قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٢٧٣].
٣٢٧٥ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ،
ــ=
وقوله: (اقبل الحديقة وطلقها) أي: إن شئت وترى فيه المصلحة، ويفهم من ظاهر الحديث أن الخلع ليس نفسُه طلاقًا كما هو مذهبنا أن نفس الخلع تطليقة بائنة، اللهم إلا أن قصة ثابت ليس بخلع، وكلامنا فيما إذا قال: خالعتك فقبلت وقعت تطليقة بائنة، وقد أورد في (الهداية) (١) الحديث أنه ﷺ قال: (الخلع تطليقة بائنة) (٢).
٣٢٧٥ - [٢] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فتغيظ فيه رسول اللَّه ﷺ ) فيه دليل على حرمة الطلاق في الحيض. وفي قوله: (ليراجعها) دليل على وقوع الطلاق مع كونه حرامًا، وعلى استحباب المراجعة.
وقوله: (ثم تحيض فتطهر) قيل: فائدة التأخير إلى الطهر لئلا يصير الرجعة لغرض الطلاق، فيجب أن يمسك زمانًا، وقيل: إنه عقوبة له على معصيته، وقيل: وجهه أن الطهر الأول مع الحيض الذي طلق فيه كأمر واحد، فلو طلقها في أول طهر كان كما طلق في الحيض، وهذا الوجه ضعيف كما لا يخفى، وقيل: ذلك ليطول مقامه معها، فلعله يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها، وبالجملة مقتضى هذه الوجوه كلها أن لا يكون الإمساك إلى الطهر الثاني واجبًا بل أولى وأحب،
стр. 3327
فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ".
وَفِي رِوَايَةٍ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٠٨، م: ١٥٧١].
ــ
واللَّه أعلم.
قال الطيبي (١): من فوائد الحديث: التنبيه على أن علة حرمة التطليق في حالة الحيض تطويل العدة عليها؛ فإنه طلقها في زمان لا يحسب من عدتها، يعني لما طلق في حالة الحيض، ولا يحسب ذلك الحيض من العدة بالاتفاق، فلا بدّ أن يكون العدة بعد ذلك بمدة مستقلة، فلا بد يطول هذه العدة، وأما إذا طلق في الطهر يحسب ذلك الطهر الذي وقع فيه الطلاق، ويكون بعده طهران آخران، فتقصر العدة لا محالة، هذا عند الشافعي، وأما عندنا فعلة الحرمة احتمال أنه إنما طلق لكراهة الطبع ونفرته لا لمصلحة رأى في ذلك، وفي حالة الطهر ينتفي هذا الاحتمال.
ويرد على الشافعية أنه إذا طلق في الطهر وعدَّ باقيَ ذلك الطهر من العدة لم يكن العدة بثلاثة قروء، بل بقرءَين وبعضِ قرءٍ، واسم العدد نص في مدلوله لا يحتمل الزيادة والنقصان، وهذا ودليلنا على حمل القرء على الحيض دون الطهر، وعندنا تطول العدة ولكن ذلك أهون من حمل الثلاثة على غير مدلوله، واستدلوا على حمل القرء على الطهر بهذا الحديث لقوله ﷺ : (فتلك العدة التي أمر اللَّه أن تطلق لها النساء) فإن الإشارة بـ (تلك) إلى الحالة المذكورة، وهي حالة الطهر، واللام بمعنى (في)، فعلم أن العدة بالأطهار، قلنا: لا نسلم أن اللام بمعنى (في)، بل للعاقبة كما هو
стр. 3328
٣٢٧٦ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٦٢، م: ١٤٧٧].
٣٢٧٧ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي الْحَرَامِ يُكَفِّرُ، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩١١، م: ١٤٧٣].
ــ
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، كذا في بعض الشروح، فتأمل.
٣٢٧٦ - [٣] (عائشة) قوله: (قالت: خيرنا رسول اللَّه ﷺ ) وذلك بعد نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨].
وقوله: (فلم يعدّ ذلك علينا شيئًا) أي: شيئًا من الطلاق، لا ثلاث ولا واحدة بائنة ولا رجعية، وفيه أنه قال الزوج لامرأته: اختاري نفسك أو إياي فاختارت الزوج لم يقع شيء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي رحمهما اللَّه، وهو المنقول عن جماعة من الصحابة، وقد نقل عن علي ﵁: أنه تقع واحدة رجعية بمجرد تخيير الزوج زوجته وإن اختارته، وعند زيد بن ثابت: تقع واحدة بائنة، وفي قول عائشة ﵂ إشارة إلى ردّ قوليهما، وإن اختارت نفسها وقع به طلاق رجعي عند الشافعي وأحمد، وبائن عند أبي حنيفة، وثلاث تطليقات عند مالك.
٣٢٧٧ - [٤] (ابن عباس) قوله: (في الحرام يكفر) بلفظ المعلوم من التكفير، أي إذا حرم على نفسه شيئًا مما أحل اللَّه زوجة كانت أو غيرها فعليه كفارة اليمين، ولا يحرم ذلك الشيء عليه، وهو مذهب ابن عباس ﵄، وهو المذهب عندنا، وعند الشافعي لا كفارة عليه، وقيل: إذا قال المرء: حلال اللَّه تعالى عليّ حرام وقع الطلاق، وهو خلاف مذهب الجمهور، نعم إذا قال لامرأته: أنت عليّ حرام أو حرمتك، فإن نوى به الطلاق فذاك وإلا فالواجب الكفارة، وقراءة ابن عباس قوله تعالى: ﴿لَقَدْ
стр. 3329
٣٢٧٨ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَشَرِبَ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: "لَا بَأْسَ، شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ،
ــ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] استدلال على قوله، وذلك إشارة إلى قصة تحريمه ﷺ العسل ومارية (١) على نفسه، ونزول قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] بعد ذلك، والأسوة بضم الهمزة وسكون السين بمعنى الاقتداء والاتباع.
٣٢٧٨ - [٥] (عائشة) قوله: (كان يمكث عند زينب) أي: عند تمام نوبتها. و (المغافير) على وزن المصابيح، ووقع في الأصول في (كتاب مسلم): مغافر على وزن مساجد، والصواب مغافير، كذا ذكر القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٢)، وقال أيضًا: هو شبه الصمغ في أصل الرمث، فيه حلاوة، والتفسير صحيح في (الأم) في رواية الجرجاني، والميم فيه زائدة عند بعضهم وأصلية عند آخرين، قال ابن دريد: واحدها مُغفور بالضم، وهو مما جاء على مُفْعُول موضع الفاء ميم، وقال غيره: ليس في الكلام مفعول بضم الميم إلا مُغفور ومُغدود لضرب من الكمأة، ومُنخور للمِنخَر، ويقال أيضًا: لواحدها مغفار ومغفير، وهي المغاثير بالثاء أيضًا حكاه الفراء.
وقوله: (أكلت مغافير؟ ) بحذف حرف الاستفهام تكرير للتأكيد والتقرير.
стр. 3330
فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ؛ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا" يَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِهِ فَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآيَة [التحريم: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩١٢، م: ١٤٧٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٢٧٩ - [٦] عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ". . . . .
ــ
وقوله: (فلن أعود له) أي: لشرب العسل تحريم لشربه.
قوله: (وقد حلفت) الحلف هو بطريق التحريم أو اليمين، والظاهر هو الأول كما هو المشهور.
قوله: (يبتغي) حال من فاعل (فقال) أي قال الراوي: قال ﷺ حال كونه مبتغيًا وطالبًا بذلك رضا أزواجه، قالوا: كان هذا زلة منه ﷺ ، ولذا نبهه اللَّه على ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ الآية، واللَّه أعلم.
