كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ، لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقْضِي عَنْ أَخِيهِ دَيْنَهُ إِلَّا فَكَّ اللَّهُ رِهَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٨/ ٢١٣].
٢٩٢١ - [٢٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٥٧٢، ١٥٧٣، جه: ٢٤١٢، دي: ٢/ ٢٦٢].
٢٩٢٢ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنوُبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَا عَبْدٌ بَعْدَ الْكَبَائِرِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ. . . . .
ــ
جمع الرهن بمعنى المرهون، وفكه تخليصه، ونفس الإنسان مرهونة بما كسبه، وإنما جمعه باعتبار تعدد أكسابه التي ترهن بها نفسه، أو لأن كل عضو منه رهين.
٢٩٢١ - [٢٣] (ثويان) قوله: (من الكبر والغلول والدين) الغلول هو الخيانة في المغنم، والثلاثة تشترك في إيذاء الناس إما من جهة الغرض، وإما من جهة المال عمومًا أو خصوصًا، فافهم.
٢٩٢٢ - [٢٤] (أبو موسى) قوله: (أن يموت) خبر (إنَّ).
وقوله: (أن يلقاه) جملة وقعت موضع الصفة للذنوب، أو هي حال أو بدل من الذنوب، كذا قيل، وهذا أقرب مما ذكر الطيبي (١): أن قوله: (أن يلقاه) خبر (إنَّ) و (أن يموت) بدل منه؛ لأنه إذا سكت عن البدل واكتفى بالمبدل منه لا يستقيم المعنى كذا قيل.
وإنما قال: (بعد الكبائر)؛ لأن نفس الدين ليس من الكبائر، والأحاديث المذكورة
стр. 3084
وَعَلَيْهِ دينٌ لَا يَدَعُ لَهُ قَضَاءً". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٣٩٢، د: ٣٣٤٢].
٢٩٢٣ - [٢٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُه عِنْدَ قَوْله: "شُرُوطِهِمْ". [ت: ١٣٥٢، جه: ٢٣٥٣، د: ٣٥٩٤].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٩٢٤ - [٢٦] عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخَرَفَةُ. . . . .
ــ
فيما سبق إنما هي تشديدات على ذلك (١).
٢٩٢٣ - [٢٥] (عمرو بن عوف) قوله: (الصلح جائز. . . إلخ) مناسبة هذا الحديث للعنوان خَفِيةٌ إلا أن يكون باعتبار أن الصلح في غالب الأحوال، إنما يكون عند الإفلاس.
الفصل الثالث
٢٩٢٤ - [٢٦] (سويد بن قيس) قوله: (ومخرفة) بفتح الميم وسكون الخاء
стр. 3085
الْعَبْدِيُّ بَزًّا مِنْ هَجَرَ، فَأَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ، فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي، فَسَاوَمَنَا بِسَرَاوِيلَ فَبِعْنَاهُ، وَثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بِالأَجْرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ: "زِنْ وَأَرْجِحْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: ٤/ ٣٥٢، د: ٣٣٣٦، ت: ١٣٠٥، جه: ٢٢٢٠، دي: ٢/ ٣٣٨].
ــ
المعجمة وفتح الراء بعدها فاء، وفي بعض النسخ (مخرمة) بالميم و (العبدي) بسكون الباء، و (البز) بالزاي: الثياب، أو متاع البيت من الثياب ونحوها، وبائعه البزَّاز، وحرفته البِزازة، و (هجر) بفتحتين: بلد باليمن، واسم لجميع أرض البحرين، وقرية كانت قريب المدينة ينسب إليها القلال أو ينسب إلى هجر اليمن.
وقوله: (فبعناه) وروى أبو يعلى في (مسنده) (١) عن أبي هريرة ﵁ أنه اشترى ذلك بأربعة دراهم، وكان للقوم وزّان يزن الأثمان.
وقوله: (بالأجر) أي: ياخذ الأجرة على الوزن، (وأرجح) بفتح الهمزة أمر من أَرْجَحَ: أعطاه راجحًا، قد دل هذا الحديث على اشتراء سراويل ولم يثبت لبسه إياه (٢)،
стр. 3086
٢٩٢٥ - [٢٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣٤٧].
٢٩٢٦ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ: اسْتَقْرَضَ مِنِّي النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَجَاءَهُ مَالٌ فَدَفَعَهُ إِلَيَّ، وَقَالَ: "بَارَكَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالأَدَاءُ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٤٦٨٣].
٢٩٢٧ - [٢٩] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَمَنْ أَخَّرَهُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٢٤٢].
٢٩٢٨ - [٣٠] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ الأَطْوَلِ قَالَ: . . . . .
ــ
وقد يجيء ذلك في (باب اللباس)، ومناسبة هذا الحديث أيضًا غير ظاهرة إلا أن يقال: إن الأمر بالإرجاح لإفلاس البائع.
٢٩٢٥ - [٢٧] (جابر) قوله: (فقضاني وزادني) ولم تكن الزيادة مشروطة في صلب العقد، وذلك في شراء الجمل منه، كما مر.
٢٩٢٦ - [٢٨] (عبد اللَّه بن أبي ربيعة) قوله: (إنما جزاء السلف) أي: القرض.
٢٩٢٧ - [٢٩] (عمران بن حصين) قوله: (فمن أخّره) كرر (مَنْ) تأكيدًا.
٢٩٢٨ - [٣٠] قوله: (سعد بن الأطول) هكذا في نسخ (المشكاة) (١) وصوابه قال القسطلاني في "المواهب" (٦/ ٣٤٠ - ٣٤٤).
стр. 3087
مَاتَ أَخِي وَتَرَكَ ثَلَاثَ مِئَةِ دِينَارٍ، وَتَرَكَ وُلْدًا صِغَارًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ فَاقْضِ عَنْهُ" قَالَ: فَذَهَبْتُ فَقَضَيْتُ عَنهُ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ قَضَيْتُ عَنْهُ، وَلَمْ تَبْقَ إِلَّا امْرَأَةٌ تَدَّعِي دِينَارينِ وَلَيْسَتْ لَهَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: "أَعْطِهَا فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٣٦].
٢٩٢٩ - [٣١] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ حَيْثُ يُوضَعُ الْجَنَائِزُ، وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَيْنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَصَرَهُ قِبَلَ السَّمَاءِ فَنَظَرَ، ثُمَّ طَأْطَأَ بَصَرَهُ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّه! سُبْحَانَ اللَّه! مَا نزَلَ مِنَ التَّشْدِيدِ؟ " قَالَ: فَسَكَتْنَا يَوْمَنَا وَلَيْلَتَنَا،
ــ
سعد بدون الياء كما في كتب أسماء الرجال غير أنه لم يذكر في (جامع الأصول) أصلًا، وفي بعض النسخ غيِّر سعيد إلى سعد.
وقوله: (ولدًا) بضم الواو وسكون اللام وبفتحهما.
