← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

٣٤٠٨ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٤٨]. ٣٤٠٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى؛ فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ. . . . . . ــ ذلك بتعظيم اللَّه سبحانه، وإلا فالحرمة والكراهة باقٍ، وهو حكم الحلف بغير أسماء اللَّه وصفاته كائنًا من كان، وأما إقسام اللَّه سبحانه ببعض مخلوقاته تنبيهًا على شرفها فخارج عن المبحث، فإنه لا يقبح من اللَّه شيء؛ فإن معنى القبح عندنا هو كون الفعل متعلَّقَ النهي، وهو من صفات أفعال العباد، كما قال أصحابنا في إسناد المكر والخداع إلى اللَّه سبحانه، وتأويلهما بجزائهما مبنيٌّ على مذهب الاعتزال كما قرر في موضعه. ٣٤٠٨ - [٣] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: (لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم) (١) نهوا عن ذلك لئلا يسبق لسانهم به جريًا على ما تَعوّدوه في الجاهلية، وإلا فالمسلمون كيف يقسمون بالطواغي، والطواغي والطواغيت جمع طاغية، والمراد بها الأصنام؛ لأنها سبب الطغيان فكأنها فاعلة له. ٣٤٠٩ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى؛ فليقل: لا إله إلا اللَّه) يحتمل أن يكون معناه أنه سبق لسانه به، فليتداركه بكلمة التوحيد؛ لأنه صورة الكفر، وإلا فإن كان على قصد التعظيم فهو كفر وارتداد، يجب العود عنه بالدخول في الإسلام.

стр. 3432

فَلْيَتَصَدَّقْ". مُتَفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٦٦٥٠، م: ١٦٤٧]. ٣٤١٠ - [٥] وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ عيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ. . . . . ــ وقوله: (فليتصدق) أي: بالمال الذي عزم على المقامرة به، أو بشيء من ماله كفارة لما جرى على لسانه وعزم عليه. ٣٤١٠ - [٥] (ثابت بن الضحاك) قوله: (من حلف على ملة غير الإسلام) نحو: إن فعل فهو يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو من النبي، أو من القرآن. وقوله: (كاذبًا) بأن كان قد فعله إن كان الحلف على الماضي، أو لم يفعل إن كان في المستقبل؛ فإن المقصودَ من هذا الحَلِفِ المنعُ عن الفعل، فصدقُه بأن لا يفعلَ، وكذبُه بأن يفعلَ. وقوله: (فهو كما قال) ظاهر الحديث أنه يصير كافرًا، إما بمجرد الحلف، أو بعد الحنث، كذا قال الطيبي (١)، والظاهر أنه إن حلف على الماضي يكفر بمجرد الحلف، وإن حلف على المستقبل يكفر بعد الحنث. اعلم أنه قد اختلف في كون هذا القول يمينًا، أعني يمينًا تجب فيه الكفارة، وأما تسمية التعليق يمينًا وحلفًا فهو شائع في كلام الفقهاء، وذلك بمعنى تقوية الحكم، فإن اليمين يجيء بمعنى القوة، والكلام هنا في اليمين الذي تجب فيه الكفارة؛ فذهب كثير من الأئمة أنه يمين تجب الكفارة عند الحنث، وهو المذهب عندنا؛ لأنه لما علَّقَ الكفرَ بذلك الفعل فقد حرَّمَ الفعلَ، وتحريمُ الحلالِ يمينٌ، وكذا عند أحمد في أشهر الروايتين، واختيار جمهور أصحابه، قالوا: لأن التزام ذلك يقتضي الكفر، وذلك

