← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بفتح العين المهملة وسكون التحتانية: جبل مشهور بالمدينة، وأما ثور فهو بمكة، وهو الذي توارى في غاره النبي ﷺ في الهجرة، وليس في المشهور بالمدينة جبل يسمى ثورًا، فهذا مشكل، قال في (فتح الباري) (١): اتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني، ووقع عند مسلم: (إلى ثور)، فقيل: إن البخاري أبهمه عمدًا لما وقع عنده أنه وهم. وقال صاحب (المشارق) (٢): أكثر رواة البخاري ذكروا عيرًا، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بـ (كذا)، ومنهم من ترك مكانه بياضًا، والأصل في هذا التوقفِ قول مصعب الزبيري: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وأثبت غيره عيرًا، ووافقه على إنكار ثور، قال أبو عبيد: قوله: (ما بين عير إلى ثور) هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلًا عندهم يقال له: ثور، وإنما ثور بمكة، ونرى أن أصل الحديث (ما بين عير إلى أُحد). قلت: وقد وقع ذلك في حديث عبد اللَّه بن سلام عند أحمد والطبراني، وقال عياض: لا معنى لإنكار (عير) بالمدينة، فإنه معروف، وقد جاء ذكره في أشعارهم، وقال ابن الأثير (٣): قيل: إن عيرًا جبل بمكة، ويكون المراد: حرِّم من المدينة مقدار ما بين عير وثور من مكة، وكانه قال: حرّمت المدينة تحريمًا مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة، على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف، انتهى.

стр. 2942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الشيخ مجد الدين في (القاموس) (١): ثور جبل بالمدينة، ومنه الحديث الصحيح: (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور)، وأما قول أبي عبيد بن سلَّام وغيرِه من أكابر الأعلام: إن هذا تصحيف، والصواب: إلى أحد، لأن ثورًا إنما هو بمكة، فغير جيد؛ لِمَا أخبرني الشجاع البعلي الشيخ الزاهد عن الحافظ أبي محمد عبد السلام البصري أن حِذاء أحد جانحًا إلى ورائه جبلًا صغيرًا يقال له: ثور، وتكرر سؤالي عنه طوائفَ من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، وكلٌّ أخبرني أن ذلك الجبل اسمه ثور، ولِمَا كتب إلي الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة: أن خلف أحد عن شماليِّه جبلًا صغيرًا مدورًا يسمى ثورًا، يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلفٍ، انتهى كلام (القاموس). ونقل هذا الكلام المذكور في (فتح الباري) (٢) عن المحب الطبري أنه قال في (الأحكام) بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه: قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري: أن حذاء أحد. . . إلخ. ونقل عنه في آخر كلامه أنه قال: فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، قال: وهذه فائدة جليلة، انتهى. وقال الشيخ: وقرأت بخط شيخ شيوخنا القطب الحلبي في شرحه: حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري: أنه خرج رسولًا إلى العراق، فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل، فكان يذكر له الأماكن والجبال، قال: فلما وصلنا

стр. 2943

فَمَنْ أَحْدَثَ فِيْهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، ــ إلى أحد إذا بقربه جبل صغير، فسألته عنه، فقال: هذا يسمى ثورًا، انتهى. وقد نقل كلام المحب الطبري السيد السمهودي في (تاريخ المدينة الطيبة) وقال: وردّ الجمال المطري في تاريخه على من أنكر وجود ثور، وقال: إن خلف أحد من شماليِّه جبلًا صغيرًا مدورًا يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلف، وقال الأقشهري: وقد استقصينا من أهل المدينة تحقيق خبر جبل يقال له ثور عندهم، فوجدنا ذلك اسم جبل خلف جبل أحد يعرفه القدماء دون المحْدَثين من أهل المدينة، والذي يَعلم حجةٌ على من لا يعلم. ونقل السيد السمهودي أيضًا عن الشيخ مجد الدين: لا أدري كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في الحديث المتفق على صحته بمجرد ادعاء أن أهل المدينة لا يعرفون جبلًا يسمى ثورًا مع احتمال تطرق التغير في الأسماء والنسيان؟ ! ولعل ثورًا جبل عند أحد، وهذا غاية الاستقصاء في تحقيق المرام في هذا المقام، واللَّه أعلم (١). وقوله: (فمن أحدث فيها حدثًا) أي: أمرًا حادثًا منكرًا في السنَّة، أو (آوى) أي: مكَّن وأجار وأعان (محدثًا) بكسر الدال، أي: مبتدعًا أو جانيًا، وقد يفتح الدال أي: أمرًا مبتدعًا، ويجعل (آوى) بمعنى رضي، فيكون المعنى: من ابتدع فيه أو رضي بالبدعة من غيره، (فعليه لعنة اللَّه) لعنة طردٍ وإبعاد من جناب القرب والرضا. وقوله: (صرف ولا عدل) المشهور في تفسيره: فريضة ونافلة، وقد يراد بالصرف

стр. 2944

ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٠، م: ١٣٦٣]. ــ الشفاعة؛ لأنها تَصرِف العذاب عمن يستحقه، أو التوبة لأنها تصرف العبد عن المعصية، وبالعدل الفدية لأنها تعادل المُفْدى، ومن الأحكام المكتوبة في الصحيفة العلوية هذا الحكم: (ذمة المسلمين واحدة) والذمة بالكسر: العهد؛ لأنه يذم على إضاعتها. وقوله: (يسعى بها أدناهم) أي: إذا آمن أحدٌ المسلمين -ولو كان وضيعًا أو عبدًا أو امرأةً- كافرًا لم يحل لأحد نقضه، (فمن أخفر مسلمًا) أي: نقض عهده، وخفرْتُه بمعنى: حفظت عهده، وأخفرتُ بمعنى: نقضت عهده، والخفرة: الإزالة. وقوله: (ومن والى قومًا بغير إذن مواليه) يحتمل أن يراد ولاء الموالاة؛ بأن يكون لرجل موالي فأبطل موالاتهم، واتخذ قومًا آخرين مواليَ بغير إذن مواليه والاستشارة بهم، فإن فيه نوعًا من نقض العهد والإيذاء، وقيل: المراد: من وَالى كفارًا لإيذاء المسلمين، ويحتمل أن يراد ولاء العتاقة، وهذا أنسب بما جاء في الروايات الأخرى من أقرانه، وذكرِه مع قوله: (ومن ادعى إلى غير أبيه) فإنهم قالوا: العتق له لحمة كلحمة النسب، أي: من انتسب إلى غير من هو معتِق له كان كالداعي الذي ينتسب إلى غير أبيه. وقوله: (بغير إذن مواليه) للتنبيه على ما هو المانع من إبطال حق مواليه وعهدهم، وعلى ما هو الغالب في الوقوع، لا لتقييد الحكم بعدم الإذن حتى يجوز بإذنهم.

