← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

٢٦٨٤ - [٧] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٤٠، م: ١٢٠٥]. ــ وحديث عثمان محتمِلٌ للتأويل بمعنى أن النكاح والإنكاح ليس من شأن المحرم؛ فإنه في شغل شاغل عن ذلك، وليس المراد التحريم، وهذا المعنى أظهر على رواية صيغة الإخبار، و [على] صيغة النهي أيضًا صحيح، وما ذكروا من التأويلات في حديث ابن عباس تكلفات بعيدة، ويمكن إجراء أكثرها في قوله: (وهو حلال) أيضًا، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، وتعقبه الطيبي (٢). فإن قيل: هلّا رجح أصحابنا حديث ابن عباس على حديث يزيد بن الأصم بأنه مثبث وذلك نافٍ، فإن الحل أصل والإحرام عارض؟ قلنا: لم يرجحوا بذلك لأنه قد ثبت عندهم أنه ﷺ لم يكن في الحل الأصلي بل في الحل بعد الخروج عن الإحرام، بل هم ادعوا اتفاق الروايات على ذلك، فخبر الإحرام هنا نافٍ لبقائه على الحالة الأصلية باستصحاب الحال، وخبر الإحلال مثبث، وليس الترجيح بالإثبات كليًّا عند أصحابنا، بل إذا كان النفي من جنس ما يعرف بدليله ولم يكن مبنيًّا على استصحاب الحال، كان مثل الإثبات؛ كالإحرام فيما نحن فيه يعارض الإثبات، فيرجح بوجوه آخر، كما فعلوا في ترجيح حديث ابن عباس، وتحقيقُه في كتب أصول الفقه، فتدبر. ٢٦٨٤ - [٧] (أبو أيوب) قوله: (كان يغسل رأسه وهو محرم) اتفق العلماء على جواز غُسل المحرم للجنابة، وفي التبرد خلاف إذا لم ينتف شعرًا، ويجوز عند

стр. 2907

٢٦٨٥ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٣٥، م: ١٢٠٢]. ٢٦٨٦ - [٩] وَعَنْ عُثْمَانَ: حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُمَا. . . . . ــ الشافعية غسل الرأس بالسدر والخطمي، ولا فدية عليه ما لم ينتف شعرًا، وقال أبو حنيفة ومالك: هو حرام يوجب الفدية، كذا قال الطيبي (١)، وذكر في (الهداية) (٢): ولا بأس بأن يغتسل ويدخل الحمام، وفي (شرحه): لأن بمجرد الغسل لا يزول الشعث، بل يزداد تلبد شعره ويزداد وسخه، وقال: ولا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمي لأنه نوع طيب، ولأنه يقتل هوام رأسه. ٢٦٨٥ - [٨] (ابن عباس) قوله: (احتجم النبي ﷺ وهو محرم) قال الطيبي (٣): رخص عامة العلماء في الحجامة وهو محرم إذا لم يقطع شعرًا، فإن قطع فعليه دم. ٢٦٨٦ - [٩] (عثمان) قوله: (في الرجل) أي: في حق الرجل والمحدَّث به هذه الشرطيةُ: (إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدهما) صحح بالتشديد والتخفيف، يقال: ضمد الجرح يَضْمِدُه ويَضْمُده وضَمَّده: شدّه بالضِّمادة، وهي العصابة، كالضِّماد، والمراد هنا: وضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يشدّ، كذا قيل، والظاهر أن المراد شد العصابة فإنه لكونه سترًا لبعض الوجه يحتاج إلى بيان أنه لا يلزم به جناية على الإحرام، كما لا يخفى.

стр. 2908

بِالصَّبِرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٠٣]. ٢٦٨٧ - [١٠] وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: رَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالآخَرُ رَافِعٍ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٩٨]. ٢٦٨٨ - [١١] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ وَهُوَ بالْحُدَيْبِيَةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ تَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: "أَتُؤْذِيكَ (١) هَوَامُّكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ قالَ: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ -وَالْفَرَقُ: ثَلَاثَةُ آصُعٍ-، ــ وقوله: (بالصبر) في (القاموس) (٢): الصبر ككتف، ولا يسكَّن إلا في ضرورة الشعر: عصارة شجر مر، والمراد بتضميد العين به: مداواتها واكتحالها به. ٢٦٨٧ - [١٠] (أم الحصين) قوله: (بخطام) بالكسر: ما يجعل في أنف البعير لينقاد. وقوله: (رافع ثوبه) يستره من الحر، وفي رواية: (والآخر رافع مثل التاج على رأسه)، والحديث دليل على جواز الاستظلال للمحرم، قال الطيبي (٣): وهذا قول عامة العلماء، وكرهه مالك وأحمد. ٢٦٨٨ - [١١] (كعب بن عجرة) قوله: (والقمل) بفتح القاف وسكون الميم. (تتهافت) أي: تتساقط، و (الفرق) بفتحتين، و (الآصع) بمد الهمزة وضم الصاد: جمع

стр. 2909

أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨١٤، م: ١٢٠١]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٦٨٩ - [١٢] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَس بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ، مُعَصْفَرٍ، أَوْ خَزٍّ، أَوْ حُلِيٍّ، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصٍ، أَوْ خُفٍّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٢٧]. ٢٦٩٠ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا جَازُوا بِنَا. . . . . ــ صاع، وأصله: أَصْوُعٌ فقلب (١) وأبدل الواو بالهمزة والهمزة ألفًا، وجاء في رواية: (أصوع) على الأصل، وذلك مثل آدُرٍ فِي جمع دارٍ. وقوله: (أو انسك) بلفظ الأمر بضم السين، و (النسيكة) الذبيحة. الفصل الثاني ٢٦٨٩ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (ينهى النساء في إحرامهن) هذه الأشياء وإن كانت مباحة للنساء لكنها منعت في حالة الإحرام؛ لكونه مقام الشعث والتذلل، والمراد بالألوان الأصناف، أو بيَّن الألوان بالمعصفر، وما بعده مسامحة، أو [بـ] تقدير المضاف، و (الخز) نوع من الثياب معروف، و (الحُليّ) جمع الحَلْي بالفتح: ما يزيَّن به من مصنوع المعدنيات أو الحجارة، وجعلها من الثياب تغليبًا. ٢٦٩٠ - [١٣] (عائشة) قوله: (فإذا جازوا بنا) من الجواز بمعنى المرور، وفي لفظ (حاذوا) بالحاء المهملة، وفي الثانية: (جاوزوا) من المجاوزة، هكذا في النسخ

стр. 2910

سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ. [د: ١٨٣٣، جه: ٢٩٣٩]. ٢٦٩١ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ وَهُوَ مُحْرِمٌ غَيْرَ الْمُقتَّتِ. يَعْنِي: غَيْرَ الْمُطَيَّبِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٩٦٢] * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٦٩٢ - [١٥] عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَجَدَ الْقَرَّ، فَقَالَ: أَلْقِ عَلَيَّ ثَوبًا يَا نَافِعُ، فَألْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا. فَقَالَ: تُلْقِي عَلَيَّ هَذَا وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٢٨]. ٢٦٩٣ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: . . . . . ــ المصححة. ٢٦٩١ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (يدهن) بتشديد الدال، وعند أبي حنيفة: الزيت من الطيب وفي حكمه لأنه أصله، و (المقتت) زيت طبخ فيه الرياحين أو خلط بأدهان طيِّبة، والتقتيت: جمع الأفاويه وطبخها. الفصل الثالث ٢٦٩٢ - [١٥] (نافع) قوله: (وجد القر) بالفتح، أي: البرد. وقوله: (أن يلبسه المحرم) لعل مذهب ابن عمر اجتناب المخيط مطلقًا، أو فعله احتياطًا، وإلا فالمراد النهي عن لبس الثوب المخيط على وجه يتعارف فيه، وقد صرحوا به. ٢٦٩٣ - [١٦] (عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة) قوله: (ابن مالك) بالتنوين و (ابن بحينة) بدل من (ابن مالك)، أو صفةٌ بعد صفة لـ (عبد اللَّه)؛ لأن بحينة اسم أمه، هذا

