← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، العَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِناهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ". [خ: ٦٣٤٣، م: ٢٦٥٧]. ٨٧ - [٩] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصُيْنٍ: إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، . . . . ــ مجازيًا بالنظر الحرام والتكلم بالكلام الحرام واستماعه والإصغاء إليه، وما يتعلق بتحصيله أشار إليه بقوله: (فزنا العين النظر. . . إلخ). وقوله: (الفرج يصدق ذلك ويكذبه) كناية عن الإتيان بالزنا والإباء عنه، وإسناد التصديق والتكذيب إلى الفرج مجازي، هذا كلامهم، ويدل ظاهرًا على أن المراد كتب على كل أحد من بني آدم حظه من الزنا، لكن اللَّه يعصم من يشاء ويجعله لممًا في حق بعض، ويجعله كبيرة في حق بعض آخر. ولا يذهب عليك أنه يمكن أن يكون المراد كتب على من كتب عليه من جنس آدم، أي على بعضهم حظًّا من الزنا، ثم جعله إما بالنظر أو بالكلام أو بالفرج لا أنه كتب الزنا على بني آدم كلهم، وهذا المعنى أحسن وأولى، واللَّه أعلم بمراد رسوله. وقوله: (والقلب يهوى) بفتح الواو أي: يحب ويريد من عَلِمَ يعلم، وأما هوى يهوي من ضرب يضرب فهو بمعنى السقوط من فوق. ٨٧ - [٩] (عمران بن حصين) قوله: (أرأيت) أي: أخبرنا، وقد يجيء بالكاف في آخره نحو أرأيتك، وأرأيتكما، وأرأيتكم، وهي حرف خطاب يدل على أحوال

стр. 352

وَيَكْدَحُونَ فِيهِ؟ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ . . . . ــ المخاطب كما في ذلك وذلكما وذلكم، وفي (القاموس) (١): هي كلمة يقول العرب بمعنى أخبرني وأخبراني وأخبروني، والتاء مفتوحة، انتهى. وحقيقته أنه استفهام عن رؤية المخاطب أو علمه أي: هل رأيت فأخبرني؟ وقال الطيبي (٢): الاستفهام فيه للتقرير، أي: قد رأيت ذلك فأخبرني به. وقوله: (ويكدحون فيه) في (القاموس) (٣): كدح في العمل كمنع: سعى وعمل لنفسه خيرًا وشرًا، وكدح وجهه: خدش، وتَكَدَّح الجلدُ: تَخَدَّش. وقوله: (أشيء قضي عليهم؟ ومضى فيهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم) وفي رواية: (أم فيما يستقبلون به) بلفظ المعلوم في النسخ كلِّها فيما رأينا، وقال السيد جمال الدين المحدث: (يستقبلون) بصيغة المجهول في سماعنا، ولكن في أكثر نسخ (المشكاة) بلفظ المعلوم، أي أخبرنا أن عمل الناس فيما لا يزال هل سبقه قضاء في الأزل على وفقه أو لم يسبقه قضاء؟ أو إنما هو مستأنف على وفق ما يأتيهم نبيهم فيأمرهم وينهاهم، فيمتثلون أو يعصون من عند أنفسهم باختيارهم وقدرتهم. وقوله: (من قدر سبق) إما بيان لشيء قضي فيكون القضاء والقدر شيئًا واحدًا، وهو ما حكم اللَّه من الأمور كما تدل عليه عباراتهم مما أسلفنا ذكره في شرح ترجمة

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الباب، و (من) ابتدائية متعلقة بـ (قضي) أي: أقضي عليهم لأجل قدر سبق؟ فيكون القضاء ناشئًا، ومبتدئًا من قدر، والقدر سابقًا عليه، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: خلقهن، فقوله: (جف القلم بما هو كائن) قدرٌ، و ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] قضاءٌ، ولهذا قال بعضهم: إنها شؤون يُبديها لا شؤون يَبْتَدِيهَا، فالقدر كالأساس، والقضاء كالبناء، هكذا قال بعضهم في (النهاية) (١). وفي (مجمع البحار) (٢)، عن الكرماني: وقال بعضهم: القضاء الأمر الكلي الإجمالي، وهو حكم اللَّه تعالى في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الكلي مفصلات، وهذا عكس ما في (النهاية)، ويوافق ما قال القاضي: القضاء هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها. وقال الإمام الغزالي: إذا كان معنى الحكمة ترتيب الأسباب فتوجهها إلى المسببات كان حكمًا مطلقًا؛ لأنه مسبب كل الأسباب جملتها وتفصيلها، ومن الحكم ينشعب القضاء والقدر، فتدبيره أصل وضع الباب ليتوجه إلى المسببات حكمُه، ونصبه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسماوات السبع والكواكب وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله قضاؤه، كما قال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]،

стр. 354

فَقَالَ: "لَا، بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ " [الشمس: ٧ - ٨]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٠]. ــ وتوجه هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة فلحظة قدره، فالحكم هو التدبير الأول الكلي والأمر الأول الذي كلمح البصر، والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة بعدد معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شيء من قضائه وقدره، انتهى. فالقضاء والقدر كلاهما جاء بمعنى واحد، وبالمعنيين المتغايرين بالتعاكس، وموارد الاستعمال تصلح دليلًا على الكل، ولا محذور في ذلك. وقوله: (فقال: لا بل شيء قضي عليهم) استشكل على هذا الجواب؛ أما على رواية (أم فيما يستقبلون به) فلأن جواب (أم) المتصلة إنما يكون بتعيين أحد الأمرين دون لا أو نعم، وقد يجاب بنفي كليهما لاحتمال الخطأ في اعتقاد المتكلم وجود أحدهما، وههنا ليس كذلك؛ لأن أحد الأمرين ثابت قط ﷺ والسؤال عن تعيينه، وأما على رواية (أو فيما يستقبلون) فلأن المقصود السؤال عن أحدهما واقع لا على التعيين، وهو حق لا يصلح للرد، وتوجيهه ما قال الطيبي (١): إن (أم) منقطعة و (أو) بمعنى بل، فنفى ﷺ ما أثبته وقرره وأكده ببل، فافهم. وقوله: (وتصديق ذلك في كتاب اللَّه : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾) [الشمس: ٧ - ٨] تسوية النفس: إنشاء خلقها على سواء من التدبير بحسب

стр. 355

٨٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، كَأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الاخْتِصَاءِ، قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، ــ ما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة، وذلك بما يركب فيها من القوى التي جعلت مقدمة للنفس، وصارت النفس بها مستعدة لقبول الفهم والإفهام، ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ بالأمور الجبلية والقضاء الطبعية بأن ركزت في جبلته حب الشهوات، وخلقها على هذا الوجه، ﴿وَتَقْوَاهَا﴾ بالنصوص الشرعية والأدلة العقلية، والتصديق في قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾، أي: قدرها وخلقها كذلك. ٨٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أخاف على نفسي العنت) في (القاموس) (١): العنت محركةً: الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة والزنا. وقوله: (في الاختصاء) في (القاموس) (٢): الخصى والخصية بضمهما وكسرهما من أعضاء التناسل، وخصاه خِصاءً: سَلَّ خصيتيه فهو خَصِيٌّ ومَخْصِيٌّ. وقوله: (ثم قلت مثل ذلك) لعله قال في الثانية بعبارة أخرى مثل الأولى أو اعتبر المغايرة الاعتبارية. وقوله: (جف القلم بما أنت لاق) جفاف القلم كناية عن إمضاء المقادير والفراغ منها ومن كتابتها، قيل: ما وجد هذا اللفظ مستعملًا على هذا الوجه إلا في كلام