стр. 2945

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: "مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ". ٢٧٢٩ - [٢] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ: أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا" وَقَالَ: "الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانوُا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيْهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لأَوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٦٣]. ــ ٢٧٢٩ - [٢] (سعد) قوله: (ما بين لابتي المدينة) أي: حَرَّتيها اللتين تكتنفانها، واللابة بالتخفيف واللُّوبة بالضم: الحرة، وهي أرض ذات حجارة. وقوله: (أن يقطع عضاهها) بدل اشتمال من (بين لابتي المدينة)، والضمير للمدينة، و (العضاه) جمع عضاهة بالكسر: أعظم الشجر، أو الخَمْط، أو كلُّ ذات شوك، أو ما عظم منها وطال، أو جمع عِضَهٍ كعنب أو عِضَهةٍ كعنبة. وقوله: (أو يقتل صيدها) والدلالة والإشارة والإعانة عليه في حكم القتل. وقوله: (والمدينة خير لهم) قيل: الضمير للمهاجرين، والظاهر العموم. وقوله: (لا يثبت) أي: لا يصبر، و (اللأواء) بالمد: الشدة والجوع، و (جهدها) صحح في النسخ بالضم، والظاهر الفتح بمعنى المشقة، وأما بالضم فمعنى الوسع والطاقة، وقيل: هما لغتان، و (أو) في قوله: (شفيعًا أو شهيدًا) للشك، وقيل: للتنويع، أي: شفيعًا للعاصين وشهيدًا للمتقين.

стр. 2946

٢٧٣٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٨]. ٢٧٣١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرَةِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا أَخَذَهُ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنبَيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنبَيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَأَنَا أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ". ثُمَّ قَالَ: يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ، ــ ٢٧٣٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا يصبر على لأواء المدينة) قيل: مخصوص بزمان حياته ﷺ ، وقيل: عام، غايته أن الشدة في ذلك الزمان أكثر وأعظم. ٢٧٣١ - [٤] (عنه) قوله: (وبارك لنا في مدينتنا) البركة تكون بمعنى النماء والزيادة، وبمعنى الثبات واللزوم، وهي تشمل البركة الدينية والدنيوية، وأيّ بركة لم تُرْزقْها تلك البلدة، وقد فتح كنوز العالم فيها، وأضاء بأنوارها وآثارها المشارق والمغارب. وقوله: (وإني عبدك ونبيك) لم يذكر الخلة لنفسه مع ثبوتها له أكمل مما ثبتت لإبراهيم، ولا الحبَّ الذي هو أكمل من الخلة عند البعض، فإن الحبيب هو المحب الذي وصل إلى مقام المحبوبية تواضعًا مع إثبات صفة العبودية الخاصة التي هي أكمل الصفات وأرفع المقامات، والعبودية الحقيقية خاصة بالمحمدية، وكل من سواه فهو دونه في هذه الصفة، كما قرره أهل التحقيق. وقوله: (يدعو أصغر وليد) تخصيصه بالأصاغر لرعاية المناسبة الواقعة بينهم

стр. 2947

فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٣]. ٢٧٣٢ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَامًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا؛ أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلَفٍ". . . . . ــ وبين الباكورة، ولأن الصغير أرغب فيه وأكثر تطلعًا إليه وأشد فرحًا بذلك، وفي إيثار الغير تنبيه وتعليم للأمة على منع الشره والشهوة، خصوصًا فيما فيه ميل الطبع أشدُّ وأكثر كالباكورة. ٢٧٣٢ - [٥] (أبو سعيد) قوله: (إن إبراهيم حرم مكة) نسبة التحريم إلى إبراهيم باعتبار دعائه وسؤاله ذلك، فلا ينافي ما سبق في حرم مكة من قوله: (إن مكة حرمها اللَّه ولم يحرمها الناس). وقوله: (وإني حرمت المدينة حرامًا) مصدر للتأكيد من قبيل: أنبته نباتًا، وقيل: التقدير: جعلتها حرامًا كما في قرينه، و (المأزمين) بكسر الزاي، أي: طرفيها من الجبال في معنى: ما بين لابتيها، والمأزم: المضيق بين الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسع، ويقال: المأزمان، لمضيق بين جمع وعرفة وبين مكة ومنى. والمراد بإهراق الدم القتال، وإلا فإراقة الدم منهي عنها على الإطلاق، كذا قيل، والأظهر أن المراد النهي عن قتل الجاني فيها حتى يخرج، كما هو مذهب أبي حنيفة، والحمل على النهي عن القتال يوجب التكرار لقوله: (ولا يحمل فيها سلاح لقتال). وقوله: (ولا تخبط) بالتاء والياء، خبط الشجرة: شدَّها ثم نقض ورقها. وقوله: (إلا لعلف) قد يجعل القائلون بأن تحريم المدينة تحريم التعظيم بدون

стр. 2948

رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٤]. ٢٧٣٣ - [٦] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أَوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ، فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ أَوْ عَلَيهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٦٤]. ٢٧٣٤ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلْيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا. . . . . ــ الجزاء هذا القولَ قرينةً على ذلك، لأن أشجار مكة لا يجوز خبطها بحال، وفيه ما فيه. ٢٧٣٣ - [٦] (عامر بن سعد) قوله: (بالعقيق) موضع قريب من المدينة، كذا في (القاموس) (١)، كان يسكنه سعد بن أبي وقاص ﵁، وله فيه قصر. وقوله: (فسلبه) أي: أخذ ثوبه وسلاحه. وقوله؛ (على غلامهم أو عليهم) الظاهر أن (أو) للشك. وقوله: (نفلنيه) بالتشديد، أي: جعله لي نفلًا بالتحريك، أي: غنيمة. ٢٧٣٤ - [٧] (عائشة) قوله: (وعك أبو بكر وبلال ﵄)، الوعك: الحمى أو وجعها.

стр. 2949

فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٩، م: ١٣٧٦]. ٢٧٣٥ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ: "رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ مَهْيَعَةَ، فتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَى مَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٣٩]. ــ وقوله: (بالجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة: موضع بين مكة والمدينة، وفيها موضع يسمى بغدير الخم، وكان ساكنوها يومئذ اليهود، قالوا: كانت أرض المدينة قبل هجرة النبي ﷺ أرض وباء وبلاء وشدة ولأواء وحمى، فأمرها ﷺ أن تنتقل إلى أراضي الكفار، وفيه دليل على جواز الدعاء على الكفار بالأمراض والأسقام والموت والهلاك وفساد بلادهم. ٢٧٣٥ - [٨] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (في رؤيا النبي ﷺ ) الإضافة إلى الفاعل. وقوله: (في المدينة) أي: في شأن المدينة. وقوله: (رأيت امرأة) بيان لرؤيا النبي ﷺ ذكره حكاية عنه ﷺ . وقوله: (ثائرة الرأس) أي: شعثًا، و (مهيعة) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتانية. وقوله: (إن وباء المدينة) أي: حمَّاها وأمراضها، وفي (القاموس) (١): الوباء: الطاعون أو كل مرض عام، وقال في حرف النون: الطاعون: الوباء، وقد يطلق أيضًا على الأرض الوخمة التي تكثر بها الأمراض، ولم يكن هذا المعنى معلومًا لهم قبل القدوم، وأيضًا لم يكن النهي عن قدوم أرض الوباء ثابتًا.

