نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٢٢٨، د: ٣٣٨١].
٢٨٦٣ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئ بِالْكَالِئِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٣/ ٧١ - ٧٢].
٢٨٦٤ - [٣١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٥٤١، د: ٣٥٠٢، جه: ٢١٩٢، ٢١٩٣].
ــ
وقوله: (عن بيع النخل) أي: بيع الثمرة.
٢٨٦٣ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (بيع الكالئ بالكالئ) بالهمزة، وقد لا يهمز تخفيفًا، من كلأ: إذا تأَخّر، ويقال: كلأت الطعام: إذا أسلفت، والمراد بيع النسيئة بالنسيئة، وفسّروه بأن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا جاء الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه منه بلا تقابض، وأصله النهي عن بيع ما لم يقبض؛ لأنه لم يدخل في ضمانه، والغُنم إنما هو بالغرم.
وقيل: صورته أن يكون لزيد على عمرو ثوب موصوف ولبكر على عمرو عشرة دراهم، فقال زيد لبكر: بعت منك ثوبي الذي على عمرو بدراهمك العشرة التي على عمرو، فقال بكر: قبلت، فهذا البيع لم يجز لهذا المعنى.
٢٨٦٤ - [٣١] (عمرو بن شعيب) قوله: (عن بيع العريان) بضم العين، ويقال: العربون بالضم أيضًا، وأصله من الإعراب بمعنى الإفصاح وإزالة الفساد والإبهام، وفسروه بأن يشتري سلعة ويعطيه شيئا من ثمنه، ويقول: اذهب وتفكر، فإن اخترت فآتيك بالباقي، وإن ندمت أردّه عليك ولك ما أعطيتك، فإنه يصلح البيع، ويؤكده
стр. 3047
٢٨٦٥ - [٣٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣٨٢].
٢٨٦٦ - [٣٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِلَابٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نُطْرِقُ الْفَحْلَ. . . . .
ــ
بأن لا يشتريه غيره، وفساده أن فيه من الشرط والغرر، وأجازه الإمام أحمد ﵀ (١)، وروي عن ابن عمر أيضًا إجازته، كذا نقل الطيبي (٢).
٢٨٦٥ - [٣٢] (علي) قوله: (عن بيع المضطر) المراد به المكره، قال الطيبي (٣): أي: لا ينبغي أن يشتري ويبتاع من المكره، وقيل: يجوز أن يراد من المضطر المحتاج الذي اضطر إلى البيع لدين ركبه أو مؤنة لحقته فيبيعه بنقصان رخيصًا بحكم الضرورة، فالمروءة يقتضي أن لا يشترى منه ويعان ويقرض (٤) مثلًا.
وقوله: (وعن بيع الغرر) وهو ما يغرّ المشتري ويخدعه لجهالةٍ أو تعذرِ تسليمٍ كبيع المجهول والآبق والمعدوم، وهو يشمل أنواعًا كثيرة، وقد سبق شرحه.
٢٨٦٦ - [٣٣] (أنس) قوله: (إنا نطرق) من الإطراق، أي: نعير.
стр. 3048
فَنُكْرَمُ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي الْكَرَامَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٢٧٤].
٢٨٦٧ - [٣٤] وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ، وَلأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ، وَلَيْسَ عِنْدِي، فَأَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ، قَالَ: "لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ". [ت: ١٢٣٣، د: ٢٥٠٣، ن: ٤٦١٣].
٢٨٦٨ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٥٧٠، ت: ١٢٣١، د: ٣٤٦١، ن: ٤٦٣٢].
ــ
وقوله: (فنكرم) بلفظ المجهول من الإكرام، أي: يعطي صاحب الأنثى شيئًا بطريق الكرامة والهدية، أي: من غير اشتراط ثمن معلوم وأجرة معلومة، وقد سبق.
٢٨٦٧ - [٣٤] (حكيم بن حزام) قوله: (أن أبيع ما ليس عندي) كالآبق أو ما لم يقبض أو مال الغير.
وقوله: (فيريد مني البيع) أي: المبيع، وهذا في غير صورة السلم، فإنه جائز إجماعًا بالشرائط المعتبرة فيه، وكذا بيع مال الغير جائز موقوفًا [على إجازة المالك] عند الأئمة الثلاثة سوى الشافعي ﵀ فإنه لا يجوِّزه.
٢٨٦٨ - [٣٥] (أبو هريرة) قوله: (عن بيعتين في بيعة) فسروه بتفسيرين:
أحدهما: أن يقول: بعتك هذا نقدًا بعشرة ونسيئة بعشرين.
والثاني: أن يقول: بعتك عبدي بألف على أن تبيعني جاريتك بمئة.
والعلة في كلا النوعين جهالة الثمن، أما في الأول فظاهر، وأما في الثاني فلأن
стр. 3049
٢٨٦٩ - [٣٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٨/ ١٤٤].
٢٨٧٠ - [٣٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [ت: ١٢٣٤، د: ٣٥٠٤، ن: ٤٦٣٠].
ــ
بيع الجارية لا يلزم بهذا الشرط فينتقض، وقد جعله من الثمن وليس له قيمة، كذا قالوا.
٢٨٦٩ - [٣٦] (عمرو بن شعيب) قوله: (عن بيعتين في صفقة واحدة) هو البيع في بيع كما عرفت.
٢٨٧٠ - [٣٧] (وعنه) قوله: (لا يحل سلف وبيع) أي: لا يحل بيع مع شرط سلفٍ، والمراد بالسلف هنا القرض، أي: لا يحل أن يقرضه قرضًا ويبيع منه شيئًا بأكثر من قيمته؛ لأن كل قرض جرّ نفعًا فهو حرام.
وقوله: (ولا شرطان في بيع (١)) فسر بما فسر به البيعتان في بيعة، وقد يفسر بأن يبيع منه ثوبًا بالشرطين كأن يقصّره ويخيطه، والتقييد بشرطين وقع اتفاقًا وعادة، وبالشرط الواحد أيضًا لا يجوز؛ لأنه قد ورد النهي عن بيع وشرط.
وقوله: (ولا ربح ما لم يضمن) كالمبيع قبل القبض لعدم دخوله في
стр. 3050
٢٨٧١ - [٣٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الإبِلَ بِالنَّقِيعِ بِالدَّنانِيرِ فآخُذُ مَكَانَهَا الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ فآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنانِيرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَا بَأْسَ أَنْ تأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارمِيُّ. [ت: ١٢٤٢، د: ٣٥٥٤، ن: ٤٥٨٥، دي: ٢/ ٢٥٩].
