١٣ - باب المساقاة والمزارعة
ــ
إلى غير ذلك من العمومات، ولأن الشفعة سببها الاتصال في الملك، والحكمة دفع ضرر سوء الجوار، وأنه ينتظم القسمين: ما يقسم وما لا يقسم؛ كالرحى والحمام والبئر والطريق، كذا في (الهداية) (١).
١٣ - باب المساقاة والمزارعة
المساقاة أن يدفع الرجل أشجاره إلى غيره ليعمل فيها ويصلحها بالسقي والتربية على سهم معين كنصف أو ثلث، والمزارعة عقد على الأرض ببعض الخارج كذلك، والمساقاة تكون في الأشجار، والمزارعة في لأراضي، وحكمهما واحد، وهما فاسدان عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه والآخَرِين من الأئمة جائز، وقيل: لا نرى أحدًا من أهل العلم منع عنهما إلا أبو حنيفة، وقيل: زفر معه.
وقال في (الهداية): الفتوى على قولهما، والدليل للأئمة: ما روي أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع، وأنه عقد شركة بين المال والعمل، فيجوز اعتبارًا بالمضاربة، والجامع دفع الحاجة، فإن ذا المال لا يهتدي إلى العمل، والقوي عليه لا يجد المال، ولأبي حنيفة: ما روي أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة، وهي المزارعة، ولأنه استئجار ببعض ما يخرج من عمله، فيكون في معنى قفيز الطحان، ولأن الأجر مجهول أو معدوم، وكل ذلك مفسد، ومعاملة النبي ﷺ أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح، وهو جائز، كذا في (الهداية) (٢)، فإنه لو أخذ الكل جاز، فإنه ملكها عنوة، ولكنه منّ عليهم برقابهم وأراضيهم ونخيلهم،
стр. 3117
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٩٧٢ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَطْرُ ثَمَرِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: . . . . .
ــ
وجعل عليهم نصف الخارج بطريق المقاسمة، وللإمام رأي في أرض الممنون بها على أهلها، إن شاء جعل عليها خراج الوظيفة، وهو أن يوظف الإمام كل سنة على مال، كما صالح ﷺ مع أهل خيبر على أن يؤدوا كل سنة ألفًا ومئتي حلة، وإن شاء جعل عليها خراج المقاسمة، وهو أن يقسم الإمام ما يخرج من الأرض كما صالح مع أهل خيبر على أن ما يخرج من أراضيهم يكون نصفين، نصفًا لهم ونصفًا للمسلمين، وللشافعية فيه كلام ذكره (الطيبي) (١).
الفصل الأول
٢٩٧٢ - [١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (شطر ثمرها) الشطر يطلق ويراد به النصف ويراد به البعض، في (القاموس) (٢): الشَّطْرُ نصف الشيء وجزؤُهُ، ومنه حديث الإسْراءِ: فَوَضعَ شَطْرَهَا، أي: بعضَها، انتهى.
والمراد في حديث خيبر النصف كما صرح به في الروايات الأخر، وتخصيص الثمر بالذكر من باب الاكتفاء، وكذا حكم الخارج من الأرض بالزراعة، وفيه إيماء إلى كون المزارعة في ضمن المساقاة وتبعًا لها كما ذهب إليه بعض، والحق عدم تبعيتها لها عند المجوِّزين، بل هما جائزتان مجتمعتين ومنفردتين.
стр. 3118
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. [م: ١٥٥١، خ: ٢١٨٥].
٢٩٧٣ - [٢] وَعَنهُ قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى زَعَمَ رَافِعُ بْن خَدِيج أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا، فَتَرَكنَاهَا مِنْ أجلِ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٤٧].
٢٩٧٤ - [٣] وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمَّايَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ. . . . .
ــ
وقوله: (أعطى خيبر اليهود) خيبر مفعول ثان، واليهود مفعول أول لأعطى.
وقوله: (أن يعملوها) منصوب بنزع الخافض، أي: على أن يعملوا، ويجوز أن يكون بدل اشتمال.
٢٩٧٣ - [٢] (وعنه) قوله: (كنا نخابر) أي: نزارع، والمخابرة: المزارعة بالمعنى المذكور.
وقوله: (نهى عنها) ويكفي هذا دليلا لمانع المزارعة، وحمل المجوزون الأحاديث الواردة في النهي على ما إذا اشترطا لكل واحد منهما قطعة معينة من الأرض.
واعلم أن الأحاديث في هذا الباب جاءت مختلفة، وحديث النهي من رافع بن خديج أيضًا جاءت مختلفة، تارةً قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، وتارةً قال: حدثني عمومتي، وتارةً: أخبرني عماي، وباب التأويل من الجانبين مفتوح، وبالجملة الجمهور على الجواز، والفتوى في مذهبنا أيضًا على الجواز دفعا للحاجة، فتدبر.
٢٩٧٤ - [٣] (حنظلة بن قيس) قوله: (بما ينبت على الأربعاء) بكسر الباء:
стр. 3119
أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنانِيرِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ، وَكَأَنَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٤٦، ٢٣٣٢، م: ١٥٤٧].
٢٩٧٥ - [٤] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا،
ــ
جمع ربيع بمعنى النهر الصغير؛ كنصيب وأنصباء، وقد يجيء جمعه على أربِعة أيضًا، كأنصبة.
وقوله: (أو شيء) عطف على (ما ينبت) والمعنى: أنهم كانوا يُكرون الأرض على أن يزرعه العامل ببذره، ويكون ما ينبت على أطراف الجداول والسواقي للمكري أجرة لأرضه، وما عدا ذلك للمكتري، أو ما كان ينبت في هذه القطعة بعينها فهو للمكري، وما ينبت على غيرها فهو للمكتري، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الخطر والغرر، وهذه الصورة محمل النهي عند المجوزين كما مر.
وقوله: (وكأن الذي نهي عن ذلك) الظاهر أنه من كلام رافع، وقد توهِّم أنه من كلام البخاري، وقد صرح في البخاري أنه من كلام الليث بن سعد شيخ شيخ البخاري في هذا الحديث، كذا في بعض الحواشي.
وقوله: (ذوو الفهم) ذوو في بعض الأصول بلفظ الجمع، وفي بعضها بلفظ المفرد، فظاهر قوله: (لم يجيزوه) بضمير الجمع يؤيد الأول، إلا أن يكون باعتبار إرادة الجنس.
٢٩٧٥ - [٤] (رافع بن خديج) قوله: (حقلًا) الحقل: الزرع، والمحاقل:
стр. 3120
وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي، وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِه، وَلَمْ تُخْرِجْ ذِه، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٣٢، م: ١٥٤٧].
٢٩٧٦ - [٥] وَعَنْ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِطَاوُوسٍ: لَوْ تَركْتَ الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ، قَالَ: أَيْ عَمْرو! إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُعِينُهُمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي -يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: "إِنْ يَمْنَحْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٣٠، م: ١٥٥٠].
ــ
المزارع، والمحاقلة: بيع الزرع قبل بدو صلاحه أو بيعه في سنبله، والمزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة، كذا في (القاموس) (١)، والمراد هنا الزرع أو المزارعة.
وقوله: (فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه (٢)) بيان لوجه عدم الجواز، و (ذه) إشارة إلى القطعة، وهي لفظ اسم الإشارة إلى الواحدة المؤنث مثل ذي.
٢٩٧٦ - [٥] (عمرو) قوله: (وعن عمرو) هو ابن دينار.