стр. 2950

٢٧٣٦ - [٩] وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَيُفْتَحُ الشِّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَيُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٥، م: ١٣٨٨]. ٢٧٣٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، ــ ٢٧٣٦ - [٩] (سفيان بن أبي زهير) قوله: (يبسون) أي: يسيرون، من البس، وهو السير باللين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]، وقيل: من بَسْسْتُ الدابة، أي: سُقتها. (فيتحملون) بمعنى: يرتحلون، والمراد: يخرجون من المدينة إلى البلاد، ويسوقون دوابهم ورحالهم إليها، بطلب سعة المعيشة وحظوظ الدنيا وحطامها الفانية، وأعرضوا عن جوار رسول اللَّه ﷺ والإقامة في مهبط الوحي ومنزل البركات، ففيه تحقيرهم وتوهين أمرهم، وقيل: المراد أن يخرجوا من البلاد ويسكنون بالمدينة، ففيه مدح المدينة ومدح النازلين فيها، والمعنى الأول أصح وأوجه وأظهر من الحديث، واللَّه أعلم. ٢٧٣٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أمرت بقرية) أي: بالهجرة إليها واستيطانها، (تأكل القرى) أي: تغلبها وتظهر عليها، بمعنى أن من سكنها واستوطنها غلب على سائر البلاد وفتحها، وهذه خاصية هذا البلد الشريف، سكنها أولًا العمالقة، فغلبوا وفتحوا البلاد والولايات ما بين البحرين وعمان والحجاز والشام ومصر وغير ذلك،

стр. 2951

يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ. . . . . ــ ثم سكن اليهود فغلبوا العمالقة، ثم جاء الأنصار فغلبوا اليهود، ثم جاء سيد المرسلين ﷺ ومن معه من المهاجرين فغلبوا، وأيّ غلبة وشوكة حصلت لهم حتى شمل العالم من مشرقها إلى مغربها، وهذه الأخبار بتفاصيلها مذكورة في كتاب (جذب القلوب إلى ديار المحبوب) (١) تاريخ المدينة المطهرة على ساكنها السلام والتحية. ومن أسماء هذه البلدة المكرمة: (أكالة القرى) و (أكالة البلدان) من جهة تسلطها وغلبتها على سائر البلدان والأمصار، وتنفيذ أمر أهلها على سائر أهل الأقطار، وحمله بعضهم على معنى زيادة الفضل والكرامة لها بالنسبة إلى فضائل سائر الأماكن، بمعنى أن الفضائل كلها مضمحلة ومتوارية في جنب فضائلها، كما سميت مكة أم القرى من جهة أصالتها وعراقتها بالنسبة إلى سائر بقاع الأرض، كما جاء في الأخبار، وقال بعضهم: مضمون (أكالة القرى) أبلغ وأكمل من معنى (أم القرى)، لأن الأمومة لا تقتضي المحو والإهلاك والإفناء إلا ثبوت الأصالة وحق الأمومة بخلاف الأكل، فإنه يقتضي التواري والاضمحلال، ولهذه البلدة أسماء كثيرة تبلغ المئة، ذكرنا نبذة منها في الكتاب المذكور. وقوله: (يقولون: يثرب وهي المدينة) كان اسم هذه البلدة الشريفة قبل زمان النبوة يثرب وأثْرِب على وزن مسجد، فسماها رسول اللَّه ﷺ (المدينة) من التمدن واجتماع الناس واستئناسهم وائتلافهم فيها، و (طابة) و (طيبة) و (محبوبة) وغيرها من الأسماء، ونهى أن تسمى يثرب إما لأنها اسم جاهلي، أو لأنه مشتق من الثرب بمعنى الهلاك والفساد، والتثريب هو التوبيخ والملامة، أو لأنه في الأصل اسم صنم أو

стр. 2952

تنفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧١، م: ١٣٨٢]. ٢٧٣٨ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٨٥]. ــ أحد من الجبابرة. وروى البخاري في (التاريخ) حديثًا معناه: أن من قال: يثرب مرة فليقل: المدينة عشر مرات ليتدارك ذلك، وجاء في رواية أخرى: فليستغفر، وعن بعضهم: أنه يعزر قائله، وما جاء في القرآن ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] فإنما هو حكاية عن قول المنافقين، ولذلك قال يقولون: يثرب، يعني إهانة وقصدًا إلى أنها ليست محل الإقامة والتوطن. وقوله: (وهي المدينة) يعني مستحقة لأن تُستوطن ويجتمع فيها. وقوله: (تنفي) أي: تخرج (الناس) من أهل الكفر والخبث، كما يزيل (الكير) بكسر الكاف وسكون التحتانية بمعنى الكورة أو الزق الذي ينفخ به وهو الأرجح، و (الخبث) بفتحتين: ما تلقيه النار وتبرزه من وسخ الفضة والنحاس والحديد وغيرها إذا أذيبت فيجعلها خالصة نقية. ٢٧٣٨ - [١١] (جابر بن سمرة) قوله: (إن اللَّه سمى المدينة (١)) على لسان حبيبه (طابة)، وكذلك (طيبة) بسكون المثناة، و (طيبة) بالتشديد، و (طائب) من الطيب بمعنى طهارتها من أنجاس الشرك، وموافقتها للطباع السليم، ولطيب رائحته،

стр. 2953

٢٧٣٩ - [١٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَصَابَ الأَعْرَابِيَّ وَعَكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَتُنصِعُ طَيِّبَهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٣، م: ١٣٨٣]. ــ بل طيب أمورها كلها، قال بعض العارفين: تهب من تربتها وأبوابها وجدرانها روائح طيبة يجدها من لا تزكم شامة باطنه بزكام الكفر والنفاق، قال أبو عبد اللَّه العطار: بطيبِ رسولِ اللَّهِ طابَ نسيمُها ... فَمَا المسكُ والكافورُ والمنْدلُ وقيل: لطيب ساكنها وأمنهم بها وسكون حال من هاجر إليها، واليوم الطيب: الساكن الريح، والريح الطيبة: الساكنة، أو من الطيب وحسن العيش بها، من طاب لي الشيء: إذا وافقك، كذا في (المشارق) (١). ٢٧٣٩ - [١٢] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (أن أعرابيًا بايع) قالوا: كان ممن هاجر وبايع النبي ﷺ على الإقامة عنده، ثم أبى وبالغ في الخروج من عنده. وقوله: (تنصع) في (القاموس) (٢): نصع كمنع نصاعة ونصوعًا: خلص، ونصع لونه: اشتدّ بياضه، والناصع: الخالص من كل شيء، انتهى. فهو لازم، (يَنْصَع) بمهملتين، أي: يَخْلُص، (طيبها) بالرفع، وروي من التفعيل فـ (طيبها) بالنصب،