стр. 2911

احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْي جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٣٦، م: ١٢٠٣]. ٢٦٩٤ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٨٣٧، ن: ٢٨٤٩]. ٢٦٩٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [حم: ٦/ ٣٩٢، ت: ٨٤١]. * * * ــ هو المشهور، وقيل: بحينة اسم أم مالك، وقد بيناه بأكثر من هذا في غير هذا الموضع. وقوله: (بلحي جمل) بفتح اللام وسكون الحاء، مضافًا إلى (جمل): اسم موضع بين مكة والمدينة. وقوله: (في وسط رأسه) صححوه بفتح السين، قالوا: كل ما كان أجزاء متباينة كوسط الصف فبالإسكان، وما كان متضادة كوسط الدار فبالتحريك، وفيهما فرق من وجوه آخر ذكرناها في مواضع آخر، والمناسب في هذا الحديث الفرق بهذا الوجه المذكور، واللَّه أعلم. وقالوا: هو محمول على الضرورة؛ لأنه لا ينفك عن قطع شعر، وإن كان في موضع لا شعر فيه فهي جائزة ولا فدية. ٢٦٩٤ - [١٧] (أنس) قوله: (على ظهر القدم) وليست المقدم موضع الشعر غالبًا ومع ذلك كان بها وجع. ٢٦٩٥ - [١٨] (أبو رافع) قوله: (وعن أبي رافع) قالوا: إسناده ضعيف، لا يبلغ

стр. 2912

١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد ــ درجةَ إسناد حديث ابن عباس، واللَّه أعلم. ١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد أعلم أن صيد المحرم، ودلالتَه عليه، وإشارته إليه، وإعانته فيه، حرام، وإن فعل شيئًا من ذلك لزمه الجزاء، وأما أكل لحم الصيد ففيه تفصيل، إن اصطاد بنفسه أو اصطاد محرم غيره فهو أيضًا حرام بالاتفاق، وإن اصطاده غيرُ محرم لنفسه أو للمحرم بإذنه أو بغير إذنه ففيه مذاهب وأقوال للفقهاء، فذهب بعض الصحابة والتابعين -ومنهم ابن عباس وطاوس والثوري- إلى أنه يحرم على المحرم أكل لحم الصيد مطلقًا بدليل حديث صعب بن جثامة حيث قال رسول اللَّه ﷺ : (إنا لم نردَّه عليك إلا أنَّا حرم)، فجعل الإحرام فقط علة عدم القبول، ولم يضم معه شيئًا آخر. وذهب مالك والشافعي وأحمد ﵏ إلى [أنه] إن اصطاد لنفسه أو اصطاده لأجله بإذنه أو بغير إذنه فهو حرام، وأما إن اصطاد غير محرم لنفسه وأهدى منه شيئًا للمحرم فهو حلال. ومذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه -رحمة اللَّه عليهم- حل أكل لحم الصيد للمحرم ما لم يَصد، ولم يأمر به، ولم يدل، ولم يُعِنْ عليه هو أو محرم آخر وإن صيد له، ويظهر هذا المعنى من حديث أبي قتادة أنه ﷺ سألهم: (هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ ) قالوا: لا، قال: (فكلوا)، ولم يسأل: هل اصطاده لنفسه أو لكم؟ هذا تحرير المذاهب. والأحاديث كثيرة في هذا الباب، متخالفة بحسب الظاهر، وقد استوفينا الكلام فيه في (شرح سفر السعادة) بما لا مزيد عليه، فليرجع إليه، واللَّه أعلم.

стр. 2913

* الفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٦٩٦ - [١] عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَردَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٢٥، م: ١١٩٣]. ــ الفصل الأول ٢٦٩٦ - [١] (الصعب بن جثامة) قوله: (عن الصعب) بفتح الصاد المهملة وسكون العين (ابن جثامة) بالجيم والمثلثة على وزن علامة، و (الأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحدة، و (ودان) بفتح الواو وتشديد الدال المهملة: موضعان بين مكة والمدينة، أقرب إلى المدينة، فظاهر الحديث أنه أهدى حمارًا وحشيًا، ولا يجوز قبوله للمحرم، لكن الاختلاف إنما هو في لحمه، وجاء في الروايات: أن المهدى كان لحمَه، ففي رواية لمسلم: (أهدى عجز حمار وحشي كان يقطر منه الدم)، وفي رواية: (شِقَّ حمار)، وفي رواية: (عضوًا منه)، وفي رواية: (رجله)، فيكون قوله: (حمارًا وحشيًا) (١) في الحديث بتقدير مضاف. و(الحرم) بضمتين جمع حِرم بالكسر بمعنى الحرام، كذا يفهم من (القاموس) (٢)، وقال في (الصحاح) (٣): إنه جمع حرام.

стр. 2914

٢٦٩٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَخَلَّفَ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ (١)، فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رآهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ، فَسَأَلُهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا، فَتَنَاوَلَهُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ، فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ فَأَكَلُوا، فَنَدِمُوا، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ قَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ " قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَكَلَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٥٤، م: ١١٩٦]. وَفِي رِوَايةٍ لَهُمَا: فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا؟ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا". ــ ٢٦٩٧ - [٢] (أبو قتادة) قوله: (وعن أبي قتادة: أنه خرج مع رسول اللَّه ﷺ ) وكان ذلك في عام الحديبية، كذا في (جامع الأصول) (٢). وقوله: (سوطه) قيل: المراد سيفه. وقوله: (فعقره) أي: قتله، كذا قال الطيبي (٣)، ويجوز حمله على ظاهره، وهو ضرب قوائمه، و (سألوه) أي: عن الحكم. وقوله: (معنا رجله) وفي رواية: (عضده). وقوله: (أن يحمل عليها) تأنيث الضمير باعتبار النفس.

стр. 2915

٢٦٩٨ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالإِحْرَامِ: الْفَأْرةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣١٥، م: ١١٩٩]. ٢٦٩٩ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ، ــ ٢٦٩٨ - [٣] (ابن عمر) قوله: (خمس لا جناح على من قتلهن) (١) صفة أو خبر، وقد ذكرناه مكررًا، و (الفأرة) بتخفيف الراء، و (الحدأة) على وزن عنبة واحد حدأ مهموز: طائر معروف. ٢٦٩٩ - [٤] (عائشة) قوله: (خمس فواسق) روي (خمس) منونًا ومضافًا، و (الغراب الأبقع) بقع كفرح: بَلِقَ، ويستعمل في الطير والكلاب، والغراب الأبقع: الذي في ظهره وبطنه بياض، وقد ورد في قاتل سيد الإمام حسين بن علي بن أبي طالب -عليه التحية والسلام-: (كأني انظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي)، وكان شمر أبرص، رواه ابن عساكر في (تاريخه) (٢)، وفي الحديث: (رأى رجلًا مُبَقَّعَ الرجلين (٣))، وقد توضأ، يريد مواضع في رجله لم يصبها الماء، فخالف لونُها لونَ ما أصابه الماء، وفي حديث: (لا يرى بقع الماء في ثوبه) (٤). قال في (الهداية) (٥):

