرى مثل الأولى أو اعتبر المغايرة الاعتبارية. وقوله: (جف القلم بما أنت لاق) جفاف القلم كناية عن إمضاء المقادير والفراغ منها ومن كتابتها، قيل: ما وجد هذا اللفظ مستعملًا على هذا الوجه إلا في كلام
следующие страницы →