وقوله: (لم ينه عنه) أي: عن عقد المخابرة، و (إن يمنح) بكسر (إن) حرف الشرط، فيكون (يمنح) بالجزم، أو بالفتح فيكون بالنصب، والمراد: أنه ما جعله حرامًا، ولكن قال: مقتضى المروءة أن يعطيه تفضلًا ولا يأخذ البدل، وذلك خير لا واجب.
стр. 3121
٢٩٧٧ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٤٠، ٢٦٣٢، م: ١٥٣٦].
٢٩٧٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ الذُّلَّ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٢١].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٩٧٩ - [٨] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ". . . . .
ــ
٢٩٧٧ - [٦] (جابر) قوله: (فإن أبى فليمسك أرضه) قيل: هذا توبيخ على العدول عن الأمرين إلى المخابرة، ففيه توبيخ لمن له مال ولم ينفع ولم ينتفع.
٢٩٧٨ - [٧] (أبو أمامة) قوله: (ورأى سكة) جملة حالية، والسكة بكسر السين: حديدة الفدان التي يحرث بها الأرض (١).
وقوله: (اللَّه) فاعل (أدخله)، ولا يوجد اسم الجلالة في بعض النسخ، وهو رواية الكشميهني من رواة البخاري، والأول أكثر عندهم، فيكون في (أدخل) ضمير راجع إلى المشار إليه بـ (هذا)، وفي هذا ترغيب وحث على الجهاد.
الفصل الثاني
٢٩٧٩ - [٨] (رافع بن خديج) قوله: (وله نفقته). . . . .
стр. 3122
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبَو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٣٦٦، د: ٣٤٠٣].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٩٨٠ - [٩] عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وآلُ أَبِي بَكْرٍ وآلُ عُمَرَ وآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ، وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشّطْرُ، وَإِنْ جَاؤُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. . . . .
ــ
أي: أجر عمله (١).
الفصل الثالث
٢٩٨٠ - [٩] (قيس بن مسلم) قوله: (عن أي جعفر) هو محمد الباقر عليه وعلى آبائه التحية والسلام.
وقوله: (وزارع علي. . . إلخ) كل هذه الأقوال تعليقات أوردها البخاري في صحيحه، فالأولى أن يقول المؤلف: رواه البخاري تعليقًا، كما هو دأبه.
وقوله: (على إن جاء) بكسر الهمزة، أي: بهذه الطريقة من الاشتراط.
стр. 3123
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: معلقًا: ٤١ - كتاب المزارعة/ ٧ - باب المزارعة بالشطر ونحوه].
* * *
١٤ - باب الإجارة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٩٨١ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: . . . . .
ــ
١٤ - باب الإجارة
آجرتُ الدار مؤاجرة: أكريتها، والعامة تقول: أجَّرت الدار، كذا في (الصحاح) (١)، وفي (شرح الوقاية): فِعَالة من المفاعلة، وآجر على وزن فاعَلَ لا أَفْعَلَ؛ لأن الإيجار لم يجئ، فالمضارع يؤاجر، واسم الفاعل المؤاجر، وعن الخليل: آجرت زيدًا مملوكي أوجره إيجارًا، وفي (الأساس) (٢): آجرني فهو مُؤْجر، ولا تقل: مؤاجر، وأَجَره يَأْجُره من باب طلب، أي: أعطاه الأجرة فهو آجر، والإجارة في الشرع: عقد على المنافع بعِوَض، والقياس يأبى جوازه؛ لأن المعقود عليه المنفعة وهي معدومة، لكنها جوزت لحاجة الناس إليه، وقد شهدت بصحتها الأخبار والآثار.
الفصل الأول
٢٩٨١ - [١] قوله: (عبد اللَّه بن مغفل) بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الفاء في جميع نسخ (المشكاة)، صحابي مشهور من أصحاب الشجرة، مات بالبصرة سنة ستين، قال الحسن البصري: ما نزل البصرة أشرف منه، وكتب في الهامش من بعض النسخ (ابن معقل) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف، كذا في نسخ مسلم،
стр. 3124
زَعَمَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ، وَقَالَ: "لَا بَأْسَ بِهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٤٩].
٢٩٨٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، فَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٩١، م: ١٢٠٢].
٢٩٨٣ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا بَعَثَ اللَّهُ نبَيًّا إَلَّا رَعَى الْغَنَمَ". . . . .
ــ
وهو تابعي كما ذكر في (جامع الأصول) (١).
و(ثابت بن الضحاك) أنصاري شهد بيعة الرضوان في صغر، وقيل: كانت ولادته في السنة الثالثة من الهجرة، نزل البصرة ومات سنة سبعين.
والمراد بالأمر أمر إباحة، ولهذا أكده بقوله: (لا بأس بها) في مقابلة النهي عن المزارعة.
٢٩٨٢ - [٢] (ابن عباس) قوله: (احتجم فأعطى الحجام أجره)، فيه صحة الإجارة وحِلُّ عمل الحجامة، (واستعط) استعمل السعوط، السعوط بالفتح: دواء يصَبُّ في الأنف، وفيه جواز المداواة.
٢٩٨٣ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (ما بعث اللَّه نبيًّا إلا رعى الغنم) قالوا: الحكمة فيه حصول سياسة الأمم، والشفقة عليهم، والصبر على مشقة الرعي، فإن شأن السلطان مع الرعية كشأن الراعي مع الغنم، وقيل: ذلك ليعرفوا منن اللَّه عليهم حيث بلَّغهم بعد ذلك إلى تلك المراتب، وجعلهم أفضل الكائنات على تفاوت درجاتهم، وقال الخطابي:
стр. 3125
فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَى عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٦٢].
ــ
لم يضع النبوة في أبناء الدنيا وملوكها، لكن في رعاة الغنم، وأهل التواضع من أصحاب الحرف، فإن أيوب كان خياطًا، وزكريا نجارًا، كذا نقل الكرماني (١)، واللَّه أعلم.
وقوله: (على قراريط) الظاهر المشهور أنه جمع قيراط، وهو جزء من أجزاء الدينار نصف عشره أو جزء من أربعة وعشرين، وقالوا: الياء فيه بدل من الراء لأن أصله قِرَّاط بالتشديد، ولهذا يجمع على قراريط، وعدم تعيين عددها لبيان تقليلها أو لنسيان عددها، وجاء في رواية: (بالقراريط).
وقيل: قراريط اسم موضع بمكة، وصوّبه ابن الجوزي وغيره، وتعقِّب بأن أهل مكة لا يعرفون بها مكانًا يقال له القراريط.
وروى النسائي (٢) من طريق نصر بن حزن: افتخر أهل الإبل، فقال رسول اللَّه ﷺ : (بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت أنا أرعى غنمًا لأهلي بجياد)، وزعم بعضهم أنه ينافي حمل القراريط على معنى جزء الدينار؛ لأنه لم يكن يرعى لأهله بالأجرة، فتعين أنه أراد المكان فعبّر تارة بجياد وتارة بقراريط، ولا منافاة إذ يجوز الجمع بأنه كان يرعى لأهله بغير أجرة، ولغيرهم بأجرة، أو يكون المراد بـ (أهلي) أهل مكة، فيتحد الخبران لكنه بيَّن في أحد الخبرين الأجرة وفي الآخر المكان، واللَّه أعلم.
стр. 3126
٢٩٨٤ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٢٧].
٢٩٨٥ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءِ فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إِنَّ فِي الْمَاءَ لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا،
ــ
٢٩٨٤ - [٤] (وعنه) قوله: (رجل أعطى بي) بلفظ المعلوم والمفعول محذوف، أي: أعطى العهد باسمي وبأيماني، بقرينة قوله: (ثم غدر).