стр. 2916

وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣١٤، م: ١١٩٨]. * الْفَصْلُ الثاني: ٢٧٠٠ - [٥] عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الإِحْرَامِ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٨٥١، ت: ٨٤٦، ن: ٢٨٢٧]. ــ المراد بالغراب: الذي يأكل الجيف ويخلط لأنه يبتدئ بالأذى، أما العَقْعَق فغير مستثنى؛ لأنه لا يسمى غرابًا، وأراد بالكلب العقور: كل سبع يعقر، أي: يجرح ويفترس كالأسد والنمر والذئب فإنه يسمى كلبًا. (والحديا) تصغير حَدَأ، واحده حِدَأة. وأعلم أنه قد ذكر في الحديثين الخَمس، ولكن ذُكر في الحديث الأول العقرب مكان الحية، وذُكر الغراب تارةً مطلقًا، وقيِّد بالأبقع أخرى، وقالوا بالقتل في الحل والحرم، ويقتله المحرم والمحل غير منحصر في ما ذكر، بل المؤذيات كلها حكمها هذا، ويجوز عند الشافعي قتل الجاني وحده في الحرم سواءٌ جنى فيه أو خارجه، وعندنا إن جنى في الحرم ثم التجأ يضيَّق عليه حتى اضطرّ إلى الخروج، فيقتل ويحد. الفصل الثاني ٢٧٠٠ - [٥] (جابر) قوله: (أو يصاد لكم) (١) الظاهر: أو يُصَدْ بالجزم، لكن

стр. 2917

٢٧٠١ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٨٥٣، ت: ٨٥٠]. ٢٧٠٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨٣٨، ١٨٤٨، جه: ٣٠٨٩]. ــ رَفْع الفعل المضارع في مقام الجزم لغة مشهورة فصيحة. ٢٧٠١ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (الجراد من صيد البحر) يعني: حكمه حكم صيد البحر، وورد أنها من نثرة حوت، وقيل: يتولد من الحيتان كالديدان، فيدسرها البحر إلى الساحل، وبهذا الحديث جوّز بعض العلماء أن يصيده المحرم، وأما من لم يجوزه فيقول: إنه من صيد البر (١)؛ لاستقراره فيه، وإزراره في الأرض وتَقوِّيهِ مما تخرجه الأرض من نباتها وثمراتها، وقيل: أراد به أنه صيد البحر، لمشاركته صيدَ البحر في حكم الأكل منه من غير تذكية، واللَّه أعلم. ٢٧٠٢ - [٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (السبع العادي) في معنى الكلب العقور كما عرفت.

стр. 2918

٢٧٠٣ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الضَّبُعِ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَيُؤْكَلُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٨٥١، ن: ٢٨٣٦، الأم: ٢/ ١٩٣]. ٢٧٠٤ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّبُعِ قَالَ: "هُوَ صَيْدٌ، وَيَجْعَلُ (١) فِيهِ كَبْشًا إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٣٨٠١، جه: ٣٠٨٥، دي: ٢/ ٧٤]. ٢٧٠٥ - [١٠] وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ. . . . . ــ ٢٧٠٣ - [٨] (عبد الرحمن بن أبي عمار) قوله: (عن الضبع) (٢) بفتح معجمة وضم موحدة: حيوان معروف، وهو مباح عند الشافعي وأحمد، ومكروه عند أبي حنيفة ومالك؛ لأن النبي ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع، وروي حديث في كراهة لحمه على الخصوص أيضًا، لكنهم قالوا: إنه ضعيف. وقوله: (أصيد هو؟ ) أي: مما يَحرم قتله. ٢٧٠٤ - [٩] (جابر) قوله: (ويجعل) بلفظ المعلوم، أي: في جزائه. وقوله: (المحرم) تنازع فيه (يجعل) و (أصابه). ٢٧٠٥ - [١٠] (خزيمة بن جزي) قوله: (وعن خزيمة بن جزي) في (جامع

стр. 2919

أَكْلِ الضَّبُعِ. قَالَ: "أَوَيَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟ ". وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَكْلِ الذِّئْبِ. قَالَ: "أَوَيَأْكُلُ الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ؟ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. [ت: ١٧٩٢]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٧٠٦ - [١١] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَنَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ، وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَافَقَ مَنْ أَكَلَهُ قَالَ: فَأَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٩٧]. * * * ــ الأصول (١)): جزء بفتح الجيم وسكون الزاي ويعدها همزة، وأصحاب الحديث يقولون: بفتح الجيم وكسر الزاي وبالياء، وقيل: بكسر الجيم وسكون الزاي، انتهى. وقوله: (فيه خير؟ ) يتبادر من العبارة أن يكون صفة (أحد)، وقال الطيبي (٢): همزة الإنكار محذوفة، معناه: أفي الذئب خير؟ وهو من الضواري والسباع. الفصل الثالث ٢٧٠٦ - [١١] (عبد الرحمن بن عثمان) قوله: (عن عبد الرحمن بن عثمان) ابن عبيد اللَّه (التيمي) ابن أخي طلحة بن عبيد اللَّه، صحابي. وقوله: (فلما استيقظ طلحة وافق من أكله) لأنه لم يصد لهم، ولا يلزم من

стр. 2920

١٣ - باب الإحصار وفوت الحج ــ الإهداء له الاصطياد له، وهذا تأويل من قال: لا يأكل مما اصطاد لأجله، وظاهره مطلق، وتورُّع من لم يأكل لاحتمالات أخر من مشاركة محرم في الدلالة أو الإشارة أو الإعانة، واللَّه أعلم. ١٣ - باب الاحصار وفوت الحج في (النهاية) (١): الإحصار: المنع والحبس، أحصره المرض أو السلطان: إذا منعه عن مقصده، وحصره: إذا حبسه، وحصرهم العدو: ضيَّقوا عليهم، وفي (القاموس) (٢): الحصر كالضرب والنصر: التضييق والحبس عن السفر وغيرِه كالإحصار. ثم الإحصار عندنا يتحقق بعدو أو مرض، فإذا أحصر المحرم جاز له التحلل، وقال الأئمة الثلاثة: لا يكون الإحصار إلا بالعدو؛ لأن التحلل بالهدي شرع في حق المحصَر ليحصِّل النجاة، وبالإحلال ينجو من العدو؛ لأنه يرجع إلى أهله فيندفع شر العدو، لا من المرض، فعندهم يقيم المريض على إحرامه، فإن زال العذر وقد فاته الحج يتحلل بعمل العمرة، وتمسكوا بقول ابن عباس ﵄: لا حصر إلا حصر العدو، وبقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأنه نزل بالحديبية. قلنا: إن الإحصار في اللغة المنع والحبس، سواء كان من عدو أو من مرض، وكذا الآية تشملهما، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : (من كُسِر أو عَرَج فقد حل، وعليه الحج من قابل)، والتحلل قبل أوانه لدفع الحرج الآتي من قبل امتداد الإحرام، والحرجُ فِي الاصطبار عليه مع المرض أشدّ وأعظم.

стр. 2921

٢٧٠٧ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨٠٩]. ــ وههنا خلاف آخر، وهو أن الهدي يبعث عندنا إلى الحرم؛ لأن دم الإحصار قربة، والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان، فلا يقع قربة دونه، فلا يقع به التحلل، ولو واعَدَ من يبعثه ليومٍ بعينه يذبح فيه يتحلل، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والهدي اسم لما يهدى إلى الحرم، فلا يحل حتى يبلغ الحرم، وقال الشافعية: لا يتوقف به ويذبح حيث أحصر؛ لأنه شُرع رخصةً، وبالتوقيت يبطل التخفيف، قلنا: إن المراعى أصل التخفيف لا نهايته. وقالوا: المراد ببلوغ الهدي محله ذبحه حلًّا كان أو حرمًا، قلنا: هذا خلاف الظاهر، وقالوا: ذبح رسول اللَّه ﷺ وأصحابه عام الحديبية بها وهي من الحلّ، قلنا: لعله لم يكن ذلك لهم، فذبحوا بها للضرورة. هذا وقد قيل: إن الحديبية بعضها حلٌّ وبعضها حرم، فلا يلزم من ذبحه فيها ذبحه في الحل، ونقل في (المواهب اللدنية) (١) عن المحب الطبري: وهي قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم. ثم عندنا إذا أحصر يجب القضاء، وعند الشافعي ﵀ لا يجب. الفصل الأول ٢٧٠٧ - [١] (ابن عباس) قوله: (حتى اعتمر عامًا قابلًا) هذا عندنا محمول على القضاء وهو الظاهر.