و(المرضاة) بفتح الميم وسكون الراء مصدر بمعنى الرضا، وما في هذا الحديث صريح في أن الآية نزلت في تحريم العسل، وقد جاء أنها نزلت في تحريم مارية أو كليهما، وفي القصة اختلاف ذكر في موضعه.
الفصل الثاني
٣٢٧٩ - [٦] (ثوبان) قوله: (في غير ما بأس) ما زائدة، والبأس: شدة الحرب، أي: تسأل الطلاق في غير حال شدة وضرورة تدعوها وتلجئها إلى المفارقة.
وقوله: (فحرام عليها رائحة الجنة) تشديد وتهديد مبالغة في النهي عن ذلك؛
стр. 3331
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ٢٧٧، ت: ١١٧٨، د: ٢٢٢٦، جه: ٢٠٥٥، دي: ١٦٢].
٣٢٨٠ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢١٧٨].
٣٢٨١ - [٨] وَعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عَتَاقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ، وَلَا وِصَالَ فِي صِيَامٍ، وَلَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ، وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ،
ــ
لأنَّ الازدواج أمر مطلوب مهم للتوالد والتناسل، والشيطان يريد التفريق.
٣٢٨٠ - [٧] (ابن عمر) قوله: (أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق) أي: الطلاق مع أنَّه حلال في الجملة، وليس بحرام، مبغوضٌ ومكروه عند اللَّه إلا أن يكون لمصلحة وغرض صحيح.
٣٢٨١ - [٨] (علي) قوله: (لا طلاق قبل نكاح) لأن الطلاق فرع ملك المتعة، وقد جوَّز أبو حنيفة والزهري تعليقَه بالنكاح عمومًا بأن يقول: كلُّ امرأة نكحتُها فهي طالقٌ، أو خصوصًا بأن يقول لامرأة معيَّنة: إذا نكحتُكِ فأنت طالق، فيقع الطلاق عند النكاح، والجمهور على خلافه، وقد عرف تحقيقه في أصول الفقه، وكذا الكلام على قوله: (ولا عتاق إلا بعد ملك) وذهب بعضهم إلى الجواز في الخصوص دون العموم.
وقوله: (ولا وصال في صوم) أي: يحرم صوم الوصال لغير النبي ﷺ ، وقد مرّ الكلام فيه في (باب الصوم). (ولا يتم) بضم الياء وسكون التاء (بعد احتلام) أي بلوغ، فإن أحكامه وإطلاق اسم اليتيم إنما يكون قبل البلوغ. (ولا رضاع بعد فطام) الرضاع بفتح الراء، وقد يكسر مصدر رضع أمه كسمع وضرب رضعًا ويحرك ورضاعًا
стр. 3332
وَلَا صَمْتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [٢٣٥٠].
٣٢٨٢ - [٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: "وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ". [ت: ١١٨١، د: ٢١٩٠].
٣٢٨٣ - [١٠] وَعَنْ رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ . . . . . .
ــ
ورضاعة ويكسران، كذا في (القاموس) (١)، والفطام بكسر الفاء: فصل الصبي عن الرضاع، وقد اختلف في حدِّه. (ولا صمت يوم إلى الليل) بفتح الصاد، أي: لا فضيلة في ذلك كما كان يفعله بعض من قبلنا في الصوم.
٣٢٨٢ - [٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك) كما لو قال: للَّه عليّ أن أعتق هذا العبد ولم يكن في ملكه وقتَ النذر، حتى لو ملكه بعد ذلك لم يعتق.
٣٢٨٣ - [١٠] (ركانة بن عبد يزيد) قوله: (وعن ركانة) بضم الراء، و (سهيمة) بالسين المهملة والهاء بلفظ التصغير.
وقوله: (البتة) البت: القطع، والتاء للمرة، وهو مفعول مطلق لم ينون لوجود اللام أي قال: طلقتك البتة، وكذا البت وبتًا وبتَّةً.
وقوله: (فأخبر) بلفظ المجهول أو المعلوم.
стр. 3333
وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟ " فَقَالَ رُكَانَةُ: واللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَانِ عُمَرَ، وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَة. [د: ٢٢٠٦، ت: ١١٧٧، جه: ٢٠٥١، دي: ٢/ ١٦٣].
٣٢٨٤ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١١٨٤، د: ٢١٩٤].
ــ
وقوله: (وقال) أي: فأتى وقال، هذا على تقدير المجهول، وأما على المعلوم فهو عطف على أخبر.
وقوله: (فردّها) أي: أمرأتَه إليه، أي: إلى رُكانة، أي: أمر بالرجعة، وطلاق البتة عند الشافعي رجعية، لهذا الحديث، وإن نوى اثنتين أو ثلاثة فهو على ما نوى، وعند مالك ثلاث، وعند أبي حنيفة بائنة، فتأويل الرد عنده تجديد النكاح.
٣٢٨٤ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ثلاث جدّهن جد وهزلهن جد) الجد أن يتلفظ باللفظ قصدًا إلى إرادة معناه الحقيقي أو المجازي، والهزل ضده، فمن طلق أو نكح أو راجع، وقال: كنت فيه لاعبًا وهازلًا وما قصدتُ معانيَها لم يعتبر قوله، ويقع الطلاق، وينعقد النكاح، ويثبت الرجعة، وكذا الحكم في جميع العقود كالبيع والهبة وغيرهما من التصرفات، وإنما خص هذه الثلاثة لتأكيد أمر الفرج والاهتمام به.
стр. 3334
٣٢٨٥ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، قيل: مَعْنَى الإغْلَاقِ: الإِكْرَاهِ. [د: ٢١٩٣، جه: ٢٠٤٦].
٣٢٨٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: . . . . .
ــ
٣٢٨٥ - [١٢] (عائشة) قوله: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) بكسر الهمزة، أي: إكراه، والأئمة الثلاثة أخذوا بهذا الحديث، وقالوا: لا يقع الطلاق والعتاق من المكره، وأما عندنا فيصح قياسًا على صحتها عند الهزل، والأصل عندنا أن كل عقد لا يحتمل الفسخ فالإكراه لا يمنع نفاذه، وكذلك كل ما ينفذ مع الهزل ينفذ مع الإكراه.
وقوله: (قيل: معنى الإغلاق: الإكراه) كذا في كتب اللغة؛ لأنَّ المكرَهَ مغلَقٌ ومضيَّقٌ عليه في تصرُّفه، وقيل: معناه لا يغلق التطليقات دفعة واحدة حتى لا يبقى منها شيء، ولكن يطلق طلاق السنية، كذا نقل الطيبي (١)، وعلى هذا يكون المعنى نفي الأولوية والأفضلية، ولكن هذا المعنى لا يجري في الإعتاق كما لا يخفى.
٣٢٨٦ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (إلا طلاق المعتوه) أي: المجنون الذي في عقله نقصان واختلاف، فتارة يغيب وتارة يفيق، في (القاموس) (٢): عَتَهَ عتهًا وعُتهًا وعُتاهًا بضمهما، فهو معتوه: نقصَ عقلُه، أو فُقِد ودُهِش، فالمغلوب عطف تفسيري للمعتوه، ويؤيده رواية المغلوب بلا واو، وإذا كان طلاق المعتوه بالمعنى المذكور غيرَ جائز فالمجنون المطلَقُ الذي لا يشعُر بطريقِ الأَولى كما لا يخفى.
