٣٢٢٥ - [١٦] وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَينِ أَنْ يُؤْكَلَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا. [د: ٣٧٥٤].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٢٢٦ - [١٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُتَبَارِيَانِ لَا يُجَابَانِ، وَلَا يُؤكَلُ طَعَامُهُمَا". قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: يَعْنِي المُتَعَارِضَيْنِ بِالضِّيافَةِ فَخْرًا وَرِياءً.
٣٢٢٧ - [١٨] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إِجَابَةِ طَعَامِ الْفَاسِقينَ.
ــ
٣٢٢٥ - [١٦] (عكرمة) قوله: (عن طعام المتباريين) أي: المتعارضين المغالبين بفعلهما ليرى أيهما يغلب صاحبه، والمباراة: المعارضة، يقال: باراه: عارضه، والسلف كانوا لا يجيبون دعوة المباراة، ولا يأكلون طعام المباهاة.
الفصل الثالث
٣٢٢٦ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (المتباربان لا يجابان) فهم من الحديث الأول كراهة أكل طعامهما، وهو لا ينافي بحسب الظاهر جواز إجابتهما، وصرح في هذا الحديث بكراهة إجابتهما أيضًا.
٣٢٢٧ - [١٨] (عمران بن حصين) قوله: (عن إجابة دعاء الفاسقين) لأن الغالب أن الفاسق لا يحتاط في طعامه وكل الحرام، وأيضًا قد يكون ظالمًا، وقد ورد: (اللهم لا تجعل للظالم عليَّ يدًا).
стр. 3292
٣٢٢٨ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (١): "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِم، فَلْيَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَلَا يَسْأَلْ، وَيَشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ، وَلَا يَسْأَلْ" رَوَى الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَة الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" وَقَالَ: هَذَا إِنْ صَحَّ فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُطْعِمُهُ وَلَا يسْقِيه إِلَّا مَا هُوَ حَلَالٌ عِنْدَهُ [شعب: ٥/ ١٢٩، ٥/ ٦٨، ٥/ ٦٧].
* * *
٩ - باب القسم
ــ
٣٢٢٨ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (ولا يسأل) بحيث يفضي إلى سوء الظن وإيذائه، ويستكشف حقيقة الحالى من غير سؤال وإيذاء، وذلك إذا لم يُعلم فسقُه وظلمُه وتجاوزُه عن الحد، وبالجملة إذا عُلم بيقين أو غلبة الظن أنه محتاط في أمر طعامه فذاك، وإن تساويا فالاحتياط في الترك، وإن كان له وجوه متعددة في الرزق بعضها طيب وبعضها خبيث، وأحسن الظن باحتمال أنه يأكل من الوجوه الطيبة فله وجه الجواز، وإن تعين أنه لا يحتاط، أو تعين أنه يأكل الحرام، أو ليس له إلا مداخل سوء فكلا، واللَّه الموفق.
وفي قوله ﷺ : (على أخيه المسلم) نوع إيماء إلى تحسين الظن، واللَّه أعلم كما ذكر بقوله: (هذا) أي الحديث الأخير (إن صح. . . إلى آخره).
٩ - باب القسم
(القسم) بالفتح: مصدر قسَمَ يقسِمُ، ومنه القسم بين النساء، وبالكسر: النصيب
стр. 3293
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٢٢٩ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ،
ــ
والجزء من الشيء المقسوم، وبالفتحتين بمعنى الحَلِف، والقَسْم يجب للمرأتين وأكثر، فإن ترك وجب قضاؤه للمظلومة، وليس له أن يبيت في نوبةِ واحدةٍ عند أخرى، ولا أن يجمع بين اثنتين في ليلة من غير إرادتهن، وحديث (كان يطوف على نسائه في ليلة) كان قبل أن يجب القسم، أو بإذنهن، والمذهب عند الحنفية أنه لم يكن القسم واجبًا على رسول اللَّه ﷺ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، ورعاية ذلك كان تفضُّلًا لا وجوبًا، واللَّه أعلم.
فإن وهبت واحدة لا يلزم في حق الزوج، بل له أن يدخل على الواهبة، ولا يلزم رضاء الموهوبة، وللواهبة أن ترجع متى شاءت في المستقبل دون الماضي، وإن وهبت للزوج فله أن يجعل نوبتها لمن يشاء، وإن تركت حقها ولم تعيِّن واحدة يُسوِّي بينهن، والقرعة واجبة، وعندنا يُستحب عند السفر، ولا يجب قضاء أيام السفر، ولو خرج بواحدة من غير قوعة يجب القضاء للأخرى، وإن حمل اثنتين بالقرعة فعليه التسوية بينهما، وعماد القسم في حق المقيم الليل، والنهار تبع له، فإن كان الرجل ممن يعمل بالليل فعماده في حقه النهار، وباقي الأحكام والمسائل مذكور في كتب الفقه (١).
الفصل الأول
٣٢٢٩ - [١] (ابن عباس) قوله: (عن تسع نسوة) وهي: عائشة، وحفصة، وأم
стр. 3294
وَكَانَ يَقْسِمُ مِنْهُنَّ لِثَمَانٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٦٧، م: ١٤٦٥].
٣٢٣٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ سَوْدَةَ لَمَّا كَبِرَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ: يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢١٢، م: ١٤٦٣].
٣٢٣١ - [٣] وَعَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ ". . . . .
ــ
حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وصفية، وميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرية رضي اللَّه تعالى عنهن، وقد ذكرناهن وغيرهن من أزواجه ﷺ ، وبعض أحوالهن في (شرح سفر السعادة) (١) فلينظر ثمة.
وقوله: (كان يقسم منهن لثمان) هي المذكورات سوى سودة فإنها وهبت نوبتها لعائشة.
٣٢٣٠ - [٢] (عائشة) قوله: (لما كبرت) بكسر الباء من عَلِمَ فِي السن، وبضم الباء من كَرُمَ فِي القدر، وأراد رسول اللَّه ﷺ أن يطلقها، واتفقت الروايات على إرادة الطلاق، أما وقوعه ففيه خلاف، والأصح عدمه، وسيأتي الكلام فيه في (الفصل الثالث).
٣٢٣١ - [٣] (عائشة) قوله: (أين أنا غدًا؟ ) يريد الاستئذان منهن أن يأذنَّ له أن يكون عند عائشة، (فأذن) بلفظ الواحد المذكر للفصل، وفي بعض النسخ: (فَأَذِنَّ) بلفظ جمع المؤنث من قبيل ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: ٦٢].
стр. 3295
يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٢١٧].
٣٢٣٢ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٨٨، ٢٧٧].
٣٢٣٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدهَا سَبْعًا. . . . . .
ــ
وقوله: (أن (١) يكون حيث شاء) فيه غاية الامتثال والاسترضاء، وإلا كان الظاهر أن يقال: أن يكون في بيت عائشة.
٣٢٣٢ - [٤] (عائشة) قوله: (أقرع بين نسائه) وكان ذاك تفضلًا وتطييبًا لقلوبهن من غير أن يجب ذلك عليه، وهذا مذهبنا كما مر، ومع قطع النظر عن ذلك المسافر مخيَّرٌ، والقرعة أفضل (٢).
٣٢٣٣ - [٥] (أبو قلابة) قوله: (إن (٣) من السنة) أي من جملة السنة هذا الحكم، وهو (إذا تزوج الرجل البكر. . . إلخ) أو يقدر (أنْ) المصدرية قبل قوله: (أقام).
وقوله: (سبعًا) (٤) أي: سبعَ ليالٍ.
стр. 3296
وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَلَو شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢١٤، م: ١٤٦١].
٣٢٣٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ قَالَ لَهَا: "لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ، وَإِنْ شِئْتِ. . . . .
ــ
وقوله: (وقسم) أي: سوَّى بعد ذلك بين القديمة والحديثة.