стр. 2954

٢٧٤٠ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٨١]. ٢٧٤١ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ. . . . . ــ وقيل: (ينصع) إما من النصوع بمعنى الخلوص، أو من النصع بمعنى الإخلاص، و (طيبها) رفع على الأول ونصب على الثاني، وروي بموحدة مع مهملتين من البصع وهو الجمع، وبمعجمة فمهملة من بضعت اللحم قطعته، كذا في (مجمع البحار) (١)، أي: يخرج ويصفي الطيب من الخبيث. وقوله: (طيبها) بكسر طاء وسكون ياء، ويروى بفتح طاء وكسر تحتية مشددة، وهو أصح وأقوم لأنه في مقابلة الخبيث. ثم قيل: يحتمل كونه في زمن النبي ﷺ ، وكونه آخر الزمان حين يخرج الدجال، ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق، ويحتمل كونه في أزمنة متفرقة، يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان يقول حين خرج منها بعد كونه أميرًا من جانب هشام بن عبد الملك: أخاف أن أكون ممن نفته المدينة، كذلك يخاف كل من خرج منها، اللهم إلا لضرورة وحق شرعي، نسأل اللَّه العافية. ٢٧٤٠ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة) هذا الحديث ظاهر في كونه في آخر الزمان، كما قيل. ٢٧٤١ - [١٤] (عنه) قوله: (على أنقاب المدينة) جمع نقب بفتح النون -وحكي ضمها- وسكون قاف: الطريق بين الجبلين أو الفرجة بينهما.

стр. 2955

مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٠، م: ١٣٧٩]. ٢٧٤٢ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونها، فَيَنْزِلُ السَّبِخَةَ، فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨١، م: ٢٩٤٤٣]. ــ ٢٧٤٢ - [١٥] (أنس) قوله: (من أنقابها) الظاهر أن الضمير للمدينة، كما يدل عليه سياق الحديث، فإن السبخة إنما هي أرض المدينة، فلعل مكة تحفظ بدون حراسة الملائكة. وقوله: (فينزل السبخة) بفتحات وقد تكسر الباء: أرض يعلوها الملوحة، وفي (القاموس) (١): السَّبْخة ويحرك: أرض ذات نزٍّ وملح. وقوله: (فترجف المدينه بأهلها) في (القاموس) (٢): رجف: حرك وتحرك، انتهى. والظاهر في الحديث المعنى الثاني، فالباء إما للتعدية أو للملابسة، وقال الطيبي (٣): يحتمل أن تكون للسببية، ويجوز أن يحمل على الأول وتكون الباء زائدة.

стр. 2956

٢٧٤٣ - [١٦] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٧، م: ١٣٨٧]. ٢٧٤٤ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨٨٦]. ــ ٢٧٤٣ - [١٦] (سعد) قوله: (إلا انماع) أي: ذاب وفني، يعني: من أراد المكر بهم وإيذاءهم لا يمهله اللَّه، ولم يبق له سلطان بل يذهبه عن قريب، كما يرى ذلك من حال يزيدَ الشقيِّ عليه ما يستحقه. ٢٧٤٤ - [١٧] (أنس) قوله: (إلى جدرات) الجدر والجدار: الحائط، والجمع: جدر وجدور وجدران، وفي الحديث جمع الجمع بالألف والتاء. وقوله: (أوضع راحلته) وضع البعيرُ: أسرع، وأوضعه راكبه إيضاعًا: إذا حمله على سرعة السير، وفي الحديث: (شر الناس في الفتنة الراكب الموضع) (١)، أي: المسرع إليها، ومنه (فإن البر ليس بالإيضاع) قاله حين الدفع من عرفة وأوضع في وادي محسر، كما مر، وقيل: الإيضاع خاص بالراحلة، أي: بالبعير، ويقال في غيرها كالفرس والبغل والحمار: حركها، ولذا قال: (وإن كان على دابة) يعني: سوى البعير (حركها)، وأعظم ما يكون الشوق يومًا إذا دنت الخيام من الخيام.

стр. 2957

٢٧٤٥ - [١٨] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٨٩، م: ١٣٦٥]. ٢٧٤٦ - [١٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٤٨٢]. ــ ٢٧٤٥ - [١٨] (عنه) قوله: (هذا جبل يحبنا ونحبه) قيل: هذا مجاز باعتبار محبة أهلها، وهم المؤمنون وأهل التوحيد من الأنصار، كما أنشد: ومن مذهبي حب الديار لأهلها ولذا قال في مقابلته: (وعير جبل يبغضنا ونبغضه) لكون ساكنيه المنافقين، والحق أنه محمول على ظاهره؛ لإيداع العلم والفهم ولوازمهما من المحبة والعداوة في الجمادات على ما يليق بشأنها، خصوصًا مع الأنبياء والأولياء، خصوصًا سيد الأنبياء وسلطان الأولياء كان محبوب العالمين لكونه محبوب رب العالمين، ومن أحبه اللَّه أحبه كل شيء، إذ كل شيء خلقه ومحكومه، وحنين الجذع لمفارقته ﷺ أدل دليل على ذلك، وهو حديث مشهور بلغ حدّ التواتر. ٢٧٤٦ - [١٩] (سهل بن سعد) قوله: (أحد جبل يحبنا ونحبه) الظاهر أن هذا القول أيضًا في المقام المذكور، أعني: إذا طلع أُحدٌ، ففي العدول عن اسم الإشارة والتعبير باسمه تشريف وتعظيم له والتذاذ، كما يكون بذكر اسم المحبوب، ويحتمل أن يكون صدوره في وقت آخر لم يكن بحضرته.

стр. 2958

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٧٤٧ - [٢٠] عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ الَّذِي حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ، فَجَاءَ مَوَالِيهِ فَكَلَّمُوهُ فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ هَذَا الْحَرَمَ، وَقَالَ: "مَنْ أَخَذَ أَحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ"، فَلَا أَرُدُّ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمْ ثَمَنَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٣٧]. ٢٧٤٨ - [٢١] وَعَنْ صَالِحٍ مَوْلًى لِسَعْدٍ: أَن سَعْدًا وَجَدَ عَبِيدًا مِنْ عَبِيدِ الْمَدِينَةِ يَقْطَعُونَ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ، فَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ وَقَالَ -يَعْنِي لِمَوَالِيهِمْ-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى أَنْ يُقْطَعَ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ شَيْءٌ وَقَالَ: "مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبُهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٣٨]. ــ الفصل الثاني ٢٧٤٧ - [٢٠] (سليمان بن أبي عبد اللَّه) قوله: (فسلبه ثيابه) بدل كما في سُلب زيدٌ ثوبُه. وقوله: (دفعت إليكم ثمنه) أي: تبرعًا. ٢٧٤٨ - [٢١] (صالح مولى لسعد) قوله: (وجد عبيدًا من عبيد المدينة) بلفظ الجمع فيهما، ومر في (الفصل الأول) عن عامر بن سعد: (عبدًا) بلفظ المفرد، وفي حديث: (رجلًا)، فإما أن تكون القضية متعددة، وعلى تقدير التعدد وجد عبيدًا مجتمعين، أو وجد مرارًا كلَّ مرة واحدًا منهم، أو يكون من وهم الراوي، واللَّه أعلم.