стр. 2922

٢٧٠٨ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَحَالَ كفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدَايَاهُ، وَحَلَقَ وَقَصَّرَ أَصْحَابُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨٠٧]. ٢٧٠٩ - [٣] وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨١١]. ٢٧١٠ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ ــ ٢٧٠٨ - [٢] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (وقصر أصحابه) أي: بعضهم، وحلق آخرون، وذلك أنهم توقفوا في الإحلال لِمَا دخل عليهم من الحزن؛ لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت، فأشارت أم سلمة ﵂ أن يحلّ هو ﷺ قبلهم، ففعل، فتبعوه، فحلق بعضهم وقصر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، كذا في (المواهب اللدنية) (١). ٢٧٠٩ - [٣] (المسور بن مخرمة) قوله: (نحر قبل أن يحلق) وقال في (الهداية) (٢): ليس عليه الحلق أو التقصير في الإحصار في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه، وقال أبو يوسف ﵀: عليه ذلك، ولو لم يفعل لا شيء عليه؛ لأن النبي ﷺ حلق عام الحديبية، ولهما [أن الحلق] إنما عرف قربة مرتبًا على أفعال الحج، فلا يكون نسكًا قبلها، وفعل النبي ﷺ وأصحابه ليعرف استحكام عزيمتهم على الانصراف. ٢٧١٠ - [٤] (ابن عمر) قوله: (أليس حسبكم) أي: حسبكم وكافيكم (سنة

стр. 2923

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِيَ، أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨١٠]. ٢٧١١ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: "لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ " قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: "حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٨٩، م: ١٢٠٧]. ــ رسول اللَّه ﷺ ؟ ) أي: قوله ﷺ . وقوله: (طاف بالبيت وبالصفا والمروة) أي: إذا أحصر عن الحج يجيء بعمرة ثم يحل، (يحج عامًا قابلًا) أي: يقضيه في العام القابل. ٢٧١١ - [٥] (عائشة) قوله: (على ضباعة) بضم الضاد المعجمة (بنت الزبير) ابن عبد المطلب، فهي بنت عم رسول اللَّه ﷺ . وقوله: (لعلك أردت الحج؟ ) استفسار على وجه التلطف والتعطف، (فقالت: واللَّه ما أجدني إلا وجعة) بفتح الواو وكسر الجيم، تعني: نعم أريد الحج ولكن أظن عروض الوجع لما أجد في نفسي ضعفًا من المرض، ولا أعلم هل أقدر على إتمام الحج أم لا؟ (فقال لها: حجي) أي: أحرمي بالحج، و (المحل) بفتح الميم وكسر الحاء اسم زمانٍ، أي: محل خروجي، أو مكانٍ مِن حَلَّ: إذا خرج من الإحرام. والحديث يدل على تحقق الإحصار بالمرض، لكن يدل على الاشتراط، وقال من ذهب إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو: لو كان المرض يبيح التحلل لم يحتج إلى الاشتراط، وأجيب بأن الاشتراط المذكور في هذا الحديث إنما كان ليفيد تعجيل التحلل؛ لأنها لو لم تشترط لتأخر تحللها إلى بلوغ الهدي محله، ومذهب أبي حنيفة

стр. 2924

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٧١٢ - [٦] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبَدِّلُوا الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. [د: ١٨٦٤]. ــ ومن نحا نحوه أن المحصر ليس له أن يحل حتى ينحر هديه بالحرم إلا أن يشترط، فإن اشترط فله أن يحل قبل نحر الهدي، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١) رحمة اللَّه عليه، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز التحلل مع وجود الاشتراط، وهذا الحكم مخصوص بضباعة، وقد صح عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط في الحج: (أليس حسبكم سنة نييكم ﷺ ؟ ) ويفهم منه أن ابن عمر قائل بالإحصار لمرض، فافهم. الفصل الثاني ٢٧١٢ - [٦] (ابن عباس) قوله: (أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية) أي: يذبحوا مكان ما ذبحوه هديًا آخر، وهذا يدل على أن هدي الإحصار لا يذبح إلا في الحرم، كما هو مذهب أبي حنيفة، وهذا إن قلنا: إنهم نحروا في الحديبية في غير الحرم، وإن قلنا: إنهم ذبحوا فيها في الحرم، فإن الحديبية أكثرها حرم، كما أشرنا في شرح الترجمة، فالتبديل للاحتياط وإدراك الفضيلة ثانيًا، والأمر للاستحباب، واللَّه أعلم. وقوله: (في عمرة القضاء) تسمية عمرة القضاء ظاهر في مذهبنا، والشافعية يقولون: المراد بالقضاء الصلح، والقضاء والمقاضاة يجيء بمعنى الصلح والمصالحة، وقد ذكروا في الصلح: أن يأتي رسولُ اللَّه ﷺ في العام القابل.

стр. 2925

٢٧١٣ - [٧] وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "أَوْ مَرِضَ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي "الْمَصَابِيحِ": ضَعِيفٌ. [ت: ٩٤٠، د: ١٨٦٢، ن: ٢٨٦١، جه: ٢٠٧٧، دي: ٢/ ١١]. ــ ٢٧١٣ - [٧] (حجاج بن عمرو الأنصاري) قوله: (من كسر) بلفظ المجهول (أو عرج) بكسر الراء، وفي (القاموس) (١): عَرَجَ: أصابه شيء في رجله فخَمَعَ، وليس بخِلْقةٍ، وفي (مجمع البحار) (٢): يقال: عَرَجَ عَرَجانًا: إذا غمز من شيء أصابه، وعَرِج عَرَجًا: إذا صار أعرج، أو كان خِلْقةً. وهذا الحديث يدل على كون الإحصار بغير العدو، ووجوبِ القضاء كما هو مذهب أبي حنيفة، وتقييدُه بصورة الاشتراط ضعيف. وقوله: (وفي المصابيح ضعيف) قال التُّورِبِشْتِي (٣): الحكم بضعف هذا الحديث باطل، وقال: لهذا الحديث تتمة من قول عكرمة، وهو أحد الرواة عن الحجاج بن عمرو، وذلك قوله: قد ذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس، فقالا: صدق، ولقد أطنب الكلام فيه ﵀، انتهى. وظهر من هذا أن هذا الحديث ثابت عند ابن عباس، فصحة ما يروى عنه (لا حصر

стр. 2926

٢٧١٤ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ. أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَة فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٨٨٩، د: ١٩٤٩، ن: ٣٠٤٤، جه: ٣٠١٥، دي: ٢/ ٥٩]. وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ. * * * ــ إلا حصر العدو) محلُّ نظر، على أن قوله موقوف عليه، فلا يعارض الحديث المرفوع، واللَّه أعلم. ٢٧١٤ - [٨] (عبد الرحمن بن يعمر) قوله: (وعن عبد الرحمن بن يعمر) بفتح الياء وسكون العين وفتح الميم (الديلي) بكسر الدال وسكون التحتانية (١). وقوله: (الحج عرفة) أي: مِلَاك الحج ومعظم أركانه الوقوف بعرفة؛ لأنه يفوت بفواته، ويفوت الوقوف لا إلى بدل، وهو متَّفقٌ عليه. وقوله: (من أدرك عرفة ليلة جمع) أول وقت الوقوف بعد الزَّوال من يوم عرفة وآخره إلى طلوع فجر يوم العيد. وقوله: (فمن تعجل في يومين. . . إلخ)، أي: من نفر آخر اليومين الأولين من