ــ
ضمان المشتري.
٢٨٧١ - [٣٨] (ابن عمر) قوله: (بالنقيع) بالنون: موضع قريب من المدينة، يَستنقع فيه الماء، أي: يجتمع، كذا في (النهاية) (١)، وشرح التُّوربِشْتِي (٢)، وقد يجعل بالباء مرادًا به بقيع الغرقد، فإنهم كانوا يقيمون السوق فيه قبل أن يتخذ مقبرة، وقيل: هذا أقرب لأن (النقيع) بالنون على عشرين فرسخًا من المدينة، فلا يناسب الاستمرارَ المستفاد من قوله: (كنت أبيع)، وعلى ما نقلنا عن (النهاية) وهو المنقول عن زين العرب: أنه موضع قريب من المدينة، لا يتجه هذا الكلام، واللَّه أعلم.
وقوله: (أن تأخذها) بفتح همزة (أن) ونصب (تأخذها)، أو بكسرها وجزم (تأخذ) أي: لا بأس أن تأخذ بدل الدنانير الدراهم وبالعكس بشرط التقابض في المجلس.
وقوله: (وبينكما شيء) حال، أي: لم تفترقا والحال أن بينكما شيئًا، أي: شرطًا وهو التقابض، أي: لم يقبضا أحد البدلين أو كليهما، فافهم. والتقييد بسعر اليوم على طريق الاستحباب.
стр. 3051
٢٨٧٢ - [٣٩] وَعَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ أَخْرَجَ كِتَابًا: هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ، بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٢١٦].
ــ
٢٨٧٢ - [٣٩] (العدّاء بن خالد) قوله: (وعن العداء) بفتح العين وتشديد الدال المهملتين، و (هوذة) بفتح الهاء وسكون الواو والذال المعجمة.
وقوله: (أو أمة) شك من بعض الرواة. والداء في اللغة: المرض، وأريد هنا العيب الموجب للخيار، و (الغائلة): الداهية المهلكة، والمراد هنا: العيب الذي فيه اغتيال، أي: إهلاك مال المشتري، مثل كون العبد سارقًا أو آبقًا، وقيل: المراد به الغش والخيانة في حق المشتري، و (الخبثة) صحح في النسخ بضم الخاء وكسرها، وقال في (القاموس) (١): والخِبْثةُ، بالكسر في الرَّقيقِ: أن لا يكونَ طيبةً، أي: سُبي من قوم لا يحل استرقاقهم. وفي (مختصر النهاية) (٢) للسيوطي: ويكتب في عهدة الرقيق: (لا داء ولا غائلة ولا خبثة) الخبثة أن يكون قد أخذ من قوم لا يحل سبيهم.
وقوله: (بيع المسلم) بالنصب على أنه مفعول مطلق، أي: باعه بيع المسلم من المسلم، فـ (المسلم) الثاني منصوب على نزع الخافض، والمراد بالبيع الشراء أو المبايعة، والمراد رعاية النصح وحقوق الإسلام، وليس فيه ما يدل على أنه إذا عامل مع غير المسلم جاز الغش والخيانة.
وقوله: (وقال: هذا حديث غريب) وقال: لا نعرفه إلا من حديث عباد، انتهى.
стр. 3052
٢٨٧٣ - [٤٠] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَاعَ حِلْسًا وَقَدَحًا فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ: آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ " فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُمَا مِنْهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٢١٨، د: ١٦٤١، جه: ٢١٩٨].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٨٧٤ - [٤١] عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَاعَ عَيْبًا. . . . .
ــ
وعباد هو ابن ليثٍ الكرابيسي، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد وابن معين: ليس بشيء، كذا قيل، وقالوا: لم يكن منه ﷺ بعد الهجرة البيع إلا نادرًا، والغالب كان الشراء، ولعل هذا البيع من تلك النوادر، وأما قبل الهجرة فكان البيع والشراء معًا.
٢٨٧٣ - [٤٠] (أنس) قوله: (باع حلسًا) بكسر الحاء وسكون اللام: كساء على ظهر البعير تحت البَرْذَعة، ويبسط في البيت تحت حُرِّ الثياب، كذا في (القاموس) (١). (والقدح) بفتحتين، معروف، وكان لأحد من أصحابه فقير كما سبق.
وقوله: (من يزيد) وفيه دليل على شرعية بيع من يزيد، وهو غير السوم على سوم أخيه، فإن ذلك بعد استقرار الثمن كما مر.
الفصل الثالث
٢٨٧٤ - [٤١] (واثلة بن الأسقع) قوله: (من باع عيبًا) أي: معيبًا، وهو
стр. 3053
لَمْ يُنَبِّهْ، لَمْ يَزَلْ فِي مَقْتِ اللَّهِ، أَوْ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٢٤٧].
* * *
٦ - باب
* الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٨٧٥ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ،
ــ
وصفٌ بالمصدر.
وقوله: (لم ينبه) من التنبيه، وفي بعض النسخ: (لم يبينه) من التبيين مع الضمير، و (المقت) الغضب، ويقال: مقته مقتًا: غضبه، وقيل: المقت أشدّ الغضب (١).
وقوله: (أو لم تزل الملائكة) بـ (أو) للشك من الراوي.
٦ - باب في متممات ولواحق لما سبق في بيان بعض البيوع المنهي عنها
الفصل الأول
٢٨٧٥ - [١] (ابن عمر) قوله: (بعد أن تؤبر) بتشديد الموحدة ويستعمل بالتخفيف كثيرًا من نصر وضرب، والتأبير: إصلاح النخل وتلقيحها، وذلك بأن يوضع
стр. 3054
فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى البُخَارِيُّ الْمَعْنَى الأَوَّلَ وَحْدَهُ. [خ: ٢٣٧٩، م: ١٥٤٣].
ــ
شيء من طلع فحلها في طلع الأنثى، وقد مرّ ذكره في (باب الاعتصام بالكتاب والسنة)، وهو في هذا الحديث كناية عن ظهور ثمرتها لكونه لازمًا له غالبًا، فلو أبرت ولم تظهر بعدُ ثمرتُها لا يكون الحكم كما ذكر، وهو كون الثمرة للبائع غير تابع للأصل وهو ظاهر، ثم هذا الحكم مختلف فيه بين العلماء، فقيل: الثمرة تتبع الأصل بكل حال، وقيل: لا تتبع، وقيل: تتبع قبل الظهور والصلاح ولا تتبع بعده، وقال الطيبي (١): الأول مذهب أبي حنيفة، وهذا الخلاف في غير صورة الاشتراط، وأما بالاشتراط فيدخل بالاتفاق (٢).