وقوله: (فأكل ثمنه) تأكيدٌ لزيادة توبيخ وتقريعٍ، لا تقييدٌ، وأما قوله: (فاستوفى منه) أي: العمل، فيشبه أن يكون تقييدًا، فإنه إذا عقد الإجارة ولم يستعمله لا يجب عليه إعطاء الأجر، ومع ذلك فيه أيضًا نوع تقريع وتوبيخ، فافهم.
٢٩٨٥ - [٥] (ابن عباس) قوله: (مروا بماء) أي: بماء يسكنون عليه قوم كما يسكنون أو ينزلون على أنهار وحياض.
وقوله: (فيهم لديغ أو سليم) في (القاموس) (١): لدغَتْهُ العَقْرَبُ والحَيَّةُ، كمنع، لَدْغًا وتَلْداغًا، فهو مَلْدُوغٌ ولَدِيغٌ، وقال أيضًا: السَّلْمُ: لَدْغُ الحية، وفي (مختصر النهاية) (٢): السليم اللديغ، سمي به تفاؤلًا بالسلامة، ويظهر من هذا اتحاد السليم واللديغ
стр. 3127
فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرِئَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخَذَ عَلَى كتَابِ اللَّهِ أَجْرًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: "أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا". [خ: ٥٧٣٧، ٥٧٤٩].
ــ
في المعنى، فيكون (أو) للشك من الراوي، وفي (المشارق) (١): لدغته العقرب: ضربته بذنبَها، وأشباهُها من ذوات السموم: عضّته، وقال: يقال لمن لدغه ذوات السموم: سليم، على معنى التفاؤل بسلامته من ذلك، انتهى. ونقل الطيبي (٢) عن القاضي: أن أكثر ما يستعمل اللديغ فيمن لدغته العقرب، والسليم فيمن لسعته الحية، فتدبر.
وقوله: (على شاء) جمع شاة، أي: بمقابلتها وشرط أجرتها.
وقوله: (واضربوا لي معكم سهمًا) أي: اجعلوا لي سهمًا، والمقصود تطييب قلوبهم وبيان أنه حلال طيب، وفيه دليل على أن الرقية بالقرآن وأخذ الأجرة عليها جائز بلا شبهة، وهكذا حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن وكتابته مع خلاف فيه، والمشهور من مذهب أبي حنيفة الحرمة والكراهة، ورخص فيه المتأخرون.
стр. 3128
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٩٨٦ - [٦] عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيْنَا عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالُوا: إِنَّا أُنْبِئْنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ دَوَاءً أَوْ رُقْيَةٍ؟ فَإِنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا فِي الْقُيُودِ، فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَجَاؤُوا بِمَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، أَجْمَعُ بُزَاقِي ثُمَّ أَتْفُلُ، قَالَ: فَكَأَنَّمَا أُنشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَأَعْطَوْنِي جُعْلًا، فَقُلْتُ: لَا، حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "كُلْ، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْتةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيةِ حَقٍّ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢١٠ - ٢١١، د: ٣٤٢، ٣٨٩٦].
ــ
الفصل الثاني
٢٩٨٦ - [٦] (خارجة بن الصلت) قوله: (فإن عندنا معتوهًا) العته: نقصان العقل، ويقال: المعتوه لمن يُجنّ تارة ويفيق أخرى.
وقوله: (فكأنما أنشط) أي: حُلّ (من عِقال) بالكسر: ما يشدّ به وظيف البعير إلى ذراعه، ونشط الحبلَ: عقده، وأنشطه: حلّه، كناية عن سرعة برئه من الجنون وببركة قراءة الفاتحة، و (الجعل) بضم الجيم وسكون العين: ما يجعل للرجل على عمله.
وقوله: (لعمري) قيل: هذه الكلمة جارية على ألسنتهم من غير قصد القسم، وقيل: إنه من خواصه ﷺ ؛ لأن اللَّه تعالى أقسم بعمره، فيجوز أن يقسم هو أيضًا به، واللام في (لمن أكل) موطئة للقسم.
وقوله: (لقد) جواب للقسم سادّ مسدّ الجزاء، (برقية باطل) بالإضافة كرقية حق،
стр. 3129
٢٩٨٧ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أعْطوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٤٤٣].
٢٩٨٨ - [٨] وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي "الْمَصَابِيحِ": مُرْسَلٌ. [حم: ١/ ٢٠١، د: ١٦٦٥].
ــ
يعني: إنْ أكل غيرك أكلًا برقية باطل فقد أساء، ولا تحزن إذ أنت أكلت برقية حق.
٢٩٨٧ - [٧] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (قبل أن يجف عرقه) بكسر الجيم وهو كناية عن التعجيل بإعطاء الأجر.
٢٩٨٨ - [٨] (الحسين بن علي) قوله: (للسائل حق) بسبب سؤاله، فكأنه أجرة له، وبهذا الوجه يناسب إيراده في هذا الباب.
وقوله: (وفي المصابيح مرسل) قد وجد هذا في أكثر النسخ، وفي بعضها لم يوجد، وهو الصحيح لأنه مسند، قال التُّورِبِشْتِي (١): وُصف هذا الحديث في (المصابيح) بالإرسال، فلا أدري أثبت ذلك في الأصل أم هو شيء ألحق به؟ وقد تُكلم في هذا الحديث، وقال أحمد: لا أصل له.
وقوله: (رواه أحمد وأبو داود) من طريق يعلى بن أبي يحيى المدني عن فاطمة بنت حسين عن الحسن بن علي، وهذا إسناد جيد، وقد سكت عليه أبو داود، فهو عنده صالح، ويعلى هذا ذكره ابن حبان في (الثقات)، وإن جهله أبو حاتم، وباقي رجاله ثقات، وفيه كلام ذكره بعض النقاد.
стр. 3130
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٩٨٩ - [٩] عَنْ عُتْبَةَ بْنِ النُّدَّرِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ: ﴿طسَم﴾ حَتَّى بَلَغَ قِصَّةَ مُوسَى، قَالَ: "إِنَّ مُوسَى ﵇ آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَان سِنِينَ أَوْ عَشْرًا عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٤٤٤، ولم نجد في "المسند"].
٢٩٩٠ - [١٠] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، فَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: "إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نارٍ فَاقْبَلْهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه. [د: ٣٤١٦، ٢١٥٧].
* * *
ــ
الفصل الثالث
٢٩٨٩ - [٩] (عتبة بن الندر) قوله: (عن عتبة) بالتاء (ابن الندر) بضم النون وفتح الدال المهملة المشددة، وفي بعض النسخ (عقبة) بالقاف، و (المنذر) على لفظ اسم الفاعل من الإنذار، والصحيح هو الأول.
وقوله: (على عفة فرجه) كناية عن النكاح، ولعله كان جَعْلُ الخدمة مهرًا في شريعتهم جائزًا، أو كان المهر شيئًا آخر، وكانت هذه الخدمة زائدًا عليه تبرعًا.
٢٩٩٠ - [١٠] (عبادة بن الصامت) قوله: (وليست بمال) يريد أن القوس لم يعهد في المتعارف أن يعدّ من الأجرة.