وقوله: (ثم قسم) لعل إدخال (ثم) ههنا -أعني في الصورة الثانية وهي صورة تزوُّجِ الثيب دون تزوُّجِ البكر- لأن الإقامة عند البكر لما كانت لاستحقاقها ورجحانها ورغبة الزوج عندها فكأنها لم يتراخَ الزمان ولم تمضِ مدة طويلة بخلاف الإقامة عند الثيب، فافهم.
وقوله: (إن أنسًا رفعه) وذلك لأن قول الصحابي: (من السنة كذا) في حكم المرفوع على ما هو المختار؛ لأن السنةَ سنةُ رسول اللَّه ﷺ ، وهو المتبادِرُ، وإن كان يطلق أحيانًا على غيرها كقولهم: سنة العُمَرين، وقد عرف في موضعه.
٣٢٣٤ - [٦] (أبو بكر بن عبد الرحمن) قوله: (ليس بك) أي: ليس بسببك (على أهلك)، يريد نفسه الكريمة ﷺ أو قبيلتها، (هوان) أي: مذلة، أي: ليس اقتصاري على الثلاث لهوانك عليّ ولعدم رغبتي فيك، بل لأن حكم الشرع كذلك، وهذا تمهيد للعذر في الاقتصار على التثليث لها.
وقوله: (إن شئت) أي: التسبيع، والتقدير: إن شئت صحبتي ومخالطتي وعزتك وامتيازك عند الناس (سبعت) بتشديد الباء، أي: أقصت عندك سبعةً، وكذلك أقصت سبعًا عندهن، أي: عند سائر النساء، (وإن شئت) أقمتُ عندك ثلاثةً كما هو حكم
стр. 3297
ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ". قَالَتْ: ثَلِّثْ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ لَهَا: "لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٦٠].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٢٣٥ - [٧] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١١٤٠، د: ٢١٣٤، ن: ٣٩٤٣، جه: ١٩٧١، دي: ٢/ ١٤٤].
٣٢٣٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَتْ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ. . . . .
ــ
الشرع، (ودرت) أي: أطوف حولهن وبِتُّ عندهن كما هو العادة.
(قالت) أي: أمُّ سلمة: (ثلث) على لفظ الأمر من الثلاث، أي أقم ثلاثة أيام عندي على ما هو حقي، ويكفيني ذلك، بقي أنه لما كانت الأيامُ الثلاثة حقَّ الثيب خالصة لها لكان ينبغي أن يدور عليهن أربعًا أربعًا لا سبعًا سبعًا، وأجابوا بأن طلبها لما هو أكثر من حقها أسقط اختصاصها بما كان حقًا مخصوصًا بها، فتدبر.
الفصل الثاني
٣٢٣٥ - [٧] (عائشة) قوله: (هذا قسمي) أي: القسم ورعاية الاعتدال في البيتوتة، والمراد بما (لا أملك) المحبة والجماع.
٣٢٣٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (امرأتان) الظاهر أن الحكم غير مقصور على امرأتين بل اقتصار على الأدنى، فإنه لو كانت ثلاث أو أربع كان السقوط على حسبها،
стр. 3298
فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١١٤١، د: ٣١٣٣، ن: ٣٩٤٢، جه: ١٩٦٩، دي: ٢/ ١٤٣].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٢٣٧ - [٩] عَنْ عَطَاءَ قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ بِسَرِفَ فَقَالَ: هَذِهِ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوهَا وَلَا تُزَلْزِلُوهَا وَارْفُقُوا بِهَا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعُ نِسْوَةٍ كَانَ يَقْسِمُ مِنْهُنَّ لِثَمَانٍ، وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ، قَالَ عَطَاءٌ: الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقْسِمُ لَهَا بَلَغَنَا. . . . .
ــ
واللَّه أعلم.
الفصل الثالث
٣٢٣٧ - [٩] (عطاء) قوله: (بسرف) بفتح السين المهملة وكسر الراء: اسم موضع قريب مكة، فيه قبر ميمونة، وفيه تزوجها، وفيه بنى عليها، وفيه ماتت سنة إحدى وستين، وقيل: إحدى وخمسين، وهذا أشهر، وكانت خالة ابن عباس.
وقوله: (فلا تزعزعوها) الزعزعة: تحريك الشيء بقوة، والزعزعة والزلزلة بمعنى، وفي الأولى معنى الشدة والقوة، ولعله تأكيد، ولعل الزعزعة في رفعها من الأرض، والزلزلة في حملها على الرأس، أي: عظِّموا شأنها برفع جنازتها بتأنٍّ وتأدُّبٍ.
وقوله: (فإنه كان. . . إلخ)، الضمير للشأن، يعني كانت ميمونة من اللاتي يهتم النبي ﷺ بشأنهن، ويقسم بينهن بالسوية، فافهم.
стр. 3299
أَنَّهَا صَفِيَّةُ، وَكَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوتًا، مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٨٠، م: ١٤٦٥].
وَقَالَ رَزِينٌ: قَالَ غَيْرُ عَطَاءٍ: هِيَ سَوْدَةُ وَهُوَ أصَحُّ، وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ حِينَ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلَاقَهَا فَقَالَتْ لَهُ: أَمْسِكْنِي قَدْ وَهَبْتُ. . . . .
ــ
وقوله: (أنها صفية وكانت آخرهن موتًا) ماتت سنة اثنتين وخمسين، وقيل: خمس وخمسين.
وقوله: (وهو أصح) وهو الأشهر، وقال الخطابي: القول بأنها صفية وهم، والغلط فيه من ابن جريجٍ راوي الحديث، وقال عياض: لعل روايته صحيحة، فإنه لما نزل ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] كانت التي أرجاها سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، والتي آوى عائشة وأم سلمة وزينب وحفصة، وتوفي ﷺ وقد آوى إليه جميعهن إلا صفية أرجاها، ولم يقسم لها، فأخبر عطاء عن آخر الأمر، واللَّه أعلم.
وقوله: (حين أراد رسول اللَّه ﷺ طلاقها) يدل على أنه ﷺ أراد طلاق سودة، ولم يطلقها بخلاف ما قال محمد ﵀: بلغنا من رسول اللَّه ﷺ أنه قال لسودة بنت زمعة: اعتدِّي فسألته بوجه اللَّه أن يراجعها ويجعل نوبتها لعائشة ﵂، وما رواه البيهقي (١) عن عروة: أن رسول اللَّه ﷺ طلق سودة، فلما خرج إلى الصلاة أمسكت بثوبه ﷺ ، فقالت: واللَّه مالي إلى الرجال من حاجة، ولكني أريد أن أحشر في نسائك، قال: فراجعها وجعل يومها لعائشة، فهو مرسل، ويمكن الجمع بأنه كان ﷺ طلقها رجعية، والفرقة فيها لا يقع بمجرد الطلاق بل بانقضاء العدة، فمعنى قوله: (أراد طلاقها)
стр. 3300
يَومِي لعَائِشَةَ لَعَليِّ أَكُونُ مِنْ نِسَائِكَ فِي الْجَنَّةِ.
* * *
١٠ - باب عشرة النساء وما لكل واحدة من الحقوق
* الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٢٣٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا. . . . .
ــ
أراد استمرار طلاقها، وإن استمر الحال إلى انقضاء العدة، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام (١)، واللَّه أعلم.
١٠ - باب عشرة النساء وما لكل واحدة من الحقوق
(العشرة) بالكسر: المخالطة، عاشَرَه معاشرةً: خالطَه، وتعاشروا: تخالطوا، وعَشِيرة الرجل: بنو أبيه والأَدنَون أو قبيلته، والجمع عشائر، والمعشر كمسكن: الجماعة، وأهل الرجل، كذا في (القاموس) (٢)، والعشير: يطلق على الزوج وعلى كل مُعاشِر، قال اللَّه تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣].
وقوله: (وما لكل واحدة) أي: من النساء، (من الحقوق) الظاهر في العبارة أن يقول: وما لهن من الحقوق.
الفصل الأول
٣٢٣٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (استوصوا بالنساء خيرًا)، أوصاه ووصَّاه توصية:
стр. 3301
فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسْرَتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٥١٨٦، م: ١٤٦٨].