стр. 2927

١٤ - باب حرم مكة حرسها اللَّه تعالى ــ أيام التشريق -يعني الحادي عشر والثاني عشر- فلا إثم ولا حرج، وليس فيه ترك واجب، ومن تأخر إلى اليوم الثالث وهو الثالث عشر فلا إثم عليه أيضًا، وليس فيه ارتكاب بدعة ومجاوزةٌ عن الحد، يعني: هما سواءان في الجواز، وإن كان التوقف والتأخير أفضل لكثرة العبادة وزيادة السعادة. ١٤ - باب حرم مكة حرسها اللَّه تعالى سمي حرمًا لتحريم اللَّه تعالى كثيرًا مما ليس بمحرَّم في غيره من المواضع، وحرم مكة: ما أحاط بها وأطاف بها من جوانبها، جعل اللَّه [له] حكمها في الحرمة تشريفًا وتعظيمًا لها، واختلف في سبب تحريمه، فقيل: إن آدم ﵇ لما أهبط إلى الأرض، خاف على نفسه من الشيطان، فبعث اللَّه تعالى ملائكة تحرسه، فوقفوا في موضع أنصاب الحرم من كل جانب، فصار ما بينه وبين موقف الملائكة حرمًا. وقيل: لأن الحجر الأسود لما وضعه الخليل ﵊ في الكعبة حين بناها، أضاء الحجر يمينًا وشمالًا وشرقًا وغربًا، فحرَّم اللَّه من حيث انتهى نور الحجر، وقيل غير ذلك. وللحرم علامات بينات، وهي أنصاب مبنية في جميع جوانبه إلا في جهة جِدَّة وجهة الجعرانة، فإنه ليس فيهما أنصاب، وأول من نصب ذلك الخليل ﵊ بدلالة جبرئيل، ثم قصي بن كلاب، وقيل: نصبها إسماعيل بعد أبيه ثم قصي، وقيل: عدنان بن أُدّ أول من وضع أنصاب الحرم حين خاف أن يَدرس الحرم، ثم نصبها قريش، ثم نصبها النبي ﷺ عام الفتح، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم معاوية بن أبي سفيان، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي، ثم فثم،

стр. 2928

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٧١٥ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"، وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، ــ وليس حدود الحرم من جميع الجهات متساوية، أقربها من جهة التنعيم، وقد بيَّنها مفصلًا في (تاريخ مكة) (١). الفصل الأول ٢٧١٥ - [١] (ابن عباس) قوله: (لا هجرة، ولكن جهاد ونية) كانت الهجرة من مكة إلى المدينة مفروضة على من يستطيع بعد أن هاجر رسول اللَّه ﷺ إلي المدينة، فلما فتح مكة انقطعت تلك الهجرة المفروضة، وبقيت الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام صونًا للدين، وهي داخلة في قوله: (ولكن جهاد ونية) أي: بقي الجهاد، ويُحرز بها (٢) من الثواب والفضيلة ما فات من الهجرة، وبقي إحسان النية في كل عمل، وهذا أيضًا في معنى الهجرة بترك هوى النفس والخروج عن موطن الطبيعة بهجران ما نهى اللَّه عنه. وقوله: (ذا استنفرتم) بلفظ المجهول من النفير، وفي (النهاية) (٣): الاستنفار: الاستنصار، أي: إذا طُلِب منكم النصرة فأجيبوا، أي: إذا دعاكم الإمام إلى الغزو فاذهبوا. وقوله: (يوم خلق السماوات والأرض) كناية عن كونه أمرًا قديمًا وشريعة سالفة

стр. 2929

فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ــ ليس مما أحدثه الناس أو اختصَّ بشريعة، ويجوز أن يراد أنه خلقت هذه الأرض حين خلقها محرمة، كذا قالوا، والظاهر أن خلقها محرمة حين خلقها بمعنى تقدير التحريم فيها لا الحكم به بالفعل، وإنما حرمتُه في زمان آدم أو الخليل كما نقلنا، ويؤيده ما قيل: إنه كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر اللَّه تعالى. وقوله: (ولم يحل لي إلا ساعة من نهار) يدل ظاهرًا على وقوع القتال فيه، وقد وقع من خالد بن الوليد، وكان ذلك بأمر من النبي أو بإذن منه ﷺ ، ولهذا ذهب الأكثرون ومنهم أبو حنيفة أن مكة فتحت عنوةً، وعن الشافعي وهو رواية عن أحمد أنها فتحت صلحًا؛ لأنهم لم يتهيؤوا للحرب، وإنما وقعت اتفاقًا بعد دخول خالد وتعرض بعض المشركين له، واعتذارُه ﷺ بحلِّ القتال له ساعة صريحٌ في وقوع القتال والفتح عنوة، وثمرة الخلاف أن من قال: فتحت عنوة، لا يجوِّز بيع دُورها وإجارتَها؛ لأن النبي ﷺ أخذها من الكفار وجعلها وقفًا بين المسلمين، ومن قال بالفتح صلحًا جوَّز ذلك لأنها مملوكة لأصحابها مبقاةٌ على أملاكهم. وقوله: (لا يعضد) أي: لا يقطع (شوكه) فضلًا عن أشجارها، وقد وقع في رواية أبي هريرة: (لا تعضد شجرتها) قال في (الهداية) (١): فإن قطع حشيش الحرم أو شجره -وهي ليست بمملوكة وهو ما لا ينبته الناس- فعليه قيمته إلا ما جفّ منه، وما جف

стр. 2930

وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، ــ من شجر الحرم لا ضمان فيه؛ لأنه ليس بنامٍ، ولا يرعى حشيش الحرم، ولا يقطع إلا الإذخر، وقال أبو يوسف ﵀: لا بأس بالرعي؛ لأن فيه ضرورةً، فإنَّ منع الدواب عنه متعذِّر، ولنا ما روينا، وحمل الحشيش من الحلِّ ممكن فلا ضرورة، وبخلاف الإذخر لأنه استثناه رسول اللَّه ﷺ ، فيجوز قطعه ورعيه، وبخلاف الكمأة لأنها ليست من جملة النبات، انتهى. وعند الشافعي ومن وافقه: يجوز رعي البهائم في كلأ الحرم، ومذهب أحمد كمذهبنا. سمعت الشيخ الإمام العارف باللَّه عبد الوهاب ﵀ يحكي عن عارضة عماه، وقد عرضه في أواخر عمره، أنه كان من أصحابنا رجل يسمى أحمد السقا، جاء بوَرد من الحرم، فناولنيه، فشممته ساهيًا أنه من الحرم، فكما شممت سرى ألم إلى الخيشوم كما تدبّ النملة حتى بلغ الدماغ، ووصل إلى العينين، وجعلت تزداد يومًا فيومًا، حتى صار ما صار، وآل الأمر إلى ما شاء اللَّه. وقوله: (ولا ينفر) من التنفير، ويدلّ على حرمة الإتلاف بطريق الأولى، فالتنفر حرام، فإن تلف في نفاره قبل السكون ضمن. وقوله: (ولا يلتقط) بلفظ المعلوم، و (لقطته) بضم اللام وسكون القاف، والأفصح فتحها، في (القاموس) (١): لَقَطه: أخذه من الأرض، فهو ملقوط ولقيط، واللَّقَطُ محركة وكحُزْمة وهُمَزة وثمامة: ما التُقط. وقوله: (إلا من عرفها) من التعريف، يعني: ليس في لقط الحرم إلا التعريف،