وقوله: (إن كنت تحب أن تطوق) فإن قلت: قد سبق (إن أحق ما أخذتم إليه
стр. 3131
١٥ - باب إحياء الموات والشرب
ــ
أجرًا كتاب اللَّه)، أجيب بأن عبادة كان متبرعًا بالتعليم حسبة للَّه، فكره رسول اللَّه ﷺ أن يُضيِّع أجرَه، ويُبْطِلَ حسنتَه بما يأخذه هدية، وذلك لا يمتنع أن يقصد به الأجرة ابتداءً، ويشترط عليه، كذا قيل، وهذا تهديد على فوت العزيمة والإخلاص، وما سبق كان لبيان الرخصة، كذا قالوا.
١٥ - باب إحياء الموات والشرب
في (القاموس) (١): الموات كسحاب: أرض لا مالك لها، وفي (النهاية) (٢): المَوَاتُ: الأرضُ التي لم تُزرَعْ ولَم تُعْمَرْ، ولا جَرى عليها مِلْكُ أحَدٍ، وإحياؤُها: مبُاشَرَةُ عمِارَتها، ومنه حديث: (مَوَتَان الأرض للَّه ولرسوله) (٣)، أي: مَوَاتها الذي ليس ملكًا لأحد، وهو بسكون واو وفتحها مع فتح ميم، وفي (الهداية) (٤): الموات: ما لا ينتفع به من الأراضي لانقطاع الماء عنه، أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة، سمي بذلك لبطلان الانتفاع به، فما كان منها عاديًا لا مالك له، أو كان مملوكًا في الإسلام لا يعرف له مالك بعينه، وهو بعيد من القرية بحيث لو وقف إنسان منه أقصى العامر فصاح لا يسمع الصوت [فيه]، فهو موات.
والشرب بالكسر: نصيب الماء، وللناس حق في الماء لا يُمنعون عنه، وفيه تفصيل بين ماء البحار والأنهار والأودية والمياه المحرزة في الأواني وغيرها، وأحكامها
стр. 3132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مذكورة في الفقه، والمذهب فيه عندنا: أما ماء البحار فللناس كلهم فيها حق الشَفَة، أي: الشُّرب، وسقي الأراضي، وكري الأنهار منها إلى أرضه، والانتفاع بماء البحار كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء.
ومنها: ماء الأودية العظام كجيحون، وسيحون، ودجلة، والفرات، وحكمه أيضًا حكم ماء البحار إن كان لم يضرّ بأن يميل الماء إلى جانب فيُغرق القرى والأراضي.
ومنها: الماء الذي في وحل المقاسم (١) كالبئر والنهر، فحق الشفة فيه ثابت؛ لأن البئر ونحوها ما وضع للإحراز، ولا يُملك المباح بدون الإحراز، كالظبي إذا تَكَنَّس (٢) في أرضه، ولأن في إبقاء الشفة ضرورة؛ لأن الإنسان لا يمكنه استصحاب الماء إلى كل مكان وهو محتاج إليه لنفسه وظهره، وإن أراد أحد أن يسقي بذلك أرضًا أحياها كان لأهل النهر أن يمنعوه عنه أضرّ بهم أولم يضرّ بهم، لأنه حق خالص لهم ولا ضرورة.
ومنها: الماء المحرز في الأواني، وأنه صار مملوكًا له بالإحراز، وانقطع حق غيره عنه كما في الصيد المأخوذ، ولو كان البئر أو العين أو النهر أو الحوض في ملك رجل له أن يمنع من يريد الشفة من الدخول في ملكه، إذا كان يجد ماء آخر يقرب من هذا الماء في غير ملك أحد، وإن كان لا يجد يقال لصاحب النهر: إما أن تعطيه الشفة، أو تتركه يأخذ بنفسه بشرط أن لا يكسر ضِفَّته، وهذا إذا احتفر في أرض مملوكة له، أما إذا احتفرها في أرض موات فليس له أن يمنعه؛ لأن الموات كان مشتركًا،
стр. 3133
* الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٩٩١ - [١] عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ عَمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ". قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٣٥].
ــ
والحفر لإحياء حق مشترك، فلا يقطع الشركة في الشفة، ولو منعه عن ذلك، وهو يخاف على نفسه وظهره العطش، له أن يقاتله بالسلاح، لأنه قصد إتلافه بمنع حقه، وهو الشفة، والماء في البئر مباح غير مملوك بخلاف الماء المحرز في الإناء حيث يقاتله بغير السلاح بعصًا، لأنه قد ملكه، وكذا الطعام عند إصابة المخمصة، وقيل في البئر نحوها: الأولى أن يقاتله بغير سلاح لأنه ارتكب معصية، فقام ذلك مقام التعزير له، ذكر هذا كله في (الهداية) (١).
الفصل الأول
٢٩٩١ - [١] (عائشة) قوله: (من عمر) بالتخفيف، وفي بعض نسخ (المصابيح): (أعمر) بزيادة الألف، وقد ينكر استعمال أَعمر بمعنى عمر، والصحيح وجودهما.
وقوله: (أرضًا ليست لأحد فهو أحق) بها، قال أبو حنيفة: يشترط فيه إذن الإمام، وعند الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد ﵏: لا يشترط؛ لإطلاق هذا الحديث، ولأنه مال مباح سبقت يده إليه، فيملكه كما في الحطب والصيد، ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﷺ : (ليس للمرء إلا ما طاب به نفس إمامه)، وما روي يحتمل أنه إذنٌ لقوم لا نصبٌ لشرع، ولأنه مغنوم لوصوله إلى يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب،
стр. 3134
٢٩٩٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٧٠].
٢٩٩٣ - [٣] وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ"، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: . . . . .
ــ
فليس لأحد أن يختص به بدون إذن الإمام كما في سائر الغنائم، كذا في (الهداية) (١).
٢٩٩٢ - [٢] (ابن عباس) قوله: (الصعب) بفتح الصاد وسكون العين المهملة، (ابن جثامة) بفتح الجيم وشدة المثلثة.
وقوله: (لا حمى) بغير تنوين لبنائه على أنه اسم (لا): هو ما يحميه الإمام لمواشي الصدقة ونحوها، قيل: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا في حيه استعوى كلبًا، فحمى مَدَى عواء الكلب لا يشركه فيه غيرُه، وهو يشارك القومَ فِي سائر ما يرعُون فيه، فنهى عن ذلك، وأضافه إلى اللَّه ورسوله، أي: إلا ما يُحْمَى للخيل التي ترصد للجهاد، والإبلِ التي يحمل عليها في سبيل اللَّه، وإبل الزكاة وغيرها، كما حمى عمر النقيع لنَعَم الصدقة، وخيل الجهاد، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وبهذا ظهر أن المختار أنه يجوز للإمام أن يحمي لمصالح العامة، وهو ظاهر مقتضى حديث: (ألا إن لكل ملك حمى).
٢٩٩٣ - [٣] (عروة) قوله: (في شراج) الشراج: بكسر الشين المعجمة جمع
стр. 3135
أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ"، فَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيح الْحُكْم حِينَ أَحْفَظَهُ الأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥٩، ٤٥٨٥، م: ٢٣٥٧].
ــ
شرجة: مسيل ماء من الحرة إلى السهل، والحرّة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: أرض ذات حجارة.
وقوله: (أن كان) بفتح الهمزة، أي: لأنْ كان، وتقدير الجارِّ مع (أنْ) كثير مطرد، وهذا القول من الرجل إما لكونه منافقًا، وجعله من الأنصار لكونه من قبيلتهم، وقد كان فيهم من يتصف بالنفاق كابن أبيٍّ وغيره، وإما لزلته عند الغضب، وأما القول بكونه يهوديًّا فبعيد غاية البعد، وأما عدم قتله إما لتأليفه أو صبره على أذى المنافقين حتى لا يحدَّث أن محمدًا يقتل أصحابه.