٣٢٣٩ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلاقُهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٦٨].
ــ
عهد إليه، والاسم الوَصاة والوِصاية والوَصيَّة، واستشكل صيغة الاستفعال هنا فقيل: الاستيصاء بمعنى الإيصاء، أو بمعنى قبول الوصية، والمعنى أوصوا بهن خيرًا، أو أوصيكم بهن خيرًا، فاقبلوا وصيتي، وقيل: معناه اطلبوا الوصية من أنفسكم بخير في حقهن، وهذا أقرب من حيث اللفظ، والوجه الأول أظهر من حيث المعنى.
وقوله: (فإنهن خلقن من ضلع) بكسر وفتح وبفتحتين: عظم الجنب، وهو معوج، إشارة إلى خلق أول النساء، أعني حوَّاءَ من الضلع الأعلى من أضلاع آدم ﵉، والمقصد أن النساء في خلقهن اعوجاج في الأصل، فلا يستطيع أحد أن يغيِّرهن عما جُبلن عليه.
وقوله: (فإن ذهبت تقيمه) أي: شرعت أن تجعل الضلع مستقيمةً (كَسَرْتَهَا) ولعل تذكير الضمير والضلع مؤنث كما قال في (القاموس) بتأويل العظم، كذا المرأة إن أردت أن تجعلها مستقيمةً أدَّى إلى كسرها، أي: طلاقها، كما فسره في الحديث الآتي، فلا يمكن الانتفاع بها إلا بالترك على اعوجاجها وتحسين الخلق معها، ولكن ذلك مشروط بأن لا يكون في ذلك إثمٌ وشرٌّ.
٣٢٣٩ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (وبها عوج) جملة حالية، والعوج بكسر العين
стр. 3302
٣٢٤٠ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٦٩].
٣٢٤١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ،
ــ
وفتحها والكسر أرجح، وقيل: الفتح في الأعيان والكسر في المعاني، وقيل: يقال في كل منتصب كالحائط والعصا بالفتح، وفي نحو الأرض والدِّين بالكسر.
٣٢٤٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا يفرك) بالرفع والجزم، في (القاموس) (١): الفرك بالكسر ويفتح: البِغْضَةُ، عام أو خاصٌّ ببغضة الزوجين، كسمع فيهما، وكنصر شاذٌّ، وظاهر الحديث عام، ويفهم من إيراد الحديث في هذا الباب التخصيص، قال في (الصحاح) (٢): لم يسمع هذا الحرف في غير الزوجين، يقال: شركت المرأة زوجها بالكسر فركًا: أي أبغضته، والمقصد لا ينبغي للرجل أن يبغض المرأة؛ لأنه إن كره منها شيئًا رضي شيئًا آخر، ولا يكون جميع صفاتها سيئة، وهذا حثٌّ على حسن العشرة والصبر على سوء خلقهن.
٣٢٤١ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم) بالخاء المعجمة والنون والزاي، خَنِزَ اللحمُ كفرح خُنُوزًا وخَنَزًا: أنتَنَ، روي أنهم نهوا في التيه -وقد أنزل عليهم المن والسلوى- أن يأخذوا زيادة على قوت كفايتهم، فخالفوا حرصًا منهم، فتغيرت رائحة اللحم وأنتَنَ، فخَنَزُ اللحم شيءٌ عوقب به بنو إسرائيل بسوء صنيعهم، وهو الادخار الناشئ من الحرص وعدم الثقة باللَّه، ثم استمر النتن من ذلك الوقت.
стр. 3303
وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٠٠، م: ١٤٧٠].
٣٢٤٢ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعْهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "يَعْمِدُ أَحَدُكُمُ فَيَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا فِي آخِرِ يَوْمِهِ". ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ فَقَالَ: "لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمُ مِمَّا يَفْعَلُ؟ ". . . . .
ــ
وقوله: (لولا حواء) أي: خيانتُها، قيل: خيانتها أنها ذاقت الشجرة قبل آدم، وكان قد نهاها، فغوته حتى أكل منها، وقيل: خيانتها أنها أرسلها آدم لقطع الشجرة، فقطعت سنبلتين، وأدته واحدة وأخفت أخرى، ووقع ذلك من جهة العوج في خلقها.
٣٢٤٢ - [٥] (عبد اللَّه بن زمعة) قوله: (وعن عبد اللَّه بن زمعة) بفتحتين وقد تسكن الميم.
وقوله: (لا يجلد) بالرفع والجزم.
وقوله: (جلد العبد) ربما يختلج أنه كان الظاهر ذكر الأمة مكان العبد، ولعله ذكره لأن جَلْدَه يكون أشدَّ من جَلْدِ الأمة.
وقوله: (ثم يجامعها) بالرفع، أي: ثم هو يجامعها، ولو جزم لكان المنع من الجمع، ولكن الجلد المذكور ممنوع مطلقًا، وفيه: إشارة إلى جواز ضرب العبيد والإماء للتأديب إذا لم يتأدبوا بالتغليظ في الكلام، لكن العفو أولى، والضمير في (آخر يومه) للجلد، ويجوز أن يكون لأحد.
وقوله: (ثم وعظهم) أي: رسولُ اللَّه ﷺ بعد التكلم بالكلام السابق بعدما رأى من بعض القوم يضحكون من الضرطة، وهو صوت الفقح، وهو حلقة الدبر، وفي قوله: (لم يضحك أحدكم مما يفعل؟ ) تنبيه على أنه ينبغي للمرء أن لا يعيب على
стр. 3304
مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٥٢٠٤، م: ٢٨٥٥].
٣٢٤٣ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْقَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ يَنْقَمِعْنَ فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٤٢، م: ٢٨٥٥].
٣٢٤٤ - [٧] وَعَنْهَا قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِالْحِرَابِ. . . . .
ــ
أحد بما فيه.
٣٢٤٣ - [٦] (عائشة) قوله: (ألعب بالبنات) جمع بنت، أرادت بها اللُّعَبَ التي تلعب بها الصَّبيَّةُ، فالباء للتعدية، وهو الأظهر، ويجوز أن يراد بها الجواري التي يلعبن معها، فيكون الباء بمعنى (مع).
وقوله: (ينقمعن) أي: يستترن، انقمع: دخل البيت مستخفيًا.
وقوله: (فيسربهن إليّ) أي: يرسلهن ويسرحهن إليّ، من التسريب، والسَّرْبُ: الماشية والطريق والوجة والقطيع من الظباء والنساء وغيرها، فالمعنى يذهبهنّ إليَّ جماعةً جماعة، قوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] أي: ذاهب في سربه بالفتح، أي: في طريقه ووجهه، يقال: سرب في الأرض سروبًا: ذهب وتوجه للرعي.
وقوله: (فيلعبن معي) لعب كفرح لعبًا بفتح اللام وكسر العين وهو الأشهر، ويجوز تخفيفه بكسر اللام وسكون العين، ونقل عن ابن قتيبة أنه قال: لم يسمع في التخفيف فتح اللام مع السكون، كذا في (الحاشية)، وفيه: كمال خلقه وحسن معاشرته وشفقته ومحبته ﷺ لعائشة ﵂.
٣٢٤٤ - [٧] (عائشة) قوله: (بالحراب) بالكسر جمع حربة: رمح صغير.
стр. 3305
فِي الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِردَائِهِ لأَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ بَيْنَ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٣٦، م: ٨٩٢].
٣٢٤٥ - [٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى" فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٢٨، م: ٢٤٣٩].