стр. 2931

وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا"، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ. . . . . ــ فلا يستنفقها، ولا يتصدق بها، بخلاف لقط سائر البقاع، وهو أظهر قولي الشافعي، ولم يفرق أكثر العلماء بين لقطة الحرم ولقطة غيره من الأماكن وهو مذهبنا، والدليل لهم إطلاق قوله ﷺ : (اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة) من غير فصل، وسيجيء الكلام فيه في (باب اللقطة) إن شاء اللَّه تعالى. وقالوا: معنى قوله: (إلا من عرفها) أن يعرِّفها كما يعرّفها في سائر البقاع حولًا كاملًا حتى لا يتوهَّم متوهِّم أنه إذا نادى وقت الموسم فلم يظفر مالكها جاز أن يتملكها. وهذا خلاف ظاهر العبارة، وأيضًا أن الكلام ورد مورد بيان الفضائل المختصة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوِّي بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد، وجدنا حكم اللقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة، واللَّه أعلم. وقوله: (ولا يختلى خلاها) بلفظ المجهول، أي: لا يقطع، والخلا مقصورًا: النبت الرقيق ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو الحشيش، والحشيش أيضًا لا يحل قطعه كما دل عليه: (ولا يعضد شوكه)، ومن المحدثين من روى (الخلاء) ممدودًا، وهو خطأ، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١). وقوله: (فقال العباس) هكذا في أكثر الروايات، وفي حديث أبي هريرة ﵁ من الصحيحين: (فقال رجل من قريش)، و (الأذخر) بكسر الهمزة والخاء: نبت طيب الرائحة. وقوله: (فإنه لقينهم) القين بفتح القاف: الحداد والصانع، أي: يحتاج إليه في

стр. 2932

وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: "إِلَّا الإِذْخِرَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٣٤، م: ١٢٥٣]. ٢٧١٦ - [٢] وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: "لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتهَا إِلَّا مُنْشِدٌ". [خ: ١١٢، م: ١٣٥٥]. ٢٧١٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٥٦]. ٢٧١٨ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ وَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ: "اقْتُلْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٤٦، م: ١٣٥٧]. ــ وقود النَّار، (ولبيوتهم) أي: سقفهم، وفي الحديث الآخر: (فإنه لقيوننا (١)) جمع قين، وقد جاء في الصحيحين: (فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا). وقوله: (فقال إلا الأذخر) أوحي إليه ﷺ في الحال باستثناء الإذخر، أو هذا مبني على تفويض الأحكام إليه، أو قال بالاجتهاد، والأول أظهر وأصح، واللَّه أعلم. ٢٧١٦ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (إلا منشد) أي: منادٍ مُعرِّفٌ، أنشد الضالة: عرفها واسترشد عنها ضد، والنشيد: رفع الصوت. ٢٧١٧ - [٣] (جابر) قوله: (أن يحمل بمكة السلاح) أي: بلا ضرورة وحاجة، وعليه الجمهور، وقيل: مكروه مطلقًا. ٢٧١٨ - [٤] (أنس) قوله: (ابن خطل) وفي أكثر النسخ: (أن ابن خطل) واسمه عبد اللَّه، وقيل: عبد العزيز، وقيل: غالب، وكان قد ارتد، وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو رسول اللَّه ﷺ والمسلمين، وقيل: كان له قينتان تغنيان بهجاء المسلمين،

стр. 2933

٢٧١٩ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٥٨]. ٢٧٢٠ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ. . . . . ــ وقال النووي (١): في الحديث دليل لمن أجاز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة كمالك والشافعي رحمهما اللَّه، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وأجيب [عن الحديث] بأن حكمه مستثنى كاستثنائه من قوله ﷺ : (من دخل المسجد فهو آمن)، وبأنه قتله في الساعة التي أبيحت له، ولعله أخرجه من الحرم فقتل، واللَّه أعلم. ٢٧١٩ - [٥] (جابر) قوله: (وعليه عمامة سوداء بغير إحرام) فيه دليل على أنه لا يجب الإحرام لمن يريد دخول مكة لا للنسك، وهو أصح قولي الشافعي ﵀، والجواب عند الحنفية أنه أحل له ﷺ ساعة. وقوله: (سوداء) فيه استحباب لبس الأسود، وقيل: لم تكن سوداء، بل اسودت بالاستعمال بالادِّهان وغيره، واللَّه أعلم. ٢٧٢٠ - [٦] (عائشة) قوله: (يغزو جيش) إخبار عما يقع في آخر الزمان، والجيش هو جيش السفياني ملك مصر [في] عهد المهدي الموعود. وقوله: (ببيداء من الأرض) ظاهره يدل على أن المراد جنس البيداء، وقيل: موضع مخصوص بين مكة والمدينة. وقوله: (وفيهم الأسواق) الظاهر أنه جمع سوق، والمراد أهلها، والسوقة يجيء

стр. 2934

وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؛ قَالَ: "يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١١٨، م: ٢٨٨٤]. ٢٧٢١ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّويقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٩٦، م: ٢٩٠٩]. ٢٧٢٢ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٩٥]. ــ بمعنى الرعية، ولكن في جمعها على أسواق تردد. وقوله: (ومن ليس منهم) أي: موافقًا لهم في قصد تخريب الكعبة كالأسارى والصغار وأمثالهم. وقوله: (يخسف بأولهم وآخرهم) وهكذا قد يجري الحكم الإلهي يهلك الأخيار بشؤم الأشرار ثم يميز بينهم في الآخرة. ٢٧٢١ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (ذو السويقتين) تثنية سويقة تصغير ساق، أبدلت ألفه واوًا للضمة، وظهرت التاء لكون الساق مؤنثًا سماعيًا؛ لأن المكرر من أعضاء الآدمي مؤنث، وإنما صغرت لأن الغالب على سوق الحبشة الدقة والخموشة، كذا قالوا، والظاهر من اللفظ أن ذلك المتخرب يكون صغير الساقين ودقيقهما من بين الحبشة، ولعله يكون أدقهما ممن عداه منهم. ٢٧٢٢ - [٨] (ابن عباس) قوله: (كأني به) أي: كأني ملتبس بمخرِّب الكعبة، أي: كأني انظر إليه، وهو الآخر (١) عندي، و (أسود) بالنصب، وكذا (أفحج) بتقديم

стр. 2935

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٧٢٣ - [٩] عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "احْتِكَارُ الطَّعَامِ فِي الْحَرَمِ إِلْحَادٌ فِيهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٢٠]. ٢٧٢٤ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَكَّةَ: "مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، ــ الحاء على الجيم من الفحج محركة بمعنى التباعد من الفخذين، وفي (القاموس) (١): فحج في مشيته: تدانى صدور قدميه، وتباعد عَقِبَاه، ونصبهما إما على الحال من الضمير المجرور في (به) إن كان قد جرى ذكره سابقًا، أو على التمييز إن كان مبهمًا فسر بهما نحو ربَّه رجلًا. وفي هذه القصة عزة وإظهار قدرة على تخريب مثل هذه البنية العظيم الشأن على يد مثل هذا الشخص الحقير الضعيف البنيان، واللَّه على كل شيء قدير. الفصل الثاني ٢٧٢٣ - [٩] (يعلى بن أمية) قوله: (عن يعلى) بفتح الياء (ابن أمية) بضم الهمزة وتشديد الياء. وقوله: (احتكار الطعام في الحرم إلحاد) فيه الاحتكار حرام في جميع البلاد وفي مكة أشد، والإلحاد في الحرم: ارتكاب ما حرم فيه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. ٢٧٢٤ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (ما أطيبك) بكسر الكاف صيغة تعجب، و (من) بيان للضمير، أو المراد: من بين البلاد أو، من جملتها، و (أحبك) عطف على