وقوله: (فأردت أن أنفق عليهم) أي: ولا أقضي الدين.
وقوله: (فإنها صادقة) لعله عَلم ذلك بالوحي، أو كان معلومًا له قبل ذلك، ويمكن أن يكون قوله ذلك احتياطًا، أي: أعطها، وقَدِّر كونَها صادقة، واللَّه أعلم.
٢٩٢٩ - [٣١] (محمد بن عبد اللَّه) قوله: (بين ظهرينا) أي: بيننا، ولفظ الظهر مقحم، وقد عرف تحقيقه في موضعه.
وقوله: (ثم طأطأ بصره) أي: طامنه وخفضه.
стр. 3088
فَلَمْ نَرَ إِلَّا خَيْرًا حَتَّى أَصْبَحْنَا، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : مَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نَزَلَ؟ قَالَ: "فِي الدَّيْنِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ، ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ، ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى دَيْنُهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" نَحْوهُ. [حم: ٥/ ٢٨٩، شرح السنة: ٨/ ٢٠١].
* * *
١٠ - باب الشركة والوكالة
ــ
وقوله: (فلم نر إلا خيرًا) توهموا أن التشديد النازل هو العذاب.
وقوله: (حتى يقضى دينه) كذا في الجميع بلفظ المجهول وهو الأظهر.
١٠ - باب الشركة والوكالة
في (القاموس) (١): الشِّركُ والشِّركَةُ، بكسرهما، وضَمِّ الثاني (٢) بمعنى، وقد اشْتركا وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، وكأميرٍ: المشاركُ، والجمع أشْراكٌ وشُركاءُ، وشَرِكَه في البيع والميراث، كعَلِمَه.
ووَكَلَ إليه الأَمر وكلًا ووكولا: سلَّمه وتركه، والاسم: الوكالة، بالفتح ويكسر،
стр. 3089
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٩٣٠ - [١] عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ إِلَى السُّوقِ، فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فَيَقُولَانِ لَهُ: أَشْرِكنَا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ، فَيُشْرِكهُمْ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ، فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْمَنْزِلِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ ذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٥١].
ــ
والتَّوكُّل: إظهار العَجْزِ، والاعتماد على الغير، والاسم: التُّكْلانُ (١).
الفصل الأول
٢٩٣٠ - [١] (زهرة بن معبد) قوله: (زهرة) بضم الزاي وسكون الهاء (بن معبد) بفتح الميم والباء.
وقوله: (فربما أصاب الراحلة) أي: يربح حمل بعير، أي: يحصل له الربح مقدار ما يحمله البعير، والراحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال، الذكر والأنثى فيه سواء، والظاهر أن التاء فيه للنقل، وقيل: للمبالغة.
وقوله: (كما هي) أي: من غير نقصان.
وقوله: (فيشركهم) الظاهر: فيشركهما، وضمير الجمع إما لجعل الجمع اثنين أو أقل، أو المراد: يشركهما وغيرهما من الصحابة.
وقوله: (وكان عبد اللَّه بن هشام. . . إلخ) بيان لدعائه ﷺ لعبد اللَّه بالبركة.
стр. 3090
٢٩٣١ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ: "لَا، تَكْفُونَنَا الْمَؤُونَةَ وَنُشْرِككُمْ فِي الثَّمَرَةِ". قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٢٥، ٣٧٨٢].
٢٩٣٢ - [٣] وَعَن عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَار، وَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْعِهِ بِالْبَرَكَةِ،
ــ
٢٩٣١ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل) لما قدم رسول اللَّه ﷺ وأصحابه المهاجرون المدينة بوّأهم الأنصار في دورهم وأشركوهم في ضياعهم، وسألوا رسول اللَّه ﷺ أن يُقسِّم النخيل بينهم وبين المهاجرين، فأبى ﷺ عن ذلك، و (قال: لا) ردًّا لما التمسوه من القسمة، وقال: (تكفوننا المؤونة) وهو خبر في معنى الأمر، أي: اكفوننا مؤونة سقيها وتأبيرها ونحوهما، يعني: لكن نخيلكم عندكم، فإن فيه تخفيفًا علينا وعليكم.
وقوله: (نشرككم) بصيغة المضارع المعلوم بفتح النون والراء من باب سمع يسمع، أو بضم النون وكسر الراء من الإشراك هكذا ذكروا، وهو مرفوع أو منصوب من جهة كون (تكفوننا) في معنى الأمر، ويجوز أن يكون: لا تكفوننا، بحذف همزة الاستفهام على سبيل العرض، فتعين النصب في (نشرككم)، واللَّه أعلم.
٢٩٣٢ - [٣] (عروة بن أبي الجعد) قوله: (أبي الجعد) بفتح الميم وسكون العين، و (البارقي) بكسر الراء والقاف منسوب إلى بارق بن عوف بن عدي.
وقوله: (فباع إحداهما بدينار) بيعه بلا إذنه ﷺ لكونه وكيلًا مطلقًا من جانبه،
стр. 3091
فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٤٢].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٩٣٣ - [٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَزَاد رزين: "وَجَاءَ الشَّيْطَانُ". [د: ٣٣٨٣].
٢٩٣٤ - [٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٢٦٤، ٣٥٣٥، دي: ٢/ ٢٦٤].
ــ
وأيضًا بيع مال الغير بلا إذنه يكون موقوفا على إجازته، فلما أجاز صح، وهذا الحديث دليل عليه وحجة على من لم يجوِّزه.
وقوله: (فكان لو اشترى ترابًا لربح) مبالغة في ربحه، أو محمول على حقيقته فإن بعض أنواع التراب يباع ويشترى.
الفصل الثاني
٢٩٣٣ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (أنا ثالث الشريكين) أي: أعينهما وأبارك فيهما.
وقوله: (خرجت من بينهما) أي: زالت البركة منهما.
٢٩٣٤ - [٥] (وعنه) قوله: (أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) تنبيه على رعاية مكارم الأخلاق، والإحسانِ إلى من أساء، وعدم مقابلة السيئة بالسيئة.
стр. 3092
٢٩٣٥ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: إِنِّي أَرَدْتُ الخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ: "إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ".رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٣٢].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٩٣٦ - [٧] عَن صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ثَلَاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ: الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ، وَالْمُقَارَضَةُ، وَإِخْلاط الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ لَا لِلْبَيْع. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٢٨٩].
٢٩٣٧ - [٨] وَعَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً، فَاشْتَرَى كَبْشًا بِدِينَارٍ،
ــ
٢٩٣٥ - [٦] (جابر) قوله: (فضع يدك على ترقوته) بفتح التاء وسكون الراء وضم القاف: مقدم الحلق في أعلى الصدر حيثما يترقى فيه النفس (١).
الفصل الثالث
٢٩٣٦ - [٧] (صهيب) قوله: (والمقارضة) فسروها بالمضاربة، وهو أن بدفع إلى أحد مالًا ليتّجر فيه، والربح بينهما على ما يشترطان، كأنه عَقْدٌ على الضرب في الأرض والسعي فيها، كذا في (القاموس) (٢).