و(الجدر) بفتح الجيم وسكون الدال: الحائط وأصل الجدار وجانبه، أي: حتى يبلغ الماء جميع الأرض، وقدروه بأن يبلغ كعب الإنسان.
وقوله: (فاستوعى) أي: استحفظ واستوفى.
وقوله: (حين أحفظه) أي: أغضبه، في (القاموس) (١): الحفيظة: الحمية، والغضب، وأحفظه: أغضبه، فاحتفظ، أو لا يكون إلا بكلام قبيح، قالوا: كان رسول اللَّه ﷺ أمر زبيرًا أولًا بالمسامحة وحسن الجوار بترك بعض حقه دون أن يكون حكما شرعيًا، فلما رأى الأنصاري يجهل موضع حقه أمره باستيفاء حقه، وقيل: كان قوله الآخر عقوبة له في ماله، والأول أظهر، واللَّه أعلم.
стр. 3136
٢٩٩٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكلِأ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥٤، م: ١٥٦٦].
٢٩٩٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ: لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ، وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمِ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَاءً لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٦٩، م: ١٠٨].
ــ
٢٩٩٤ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (لتمنعوا به فضل الكلأ) يعني يلزم من منع الماء المنع من الكلأ، وهذا لا يجوز؛ للاحتياج إليه في بقاء المواشي، وقد مرّ الحديث في آخر الفصل الأول من (باب المنهي عنه من البيوع).
٢٩٩٥ - [٥] (وعنه) قوله: (لقد أعطي بها أكثر مما أعطي) كلا الفعلين على بناء المفعول، ويحتمل أن يعتبر فيهما الضمير للحالف أو يسند إلى المصدر، وهو بيان للحلف، ونقلٌ لقول الحالف بالمعنى، ولو حكي لفظه لقيل في الفعل الأول على بناء المفعول بضمير المتكلم، وفي الثاني على بناء الفاعل بضمير الخطاب بأن يقول: لقد أُعطيت بها أكثر مما تُعطي.
وقوله: (بعد العصر) خص بعد العصر لأنه زمان شريف تقع الأيمان الغليظة فيه، لأنه وقت اجتماع الناس، وتصادم ملائكة الليل ملائكة النهار، كما في القرآن المجيد: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فسره الأكثرون بصلاة العصر لما ذكر، وقيل: أيّ صلاة كانت، والحديث مؤيِّد للقول الأول.
وقوله: (لم تعمل يداك) صفة (ماء)، أي: خرج بمحض قدرتي ورحمتي.
стр. 3137
وَذُكِرَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي "بَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ".
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٩٩٦ - [٦] عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى الأَرْضِ فَهُوَ لَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٧٧].
٢٩٩٧ - [٧] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَ لِلزُّبَيْرِ نَخِيلًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٦٩].
ــ
الفصل الثاني
٢٩٩٦ - [٦] (الحسن) قوله: (من أحاط حائطًا على الأرض فهو له) ظاهر الحديث يدل على أن الإحاطة بالحائط كافية في التملك، وإليه ذهب أحمد في أشهر الروايات عنه، لكن يشترط أن يكون الحائط منيعًا مما تجري العادة بمثله، وأكثر العلماء على أن التملك إنما هو بالإحياء، والتحجيرُ ليس من الإحياء في شيء، والحديث محمول على كون الإحياء للسكون، وقال في (الهداية) (١): ومن حجّر أرضًا ولم يعمرها ثلاث سنين، أخذها الإمام ودفعها إلى غيره؛ لأن الدفع إلى الأول كان ليعمرها فتحصل المنفعة للمسلمين من حيث العُشر أو الخراج، فإذا لم تحصل يدفعها إلى غيره تحصيلًا للمقصود، ولأن التحجير ليس بإحياء ليملكه، لأن الإحياء إنما هو العمارة، والتحجير الإعلام، فبقي غير مملوك كما كان هو الصحيح، وإنما اعتبر ترك ثلاث سنين لقول عمر ﵁: ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق.
٢٩٩٧ - [٧] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (أقطع) أي: أعطى، والإقطاع:
стр. 3138
٢٩٩٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ لِلزُّبَيْرِ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى فَرَسَهَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ، فَقَالَ: "أَعْطُوهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٧٢].
٢٩٩٩ - [٩] وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ قَالَ: فَأَرْسَلَ مَعِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: "أَعْطِهَا إِيَّاه". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣٨١، دي: ٢/ ٢٦٨].
٣٠٠٠ - [١٠] وَعَن أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالِ الْمَأْرِبِيِّ: أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . . . .
ــ
تعيين قطعة من الأرض لغيره، ويحتمل أن يكون أعطاه ذلك من الخمس الذي هو حقه، ويحتمل أن يكون مواتًا لم يملكه أحد فيتملك بالإحياء.
٢٩٩٨ - [٨] (ابن عمر) قوله: (حضر فرسه) أي: قَدْرَ حُضْره، والحضر بضم المهملة وسكون المعجمة: ارتفاع الفرس في عدوه عدوة واحدة.
وقوله: (ثم رمى) أي: الزبير (بسوطه) على الأرض، الباء زائدة.
٢٩٩٩ - [٩] (علقمة بن وائل) قوله: (بحضرموت) بفتح مهملة وسكون ضاد معجمة وفتح راء وميم: بلدة مشهورة من اليمن، وقد يضم الميم، (قال) أي: وائل: (فأرسل) أي: النبي ﷺ .
وقوله: (أعطها) أي: اذهب معه وأفرزها له.
٣٠٠٠ - [١٠] (أبيض بن حمال) قوله: (ابن حمال) بالحاء المهملة على وزن علام، (المأربي) بفتح الميم وسكون همزة وكسر راء وبموحدة نسبة إلى مأرب مدينة باليمن مَمْلحة.
стр. 3139
فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ الَّذِي بِمَأْرِبَ، فَأَقْطَعُهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا أَقْطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ، قَالَ: فَرَجَعَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَسَأَلَهُ: مَاذَا يُحْمَى مِنَ الأَرَاكِ؟ قَالَ: "مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الإِبِلِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣٨٠، جه: ٢٥٠٠، دي: ٢/ ٢٦٨].
ــ
وقوله: (فاستقطعه) أي: سأله أن يُقطعه إياه فأسعفه إلى ملتمسه.
وقوله: (إنما أقطعت له الماء العدّ) بالكسر والتشديد: ماء له مادة لا ينقطع كالعين والأكثر والقديم، والظاهر هنا معنى الكثرة بدلالة قوله في رواية أخرى: (ما يقف دونه العد) بالفتح، وفي (المشارق) (١): العِدُّ بكسر العين: الماء المجتمع المعين، وجمعه أعداد.
وقوله: (فرجعه) من المرجع المتعدي، أي: أرجع الملح المذكور منه، ولم يعطه، ظن رسول اللَّه ﷺ أن القطيعة معدن يحصل من الملح بعمل وكدّ، ثم لما قالوا: إنه مثل العد لا عمل فيه ولا كدّ، رجع من الإعطاء، فعلم منه أن إقطاع المعادن إنما يجوز إذا كانت باطنة لا ينال منها شيء إلا بتعب ومؤنة، وإن كانت ظاهرة يحصل المقصود منها من غير كدّ وتعب لا يجوز إقطاعها، بل الناس فيها سواء كالكلأ ومياه الأودية.
وفيه: أن الحاكم إذا حكم ثم ظهر أن الحق في خلافه رجع عنه.