стр. 2936

وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٩٣٦]. ٢٧٢٥ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا عَلَى الْحَزْوَرَةِ، فَقَالَ: "وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٩٢١، جه: ٣١٠٨]. ــ (أطيبك) فتكون (ما) داخلةً عليه غير محذوفة، فلا يلزم التغير في صيغة التعجب، وقد حكم بمنعه النحاة، فتدبر. ٢٧٢٥ - [١١] (عبد اللَّه بن عدي) قوله: (على الحزورة) بحاء مهملة مفتوحة وزاي معجمة، وعوام مكة يصحفونه بالعزورة بعين مهملة، وهي على وزن قسورة، وذكر الدارقطني أن تخفيف الحزورة هو الصواب، وأن المحدثين يفتحون الزاي ويشددون الواو، وهو تصحيف، نقله صاحب (المطالع) وقال: قد ضبطنا بالوجهين عن ابن سراج، انتهى. والحزورة: الرابية الصغيرة، والجمع حزاور، وكان عندها سوق الخياطين بمكة، وهي في أسفلها عند منارة المسجد التي تلي أجياد، وهذا هو المشهور على ما ذكره الأزرقي، ونقل عن بعض المكيين أنها بفناء دار الأرقم المعروف بدار الخيزران عند الصفا، كذا في (تاريخ مكة) للفاسي. وذكر فيه أيضًا: أن هذا القول من النبي ﷺ المذكورَ في هذا الحديث عند خروجه من مكة في عمرة القضية؛ لأن قريشًا سأل النبي ﷺ أن يخرج من مكة بعد الثلاثة الأيام، وظن بعضهم أنه قال ذلك حين خرج من مكة للهجرة إلى المدينة، وليس كذلك، لأن في بعض طرق هذا الحديث: أنه قال ذلك وهو على راحلته بالحزورة،

стр. 2937

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٧٢٦ - [١٢] عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ -وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ-: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لإِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). . . . . ــ ولم يكن ﷺ بهذه الصفة حين هاجر إلى المدينة، لأنه خرج منها مستخفيًا، وفي (تاريخ الأزرقي): أنه ﷺ قال ذلك عام الفتح على الحجون، ولا منافاة لأنه يمكن أنه قال في كليهما، انتهى. ولا يخفى عليك أن هذا القول منه ﷺ : (ولولا أني أخرجت منك لما خرجت) لا يلائم عام الفتح، اللهم إلا أن يقال ذلك من جهة تذكر إخراجهم وإيذائهم سابقًا في قضية الهجرة، فافهم. الفصل الثالث ٢٧٢٦ - [١٢] (أبو شريح العدوي) قوله: (البعوث) جمع بعث، وهو بسكون العين، ويحرك: الجيش. وقوله: (قام به) أي: قال خطيبًا. وقوله: (سمعته) الضمير للقول، وكذا بواقي الضمائر، وتعليق الإبصار مجاز للمبالغة.

стр. 2938

فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ"، فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ! إنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: الْخَرْبَةُ: الْخِيَانَةُ (١). [خ: ١٧٧، م: ١٣٥٤]. ٢٧٢٧ - [١٣] وَعَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَزَالُ هَذِهِ الأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ هَلَكُوا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣١١٤]. * * * ــ وقوله: (بخربة) الخربة والخراب بالضم ويفتحان: الفساد في الدين، كذا في (القاموس) (٢). وقوله: (وفي البخاري: الخربة: الخيانة) ونقل الطيبي عن (صحيح البخاري) أنها البلية. ٢٧٢٧ - [١٣] (عياش بن أبي ربيعة) قوله: (وعن عياش بن أبي ربيعة) أخو أبي جهل لأمه، أسلم قديمًا، كان رسول اللَّه ﷺ يدعو له في القنوت: (اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة). وقوله: (هذه الحرمة) أي: حرمة بيت اللَّه وبلده الحرام.

стр. 2939

١٥ - باب حرم المدينة حرسها اللَّه تعالى ــ ١٥ - باب حرم المدينة حرسها اللَّه تعالى قد ورد في الأحاديث تحريم حرم المدينة، واختلفوا في ترتب حكم التحريم عليه، ومذهب أبي حنيفة أن معنى الحرم فيها مجرد التعظيم والتكريم من غير ثبوت أحكام أخر، مثل حرمة الصيد وقطع الشجر ولزوم الجزاء، ومن فعل شيئًا مما حرم أثم، ولا جزاء عليه، وهو قول مالك، وروايةٌ عن أحمد، وقولٌ للشافعي، وقال النووي (١): المشهور من مذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا ضمان في صيد المدينة وقطع شجرها، بل حرام بلا ضمان، وقال بعض العلماء: يجب فيه الجزاء كحرم مكة. قال في (فتح الباري) (٢): احتج الطحاوي على مذهب الحنفية بحديث أنس في قصة أبي عمير: (ما فعل النغير) قال: لو كان صيدها حرامًا ما جاز حبس الطير. وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل، قال أحمد: من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله؛ لحديث أبي عمير، وهذا قول الجمهور، لكن لا يَرِدُ ذلك على الحنفية لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم صيد الحرم، ويحتمل أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم. وقال التُّورِبِشْتِي (٣): لم ير تحريم صيد المدينة إلا نفر يسير من الصحابة، والجمهور منهم لم ينكروا اصطياد الطيور بالمدينة، ولم يبلغنا فيه أن النبي ﷺ نهى عنه بطريق يعتمد، وقد قال لأبي عمير: (ما فعل النغير)، ولو كان حرامًا لم يسكت

стр. 2940

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٧٢٨ - [١] عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (١) قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا الْقُرْآنَ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمَدِينَة حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، ــ عنه في موضع الحاجة، واحتج بعضهم بحديث أنس في قصة قطع النخل لبناء المسجد، ولو كان قطع شجرها حرامًا ما فعله ﷺ ، وتعقب بأن ذلك كان في أول الهجرة، وحديث تحريم المدينة كان بعد رجوعه ﷺ من خيبر. وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون سبب النهي عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة إليها، فكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في زينتها ويدعو إلى ألفتها، كما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن هدم آطام المدينة، فإنها من زينة المدينة، فلما انقطعت الهجرة ارتفع ذلك، وتعقب بأن النسخ لا يثبت إلا بدليل. وقيل: الجزاء في حرم المدينة أخذُ السلب، حديث (صحيح مسلم) عن سعد بن أبي وقاص، وفي رواية لأبي داود: (من أخذ [أحدًا] بالصيد في حرم المدينة فَلْيَسْلُبْه)، قال القاضي عياض: لم يقل أحد بهذا بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم، قال الشيخ: اختاره جماعة معه بعده لصحة الخبر به، وأغرب بعض الحنفية، فادعى الإجماع على ترك الأخذ بحديث السلب، وفي السلب وجهان؛ أحدهما: ثيابه فقط، وأصحهما: ثيابه وفرسه وسلاحه وغير ذلك. الفصل الأول ٢٧٢٨ - [١] (علي) قوله: (ما بين عير إلى ثور) قيل: وهما اسما جبلين، فعيرٌ

стр. 2941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بفتح العين المهملة وسكون التحتانية: جبل مشهور بالمدينة، وأما ثور فهو بمكة، وهو الذي توارى في غاره النبي ﷺ في الهجرة، وليس في المشهور بالمدينة جبل يسمى ثورًا، فهذا مشكل، قال في (فتح الباري) (١): اتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني، ووقع عند مسلم: (إلى ثور)، فقيل: إن البخاري أبهمه عمدًا لما وقع عنده أنه وهم. وقال صاحب (المشارق) (٢): أكثر رواة البخاري ذكروا عيرًا، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بـ (كذا)، ومنهم من ترك مكانه بياضًا، والأصل في هذا التوقفِ قول مصعب الزبيري: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وأثبت غيره عيرًا، ووافقه على إنكار ثور، قال أبو عبيد: قوله: (ما بين عير إلى ثور) هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلًا عندهم يقال له: ثور، وإنما ثور بمكة، ونرى أن أصل الحديث (ما بين عير إلى أُحد). قلت: وقد وقع ذلك في حديث عبد اللَّه بن سلام عند أحمد والطبراني، وقال عياض: لا معنى لإنكار (عير) بالمدينة، فإنه معروف، وقد جاء ذكره في أشعارهم، وقال ابن الأثير (٣): قيل: إن عيرًا جبل بمكة، ويكون المراد: حرِّم من المدينة مقدار ما بين عير وثور من مكة، وكانه قال: حرّمت المدينة تحريمًا مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة، على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف، انتهى.