٢٩٣٧ - [٨] (حكيم بن حزام) قوله: (بعث معه بدينار) الباء زائدة في المفعول
стр. 3093
وَبَاعَهُ بِدِينَارَيْنِ، فَرَجَعَ فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ، فَجَاءَ بِهَا وَبِالدِّينَارِ الَّذِي اسْتَفْضَلَ من الأُخْرَى، فَتَصَدَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدِّينَارِ، فَدَعَا لَهُ أَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِي تِجَارَتِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٢٨٠، د: ٣٣٨٦].
* * *
١١ - باب الغصب والعارية
ــ
كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] على وجه
وقوله: (استفضل من الأخرى) أفضلْتُ منه الشيءَ واستفضلتُه بمعنى.
١١ - باب الغصب والعارية
في (القاموس) (١): غَصَبَهُ يَغْصِبُهُ: أخَذَهُ ظُلْمًا، كاغْتَصَبَهُ، وفي (شرح كتاب الخرقي): الغصب في اللغة: أخذ الشيء ظلمًا. قاله الجوهري وابن سيده وغيرهما، وفي الاصطلاح: قال أبو محمد في (المقنع): إنه الاستيلاء على مال الغير قهرًا بغير حق، فالاستيلاء يستدعي القهر والغلبة، فإذًا قوله: (قهرًا) زيادة في الحد، ولهذا أسقطه في (المغني)، لكن فيه زيادة إيضاح، يخرج بذلك المال المسروق، والمنتَهب، والمختلَس، لأنه لم يأخذه على وجه القهر، وقوله: (بغير حق)، يخرج الاستيلاء بحق، كاستيلاء الولي على مال الصبي، والحاكم على مال المفلس، ونحو ذلك.
وهذا التعريف غير جامع، لخروج ما عدا المال من الحقوق، كالكلب، وخمر الذمي، ونحو ذلك.
وقال أبو البركات: الاستيلاء على مال الغير ظلمًا، ويَرِدُ عليه ما ورد على الأول،
стр. 3094
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٩٣٨ - [١] عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا. . . . .
ــ
وأنه غير مانع؛ لدخول السرقة، والانتهاب، والاختلاس، انتهى كلامه (١).
وفي عدم وجود القهر في الانتهاب كما ذكره خفاء كما لا يخفى فافهم.
(والعارية) بالتخفيف والتشديد، وفي (الصحاح) (٢): وكأنها بالتشديد منسوب إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، والعارَة مثل العارية.
وفي (المغرب) (٣): بالتشديد منسوبة إلى العارة اسم من الإعارة.
وفي (المبسوط) (٤): وقيل: هي مشتقة من التعاور، وهو التناوب، فكأنه يجعل للغير نوبة في الانتفاع بملكه على أن تعود النوبة إليه بالاسترداد متى شاء، ولهذا كانت الإعارة في المكيل والموزون قرضًا، لأنه لا ينتفع بها إلا باستهلاك العين، فلا تعود النوبة إليه في تلك العين لتكون عارية حقيقة، وإنما تعود النوبة إليه في مثلها، وما يملك الإنسان الانتفاع به على أن يكون مثلُه مضمونًا عليه يكون قرضًا، كذا قال الشُّمُنِّي، فتدبر.
الفصل الأول
٢٩٣٨ - [١] (سعيد بن زيد) قوله: (من أخذ شبرًا) بالكسر: ما بين أعلى الإبهام
стр. 3095
فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٩٨، م: ١٦١٠].
٢٩٣٩ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُؤْتَى مَشْرَبَتَهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ وَإِنَّمَا يَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطَعِمَاتِهِمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٢٦].
ــ
وأعلى الخنصر وهو مذكر جمعه أشبار.
وقوله: (يطوّقه) بضم الياء وفتح التاء والواو المشددة، أي: يجعل طوقًا في عنقه، وقيل: يطوق، أي: يكلَّف حملها يوم القيامة.
٢٩٣٩ - [٢] (ابن عمر) قوله: (لا يحلبن) بضم اللام من باب نصر، و (أن يؤتى) بالتحتانية أو الفوقانية كذا في أكثر النسخ، و (المشربة) بفتح الميم وسكون الشين وفتح الراء وضمها: الغرفة يوضع فيها المتاع، وخزن المال: أحرزه، كاختزنه، والخزانة بالكسر: مكان الخزن، ولا يفتح، كالمخزن.
وقوله: (فينتقل) بلفظ المجهول، قال في (فتح الباري) (١): بالياء والنون من النقل، أي: يُحول من مكان إلى مكان، وعند الإسماعيلي (فينتثل) بمثلئة بدل القاف، وكذا وقع في بعض الطرق عند مسلم، والنثل: النشر مرة واحدة بسرعة، وقيل: الاستخراج، و (يخزن) بالتحتانية والفوقانية بضم الزاي، والأطعمات: جمع أطعمة جمع طعام مفعول (يخزن)، و (ضروع) فاعله.
وقوله: (رواه مسلم) الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري في (كتاب
стр. 3096
٢٩٤٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ: . . . . .
ــ
اللقطة) (١) ومسلم في (الغصب).
ونقل الطيبي عن (شرح السنة) (٢) أنه لا يجوز أن يحلب ماشية الغير بغير إذنه إلا إذا اضطر في مخمصة ويضمن، وقيل: لا ضمان عليه، وقد روي أن أبا بكر ﵁ حلب لرسول اللَّه ﷺ غنمًا لرجل من قريش يرعاها عبد له في هجرته إلى المدينة، وقيل: الرجل كان من معارف أبي بكر، وقيل: كان سيدُه أذن له، ومن عادتهم أن يأذنوا لرعاتهم في ذلك، واللَّه أعلم.
٢٩٤٠ - [٣] (أنس) قوله: (عند بعض نسائه) قد جاءت في رواية أن المراد عائشة، والمراد بإحدى أمهات المؤمنين زينب بنت جحش، وقيل: أم سلمة، وقيل: صفية، والصحفة: القصعة المبسوطة، في (القاموس) (٣): أعظم القصاع الجفنة ثم الصحفة.
وقوله: (فانفلقت) أي: انكسرت، يقال: فَلَقَه يَفْلِقُه: شقَّه، فانفلق وتفلَّق، والفلق بكسر الفاء وفتح اللام: جمع فلقة، وهي القطعة، وفي (القاموس) (٤): هي من الجفنة
стр. 3097
"غَارَتْ أُمُّكُمْ" ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ، حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٢٢٥].
٢٩٤١ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٤٧٤، ٥٥١٦].
٢٩٤٢ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ،
ــ
نصفها، و (غارت) من الغيرة، اعتذار منه ﷺ من جانبها بأن هذه الفعلة من الغيرة التي جبل عليها الإنسان، وإيراد هذا الحديث في هذا الباب لتشبيهه بالغصب، والأولى إيراده في (باب ضمان المتلفات (١)).