стр. 3335
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَطَاءُ بْنُ عَجْلانَ الرَّاوِي ضَعِيفٌ ذَاهِبُ الحَدِيثِ. [ت: ١١٩١].
٣٢٨٧ - [١٤] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٤٢٣، د: ٤٤٠٣].
٣٢٨٨ - [١٥] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُمَا. [دي: ٢/ ٢٢٥، جه: ٢٠٤١].
ــ
وقوله: (عطاء بن عجلان) بكسر العين وفتحها، و (ذاهب الحديث) بمعنى ساهيه، في (الكاشف) (١): عطاء بن عجلان البصري، عن أنس وأبي عثمان النهدي، وعنه عبد الوارث وابن نمير وجماعة، واه، اتهمه بعض الأئمة، وفي الحاشية: عطاء ابن عجلان الحنفي، أبو محمد العطار، قال يحيى: ليس بثقة، وقال مرة: كذاب، وقال مرة: ليس بشيء، كان يوضع له أحاديث فيحدث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث متروك الحديث، وقال: منكر الحديث، وقال الترمذي: ذاهب الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، روى له الترمذي (٢) حديثًا واحدًا عن عكرمة بن خالد عن أبي هريرة مرفوعًا: (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله).
٣٢٨٧، ٣٢٨٨ - [١٤، ١٥] (علي، وعائشة) قوله: (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم. . . إلخ)، لكن النائم يقضي ما فات عنه بخلاف الصبي والمعتوه، وفي طلاق
стр. 3336
٣٢٨٩ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "طَلَاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١١٨٢، د: ٢١٨٩، جه: ٢٠٨٠، دي: ٢/ ١٧٠].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٢٩٠ - [١٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُنْتَزِعَاتُ. . . . .
ــ
الصبي خلاف أحمد في إحدى الروايتين عنه، وأما طلاق السكران فمختلف فيه، فذهب بعضهم إلى أنه لا يقع؛ لأنه لا عقلَ له، وآخرون إلى أنه يقع؛ لأنه عاصٍ لم يَزُلٍ عنه الخطاب، وهو قول مالك وظاهر مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وعن أحمد فيه روايات: في رواية يقع، وفي أخرى يتوقف عن الجواب، وكان يقول: قد اختلف فيه أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وقال في (الهداية) (١): وطلاق السكران واقع، واختيار الكرخي والطحاوي أنه لا يقع، وهو أحد قولي الشافعي لأن صحة القصد بالعقل، وهو زائل العقل فصار كزواله بالبَنْجِ والدواء، ولنا أن العقل زال بسببٍ هو معصيةٌ فجعل باقيًا حكمًا زجرًا له، انتهى. وفي كلامه إشارةٌ إلى أن المراد السكران بالحرام لا بأمر مباح وهو المذهب.
٣٢٨٩ - [١٦] (عائشة) قوله: (طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان) وبهذا الحديث قال أبو حنيفة ﵀: إن الطلاق والعدة باعتبار المرأة، وقال الشافعي: يتعلقان بالرجل.
الفصل الثالث
٣٢٩٠ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (المنتزعات) بكسر الزاي: النساء اللاتي
стр. 3337
وَالْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٤٦١].
٣٢٩١ - [١٨] وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ: أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١١٩٩].
٣٢٩٢ - [١٩] وَعَن مَحْمُودِ بْنِ لَبيِدٍ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ، ثُمَّ قَالَ: "أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ " حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: . . . . .
ــ
ينتزِعْن أنفسَهن عن أزواجهن وينشُزْنَ عليهم، (والمختلعات) بكسر اللام: اللاتي يلتمِسْنَ الخُلعَ، وفي قوله: (هن المنافقات) تشديد وتغليظ، ولعله إنما سماهن منافقات لأن ظاهر الازدواج والاختلاط يقتضي أن لا يبطن العداوة والخلاف.
٣٢٩١ - [١٨] (نافع) قوله: (فلم ينكر ذلك عبد اللَّه) لكون الخلع جائزًا وإن كان بكلِّ ما للمرأة، وإن كان مكروهًا خصوصًا بهذه الصيغة.
٣٢٩٢ - [١٩] (محمود بن لبيد) قوله: (أيلعب) بلفظ المعلوم والمجهول، (بكتاب اللَّه) قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، معناه: التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق، ولهذا قال الحنفية: الجمعُ بين التطليقتين والثلاث بدعةٌ، كذا في (تفسير البيضاوي) (١)، وفي (الكشاف) (٢): والسنة أن لا يُوقِعَ عليها إلا واحدةً في طُهرٍ لا يجامعها فيه، ويفهم من كلام البيضاوي أن كراهة الجمع مذهب الحنفية.
стр. 3338
يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا أَقْتُلُهُ؟ . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٤٠١].
٣٢٩٣ - [٢٠] وَعَن مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِئَةَ تَطْلِيقَةٍ فَمَاذَا تَرَى عَلَيَّ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طُلِّقَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ، وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْتَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا. رَوَاهُ فِي "الْمُوَطَّأ". [ط: ١١٦٨].
٣٢٩٤ - [٢١] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مُعَاذُ مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا. . . . .
ــ
وقال الطيبي (١): إن الجمع بين التطليقات الثلاث دفعة ليس بحرام عندنا، لكن الأولى تفريقها، ويه قال أحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: هو بدعة، ونقل عن أهل الظواهر أنه إذا قال: أنت طالق ثلاثًا لا يقع إلا واحدة، وعن بعض السلف أنه لا يقع شيء، والجمهور على أنه يقع الثلاث وإن كان حرامًا أو خلاف الأولى.
وقوله: (ألا أقتله؟ ) لأنَّ اللعب بكتاب اللَّه كفر، ولم يَدرِ أن المقصود الزجر والتوبيخ، وليس المراد حقيقةَ الكلام.
٣٢٩٣ - [٢٠] (مالك) قوله: (اتخذت بها آيات اللَّه هزوًا) إشارة إلى ما ذكر بعد قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى آخره: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]، فالجمعُ بين الثلاث، والتجاوزُ عنها والزيادةُ عليها كلاهما لعبٌ واستهزاء، والجد والعزيمة أن يطلق واحدة، ولو أراد الثلاث ينبغي أن يفرِّقَ.
٣٢٩٤ - [٢١] (معاذ بن جبل) قوله: (ما خلق اللَّه شيئًا) أي: مما فيه قطع
стр. 3339
عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَتَاقِ، وَلَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٣٩٨٤].
* * *
١٢ - باب
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٢٩٥ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيْرِ. . . . .
ــ
وتفريق، وإنما كان العتاق أحبَّ لأن فِيه رفعَ قيد الرقبة الموجبِ للذل والهوان، وكان الطلاق أبغض لما فيه من قطع علاقة الازدواج المفضي إلى التوالد والتناسل.
١٢ - باب
في متممات ولواحق لما قبله، وفي أكثر النسخ: (باب المطلقة ثلاثًا)، وزاد في بعضها: (وفيه ذكر الظهار والإيلاء).
الفصل الأول
٣٢٩٥ - [١] (عائشة) قوله: (جاءت امرأة رفاعة) تسميتها امرأةَ رفاعةَ باعتبار ما كان، أو لاشتهارها بها.
وقوله: (فبتَّ طلاقي) أي: قطعه وجزم النية به فلم يبق من الثلاث شيئًا. و (الزبير) على وزن أمير، والزبير كله بضم زاي إلا عبد الرحمن بن الزبير فإنه بفتحها.