стр. 356

فَاخْتَصِ عَلى ذَلِك أَوْ ذَرْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٠٧٦]. ٨٩ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ. . . . ــ رسول اللَّه ﷺ . وقوله: (فاختص على ذلك أو ذر) الرواية الصحيحة كما في أصول المشهورة المعتمدة (فاختص) بالصاد المكسورة المخففة، أمر من الاختصاء بمعنى سلّ الخصية كما هو المناسب للمقام، و (على ذلك) متعلق بمقدر أي كائنًا على العلم بأن ما قضي كائن لا محالة، وفي هذا تهديد على التسبب في مقابلة القدر والفرار منه، أو ذر الاختصاء أي: اتركه راضيًا بقضاء اللَّه، وقد وقع في بعض نسخ (المصابيح) (فاختصر) بالراء أمر من الاختصار بمعنى ترك التطويل في الكلام، وعلى هذا فالتهديد في الثاني أعني في قوله: (أو ذر)، وعلى التقديرين المراد أن كل ما قدر من خير وشر فهو كائن سواء اختصيت أو لا، فلا فائدة في الاختصاء وقطع العضو بلا حق (١). ٨٩ - [١١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إن قلوب بني آدم كلها) لما كان الظاهر أن المراد بالتصريف ههنا من الطاعة إلى المعصية وبالعكس، ومن الإيمان إلى الكفر وبالعكس بقرينة الدعاء المذكور بعده، والعكس غير موجود في المعصومين، أورد كلمة الشمول بأن هذا الحكم شامل للكل بالذات، لكن اللَّه عصم بعض عباده منه. وقوله: (بين أصبعين من أصابع الرحمن) هذا من المتشابهات، وقد تقرر فيها المذهبان، أحدهما: مذهب السلف المتقدمين، وهو اعتقاد ظواهرها، والتوقف عن تأويلها، وتفويض الأمر إلى اللَّه، واعتقاد أن هذه صفات له سبحانه ولا نعلم كيفيتها،

стр. 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا أسلم. وثانيهما: مذهب الخلف المتأخرين، وهو تأويلها بما يناسب المقام ويشعر بتعظيم جناب الحق تعالى وتقدس، وهذا أحكم. وبعضهم فرق بين هذا القسم المذكور في هذا الحديث وبين السمع والبصر واليد وأمثالها، فهذه تحمل على ظاهرها وتجري بلفظه الذي ورد من غير تشبيه بمسميات الجنس على ما هو مذهب السلف، وأما ما نحن فيه وأمثالها فيجب تخريجه على ما يناسب المقام من المعنى؛ لأنها ليست من أقسام الصفات بل ألفاظ متشاكلة أريد بها المعاني المجازية، كذا ذكر التُّورِبِشْتِي (١)، ولا يخلو عن شيء، فتدبر. وبالجملة الحديث محمول على ضرب من التمثيل، والمراد منه الاستظهار في القدرة وسرعة نفوذ الأمر والتصرف على مقتضى العلم والمشيئة كما يقال: فلان في قبضتي، أي تحت قدرتي، فلان بين إصبعي أقلبه كيف أشاء، أي: أقدر على قهره والتصرف فيه على أيِّ وجه شئت، ولما كان منشأ الإيمان والكفر والطاعة والمعصية وسائر أفعال العبادِ القلوبَ نسبه إليها. وأما تثنية الإصبع فيقال: المراد صفتا الجلال والإكرام، أعني القهر واللطف، فبالأول يقلبها إلى المعصية، وبالثاني إلى الطاعة. وقوله: (من أصابع الرحمن)، إنما أضاف إلى هذا الاسم لشمول رحمته تعالى وغلبتها مع أن غضب الحليم أشد فيشمل قسمي التصرف، فافهم.

стр. 358

كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٤]. ــ وقوله: (كقلب واحد) المراد أنه تعالى يقدر على جميع الأشياء دفعة واحدة، وليس المراد أن التصرف في القلب الواحد أسهل، أو هذا باعتبار ما عند الناس من أن التصرف في شيء واحد أهون عليهم من التصرف في قلوب كثيرة، وإلا فبالنسبة إليه تعالى الكل سواء. وقوله: (ثم قال رسول اللَّه ﷺ ) قاله تعليمًا للأمة، وتأدّبًا للحضرة الإلهية، وطلبًا للثبات والدوام، وهو كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والظاهر أن صيغة المتكلم مع الغير شامل للأمة؛ لأنه ليس محل تعظيم النفس، اللهم إلا أن يجعل صيغة الجمع لغاية التضرع والابتهال كأنه جعل نفسه بمنزلة جماعة الفقراء والمحتاجين، فافهم، فإنه من متخيلات هذا المسكين. وقوله: (اللهم) أصله: يا اللَّه، عوضت الميم عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان، وهو من خصائص هذا الاسم كدخول (يا) عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، وقيل: أصله يا اللَّه أَمِّنَّا بخير، فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته، كذا قال البيضاوي (١)، والاسم المذكور بعده منادى ثان عند سيبويه، فإن الميم عنده يمنع وصفه، وعند الزجاج أنه صفة فإنه قال: كما لا تمتنع الصفة مع يا فلا تمتنع مع الميم، وأقول: ههنا مانع آخر من الوصفية فإن قوله: (مصرف القلوب) نكرة لكون الإضافة غير مختصة، اللهم إلا أن يراد بالوصف ههنا ما يعمّ البدل وعطف البيان في مقابلة كونه منادى ثانيًا.

стр. 359

٩٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، . . . . ــ ٩٠ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) الفطرة: الشق، يقال: فطرته فانفطر أي: شققته فانشق، وفطر ناب البعير أي: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطر أي تشقق، سيف فطار بالضم فيه تشقق، والخلق يقال: فطر اللَّه الخلق أي: خلقهم، والابتداء والإنشاء يقال: فطر الأمر: ابتدأه وأنشأه، والفطرة فعلة منه بمعنى الخلقة التي خلق عليها المولود، هذا معناها اللغوي. وأما معنى الحديث وتأويله فقد ذكروا فيه وجوهًا متعددة، والمشهور منها أن المراد بالفطرة الدين الذي شرع وابتدئ، وخلق الأول مفطور من البشر، وهو التوحيد ودين الإسلام، وقد وقع في رواية: (ما من مولود إلا وهو على الملة)، وفي رواية الترمذي: (كل مولود يولد على الملة)، والملة هو دين الإسلام. وتعقب هذا الوجه بأن قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ينافي هذا التأويل؛ لأنه لو كان المراد بالفطرة نفس الإسلام للزم من الحديث تبديل خلق اللَّه؛ لأن النبي ﷺ قال: (فأبواه يهودانه)، اللهم إلا أن يراد بالتهويد الحكم عليه بالكفر في الدنيا بحسب الظاهر من جهة التبعية وعلة الجزئية مع وجود إسلامه حقيقة، أو يراد بقوله: (لا تبديل) لا ينبغي أن يبدل، وليس من شأنه أن يبدل، والخبر في معنى النهي. وبأن قوله ﷺ في حديث موسى والخضر: (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا)، وهو حديث صحيح، فكيف يكون كل مولود مفطورًا ومطبوعًا على الإسلام؟ وبأن الدين المعتد به من باب الإكساب، ولو كان من حكم الجبلة لم يكن

стр. 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كذلك، وبأن المولود لو ولد مسلمًا لم يجعله الشرع تبعًا لأبويه الكافرين في كفرهما، وقد حكم الشرع على ولدان المشركين بحكم المشركين. فالصواب أن المراد بالفطرة التي خلق اللَّه الخلق عليها الحالة والهيئة المهيأة لمعرفة الخالق وقبول الحق واختيار دين الإسلام والتمييز بين الحق والباطل ما ركب فيهم من العقول التي يتمكنون بها من الهدى وقبول الحق لو نظروا بها نظرًا صحيحًا لاستمروا على لزومها، ولم يفارقوها، كما أنه يولد على محبة ارتضاعه اللبن حتى يصرف عنه، وهي التي لا تبديل لها ولا يتهيأ لأحد التبديل؛ لأن هذا الاستعداد والتهيؤ لا يتبدل، وإن ذهب ذاهب إلى خلاف مقتضاها كانت بحالها حجة عليه، وليس هذا تبديلًا له بل عدم ظهور أثره بالفعل، وبهذا الاعتبار ناسب إيراد هذا الحديث في باب القدر، فافهم. فمعنى الحديث: أن المولود يولد على العقل المفطور لو ترك على ما فطر عليه من العقل القويم والوضع المستقيم، ولم تعرضه آفة من قبل الأبوين إما جبرًا منهما أو تقليدًا لم يختر غير هذا الدين الذي حسنه ظاهر عند ذوي العقول السليمة، والألف بالمحسوسات والموهومات والانهماك في الشهوات المانعة عن النظر الصحيح والوصول إلى المطلوب وإدراك الحق في حكم تهويد الأبوين، وهذا هو المراد مما قال بعض الفضلاء: إن صاحب الفطرة السليمة مجبول على اختيار دين الإسلام، وهو المراد بالآية الكريمة، ولا ينافيه حديث غلام الخضر لأنه مع كونه مطبوعًا على الكفر متمكن على اختيار دين الإسلام لو نظر نظرًا صحيحًا، وأيضا ما قلنا إنما هو بالنظر إلى الظاهر وعالم الشهادة بمعنى أن الناظر إذا نظر إلى المولود نفسه من غير اعتبار عالم الغيب وجد