٢٩٤١ - [٤] (عبد اللَّه بن يزيد) قوله: (والمثلة) هي العقوبة بقطع الأنف والأذن ونحوهما، وهو حرام إلا على وجه القصاص، وسيجيء ذكرها في كتاب القصاص في قصة العرنيين.
٢٩٤٢ - [٥] (جابر) قوله: (ست ركعات بأربع سجدات) أي: كان يصلي
стр. 3098
وَقَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ،
ــ
ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان.
وقوله: (توعدونه) أي: تخبرونه، وقد جاء الوعد والوعيد في الاشتقاق اللغوي متحدًا، كذا قيل.
وقوله: (وقد آضت الشمس) أي: عادت إلى حالتها.
وقوله: (إلا قد رأيته) رؤية علم ويقين لم يكن حاصلًا قبل ذلك، أو رؤية بصر وهو الظاهر.
وقوله: (من لفحها) أي: حرها ووهجها، لفحت النار بحرِّها لفحًا ولفحانًا.
وقوله: (وحتى رأيت) بالواو عطف على مقدر (فيها صاحب المحجن) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم: عصًا في رأسه اعوجاج، على رأسه حديد، يقال: حجن العود يَحْجِنُه: عَطَفَه (١)، وهو عمرو بن لحي بضم اللام وفتح الحاء وتشديد الياء، كان في الجاهلية سارقًا، يسرق الثوب ويسلبه بمحجنه، فإذا أُخذ تَعَلَّلَ بأنه لصق بمحجنه من غير فعله، وإذا لم يُدْرَ ذهب به، وقيل: هو أول من سيَّب السوائب، وأول من سنّ عبادة الأصنام.
وقوله: (يجر قصبه) بضم القاف وسكون الصاد المهملة: المِعَى، جمعه: الأقصاب والقَصَّاب [الزمَّار]، كذا في (القاموس) (٢).
стр. 3099
وَكَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرَتِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٠٤].
ــ
وقوله: (يسرق الحاج) بحذف المضاف، أي: متاعهم.
وقوله: (فإن فطن) بلفظ المجهول، أي: علم.
وقوله: (حتى رأيت فيها صاحبة الهرة) وهي التي ورد فيها: (عُذبت امرأة في هرة).
و(خشاش الأرض) بكسر الخاء المعجمة: ما لا دماغ له من دواب الأرض ومن الطير، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (المشارق) (٢): بفتح الخاء وكسرها، وحكي بالضم، وبالفتح صحح في نسخ (المشكاة)، وفي (مجمع البحار (٣)): فتح خاء خشاش أشهر الثلاثة، وإعجامه أصوب، وهي الهوام، وقيل: ضعاف الطير، ويروى: (خشيشها) بمعناه، ويروى بحاء مهملة، وهو يابس النبات وهو وهم، وقيل: إنما هو خشيش بمعجمة مصغر خشاش على الحذف، انتهى.
وقوله: (ثم بدا لي) أي: ظهر، يقال: بدا له في الأمر بَداءٌ: نشأ له فيه رأي،
стр. 3100
٢٩٤٣ - [٦] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ: الْمَنْدُوبُ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِن وَجَدْناهُ لَبَحْرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٢٧، ٢٩٦٨، م: ٢٣٠٧].
ــ
وذلك ليكون الإيمان بالغيب ابتداء.
٢٩٤٣ - [٦] (قتادة) قوله: (كان فزع) محركًا، أي: خوفٌ من عدو.
وقوله: (يقال له: المندوب) ندبه إلى الأمر، أي: دعاه وحثّه ووجّهه، والندب بالتحريك: أثر الجرح الباقي على الجلد، وتسمية ذلك الفرس به بالمعنى الأول، قال في (النهاية) (١): هو من النَّدَب: الرهن الذي يجعل في السباق، وقيل: بالمعنى الثاني لندبٍ كان في جسمه من أثر الضرب.
ثم الظاهر من الحديث أنه كان فرس أبي طلحة، وقال في (النهاية) (٢): إن المندوب اسم فرس رسول اللَّه ﷺ ، ولعله كان فرسًا آخر له ﷺ ، أو أضافه إليه لركوبه ﷺ في هذه القضية، واللَّه أعلم.
وقوله: (فركب) أي: في مقابلة العدو.
وقوله: (وإن وجدناه) إن مخففة من المثقلة، والضمير للمركوب أو للفرس، ويذكَّر ويؤنث، وشبَّهه بالبحر لسعة جريه، وكان قبل ركوبه ﷺ ضيق الجري جدًّا كذا جاء في الحديث.
стр. 3101
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٩٤٤ - [٧] عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٣٧٨، د: ٣٠٧٣].
٢٩٤٥ - [٨] وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَن غَرِيبٌ. [ط: ٥٩٦].
٢٩٤٦ - [٩] وَعَنْ أَبِي حُرَّةَ. . . . .
ــ
الفصل الثاني
٢٩٤٤ - [٧] (سعيد بن زيد) قوله: (من أحيا أرضًا ميتة) بإذن السلطان عند أبي حنيفة، وعند الشافعي لا حاجة إلى إذن السلطان.
وقوله: (وليس لعرق ظالم) يروى بالإضافة والوصفية، ومعناه، أي: من غرس في ملك غيره أو زرع فيه فلصاحب الملك قلعه مجانا، وقيل: معناه: من أحيا أرضًا فليس لغيره أن يتصرف فيها.
وقوله: (رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد يرفعه.
٢٩٤٥ - [٨] (مالك) قوله: (ورواه مالك عن عروة) يعني: عن هشام عن أبيه، فالحديث مرسل من وجه، ومسند من وجه آخر، ولعله بهذا الاعتبار قال في (المصابيح): عن أبي سعيد، ثم قال: مرسل، فتدبر.
٢٩٤٦ - [٩] (أبو حرة الرقاشي) قوله: (عن أبي حرة) بضم المهملة وتشديد
стр. 3102
الرَّقَاشِي عَنْ عَمِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإيمَان" وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي "الْمُجْتَبى". [هب: ٧/ ٣٤٦، سنن الدارقطني: ٣/ ٤٢٤].
٢٩٤٧ - [١٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ، وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ، وَمَنِ انْتُهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنَّا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٢٣].
ــ
الراء، (الرقاشي) بفتح الراء وتخفيف القاف وبالشين المعجمة نسبة إلى رقاش بنت ضبيعة، كذا في (المغني) (١).
٢٩٤٧ - [١٠] (عمران بن حصين) قوله: (لا جلب ولا جنب) بفتح الجيم والنون واللام وهما يكونان في السباق وفي الصدقة، فالجلب في السباق أن يُتبع فرسه رجلًا يُجْلِبُ عليه ويزجره، والجنب فيه أن يُجنب إلى فرسه فرسًا عريانًا حتى إذا فتَرَ المركوب تحول إليه، وهما في الصدقة أن ينزل المصدِّق موضعًا فيرسل من يجلب عليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها، أو يبعد رب الماشية بها عن محلها فيحتاج الساعي أن يتكلف ويأتي إليه، وقد مر في بابه.