стр. 3340
وَمَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ " قَالَتْ (١): نَعَمْ قَالَ: "لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٨٤، م: ١٤٣٣].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٢٩٦ - [٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَعَنَ رسولُ اللَّه ﷺ الْمُحَلِّلَ. . . . .
ــ
و(الهدب) بضم الهاء وسكون الدال: خمل الثوب، واحدها بهاءٍ، كذا في (القاموس) (٢)، شبهت ذكره بها في الإرخاء وعدم الانتشار.
و(العسيلة) تصغير عسل، وقد يؤنث، وكذا قيل في تصغيره: عسيلة بالتاء، وقيل: التاء فيها على نية اللذة كناية عن لذة الجماع، وفيه: أنه لابد من إصابة الزوج الثاني في التحليل، ويكفي فيه تغيب الحشفة ولا يشترط الإنزال، وهذا حديث مشهور وقع عليه الإجماع، ولا خلاف فيه إلا ما نقل عن سعيد بن المسيب حيث قال: يكفي فيه النكاح أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقالوا: المراد به الوطء على ما هو أصل معنى النكاح، وتحقيقه في أصول الفقه.
الفصل الثاني
٣٢٩٦، ٣٢٩٧ - [٢، ٣] (عبد اللَّه بن مسعود، علي، ابن عباس، عقبة بن عامر) قوله: (لعن المحلل) اسم فاعل من التحليل، هو الرجل الذي تزوَّجَتْ به للتحليل.
стр. 3341
والمُحلَّلَ لَهُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٧٢].
٣٢٩٧ - [٣] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. [جه: ١٩٣٤].
٣٢٩٨ - [٤] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَقُولُ: يُوقَفُ الْمُؤْلِي. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُنَّةِ". [٢٣٦٣].
ــ
(والمحلل له) بفتح اللام وهو الزوج الأوّل الذي وقع التحليل لأجله، وإنما لعن المحلل لأنه نكح على قصد الفراق، والنكاح شُرع للدوام، وصار كالتيس المستعار على ما وقع في الحديث، واللعن علي المحلل له لأنه صار سببًا لمثل هذا النكاح، والمراد إظهارُ خساستها؛ لأن الطبع السليم ينفر عن فعلها، لا حقيقةُ اللعن، وقيل: المكروه اشتراط التزوج بالتحليل في القول لا في النية، بل قد قيل: إنه مأجور بالنية لقصد الإصلاح، واللَّه أعلم.
٣٢٩٨ - [٤] (سليمان بن يسار) قوله: (يوقف) بصيغة المجهول. و (المؤلي) من فعل الإيلاء، قال في (الهداية) (١): الإيلاء أن يقول الرجل لامرأته: واللَّه لا أقربك، أو قال: واللَّه لا أقربك أربعة أشهر، فهو مُؤلٍ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦]، فإن وطئها في الأربعة الأشهر حنث في يمينه، ولزمته الكفارة، وسقط الإيلاء؛ لأن اليمين يرتفع بالحنث، وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة، هذا مذهبنا ومذهب جماعة من العلماء، وقال الأئمة الثلاثة: لا يقع الطلاق بمضيِّها، بل يوقف، أي: يُحبَس، إما أن يَفِي ويكفر عن يمينه، وإما أن
стр. 3342
٣٢٩٩ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ سَلْمَانَ بْنَ صَخْرٍ -وَيُقَالُ لَهُ: سَلَمَةُ ابْنُ صَخْرٍ- الْبَيَاضِيُّ جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ حَتَّى يَمْضِيَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا مَضَى نِصْفٌ مِنْ رَمَضَانَ وَقَعَ عَلَيْهَا لَيْلًا، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْتِقْ رَقَبَةً" قَالَ: لَا أَجِدُهَا، قَالَ: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ" قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: "أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا" قَالَ: لَا أَجِدُ،
ــ
يُطلِّقَ، وإن أبى طلَّق عليه الحاكم؛ لأنه مانع حقها في الجماع، فينوب القاضي منابه في التسريح، كما في الجَبِّ والعنَّة، ولنا أنَّه ظلمها بمنع حقها فجازاه الشرع بزوال نعمة النكاح عند مضي هذه المدة، وهو المأثور عن عثمان وعلي والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت ﵃ وكفى بهم قدوة، كذا في (الهداية).
٣٢٩٩ - [٥] (أبو سلمة) قوله: (ويقال له: سلمة بن صخر) بفتح اللام، وهذا أصح، كذا في (جامع الأصول) (١)، و (البياضي) نسبة إلى بَياضةَ بن عامر.
وقوله: (جعل امرأته عليه كظهر أمه) المراد تشبيه امرأته بالأم، والظهرُ مُقحَمٌ، وكذا رد اللَّه تعالى عليهم بقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وكان هذا من أيمان الجاهلية، فقرره الشرع ونقل حكمه إلى تحريم موقتٍ بالكفارة غيرِ مزيلٍ للنكاح، فلا يجوز له الوطءُ ولا دواعيه ما لم يُخرِج الكفارة.
وقوله: (حتى يمضي رمضان) دليل على صحة الظهار الموقَّت، فإنه كان ظهاره إلى مضي رمضان.
стр. 3343
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِفَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو: "أَعْطِهِ ذَلِكَ الْعَرَقَ" وَهُوَ مِكْتَلٌ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ صَاعًا "لِيُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٢٠٠].
٣٣٠٠ - [٦] وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، عَن سُلَيْمَانَ ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ نَحْوَهُ، قَالَ: كُنْتُ امْرأً أُصِيبُ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُ غَيْرِي، وَفِي رَوايَتِهِمُا أَعْنِي أَبَا دَاوُدَ وَالدَّارِمِيَّ: "فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكينًا". [د: ٢٢١٤، جه: ٢٠٦٢، دي: ٢/ ١٦٣، ١٦٤].
ــ
وقوله: (لفروة) بالفاء المفتوحة، وفي بعض نسخ (المصابيح): عروة، وهو تصحيف، كذا قالوا.
و(العرق) بفتحتين. وقوله: (مكتل يأخذ) أي: يسع (خمسة عشر أو سنة عشر)، قيل: ليس في بعض النسخ: أو ستة عشر (صاعًا).
وقوله: (ليطعم ستين مسكينًا) يدل على عدم وجوب نصف صاع لكل مسكين، وقد وقع حديث أوس بن الصامت وسهل بن صخر: (لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من بُرٍّ)، ويعتبر بصدقة الفطر، ولعل ما ورد هنا كان قبل ذلك، أو ذلك لخصوصية ذلك الرجل؛ لكونه محتاجًا، كما في تجويز التضحية بجذعة المعز لأبي بردة دون غيره، كما مرّ في التضحية، واللَّه أعلم.
٣٣٠٠ - [٦] (سليمان بن يسار) قوله: (أصيب من النساء ما لا يصيب غيري) يريد كثرة شهوته في النساء، و (الوسق) بسكون السين: ستون صاعًا، أو حمل بعير، كذا في (القاموس) (١).
١٣ - باب
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٣٠٣ - [١] عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ جَارِيَةً كَانَتْ لِي تَرْعَى غَنَمًا لِي، فَجِئْتُهَا وَقَدْ فُقِدَتْ شَاةٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْهَا فَقَالَتْ: أَكَلَهَا الذِّئْبُ، فَأَسِفْتُ عَلَيْهَا وَكُنْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلَطَمْتُ وَجْهَهَا، وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ، أَفَأُعْتِقُهَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيْنَ اللَّهُ؟ " فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ: "مَنْ أَنَا؟ ". . . . . .