стр. 2959

٢٧٤٩ - [٢٢] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ صَيْدَ وَجٍّ وَعِضَاهَهُ حِرْمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّهِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: وَجٌّ ذَكَرُوا أَنَّهَا مِنْ ناحِيَةِ الطَّائِفِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: "أَنَّهُ" بَدَلُ "أَنَّهَا". [د: ٢٠٣٢]. ٢٧٥٠ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا". . . . . ــ ٢٧٤٩ - [٢٢] (الزبير) قوله: (إن صيد وج) الوجء بفتح الواو وتشديد الجيم: وادٍ بالطائف، ووقع في حديث متشابه: (إن وجًا مقدس، منه عرج الرب إلى السماء)، كما في (مجمع البحار) (١)، وتحريمه يحتمل أن يكون على سبيل الحِمَى، أو حرِّم في وقت ثم نسخ، كذا قال الشافعية وغيرهم، ومثل هذا قالت الحنفية في تحريم المدينة. وقوله: (حرم محرم للَّه) الحرم بكسر الحاء بمعنى حرام، و (محرم للَّه) للتأكيد. وقوله: (أنه) بضمير المذكر الراجع إلى (وج) (بدل أنها) بضمير المؤنث راجعًا إليه، ويجوز في أسماء المواضع التأنيث بتأويل البقعة أو الناحية، والتذكير بتأويل الموضع أو المكان، ولهذا يصرف ولا يصرف. ٢٧٥٠ - [٢٣] (ابن عمر) قوله: (فليمت) أي: فليُقم بها حتى يموت، وكان من دعاء عمر ﵁: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك، فاستجيب، ونحن أيضًا ندعو اللَّه رجاء الإجابة: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك، آمين آمين. وقوله: (فإني أشفع) بالتخفيف معلومًا، وبالتشديد مجهولًا.

стр. 2960

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [حم: ٢/ ٧٤، ١٠٤، ت: ٣٩١٧]. ٢٧٥١ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "آخِرُ قَرْيَةٍ مِن قُرَى الإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩١٩]. ٢٧٥٢ - [٢٥] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ: أَيَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نزَلْتَ فَهِيَ دَارُ هِجْرَتِكَ: الْمَدِينَةِ أَوِ الْبَحْرَيْنِ أَوْ قِنَّسْرِينَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٢٣]. ــ ٢٧٥١ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة) وقد جاء في شأن الكعبة أن ما دام هذا البيت على وجه الأرض لا تقوم الساعة. ٢٧٥٢ - [٢٥] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (أي هؤلاء الثلاثة) بالنصب ظرف (نزلت)، أي: في أيّ هؤلاء المواضع الثلاثة نزلت، خيِّر رسول اللَّه ﷺ أولًا قبل أن يهاجر بين هؤلاء الثلاثة المواضع، ثم عيِّنت المدينة، كذا في (تاريخ المدينة) (١). و(البحرين) جزيرة ببحر عمّان، و (قنسرين) بلد من الشام، وصحح في النسخ بكسر القاف وفتح النون المشددة وكسر الراء وفتحها، وكتب في الحاشية من (المفاتيح): بكسر القاف والنون مشددة، تكسر وتفتح، وفي (القاموس) (٢): قِنَّسْرين وقِنَّسرون وتكسر نونهما: كورة بالشام، وهو قِنَّسري وقِنَّسرينيٌّ.

стр. 2961

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٧٥٣ - [٢٦] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٢٥]. ٢٧٥٤ - [٢٧] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٥، م: ١٣٦٣]. ٢٧٥٥ - [٢٨] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ زَارَنِي مُتَعَمِّدًا كَانَ فِي جِوَارِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَكَنَ الْمَدِينَةَ وَصَبَرَ عَلَى بَلَائِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا وَشَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". ــ الفصل الثالث ٢٧٥٣ - [٢٦] (أبو بكرة) قوله: (رعب) بضم وسكون وبضمتين: الفزع، رَعَبَه كمنعه. ٢٧٥٤ - [٢٧] (أنس) قوله: (ضعفي ما جعلت) وسبق في (الفصل الأول) عن أبي هريرة: (أنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه)، وهذا يدل على أفضلية المدينة من مكة، وهذا مختلف فيه بين الأئمة، وقد ذكرنا دلائل الجانبين في كتاب (جذب القلوب) (١). ٢٧٥٥ - [٢٨] (رجل من آل الخطاب) قوله: (متعمدًا) أي: لا يكون تبعًا للحج،

стр. 2962

٢٧٥٦ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: "مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٤١٥٢، ٤١٥٦]. ٢٧٥٧ - [٣٠] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ، فَاطَّلَعَ رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ فَقَالَ: بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بِئْسَمَا قُلْتَ"، قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا، إِنَّمَا أَرَدْتُ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا مِثْلَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ــ فإنْ قصد الزيارة فقط فذلك ظاهر، وإن قصد الحج والزيارة جميعًا، فهذا أيضًا لا ينافي تعمد الزيارة، ثم تكلموا أن قصد المسجد الشريف والصلاة فيه والاعتكاف فيه هل ينافي تعمد الزيارة والتجرد والإخلاص له أم لا؟ والصواب قوله: (من حج فزار قبري) مبني على العادة، فإن العادة جرت بقصد الزيارة بعد الحج، وهذا يدل على أن قصد الجج والزيارة معًا لا ينافي التعمد للزيارة. ٢٧٥٦ - [٢٩] (ابن عمر) قوله: (كمن زارني في حياتي) مبناه على ثبوت الحياة له ﷺ حقيقة، ولا خلاف فيه، وقد فصَّلْتُ القول في هذا المطلب في (جذب القلوب)، فلينظر ثمة. ٢٧٥٧ - [٣٠] (يحيى بن سعيد) قوله: (فاطلع رجل في القبر) أي: نظر. وقوله: (بئس مضجع المؤمن) أي: هذا القبر. وقوله: (إني لم أرد هذا) أي: ذم القبر مطلقًا، بل أردت أن الموت في الغربة بالشهادة أفضل. وقوله: (لا مثل القتل) لا بمعنى ليس واسمه محذوف، أي: ليس الموت

стр. 2963

مَا عَلَى الأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. [ط: ٩٨٨]. ٢٧٥٨ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: "صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، ــ بالمدينة مثل القتل في سبيل اللَّه بل هو أفضل. وقوله: (ما على الأرض بقعة. . . إلخ)، دليل على الأفضلية، هكذا ذكر الطيبي (١)، فعلم منه أن الموت بالمدينة والدفن فيها أفضل من الشهادة والدفن في مكان الغربة، قد يختلج أن الظاهر على هذا التقدير أن يقال: ليس القتل في سبيل اللَّه مثل الموت بالمدينة، ويحتمل عبارة الحديث أن يكون معناه: نعم ليس الموت بالمدينة مثل القتل في سبيل اللَّه، والقتل في سبيل اللَّه أفضل وأعظم، ولكن إن لم يرزق الشهادة فالموت في المدينة والقبر فيها أفضل من الموت في سائر البلاد والقبرِ فِيها، فعلى هذا يفهم أفضلية الموت بالمدينة من الموت في سائر البلاد، لكن يبقى أفضلية القتل في سبيل اللَّه، هذا احتمال لفظي، واللَّه أعلم بالمراد، ولا شك أن المعنى الأول أبلغ وأدخل في فضيلة المدينة. ٢٧٥٨ - [٣١] (ابن عباس) قوله: (وهو بوادي العقيق) واد مشهورٌ معظَّم من أودية المدينة، وذو الحليفة داخل في هذا الوادي أو قريب منه، وذكر فضائله في الأحاديث، وذِكْرُه في الأشعار كثير، قال: يا صاحبي هذا العقيق فقف به ... متوالهًا إن كنت لست بواله