ــ
وقوله: (في المسجد) أي: رَحْبة المسجد المتصلة به، أو في نفس المسجد، وإنما سومح بذلك لأن لعبهم ذلك كان من عُدّة الحرب مع أعداء اللَّه كالرمي، فصار في حكم العبادة، وكان يباح ذلك في مثل أيام العيد كالتغني والتدفيف، وكان يوم عيد، وقد جاء أن عمر ﵁ منعهم عن ذلك، فاعتذر إليه رسول اللَّه ﷺ بكونه يوم عيد، وكانت عائشة ﵂ إذ ذاك صغيرة، كما قالت: (فاقدروا) بضم الدال وبالكسر ضبطه الأصيلي، يقال: قدرتُ الأمرَ أقدُره وأقدِره: إذا نظرتَ فِيه وقدَّرته ودبَّرته، ومنه (واقدُرْ لي الخير) على الوجهين، كذا في (المشارق) (١)، تعني فاقدروا من الزمان (قدر) وقفة (الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو) كم يكون قدر مكثها في النظر إلى اللهو، فإني مكثت في ذلك القدر، تريد طول مكثها.
٣٢٤٥ - [٨] (عائشة) قوله: (ما أهجر إلا اسمك) أي: هجراني حالةَ الغضب
стр. 3306
٣٢٤٦ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ، فَبَاتَ غَضْبَانَ، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٣٢٣٧، م: ١٤٣٦].
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا".
ــ
الذي يفسد الاختيارَ ويسلبه مقصورٌ على اسمك، لا يتعدى منه إلى ذاتك، وقلبي مستغرق في محبتك ومشغوف بشراشره (١) بك، قال الطيبي (٢): وإنما عبرت عن الترك بالهجران لتدلّ بها على أنها تتألم من هذا الترك الذي لا اختيار لها فيه، يعني كما يتألم على هجران الحبيب بدون اختيار فيه، فافهم.
وهذا من أطوار المحبة وغنجها ودلالها (٣)، يعرفه من ذاق من مشربها، والأمر فيه موكول إلى الذوق، فافهم وباللَّه التوفيق.
٣٢٤٦ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (إلا كان الذي في السماء) أي: الملائكة المقربون كما صرح في الرواية السابقة، وقال الطيبي (٤): إذا عبر عن رحمة اللَّه تعالى أو غضبه وقرب نزولها على الخلق خص السماء بالذكر، انتهى. وقد ورد: (في السماء أمره)،
стр. 3307
٣٢٤٧ - [١٠] وَعَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ: "الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢١٩، م: ٢١٣٠].
٣٢٤٨ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: آلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ. . . . .
ــ
وقد سأل رسول اللَّه ﷺ جارية: (أين اللَّه؟ ) قالت: في السماء، فحكم بإسلامها، وقد ورد أمثال ذلك من المتشابهات، وله تأويل مشهور، ومعنى ظاهر، ولا اشتباه ولا إشكال.
٣٢٤٧ - [١٠] (أسماء) قوله: (إن لي ضرة) الضَّرَّتان: زوجتا الرجل، وكل واحدة ضَرَّة للأخرى.
وقوله: (إن تشبعت من زوجي) أي: أظهرت لضرتي أنه يعطيني أكثر مما يعطيها إدخالًا للغيظ عليها، وأصله إظهار الشبع، والتشبه بالشبعان وليس به.
وقوله: (كلابس ثوبي ذور) قال السيوطي (١): قيل: هو أن يلبس ثوبي وديعة أو عارية، يظن الناس أنهما له، ولباسهما لا يدوم فيفتضح بكذبه، وقيل: هو الرجل يلبس الثياب المشبهة بثياب الزهاد، يوهم أنه منهم، وأتى بالتثنية لإرادة الرداء والإزار إذ هما متلازمان، وللإشارة إلى أنه متصف بالزور من رأسه إلى قدمه، وقيل: كان شاهد الزور يلبس ثوبين ويشهد، فيقبل لحسن ثوبيه، وقيل: التعبير بالثوبين للإشارة إلى أنه حصل بالتشبع حالتان مذمومتان، فقدان ما يشبع به، وإظهار الباطل، انتهى.
٣٢٤٨ - [١١] (أنس) قوله: (آلى) أي: حلف أن لا يدخل على نسائه شهرًا،
стр. 3308
شَهْرًا وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ: "إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٢٠١].
ــ
والإيلاء باب معروف في الفقه من كتاب الطلاق.
وقوله: (وكانت انفكت رجله) الضمير في كانت للقصة، ويجوز أن يكون (رجله) اسم كانت، و (انفكت) خبره، ومعنى انفكت: زالت، يقال: انفكت قدمه: زالت، وأصبعه: انفرجت، والفكُّ دون الكسر، وقيل: معناه تألمت مفصل قدمه، وسبب انفكاكها أنه ﷺ سقط عن فرسه، فخرج عظم رجله من موضعه، والانفكاك ضرب من الوهن والخلع، وهو أن ينفك بعض أجزائها عن بعض، كذا في (النهاية) (١). و (المشربة) بفتح الميم وضم الراء وفتحها: الغرفة.
وقوله: (فقال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين) قد سبق إلى الفهم من اللفظ أنه ﷺ آلى شهرًا من غير تعيين، فقعد تسعًا وعشرين ليلة من غير أن جاء ذلك الشهر هكذا، ثم نزل فسألوا: آليت شهرًا والشهر يكون ثلاثين؟ فأجاب بأنه يكون تسعًا وعشرين أيضًا، فينطلق عليه، لكنه يفهم من الأحاديث الأخرى من (صحيح البخاري) أن ذلك الشهر الذي آلى فيه وقعد جاء تسعًا وعشرين، ولذلك قال الفقهاء: إذا عين شهرًا فقال: للَّه علي أن أصوم شهر كذا، فخرج ناقصًا لا يلزمه سوى ذلك، وإن لم يعين فقال: للَّه عليّ صوم شهر، يلزمه صوم ثلاثين يومًا، ولا يخفى إنه على هذا التقدير لا يكون لسؤالهم بقولهم: (آليت شهرًا)، وجه ظاهر؛ لأنه إذا عين الشهر، وجاء الشهر ناقصًا، لا يظهر وجه سؤالهم: كيف نزلت على تسع وعشرين، وقد آليت الشهر؟ هذا
стр. 3309
٣٢٤٩ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكتًا قَالَ: فَقَالَ: لأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى، يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ". فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: . . . . .
ــ
والمفهوم الصريح من الأحاديث ما ذكرنا، واللَّه أعلم فتدبر.
٣٢٤٩ - [١٢] (جابر) قوله: (فأذن لأبي بكر) بلفظ المجهول، ويروى المعلوم.
وقوله: (فوجد) الضمير لعمر ﵁، و (الواجم) العبوس المطرق لشدة الحزن، وجَمَ كوعَدَ وَجْمًا ووُجُومًا: سكت على غيظ.
وقوله: (قال) أي: جابر: (فقال) أي: عمر، وفي نسخة: (فقلت)، فيكون ضمير (قال) لعمر، أي: قال عمر: فقلت في نفسي أو باللسان: (لأقولن شيئًا. . . إلخ)، وفيه: أن الإنسان إذا رأى خليله مغمومًا، وأراد كشف غمه، يستحب أن يحدث بما يضحكه ويطيب نفسه.
وقوله: (لو رأيت) بصيغة الخطاب، ولو للشرط أو للتمني، و (بنت خارجة) هي زوجة عمر.
وقوله: (فقمت إليها) بصيغة المتكلم، (فوجأت) أي: ضربت (عنقها)، والوجاء: الضرب باليد والسكين، من باب منع، يقال: وَجَأَ يَجَأُ وَجْئًا ووجاءً.
стр. 3310
تَسْأَلِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟ ! فَقُلْنَ: وَاللَّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا، أَوْ تِسْعًا وَعشْرين، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حَتَّى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. قَالَ: فَبَدَأَ بعائشة فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا، أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ". قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الآيَةَ. قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، قَالَ: "لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا،
ــ
وقوله: (ثم اعتزلهن شهرًا) الظاهر أنه آلى شهرًا غير معيِّنٍ للأيام.
وقوله: (أو تسعًا وعشرين) صريح في أنه آلى عدد هذه الأيام، شك من الراوي، فتدبر.
وقوله: (ثم نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]).
وقوله: (أن لا تعجلي فيه) أي: في جوابه من تلقاء نفسك.