ــ
١٣ - بَابٌ
فِي بَيَانِ بَعْضِ أحْكَامِ كَفَّارِةِ الظِّهَارِ، ذكر فيه حديثًا واحدًا من رواية مالك ومسلم، ولم يذكر الفصل الثاني، ولم يشر المؤلف أيضًا إلى هذا كما هو عادته، وكان الظاهر على صاحب (المصابيح) أن يورد هذا الحديث، ولم يضع له بابًا كما لا يخفى.
الفصل الأول
٣٣٠٣ - [١] (معاوية بن الحكم) قوله: (فأسفت عليها) أي: غضِبتُ، يقال: أسف عليه كفرح: غضب، ومنه: (موتُ الفجاءةِ راحةٌ للمؤمن، وأخذةُ أسفٍ للكافر)، والأسف أيضًا شدة الحزن، وعلى هذا يجوز أن يكون الضمير للشاة.
وقوله: (وكنت من بني آدم) وعذر لغضبه ولطمه وجهها.
وقوله: (وعلي رقبة) واجبة من جهة كفارة الظهار أو اليمين أو نحوهما. (أفأعتقها) من تلك الجهات مع أني ندمت من لطمها، وأريد أن أعتقها جزاء من فعلي هذا، ولما كان الإيمان شرطًا في الكفارة امتحن رسول اللَّه ﷺ إيمانها، وسألها: (أين اللَّه؟ ) وفي
стр. 3346
فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْتِقْهَا". رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٧٧٦].
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا،
ــ
رواية: أين ربُّكِ؟ (فقالت: في السماء)، وليس المراد السؤالَ عن مكان الرب تعالى، حاشا من ذلك، بل أراد أن يتعرَّف أنها موحِّدة أو مشركة، فقنع منها بأن نفَت الآلهة الأرضية، وبرأت منها، وعلمت أن لها ربًّا يدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، ولم يطالبها بالتنزيه الصرف والعلم بما يجب الاعتقاد به من صفات الحق تعالى وتقدس، وقد يكتفى بهذا القدر في أمثال ذلك، كذا قالوا، على أن في اشتراط الإيمان في غير كفارة القتل كلامًا بين الأئمة، ولعل الحق كان عنده ﷺ عدمه كما هو مذهب الحنفية، ومع ذلك كان الأولى والأفضل ذلك، ويكفي في ذلك هذا القدر من الإيمان فتدبر، واللَّه أعلم.
وقوله: (الجوانية) بفتح الجيم وتشديد الواو وبعد الألف نون ثم ياء مشددة، هكذا ضبطوا، وكذا ذكره أبو عبيد البكري والمحققون، وحكى عياض تخفيف الياء، والمختار التشديد، وهي موضع بقرب أحد في شمال المدينة، كذا ذكر النووي في (شرح مسلم) (١)، وذكره في (باب تحريم الكلام في الصلاة)، وقال القاضي عياض في (المشارق) (٢): الجوانية بفتح الجيم وتشديد الواو وبعد الألف نون مكسورة بعدها ياء باثنتين تحتها مخففة، كذا ضبطه أكثرهم، وكذا قيدته على أبي بحر، وعند ابن
стр. 3347
وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنْ صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ قُلْتُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ!
ــ
أبي جعفر بتشديد الياء، قال البكري: كأنها تنسب إلى جَوَّانٍ، وهذا يدل على تشديد الياء، وهو أرض من عمل المدينة من جهة الفَرْعِ.
وقوله: (آسف) بفتح السين ومد الهمزة على لفظ المتكلم.
وقوله: (ولكن صككتها صكة) أي: أردت أن أضربها ضربًا شديدًا أوجعها به، وما فعلت ذلك، لكن صككتها صكة، أي: لطمتها لطمة، قال البيضاوي (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾: لطمت بأطراف الأصابع جبهتها فعل المتعجب، هذا وقال في (المشارق) (٣): صَكَّ فِي صدري، أي: ضرب فيه ضربةً شديدةً بكفِّه، وكذلك قوله: (لكني صككتها صكة) أي: لَطَمْتُها، وفي (مجمع البحار) (٤): في حديث موسى: (فلمَّا جاء صكَّه) أي: لطمه على عينه التي رُكِّبت في الصورة البشرية ففقأها، وقال في (القاموس) (٥): صكه: ضربه شديدًا، تعريض أو عام، وقال السيوطي في (مختصر النهاية) (٦): قال ابن الجوزي: الصكة: الدفعة.
وقوله: (فعظم) من التعظيم، والضمير للرسول اللَّه ﷺ ، أي: عدَّ ذلك الفعلَ، أي: اللطمَ عظيمًا.
стр. 3348
أفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: "ائتِني بهَا؟ " فأتيتُه بِهَا فَقَالَ لَهَا: "أَيْنَ اللَّهُ؟ " قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: "مَنْ أَنَا؟ " قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: "أعْتِقْهَا فإنَّها مُؤْمِنَةٌ". [م: ٥٣٧].
* * *
١٤ - باب اللعان
ــ
وقوله: (أفلا أعتقها؟ ) ظاهر هذه الرواية أن سؤاله عن الإعتاق بسبب اللطمة عذر لهذا التقصير، وليس فيه ذكر الإعتاق بسبب كفارة كانت عليه، وقد جاء عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (مَن ضربَ غلامًا له حدًّا لم يأتِه أو لطَمَه، فإن كفَّارتَه أن يُعتِقَه)، رواه مسلم (١)، كما يجيء في الفصل الأول من (باب النفقات) إلا أن يحمل على الرواية السابقة لطي ذكره لاتحاد القصد، ويدل على ذلك سؤاله ﷺ الجارية عن إيمانها، وقولُه: (أعتقها فإنها مؤمنة)، واللَّه أعلم.
١٤ - باب اللعان
لعَنَه كمنعه: طرَدَه فهو لَعِين وملعون، والجمع الملاعين، والاسم اللِّعان، ولاعَنَ امرأتَه لِعانًا وملاعنةً وتلاعن والتعن: لعن بعض بعضًا، ولاعن الحاكم بينهما لعانًا: حكم، وإنما سمي قذف الرجل امرأته بالزنا؛ لأن كل واحد يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذبًا، وقيل: لأنهما لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذبًا فيحصل اللعنة عليه، وفيه ما فيه، وينبغي أن يكون اللعان عند حاكم وجمع من الناس، وذلك تغليظ حتى لا يجترئ على القذف بلا شهود.
стр. 3349
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٣٠٤ - [١] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: إِنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رجُلًا أَيَقْتُلُهُ فِيَقْتُلُونَهُ؟ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا" قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِن أَمْسَكْتُهَا. . . . .
ــ
الفصل الأول
٣٣٠٤ - [١] (سهل بن سعد الساعدي) قوله: (إن عويمرًا) بضم العين وفتح الواو وسكون التحتانية وكسر الميم في آخره راء تصغير عامر. (العجلاني) بفتح العين وسكون الجيم، نسبة إلى بني عجلان بطن من الأنصار.
وقوله: (فيقتلونه) أي: أولياءُ المقتول ذلك الرجلَ القاتلَ، وفي بعض النسخ: (فتقتلونه) بتاء الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، قاله زين العرب، أي: تحكمون بقتله، واختلفوا في مَن قتل رجلًا وجد مع امرأته قد زنى، قال الجمهور: يقتل إلا أن تقوم بذلك بينة، أو يعترف له ورثة القتيل، ويكون القتيل محصنًا، والبينة أربعة من العدول من الرجال يشهدون على الزنا، وأما فيما بينه وبين اللَّه تعالى فإن كان صادقًا فلا شيء عليه، هذا ما قاله الطيبي (١).