стр. 2964

وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ"، وَفِي رِوَايَةٍ: "وَقُلْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٣٤]. ــ وقوله: (قل عمرة) بالنصب (في حجة) أي: احسب صلاتك في هذا الوادي واعدلها بعمرة داخلة في حجة، والقول يستعمل في الأفعال، كذا قال الطيبي (١)، وفي (الحاشية): أي قل: نويت حجة وعمرة، فلعله كان في وقت إحرام حجة الوداع، واللَّه أعلم. تم (كتاب الحج) بحمد اللَّه وتوفيقه، وبه يتم الدفتر الأول من الشرح، والحمد للَّه على نعمه، ونسأله المزيد من فضله وكرمه، وصلى اللَّه على سيدنا، ومولانا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين. * * *

стр. 2965

(١١) كتاب البيوع

стр. 2966

(١١) كتاب البيوع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١١ - كتاب البيوع جمعها لتعدد أنواع البيع، وقد أفرد في نحو (كتاب الطهارة) و (كتاب الصلاة) إرادةً للجنس، وهو واحد، والبيع قد يطلق على العقد الذي يفيد خروج المال من ملك أحد، ودخوله في ملكِ آخَرَ، ويفسر بمبادلة المال بالمال، والأكثر إطلاقه على الجزء الأول، وقد يطلق على الثاني، قال في (القاموس) (١): باعه يبيعه: إذا باعه، وإذا اشتراه، ضد، والشراء أيضًا يجيء بالمعنيين، وكلام بعضهم يدل على أن ذلك بناءً على أن الثمن والمثمن كل منهما مبيع ومشترًى، فافهم. ثم قيل: إن البيع مشتق من البَوْعِ بمعنى مدِّ الباع، وعليه أكثر الفقهاء؛ لأن كل واحد يمدّ باعه للأخذ، وردّ بأنه مصدر، والمصدر على رأي البصريين منبع الاشتقاق، وهو مشتق منه لا أنه مشتق، فإن أجيب بالتزام مذهب الكوفيين بأن الأصل في الاشتقاق الفعل، ردّ بأنه الفعل الذي منه المصدر لا فعل آخر؛ لأن الباع عينه واو من بَوَع، والبيع عينه ياء من بَيعَ، وشرط الاشتقاق اتفاق الأصل والفرع في الحروف الأصلية، وقد يجاب عن هذا وعن كثير من اشتقاق الفقهاء بأن هذا من الاشتقاق الأكبر، وقد

стр. 2967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شرط بعض المحققين في الأكبر المناسبة في المعنى دون الاتفاق في الحروف، ولا ريب أن بين الباع والبيع مناسبة ما، وقيل: إنه مشتق من البيعة. وفيه نظر، إذ المصدر لا يشتق من المصدر، كذا في شرح (كتاب الخرقي) (١).

стр. 2968

١ - باب الكسب وطلب الحلال ــ ثم من عادة المؤلف أن يذكر في الكتاب ثلاث فصول في فضائل ما أضيف إليه، ولم يفعل ذلك هنا، ولعله لأجل أنه لم يَرِدْ فِي فضيلة البيع والشراء أحاديث كما في الطهارة والصلاة وأمثالهما، وإنما وجد في فضيلتهما باعتبار الكسب وطلب الحلال، فذكر بابًا في الكسب وطلب الحلال، وذكر فيه فصولًا فقال: ١ - باب الكسب وطلب الحلال الكسب: المطلب والسعي في طلب الرزق والمعيشة، وكَسَبَ الوالدُ: طَلَبَ ولدَه، وسعى في تحصيله، وفي (القاموس) (١): من كَسَبه يَكسِبُه كَسْبًا وتَكَسَّب واكتسب: طلب الرزق، واكتسب: تصرَّف واجتهد، وكَسَبه: جَمَعه، وفلانًا مالًا كأكسبه إياه فكَسَبه هو، انتهى. وفي (الصراح) (٢): درزيدن وكرد آوردن، وأصله الجمع، ويروى في حديث: "وتحمل الكل وتكسب المعدوم"، بالفتح والضم: تُعِين على كسبه، ويجوز على الفتح أن يراد: تَكْسِبُ المالَ المعدومَ، وتُنفقه في وجوه الخيرات.

стр. 2969

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٧٥٩ - [١] عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٧٢]. ٢٧٦٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلينَ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، ــ الفصل الأول ٢٧٥٩ - [١] (المقدام بن معدي كرب) قوله: (وإن نبي اللَّه داود ﵇ تنبيه على أن الكسب من سنن الأنبياء والمرسلين، وكان داود ﵇ يعمل السرد (١) لقوته، ولذا قال: (كان يأكل)، وفيه إشارة إلى أن كسب الحلال للأكل والقوت لهم، ولو كسبه لجميع طرق معاشه من اللباس والركوب وغيرهما كان أتم وأكمل، ويمكن أن يحمل قوله: (يأكل) على معنى يتصرف في وجوه معيشته، واللَّه أعلم (٢). ٢٧٦٠ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبًا (٣)) الطيب ضد

стр. 2970

ثم ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّماءِ: يا ربِّ يا ربِّ، ــ الخبيث، ويجيء بمعنى الطاهر النظيف، ومنه قول علي ﵁ لما مات رسول اللَّه ﷺ : طبت حيًّا وطبت ميّتًا، أي: طهرت، وقوله ﷺ لعمار: "مرحبًا بالطيب"، ويجيء من طيب النفس بمعنى السماحة من غير كراهة، ومن طيب الرائحة بمعنى الحلال، وقالوا: أصل الطيب ما يستلذه الحواس والنفس، والحلال تستلذه النفس شرعًا، والطيب من الإنسان من تزكّى عن نجاسة الجهل والفسق، وتحلّى بالحِكَم ومحاسن الأفعال، ويوصف به الباري تعالى بمعنى تنزُّهه عن النقائص. ومعنى الحديث: أنه تعالى لما تنزّه عن العيوب لم يقبل إلا الطيب من المال وهو الحلال لتنزُّهه عن العيب، فيناسب جناب القدس، فلا ينبغي أن يتقرب إليه بما يتضادّه وهو الحرام. وقوله: (ثم ذكر) الضمير للنبي ﷺ ، و (الرجل) منصوب على المفعولية، و (يطيل) من الإطالة صفة (الرجل) لكون اللام للعهد الذهني، وقد يرفع على أنه مبتدأ و (يطيل) خبره، فيكون مفعول (ذكر) هذا الكلام، ويكون حينئذ حكاية لفظ النبي ﷺ . والمراد بالرجل: إما الحاج، أو مطلق المسافر لكون السفر مظنّةَ الإجابة. وقوله: (أشعث أغبر يمدّ يديه) أحوال مترادفة. وقوله: (يا رب) بتقدير: قائلًا، حال من ضمير يمدّ، أي؛ قائلًا: يا رب يا رب، مناديًا له تعالى يلجأ في السؤال.