وقوله: (ولا شغار) بكسر الشين وبالغين المعجمة، والشغار (٢) أن يتزوج الرجل امرأة على أن يزوجك أخرى من غير مهر بينهما، وهذا العقد فاسد عند أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة والثوري: يصح، ويجب مهر المثل.
стр. 3103
٢٩٤٨ - [١١] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَأْخُذ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ لَاعِبًا جَادًّا، فَمَن أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا إِلَيهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبَو دَاوُدَ، وَرِوَايَتُهُ إِلَى قَوْله: "جَادًّا". [ت: ٢١٦٠، د: ٥٠٠٣].
٢٩٤٩ - [١٢] وَعَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَتَّبعُ الْبَيِّعُ مَن بَاعَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٥/ ١٣، د: ٣٥٣١، ن: ٤٦٨١].
٢٩٥٠ - [١٣] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ". وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٢٦٦، د: ٣٥٦١، جه: ٢٤٠٠].
ــ
٢٩٤٨ - [١١] (السائب بن يزيد) قوله: (لا يأخذ (١)) بالجزم في جمع النسخ.
وقوله: (لاعبًا جادًا) قالوا: معناه: يأخذ على سبيل الهزل والمزاح، ثم يحبسها ولا يردها فيصير جادًا، وقيل: المراد: يأخذ ماله بطريق السرقة ولا يريد السرقة، وإنما يريد أن يغيظه، فهو هازل في السرقة جادٌّ فِي إدخال الغيظ، وتخصيص العصا بالذكر ليعلم أن ما كان فوقه فهو بالمنع أولى.
٢٩٤٩ - [١٢] (سمرة) قوله: (من وجد عين ماله) الحديث، حاصله: أن من غصب أو سرق مثلًا مال أحد، ثم باعه من أحد، فصاحب المال إن وجده في يد المشتري أخذه ويرجع المشتري على البائع بثمنه.
٢٩٥٠ - [١٣] (وعنه) قوله: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي): (ما أخذت)
стр. 3104
٢٩٥١ - [١٤] وَعَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ: أَنَّ ناقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٦٠٣، د: ٣٥٦٩، جه: ٢٣٣٢].
٢٩٥٢ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الرِّجْلُ جُبَارٌ، وَقَالَ: وَالنَّار جُبَارٌ". . . . .
ــ
مبتدأ و (على اليد) خبره، والمراد صاحب اليد، فالمعنى: ما أخذت اليد ضمانُه على صاحبها، والإسناد إلى اليد مجاز، والحاصل أن من أخذ مال أحد بغصب أو عارية أو وديعة لزمه ردّه.
٢٩٥١ - [١٤] (حرام بن سعد) قوله: (وعن حرام) بلفظ ضد حلال، و (محيصة) بضم ميم وفتح مهملة وكسر الياء المشددة، والمراد بالحوائط البساتين، و (ضامن) صيغة النسبة، أي: ذو ضمان، فإذا أتلفت الدابة بستان أحد بالنهار لا يضمن صاحب الدابة؛ لأن صاحب البستان قصَّر في حفظه، والحفظ حقه، وإذا أتلفت بالليل فعلى صاحبها الضمان لتقصيره في حقه.
وقال الطيبي (١): هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها، فإن كان معها فعليه ضمان ما أتلفت، وهذا مذهب مالك والشافعي، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه إذا لم يكن معها صاحبها فلا ضمان ليلًا كان أو نهارًا، وذلك لأن العادة على أن أصحاب الحوائط يحفظونها بالنهار، وأصحاب المواشي يحفظونها بالليل.
٢٩٥٢ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (الرجل) بكسر الراء بمعنى القدم، و (جبار)
стр. 3105
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٩٢].
٢٩٥٣ - [١٦] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَد فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُجبْهُ أَحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦١٩].
٢٩٥٤ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ وَلَا تتَّخِذْ خُبْنَةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٢٨٧، جه: ٢٣٠١].
ــ
بضم الجيم وتخفيف الباء: الهدر، والمعنى: أن ما تطأ الدابة وتضربه في الطريق برجلها، وما أحرقته النار التي يوقدها الرجل في ملكه فيطير بها الريح إلى ملك غيره من حيث لا يمكنه ردُّها، فهو هدر، وهذا إذا أوقدت في وقت سكون الريح، ثم هبت الريح.
وقوله: (رواه أبو داود) والحديث غير محفوظ.
٢٩٥٣ - [١٦] (الحسن) قوله: (فليحتلب وليشرب) قالوا: هذا إذا كان مضطرًّا (١).
٢٩٥٤ - [١٧] (ابن عمر) قوله: (فليأكل) هذا أيضًا إذا كان مضطرًّا، و (خبنة) بضم الخاء وسكون الباء من خَبَن الثوبَ وغيرَه يَخْبِنه خَبْنًا وخِبَانًا: عطفه وخاطه،
стр. 3106
٢٩٥٥ - [١٨] وَعَنْ أُميَّةَ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرَاعَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: "بَلْ عَارِيَةً مَضْمُونَةً". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٦٢].
٢٩٥٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْعَارِيةُ مُؤَدَّاةٌ،
ــ
والخبنة بالضم: ما تحمله في حضنك، والمعنى: يأكل ولا يأخذ منه شيئًا في خبنه أو ثوبه.
٢٩٥٥ - [١٨] (أمية بن صفوان) قوله: (استعار منه أدراعه) وكان يومئذ مشركًا، (فقال: أغصبًا) أي: أتأخذ غصبًا (يا محمد؟ ) (قال: بل عارية مضمونة) بالنصب والرفع فيهما، وهو يدل على أن العارية مضمونة، أو قد تكون مضمونة، وبه تمسك من قال: تكون العارية مضمونة؛ كالشافعي وأحمد ﵏، ومن قال: إنها غير مضمونة؛ كأبي حنيفة ﵀، قال: إن المراد بمضمونة: مردودة، وذكر الضمان للمبالغة (١).
٢٩٥٦ - [١٩] (أبو أمامة) قوله: (العارية مؤداة) أي: واجب على المستعير أداؤها وإيصالها إلى المعير، وينطبق هذا على القولين، أعني: القول بوجوب الضمان فيها، والقول بعدم وجوبه، لكن على الأول تؤدى عينًا حال القيام، وقيمته عند التلف.
стр. 3107
وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٢٦٥، د: ٣٥٦٥].
ــ
وقوله: (والمنحة مردودة) المنحة في الأصل بمعنى العطية والهبة، وأكثر ما يطلق على الناقة يعطيها الرجل لأخيه ليشرب درها، قال في (القاموس) (١): مَنَحَهُ، كمنعهُ وضَرَبَهُ: أعطاهُ، والاسمُ المِنْحَةُ، بالكسر، ومَنَحَه الناقةَ: جَعَلَ له وبَرَها ولَبَنَها وولَدَها، وتطلق في غير الناقة أيضًا.