стр. 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنه ولد على الفطرة من الاستعداد للمعرفة والتمكن من قبول الحق والتمييز بين الخطأ والصواب، وقصة غلام الخضر، والحديث الواقع فيه بالنظر إلى عالم الغيب والحقيقة، هذا حاصل ما ذكروه مع توضيح وتنقيح لكلامهم. وخلاصته أن المراد بالفطرة هو التهيؤ للإسلام والتمكن من الهدى لا الاتصاف بالإسلام وحصوله حقيقة، ولعل مراد من حمل الفطرة على دين الإسلام أيضًا إنما هو التهيؤ له والتمكن؛ إذ القول بحصول حقيقة الإسلام للمولود ظاهر الفساد، فلا خلاف بين التأويلين، ويستأنس ما ذكرنا بقول البيضاوي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] هي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، أو ملة الإسلام فإنهم لو خُلُّوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها، وقيل: العهد المأخوذ من آدم وذريته، انتهى. فجعل على تقدير إرادة الإسلام بمعنى التمكن من إدراك الحق بقوله: فإنهم لو خُلُّوا. . . إلخ، لا حصولها بالفعل حقيقة. وهذا الذي ذكره في الآية آخرًا أحد الأقوال التي ذكر في تأويل الحديث، وهو أن المراد بالفطرة العهد الذي أخذ اللَّه عليهم وهم في أصلاب آبائهم، فقال: ﴿لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وهذا القائل إن أراد بالولادة على إقرار الربوبية السابقة المأخوذ يوم الميثاق بقاؤه الآن حقيقة كما هو ظاهر القول الأول في التأويل فقوله، فقد ورد عليه ما ورد على ذلك القائل، وإن أراد التمكن والتهيؤ المذكور في القول الثاني فذاك، فتدبر. وقد يقال: المراد أن كل مولود يولد على معرفة اللَّه والإقرار بوجوده ووحدانيته

стр. 362

كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، ــ فلا تجد أحدًا إلا وهو يقرّ بأن له صانعًا وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره، وفيه: أنه إن كانت هذه المعرفة والإقرار حاصلًا لكل أحد باقيًا له بحيث لا يوجد إلا به كما هو ظاهر عبارة القائل فلا يكون لتهويد الأبوين تأثير في ذلك، وإن قيل بحصوله في حال الولادة، ثم زواله بتهويد الأبوين آل المعنى إلى أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته والتمكن من ذلك لو لم يعقه عائق من جهة الأبوين، وذلك هو المعنى الذي ذكر قبل هذا، على أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] يرد هذا القول. وقيل: المراد يولد في ابتداء الخلقة في علم اللَّه مؤمنًا أو كافرًا، سعيدًا أو شقيًا، فأبواه يهودانه أي: في حكم الدنيا، وهذا المعنى ركيك، فإنه لا جودة لتعقيب قوله: (فأبواه يهودانه) على خلقه كافرًا شقيًّا، وإنما يحسن على خلقه مؤمنًا سعيدًا، على أن الحق أن الفطرة غير السابقة الأزلية الحاكمة بالشقاوة والسعادة، وعلى حكم السابقة ورود قوله ﷺ : (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا). فلما استبان لك ما ذكرنا ظهر أن الوجه هو أن المراد من الفطرة التمكن من معرفة الحق بخلق العقل فيه بحيث لو نظر نظرًا صحيحًا أدرك الحق واختار دين الإسلام، واختيار الكفر إنما هو بالعوارض والعوائق التي يصدّ عن النظر الصحيح والجريان على حكم الفطرة، ولعلنا كنا نختار من الأول هذا القول، ولم نذكر ما سواه تركًا للتطويل والانتشار، ولكن القلم جرى ما جرى بتقدير القادر المختار، وهو أعلم وعلمه أحكم. وقوله: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء) قال الطيبي (١): قوله: (كما) إما حال

стр. 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من الضمير المنصوب في (يهودانه) مثلًا، فالمعنى: يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة مشبهًا بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة، وإما صفة مصدر محذوف، أي يغيرانه تغيرًا مثل تغيرهم البهيمة السليمة، فالأفعال الثلاثة تنازعت في (كما)، انتهى. ولا يخفى أن الظاهر أن يكون حالًا من ضمير يولد؛ لأن المشبه به تنتج البهيمة جمعاء، أي تامة كاملة سليمة الأعضاء جامعة لأعضائها، ويشابه ولادة المولود على الفطرة، نعم يصح ما قال نظرًا إلى حاصل المعنى ومآله وكأنه لاحظ قربه منه. و(تنتج) بلفظ المجهول هكذا لفظ العرب، يقال: نتجت الناقة بلفظ المجهول: إذا ولدت، ونتجها أهلها: إذا ولّدها من التوليد وتولها نتاجها وهي منتوجة، كما يقال: نفست المرأة فهي منفوسة، والمتولى نتاجها ناتج، والناتج للبهائم كالقابلة للنساء، فقوله: (بهيمة) مفعول ثان، و (جمعاء) صفتها، ويروى أنتج على بناء الفاعل من الإنتاج، وهو ضعيف؛ لأن أنتجت الفوس بمعنى حان نتاجها، وقيل: استبان حملها، وقيل: أنتج لغة في نتج بمعنى تولى ولادتها، فيجوز أن يكون تنتج مجهولّا من الإنتاج أيضًا بهذا المعنى، كذا في (القاموس) و (الصحاح) (١). وقال التُّورِبِشْتِي: لم يستعملوه إلا على هذا الوجه، ولكن قال القاضي عياض في (المشارق) (٢): أنتجت الفرس بمعنى حملت وولدت، ويوافقه ما يقع في عبارة

стр. 364

هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ " [الروم: ٣٠]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٥٨، ١٣٥٩، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩، م: ٢٦٥٨]. ٩١ - [١٣] وَعَنْ أبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . . ــ المصنفين: ينتج ومنتج بلفظ المعلوم، ويؤيد رواية المجهول ما في سنن أبي داود (١): (كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء) أي: يوالدها، واللَّه أعلم. وقوله: (هل تحسون) بصيغة المعلوم من الإحساس (فيها من جدعاء) في (القاموس) (٢): الجدع قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة، والمراد ناقصة الخلقة، والمعنى: أن البهيمة تولد سوية الأطراف سليمة من الجدع، فلولا تعرض الناس لبقيت كما ولدت. وقوله: (ثم يقول) عدل عن لفظ الماضي إلى المضارع إحضارًا لتلك الصورة البديعة كما قالوا. ٩١ - [١٣] (أبو موسى) قوله: (قام فينا رسول اللَّه ﷺ ) كناية عن التذكير، أي: خطبنا وذكرنا، هذا اللفظ كثير الوقوع في الأحاديث، وكانت عادته ﷺ أنه إذا أراد أن يعظ أصحابه ومن حضره من الوفود ويذكرهم بأحكام اللَّه قام فيهم قيامًا وخطب، وفي حديث أوس الثقفي: (كان النبي ﷺ ينصرف إلينا بعد العشاء فيحدثنا قائمًا على رجليه حتى يراوح بين قدميه من طول القيام) (٣)، فعلى هذا يمكن حمله على حقيقة

стр. 365

بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْل، ــ القيام، وقال التُّورِبِشْتِي (١): وإنما سلكنا ذلك المسلك لما عرفنا من سنته في ذلك وإن اقتضينا ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى أنه قام بحفظ تلك الكلمات لأن القيام بالشيء هو المراعاة والحفظ له. وقوله: (بخمس كلمات) أي: بخمس فصول، والكلمة تطلق على الجملة المركبة المفيدة، في (القاموس): الكلمة: اللفظ والقصيدة. وأولى الكلمات: (إن اللَّه لا ينام)، والثانية: (ولا ينبغي له أن ينام)، وهي مغايرة للأولى لأنه لا يلزم من عدم صدور المنام عدم جوازه، ولكنها يؤكدها ويقررها، والثالثة: (يخفض القسط ويرفعه)، والرابعة: (يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل)، والخامسة: (حجابه النور) هكذا قالوا، والمراد بالقسط إما الرزق، في (القاموس) (٢): القسط بالكسر: العدل والحصة والنصيب والرزق والميزان، فيكون في معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، أو الميزان، وهذا أظهر وأنسب لما في حديث أبي هريرة: (بيده الميزان يخفض ويرفع) (٣). ومعنى خفض الميزان ورفعه: وزن أرزاق العباد النازلة من جناب تقديره تعالى وأعمالهم الصاعدة إلى حضرته وتعريف مقاديرهما للموكلين عليها، أو هو إشارة