وقوله: (ومن ابتاع عبدًا وله مال) إضافة المال إلى العبد ليس بطريق التمليك؛ لأن العبد لا يملك فإنَّ مِلْكه لسيده خلافًا للشافعي ﵀ في قوله القديم في الثانية، فلا يدخل في البيع إلا أن يشترط، واختلفوا في ثيابه، وظاهر الحديث أنها لا تدخل، وقيل: يدخل ساتر العورة فحسب.
وقوله: (وروى البخاري المعنى الأول وحده) يدل على أن البخاري إنما
стр. 3055
٢٨٧٦ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ فَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَيْسَ يَسِيرُ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: "بِعْنِيهِ بِوُقيَّةٍ" قَالَ: فَبِعْتُهُ فَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ وَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧١٨، م: ٧١٥].
ــ
روى الفصل الأول، وذلك أيضًا بالمعنى وفيه ذهول، فإنه قد روى الحديث بتمامه في أواخر (كتاب الشرب)، نعم أخرج قصة النخل وحده في (كتاب البيع) و (كتاب الشروط)، والمصنف نظر ههنا فقط ولم ينظر في (كتاب الشرب).
٢٨٧٦ - [٢] (جابر) قوله: (أنه كان يسير على جمل) وكان ذلك في سفر قاصد من المدينة.
وقوله: (قد أعيا) في (القاموس) (١): أعيا الماشي: كَلَّ.
وقوله: (فضربه) أي: ضرب الجمل بما كان في يده من سوط أو عود.
وقوله: (بوقية) بضم الواو -وقد تفتح- وكسر القاف وياء مفتوحة مشدودة، والمشهور أوقية: أربعون درهمًا، وجمع الأولى وقايا كخطية وخطايا، والثانية تجمع على أواقي بتشديد الياء وتخفيفها وبحذفها.
وقوله: (فاستثنيت حملانه) بضم الحاء وسكون الميم مصدر حمل يحمل بمعنى الحمل. وفي (القاموس) (٢): والحُمْلانُ بالضم: ما يُحْمَلُ عليه من الدوابِّ، في الهِبَةِ خاصَّةً، وتمسك أحمد على جواز بيع الدابة باشتراط البائع لنفسه ركوبَها، وقال
стр. 3056
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِبِلَالٍ: "اقْضِهِ وَزِدْه" فَأَعْطَاهُ وَزَادَهُ قِيرَاطًا.
٢٨٧٧ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: . . . . .
ــ
مالك: يجوز إذا كانت المسافة قريبة، وكذلك كان في قصة جابر.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز مطلقًا؛ للحديث الوارد في النهي عن بيعٍ وشرطٍ، والجواب عن حديث جابر أنه لم يكن الشرط في صلب العقد (١) ويؤيده ما وقع في بعض طرق هذا الحديث: (أخذته منك بوقية، اركبه) (٢)، وفي رواية: (قال جابر ﵁: بعت من النبي ﷺ جملًا وأَفْقرني ظهرَه إلى المدينة)، والإفقار لغةً: إعارة الظهر للركوب، في (القاموس) (٣): أفقرك بعيرَه: أعارك ظهره للحمل، ويؤيد هذا الوجه أيضًا ما نقلنا في معنى الحملان من (القاموس).
وقوله: (وزاده قيراطًا) في (القاموس) (٤): والقِيراطُ والقِرَّاطُ، بكسرهما: يَخْتَلِفُ وزْنُهُ بحسَبِ البِلادِ، فبِمَكَّةَ رُبُعُ سُدُسِ دينارٍ، وبالعراقِ نِصْفُ عُشْرِهِ.
٢٨٧٧ - [٣] (عائشة) قوله: (جاءت بريرة) بفتح الباء وبرائين على وزن فقيرة، وكانت مملوكة ليهودي.
стр. 3057
إِنِّي كَاتَبْتُ عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ فَأَعِنِينِي، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ، وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي، فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذِيهَا وَأَعْتِقِيهَا". ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بعد! فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ، فَقَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٦٨، ٢٥٦٣، م: ١٥٠٤].
ــ
وقوله: (أن أعدَّها عدة) بفتح العين للمرة، أي: أشتريك منهم، ولعلها عجزت عن أداء بدل الكتابة، وأجاز بعض العلماء -ومنهم مالك وأحمد- بيع المكاتب، وقالوا: ولكن لا تنفسخ كتابته، حتى لو أدى النجوم إلى المشتري عتق.
وقوله: (خذيها وأعتقيها) ويكون الولاء لك، وشرطُ كون الولاء لهم باطل.
وقوله: (شروطًا ليست في كتاب اللَّه) أي: في حكم اللَّه، أو ليست على مقتضى حكم كتاب اللَّه، وقيل: يتوهم أن هذا متضمن للخداع والتغرير، فكيف أذن رسول اللَّه ﷺ لأهله بذلك؟ والجواب: أنه كان جهلًا باطلًا منهم، فلا اعتداد بذلك.
وأشكَلُ من ذلك ما ورد في بعض الروايات: (خذيها واشترطي الولاء لهم، فإن الولاء لمن اعتق)، والجواب باشتراط لهم تسليم قولهم الباطل بإرخاء العنان دون إثباته لهم، وقد يجاب بأن قوله: (لهم) بمعنى: عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢]، أي: عليهم، وحديث بريرة له طرق كثيرة مذكورة في الصحاح وغيرها، والكلام فيه طويل فراجع إليها، واللَّه أعلم.
стр. 3058
٢٨٧٨ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٣٥، م: ١٥٠٦].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٨٧٩ - [٥] عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ قَالَ: ابْتَعْتُ غُلَامًا فَاسْتَغْلَلْتُهُ، ثُمَّ ظَهَرْتُ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ، فَخَاصَمْتُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَضَى لِي بِرَدِّهِ، وَقَضَى عَلَيَّ بِرَدِّ غَلَّتِهِ، فَأَتَيْتُ عُرْوَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: أَرُوحُ إِلَيْهِ الْعَشِيَّةَ، فَأُخْبِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي مِثْلِ هَذَا: . . . . .