стр. 2971

وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠١٥]. ٢٧٦١ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٥٩]. ٢٧٦٢ - [٤] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، ــ وقوله: (ومطعمه حرام) حال من ضمير (قائلًا)، فتكون متداخلة، ويجوز أن تكون حالًا من ضمير يمدّ، فتكون مترادفة، والمطعم مصدر ميمي بمعنى المفعول، وكذا أخواه. وقوله: (وغذي) بلفظ المجهول بالتخفيف، وقد يشدد من التغذية، والمراد أنه قد غُذِي بالحرام فيما مضى من الزمان إلى الآن. و (أنى) يحتمل أن يكون بمعنى: كيف، أو: من أين، وعلى التقديرين الاستفهام للإنكار. وقوله: (لذلك) إما إشارة إلى الرجل، وقد تتعدى الاستجابة باللام، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ﴾ [يوسف: ٣٤]، أو إلى ما ذكر من كون مطعمه ومشربه وملبسه وغذائه حرامًا، فيكون اللام للتعليل. ٢٧٦١ - [٣] (عنه) قوله: (ما أخذ) أي: بما أخذ. وقوله: (منه) أي: من المال. ٢٧٦٢ - [٤] (النعمان بن بشير) قوله: (الحلال بين والحرام بين) هذا الحديث

стр. 2972

وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، ــ أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال أبو داود في خطبة (سننه) (١): كتبت عن رسول اللَّه ﷺ في هذا الكتاب أربعة آلاف وثمان مئة حديث، ويكفي للإنسان في أمر دينه أربعة أحاديث منها؛ الأول: (إنما الأعمال بالنيات)، والثاني: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، والثالث: (لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه)، والرابع: (إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات) الحديث (٢). وقوله: (استبرأ لدينه وعرضه) أي: احتاط في طلب البراءة لدينه من النقصان ولعرضه من العيب والطعن. وقوله: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع) والحمى هو المرعى الذي حماه الإمام ومنع من أن يرعى فيه، شبَّه المحارم بالحمى في كونها واجبَ الاجتناب عن الوقوع فيه، فلا ينبغي أن يرعى حوله مخافة الوقوع فيه، فكذلك ينبغي أن لا يقرب من المعاصي بالوقوع في الشبهات، فإنه إذا وقع فيها يوشك أن يقع في الحرام، كما أنه بالرعي حول الحمى والقرب منه يخاف أن يقع في الحمى، هذا ولكنه قال في الشبهات: (وقع في الحرام) تحقيقًا لمداناة الوقوع وتوكيدًا للمنع عن اقتراب الشبهات، وجرى في الحمى على الحقيقة بأن من يرعى حوله يوشك أن يقع فيه.

стр. 2973

كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِي الْقَلْبُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢، ٢٠٥١، م: ١٥٩٩]. ٢٧٦٣ - [٥] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦٨]. ــ وقوله: (ألا إن في الجسد مضغة. . . إلخ) تتميم ببيان منبع الصلاح والفساد ومنشئهما. وقوله: (إذا صلحت (١)) أي: تنوَّرت بأكل الحلال والتنزه عن الشبهات، وإذا فسدت بضد ذلك (٢). ٢٧٦٣ - [٥] قوله: (وعن رافع بن خديج) بالخاء المعجمة والجيم في آخره على وزن كريم. وقوله: (ومهر البغيّ) أصله بغوي على وزن فعول وهي الزانية، من البغاء

стр. 2974

٢٧٦٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٣٧، م: ١٥٦٧]. ــ بكسر الباء، وهو الزنا، يقال: بغت المرأة، أي: زنت، والمراد بمهرها أجرتها، ثم إنه أطلق الخبيث على الثلاثة، وهو في الأصل ضد الطيب فيطلق على الحرام كما يطلق الطيب على الحلال، وقد يطلق الطيب على ما هو أخص من الحلال، فيكون المراد بالخبيث ما هو في المرتبة الأدنى من الحلال شاملًا للمكروه ولو تنزيهًا، فالمراد بما حمل على مهر البغي المعنى الأول لكونه حرامًا قطعًا، وبما حمل على أجرة الحجام المعنى الثاني لأنه حلال في المرتبة الأدنى لدناءة وخسة في كسبه، وثمن الكلب مختلف قيه، فمنهم من جوز بيع الكلب كأبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه، فإنهما جوزا بيع الكلب والفهد والسباع المعلَّم وغير المعلم، وعند أبي يوسف ﵀ لا يجوز بيع الكلب العقور لأنه غير منتفع به، فمن حرمه حمله على الأول، ومن جوَّزه على الثاني، فتدبر. ٢٧٦٤ - [٦] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (وحلوان الكاهن) الحلوان بالضم مصدر بمعنى الحلاوة، سمي به ما يعطى الكاهن مثلًا على كهانته، وقال في (القاموس) (١): والحُلْوانُ، بالضمِّ: أُجْرَةُ الدَّلَّال والكاهِن، ومَهْرُ المَرْأة، أو ما تُعْطَى على مُتْعَتِها، أو ما أُعْطِيَ من نحو رِشْوَةٍ، سمي به تشبيهًا له بالشيء الحلو من حيث إنه يأخذه بلا كلفة ومشقة. والكاهن هو الذي يتعاطى الخبر عن كوائن ما يستقبل ويدعي معرفة الأسرار،

стр. 2975

٢٧٦٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الْبَغِيِّ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالْمُصَوِّرَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٨٦، ٥٩٦٢]. ــ وفي حكمه العرّاف والمنجّم، وإتيانهم حرام بإجماع المسلمين، وينبغي للمحتسب منعهم وتأديبهم، وأن يؤدب الآخذ والمعطي، كذا في (مجمع البحار) (١)، وسيأتي تفصيل معنى الكهانة وأنواعه في (باب السحر والكهانة) إن شاء اللَّه تعالى. ٢٧٦٥ - [٧] (أبو جحيفة) قوله: (وعن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة. وقوله: (عن ثمن الدم) بيع الدم غير جائز بالإجماع لكونه نجسًا، وحمله بعضهم على أجوة الحجام وقد عُلم حكمه. وقوله: (ولعن آكل الربا) بلفظ اسم الفاعل من الأكل، وهو آخذه وهو البائع، (وموكله) من باب الإفعال، أي: معطيه وهو المشتري، وإنما اشتركا في اللعن لاشتراكهما في الفعل. والوشم أن يُغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل، (والواشمة) فاعلة لغيرها، (والمستوشمة) هي التي يفعل بها ذلك، كذا يفهم من كلامهم، والظاهر أن يكون المراد بالواشمة فاعلتها بنفسها أو بغيرها، وبالمستوشمة من تطلبه، وفي (الصحاح) (٢): استوشمه، أي: سأله أن يَشِمه، والمراد بالمصور من يصور صور الحيوان، وسيأتي الكلام فيه في بابه مفصلًا.