стр. 366

حِجَابُهُ النُّورُ. . . . ــ إلى أن اللَّه كل يوم هو في شأن وأنه يحكم في خلقه بميزان العدل، ويقع هذا المعنى كالتقرير لقوله: (ولا ينبغي أن ينام)، لأن النوم ينافي دوام التصرف في الملك في كل آن وفي كل حين. والمقصود من رفع عمل الليل قبل عمل النهار مسارعة الملائكة الموكلين بأعمال العباد فيما أمروا به، وسرعة عروجهم إلى محال العرض في مصاعد السماوات، وقدرتهم على رفع الأعمال في أدنى ساعة بل في لمحة لأنه لا فاصلة بين اليل والنهار إلا آن وجزء لا يتجزئ هو حد مشترك بينهما، وهذا إذا كان المراد بقوله قبل عمل النهار قبل شروع العبد في عمله، وإن كان المراد قبل رفع النهار فالمعنى لا يؤخر في رفع عمل الليل، ولا يتوقف على انضمام عمل النهار إليه، بل يعرض كل منهما على حدة، إذ قد وكل لكل منهما ملائكة معقبات، وكلا المعنيين صحيح، والثاني هو المتبادر من العبارة وإن كان الأول أبلغ في المعنى، فافهم. وقوله: (حجابه النور) أي: أنوار جلاله وأشعة عظمته وكبريائه التي تدهش دونها العقول، وتكل الأبصار، وتحير البصائر، والحجاب ههنا يرجع إلى الخلق؛ لأنهم هم المحجوبون لا هو على مثال العُميان بالنسبة إلى الشمس، ولا يقال: محجوب بل المحتجب؛ لأن المحجوب مغلوب ومقهور للحاجب الذي يستره، والمحتجب من احتجب بذاته واستتر لمنعه الغير عن إدراكه، ويحتمل أن يكون معناه أنه محتجب لشدة ظهوره كجرم الشمس تكل به العين. والتحقيق أن صفاته التي هي أنوار ذاته هي الحجاب له؛ إذ الصفات هي حجب الذات ولا تدرك الذات من حيث هي هي، وإنما تدرك بصفة من الصفات، وكل

стр. 367

لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ". رَوَاهُ مُسْلِم [م: ١٧٩]. ٩٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَدُ اللَّهِ مَلأَى. . . . ــ ما يدخل في الإدراك فهو صفة ونور من أنواره، واللَّه تعالى وراءه، وتعالى اللَّه عن أن تدركه العقول والبصائر، ولو كشفت وأزيلت أنوار الصفات وتجلى الذات البحت، لأحرقت تجليات ذاته الخلائق، واضمحلت الأكوان بسطوة أحدية الذات ولم يبق إلا اللَّه الواحد القهار. و(سبحات) بضمتين: جمع سبحة بالضم والسكون كغرفة وغرفات، قال أبو عبيد: وهو نور وجهه، وقال في (القاموس) (١): سبحات وجه اللَّه: أنواره، ولا يخفى أنها تكون غير النور الذي هو حجابه؛ لأنه فرض مكشوفًا، فهذا نور الذات وتلك أنوار الصفات على ما بينا، أفردت لإرادة الجنس وكأنه سمي سبحة لأن الرائين من الملائكة وغيرهم يسبحون عند رؤيته لما يروعهم ويدهشهم من جلال اللَّه وعظمته، والمراد بما انتهى إليه بصر المخلوقات؛ لأن بصر اللَّه يحيط بجميع الكائنات ويصل إلى نهايتها. ٩٢ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (يد اللَّه ملآى) قد علم الاختلاف في تأويل أمثال هذه الألفاظ وتركه والتوقف في كيفيتها، والمناسب للمقام تأويل اليد بالنعمة والنوال، وقيل: المراد باليد الخزائن، والتحقيق أن هذه العبارات كنايات عن معاني

стр. 368

لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، ــ إجمالًا، ولا ينظر إلى تفاصيل مفرداتها، كالاستواء على العرش كناية عن الملك ونفوذ الأمر، وبسط اليد كناية عن الجود، والطي باليمين كناية عن التصرف من غير أن يكون هنا استواء عرش ويد وبسط ويمين وطي على ما بيّن في موضعه، فالألفاظ المذكورة في الحديث كناية عن فضل الغنى وكمال السعة ونهاية الجود وغاية العطايا، فـ (ملآى) مؤنث ملآن خبر (يد اللَّه)، في (القاموس) (١): ملأه كمنعه يملأه بالفتح والكسر وهو ملَان وهي ملآى وملآنة، انتهى. وقوله: (لا تغيضها) خبر ثان أي: لا تنقصها، من غاض الماء غيضًا: قلَّ وانتقص، كانغاض، وغاض الماء وثمن السلعة: نقصهما كأغاض، لازم ومتعد، واستعمل في الحديث متعديًا، (سحاء) خبر ثالث من السح، وهو الصب والسيلان من فوق، يقال: سحّ الماء يسحّ سحًا أي: سال من فوق، وكذلك المطر والدمع، ففيه وصف يد اللَّه في الإعطاء بالتفوق والاستعلاء، ووصف عطائه بالجزالة والغزارة باعتبار معنى السيلان، يقال: مطر سحّاح أي: شديد السحّ، وليس للفظ سحاء ذكر على أفعل، ومثله ديمة هطلاء، ولم يرد أهطل، والليل والنهار منصوبان على الظرفية لسحاء، أي: دائم عطائه غير منقطع، و (أرأيتم) خطاب عام، ويجيء في الجمع كما يجيء في الواحد، وفي الواحد أكثر، والهمزة للتقرير، و (ما) في (ما أنفق) موصولة أو موصوفة أو استفهامية، وهو أنسب بقوله: (أرأيتم). وفي قوله: (فإنه لم يغض) استعمل الغيض لازمًا و (ما في يده) فاعله أو فيه

стр. 369

وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَع". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "يَمِينُ اللَّهِ مَلأَى -قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلآنُ- سَحَّاءُ لَا يُغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ". [خ: ٤٦٨٤، م: ٩٩٣]. ٩٣ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكينَ، قَالَ: . . . . ــ ضمير للإنفاق و (ما في يده) مفعوله. وقوله: (وكان عرشه على الماء) حال من فاعل خلق، وقد عرفت معناه في الحديث الأول من الفصل، وسيجيء في (باب بدء الخلق)، وكذا قوله: (وبيده الميزان)، ويجوز أن يكون مستأنفًا؛ لأن الأمر بيده دائمًا، ولكن في جعله حالًا من فاعل (خلق) إشارة إلى سبق التقدير. وقوله: (وفي رواية مسلم: يمين اللَّه ملأى) وهو يناسب المقام لأن العطاء يكون باليمين عادة، وقد ورد (كلتا يدي الرحمن يمين). وقوله: (وقال ابن نمير) على صيغة التصغير، وهو عبد اللَّه بن نمير شيخ مسلم وقع في روايته: (يد اللَّه ملآن)، وهو صحيح؛ لأن المراد بيد اللَّه فضله وإحسانه، ورواية (ملآى) أكثر وأشهر وأظهر. ٩٣ - [١٥] (أبو هريرة)، قوله: (عن ذراري المشركين) ذراري جمع ذرية بالضم ويكسر، والذر تفريق الحب والملح ونحوه، كذا في (القاموس) (١)، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): هو من ذرأ الخلق يذرأهم أي: خلقهم، وقد تركت العرب همزة الذرية