ــ
٢٨٧٨ - [٤] (ابن عمر) قوله: (عن بيع الولاء، وعن هبته) ذهب الجمهور من العلماء من السلف والخلف إلى عدم جوازه، لأنه لحمةٌ كلحمة النسب، وأجازه بعضهم، قال النووي في (شرح صحيح مسلم) (١): ولعلهم لم يبلغهم الحديث، واللَّه أعلم.
الفصل الثاني
٢٨٧٩ - [٥] (مخلد بن خفاف) قوله: (مخلد) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة، (ابن خفاف) بضم الخاء المعجمة مخففًا.
وقوله: (ابتعت) أي: اشتريت.
وقوله: (فاستغللته) أي: أخذت غلته، أي: أجرته، والغلة: الدخل الذي يحصل من كراء دار وأجر غلام وفائدة أرض وغيرها.
وقوله: (ثم ظهرت) أي: اطلعتُ.
стр. 3059
أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ، فَرَاحَ إِلَيْهِ عُرْوَةُ فَقَضَى لِي أَنْ آخُذَ الْخَرَاجَ مِنَ الَّذِي قَضَى بِهِ عَلَيَّ لَهُ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٨/ ١٦٤].
٢٨٨٠ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ". . . . .
ــ
وقوله: (أن الخراج بالضمان): أي غلة العين المبتاعة تُستحق بسبب الضمان، والمبيع في هذه الصورة في ضمان المشتري فكان الخراج له، ومنه الغُنْم بالغُرْم (١).
٢٨٨٠ - [٦] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إذا اختلف البيعان) بكسر التحتانية وتشديدها بمعنى المتبايعان، إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن أو في شرط الخيار أو غيرها من الشرائط فمذهب الشافعي أن يحلف البائع أنه ما باعه
стр. 3060
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ قَالَ: "الْبَيِّعَانِ إِذَا اخْتَلَفَا وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرادَّانِ الْبَيْعَ". [ت: ١٢٧٠، جه: ٢١٨٦، دي: ٢/ ٢٥٠].
ــ
بكذا بل بكذا، ثم المشتري مخيّر إن شاء رضي بما حلف عليه البائع وإن شاء حلف أنه ما اشتراه إلا بكذا، فإذا تحالفا فإن رضي أحدهما بقول الآخر فذلك، وإن لم يرضيا فسخ القاضي العقد بينهما سواء كان المبيع باقيًا أو لا، ومتمسكه هذا الحديث بإطلاقه.
وعندنا إن كان الاختلاف في الثمن وكان المبيع باقيًا يتحالفان؛ لما جاء في بعض ألفاظ الحديث لابن مسعود الآتي: (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا وترادّا)؛ لأن كلًّا منهما مدّعٍ ومنكِرٌ، وهذا إن لم يكن لأحدهما بينة -كما يدل عليه الحديث- بعد أن يقال لكل واحد: إما أن ترضى بقول صاحبك وإلا فسخنا البيع، فإن لم يتراضيا استحلف الحاكم كل واحد منهما على دعوى الآخر، فإن كان لأحدهما بينة فذاك، وإن أقام كل واحد منهما بينة كانت البينة المثبتة للزيادة أولى، ولو كان الاختلاف في الثمن والمبيع جميعًا فبينة البائع أولى في الثمن وبينة المشتري أولى في المبيع نظرًا إلى زيادة الإثبات، ولا تحالف عندنا في الأجل وشرط الخيار وقبض بعض الثمن كذا في (الهداية) (١)، والأحاديث المذكورة كلها قد تكلم فيها، فالمدار على الحديث المشهور: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (٢).
стр. 3061
مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٤٦٠، جه: ٢١٩٩].
وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" بِلَفْظِ "الْمَصَابِيحِ" عَنْ شُرَيْحِ الشَّامِي مُرْسَلًا. [شرح السنة: ٨/ ١٦١].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٨٨٢ - [٨] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اشْتَرَى رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ عَقَارًا مِنْ رَجُلٍ، فَوَجَدَ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ عَنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ الْعَقَارَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ بَائِعُ الأَرْضِ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الآخر: لِي جَارِيَةٌ، فَقَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ،
ــ
٢٨٨١ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (بلفظ المصابيح) وهو (من أقال أخاه المسلم صفقةً كرهها أقال اللَّه عثرته يوم القيامة)، وفي قوله: (مرسلًا) إشارة إلى اعتراض على صاحب (المصابيح) حيث ترك المسند وذكر المرسل، ولعله إنما ذكره لكونه صريحًا في المقصود من الباب.
الفصل الثالث
٢٨٨٢ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فقال: أنكحوا الغلام الجارية) لمَّا رأى الرجلُ صدق نيتهما ونصيحة كل واحد منهما لصاحبه، راعى جانب كل منهما في ذلك.
стр. 3062
وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٨٥، م: ١٧٢١].
* * *
٧ - باب السلم والرهن
ــ
وقوله: (وتصدقوا) إما بيان لـ (أنفقوا)، أو المراد: تصدقوا على الفقراء مما فضل من حاجتهما، واللَّه أعلم (١).
٧ - باب السلم والرهن
السلم في اللغة اسم من التسليم، وفي عرف الفقهاء عبارة عن بيع الشيء على أن يكون دينًا على البائع بالشرائط المعتبرة شرعًا (٢)، وقد بينت في كتب الفقه، سمي به لتسليم الثمن إلى البائع قبل تسليمه المبيع، وقد يجيء السلف أيضًا بمعناه، وقد جاء في الحديث: (يسلمون) و (يسلفون) غير أن الاسم الخاص بهذا الباب هو السلم، والسلف يقال على القرض أيضًا، فلذلك ترجموا الباب بالسلم وهو جائز بالإجماع، وقد حملوا عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وروي ذلك عن ابن عباس وغيره.
والرهن في الأصل بمعنى الحبس وكل ما احتبس بشيء فهو رهينة ومرتهنة، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وفي (القاموس) (٣): الرَّهْنُ:
стр. 3063
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٨٨٣ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٢٩، ٢٢٤٠، ٢٢٤١، م: ١٦٠٤].
٢٨٨٤ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا من يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٦٨، م: ١٦٠٣].
ــ
ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، وجمعه: رهان ورهون ورُهُن، بضمتين، والرهن في الشرع: جعل الشيء محبوسًا بحق يمكن استيفاؤه منه كالديون، وهو ثابت بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والتقييد بالسفر اتفاقي، وأما السنة فلما ورد في الحديث أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا ورهنه به درعَه.