وقوله: (وسأله) أي: سأل أبيضُ رسولَ اللَّه ﷺ : (ماذا يحمى) بلفظ المجهول، والمراد بالحمي الإحياء لا الحمي، لأنه لا يجوز لأحد أن يخصه.
وقوله: (ما لم تنله أخفاف الإبل) أراد به البعيد من المرعى، ففيه دليل على أن
стр. 3140
٣٠٠١ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، وَالْكَلأَ، وَالنَّارِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٤٧٧، جه: ٢٤٩٧].
٣٠٠٢ - [١٢] وَعَنْ أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ، فَقَالَ: "مَنْ سَبَقَ إِلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٧١].
٣٠٠٣ - [١٣] وَعَنْ طَاوُسٍ مُرْسَلًا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنَ الأَرْضِ فَهُوَ لَهُ، وَعَادِيُّ الأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ،
ــ
الإحياء لا يجوز بقرب البلد، لاحتياج أهله إلى مرعى مواشيهم.
٣٠٠١ - [١١] (ابن عباس) قوله: (في الماء والكلأ والنار) والكلأ على وزن الجبل المراد به العشب رطبه ويابسه، والمراد به ما نبت في الموات، قد علم حكم الماء والكلأ، وأما النار فلا يمنع من الاستصباح والاستضاءة والاصطلاء بها، قال الطيبي (١): وللمستوقد أن يمنع أخذ جذوة منها [لأنه] نقصها ويؤدي إلى إطفائها.
٣٠٠٢ - [١٢] (أسمر بن مضرّس) قوله: (ابن مضرس) بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة في آخره سين مهملة.
وقوله: (من سبق إلى ماء لم يسبقه إليه مسلم فهو له) يدل على أن الماء يصير ملكًا بالإحراز، وقد سبق تفصيل المذهب فيه، وعلى أن سبق الكافر لا يقدح في التمليك، والظاهر أن يكون المراد الكافر الحربي، واللَّه أعلم.
٣٠٠٣ - [١٣] (طاوس) قوله: (وعادي الأرض) أي: قديمها الذي لا يعرف
стр. 3141
ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ١/ ٣٨٢].
٣٠٠٤ - [١٤] وَرُوِيَ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مَسْعُودٍ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ بَيْنَ ظَهْرَانِي عِمَارَةِ الأَنْصَارِ مِنَ الْمَنَازِلِ وَالنَّخْلِ، فَقَالَ بَنُو عَبْدِ بْنِ زُهْرَةَ: نَكِّبْ عَنَّا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ : . . . . .
ــ
له مالك، نسبةً إلى عاد قوم هود.
وقوله: (ثم هي لكم مني) أي: أتصرف فيه كيف أشاء، فإن قلت: ظاهر السياق أن يقال: هي لكم من اللَّه ومني، قلت: ذكر اللَّه للتبرك كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١].
٣٠٠٤ - [١٤] قوله: (وروي) كذا في النسخ بلفظ المجهول، وإنما ذكره بهذا اللفظ؛ لأنه لم يعرف اسم الراوي لهذا الحديث من الصحابة والتابعين.
قوله: (الدور بالمدينة) أراد بها العرصة ليبني فيها دورًا، والعرب تسمي المنزل دارًا، والظاهر أنه باعتبار ما يؤول إليه أو بعلاقة السببية، وهذا يدل على إقطاع الموات في العمارات، وقيل: المراد به العارية.
وقوله: (فقال بنو عبد بن زهرة) كان عبد اللَّه حليفًا لهم، وكان أبوه مسعود قد حالف في الجاهلية عبد الحارث بن زهرة، وأم عبد اللَّه كانت منهم، (نكّب) بالتشديد بلفظ الأمر، والنكوب: العدول، نَكَبَ عنه كنصر وفرح نكبًا ونكوبًا: عدل، كنَكَّبَ وتَنَكَّب، ونَكَّبه تنكيبًا: نحّاه. و (ابن أُمِّ عَبْدٍ) منصوب على أنه مفعول، وفيه من توهين أمر ابن مسعود ما لا يخفى.
стр. 3142
"فَلِمَ ابْتَعَثنَي اللَّهُ إِذًا (١)؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُقَدِّسُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهِمْ حَقُّهُ". [شرح السنة: ٨/ ٢٧١].
٣٠٠٥ - [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي السَّيْلِ الْمَهْزُورِ أَنْ يُمْسِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ،
ــ
قوله: (ابتعثني) بمعنى: بعثني، في (القاموس) (٢): بعثه، كمنعه: أرسله، كابتعثه فانبعث.
٣٠٠٥ - [١٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (في السيل المهزور) بتقديم الزاي على الراء: اسم واد، كذا في (القاموس) (٣)، وفي (النهاية) (٤): واد ببني قريظة، ووقع في أكثر نسخ (المصابيح): (في السيل المهزور) بالوصف معرفين باللام، وفي بعضها: (في سيل المهزور) بالإضافة مع تعريف المضاف إليه، قال التُّورِبِشْتِي (٥): وكلاهما مصروف عن الوجه، والصواب: (سيل مهزور) بغير ألف ولام فيهما بصيغة الإضافة، انتهى.
стр. 3143
ثُمَّ يُرْسِلَ الأَعْلَى عَلَى الأَسْفَلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦٣٩، جه: ٢٥٠٨].
٣٠٠٦ - [١٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ عَضَدٌ مِنْ نَخْلٍ فِي حَائِطِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَمَعَ الرَّجُلِ أَهْلُهُ، فَكَانَ سَمُرَةُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فَيَتَأَذَّى بِهِ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ليَبِيْعَهُ فَأَبَى، فَطَلَبَ أَنْ يُنَاقِلَهُ فَأَبَى، قَالَ: "فَهَبْهُ لَهُ وَلَكَ كَذَا" أَمْرًا رَغَّبَهُ فِيهِ فَأَبَى،
ــ
وأجيب بأن المهزور مستعمل من صفة مشتقة من هزر: إذا غمزه، والعلم المنقول من الصفة يجوز فيه الوجهان: التعريف والتجريد؛ كالحارث والعباس، ومعنى الحديث: أن النهر الجاري بنفسه من غير عمل ومؤنة يسقي الأعلى إلى الكعبين، ثم يرسل إلى من هو أسفل عنه كما مرّ في الفصل الأول من حديث عروة.
قوله: (ثم يرسل) بلفظ المعلوم منصوبًا ومرفوعًا، و (الأعلى) فاعله.
٣٠٠٦ - [١٦] (سمرة بن جندب) قوله: (عضد) والعضد: الطريقة من النخل، وإذا صار للنخل جذع يتناول منه فهو عضيد، والضمير في (فيتأذى) للرجل، وكذا في (أتى). وفي قوله: (فطلب إليه) أي: سمرة، أي: أنهى إليه طلب البيع.
وقوله: (أن يناقله) أي: يبادله بنخل في موضع آخر.
وقوله: (ولك كذا) أي: في الجنة.
وقوله: (أمرًا) أي: قال له أمرًا، ويجوز أن يكون منصوبًا بتقدير أعني، و (رغّبه) صفته، وفيه إشعار بأن المطلب والأمر كان بطريق الترغيب والاستشفاع، لا بطريق الإيجاب والإلزام، وإلا كيف يتصور من سمرة التوقف في الامتثال؟
١٦ - باب العطايا
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٠٠٨ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ. . . . .