стр. 2976

٢٧٦٦ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدَّهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: "لَا، هُوَ حَرَامٌ". ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكلُوا ثَمَنَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٣٦، م: ١٥٨١]. ــ ٢٧٦٦ - [٨] (جابر) قوله: (يقول عام الفتح وهو بمكة) هكذا في أكثر النسخ، ووقع في بعض النسخ (يوم الفتح)، فهو تأكيد لتحقيق السماع. وقوله: (والأصنام) قالوا: وفي حكمها آلات الملاهي والمعازف ولا ضمان بإتلافها. وقوله: (يستصبح بها) أي: بنور المصباح، فهو من المصباح لا من الصبح، في (القاموس) (١): استصبح: استسرج. و(لا) في قوله: (لا، هو حرام) نفي لما دل عليه الكلام السابق، كأنه قيل: أخبِرْنا أحلال بيعها أو الانتفاع بها؟ ويحتمل أن يكون التقدير: لا تبيعوها ولا تنتفعوا بها، وعند جمهور الشافعية يجوز الانتفاع بالأدهان المتنجسة من الخارج، وأبو حنيفة وأصحابه أجازوا بيع الزيت النجس إذا بيّنه، كذا نقل الطيبي (٢). وقوله: (شحومها): أي أكلَ شحوم الأنعام، (أجملوه) أي: أذابوه، واحتالوا

стр. 2977

٢٧٦٧ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٢٣، م: ١٥٨٢]. ٢٧٦٨ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦٩]. ٢٧٦٩ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٠٢، م: ١٥٧٧]. ــ في استحلال الشحوم والانتفاع بها، جمل الشحم: أذابه، كأجمله واجتمله، والجميل: الشحم الذائب، كذا في (القاموس) (١). وفيه دليل على بطلان كل حيلة يتوصل بها إلى الحرام. ٢٧٦٧ - [٩] (عمر) قوله: (قاتل اللَّه اليهود) أي: عاداهم. ٢٧٦٨ - [١٠] (جابر) قوله: (والسنور) قال الطيبي (٢): النهي عن ثمن السنور تنزيهي، والجمهور على جواز بيعه. ٢٧٦٩ - [١١] (أنس) قوله: (وأمر أهله) أي: أسياده، فإنه كان مملوكًا لبني بياضة، والمراد بخراجه: الوظيفةُ التي ضرب عليه سيده كل يوم، وفي الحديث دليل على حل كسب الحجامة وأخذ الأجرة عليه.

стр. 2978

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٧٧٠ - [١٢] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالدَّارِمِيِّ: "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ". [ت: ١٣٥٨، ن: ٤٤٥٠، جه: ٢٢٩٠، د: ٣٥٢٨، دي: ٢/ ٢٣٧]. ٢٧٧١ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يكْسِبُ عَبْدٌ مَالَ حَرَامٍ فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ فَيُقْبَلَ مِنْهُ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ، ــ الفصل الثاني ٢٧٧٠ - [١٢] (عائشة) قوله: (وإن أولادكم من كسبكم) (١) فالأكل مما ينفق الأولاد أيضًا حلال طيب في حكم الأكل من كسب اليد، وقد وجبت نفقة الوالدين على الولد. ٢٧٧١ - [١٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (لا يكسب عبد مال حرام فيتصدق. . . إلخ) الأفعال المذكورة في الحديث كلها مرفوعة بالعطف، ثم التقسيم المذكور حاصر؛ لأن المال إما أن ينفق على الفقراء، أو على النفس، أو يدخر، فجزاء

стр. 2979

وَلَا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكَذَا فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [حم: ١/ ٣٨٧]. ٢٧٧٢ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ منَ السُّحْتِ، وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٣/ ٣٢، ٣٩٩، دي: ٢/ ٣١٨، هب: ٥٥٢]. ٢٧٧٣ - [١٥] وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: . . . . . ــ الأول القبول ويترتب الثواب، وفي الثاني التعيش والبركة في العيش، والادخار إن كان مع أداء الحق فهو داخل في القسم الأول، أو لم يكن معه ففيه الوزر فقط، ولذا جاء بالحصر في قوله: (إلا كان زاده إلى النار)، وأيضًا في التصدق -وإن كان من الحرام- مدحٌ ولو عند الخلق، وفي الإنفاق وإن كان على النفس منفعةٌ ولو في العاجل، بخلاف الادخار فليس فيه إلا الوزر. وقوله: (إن اللَّه لا يمحو السيء بالسيء) يعني: أن التصدق والإنفاق من الحرام سيئٌ، فلا يمحو الإثمَ الذي حصل من كسب الحرام، وفيه دفع لتوهم كون التصدق حسنًا، وكونِ الإنفاق مباركًا مطلقًا. وقوله: (إن الخبيث لا يمحو الخبيث) تكرير وتأكيد. ٢٧٧٢ - [١٤] (جابر) قوله: (من السحت) بالضم والسكون، وبضمتين: الحرام وما خبث من المكاسب، وأسحت الشيءَ: استأصله، كسحَّت. ٢٧٧٣ - [١٥] (الحسن بن علي) قوله: . . . . .

стр. 2980

حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ الْفَصْلَ الأَوَّلَ (١). [حم: ١/ ٢٠٠، ت: ٢٥١٨، ن: ٥٧١١، دي: ٢/ ٢٤٥]. ٢٧٧٤ - [١٦] وَعَنْ وابصَةَ بنْ مَعْبدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا وَابِصَةُ، جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ " قُلْتُ: نعَمْ، قَالَ: . . . . . ــ (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) يروى بفتح الياء وضمها، ورابني وأرابني بمعنى: شكَّكني، والصلة بإلى لتضمين معنى الانتقال، يقال: دع هذا إلى ذلك، أي: انتقل منا، إليه واستبدله به، والظاهر أن المقصود الاجتناب عن الوقوع في الشبهات والاتقاء عنها. وقوله: (فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة) والصدق والكذب يستعملان في الأفعال والأقوال، وقالوا: معناه: إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه وانتقل إلى ما لا ترتاب فيه، فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق وترتاب من الكذب، فارتيابك في الشيء منبئ عن كونه باطلًا أو مظنةً للباطل فاحذره، واطمئنانك إلى الشيء مشعر بأنه حق فاستمسك به، فهذا ضابطة لمعرفة كون الفعل حسنًا وقبيحًا، وكون الشيء حلالًا وحرامًا، ولكن إنما يتحقق ذلك في النفوس الزكية الطاهرة المحلَّاة بالتقوى والعدالة، ويزيد هذا شرحًا في الحديث الآتي. ٢٧٧٤ - [١٦] قوله: (وعن وابصة) بالواو والموحدة والصاد المهملة. وقوله: (جئت تسأل عن البر والإثم؟ ) إخبار منه ﷺ عما في ضمير وابصة، فهو
следующие страницы →