وقوله: (كذبت عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها) كلام مستقل توطئة لتطليقها ثلاثًا، يعني إن أمسكتُ هذه المرأة في نكاحي ولم أطلِّقها يلزم كأني كذبتُ فِيما قذفتُها؛ لأنَّ الإمساك ينافي كونها زانيةً، فلو أمسكت فكأني قلت: هي عفيفة لم تزنِ،
стр. 3350
فَطَلَّقهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ، أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا،
ــ
(فطلَّقها ثلاثًا) تصديقًا لقوله: إنه لا يمسكها، وإنما طلقها لأنه ظن أن اللعان لا يحرمها عليه، ولم يقع التفريق من رسول اللَّه ﷺ أيضًا، وهذا يؤيد أن الفرقة باللعان لا يحصل إلا بقضاء القاضي بها بعد التلاعن كما يأتي في الحديث الآتي: (ثم فرّق بينهما)، والجمهور على أنه يقع الفرقة بنفس اللعان، ويحرم عليه نكاحها على التأبيد، نعم يجوز أن يكون عويمرٌ غيرَ عالم بحكم المسألة، فافهم.
وقوله: (إن جاءت) أي: امرأةُ عويمرٍ بالولد (أسحم) أي أسود، والسحم بفتحتين، والسحمة بالضم، والسحام بالضم: السواد.
وقوله: (أدعج العينين) الدَّعَج بفتحتين، والدُّعجة بالضم: شدة سواد العين مع سعتها. (عظيم الأليتين) تثنية ألية بفتح الهمزة وسكون اللام: العجيزة، أو ما رَكِبَ العجز من شحم ولحم، كذا في (القاموس) (١).
(خدلج الساقين) بفتح المعجمة والدال وتشديد اللام: الممتلئ الساقين، أي: عظيمهما، وفي (القاموس) (٢): الخدلجة مشددة اللام: المرأة الممتلئة الذراعين والساقين، وكان الرجل الذي نسب إلى الزنا بهذه الصفة، ولهذا قال: (فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها)، قيل: وفيه جواز الاستدلال بالشبه، ويؤول إلى مسألة الحكم بالقيافة، وسيأتي.
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَالِي قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٥٠، ١٤٩٣].
٣٣٠٧ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْبَيِّنَةَ. . . . .
ــ
ولا تملك منها حِلَّها، أي: حرمت عليك أبدًا، قال الطيبي (١): هذا يدل على أن الفرقة تحصل بنفس الملاعنة، وليس بواضح؛ لأنه يجوز أن يكون قوله هذا بعد التفريق، أي: فرَّقَ وقال: لا يحل لك أبدًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (مالي) أي: ما شأن مالي، أو تقديره: أيذهب مالي، أي: المهرُ الذي أعطيتُها إياه.
وقوله: (فهو) أي: المالُ بدل ما استحللت بها، أي: استمتعت بها وجعلتها حلالًا لنفسك، وهذا بعد الدخول متفق عليه، وأما قبل الدخول فعند أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم اللَّه تعالى لهذا نصف المهر، واختلفت الروايات عن أحمد.
وقوله: (فذلك) أي: عَودُ المهرِ (أبعد وأبعد) تكرير للتأكيد لوجود الاستحلال مع اتهامها وإيحاشها بالقذف.
٣٣٠٧ - [٤] (ابن عباس) قوله: (بشريك) بفتح الشين (ابن سحماء) على وزن حمراء بالسين المهملة وتقديم الحاء المهملة على الميم.
وقوله: (البينةَ) أي: أقِمِ البينةَ.
стр. 3353
أَوْ حَدًّا فِي ظَهْرِكَ" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ" فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ". . . . .
ــ
وقوله: (أو حدًّا) بالنصب، أي: تُحَدُّ حد القذف.
وقوله: (ينطلق) بحذف همزة الاستفهام للإنكار، وهو جواب (إذا).
وقوله: (وإلا حد) الرواية هنا بالرفع، أي: وإلا ثبت حدٌّ في ظهرك.
وقوله: (فلينزلن) بلام التأكيد جوابًا للقسم. و (ما يبرئ) بالتشديد من التبرئة.
وقوله: (وأنزل عليه) بلفظ المجهول والمعلوم، وهو نص في أن نزول الآية في هلال، وقوله ﷺ لعويمر: (قد أنزل فيك) ظاهر في أن النزول في عويمر، والصحيح هو الأول؛ لأنه قد جاء في رواية مسلم في قصة هلال، وكان أول رجل لاعن في الإِسلام، وقوله لعويمر: (قد أنزل فيك) لا يعارضه لأن معناه نزل في شأنك ما نزل في هلال؛ لأن ذلك شامل لجميع الناس، ويحتمل تكرار النزول، كذا قال النووي (١)، واللَّه أعلم.
وقوله: (فشهد) أي: لاعن.
وقوله: (فهل منكما تائب) قيل: الظاهر أنه قال بعد فراغهما من اللعان، وقيل:
стр. 3354
ثُمَّ قَامَتْ، فَشَهِدَتْ فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَفُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي. . . . . .
ــ
قاله قبل تحذيرًا لهما، والظاهر من العبارة أنه قال بعد فراغ هلال وقبل فراغ امرأته.
وقوله: (عند الخامسة) أي: عند الشهادة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩].
وقوله: (وقفوها) أي: حبسوها ومنعوها عن المضي فيها وهدَّدوها، وقيل: معنى (وقفوها) أطلعوها على حكم الخامسة، ولعل هذا القائل قرأه بالتشديد، ولكن المصحح في النسخ: وقفوها بالتخفيف، قال في (القاموس) (١): وقَفَ يقِفُ وُقوفًا: دام قائمًا، ووقَفتُه أنا وَقْفًا: فعَلتُ به ما وقف، كَوَقَّفْتُه وأَوْقَفْتُه، واللَّه أعلم.
وقوله: (إنها موجبة) أي: للتفريق بينكما؛ لأنه يتم به اللعان وبعده التفريق، أو إنها موجبة للعن ومؤدية إلى العذاب إن كانت كاذبة.
وقوله: (فتلكأت) أي: تبطأت ووقفت، في (القاموس) (٢): تلكأ عليه: اعتلَّ، وعنه: أبطأ. (ونكصت) أي: رجعت، في (القاموس) (٣): نكص عن الأمر نَكْصًا ونُكُوصًا: تكَأكَأَ وأحجَمَ، وعلى عقبه: رجع عما كان عليه من خير، خاصٌّ بالرجوع عن الخير، ووهم الجوهوي في إطلاقه، أو في الشر نادر، انتهى.
ولا يخفى أنه استعمل هنا في الرجوع عن الشر، وكفى به للجوهوي تمسكًا
стр. 3355
سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ" فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : . . . . . .
ــ
في الإطلاق، ولذلك رجع صاحب (القاموس) إلى القول بأنه نادر.
وقوله: (سائر اليوم) أي: جميعَ الأيام مدَّةَ عمرِهم، أو عمرِ الدنيا، وأما إرادة أبد الدهر فبعيد، بل لا وجه له، أو ما بقي من الأيام، فالسائر يجيء بمعنى الجميع، واشتقاقه من سور البلد المحيط به بالواو، ويجيء بمعنى ما بقي، واشتقاقه حينئذ من سؤر الطعام والشراب بالهمزة بمعنى البقية والفضلة، وهذا هو المشهور، وقد أنكر بعضهم مجيئه بمعنى الجميع، قال في (القاموس) (١): السائر: الباقي لا الجميع كما توهم جماعات، أو قد يستعمل له، واستشهد له بعدة مواضع. ونقل في (مجمع البحار) (٢): ويستعملونه بمعنى الجميع، وليس بصحيح، بل كلُّ ما استعمل فيه فهو بمعنى الباقي، غير أنهم فسروه في سائر الأيام بالجميع، أي: جميع الأيام، ومن فسره ببقيتها فليس بمصيب، وفيه نظر، انتهى.