وقال في (المشارق) (٢): المنحة عند العرب على وجهين: أحدهما: العطية كالهبة والصلة، والأخرى: تختص بذوات الألبان، وبأرض الزراعة، يمنحه الناقة أو الشاة أو البقرة، ينتفع بلبنها ووبرها وصوفها مدة، ثم يصرفها إليه، أو يعطيه أرضه يزرعها لنفسه، ثم يصرفها عليه، وهي المنيحة أيضًا، فعيلة بمعنى مفعولة، وأصله كله العطية، انتهى.
وإلى هذا المعنى أشار الطيبي (٣) حيث قال: المنحة: ما يمنحه الرجل صاحبَه من ذات درّ ليشرب درها، أو شجرة ليأكل ثمرها، أو أرضًا ليزرعها، وفي الحديث: (من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه)، وعلى التقادير كلها المنحة تمليك المنفعة لا تمليك الأصل فوجب ردها.
وقوله: (والدين مقضي) أي: واجب الأداء، (والزعيم) أي: الكفيل، (غارم) أي: ضامن، والزعم والغرم والغرامة والزعامة بالفتح: ما يلزمه أداؤه.
стр. 3108
٢٩٥٧ - [٢٠] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا أَرْمِي نَخْلَ الأَنْصَارِ، فَأُتِيَ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "يَا غُلَامُ لِمَ تَرْمِي النَّخْلَ؟ " قُلْتُ: آكُلُ، قَالَ: "فَلَا تَرْمِ، وَكُلْ مِمَّا سَقَطَ فِي أَسْفَلِهَا" ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَشْبِعْ بَطْنَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٢٨٨، د: ٢٦٢٢، جه: ٢٢٩٩]
وَسَنَذْكرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِي "بَابِ اللُّقْطَةِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٩٥٨ - [٢١] عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبع أَرَضِينَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٢٢].
٢٩٥٩ - [٢٢] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةِ قَالَ: . . . . .
ــ
٢٩٥٧ - [٢٠] (رافع بن عمرو) قوله: (وكل مما سقط) قيل: وذلك عند الاضطرار، وقال الطيبي (١): لو كان مضطرًا لجاز أن يأكل ما رماه أيضًا.
الفصل الثالث
٢٩٥٨ - [٢١] (سالم) قوله: (خسف به. . . إلى سبع أرضين) وقد مر في (الفصل الأول): (يطوقه) وهو غير الخسف، ولعله يعذَّب بعض بالخسف وآخرون بالتطويق.
٢٩٥٩ - [٢٢] (يعلى بن مرة) قوله: . . . . .
стр. 3109
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا الْمَحْشَرَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٧٢].
٢٩٦٠ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ، كلَّفَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاس". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٧٣].
* * *
١٢ - باب الشفعة
ــ
(كلف أن يحمل ترابها) وهذا تعذيب آخر يكون لبعض.
٢٩٦٠ - [٢٣] (وعنه) قوله: (ظلم شبرًا) أي: أخذه ظلمًا.
وقوله: (إلى يوم القيامة) إلى آخر هذا اليوم، فيكون قوله: (حتى يقضى بين الناس) بدلًا وبيانًا له، أي: حتى يَتم حكم الرب تعالى بين العباد في المحشر، أي: إلى دخول الجنة أو النار، فافهم.
١٢ - باب الشفعة
بالضم مشتق من الشفع، وهو الضم، سميت بها لما فيها من ضم المشتراة إلى عقار الشفيع، والشفعة إنما تثبت للشريك عند الأئمة الثلاثة، ولا تثبت للجار، وعند أبي حنيفة وفي رواية عن أحمد تثبت للجار أيضًا، وصحح هذه الرواية بعض أصحابه، ومتمسك الأئمة الحديث الآتي في (الفصل الأول).
ودليل أبي حنيفة حديث جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (الجار أحق بشفعة
стр. 3110
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٩٦١ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢١٣، ٢٢١٤، ٢٢٥٧].
٢٩٦٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ. . . . .
ــ
جاره ينتظر بها) رواه الخمسة (١)، وقال الترمذي: إنه حسن غريب، لكن قد تكلم فيه بعضهم، وقال بعض المحدثين: إنه صحيح، ومن تكلم فيه تكلم بلا حجة، وعن أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (جار الدار أحق بالدار) رواه النسائي (٢)، وابن حبان (٣)، وأيضًا حديث أبي هريرة: (الجار أحق بسقبه) أورده في (باب الشفعة)، فهو أيضًا دليل على مذهبنا.
الفصل الأول
٢٩٦١ - [١] (جابر) قوله: (وصرفت الطرق) أي: خَلصت وحولت (فلا شفعة) لعدم بقاء الشركة، وهذا الحديث يدل على أنه لا شفعة للجار، وهو متمسك الأئمة كما ذكرنا.
٢٩٦٢ - [٢] (وعنه) قوله: (في كل شركة) أي: مشترك.
стр. 3111
رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ: "لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٠٨].
٢٩٦٣ - [٣] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٥٨].
ــ
وقوله: (ربعة) بدل من (شركة) بفتح الراء وسكون الباء، والتاء للوحدة، والربع: الدار بعينها حيث كانت، والمحلة، والمنزل، والموضع، كذا في (القاموس) (١)، ودل على أنْ لا شفعة إلا في العقار وهو متفق عليه بين الأئمة.
وقوله: (يؤذن) صحح في النسخ بالهمزة والواو.
٢٩٦٣ - [٣] (أبو رافع) قوله: (الجار أحق بسقبه) السقب محركًا: القُرب، سَقِبَتِ الدار سقوبًا وأسقبت، وأَبْياتُهُمْ مُتَساقبَةٌ، وأسْقَبَهُ: قَرَّبَهُ، ومَنْزِلٌ سَقَبٌ، مُحَرَّكَةً، ومُسْقِبٌ، كَمُحْسِنٍ، والسَّاقِبُ: القَريبُ، والبَعيدُ، ضِدٌّ، كذا في (القاموس) (٢)، وقد يبدل السين صادًا، والصاد فيه أشهر المعنيين، وهذا الحديث يدل على ثبوت الشفعة للجار، والنافي يؤوله على الشريك فإنه يسمى جارًا، وقد تجعل الباء للسببية لا صِلةَ (أحق)، ويراد أنه أحق بالبر والمعونة بسبب قربه وجواره، كما جاء الوصية بإكرام الجار والإحسان إليه.
وقال التُّورِبِشْتِي (٣): هذا تعسف، وقد علم أن الحديث قد روي عن الصحابي
стр. 3112
٢٩٦٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٦٣، م: ١٦٠٩].
٢٩٦٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦١٣].
ــ
في قصة صار البيان مقترنًا به، ولهذا أورده علماء النقل في كتب الأحكام في باب الشفعة، وأولهم وأفضلهم البخاري، ذكره بقصته عن عمرو بن الشريد، انتهى.