وقوله: (وأسالك أن لا تخبر. . . إلخ)، أرادت اختصاصها بهذه السعادة، وذلك لغاية محبتها لرسول اللَّه ﷺ ، وحرصها على الاختصاص باختيار الخير، ولامتحانها أحوال باقي النساء.
وقوله: (قال: لا تسألني امرأة. . . إلخ)، وذلك لكونه ﷺ مظهرًا للشفقة والرأفة والنصيحة والرحمة للعالمين، وفيه أنه ﷺ وإن كان يحب عائشة أكثر وأشدّ ما يحب
стр. 3311
إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٧٨].
٣٢٥٠ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ مِنَ اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُلْتُ: . . . . .
ــ
سائر النساء، ولكن كان لا ينقص الحق لهواها، فإنه كان محبته للَّه ولدينه أشدّ وأكثر وأوفر وأغلب من محبة كل شيء، ﷺ .
وقوله: (معنتًا ولا متعنتًا) من العنت محركة: الفساد، والإثم، والهلاك، والمشقة، والشدة، فمعنتًا بلفظ اسم الفاعل من التفعيل بمعنى مُوقِعًا أحدًا في العنت، ومتعنتًا من التفعُّل بمعنى واقعًا بنفسه في العنت. (ولكن بعثني معلمًا) للخير، وداعيًا لكافة الناس إليه، و (ميسرًا) بكسر السين، أي: محصِّلًا لليسر والتوفيق لهم.
٣٢٥٠ - [١٣] (عائشة) قوله: (كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن) قال الطيبي (١): أي أعيب؛ لأن من غار عاب، لئلا يهبن أنفسهن فلا يكثر النساء، ويقصر رسول اللَّه ﷺ على من يحبه، حتى نزل قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الآية، يعني تؤخر وتترك مضاجعة من تشاء وتضاجع من تشاء، أو تطلِّقُ من تشاء وتمسك من تشاء، أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك، وتتزوج من شئت، انتهى. ويؤيِّد ما ذكره قولُ عائشة: (أتهب المرأة نفسها).
أقول -واللَّه أعلم-: ويمكن حمل الغيرة على حقيقتها، ويكون جعل نزول الآية
стр. 3312
مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارعُ فِي هَوَاكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٨٨، م: ١٤٦٤].
وَحَدِيثُ جَابِرٍ: "اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ" ذُكِرَ فِي "قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ".
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٢٥١ - [١٤] عَن عَائِشَة أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي قَالَ: "هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٧٨].
٣٢٥٢ - [١٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي، وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ. . . . .
ــ
المذكورة غايةً لها ظاهرًا؛ لكون إرجاء النبي ﷺ من يشاء منهن موجبًا لتسلية عائشة ﵂، وأما على تقدير حمل الغيرة على العيب فالظاهر جعل الغاية نزول قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية، فتأمل.
الفصل الثاني
٣٢٥١ - [١٤] (عائشة) قوله: (فسبقته) أي: تقدَّمته وغلبته في العَدْو.
وقوله: (على رجليّ) بلفظ التشديد من قبيل كتبت بيدي، وأبصرت بعينيّ.
وقوله: (فلما حملت اللحم) أي: سمنتُ.
وقوله: (قال) أي: رسولُ اللَّه ﷺ : (هذه) أي: تقدُّمي عليكِ في هذه النوبة مقابل بتقدُّمك عليَّ في النوبة الأولى، والمراد بيان حسن خلقه وحسن معاشرته ﷺ مع أهله لمباسطته إياهن بمثل هذه الأفعال والأقوال.
٣٢٥٢، ٣٢٥٣ - [١٥، ١٦] (عائشة، وابن عباس) قوله: (وإذا مات صاحبكم
стр. 3313
فَدَعُوهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٥٧٨].
٣٢٥٣ - [١٦] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى قَوْلِهِ: "لِأَهْلِي". [جه: ١٩٧٧].
٣٢٥٤ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمَرْأَةُ إِذَا صَلَّتْ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَأَحْصَنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا، فَلْتَدْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ". رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "الْحِلْيَةِ". [٦/ ٣٠٨].
ــ
فدعوه) ذكروا في معنى هذا الكلام وجوهًا نقلها الطيبي (١): أظهرها أنه لما أشار بقوله: (خيركم خيركم لأهله) إلى تحسين الأخلاق بالأهل والأصحاب في الحياة، وَصَّاهم برعاية ذلك بعد الممات بعدم ذكر مساويهم وسوء أخلاقهم بعدهم، كما ورد: (اذكروا موتاكم بالخير)، وما ذكر من الوجوه الأخر من أنه أراد بالصاحب نفسه، وعنى بقوله: (فدعوه) أي: اتركوا التحسُّر والتلهُّفُ عليَّ، فإن في اللَّه خلفًا عن كل فائت، أو أراد أني إذا مت فلا تؤذوني بإيذاء عترتي وأهل بيتي، أو أراد بالصاحب أعمّ، والمعنى أنه إذا مات فاتركوا محبته بعد الموت، ولا تعلقوا قلوبكم به بأن تجلسوا على مصيبته وللبكاء = فبعيدٌ، لا يناسب سياق الحديث، واللَّه أعلم.
٣٢٥٤ - [١٧] (أنس) قوله: ) (وأطاعت بعلها) فيه أن طاعة البعل فرض على المرأة فيما هو من حق النكاح من الوطء ونحوه.
وقوله: (فلتدخل من أي أبواب الجنة) معناه: يقال لها يوم القيامة: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت.
стр. 3314
٣٢٥٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَو كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ؛ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٥٩].
٣٢٥٦ - [١٩] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٦١].
٣٢٥٧ - [٢٠] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٦١].
ــ
٣٢٥٥ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (لأمرت المرأة أن تسجد) مبالغة وبيان لكمال وجوب طاعة الزوج عليها.
٣٢٥٦ - [١٩] (أم سلمة) قوله: (دخلت الجنة) أي: حتمًا، أو مع السابقين.
٣٢٥٧ - [٢٠] (طلق بن علي) قوله: (وإن كانت على التنور) أي: وإن كانت مشغولة بشغل ضروري ربما يضيع به مال كالخبز، وهذا إذا كان الخبز للزوج؛ لأنه إذا دعاها في هذه الحالة فقد رضي بإتلاف مال نفسه، كذا قالوا، ويحتمل أن يكون المراد وإن كان في شدة ومكان لا يمكن فيه قضاء الحاجة، وفيه مبالغة تعليقًا بالمحال، واللَّه أعلم، وقد جاء في حديث آخر: (لا تمنع المرأةُ نفسَها عن زوجها وإن كانت على ظهر قَتَبٍ) (١)، والقتب محركة للجمل كالإكاف لغيره، وهو حثٌّ على مطاوعة الأزواج ولو في حال الركوب، فكيف في غيرها، وقيل: كانت نساء العرب إذا أردن الولادة
стр. 3315
٣٢٥٨ - [٢١] وَعَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَالَت زَوجَتُهُ مِنَ الحُورِ الْعِينِ: لَا تُؤْذِيهِ، قَاتَلَكِ اللَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ، يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١١٧٤، جه: ٢٠١٤].
٣٢٥٩ - [٢٢] وَعَن حَكِيم بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَقُّ زَوْجَةٍ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: "أَنْ نُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ،
ــ
جلسن على قتب، ويقلن: إنه أسلس لخروج الولد، فأريدت تلك الحالة.
٣٢٥٨ - [٢١] (معاذ) قوله: (عندك دخيل) أي: غريب نزيل، يقال: هو دخيل فيهم، أي: ليس منهم.
وقوله: (يوشك أن يفارقك إلينا) إنما قالت: يوشك لأنه لا يجزم بكونه من أهل الجنة.
٣٢٥٩ - [٢٢] (حكيم بن معاوية القشيري) قوله: (ما حق زوجة أحدنا عليه) الضمير لأحدنا.