الفصل الأول
٢٨٨٣ - [١] (ابن عباس) قوله: (إلى أجل معلوم) ظاهره اشتراط الأجل في السلم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والصحيحُ من مذهب أحمد، وقال الشافعية: لا يشترط الأجل، والمراد في الحديث أنه إن أجّل اشتُرط أن يكون الأجل معلومًا كما في قرائنه.
٢٨٨٤ - [٢] (عائشة) قوله: (ورهنه درعًا له) نقل الطيبي عن (شرح السنة) (١):
стр. 3064
٢٨٨٥ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٩١٦، ٤٤٦٧].
٢٨٨٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا،
ــ
أن فيه دليلًا على جواز المعاملة مع أهل الذمة وإن كان مالهم لا يخلو عن الربا وثمن الخمر.
أقول: وذلك لأن الكفار غير مكلفين بالشرائع فلا تتحقق الحرمة في أموالهم.
وفي (القاموس) (١): درع الحديد وقد تذكَّر، والدرع من المرأة: قميصها مذكَّر، وفي (الصراح) (٢): درع بالكسر زره وبيراهن زن.
٢٨٨٥ - [٣] (وعنها) قوله: (رواه البخاري) وعزاه بعضهم إلى مسلم ولم يكن فيه.
٢٨٨٦ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الظهر يركب) الظهر خلاف البطن، والمراد ظهر الدابة. وفي (مختصر النهاية) (٣): الظهر: الإبل التي يحمل عليها وتركب.
وقوله: (ولبن الدر) قال (الكرماني) (٤): الدر مصدر بمعنى الدارَّة، أي: ذات الضرع.
стр. 3065
وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْربُ النَّفَقَةُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٥١٢].
ــ
وقوله: (وعلى الذي يركب) أي: سواء كان راهنًا أو مرهونًا.
وهذا الحديث يدل على أن للمرتهن أن ينتفع بالرهن وينفق عليه، وجمهور الفقهاء على خلافه، وفي (الهداية) (١): وليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن، ونفقة الرهن على الراهن، وقالوا: هذا الحديث منسوخ بالحديث الآتي (٢).
стр. 3066
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٨٨٧ - [٥] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا. [مسند الشافعي: ١/ ١٤٨].
٢٨٨٨ - [٦] وَرُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ مِثْلُ مَعْنَاهُ لَا يُخَالِفُ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلًا.
٢٨٨٩ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: . . . . .
ــ
الفصل الثاني
٢٨٨٧ - [٥] (سعيد بن المسيب) قوله: (لا يغلق الرهن الرهن (١)) لا يغلق بفتح الياء واللام، أي: لا يَمنع، والرهن الأول بمعنى المصدر، والثاني: بمعنى المرهون.
وقوله: (له غنمه) أي: زيادته، (وعليه كرمه) أي: هلاكه، أي: ما يحصل من المرهون زوائد تكون للراهن، وإذا هلك في يد المرتهن لا يسقط بهلاكه شيء من حق المرتهن.
٢٨٨٨ - [٦] قوله: (وروي) بلفظ المجهول أو المعلوم.
وقوله: (أو مثل معناه) والظاهر أن يكون: أو نحوه، والضمير في (عنه) لسعيد ابن المسيب، وهو حالٌ عنه، أي: مرويًا عن سعيد بن المسيب.
٢٨٨٩ - [٧] (ابن عمر) قوله: . . . . .
стр. 3067
"الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٣٣٤٠، ن: ٢٥٢٠، ٤٥٩٤].
٢٨٩٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ: "إِنَّكُمْ قَدْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ هَلَكَتْ فِيهِمَا الأُمَمُ السَّابِقَةُ قَبْلَكُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٢١٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٨٩١ - [٩] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ". . . . .
ــ
(المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة) أي: في الحقوق الشرعية كالزكاة وصدقة الفطر؛ لأن أهل المدينة أهل زراعات، فهم أعلم بأحوال المكاييل، وأهل مكة أصحاب تجارات فهم أعلم بالموازين، كذا قيل.
٢٨٩٠ - [٨] (ابن عباس) قوله: (قد وليتم) بلفظ المجهول من التولية، أي: جعلتم حكامًا في أمرين، أي: الكيل والميزان، والمراد بالأمم السابقة قوم شعيب، وإنما أطلق عليهم الأمم لكثرتهم أو لجعل كل جماعة منهم أمة، أو المراد هم ومن يحذو حذوهم، وقيل: المراد بالأمرين الصف في الصلاة والغرر، والأول هو المناسب لترجمة الباب وسياق الحديث.
الفصل الثالث
٢٨٩١ - [٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فلا يصرفه إلى غيره) أي: غير ما أسلف فيه بأن تبدل المبيع قبل القبض لغيره، والمقصود النهي عن التصرف في المُسْلم فيه
стр. 3068
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٤٦٨، جه: ٢٣٠٣].
* * *
٨ - باب الاحتكار
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٨٩٢ - [١] عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عُمَرَ ﵁: . . . . .
ــ
قبل قبضه، وقيل: الضمير لـ (من)، أي: لا يبعه من غيره، والمآل واحد.
٨ - باب الاحتكار
الحَكْر في الأصل: الظلم وإساءة المعاشرة، وفي الشرع (١): احتباس الأقوات لانتظار الغلاء به، بأن يشتري الطعام في وقت الغلاء ويدخره ليغلو، أما إن جاء من قرية أو اشترى في وقت الرخص وادخره وباعه في وقت الغلاء فليس باحتكار محرم، وكذا لا يحرم الاحتكار في غير الأقوات (٢).
الفصل الأول
٢٨٩٢ - [١] (معمر) قوله: (فهو خاطئ) بالهمزة، أي: آثم، و (بنو النضير)
стр. 3069
"كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ" فِي "بَابِ الْفَيْءِ" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. [م: ١٦٠٥].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٨٩٣ - [٢] عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتكِرُ مَلْعُونٌ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [جه: ٢١٥٣، دي: ٢/ ٢٤٩].
٢٨٩٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ بِدَمٍ وَلَا مَالٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣١٤، د: ٣٤٥١، جه: ٢٢٥، دي: ٢/ ٢٤٩].
ــ
بالضاد المعجمة وفتح النون على وزن أمير: حي من يهود، وهو أخو قريظة بضم القاف.
الفصل الثاني
٢٨٩٣ - [٢] (عمر) قوله: (الجالب) المراد به الذي يجلب الطعام إلى البلد ليبيعه بسعره خلاف المحتكر.