стр. 370

"اللَّهُ أعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٨٤، م: ٢٦٥٩]. ــ كتركهم في رَوِيَّة وبَرِيَّة، والذرية نسل الثقلين الرجال والنساء، وأصلها الصغار، وتقع في المتعارف على الصغار والكبار، ويستعمل للواحد والجمع، وأصلها الجمع، وقال البيضاوي (١): الذرية فعلية من الذر، أو فعولة من الذرأ، أبدلت همزتها ياء، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت. وقوله: (اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) قال التُّورِبِشْتِي (٢). يحتمل أنه لم ينبأ عن حدوث هذا السؤال عن حقيقة أمرهم، فتوقف فيه، أو علم ولم يؤذن له في الكشف عنه رعاية لمصلحة العباد فأجاب عنه بما أجاب، أي: اللَّه أعلم بما هم صائرون إليه، وبما هو كائن من أمرهم، يدخلون الجنة آمنين مُنعَّمين أم يردون النار لابسين معذبين، أم يتركون ما بين المنزلتين، ويحتمل أنه علق أمرهم بما علم اللَّه من عاقبة أمرهم لو تركوا فعاشوا حتى بلغوا الحنث. والمعنى أن من علم اللَّه منه أنه لو أمهل حتى بلغ الحنث عنده، ثم مات على الإيمان أدخله الجنة، ومن علم منه أنه يفجر ويكفر أدخله النار، وفي هذا التأويل نظر؛ لأنا ننفي في أصل الدين ومنهاج الشرع أن يعذب العصاة على معصية كانت تقع منهم لو طالت بهم الحياة، ولأنا ننفي ذلك عن الأطفال -وهم أضعف بنية وأقل قوة- أحق وأجدر. وبعد فاعلم أن مبنى اختلاف التأويل في هذا الحديث على اختلاف المسلمين في ولدان المشركين، فمنهم من يسكت عنه ولا يقطع في أمرهم بشيء، ومنهم من

стр. 371

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٩٤ - [١٦] وَعَن عبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، ــ يعلق أمرهم بما علم اللَّه منهم كما قدمناه، ومنهم من يقول: إنهم مع آبائهم وأمهاتهم في النار كما هم يتبعونهم في كفرهم في هذه الدار، ومنهم من يقول: إن المولود لو مات قبل أن يبلغ الاختيار زال عنه ولاية الأبوين فيزول عنه ما كان فيه من تغيير الدين، فيرجع إلى ما كان عليه من أصل الفطرة، فيصير بذلك من أهل الجنة، ومنهم من يقول: إنهم لما علموا ما يتابعون به، ولم يجترحوا ما يعاقبوا عليه، ولا مقر في الآخرة إلا في إحدى الدارين، وإحداهما ينفيها العدل والأخرى يقتضيها الفضل، فيقول: إنهم يدخلون الجنة لا على سبيل الاستقلال بل يكونون لأهلها كخدام الملوك في قصورهم ومنازلهم، ومنهم من يقول: إنهم كائنون بين الجنة والنار لا منعمين ولا معذبين. قلت: والقول المبني على قاعدة أصول الدين هو أن لا يقطع في أمرهم بشيء وما عداه فإنه إما مستنبط بالرأي والقياس، وإما مأخوذ من الأخبار الواهنة، وأمثال ذلك لا يتلقى إلا من جهة الرسول ﷺ بالنقل الذي ينقطع العذر دونه، ولم يوجد هنالك فوجب التوقف، واللَّه أعلم، هذا كلام الشيخ التُّورِبِشْتِي نقلته بعبارته مفيد في هذا المقام يذهب بالإجمال في هذا الباب، واللَّه أعلم بالصواب. الفصل الثاني ٩٤ - [١٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (إن أول ما خلق اللَّه القلم) (١) هو

стр. 372

فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٢١٥٥]. ــ بالرفع، وقد يروى بالنصب، فإن صحت كان على لغة من ينصب خبر إن، وقيل: بتقدير كان، وقد قيل بالوجهين في قوله: يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا. وقوله: (فكتب ما كان) إخبار من النبي ﷺ باعتبار حاله وزمانه، وليس حكاية عما أمر القلم بكتابته، وإلا لقيل: ما يكون؛ لأنه ليس في ذلك الوقت شيء مضى، ويمكن أيضًا أن يقال: إن كتابة المقادير كان فيما لا يزال قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان حينئذ عرشه على الماء مخلوقًا قبله، فيكون المراد بما كان: ما هو قبل الكتابة مما كان بعد العرش والماء، وقد سبق توجيهه في الفصل الأول (١)، أو نقول: ما كان وما يكون كناية عن الكل من غير أن يكون المراد ما سبق وما يأتي. وقوله: (هذا حديث غريب إسنادًا) اعلم أن المحدثين تكلموا في حديث: (أول ما خلق اللَّه العقل)، وقالوا: إنه موضوع، وقال السيوطي: له أصل صالح خلافًا لمن قال بوضعه، وقد ذكرنا طرق ذلك وما يتعلق به من الكلام في (شرح سفر السعادة)، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني (٢): حديث: (أول ما خلق اللَّه القلم) أثبت من حديث العقل، ويظهر من هذه العبارة أن في هذا الحديث أيضًا مقالًا، واللَّه أعلم.

стр. 373

٩٥ - [١٧] وَعَن مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ، ــ ٩٥ - [١٧] (مسلم بن يسار) قوله: (ثم مسح) المسح إمرار اليد على الشيء، والماسح إما ملك مأمور بذلك، فأسند إلى اللَّه تعالى لأنه الآمر كما في قولهم: بنى الأمير المدينة، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] والمتوفي هو الملك، أو مسح بمعنى قدر، من مسح بمعنى ذرع، في (القاموس) (١): المسح الذَّرْعُ، كالمِساحة بالكسر، وهو أيضًا مجاز ومؤول وهو من المتشابهات، وفي ذكر لفظ اليمين تنبيه على تخصيص آدم بالكرامة والفضيلة، وكلتا يدي الرحمن يمين، ويحتمل أن يكون اليمين بمعنى القوة، في (القاموس) (٢): اليمين ضد اليسار، والبركة، والقوة. ثم اعلم أن الكلام في هذا المقام كثير، وخلاصته: أن بعض المفسرين فسروا الآية بأن المراد بأخذ الذرية من ظهور بني آدم إخراجهم من أصلابهم نسلًا وتوالدًا على مر الزمان وإشهادهم على أنفسهم وأخذ الإقرار منهم بقوله: ﴿لَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وإقرارهم بذلك بقولهم ﴿بَلَى﴾ تمثيل وتخييل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على الربوبية والواحدانية، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم

стр. 374

وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ"، فقَالَ رَجُلٌ: . . . . ــ وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وكأنهم قالوا: ﴿بَلَى﴾ أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بربوبيتك ووحدانيتك. قال صاحب (الكشاف) (١): وباب التمثيل واسع في كلام اللَّه ورسوله وفي كلام العرب، ولم يفسروا الآية بقصة إخراج الذرية من ظهر آدم كالذر، وإحيائهم وإعطائهم العقل والنطق، وإقرارهم بذلك قولًا في يوم الميثاق كما جاء في الأخبار، والباعث لهم على هذه القصة ظاهر لفظ الآية؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقيل: وإذ أخذنا من آدم من ظهره ذريته، وكما أن ظاهر لفظ الآية كان فيما فسروها به كذلك لا شك أن ظاهر لفظ الحديث في الذرية من ظهر آدم كما هو القصة المشهورة في يوم الميثاق، فيكون بينه وبين الآية منافاة، فأجاب الإمام الرازي (٢) بأنه لا منافاة؛ لأن الآية ساكتة عن إخراج الذرية من صلب آدم لا تدل على ثبوته ولا على نفيه، بل إنما تدل على إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالتناسل، وإثبات الحجة عليهم، ولكن قصة إخراج الذرية من ظهر آدم وأخذ الميثاق منهم أيضًا ثابتة بدلالة الأخبار والأحاديث فلا منافاة. بقي الكلام في توجيه كون الحديث جوابًا عن سؤال السائل عن الآية، والظاهر منه أن يكون الحديث تفسيرًا للآية، وبيانًا للمراد منها، فقيل في ذلك: إن المراد من ﴿بَنِي آدَمَ﴾ في الآية آدم وأولاده، كأنه صار اسمًا للنوع كما قيل في قوله ﷺ : (أنا سيد