وقوله: (ولا تضرب الوجه) يفهم منه ضرب غير الوجه إذا ظهرت منها فاحشة، أو ترك فرائض اللَّه، أو لمصلحة التأديب، والضرب على الوجه منهي عنه مطلقًا.
وقوله: (ولا تقبح) أي: لا تنسب فعلها وقولها إلى القبح، أو لا تسبها بقولك: قبحك اللَّه من غير حق.
стр. 3316
وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧، د: ٢١٤٢، جه: ١٨٥٠].
٣٢٦٠ - [٢٣] وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي امْرَأَةً فِي لِسَانِهَا شَيْءٌ يَعْنِي الْبَذَاءَ، قَالَ: "طَلِّقهَا" قُلْتُ: إِنَّ لِي مِنْهَا وَلَدًا وَلَهَا صُحْبَةٌ قَالَ: "فَمُرْهَا" يَقُولُ: عِظْهَا "فَإِنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَقْبَلُ، وَلَا تَضْرِبَنَّ ظَعِيْنَتَكَ ضَرْبَكَ أُمَيَّتَكَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٢].
ــ
وقوله: (ولا تهجرها إلا في البيت) يعني إن كان لك في هجرانها مصلحة، ولا تهجو إلا في المضجع، ولا تحول إلى بيت آخر، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
٣٢٦٠ - [٢٣] (لقيط بن صبرة) قوله: (وعن لقيط) على وزن فعيل (ابن صبرة) بفتح الصاد وكسر الباء.
وقوله: (يعني البذاء) بفتح الموحدة والذال المعجمة ممدودًا: الفحش، والمباذأة: المفاحشة، وبَذِيءٌ كبديع: رجل فاحش.
وقوله: (ولها صحبة) أي: معي أرضى عنها.
وقوله: (يقول) مستأنفة لبيان المراد من قوله: (فمرها) وهو قول الراوي.
وقوله: (فستقبل) أي: وعظَكَ تنزجر عن البذاء.
وقوله: (ولا تضربن ظعينتك) الظعينة على وزن السكينة: المرأة في الهودج، من الظعن بمعنى السفر والارتحال، ثم قيل للمرأة: ظعينة وإن لم تكن في الهودج؛ لكونها من شأنها ذاك، وقد يطلق على الهودج بلا امرأة، وكأن المراد معنى الرفيقة والصاحبة، و (أميتك) بضم الهمزة وتشديد الياء تصغير الأمة، وأصل أَمَة أَموَة،
стр. 3317
٣٢٦١ - [٢٤] وَعَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَضْرُبوا إِمَاءَ اللَّهِ" فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ، فَأَطَافَ بآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاءٌ كَثِيرٌ، يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ، يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. . . . .
ــ
ردت إلى الأصل حالة التصغير.
٣٢٦١ - [٢٤] (إياس بن عبد اللَّه) قوله: (لا تضربوا إماء اللَّه) المراد بها الزوجات؛ لأن المذكور عباد اللَّه والإناث إماؤه.
وقوله: (ذئرن النساء) في (القاموس) (١): ذئر، كفرح: اجترأ، وغضب، وذئرت المرأة على بعلها: نشَزَت، والتركيب من قبيل: أكلوني البراغيث.
وقوله: (فرخص في ضربهن) ونزل القرآن موافقًا له، ولكن لما بالغوا في الضرب نهى عن ذلك بقوله: (ليس أولئك) أي: الرجالُ الذين يضربون نساءهم ويبالغون فيه (بخياركم).
وقوله: (فأطاف) صحح بالهمزة، ويقال: أطاف بمعنى: ألمَّ به، كذا في (القاموس) (٢)، وأما قوله: (لقد طاف بآل محمد) صحح بغير همزة، وفي نسخ (المصابيح) كلاهما بالهمزة، وطاف من الطوف بمعنى: الحركة حول الشيء.
стр. 3318
وَالدَّارمِيُّ. [د: ٢١٤٦، جه: ١٩٨٥، دي: ٢/ ١٤٧].
٣٢٦٢ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ". رَوَاهُ أَبُو أَبُو دَاوُدَ: [د: ٥١٧٠].
٣٢٦٣ - [٢٦] وَعَن عَائِشَة قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفَهُمْ بِأَهْلِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦١٢].
٣٢٦٤ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ إِلَى قَوْلِهِ: "خُلُقًا". [ت: ١١٦٢، د: ٤٦٨٢].
ــ
٣٢٦٢ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (من خبّب) بلفظ الماضي مشددًا، أي: خدع وأفسد بأن يذكر مساوئ الزوج عند امرأته، أو مساوئَ العبد على سيده، أو بالعكس.
٣٢٦٣ - [٢٦] (عائشة) قوله: (من أكمل المؤمنين) يعني حسن الخلق واللطف بالأهل من أسباب (١) كمال الإيمان.
٣٢٦٤ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (أكمل المؤمنين إيمانًا) أبلغ من قوله: (من أكمل المؤمنين).
стр. 3319
٣٢٦٥ - [٢٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ حُنَيْنٍ، وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّتْ رِيحٌ، فَكَشَفَتْ نَاحِيةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ " قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: "مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟ " قَالَتْ (١): فَرَسٌ قَالَ: "وَمَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ " قَالَتْ (٢): جَنَاحَانِ قَالَ: "فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟ " قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٣٢].
ــ
٣٢٦٥ - [٢٨] (عائشة) قوله: (وفي سهوتها) السهوة بفتح المهملة وسكون الهاء في آخره تاء، في (القاموس) (٣): الصُّفَّة، والْمُخْدَعُ بين بيتين، أو شبه الرفّ والطاق يوضع فيه الشئ، أو بيت صغير شبه الخزانة الصغيرة، أو أربعة أعواد أو ثلاثة يعارض بعضها على بعض، ثم يوضع عليه شيء من الأمتعة، والكوة، والحجلة، أو شبهها، وسترهٌ قدامَ فناء البيت، جمع الكل: سِهَاءٌ.
و(اللعب) بضم اللام وفتح العين جمع لُعْبة، وهي التمثال وما يلعب به كالشطرنج، والمراد هنا ما يلعب به الصبية من الخرق والرقع، ولم يكن لها صور مشخصة كالتصاوير المحرمة، فلا حاجة إلى ما قيل: إن عدم إنكاره ﷺ لعبها بالصور وإبقاءها في بيتها دال على أن ذلك كان قبل التحريم، أو أن لعب الصغار مظنة الاستخفاف.
стр. 3320
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٢٦٦ - [٢٩] عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَيْتُ الْحِيرَةَ، فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ، فَقُلْتُ: لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ، فَأَنْتَ أَحَقُّ بِأَنْ (١) يُسْجَدَ لَكَ، فَقَالَ لِي: "أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أَكُنْتَ تَسْجُدُ لَهُ؟ ": لَا فَقَالَ: "لَا تَفْعَلُوا لَوْ كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ
ــ
الفصل الثالث
٣٢٦٦، ٣٢٦٧ - [٢٩، ٣٠] (قيس بن سعد، ومعاذ بن جبل) قوله: (الحيرة) بكسر الحاء المهملة وإسكان المثناة من تحت بعدها راء ثم تاء: البلد القديم (٢) بظهر الكوفة، و (المرزبان) بفتح الميم وضم الزاي: الفارس الشجاع المقدَّم على القوم دون الملك، وأهل اللغة يضمون ميمه، كذا في (النهاية) (٣)، وقال في (القاموس) (٤): والمَوْزَبَةُ، كمرحلة: رياسة الفرس، وهو مَرْزُبانهم، بضم الزاي.
وقوله: (فقلت: لرسول اللَّه ﷺ ) بفتح اللام الابتدائية.
وقوله: (أرأيت لو مررت بقبرى أكنت تسجد؟ ) يعني إنما يسجد للحي إكرامًا وإجلالًا له؛ فإذا مات وقد زال ذلك لم يسجد له، فلا ينبغي السجدة إلا للحي الذي
стр. 3321
مِنْ حَقٍّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢١٤].