وقوله: (مرزوق) أي: يرزقه اللَّه ويوسع عليه رزقه وإن باع رخيصًا ويرحمه ببركة نيته، (والمحتكر ملعون) أي: مطرود عن رحمة اللَّه تعالى لفساد نيته، ويحرمه اللَّه عن البركة في الرزق.
٢٨٩٤ - [٣] (أنس) قوله: (غلا السعر) بالكسر الذي يقوم عليه الثمن، ويقال بالفارسية: نرخ، و (سعر لنا) من التسعير، أي: عيِّن السعر، والمظلمة بكسر اللام:
стр. 3070
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٨٩٥ - [٤] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ احْتكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالإِفْلَاسِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ"، وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ. [جه: ٢١٥٥، هب: ١٠٧٠٤].
٢٨٩٦ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ احْتكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. . . . .
ــ
ما تطلبه من عند الظالم مما أخذه منك، وقد يفتح اللام ويضم، والأشهر الأفصح كسرها، وفي (القاموس) (١): المظلمة بكسر اللام: ما تَظَلَّمَه الرجل، وفيه نهي عن التسعير، ووجه النهي: التصرفُ فِي أموال الناس بغير إذنهم فيكون ظلمًا، وربما يؤدي إلى الامتناع من البيع، وهو يؤدي إلى القحط، والمراد أنه لا يكلَّف الناس بالتسعير، ولكن يؤمرون بالإنصاف والشفقة على الخلق والنصيحة لهم.
الفصل الثالث
٢٨٩٥ - [٤] (عمر بن الخطاب) قوله: (طعامهم) أي: قوتهم وما به معاشهم، ولهذا المعنى أضيف إليهم.
وقوله: (ضربه اللَّه بالجذام والإفلاس) يعني: ابتلاه اللَّه بالبلاء في البدن والمال بالفساد فيهما، وزوال البركة والصلاح عنهما.
٢٨٩٦ - [٥] (ابن عمر) قوله: (أربعين يومًا) قالوا: ليس المراد به التحديد،
стр. 3071
يُرِيدُ بِهِ الْغَلَاءَ، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ". رَوَاهُ رَزِينٌ. [حم: ٢/ ٣٣].
٢٨٩٧ - [٦] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بِئْسَ الْعَبْدُ الْمُحْتَكِرُ: إِنْ أَرْخَصَ اللَّهُ الأَسْعَارَ حَزِنَ، وَإِنْ أَغْلَاهَا فَرِحَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ"، وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ. [هب: ١٠٧٠٢].
٢٨٩٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثمَّ تَصَدَّقَ بِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ كفَّارَةً". رَوَاهُ رَزِينٌ (١).
* * *
ــ
بل المراد أن يجعل ذلك حرفته ويتمرن به، وأقل ما يتمرن المرء في حرفته هذه المدة.
وقوله: (برئ من اللَّه) فيه تشديد بليغ.
٢٨٩٧ - [٦] (معاذ) قوله: (أرخص اللَّه الأسعار. . . إلخ) إشارة إلى علة حرمة الاحتكار وهو ترك الشفقة على خلق اللَّه.
٢٨٩٨ - [٧] (أبو أمامة) قوله: (ثم تصدق به) أي: مع أنه يتصدق بذلك (لم يكن له كفارة) بالنصب على أنه خبر كان، واسمه الضمير في (لم يكن) للتصدق، وقد يرفع، وفيه أن التصدق بالمال المأخوذ من الخلق ظلمًا ليس بمقبول.
стр. 3072
٩ - باب الإفلاس والإنظار
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٨٩٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ رَجُلٌ مَالَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٠٢، م: ١١٩٤].
ــ
٩ - باب الإفلاس والإنظار
قال في (القاموس) (١): أفْلَسَ الرجل: إذا لم يَبْقَ له مالٌ، كأَنما صارتْ دَراهِمُه فُلوسًا، أو صارَ بحيثُ يقالُ: ليس معه فَلْسٌ. وفَلَّسَهُ القاضي تَفْليسًا: حَكَمَ بِإِفْلاسِهِ، انتهى. وكأن المعنى الأول مبنيٌّ على كون الهمزة للصيرورة، والثاني: على كونها للسلب، وتوضيحه ما ذكر في (شرح كتاب الخرقي) (٢): الفَلَس في اللغة: ذهاب المال غير الفلوس، قال ابن فارس: يقال: أفلس الرجل: إذا صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دراهم، وقيل: هو العدم، يقال: أفلس بالحجة: إذا عدمها، وقيل: هو من قولهم: تمر مفلس: إذا خرج منه نواه، فهو خروج الإِنسان من ماله، والإنظار والنظِرة بكسر الظاء: التأخير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وأنظره: أخره.
الفصل الأول
٢٨٩٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (أيما رجل أفلس. . . إلخ) مثلًا: اشترى رجل شيئًا بثمن فأفلس، ووجد البائع عين المبيع عنده، جاز له أن يفسخ البيع ويأخذ عين
стр. 3073
٢٩٠٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِك وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٥٦].
٢٩٠١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا تَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٧٨، ٢٤٨٠، م: ١٥٦٢].
ــ
ماله، وكذا إن أخذ بعض الثمن وأفلس بالباقي، أخذ من عين ماله بقدر ما بقي من الثمن، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي، كذا ذكره الطيبي عن (شرح السنة) (١)، وبه قال أحمد كما ذكر في (كتاب الخرقي)، ولكن ذكر أنه إنما يثبت إفلاسه بالتفليس، يعني حكم القاضي بإفلاسه (٢).
٢٩٠٠ - [٢] (أبو سعيد) قوله: (ليس لكم إلا ذلك) أي: ليس لكم زجره وحبسه، لأنه ظهر إفلاسه فيجب الإنظار، وليس معناه أنه قد بطل حقهم في الباقي.
٢٩٠١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لفتاه) أي: لغلامه، ويقال: للعبد فتى وللأمة فتاة وإن كانا شيخين كبيرين لعدم توقيرهما، هكذا قالوا، ويمكن أن يقال: لجلادتهما في الخدمة والتردد فيها مثل الفتيان وإن كانا كبيرين.
стр. 3074
٢٩٠٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦٣].
٢٩٠٣ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَة". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦٣].
٢٩٠٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي الْيَسَرِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٠٦].
٢٩٠٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . . .
ــ
٢٩٠٢ - [٤] (أبو قتادة) قوله: (أن ينجيه اللَّه) من الإنجاء أو التنجية روايتان، (فلينفس) من التنفيس بمعنى التفريج، من نَفَس الإنسان أو نَفَس الريح، أي: فليؤخر مطالبته، والكرب بضم الكاف وفتح الراء جمع الكربة: الحزن يأخذ بالنفس، والوضع وضع الكل أو البعض.
٢٩٠٣ - [٥] (وعنه) قوله: (من أنظر معسرًا. . . إلخ) في معنى الحديث الأول بعينه.
٢٩٠٤ - [٦] (أبو اليسر) قوله: (وعن أبي اليسر) بفتح التحتانية والسين المهملة.
وقوله: (أظله اللَّه) أي: وقاه اللَّه من حرّ يوم القيامة، أو أقعده تحت عرشه.
٢٩٠٥ - [٧] (أبو رافع) قوله: (استسلف) أي: استقرض، وفيه دليل على جواز استقراض الحيوان، وعند أبي حنيفة لا يجوز، وقالوا: هذا الحديث منسوخ (١).
стр. 3075
بَكْرًا، فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقُلْتُ: لَا أَجِدُ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٠٠].
٢٩٠٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: "دَعُوهُ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ" قَالُوا: لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: "اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ؛ فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٠٦، م: ١٦٠١].
ــ
وقوله: (بكرًا) بفتح الباء وسكون الكاف: الفتاة من الإبل.
وقوله: (خيارًا) أي: مختارًا، و (رباعيًا) بالتخفيف، أي: الإبل الذي ألقى رباعيته، وهي السن الذي بين الثنية والناب، وإعرابه كإعراب قاض، وفي الحديث دليل على أن رد الأجود في الدَّين من مكارم الأخلاق، وليست الإبل من الأموال الربوية، وأيضًا لم يكن مشروطًا في صلب العقد.
٢٩٠٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فأغلظ) يحتمل أن يكون المتقاضي كافرًا، أو محمول على نوع من الجد والعنف في المطالبة.
٢٩٠٩ - [١١] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ " قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: "هَل عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: "فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ " قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثمَّ أُتِي بِالثَّالِثَةِ، فَقَالَ: "هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ " قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنانِيرَ، قَالَ: "هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ". قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٨٩].
ــ
٢٩٠٩ - [١١] (سلمة بن الأكوع) قوله: (فصلى عليها) كأنهم ذكروا له أن الدين ثلاثة دنانير ولم يذكر في الحديث، أو علم ذلك بالوحي أو الإلهام، ويمكن واللَّه أعلم أنه سامح في أداء بعض الدين وبقاء بعضه، والأول أظهر.
قوله: (صلوا على صاحبكم) فيه زجر وتشديد على الدين والمماطلة في أدائه.
وقوله: (وعلي دينه (١)) قال الطيبي (٢): فيه دليل على جواز الضمان عن الميت وإن لم يترك وفاءً، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إذا لم يترك
стр. 3078
٢٩١٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٨٧].
٢٩١١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ". فَلَمَّا أَدْبَرَ نَادَاهُ فَقَالَ: "نَعَمْ إِلَّا الدَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ جِبْرِيلُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٥].
٢٩١٢ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٦].
ــ
وفاء، انتهى.
ويمكن أن يقال: إنه لم يكن ضمانًا بل وعد بأن يؤدي دينه، ولما علم رسول اللَّه ﷺ صدق وعده صلّى لارتفاع المانع.
٢٩١٠ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (من أخذ أموال الناس) أي: استقرضها وينوي أداءها، ولا بد [أن] يكون استقراض هذا الرجل عند الاحتياج بحكم الضرورة.
وقوله: (أدّى اللَّه عنه) أي: أعانه على أدائه في الدنيا، أو يرضي خصمه في الآخرة، أو بالإبراء.
وقوله: (أتلفه اللَّه عليه) أي: لم يعنه.
٢٩١١ - [١٣] (أبو قتادة) قوله: (غير مدبر) من الإدبار وهو تأكيد لقوله: (مقبلًا).
وقوله: (إلا الدين) فيه دليل على غاية المضايقة في حقوق العباد.
٢٩١٢ - [١٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (يغفر للشهيد) ففي الحديث الأول
стр. 3079
٢٩١٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّينُ فَيَسْأَلُ: "هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ قَضَاءً؟ " فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً، صَلَّى وَإلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ". فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَامَ فَقَالَ: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٩٨، م: ١٦١٩].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٩١٤ - [١٦] عَنْ أَبِي خَلْدَةَ الزُّرَقِيِّ قَالَ: جِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ، فَقَالَ: . . . . .
ــ
تكفير الذنوب بالشهادة، وفي هذا الحديث مغفرتها، وبينهما فرق فافهم.
٢٩١٣ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (عليه الدين) جملة حالية.
وقوله: (قام) يمكن أن يكون بمعنى خطب أو بمعنى قام بالأمر.
وقوله: (فترك دينًا) أي: وليس له مال.
وقوله: (فهو لورثته) أي: بعد قضاء دينه، كذا قالوا.
الفصل الثاني
٢٩١٤ - [١٦] قوله: (عن أبي خلدة) بفتح معجمة وسكون لام وقيل: بفتحهما وإهمال دال، (الزرقي) بزاي مضمومة وفتح راء نسبة إلى عامر بن زريق كقرشي نسبة إلى قريش.
وقوله: (في صاحب لنا) أي: في شأن صاحب لنا، (فقال) أي: أبو هريرة ﵁:
стр. 3080
هَذَا الَّذِي قَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِه". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [مسند الشافعي: ٢/ ١٦٣، جه: ٢٣٦].
٢٩١٥ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [مسند الشافعي: ٢/ ١٩٠، حم: ٢/ ٤٤٠، ٤٧٥، ٥٠٨، ت: ١٠٨٩، جه: ٢٤١٣، دي: ٢/ ٢٦٢].
٢٩١٦ - [١٨] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَاحِبُ الدَّيْنِ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ، يَشْكُو إِلَى رَبِّهِ الْوَحْدَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٨/ ٢٠٣].
ــ
(هذا الذي) أي: هذا الأمر والشأن الذي (قضى فيه رسول اللَّه ﷺ ) ثم فسر القضاء بقوله: (أيما رجل مات. . . إلخ) ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الرجل.
وقوله: (قضى فيه) أي: في مثله.