стр. 2942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الشيخ مجد الدين في (القاموس) (١): ثور جبل بالمدينة، ومنه الحديث الصحيح: (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور)، وأما قول أبي عبيد بن سلَّام وغيرِه من أكابر الأعلام: إن هذا تصحيف، والصواب: إلى أحد، لأن ثورًا إنما هو بمكة، فغير جيد؛ لِمَا أخبرني الشجاع البعلي الشيخ الزاهد عن الحافظ أبي محمد عبد السلام البصري أن حِذاء أحد جانحًا إلى ورائه جبلًا صغيرًا يقال له: ثور، وتكرر سؤالي عنه طوائفَ من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، وكلٌّ أخبرني أن ذلك الجبل اسمه ثور، ولِمَا كتب إلي الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة: أن خلف أحد عن شماليِّه جبلًا صغيرًا مدورًا يسمى ثورًا، يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلفٍ، انتهى كلام (القاموس). ونقل هذا الكلام المذكور في (فتح الباري) (٢) عن المحب الطبري أنه قال في (الأحكام) بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه: قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري: أن حذاء أحد. . . إلخ. ونقل عنه في آخر كلامه أنه قال: فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، قال: وهذه فائدة جليلة، انتهى. وقال الشيخ: وقرأت بخط شيخ شيوخنا القطب الحلبي في شرحه: حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري: أنه خرج رسولًا إلى العراق، فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل، فكان يذكر له الأماكن والجبال، قال: فلما وصلنا

стр. 2943

فَمَنْ أَحْدَثَ فِيْهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، ــ إلى أحد إذا بقربه جبل صغير، فسألته عنه، فقال: هذا يسمى ثورًا، انتهى. وقد نقل كلام المحب الطبري السيد السمهودي في (تاريخ المدينة الطيبة) وقال: وردّ الجمال المطري في تاريخه على من أنكر وجود ثور، وقال: إن خلف أحد من شماليِّه جبلًا صغيرًا مدورًا يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلف، وقال الأقشهري: وقد استقصينا من أهل المدينة تحقيق خبر جبل يقال له ثور عندهم، فوجدنا ذلك اسم جبل خلف جبل أحد يعرفه القدماء دون المحْدَثين من أهل المدينة، والذي يَعلم حجةٌ على من لا يعلم. ونقل السيد السمهودي أيضًا عن الشيخ مجد الدين: لا أدري كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في الحديث المتفق على صحته بمجرد ادعاء أن أهل المدينة لا يعرفون جبلًا يسمى ثورًا مع احتمال تطرق التغير في الأسماء والنسيان؟ ! ولعل ثورًا جبل عند أحد، وهذا غاية الاستقصاء في تحقيق المرام في هذا المقام، واللَّه أعلم (١). وقوله: (فمن أحدث فيها حدثًا) أي: أمرًا حادثًا منكرًا في السنَّة، أو (آوى) أي: مكَّن وأجار وأعان (محدثًا) بكسر الدال، أي: مبتدعًا أو جانيًا، وقد يفتح الدال أي: أمرًا مبتدعًا، ويجعل (آوى) بمعنى رضي، فيكون المعنى: من ابتدع فيه أو رضي بالبدعة من غيره، (فعليه لعنة اللَّه) لعنة طردٍ وإبعاد من جناب القرب والرضا. وقوله: (صرف ولا عدل) المشهور في تفسيره: فريضة ونافلة، وقد يراد بالصرف

стр. 2944

ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٠، م: ١٣٦٣]. ــ الشفاعة؛ لأنها تَصرِف العذاب عمن يستحقه، أو التوبة لأنها تصرف العبد عن المعصية، وبالعدل الفدية لأنها تعادل المُفْدى، ومن الأحكام المكتوبة في الصحيفة العلوية هذا الحكم: (ذمة المسلمين واحدة) والذمة بالكسر: العهد؛ لأنه يذم على إضاعتها. وقوله: (يسعى بها أدناهم) أي: إذا آمن أحدٌ المسلمين -ولو كان وضيعًا أو عبدًا أو امرأةً- كافرًا لم يحل لأحد نقضه، (فمن أخفر مسلمًا) أي: نقض عهده، وخفرْتُه بمعنى: حفظت عهده، وأخفرتُ بمعنى: نقضت عهده، والخفرة: الإزالة. وقوله: (ومن والى قومًا بغير إذن مواليه) يحتمل أن يراد ولاء الموالاة؛ بأن يكون لرجل موالي فأبطل موالاتهم، واتخذ قومًا آخرين مواليَ بغير إذن مواليه والاستشارة بهم، فإن فيه نوعًا من نقض العهد والإيذاء، وقيل: المراد: من وَالى كفارًا لإيذاء المسلمين، ويحتمل أن يراد ولاء العتاقة، وهذا أنسب بما جاء في الروايات الأخرى من أقرانه، وذكرِه مع قوله: (ومن ادعى إلى غير أبيه) فإنهم قالوا: العتق له لحمة كلحمة النسب، أي: من انتسب إلى غير من هو معتِق له كان كالداعي الذي ينتسب إلى غير أبيه. وقوله: (بغير إذن مواليه) للتنبيه على ما هو المانع من إبطال حق مواليه وعهدهم، وعلى ما هو الغالب في الوقوع، لا لتقييد الحكم بعدم الإذن حتى يجوز بإذنهم.

стр. 2945

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: "مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ". ٢٧٢٩ - [٢] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ: أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا" وَقَالَ: "الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانوُا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيْهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لأَوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٦٣]. ــ ٢٧٢٩ - [٢] (سعد) قوله: (ما بين لابتي المدينة) أي: حَرَّتيها اللتين تكتنفانها، واللابة بالتخفيف واللُّوبة بالضم: الحرة، وهي أرض ذات حجارة. وقوله: (أن يقطع عضاهها) بدل اشتمال من (بين لابتي المدينة)، والضمير للمدينة، و (العضاه) جمع عضاهة بالكسر: أعظم الشجر، أو الخَمْط، أو كلُّ ذات شوك، أو ما عظم منها وطال، أو جمع عِضَهٍ كعنب أو عِضَهةٍ كعنبة. وقوله: (أو يقتل صيدها) والدلالة والإشارة والإعانة عليه في حكم القتل. وقوله: (والمدينة خير لهم) قيل: الضمير للمهاجرين، والظاهر العموم. وقوله: (لا يثبت) أي: لا يصبر، و (اللأواء) بالمد: الشدة والجوع، و (جهدها) صحح في النسخ بالضم، والظاهر الفتح بمعنى المشقة، وأما بالضم فمعنى الوسع والطاقة، وقيل: هما لغتان، و (أو) في قوله: (شفيعًا أو شهيدًا) للشك، وقيل: للتنويع، أي: شفيعًا للعاصين وشهيدًا للمتقين.
следующие страницы →