стр. 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولد آدم) أن المراد به نوع الإنسان، فيشتمل آدم وأولاده لحديث: (آدم ومن دونه تحت لوائي)، واقتصر في الحديث على (آدم) اكتفاءً بذكر الأصل عن الفرع، فيكون المراد من الآية والحديث كليهما الإخراج بالتوليد والإشهاد بنصب الدلائل وتركيب العقول، فيصح كون الحديث جوابًا عن السؤال عن الآية وتفسيرًا لها، ولهذا التوجيه مع ما فيه من ارتكاب التكلف وإن أمكن جريانه في هذا الحديث، لكن حديث أبي هريرة وكذا حديث ابن عباس الآتيان في الفصل الثالث (برقم: ١١٨ و ١٢١) يضعفان هذا التوجيه؛ لأنهما صريحان في إخراج الذرية من ظهر آدم ونشرهم بين يديه إلى آخر ما يقال في قصة يوم الميثاق. وقد يقال: إن ذينك الحديثين لا تعلق لهما بالآية، ولم يذكرا في جواب السؤال عنها، فهما محمولان على قصة يوم الميثاق، أما هذا الحديث المذكور ههنا في جواب السائل عن الآية فليس صريحًا في القصة المذكورة فليكن محمولًا على ما فسروا به الآية، وهذا القول ضعيف؛ لأن الظاهر أن الأحاديث الواردة في هذا الباب محمولة على محل واحد كما لا يخفى. وغاية ما يقال: إن ههنا إخراجين وميثاقين: أحدهما في عالم الغيب، والآخر في عالم الشهادة، والأول إخراج الذرية من ظهر آدم ونشرهم بين يديه وأخذ الإقرار منهم، وهو قالي أخبر به في الأحاديث، والثاني من ذرية بني آدم نسلًا، وهو حالي بنصب الدلائل أخبر به بالآية. والجواب: الحديث في مقابلة السؤال عن الآية وقع على طريقة الأسلوب الحكيم كأنه قال: الميثاق المسؤول عنه ظاهر مكشوف لا حاجة إلى السؤال عنه،

стр. 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لكن ههنا ميثاق آخر خفي عن العقول فاسألوا عن ذلك واسمعوا جوابه، وفائدة اختيار هذا الأسلوب ههنا توكيد الميثاقين والإقامة على عهدين، هذا تحقيق كلامهم، وحاصله حمل الآية على ما فسروا به، وحمل الحديث إما عليه أو جعل الجواب على الأسلوب الحكيم، واعلم أيضًا أن التفسير المذكور للآية أصله من صاحب (الكشاف) بل من المعتزلة كلهم وتبعهم غيرهم، ولهذا قال الإمام: أطبق المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير الآية بالحديث، وهو بناء على مذهب القدر؛ لأن هذه الأحاديث تثبت سبق القضاء والتقدير، ولا نزاع في جواز تفسيرها بما فسروا ولكنه ليس بواجب بل فسرها بعض علماء السنة والجماعة بما يوافق هذه الأحاديث على ما هو قصة يوم الميثاق. وأما قولهم: لو كان المراد إخراجهم من ظهر آدم لما قال: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، بل يجب أن يقول: من ظهره ذريته، فجوابه أن المراد آدم وذريته، وإنما ذكر إخراج الذراري من أصلاب أولاده لا ذراري نفسه؛ لأنه لا حاجة إلى ذكر إخراج الذراري من صلب آدم؛ لأنه ظاهر لكونه أبا البشر كلهم، ولأن الكلام في الاحتجاج على الأولاد من اليهود وغيرهم، ويعضده ما رواه الواحدي عن الكسائي أنه قال: لم يذكر ظهر آدم، وإنما أخرجوا جميعًا من ظهره؛ لأن اللَّه تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء فاستغنى عن ذكر ظهر آدم، لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره، كذا ذكر الطيبي في شرح (الكشاف) (١).

стр. 377

فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُدْخِلُهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ٣٣٣٧، ت: ٣٠٧٥، د: ٤٧٠٥]. ٩٦ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدَيْهِ كِتَابَانِ، ــ وقوله: (ففيم العمل؟ ) في بمعنى اللام، أو المراد في أي شيء يفيد العمل؟ ولا يخفى أنه لا يتجه هذا السؤال بعد قوله ﷺ : (وبعمل أهل الجنة يعملون) إلا أن يراد ففيم العمل بالتكليف، وهو أيضًا ليس بشيء فإن اللَّه قد كلف وأمر ونهى، فما السؤال بعد ذلك إلا على اللَّه سبحانه، ولا يسأل عما يفعل، وله حكم ومصالح وأسرار لا يعلمها إلا هو، وقد مر بيانه مرارًا. ٩٦ - [١٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وفي يديه كتابان) قال أهل الظاهر من العلم: إنه مجاز وتمثيل وتعبير عن المعنى بالصورة مبالغةً في تحققه وتيقنه، وقال أهل الباطن منه وأرباب المكاشفة: إنه حق ومحمول على الحقيقة لا مجاز فيه أصلًا. قال الإمام الغزالي: امتياز الخواص من العوام بأن ما يحصل للعامة من العلوم بالكسب والتعلم يحصل للخواص من غير تعلم وكسب بل من عند اللَّه العليم الحكيم، وذلك هو العلم اللدني، وبأن ما يراه العامة في المنام يراه الخواص في اليقظة. وقال الشيخ التُّورِبِشْتِي (١) في شرح الحديث بعد ما نفى استبعاد حمله على الحقيقة

стр. 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لقدرة اللَّه سبحانه واستعداد النبي ﷺ لذلك: قد سمعت من اشتهر -أظن أن المراد به الإمام الغزالي واللَّه أعلم- في زماننا بالرسوخ في علم النظر، ثم أيد من مكاشفات الصوفية بما يعز مثله في الشاهد يقول: من لم يعتقد أن للَّه عبادًا يشاهدون في حال اليقظة ما لا يمكن لغيرهم أن يراه إلا في حالة النوم لم يهتد إلى حقيقة الإيمان بالنبوة، وإذا كان من حق الإيمان أن لا يقابل أمثال ذلك في أتباع الأنبياء بالنكير، ولا يستبدع الاطلاع على مثل هذه الأحوال والمكاشفة بنظائر هذه الآية في حق خواص الأمة، فكيف بمن هو سيد المرسلين وأعلاهم رتبة وأغزرهم علمًا وأوفرهم حظًا؟ ﷺ أفضل صلاة صلاها على نبي من أنبيائه. وأما قول الراوي: (خرج إلينا رسول اللَّه ﷺ وفي يديه كتابان) فإنه أخبر بما يقتضيه ظاهر قول رسول اللَّه ﷺ مبالغةً في التصديق بما يقول، واستقصاءً في تحقيق ما يخبر عنه، وهذا هو حق اليقين في أمر رسول اللَّه ﷺ ، وواجب الأدب على السامع في استماع ما ينتهى منه إليه، ومن أوتي بصيرة في أمر الدين، فليكن وثوقه بما يخبر عنه الرسول ﷺ أعرق من وثوقه بما يراه ويشاهده، انتهى. وهذا الكلام حق صادر من عين اليقين وحقيقة الإيمان رحم اللَّه قائله، وأما قوله في الراوي: إنه أخبر بما يقتضيه ظاهر قول رسول اللَّه ﷺ مبالغة في التصديق بما يقول، فظاهر الأمر كما قال، ولكن يمكن أن رآه الراوي أيضًا بإراءة النبي ﷺ وإطلاعه إياه على ذلك، كيف وأصحاب النبي ﷺ من خواص الأمة، وقدوة العارفين، وقد ينقل أن بعضهم كانوا يرون بعض المغيبات في المشهود في مجلسه ﷺ في بعض الأحيان، وبعضهم رأى جبرئيل في غير صورة دحية كعائشة وابن عباس.

стр. 379

فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟ " قُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: "هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِم وقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا"، ــ وقوله ﷺ : (أتدرون ما هذان الكتابان؟ ) ظاهره أنهم كانوا يرون الكتابين ولا يدرون ما فيها، واللَّه أعلم. وقوله: (إلا أن تخبرنا) أي: لا نعلمه في وقت من الأوقات إلا وقت أخبارك، وحاصله: أنا لا نقدر على العلم به إلا بأخبارك، وهو طلب واستخبار عنه ﷺ بذلك. وقوله: (فقال للذي) (١) أي لأجله كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، قال النحويون: إن اللام بمعنى عن، والخطاب ليس مع المؤمنين وإلا لكان الظاهر أن يقول: ما سبقتم، وقيل: الخطاب مع بعض المؤمنين والضمير لبعض آخر منهم. وقوله: (وأسماء آبائهم وقبائلهم) تعيينًا لهم سواء كان آباؤهم وقبائلهم من أهل الجنة أو من أهل النار، وهم أيضًا مكتويون ومكتوب أسماء آبائهم وقبائلهم، فافهم. وقوله: (ثم أجمل على آخرهم) أي: أوقع الإجمال على آخرهم على ما هو عادة أهل الحساب، يقال: أجملت الحساب: رددته إلى الجملة، ويقال له: فذلك بفتح فسكون وفتح؛ لأنه يقال: فذلك كذا، كما يقال: عشرة واثنان وثمانية فذلك عشرون كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. وقوله: (فلا يزاد فيهم ولا ينقص) متفرع على اليقين وإيقاع الإجمال المفيدَين