٣٢٦٧ - [٣٠] وَرَوَاهُ أَحْمدُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. [حم: ٥/ ٢٢٧].
٣٢٦٨ - [٣١] وَعَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢١٤٧، جه: ١٩٨٦].
٣٢٦٩ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ عِنْده، فَقَالَت: زَوْجِي صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، وَيُفَطِّرُني إِذَا صُمْتُ، وَلَا يُصَلِّي الْفَجْرَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، قَالَ: وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَّا قَوْلُهَا: يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ فَإِنَّهَا تَقْرَأُ بِسُورتَيْنِ وَقَدْ نَهَيْتُهَا، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ"
ــ
لا يموت، فافهم.
٣٢٦٨ - [٣١] (عمر) قوله: (فيما ضرب امرأته عليه) الضمير لما، وهو عبارة عن النشوز، وهو منصوص عليه في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، فلا يسأل الرجل فيه ولا يعاقب، ولكن إذا راعى شرائطه وحدوده.
٣٢٦٩ - [٣٢] (أبو سعيد) قوله: (ابن المعطل) بفتح الطاء.
قوله: (تقرأ بسورتين) يريد به طول القراءة.
وقوله: (سورة واحدة) بالنصب والضمير في (كانت) للقراءة، قيل المراد به الفاتحة.
стр. 3322
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهَا يُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ، فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ تَصُومُ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلَا أَصْبِرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا"، وَأَمَّا قَوْلُهَا: إِنِّي لَا أُصَلِّي حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإنَّا أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ عُرِفَ لَنَا ذَاكَ، لَا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَالَ: "فَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ يَا صَفْوَانُ فَصَلِّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (١). [د: ٢٤٥٩].
٣٢٧٠ - [٣٣] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَجَاءَ بَعِيرٌ، فَسَجَدَ لَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَسْجُدُ لَكَ الْبَهَائِمُ وَالشَّجَرُ، فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ فَقَالَ: "اعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَأَكْرِمُوا أَخَاكُمْ، وَلَوْ كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا،
ــ
وقوله: (تنطلق تصوم) يريد به دوام صومها.
وقوله: (قد عرف) بلفظ المجهول يعني أنّا مشتهرون بذلك، أي بالاستيقاظ حين تطلع الشمس، وذلك أنهم يسقون الماء طول الليالي، فلا يتيسر لهم المنام بالليل.
وقوله: (فإذا استيقظت يا صفوان فصل) يعني اقض ذلك حين استيقظت، كقوله: (من نام أو نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها)، وفي قبول عذره مع التقصير وعدم القبول منها تنبيه ومبالغة في رعاية حق الرجال على النساء.
٣٢٧٠ - [٣٣] (عائشة) قوله: (وأكرموا أخاكم) يريد نفسه الكريمة تواضعًا وتنبيهًا على أنه بشر مثلهم في عدم جواز السجدة والعبادة له.
стр. 3323
وَلَوْ أَمَرَهَا أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَصْفَرَ إِلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ وَمِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَلٍ أَبْيَضَ كَانَ يَنْبَغِي لَهَا أَن تَفْعَلهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٧٦].
٣٢٧١ - [٣٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ صَلَاةٌ، وَلَا تَصْعَدُ (١) لَهُمْ حَسَنَةٌ، الْعَبْدُ الآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيهِ، فَيَضَعَ يَدَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، وَالْمَرْأَةُ السَّاخِطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، وَالسَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَان". [شعب: ٨٧٢٧].
٣٢٧٢ - [٣٥] وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [ن: ٣٢٣١، شعب: ٨٣٦٣].
ــ
وقوله: (من جبل أصفر. . . إلخ)، وفي ذكر الألوان للجبال مبالغة في بُعد كل واحد عن الآخر؛ لأنه لا يكاد يوجد أمثال هذه الجبال متقاربة.
٣٢٧١ - [٣٤] (جابر) قوله: (لا تقبل لهم صلاة) أي: لا يتم لهم ثواب أعمالهم وإن صح شرعًا بإبراء الذمة عنها.
وقوله: (فيضع يده في أيديهم) أي: يدخل في تصرفهم وخدمتهم.
٣٢٧٢ - [٣٥] (أبو هريرة) قوله: (تسره) الضمير للرجل.
وقوله: (ولا مالها) أي: ماله الذي في يدها وتصرفها، وقيل: يحتمل أن يحمل على الحقيقة بأن يكون الزوج معسرًا، والأول هو الظاهر.
стр. 3324
٣٢٧٣ - [٣٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيَهُنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: قَلْبٌ شَاكِرٌ، وَلسَانٌ ذَاكِرٌ، وَبَدَنٌ عَلَى الْبَلَاءِ صَابِرٌ، وَزَوْجَةٌ لَا تَبْغِيهِ خَوْنًا فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٤١١٥].
* * *
١١ - باب الخلع والطلاق
ــ
٣٢٧٣ - [٣٦] (ابن عباس) قوله: (وبدن على البلاء صابر) لم يقل: وبدن معافى؛ لأنه لا يمكن دوام العافية من غير أن يبتلى أبدًا كما هو العادة.
وقوله: (لا تبغيه خونًا) أي: لا تطلب للزوج خيانة.
وقوله: (ولا في ماله) يدل على ما ذكر من التأويل في مالها في الحديث السابق.
١١ - باب الخلع والطلاق
(الخلع) بالضم، اسم من الخلع بالفتح بمعنى النزع والأخراج، وكثيرًا ما يطلق في نزع الملبوس عن البدن، وبهذا الاعتبار قال الطيبي (١) في بيان المناسبة بينه وبين المعنى الشرعي الذي هو افتداء المرأة نفسها عن زوجها: إن كلًّا من الزوجين لباس صاحبه؛ فإذا فعلا ذلك فكأنهما نزعا لباسهما، وقد يجيء بمعنى مطلق الطلاق، ومنه حديث: أن امرأة نشَزَت على زوجها، فقال عمر: اخلَعْها، أي: طلِّقْها، والطلاق
стр. 3325
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٢٧٤ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ . . . . .
ــ
في اللغة ينبئ تركيبه عن معنى الحل والانحلال، والطليق: الأسير [الذي] أطلق عنه إساره، ويقال: طَلْق الوجه وطَلْق اللسان وغير ذلك.
وعطف الطلاق على الخلع من عطف العام على الخاص إن قيل: يكون الخلع طلاقًا كما هو مذهبنا ومذهب مالك، وأصح قولي الشافعي أنه طلاق بائن، وإن كان فسخًا كما هو مذهب أحمد وأحد قولي الشافعي، فهو غير الطلاق، فعطفه عليه ظاهر.
الفصل الأول
٣٢٧٤ - [١] (ابن عباس) قوله: (امرأة ثابت بن قيس) قيل: إنها بنت أُبَي أخت عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، وكانت جميلة، وقيل: هي بنت سهل الأنصاري.
وقوله: (ما أعتب) بضم التاء وكسرها من العتب، وهو الغضب والمَوجِدة، يعني لا أغضب عليه ولا أريد مفارقته لسوء خُلقه، ولا لنقصان في دِينه.
وقوله: (ولكني أكره الكفر في الإسلام) أي: كفران نعمة الزوج، وقيل: معناه أني أكره طبعًا فأخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه من فرك ونشوز، وقيل: ضربها زوجها ضرب تأديب فكسر بعضها وهو معنى قولها: (أكره الكفر في الإسلام)، وهذه الرواية ينافي بظاهره قوله: (ما أعتب عليه في خلق)، واللَّه أعلم.
وقوله: (أتردين عليه حديقته) أي: التي أعطاك بالمهر.
стр. 3326
قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٢٧٣].
٣٢٧٥ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ،
ــ=
وقوله: (اقبل الحديقة وطلقها) أي: إن شئت وترى فيه المصلحة، ويفهم من ظاهر الحديث أن الخلع ليس نفسُه طلاقًا كما هو مذهبنا أن نفس الخلع تطليقة بائنة، اللهم إلا أن قصة ثابت ليس بخلع، وكلامنا فيما إذا قال: خالعتك فقبلت وقعت تطليقة بائنة، وقد أورد في (الهداية) (١) الحديث أنه ﷺ قال: (الخلع تطليقة بائنة) (٢).