وزاد في (الهداية) (١) في آخر هذا الحديث: قيل: يا رسول اللَّه! ما سقبه؟ قال: (شفعته)، ويروى: (الجار أحق بشفعته).
٢٩٦٤ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (لا يمنع) بالجزم والرفع.
وقوله: (أن يغرز خشبة) أي: إذا لم يضرَّه، والأصح أنه محمول على الندب، وذهب أصحاب الظواهر إلى أنه للإيجاب.
٢٩٦٥ - [٥] (وعنه) قوله: (جعل عرضه سبعة أذرع) وفي نسخة: (سبع)، وكلاهما صحيح، لأن الذراع يذكَّر ويؤنث يعني: إذا كان طريق بين أرض لقوم أرادوا عمارتها، فإن اتفقوا على الشيء فذاك، وإن اختلفوا في قدره جعل سبعة أذرع، هذا مراد الحديث، أما إذا وجدنا طريقًا مسلوكًا وهو أكثر من سبعة أذرع، فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه، لكن له عمارة ما حواليه من الموات ويملكه بالإحياء بحيث لا يضر المارين.
стр. 3113
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٩٦٦ - [٦] عَنْ سَعِيدِ بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَاعَ مِنْكُمْ دَارًا أَوْ عَقَارًا قَمِنٌ أَنْ لَا يُبَارَكَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مِثْلِهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [جه: ٢٤٩٥، دي: ٢/ ٢٧٣].
٢٩٦٧ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ لَهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٣/ ٣٠٣، ت: ١٣٦٩، د: ٣٥١٨، جه: ٢٤٩٤، دي: ٢/ ٢٧٣].
ــ
الفصل الثاني
٢٩٦٦ - [٦] (سعيد بن حريث) قوله: (عن سعيد بن حريث) بالحاء المهملة والمثلثة بصيغة التصغير.
وقوله: (قمن) بفتح القاف وكسر الميم وبفتحها وجاء قمين بمعنى الخليق الجدير، يعني: بيعُ الأراضي والدور وصرفُ ثمنها إلى المنقولات غير مستحسن؛ لكثرة منافعها وقلة تطرق الآفة إليها.
٢٩٦٧ - [٧] (جابر) قوله: (الجار أحق بشفعته) هذا أيضًا يثبت الشفعة للجار، والشافعية تكلموا في رجال هذا الحديث، وقالوا: ولو سلم من الطعن فلا يعارض تلك الأحاديث، وقيل: لا يدل على شفعة الجوار إلا مقيدًا فافهم.
وقوله: (وإن كان غائبًا) وقع في الأصول بالواو وبتركها، والظاهر الثاني.
стр. 3114
٢٩٦٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الشَّرِيكُ شَفِيعٌ وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ:
٢٩٦٩ - [٩] وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحُّ. [ت: ١٣٧١].
٢٩٧٠ - [١٠] وَعَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ يَعْنِي: مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً فِي فَلَاةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ وَالْبَهَائِمُ غَشْمًا وَظُلْمًا بِغَيْرِ حَقِّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا،
ــ
٢٩٦٨، ٢٩٦٩ - [٨، ٩] (عباس) قوله: (والشفعة في كل شيء) أي: من غير المنقولات.
٢٩٧٠ - [١٠] (عبد اللَّه بن حبيش) قوله: (وعن عبد اللَّه بن حبيش) بالحاء المهملة بصيغة التصغير، وقيل: صوابه حبشي، بضم الحاء وسكون الموحدة بعدها معجمة، ثم ياء ثقيلة، كذا في (التقريب) (١).
وقوله: (من قطع سدرة) بكسر السين وسكون الدال، هي شجر النبق والواحدة بهاء، وفي (مجمع البحار) (٢): وهي نوعان: عُبْرِي لا شوك له إلا ما لا يضر، وضَالٌ له شوك ونبقه صغار، قيل: المراد سدر مكة لأنها حرم، وقيل: سدر المدينة، نهى عنه ليكون أُنسًا وظلًّا لمن يهاجر إليها، وقيل: سدر الفلاة يستظل بها أبناء السبيل والحيوانات، وقيل: سدرٌ مملوكٌ يقطعه ظالم بغير حق، والحديث مضطرب فإن راويه
стр. 3115
صَوَّبَ اللَّهُ رَأسَهُ فِي النَّارِ. [د: ٥٢٣٩].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٩٧١ - [١١] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلِ النَّخْلِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٦٥٠].
* * *
ــ
عروة كان يقطعه ويتخذ منه أبوابًا، وأجمعوا على إباحة قطعه.
وقوله: (صوب اللَّه رأسه) أي: خفضه.
وقوله: (يعني: من قطع) بيان ما حذف منه، و (الغشم) بفتح الغين المعجمة: الظلم.
الفصل الثالث
٢٩٧١ - [١١] (عثمان بن عفان) قوله: (ولا شفعة في بئر ولا فحل النخل) لأن الشفعة إنما تكون في عقار يحتمل القسمة، والبئر وفحل النخل ليس كذلك، أما البئر فلكونه غير محتمل للقسمة، وأما فحل النخل فليس بعقار، ووجه تخصيصه بالذكر لأن القوم كانوا قد يتوارثون نخيلًا وتقاسموا، ولهم فحل يلقحون منه نخيلهم، فإذا باع أحد نصيبه من تلك النخيل بحقوقه من الفحال وغيره، فلا شفعة للشركاء في الفحال لعدم كونه عقارًا، فافهم.
اعلم أن الشفعة واجبة عندنا في العقار وإن كان مما لا يقسم كالحمام والرحى، وقال الشافعي ﵀: لا شفعة فيما لا يقسم؛ لأنها إنما وجبت دفعًا لمؤنة القسمة، وهذا لا يتحقق فيما لا يقسم، ولنا قوله ﷺ : (الشفعة في كل شيء من عقار أو ربع)
стр. 3116
١٣ - باب المساقاة والمزارعة
ــ
إلى غير ذلك من العمومات، ولأن الشفعة سببها الاتصال في الملك، والحكمة دفع ضرر سوء الجوار، وأنه ينتظم القسمين: ما يقسم وما لا يقسم؛ كالرحى والحمام والبئر والطريق، كذا في (الهداية) (١).
١٣ - باب المساقاة والمزارعة
المساقاة أن يدفع الرجل أشجاره إلى غيره ليعمل فيها ويصلحها بالسقي والتربية على سهم معين كنصف أو ثلث، والمزارعة عقد على الأرض ببعض الخارج كذلك، والمساقاة تكون في الأشجار، والمزارعة في لأراضي، وحكمهما واحد، وهما فاسدان عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه والآخَرِين من الأئمة جائز، وقيل: لا نرى أحدًا من أهل العلم منع عنهما إلا أبو حنيفة، وقيل: زفر معه.