стр. 380

ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: "هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا"، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ. . . . ــ لغاية الضبط والتعيين. وقوله: (فقال: سدّدوا وقاربوا) أي: مالكم تذكرون القدر واعملوا وسددوا أعمالكم. في (القاموس) (١): سدّده تسديدًا: قَوَّمه، ووفَّقَه للسداد أي: الصواب من القول والعمل، واستدّ: استقام، وأَسَدَّ: أصابَ السدادَ أو طلبه، والسَّدَدُ: الاستقامة كالسداد. وفي (مجمع البحار) (٢): (سدّدوا وقاربوا) أي: اطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة، وهو القصد في الأمر والعدل فيه، وقال: (سدّدوا) أي: اطلبوا السداد أي: الصواب بين الإفراط والتفريط، وإن عجزتم عنه فقاربوا أي اقربوا منه، وروي (قربوا) أي: غيركم إليه، وقيل: قاربوا أي: اطلبوا قربة اللَّه، وقيل: قاربوا تأكيد للتسديد. وقوله: (ثم قال رسول اللَّه ﷺ بيديه) أي: أشار بهما، والقول يستعمل مجازًا في كثير من الأفعال، قال بيده، وقال برأسه، وقال برجله، أي: أشار، وهذا اللفظ كثير في الأحاديث.

стр. 381

فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: "فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ " [الشورى: ٧]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢١٤١]. ٩٧ - [١٩] وَعَنْ أبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: "هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّه". رَوَاهُ. . . . ــ وقوله: (فنبذهما) أي: أشار بيديه إلى وراء ظهره كناية عن أن هذا الأمر قد فرغ، فصار بمنزلة ما تخلفه وراء ظهرك، كذا قال الشراح. وفي (القاموس) (١) النبذ: طرحك الشيء أمامك أو وراءك، أو عام، والفعل كضرب. ٩٧ - [١٩] (أبو خزامة) قوله: (عن أبي خزامة) (٢) بكسر المعجمة وبالزاي، قال: (أرأيت رقًى) أي: أخبرني عن رقًى، وهو جمع رقية على وزن ظلمة، وهي العوذة من ضرب. (نسترقيها) أي: نسترقي بها، وسيجيء في (كتاب الطب والرقى) حكمها منعًا وإباحة، (وتقاة) وقى يقي وقيًا ووقايةً: صانه، والوَقاء وبكسر، والوقاة مثلثة: ما وقيت به، وقد تبدل واؤه تاءً. (تنقيها) أي: نتقي بها، وثلاثتها منصوبة بنزع الخافض. وقوله: (هي من قدر اللَّه) يعني أن القدر شامل للأسباب والمسببات والشرائط

стр. 382

أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٣/ ٤٢١، ت: ٢٠٦٥، جه: ٣٤٣٧]. ٩٨ - [٢٠] وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنتَيْهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: "أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُم عَزَمْتُ عَلَيْكُم أَلَّا تَتَنَازَعُوا فِيهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٣٣]. ٩٩ - [٢١] ورَوَى ابْنُ مَاجَه فِي الْقَدَرِ نَحْوَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. [جه: ٣٤٣٧]. ١٠٠ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ. . . . ــ والمشروط بها، ولا يخرج عن حيطته شيء، وهذا كسؤال الصحابة بعد سماع خبر القضاء والقدر (ففيم العمل)، وجوابه ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له). ٩٨، ٩٩ - [٢٠، ٢١] (أبو هريرة) قوله: (فقئ) على صيغة المجهول من فقأ العين والبشرة ونحوهما كمنع: كسرها، و (وجنتيه) تثنية وجنة مثلثة وككلمة ومحركة: ما ارتفع من الخدين، و (عزمت عليكم) أي: أقسمت، في (القاموس) (١): عزم على الأمر: أراد فعله وقطع عليه، أَوْ جَدَّ في الأمر، وعلى الرجل: أقسم. ١٠٠ - [٢٢] (أبو موسى) قوله: (من قبضة) في (القاموس) (٢): القبضة وضمُّه

стр. 383

قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤٠٠، ٤٠٦، ت: ٢٩٥٥، د: ٤٦٩٣]. ١٠١ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، ــ أكثر: ما قَبَضْتَ عليه من شيء، والظاهر أنه متعلق بخلق، ومن ابتدائية وتعلقه بآدم، وكون (من) بيانية -وجوزها الطيبي- بعيد جدًا، (قبضها) أي: أمر الملك بقبضها. وقوله: (والسهل والحزن والخبيث والطيب) في (القاموس) (١): السهل، وككتف: كل شيء إلى اللين، ومن الأرض: ضد الحزن، وهو ما غلظ من الأرض، والخبيث ضد الطيب، انتهى. والخبيث في الأرض أن يكون سبخة غير منبتة، والطيب ضده، وهذه الأربع من الصفات الباطنة، والأربعة الأول من الظاهرة. ١٠١ - [٢٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إن اللَّه خلق خلقه في ظلمة) الحديث، قال التُّورِبِشْتِي (٢): يحتمل أن يكون المراد منه بالخلق ههنا الثقلين وهما الجن والإنس، ويحتمل أن يكون المراد منه الإنس. وقوله: (في ظلمة)، أي: كائنين فيها، والمراد بالظلمة: ما جبلوا عليه من الأهواء المضلة والشهوات الْمُرْدِيَة من النفس الأمارة. وقوله: (من نوره) أي: نوره الذي خلقه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] فالإضافة إلى اللَّه إضافة إبداع واختراع على سبيل التكريم كما في قوله

стр. 384

فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِك أَقُولُ: جَفَّ الْقلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ١٧٦، ١٩٧، ت: ٢٦٤٢]. ــ تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ فمن شاء اللَّه هدايته وأصابه من ذلك النور قبله، واعتبر بالآيات واستدل بها بالنظر الصحيح اهتدى، ومن لم يشأ هدايته وحرم من ذلك النور ضل وارتدى، والمراد بإلقاء النور ما بيّن لهم من الحجج النيرة والآيات الباهرة، وإلى مثل هذا المعنى أشير بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] الآية، وقوله سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] ونحوها من الآيات، هذا حاصل كلام التُّورِبِشْتِي، والطيبي مع تنقيح ومحو وإثبات فيه. قال الطيبي (١): ويمكن أن يحمل قوله: (خلقه) على خلق الذر المستخرج في الأزل من صلب آدم، وهذا كما يتراآى أي في بادئ النظر، ليس كما ينبغي لأنه إذ ذاك ظهر الإقرار وأثّرت الأنوار في الكل، فلا يناسب خلقهم في ظلمة وإصابته بعضًا وإخطاؤه آخرين على أن قوله: (في الأزل) ليس بصحيح؛ لأنه وقع بعد خلق آدم بنعمان وادٍ بعرفات، وهكذا وقع في عباراتهم بل واقع في أكثر الأذهان إلا أن يقال: إن ذلك الإقرار بطوع من البعض، وهم الذين ألقي عليهم نور الهداية، وبكره من بعضهم وهم المبقون في الظلمة والمخطؤون النور؛ لأن المراد بالأزل فيها زمان سابق على ظهور التوالد والتناسل بين بني آدم، والحق أن المراد من خلقه هو وقت الولادة من إلقاء النور هو زمان إظهار الشرائع وإعطاء التوفيق للاهتداء.