ــ
بتلك المثابة، فأجاب بأن المنع منهما يفوت الأجر الجزيل مع كونهما أمرين حقيرين، ثم ذكر في الماء الثواب أيضًا، مع شدة الاحتياج إليه، وقال الطيبي (١): الجواب على الأسلوب الحكيم، وتأنيث الملح لإرادة القلة والنزرة، والضمير في (أحياها) للمسلم باعتبار النفس أو النسمة كذا قيل، ويجوز أن يكون للرقبة.
١٦ - باب العطايا
جمع عطية، وهذا الباب في أنواعها من الوقف، والهبة، والعمرى، والرقبى، اعلم أن صاحب (المصابيح) أورد هذه الأبواب الآتية، والسابقة في كتاب البيوع، وتبعه المؤلف ولا يظهر وجه جعلها منها خصوصًا الأبواب الآتية، اللهم إلا أن يتكلف بالوجوه البعيدة، وقد جعل في كتب الفقه لأكثرها كتبًا مستقلة، فتدبر.
الفصل الأول
٣٠٠٨ - [١] (ابن عمر) قوله: (إني أصبت أرضًا) قال الطيبي (٢): اسمها ثمغ بفتح الثاء المثلثة وسكون الميم والغين المعجمة، وقال في (القاموس) (٣): ثمغ،
стр. 3146
لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُني بِهِ؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا". فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ: أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهب وَلَا يُورث، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءَ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
بالفتح: مال بالمدينة كان لعمر ﵁، وقفه، وهذا يدل على أن الثمغ اسم مال بالمدينة لا بخيبر، واللَّه أعلم.
وقوله: (إن شئت حبست) صحح في النسخ بالتشديد، وفي (مجمع البحار) (١) عن الكرماني: حبَّست بالتشديد، وأَحبست، أي: وقفت، وحَبَسته بالخفة، أي: منعته، وضيقت عليه، وحكي الخفة، أي: في الوقف، يريد أن يقف أصل الملك، ويبيح الثمر لمن أوقفها عليه.
وقوله: (أنه) بفتح الهمزة، أي: على أنه.
وقوله: (غير متمول) حال أو مفعول به لـ (يطعم).
وقوله: (غير متأثل) أي: غير متأصل، أي: غير جامع، وكل شيء له أصل قديم أو جُمع حتى يصير له أصل فهو مؤثَّل، أي: قديم، وفي (الصراح) (٢): تأثيل: با أصل واستوار كردن، يقال: مجد مؤثل وأثيل وتأثل: كَرفتن أصل مال، وفي الحديث في وصي اليتيم: أنه يأكل من ماله غير متأثل مالًا.
стр. 3147
٣٠٠٩ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعُمْرَى جَائِزَةٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٦، م: ١٦٢٦].
ــ
وفي الحديث دليل على أن الوقف لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وأنه ينتفع به بشرط الواقف، وعلى أن خيبر فتحت عنوة، وأن الغانمين ملكوها واقتسموها، كذا قال الطيبي (١)، وفيه نظر؛ لأن عمر لعله ابتاع فيه مالًا بعد الفتح صلحًا واستقرارها على أهلها، ومن أين علم أنه كان غنيمة، كما هو مذهبنا كما مر (٢).
٣٠٠٩ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (العمرى جائزة) بضم العين على وزن حبلى من أعمرتك الدار، أي: جعلتها لك عمرَك، والعمرى اسم منه، فيصير معناها: جعلت سكناها لك مدة عمرك، والعمرى على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقول أعمرتك هذه الدار، فإذا متَّ فهي لورثتك أو لعقبك، ولا خلاف لأحد أنه يكون هبة، ويخرج من ملك المْعُمِر، وأن يملك الْمُعْمَر له رقبتها، ويكون بعده لورثته، وإن لم يكن له ورثة فلبيت المال.
وثانيها: أن يقول مطلقًا، بأن يقول: أعمرتها لك أو جعلتها لك عمرك، فالجمهور على أن حكمه حكم الأول، ويكون بعد المعمَر له لورثته، وهو مذهبنا، وقول الشافعي في الأصح، وعند بعض العلماء: لا يكون لورثته ويعود بعده إلى المعمِر.
وثالثها: أن يقول: جعلتها لك عمرك فماذا متَّ عادت إليّ أو إلى ورثتي، فهذا أيضًا صحيح، وحكمه حكم الأول عندنا؛ لأنه شرط فاسد، والهبة لا تبطل بالشرط الفاسد، بل الشرط باطل، بخلاف البيع فإنه قد نهي عن بيع وشرط، وكذلك الحكم
стр. 3148
٣٠١٠ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٢٥].
٣٠١١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقَبِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيهَا، لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٥، م: ١٦٢٥].
٣٠١٢ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقَبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرجِعُ. . . . .
ــ
في أصح قولي الشافعي ﵀، واعتمد في ذلك على الأحاديث المطلقة، منها هذا الحديث عن أبي هريرة، وجاء في حديث آخر أورده في (الهداية) (١): (من أعمر عمرى فهي للمعمَر له، ولورثته من بعده)، وقيل: لا يصح للشرط الفاسد، وقال الطيبي (٢): وبه قال أحمد.
٣٠١٠ - [٣] (جابر) قوله: (إن العمرى ميراث لأهلها) أي: للمعمَر له، هذا أيضًا من الأحاديث المطلقة التي تدل على مذهب الجمهور.
٣٠١١ - [٤] (وعنه) قوله: (أيما رجل أعمر عمرى) بلفظ المجهول.
وقوله: (له ولعقبه) هذا الحديث يدل بطريق المفهوم على أن العمرى المطلقة لا تورث بل ترجع إلى المعمِر، وأجاب الجمهور بأن المفهوم لا يعارض المنطوق ولا يخصصه.
٣٠١٢ - [٥] (وعنه) قوله: (فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع
стр. 3149
إِلَى صَاحِبِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٦، م: ١٦٢٥].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٠١٣ - [٦] عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُرْقِبُوا أَوْ لَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ فَهِيَ لِوَرثَتِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٥٦].
٣٠١٤ - [٧] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٣/ ٣٠٣، ت: ١٣٥١، د: ٣٥٥٨].
ــ
إلى صاحبها) يعني: للمعمِر، هذا أيضًا يخالف مذهب الجمهور، ويقولون: إنه قول جابر برأيه لا حديث مرفوع، وفيه ما فيه.
الفصل الثاني
٣٠١٣ - [٦] (جابر) قوله: (لا ترقبوا) بضم التاء وسكون الراء وكسر القاف من الرقبى على وزن العمرى، وصورتها أن يقول: جعلت لك هذه الدار، فإن متُّ قبلك فهو لك، وإن متَّ قبلي عاد إليّ؛ لأن كل واحد يراقب موت صاحبه، ففي هذا الحديث نهي عن الرقبى والعمرى، وعلله بأن من أرقب شيئًا أو أعمر بلفظ المجهول في الفعلين فهي لورثته، الضمير للمعمَر له، يعني: لا تضيعوا أموالكم ولا تخرجوها من أملاككم بالرقبى والعمرى، فيكون لورثة المعمر له، فكان النهي قبل تجويزه، أو المعنى: لا يليق ذلك بالمصلحة، ولكن بعد ما فعلتم يكون صحيحًا، ويكون لورثة المعمر له، فلا حاجة إلى القول بالنسخ، فافهم.
٣٠١٤ - [٧] (وعنه) قوله: (العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها)
стр. 3150
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٠١٥ - [٨] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكُوا أَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ لَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقَبِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٢٥].