٣٢٧٥ - [٢] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فتغيظ فيه رسول اللَّه ﷺ ) فيه دليل على حرمة الطلاق في الحيض. وفي قوله: (ليراجعها) دليل على وقوع الطلاق مع كونه حرامًا، وعلى استحباب المراجعة.
وقوله: (ثم تحيض فتطهر) قيل: فائدة التأخير إلى الطهر لئلا يصير الرجعة لغرض الطلاق، فيجب أن يمسك زمانًا، وقيل: إنه عقوبة له على معصيته، وقيل: وجهه أن الطهر الأول مع الحيض الذي طلق فيه كأمر واحد، فلو طلقها في أول طهر كان كما طلق في الحيض، وهذا الوجه ضعيف كما لا يخفى، وقيل: ذلك ليطول مقامه معها، فلعله يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها، وبالجملة مقتضى هذه الوجوه كلها أن لا يكون الإمساك إلى الطهر الثاني واجبًا بل أولى وأحب،
стр. 3327
فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ".
وَفِي رِوَايَةٍ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٠٨، م: ١٥٧١].
ــ
واللَّه أعلم.
قال الطيبي (١): من فوائد الحديث: التنبيه على أن علة حرمة التطليق في حالة الحيض تطويل العدة عليها؛ فإنه طلقها في زمان لا يحسب من عدتها، يعني لما طلق في حالة الحيض، ولا يحسب ذلك الحيض من العدة بالاتفاق، فلا بدّ أن يكون العدة بعد ذلك بمدة مستقلة، فلا بد يطول هذه العدة، وأما إذا طلق في الطهر يحسب ذلك الطهر الذي وقع فيه الطلاق، ويكون بعده طهران آخران، فتقصر العدة لا محالة، هذا عند الشافعي، وأما عندنا فعلة الحرمة احتمال أنه إنما طلق لكراهة الطبع ونفرته لا لمصلحة رأى في ذلك، وفي حالة الطهر ينتفي هذا الاحتمال.
ويرد على الشافعية أنه إذا طلق في الطهر وعدَّ باقيَ ذلك الطهر من العدة لم يكن العدة بثلاثة قروء، بل بقرءَين وبعضِ قرءٍ، واسم العدد نص في مدلوله لا يحتمل الزيادة والنقصان، وهذا ودليلنا على حمل القرء على الحيض دون الطهر، وعندنا تطول العدة ولكن ذلك أهون من حمل الثلاثة على غير مدلوله، واستدلوا على حمل القرء على الطهر بهذا الحديث لقوله ﷺ : (فتلك العدة التي أمر اللَّه أن تطلق لها النساء) فإن الإشارة بـ (تلك) إلى الحالة المذكورة، وهي حالة الطهر، واللام بمعنى (في)، فعلم أن العدة بالأطهار، قلنا: لا نسلم أن اللام بمعنى (في)، بل للعاقبة كما هو
стр. 3328
٣٢٧٦ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٦٢، م: ١٤٧٧].
٣٢٧٧ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي الْحَرَامِ يُكَفِّرُ، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩١١، م: ١٤٧٣].
ــ
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، كذا في بعض الشروح، فتأمل.
٣٢٧٦ - [٣] (عائشة) قوله: (قالت: خيرنا رسول اللَّه ﷺ ) وذلك بعد نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨].
وقوله: (فلم يعدّ ذلك علينا شيئًا) أي: شيئًا من الطلاق، لا ثلاث ولا واحدة بائنة ولا رجعية، وفيه أنه قال الزوج لامرأته: اختاري نفسك أو إياي فاختارت الزوج لم يقع شيء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي رحمهما اللَّه، وهو المنقول عن جماعة من الصحابة، وقد نقل عن علي ﵁: أنه تقع واحدة رجعية بمجرد تخيير الزوج زوجته وإن اختارته، وعند زيد بن ثابت: تقع واحدة بائنة، وفي قول عائشة ﵂ إشارة إلى ردّ قوليهما، وإن اختارت نفسها وقع به طلاق رجعي عند الشافعي وأحمد، وبائن عند أبي حنيفة، وثلاث تطليقات عند مالك.
٣٢٧٧ - [٤] (ابن عباس) قوله: (في الحرام يكفر) بلفظ المعلوم من التكفير، أي إذا حرم على نفسه شيئًا مما أحل اللَّه زوجة كانت أو غيرها فعليه كفارة اليمين، ولا يحرم ذلك الشيء عليه، وهو مذهب ابن عباس ﵄، وهو المذهب عندنا، وعند الشافعي لا كفارة عليه، وقيل: إذا قال المرء: حلال اللَّه تعالى عليّ حرام وقع الطلاق، وهو خلاف مذهب الجمهور، نعم إذا قال لامرأته: أنت عليّ حرام أو حرمتك، فإن نوى به الطلاق فذاك وإلا فالواجب الكفارة، وقراءة ابن عباس قوله تعالى: ﴿لَقَدْ
стр. 3329
٣٢٧٨ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَشَرِبَ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: "لَا بَأْسَ، شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ،
ــ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] استدلال على قوله، وذلك إشارة إلى قصة تحريمه ﷺ العسل ومارية (١) على نفسه، ونزول قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] بعد ذلك، والأسوة بضم الهمزة وسكون السين بمعنى الاقتداء والاتباع.
٣٢٧٨ - [٥] (عائشة) قوله: (كان يمكث عند زينب) أي: عند تمام نوبتها. و (المغافير) على وزن المصابيح، ووقع في الأصول في (كتاب مسلم): مغافر على وزن مساجد، والصواب مغافير، كذا ذكر القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٢)، وقال أيضًا: هو شبه الصمغ في أصل الرمث، فيه حلاوة، والتفسير صحيح في (الأم) في رواية الجرجاني، والميم فيه زائدة عند بعضهم وأصلية عند آخرين، قال ابن دريد: واحدها مُغفور بالضم، وهو مما جاء على مُفْعُول موضع الفاء ميم، وقال غيره: ليس في الكلام مفعول بضم الميم إلا مُغفور ومُغدود لضرب من الكمأة، ومُنخور للمِنخَر، ويقال أيضًا: لواحدها مغفار ومغفير، وهي المغاثير بالثاء أيضًا حكاه الفراء.
وقوله: (أكلت مغافير؟ ) بحذف حرف الاستفهام تكرير للتأكيد والتقرير.
стр. 3330
فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ؛ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا" يَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِهِ فَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآيَة [التحريم: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩١٢، م: ١٤٧٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٢٧٩ - [٦] عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ". . . . .
ــ
وقوله: (فلن أعود له) أي: لشرب العسل تحريم لشربه.
قوله: (وقد حلفت) الحلف هو بطريق التحريم أو اليمين، والظاهر هو الأول كما هو المشهور.
قوله: (يبتغي) حال من فاعل (فقال) أي قال الراوي: قال ﷺ حال كونه مبتغيًا وطالبًا بذلك رضا أزواجه، قالوا: كان هذا زلة منه ﷺ ، ولذا نبهه اللَّه على ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ الآية، واللَّه أعلم.
و(المرضاة) بفتح الميم وسكون الراء مصدر بمعنى الرضا، وما في هذا الحديث صريح في أن الآية نزلت في تحريم العسل، وقد جاء أنها نزلت في تحريم مارية أو كليهما، وفي القصة اختلاف ذكر في موضعه.
الفصل الثاني
٣٢٧٩ - [٦] (ثوبان) قوله: (في غير ما بأس) ما زائدة، والبأس: شدة الحرب، أي: تسأل الطلاق في غير حال شدة وضرورة تدعوها وتلجئها إلى المفارقة.
وقوله: (فحرام عليها رائحة الجنة) تشديد وتهديد مبالغة في النهي عن ذلك؛