стр. 385

١٠٢ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينكَ" فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ؛ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢١٤٠، جه: ٣٨٣٤]. ــ وبالجملة: في الحديث دلالة على أن الإنسان خلق على حالة لا ينفك عن الظلمة إلا من أصابه النور الملقى عليه، لكن يتوهم الإشكال في تطبيقه بحديث الفطرة، ولا إشكال لأن حديث الفطرة كما حقق إنما يدل على كون الإنسان متهيأ متمكنًا من إصابة الهدى إن تفكر بالنظر الصحيح وتأمل في الآيات والشواهد، ومع ذلك خلق في ظلمات النفس والطبيعة، وهذا الحديث إنما يدل على أن إصابة الهدى بالنظر إنما هو بمشيئة اللَّه وتوفيقه تعالى وإلقاء نور الهداية في قلبه، وليس مستقلًا مستبدًا بإصابة الهدى، فمن شاء وَفَّقَه للنظر الصحيح وألقى نور الهداية كما هو مقتضى الفطرة الروحانية، ومن لم يشأ لم يوفقه وأوقعه في ظلمة الضلال والغواية كما هو مقتضى النفس والطبيعة الجسمانية. وبالجملة هذا الحديث تنبيه على سابقة التقدير، وعلم اللَّه ومشيئته تعالى، والفطرة -كما نبهنا- هنالك غير السابقة، فلا تنافي بين الحديثين، فتأمل. ١٠٢ - [٢٤] (أنس) قوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي) أضاف القلب إلى ذاته الكريمة تعريضًا لأصحابه، والمقصود الأصلي الدعاء لهم، لأنه ﷺ مأمون العاقبة بلا شبهة، وكذا الحال في جميع ما وقع مثله في الأدعية المأثورة، ولهذا قال أنس ﵁: (فهل تخاف علينا)، إلا أنه لما أضافه ظاهرًا إليه قال: ثبت، وأضاف في حديث

стр. 386

١٠٣ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ يُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٤٠٨]. ــ عبد اللَّه بن عمرو المذكور في الفصل الأول إلى الأصحاب صريحًا فقال: (صرف قلوبنا)، ومعنى الحديثين واحد، وما وقع بينهما من اختلاف في تقديم الدعاء وذكر اسم الجلالة وفي أصابع اللَّه وذكر الدين ههنا، وتأخير الدعاء وذكر اسم الرحمن وذكر طاعتك هناك فمن باب التفنن، مع أنه يمكن أن يكون نقلًا بالمعنى وقع من كل واحد من الصحابة روايته على ما اتفق، وتعرض الطيبي (١) لبيان نكتة هذا الاختلاف بما لا يخلو عن خفاء، واللَّه أعلم. ١٠٣ - [٢٥] (أبو موسى) قوله: (مثل القلب) أي: حاله العجيبة (٢) في تقلبها وتغيرها وتأثيرها بما يرد عليه من الحوادث والخواطر والأحوال، (كريشة) الريشة بالكسر: المطر، وجمعه رياش وأرياش، و (فلاة) بالفتح: المفازة لا ماء فيها، و (بأرض فلاة) بتنوين أرض وبإضافتها، كلاهما روايتان، والإضافة بيانية، والمراد بالرياح هي التي تهب إلى جوانب مختلفة. وقوله: (ظهرًا لبطن) اللام بمعنى (إلى) مفعول مطلق، أي: يقلبها هذا النوع من التقليب، أو حال من الضمير المنصوب في (يقلبها) أي: مختلفة، وقال الطيبي (٣): بدل البعض من ضمير (يقلبها)، ومضمون الحديث: أن القلوب بين الأصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء أي: بقضائه وقدره.

стр. 387

١٠٤ - [٢٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢١٤٥، جه: ٨١]. ١٠٥ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ نَصِيبٌ: الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ــ ١٠٤ - [٢٦] (علي) قوله: (يشهد) تفصيل لقوله: (حتى يؤمن بأربع) كان الظاهر بأن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، لكنه ذكر لفظ الشهادة دلالة على أن النطق باللسان أيضًا ركن، ففيه دليل على أن الإيمان تصديق مع الإقرار. وقوله: (بعثني بالحق) حال مؤكدة أي: قد بعثني، أو خبر بعد خبر إن ذكره تأكيدًا للرسالة، ولا يلزم أن ينطق بهذه اللفظ؛ لأن الإقرار بالرسالة يستلزمه، وكذا الإيمان بالكتب والملائكة. وقوله: (يؤمن بالموت) ثاني الأربع، والمراد موت الدنيا، أي فناؤها وهلاكها بجميع أجزائها، أو المراد أن يعتقد أن الموت بحكم اللَّه لا بالطبيعة وفساد المزاج، (والبعث بعد الموت) ثالثها، والرابع (يؤمن بالقدر) يعني أن الكل بقضاء اللَّه وقدره، ودل الحديث على أن إنكار القدر كفر، ولو أريد نفي الإيمان الكامل لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذلك الحديث الآتي وهو قوله ﷺ . ١٠٥ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية) في (القاموس) (١): الصنف بالكسر والفتح: النوع والضرب،

стр. 388

وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢١٤٩]. ــ والمرجئة من الإرجاء، وهو التأخير، يقال: أرجأ الأمر: أخّره، وترك الهمزة لغة فيه كقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] مؤخّرون حتى ينزل اللَّه فيهم ما يريد، ومنه سُمّيت المرجئة، كذا في (القاموس) (١). وقال التُّورِبِشْتِي (٢): قال ابن قتيبة: المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل؛ لأنهم يقدمون القول ويؤخرون العمل، وتحقيق مذهبهم أنهم لا يعتبرون العمل في الإيمان أصلًا لا جزءًا ولا كمالًا، وقد وجدنا الأكثرين من أهل المعرفة بالملل والنحل ذكروا أن المرجئة هم الفرقة الجبرية الذين يقولون بأن العبد لا فعل له، وإضافة الفعل إليه بمنزلة إضافته إلى الجمادات كما يقال: جرى النهر ودارت الرحى، والجبرية بالتحريك وتسكين الباء لغة فيها، والمتكلمون يسمون المجبرة، وكانت القدرية في الزمان الأول ينسبون من خالفهم إلى الإرجاء، حتى غلط في ذلك جمع من أصحاب الحديث فألحقوا هذا النَّبَزَ بجمع من علماء السلف ظلمًا وعدوانًا، وإنما سميت المجبوة مرجئة لأنهم يؤخرون أمر اللَّه فيرتكبون الكبائر، انتهى. ويسمي صاحب (الكشاف) أهل السنة والجماعة مرجئة، تاب اللَّه عليه. وأما القدرية فينسبون إلى القدر بالتحريك، وقال التُّورِبِشْتِي: ولك أن تسكن الدال، ومذهبهم أن العبد خالق لأفعاله والأمر مستأنف من غير سبق قضاء وقدر، فنسبتهم إلى القدر لأجل إنكارهم القدر، وهم يقولون بأن المثبتين له أحق بهذا الاسم نظرًا إلى ظاهر اللفظ، ولكن الأحاديث صريحة في أن هذا اللفظ اسم لمن أنكره،

стр. 389

١٠٦ - [٢٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ وَمَسْخٌ، ــ فهذان الحديثان وأمثالهما صريحة في تكفيرهم، لكن الصواب أن لا نتسارع إلى تكفير أهل الأهواء المتأولين؛ لأنهم لا يقصدون بذلك اختيار الكفر ولا يرضون به، وقد تمسكوا بالكتاب والسنة ويذلوا جهدهم في إصابة الحق فأخطؤوا، والتكفير لا يطلق إلا بعد البيان الجلي، والفرق ما بين لزوم الكفر والتزامه، وهذا القول هو مذهب المحققين من علماء الأمة نظرًا واحيتاطًا، وقد نهينا عن تكفير أهل القبلة (١)، وكل ما وقع في شأنهم مما يدل على التكفير، فهو من باب الزجر والتشديد والمبالغة في التضليل والمجاز والتمثيل، كيف! وقد تكلّم بعضُ النقاد في أحاديث وردت في شأن هذه الفِرَق، وقالوا: لم تصح وكلّها ضعيفة، نعم لها طرق متعددة متعاضدة، واللَّه أعلم. ١٠٦ - [٢٨] (ابن عمر) قوله: (يكون في أمتي خسف ومسخ) في (القاموس) (٢): خسف المكان يخسف خسوفًا: ذهب في الأرض، وخسف اللَّه بفلان الأرض: غَيَّبه فيها، ومسخه كمنعه: حَوّل صورته إلى أخرى أقبح منها، فهو مسخ ومسيخ، والحديث دل على وقوع المسخ والخسف في هذه الأمة، وقد ورد الحديث بوقوعه في آخر الزمان كما سيجيء في (باب الملاحم) من (كتاب الفتن)، والظاهر أن المراد أمة الدعوة، وقيل: الكلام خرج مخرج الشرطية، أي: إن كان يكون فيهم (٣)،

стр. 390

وَذَلِكَ فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، ورَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ (١). [د: ٤٦١٣، ت: ٢١٥٢]. ١٠٧ - [٢٩] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْقَدَرِّيةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ، ــ واللَّه أعلم. ١٠٧ - [٢٩] (عنه) قوله: (القدرية مجوس هذه الأمة (٢)) أي: يشبهون بهم لأنهم أحدثوا في الإسلام مذهبًا يضاهي مذهب المجوس في إضافة أفعال العباد
следующие страницы →