* * *
١٧ - باب
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٠١٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
المراد بالأهل المُعْمَر له والمُرْقَب له، وفي (الهداية) (١): أن الرقبى جائزة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه كالعمرى، وعند أبي يوسف العمرى جائزة دون الرقبى، وذكر حديثًا أن رسول اللَّه ﷺ أجاز العمرى ورد الرقبى، واللَّه أعلم.
الفصل الثالث
٣٠١٥ - [٨] (جابر) قوله: (أمسكوا أموالكم عليكم) يؤيد التأويل الذي ذكرنا في الفصل الثاني.
١٧ - باب في متممات ولواحق للباب السابق من أنواع العطايا
الفصل الأول
٣٠١٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: . . . . .
стр. 3151
"مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ طَيِّبُ الرِّيحِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٥٣].
٣٠١٧ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيْبَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٩٢٩].
٣٠١٨ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئهِ، لَيْسَ لنا مَثَلُ السَّوْءِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٢٢].
ــ
(من عرض عليه ريحان فلا يرده) في (القاموس) (١): الريحان: نبت طيب الرائحة، أو كل نبت كذلك، أو أطرافه، أو ورقه، و (خفيف المحمل) بمعنى: قليل المنة، ودل الحديث على أن الهدية إذا كانت قليلة نافعة لا ترد تجنبًا عن تأذي المهدي.
٣٠١٧ - [٢] (أنس) قوله: (كان لا يرد الطيب) فثبت عدم رد الطيب مطلقًا قولًا وفعلًا منه ﷺ .
٣٠١٨ - [٣] (ابن عباس) قوله: (ليس لنا مثل السوء) تأكيد للنهي، أي: لا يليق بحالنا معاشر المسلمين ارتكابُ مثل هذه الشنيعة.
اعلم أن الرجوع عن الهبة والصدقة بعد إقباضهما جائز عندنا إلا بأسباب سبعة ذكرت في الفقه، منها التعويض وقرابة المَحْرَمية؛ لقوله ﷺ : (الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها) (٢)، أي: لم يعوَّض، وقوله ﷺ : (إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها)، كذا ذكر في (الهداية) (٣)، وهذا لبيان الحكم، وحديث العائد في هبته لبيان الكراهة
стр. 3152
٣٠١٩ - [٤] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، فَقَالَ: "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَارْجِعْهُ". وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ " قَالَ: بَلَى، قَالَ: "فَلَا إِذَنْ". . . . .
ــ
والاستقباح وعدم المروءة كما يفهم من سياقه.
وعند الشافعي ومالك وأحمد ﵏: لا يجوز الرجوع بهذا الحديث، فإنهم حملوه على الحرمة، وفي رواية عن أحمد عن قتادة أنه قال: ولا أرى القيء إلا حرامًا، وعن طاوس أن ابن عمر وابن عباس رفعاه إلى النبي ﷺ .
وقال الشافعي وكذا أحمد في رواية: يجوز رجوع الوالد عما وهب لولده؛ لأن الولد وماله لوالده، وقد نطقت به الأحاديث، وعند أبي حنيفة معنى رجوع الوالد عما وهب لولده: أخذُه عنه وصرفه في نفقته عند الحاجة كسائر أمواله؛ فإن للأب أن يتصرف في مال ولده عند الحاجة، ولهذا لا يجب عليه الحد في وطء جارية ولده، ويصير ما ولدت حرًا بالقيمة، فسمي هذا التملك والتصرف رجوعًا، فافهم.
٣٠١٩ - [٤] (النعمان بن بشير) قوله: (نحلت) أي: أعطيت ووهبت.
وقوله: (فلا) أي: فلا تفرق بين أولادك بالإعطاء (إذن) أي: إذ تحب أن يكونوا في البر سواء إليك، سواء كان (١) ذكورًا أو إناثًا، وقيل: يعطي للذكر مثل حظ الأنثيين، وعلى كل تقدير هذا أخذ بالأفضل والأعدل، والجمهور على جواز الهبة وعدم حرمته، وقيل: حرام، واللَّه أعلم.
وقوله: (قال: بلى) وقع (بلى) هنا في جواب الاستفهام، وقد شرط النحويون
стр. 3153
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلِدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ". قَالَ: فَرَجَعَ، فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ: "لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٨٧، م: ١٦٢٣].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٠٢٠ - [٥] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَرْجِعُ أَحَدٌ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ٣٦٨٩، جه: ٢٣٧٨].
ــ
وقوعه بعد النفي فتدبر.
وقوله: (فقالت عمرة) بفتح العين (بنت رواحة) بفتح الراء، وهي أم النعمان ابن بشير قالت حين نحل بشير ابنه منها: (لا أرضى حتى تشهد) من الإشهاد، أي: تأخذه شاهدًا.
الفصل الثاني
٣٠٢٠ - [٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إلا الوالد من ولده) أي: من الهبة لولده، وهذا الحديث أصرح من الأول في جواز رجوع الوالد من هبة الولد.
стр. 3154
٣٠٢١ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ، ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. [د: ٣٥٣٩، ت: ٢١٣٢، ن: ٣٦٩٠، جه: ٢٣٧٧].
٣٠٢٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكْرَةً، فَعَوَّضَهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ، فَتَسَخَّطَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ فَلَانًا أَهْدَى إلَيَّ ناقَةً، فَعَوَّضْتُهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ، فَظَلَّ سَاخِطًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣٩٤٥، د: ٣٥٣٧، ن: ٣٧٥٩].
ــ
٣٠٢١ - [٦] (ابن عمر) قوله: (لا يحل للرجل أن يعطي عطية) تشمل الهبة والصدقة والهدية.
٣٠٢٢ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (بكرة) البكرة بالفتح: الإبل الحديث السن، وبالهاء مؤنثة، والجمع بكار كفرخ وفراخ، و (بكرات) بفتح الكاف.
وقوله: (فتسخط) أي: لم يرض ذلك الأعرابي مع أنها كانت أضعاف ما أهدَى لجفاء وتكبر وتسخط يكون في الأعراب، والسخط: بالضم وبضمتين وبفتحتين ضد الرضى، وتسخَّط عطاءَه: استقله ولم يقع منه موقعًا.
وقوله: (إلا من قرشي أو أنصاري. . . إلخ) قالوا: إنما خص هذه القبائل بالذكر لعلو همتهم وسخاوة نفوسهم.
стр. 3155
٣٠٢٣ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ (١) النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَجدْ فَلْيُثْنِ، فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ تَحَلَّى بِمَا لَمْ يُعْطَ كَانَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُوْرٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٠٣٤، د: ٤٨١٣].
٣٠٢٤ - [٩] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٣٥].
٣٠٢٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّه". . . . .
ــ
٣٠٢٣ - [٨] (جابر) قوله: (فوجد) أي: شيئًا من المال.
وقوله: (من تحلى) أي: تزين، أي: يُظهر من نفسه ما لم يكن فيه، (كان كلابس ثوبي زور)، قيل: هو أن يلبس لباس الزهاد، وليس بزاهد، وقيل: أن يلبس قميصًا ويصل بكمه كمين آخرين، يرى بذلك أنه لابس قميصين، وقالوا: كان الرجل في العرب يلبس ثوبين كثياب المعاريف، ليُظَنّ أنه معروف محترم، فيعتمد على قوله وشهادته الزور.
٣٠٢٤ - [٩] (أسامة بن زيد) قوله: (فقد أبلغ في الثناء) لأنه اعترف بالقصور ففوض إلى اللَّه تعالى.
٣٠٢٥ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (لم يشكر اللَّه) لعدم رعاية حق الوساطة،