وقوله: (فمضت) أي: أتمت وأنفذت.
وقوله: (أكحل العينين) في (القاموس) (٣): الكَحَل محركة: أن يعلو منابتَ الأشفار سوادٌ خِلقةً، أو أن تسودّ مواضع الكحل، كحل كفرح، فهو أكحل، انتهى. والاكتحال والتكحُّل استعمال الكُحْل، ومنه قيل: ليس التكحل كالكحل (سابغ)
стр. 3356
"لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٧٤٧].
٣٣٠٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ" قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . .
ــ
بالغين المعجمة، أي: عظيمهما، درع سابغة: تامة طويلة، وأسبغ اللَّه النعمة: أتمها، والوصف: أبلغه، ويقال للشيء إذا كان تامًا وافيًا وافرًا: إنه سابغ.
وقوله: (لولا ما مضى من كتاب اللَّه) أي: لولا أن القرآن حكم بعدم إقامة الحد أو التعزيز على المتلاعنين لفعلت بها ما فعلت، قالوا: وفي الحديث دليل على أن الحاكم لا يلتفت إلى المظنة والأمارات والقرائن، وإنما يحكم بظاهر ما تقتضيه الحجج والدلائل، ويفهم من كلامهم هذا أن الشبه والقيافة ليست حجة، وإنما هي أمارة ومظنة فلا يحكم بها كما هو مذهبنا.
٣٣٠٨ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لم أمسه) بحذف حرف الاستفهام جواب لو، كما ذكرنا في الحديث السابق من قوله: (إذا رأى أحدُنا على امرأته رجلًا ينطلقُ).
وقوله: (كلا. . . أَلخ) ليس ردًّا لقول النبي ﷺ ومخالفة لأمره، وإنما حاصل كلامه الإخبار عن حقيقة حاله عند رؤية أحد مع امرأته من استيلاء الغضب ومعاجلته بالسيف أو الطمع في الرخصة (١).
стр. 3357
"اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ، إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٩٨].
٣٣٠٩ - [٦] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ. . . . .
ــ
وقوله ﷺ : (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم. . . إلخ) ليس تقريرًا ومدحًا له على المعاجلة بالسيف وقتله الرجل بدون الشهداء، بل حاصله مدح صفة الغيرة، وأنه من سمت سادات الناس وكرامهم، واعتذار من جانب بأنه إنما صدر منه هذا القول من غاية غيرته وحميته، وأكَّده بقوله: (وأنا أغير منه، واللَّه أغير مني) والغيرة تغيُّرٌ يعتري الإنسانَ عند رؤيته ما يكره على الأهل وما يتعلق به، والغيرة من اللَّه زجر يزجر به عباده عن المعاصي، كما يأتي في الحديث الآتي.
٣٣٠٩ - [٦] (المغيرة) قوله: (غير مصفح) الصفح: الجانب، ومنك: جنبك، ومن الوجه والسيف: عرضه، ويضم، فمعنى قوله: (غير مصفح) غير ضارب بصفح السيف، أي: جانبه، بل بحدّه، يقال: أَصفَحَه بالسيف: ضربه بعرضه وجانبه لا بحدّه، فقوله: غير مصفح بكسر الفاء، قيل: وبفتحها أيضًا. وفي (فتح الباري) (١): قال عياض: هو بكسر الفاء وسكون الصاد المهملة، وقد رويناه أيضًا بفتح الفاء، فمن فتح جعله وصفًا للسيف وحالًا منه، ومن كسر جعله وصفًا للضارب وحالًا منه، وزعم ابن
стр. 3358
حَرَّمَ اللَّهُ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤١٦، م: ١٤٩٩].
٣٣١٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ، وَإنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ لَا يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٢٣، م: ٢٧٦١].
ــ
التين أنه وقع في سائر الأمهات بتشديد الفاء.
وقوله: (حرم اللَّه الفواحش) ورتب عليها العقوبة في الدنيا والآخرة، ويريد أن لا يصيبه مكروه، ولا يبعد من حضرته، ولا يتطرق إليه آفة بارتكاب المعاصي.
وقوله: (ولا أحد أحب إليه العذر) روي أحب بالرفع والنصب، والمراد بالعذر الإعذار، وهو بمعنى إزالة العذر، يعني إنما بعث اللَّه تعالى الرسل ليزيل أعذارهم كما قال ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، كذا قالوا، فتأمل.
وقوله: (ولا أحد أحب إليه المدحة) بكسر الميم، أي: المدح والثناء على ذاته وصفاته وأفعاله، (ومن أجل ذلك وعد اللَّه الجنة) ليفي بوعده، فيشكروه ويمدحوه، أو لأنه لما وعد ورغب فيها كثر سؤال العباد وثناؤهم إياه تعالى.
٣٣١٠ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه تعالى يغار) من باب خاف يخاف.
وقوله: (وغيرة اللَّه أن لا يأتي) أي: لأجل أن لا يأتيَ المؤمنُ ما حرَّمَ اللَّه.
стр. 3359
٣٣١١ - [٨] وَعَنْهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ " قَالَ: حُمْرٌ قَالَ: "هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا قَالَ: "فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ " قَالَ: عِرْقٌ نَزَعَهَا قَالَ: "فَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نزَعَهُ"، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣١٤، م: ١٥٠٠].
٣٣١٢ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ. . . . .
ــ
٣٣١١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (هل فيها من أورق) أي: أسود، والوُرْقةُ سواد في غُبْرةٍ كلون الرَّماد، ولهذا سميت الحمامة ورقاء، والوُرْق بضم الواو وسكون الراء جمع أورق.
وقوله: (فأنى ترى ذلك؟ ) أي: من أين، أو كيف تظن ذلك؟ وقد يفتح ترى من الرؤية العلمية، فإن قلت: لم لم يعتبر وصف اللون في هذا الحديث، واعتبر الأوصاف في حديث عويمر وشريك؟ قلت: لأنها كانت أظهر في الدلالة والأمارة بخلاف اللون وحده، وأقول: لعله ﷺ عرف هناك بالوحي دون هنا، واللَّه أعلم.
٣٣١٢ - [٩] (عائشة) قوله: (كان عتبة بن أبي وقاص) قال أبو نعيم: ذكره بعض المتأخرين في الصحابة، وقال: وعتبة هو الذي شجَّ وجهَ رسول اللَّه ﷺ وكسر رباعيته يوم أحد، وما علمت له إسلامًا، ولم يذكره أحد من المتقدمين من الصحابة، كذا في (أسد الغابة) (١).
стр. 3360
إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ: إِنَّهُ ابْنُ أَخِي، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي، فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَخِي كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ ولِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ" ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: "احْتَجِبِي مِنْهُ" لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: "هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمَعَةَ" مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٤٥، م: ١٤٥٦].
ــ
وقوله: (ابن وليدة زمعة) أي: جاريته، وزمعة بسكون الميم وفتحها هو والد سودة زوجة النبي ﷺ ، يعني أنه كان وطئَ هذه الجارية، وولدت ابنًا، فظن عتبة أن نسب ولد الزنا ثابت عن الزاني إذا استلحقه، على ما هو عادة الجاهلية، فأوصى بأخيه سعد بن أبي وقاص، وأمره بأن يقبض ذلك الابن إلى نفسه.