وقال في (الهداية): الفتوى على قولهما، والدليل للأئمة: ما روي أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع، وأنه عقد شركة بين المال والعمل، فيجوز اعتبارًا بالمضاربة، والجامع دفع الحاجة، فإن ذا المال لا يهتدي إلى العمل، والقوي عليه لا يجد المال، ولأبي حنيفة: ما روي أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة، وهي المزارعة، ولأنه استئجار ببعض ما يخرج من عمله، فيكون في معنى قفيز الطحان، ولأن الأجر مجهول أو معدوم، وكل ذلك مفسد، ومعاملة النبي ﷺ أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح، وهو جائز، كذا في (الهداية) (٢)، فإنه لو أخذ الكل جاز، فإنه ملكها عنوة، ولكنه منّ عليهم برقابهم وأراضيهم ونخيلهم،
стр. 3117
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٩٧٢ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَطْرُ ثَمَرِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: . . . . .
ــ
وجعل عليهم نصف الخارج بطريق المقاسمة، وللإمام رأي في أرض الممنون بها على أهلها، إن شاء جعل عليها خراج الوظيفة، وهو أن يوظف الإمام كل سنة على مال، كما صالح ﷺ مع أهل خيبر على أن يؤدوا كل سنة ألفًا ومئتي حلة، وإن شاء جعل عليها خراج المقاسمة، وهو أن يقسم الإمام ما يخرج من الأرض كما صالح مع أهل خيبر على أن ما يخرج من أراضيهم يكون نصفين، نصفًا لهم ونصفًا للمسلمين، وللشافعية فيه كلام ذكره (الطيبي) (١).
الفصل الأول
٢٩٧٢ - [١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (شطر ثمرها) الشطر يطلق ويراد به النصف ويراد به البعض، في (القاموس) (٢): الشَّطْرُ نصف الشيء وجزؤُهُ، ومنه حديث الإسْراءِ: فَوَضعَ شَطْرَهَا، أي: بعضَها، انتهى.
والمراد في حديث خيبر النصف كما صرح به في الروايات الأخر، وتخصيص الثمر بالذكر من باب الاكتفاء، وكذا حكم الخارج من الأرض بالزراعة، وفيه إيماء إلى كون المزارعة في ضمن المساقاة وتبعًا لها كما ذهب إليه بعض، والحق عدم تبعيتها لها عند المجوِّزين، بل هما جائزتان مجتمعتين ومنفردتين.
стр. 3118
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. [م: ١٥٥١، خ: ٢١٨٥].
٢٩٧٣ - [٢] وَعَنهُ قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى زَعَمَ رَافِعُ بْن خَدِيج أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا، فَتَرَكنَاهَا مِنْ أجلِ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٤٧].
٢٩٧٤ - [٣] وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمَّايَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ. . . . .
ــ
وقوله: (أعطى خيبر اليهود) خيبر مفعول ثان، واليهود مفعول أول لأعطى.
وقوله: (أن يعملوها) منصوب بنزع الخافض، أي: على أن يعملوا، ويجوز أن يكون بدل اشتمال.
٢٩٧٣ - [٢] (وعنه) قوله: (كنا نخابر) أي: نزارع، والمخابرة: المزارعة بالمعنى المذكور.
وقوله: (نهى عنها) ويكفي هذا دليلا لمانع المزارعة، وحمل المجوزون الأحاديث الواردة في النهي على ما إذا اشترطا لكل واحد منهما قطعة معينة من الأرض.
واعلم أن الأحاديث في هذا الباب جاءت مختلفة، وحديث النهي من رافع بن خديج أيضًا جاءت مختلفة، تارةً قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، وتارةً قال: حدثني عمومتي، وتارةً: أخبرني عماي، وباب التأويل من الجانبين مفتوح، وبالجملة الجمهور على الجواز، والفتوى في مذهبنا أيضًا على الجواز دفعا للحاجة، فتدبر.
٢٩٧٤ - [٣] (حنظلة بن قيس) قوله: (بما ينبت على الأربعاء) بكسر الباء:
стр. 3119
أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنانِيرِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ، وَكَأَنَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٤٦، ٢٣٣٢، م: ١٥٤٧].
٢٩٧٥ - [٤] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا،
ــ
جمع ربيع بمعنى النهر الصغير؛ كنصيب وأنصباء، وقد يجيء جمعه على أربِعة أيضًا، كأنصبة.
وقوله: (أو شيء) عطف على (ما ينبت) والمعنى: أنهم كانوا يُكرون الأرض على أن يزرعه العامل ببذره، ويكون ما ينبت على أطراف الجداول والسواقي للمكري أجرة لأرضه، وما عدا ذلك للمكتري، أو ما كان ينبت في هذه القطعة بعينها فهو للمكري، وما ينبت على غيرها فهو للمكتري، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الخطر والغرر، وهذه الصورة محمل النهي عند المجوزين كما مر.
وقوله: (وكأن الذي نهي عن ذلك) الظاهر أنه من كلام رافع، وقد توهِّم أنه من كلام البخاري، وقد صرح في البخاري أنه من كلام الليث بن سعد شيخ شيخ البخاري في هذا الحديث، كذا في بعض الحواشي.
وقوله: (ذوو الفهم) ذوو في بعض الأصول بلفظ الجمع، وفي بعضها بلفظ المفرد، فظاهر قوله: (لم يجيزوه) بضمير الجمع يؤيد الأول، إلا أن يكون باعتبار إرادة الجنس.
٢٩٧٥ - [٤] (رافع بن خديج) قوله: (حقلًا) الحقل: الزرع، والمحاقل:
стр. 3120
وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي، وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِه، وَلَمْ تُخْرِجْ ذِه، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٣٢، م: ١٥٤٧].
٢٩٧٦ - [٥] وَعَنْ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِطَاوُوسٍ: لَوْ تَركْتَ الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ، قَالَ: أَيْ عَمْرو! إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُعِينُهُمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي -يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: "إِنْ يَمْنَحْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٣٠، م: ١٥٥٠].
ــ
المزارع، والمحاقلة: بيع الزرع قبل بدو صلاحه أو بيعه في سنبله، والمزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة، كذا في (القاموس) (١)، والمراد هنا الزرع أو المزارعة.
وقوله: (فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه (٢)) بيان لوجه عدم الجواز، و (ذه) إشارة إلى القطعة، وهي لفظ اسم الإشارة إلى الواحدة المؤنث مثل ذي.
٢٩٧٦ - [٥] (عمرو) قوله: (وعن عمرو) هو ابن دينار.
وقوله: (لم ينه عنه) أي: عن عقد المخابرة، و (إن يمنح) بكسر (إن) حرف الشرط، فيكون (يمنح) بالجزم، أو بالفتح فيكون بالنصب، والمراد: أنه ما جعله حرامًا، ولكن قال: مقتضى المروءة أن يعطيه تفضلًا ولا يأخذ البدل، وذلك خير لا واجب.