٢٩١٥ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (معلقة بدينه) أي: لا يدخل الجنة، أو لا يصل إلى زمرة عباده الصالحين.
٢٩١٦ - [١٨] (البراء بن عازب) قوله: (مأسور) أي: أسير ومحبوس، والأسر: الشد بالإسار بكسر الهمزة: ما يشد به، والأسير: الأخيذ والمقيد والمسجون.
وقوله: (يشكو إلى ربه الوحدة) أي: الانفراد والبعد عن صحبة الصالحين ووجود الشافعين، والتوحش في النار أو خارجها.
стр. 3081
٢٩١٧ - [١٩] وَرُوِيَ: أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يَدَّانُ، فَأَتَى غُرَمَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَاعَ النَّبِيُّ ﷺ مَالَهُ كُلَّهُ فِي دَيْنِهِ، حَتَّى قَامَ مُعَاذٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ. مُرْسَلٌ، هَذَا لَفْظُ "الْمَصَابِيحِ". وَلَمْ أَجِدْهُ فِي الأُصُول إِلَّا فِي "الْمُنْتَقى".
٢٩١٨ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ ابْنُ جَبَلٍ شَابًّا سَخِيًّا وَكَانَ لَا يُمْسِكُ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ يَدَّانُ حَتَّى أَغْرَقَ. . . . .
ــ
٢٩١٧ - [١٩] (معاذ) قوله: (يدّان) أي: يستقرض، مضارع ادّان بكسر الهمزة وتشديد الدال افتعل من دان، أصله: ادْتان، قلبت التاء دالًا وأدغم، كما علم في علم الصرف.
وقوله: (فأتي غرماؤه إلى النبي ﷺ ) أُتي بلفظ المجهول (١)، وفي (القاموس) (٢): أتى إليه الشيء: ساقه، بمعنى: سيق غرماؤه إليه ﷺ .
وقوله: (فباع النبي ﷺ ) بعد ما طالبه غرماؤه وحبسوه وكلفوه، فافهم.
وقوله: (إلا في المنتقى) اسم كتاب لابن التيمي (٣)، يريد أن إيراده في (المنتقى) دليل على وجوده في بعض الأصول.
٢٩١٨ - [٢٠] (عبد الرحمن بن كعب) قوله: (وعن عبد الرحمن بن كعب) حكاية لفظ ما في (كتاب المنتقى).
وقوله: (حتى أغرق) الضمير لمعاذ.
كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ، لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقْضِي عَنْ أَخِيهِ دَيْنَهُ إِلَّا فَكَّ اللَّهُ رِهَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٨/ ٢١٣].
٢٩٢١ - [٢٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٥٧٢، ١٥٧٣، جه: ٢٤١٢، دي: ٢/ ٢٦٢].
٢٩٢٢ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنوُبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَا عَبْدٌ بَعْدَ الْكَبَائِرِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ. . . . .
ــ
جمع الرهن بمعنى المرهون، وفكه تخليصه، ونفس الإنسان مرهونة بما كسبه، وإنما جمعه باعتبار تعدد أكسابه التي ترهن بها نفسه، أو لأن كل عضو منه رهين.
٢٩٢١ - [٢٣] (ثويان) قوله: (من الكبر والغلول والدين) الغلول هو الخيانة في المغنم، والثلاثة تشترك في إيذاء الناس إما من جهة الغرض، وإما من جهة المال عمومًا أو خصوصًا، فافهم.
٢٩٢٢ - [٢٤] (أبو موسى) قوله: (أن يموت) خبر (إنَّ).
وقوله: (أن يلقاه) جملة وقعت موضع الصفة للذنوب، أو هي حال أو بدل من الذنوب، كذا قيل، وهذا أقرب مما ذكر الطيبي (١): أن قوله: (أن يلقاه) خبر (إنَّ) و (أن يموت) بدل منه؛ لأنه إذا سكت عن البدل واكتفى بالمبدل منه لا يستقيم المعنى كذا قيل.
وإنما قال: (بعد الكبائر)؛ لأن نفس الدين ليس من الكبائر، والأحاديث المذكورة
стр. 3084
وَعَلَيْهِ دينٌ لَا يَدَعُ لَهُ قَضَاءً". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٣٩٢، د: ٣٣٤٢].
٢٩٢٣ - [٢٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُه عِنْدَ قَوْله: "شُرُوطِهِمْ". [ت: ١٣٥٢، جه: ٢٣٥٣، د: ٣٥٩٤].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٩٢٤ - [٢٦] عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخَرَفَةُ. . . . .
ــ
فيما سبق إنما هي تشديدات على ذلك (١).
٢٩٢٣ - [٢٥] (عمرو بن عوف) قوله: (الصلح جائز. . . إلخ) مناسبة هذا الحديث للعنوان خَفِيةٌ إلا أن يكون باعتبار أن الصلح في غالب الأحوال، إنما يكون عند الإفلاس.
الفصل الثالث
٢٩٢٤ - [٢٦] (سويد بن قيس) قوله: (ومخرفة) بفتح الميم وسكون الخاء
стр. 3085
الْعَبْدِيُّ بَزًّا مِنْ هَجَرَ، فَأَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ، فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي، فَسَاوَمَنَا بِسَرَاوِيلَ فَبِعْنَاهُ، وَثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بِالأَجْرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ: "زِنْ وَأَرْجِحْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: ٤/ ٣٥٢، د: ٣٣٣٦، ت: ١٣٠٥، جه: ٢٢٢٠، دي: ٢/ ٣٣٨].
ــ
المعجمة وفتح الراء بعدها فاء، وفي بعض النسخ (مخرمة) بالميم و (العبدي) بسكون الباء، و (البز) بالزاي: الثياب، أو متاع البيت من الثياب ونحوها، وبائعه البزَّاز، وحرفته البِزازة، و (هجر) بفتحتين: بلد باليمن، واسم لجميع أرض البحرين، وقرية كانت قريب المدينة ينسب إليها القلال أو ينسب إلى هجر اليمن.
وقوله: (فبعناه) وروى أبو يعلى في (مسنده) (١) عن أبي هريرة ﵁ أنه اشترى ذلك بأربعة دراهم، وكان للقوم وزّان يزن الأثمان.
وقوله: (بالأجر) أي: ياخذ الأجرة على الوزن، (وأرجح) بفتح الهمزة أمر من أَرْجَحَ: أعطاه راجحًا، قد دل هذا الحديث على اشتراء سراويل ولم يثبت لبسه إياه (٢)،