وقوله: (وقال عبد بن زمعة: أخي) لأنه كان يطؤها بملك اليمين، وقد ولدت على فراشه، وكان حكم الجاهلية أنه إذا استلحق الولدَ أحدٌ من الزاني والسيد فذاك، وإن استلحقه كلُّ واحد منهما وتنازعا فيه عُرِض على القائف.
وقوله: (فتساوقا) أي: ذهبا وترافعا، أي: عتبةُ وعبدٌ.
وقوله: (وللعاهر) أي: الزاني (الحجر) كناية عن الحرمان، والمراد الرجم.
وقوله: (شبهه) الرواية بفتحتين.
وقوله: (من أجل) متعلق بـ (قال)، وهو حكايةٌ من الراوي.
стр. 3361
٣٣١٣ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ فَقَالَ: "أَيْ عَائِشَةُ! أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ، فَلَمَّا رَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قطيفةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعضٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٧١، م: ١٤٥٩].
٣٣١٤ - [١١] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي بَكْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ [أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ] فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ". . . . . .
ــ
٣٣١٣ - [١٠] (عنها) قوله: (أن مجزِّزًا) بضم الميم وفتح الجيم وبالزايين المنقوطتين الأولى منهما مشددة مكسورة، وهو من بني مدلج بضم الميم وسكون الدال وكسر اللام في آخره جيم.
وقوله: (رأى أسامة وزيدًا) وهما نائمان في المسجد، وكان المنافقون يقدحون في نسب أسامة لكونه أسود، وكان زيد أبيض، وإن كانت أم أسامة وهي أم أيمن سوداء، فلما حكم هذا القائف بإلحاق نسبه يزيد، وكانت العرب تعتمد قول القائف فرح النبي ﷺ ؛ لكونه زاجرًا لهم عن الطعن في نسبه، ولا يلزم من هذا اعتبارُ قول القائف في إثبات النسب في الشرع، وإنما المقصد إلزام الكفار في الطعن في نسبه، وهو المذهب عندنا، والشافعي وغيره يعتبرون القيافة، كما إذا جاءت جارية بولد بين شريكين ودعاه كل واحد منهما، وعندنا يجعل ولدًا لكل منهما في حكم الشرع.
٣٣١٤ - [١١] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (من ادعى إلى غير أبيه) أي: نسب نفسه إلى غير أبيه.
وقوله: (فالجنة عليه حرام) تغليظ وتشديد، أو المراد المستحلُّ، أو لا يدخل
٣٣١٧ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ لِي امْرَأَةً لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "طَلِّقْهَا" قَالَ (١): إِنِّي أُحِبُّها قَالَ (٢): "فَأَمْسِكْهَا إِذًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: رَفَعَهُ أَحَدُ الرُّوَاةِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَحَدُهُمْ لَمْ يَرْفَعْهُ، قَالَ: وَهَذَا الحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ. [د: ٢٠٤٩، ن: ٣٤٦٥].
٣٣١٨ - [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ كلَّ مُسْتَلْحَقٍ. . . . . .
ــ
٣٣١٧ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (لا ترد يد لامس) أي: لا تمنع نفسها مَنْ يقصدها بفاحشة، ويؤيده قوله: (لامس)، وقيل: معناه: لا ترد يد من يأخذ شيئًا مما في البيت، وقد يرجح هذا المعنى بأن النبي ﷺ لا يأمر بإمساك الفاجرة، وقد يوجّه بأنه يمكن أنه أمر به بسبب شدة محبته إياها لئلا يقع من مفارقتها في الفتنة، لكنه يحفظها ويمنعها عن الزنا والوقوع في الفاحشة، ويجوز أن يكون هذا معنى قوله: (فأمسكها) (٣) أي: حافظها وامنعها عن الزنا، فافهم.
وقوله: (وهذا الحديث ليس بثابت) أي: وصلُه.
٣٣١٨ - [١٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (أن كل مستلحق) بفتح الحاء الذي طلب الورثةُ إلحاقَه بهم، ومعنى استلحقه: ادَّعاه.
стр. 3364
اسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ، فَقَضَى أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَصَابَهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا قُسِمَ قَبْلَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ، وَمَا أَدْرَكَ مِنْ مِيرَاثٍ لَمْ يُقْسَمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ، وَلَا يُلْحَقُ إِذَا كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ وَلَا يَرِثُ،
ــ
وقوله: (استلحق) بلفظ المجهول كالصفة الكاشفة لـ (مستلحَق).
وقوله: (بعد أبيه) أي: بعد موت أبيه، وإضافة الأب إليه باعتبار الادعاء والاستلحاق كما قال: (الذي يدعى له).
وقوله: (ادعاه ورثته) قال الطيبي (١): إنه خبر (أن)، ولعله بتقدير هو الذي ادعاه، ولا شك أنه لا فائدة في هذا الإخبار؛ لأنه يفهم من عنوان المبتدأ، وعندي أنه وصف ثان لقوله: (مستلحق) تأكيدًا وتفسيرًا لمعناه كالأول، وخبر (أن) ما يفهم من مضمون قوله: (أن من كان. . . إلخ)، وهذا الوجه ورد في خاطري، ثم وقع النظر في الحاشية الشريفة فظهر أنه من توارد الخاطرين، تقديره: أن كلَّ مستلحَق حكمُه أنَّ مَن كان من أمة. . . إلخ، فافهم.
وقوله: (فقضى) تكرير لـ (قضى) الأول للبعد، أو المراد أراد أن يقضي فقضى.
وحاصل هذه الأحكام أن المستلحَق إن كان من أمَة للميت يملكها يوم جامعها فقد لحق بمن استلحقه من الورثة، وصار وارثًا في حقه كلًّا أو بعضًا، ولكن ليس له
стр. 3365
وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ (١) ادَّعَاهُ، فَهُوَ وَلَدُ زِنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٢٦٥].
٣٣١٩ - [١٦] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِن الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ،
ــ
نصيب مما قُسِم من الميراث قبل الاستلحاق، وما لم يُقسَم بعدُ فله نصيبه منه، وهذا إذا لم يكن الرجلُ الذي يُدعَى له قد أنكره في حياته، فإن كان قد أنكره قبلُ لم يرث، ولم يُفِد الاستلحاقُ، وإن كان من أمةٍ لم يملكها يومَ جامعَها بأن كان من أمةِ غيره زنا بها، أو كان من حرةٍ زنا بها؛ فإنه لا يلحق بلفظ المجهول، أي: لا يجوز إلحاقه بالميت، ولا يرث، ويجوز أن يكون بلفظ المعلوم، وكذا (يلحق) الأول.
وقوله: (وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه) إن متصلة، تأكيد لما قبله من عدم جواز الإلحاق في صورة الزنا بأمة غيره أو حرة، أي: لا يرث في هذه الصورة، أعني أن يكون من أمة غيره أو حرة زنا بها، لأنه ولد زنًا، وإن كان ادعاه في حياته لأنه ولد زنا لا يثبت نسبه منه، سواء كان من حرة أو أمة فليفهم.
٣٣١٩ - [١٦] (جابر بن عتيك) قوله: (وعن جابر بن عتيك) على وزن كريم.
وقوله: (في الريبة) بالكسر: التهمة، أي: يكون في مواضع الشك والتردد بحيث يمكن اتهامها فيه، كما كانت زوجته أو أمته تدخل على أجنبي، أو يدخل أجنبي