стр. 3433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبلغ في انتهاك الحرمة من انتهاك حرمة القسم، فكان بإيجاب الكفارة أولى، وقال مالك والشافعي وغيرهما من أهل المدينة: إنه ليس بيمين ولا كفارة؛ لأن ذلك ليس باسم اللَّه ولا صفته؛ فلا يدخل في الأيمان المشروعة، وقد قال ﷺ : (من كان حالفًا فلا يَحلِفْ إلا باللَّه) (١)، ولم يتعرض في الحديث للكفارة، بل قال: فهو كما قال، ونقل عن أحمد أيضًا كذلك، لكن الأشهر منه هو الأول، ونقل عنه بعض أصحابه أنه قال: أحبُّ إليَّ أن يكفِّرَ كفارةَ يمينٍ. وكما اختلفوا في كونه يمينًا اختلفوا في أنه هل يصير به كافرًا؟ فقال بعضهم: المراد بقوله: (فهو كما قال) التهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم بأنه صار يهوديًّا أو بريئًا من الإسلام، كما في قوله: (مَن تركَ الصلاةَ فقد كفرَ)، وقال آخرون: إنه يكفر لأنه إسقاط لحرمة الإسلام ورضًى بالكفر، وعندنا لا يكفر بهذا القول، سواء علق الكفر بفعل ماض أو مستقبل، وعند بعض مشايخنا: إن علقه بفعل ماض يكفر، نحو إن كان فعَلَ أمسِ كذا فهو كافر؛ لأن التعليق بفعل يعلم أنه قد وقع تنجيز، لأن التعليق بشيء كائن ئابت تنجيزٌ معنًى، لكن الصحيح أنه لا يكفر إن كان يعلم أنه يمين، لأن الكفر إنما يكون بالاعتقاد، والمقصود من اليمين زجر النفس وتحذيره عن الفعل بتعليقه بشيء هو مكروه عنده ومحظور، فإن كان عند الحالف أنه يكفر بهذا القول يكفر فيهما، أي: في الماضي والمستقبل؛ لأنه رضي بالكفر حين أقدم على الفعل، هذا محصَّل ما ذكر في (الهداية) (٢)، و (شرح الوقاية) (٣).

стр. 3434

وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَن لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كقَتْلِهِ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٤٧، م: ١١٠]. ــ وإن قال: إن فعل كذا فهو زانٍ، أو سارق، أو لشارب خمر، أو آكل ربا لم يكفر؛ لأن حرمة هذه الأشياء يحتمل النسخ والتبديل، فلم يكن في معنى حرمة الكفر، ولأنه ليس بمتعارف، كذا في (الهداية) (١). وقوله: (وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك) صورته أن يقول: إن شفى اللَّه مريضي فالعبدُ الفلاني حرٌّ، وليس في ملكه، وإن دخل بعد ذلك في ملكه لم يلزمه الوفاء بنذره، بخلاف ما إذا علق عِتقَ عبدٍ بملكِه؛ فإنه يعتق عندنا بعد التملك. وقوله: (ومن قتل نفسه بشيء. . . إلخ)، كمن قتل نفسه بسكين يعاقب عليه بأن يؤتى يوم القيامة سكينًا يقتل نفسه به إلى ما شاء اللَّه كما جاء في حديث آخر في قاتل النفس. وقوله: (ومن لعن مؤمنًا فهو) أي: اللعن (كقتله) في التحريم والعقاب، وهذا قريب من إلحاق الناقص بالكامل تغليظًا وتشديدًا، وهذا إن أراد أعمَّ من لعن الكافرين، وإن أراده فهو في حكم القذف بالكفر كما قال: (ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله) وهذا التشبيه أظهر؛ لأن الكفر من أسباب القتل، فكان الرمي به كالقتل. وقوله: (ليتكثر بها) إشارة إلى علة الدعوى في الأغلب، وليس تقييدًا بأن

стр. 3435

٣٤١١ - [٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧١٨، م: ١٦٤٩]. ــ لا يترتب الجزاء عند عدم قصد التكثير، ويحتمل أن يكون اللام للعاقبة، فافهم. ٣٤١١ - [٦] (أبو موسى) قوله: (إن شاء اللَّه) هو للتبرك وإظهار الرغبة. وقوله: (لا أحلف على يمين) قيل: المراد باليمين هنا المحلوف عليه؛ فإنه قد يطلق عليه مجازًا لتلبُّسِه باليمين، كذا نقل عن (الكشاف) (١)، وقال الشُّمُنِّي (٢): حقيقة اليمين جملتان، إحداهما مُقْسَمٌ به، والأخرى مُقْسَمٌ عَلَيْه، فَذُكِر الكلُّ وأريد البعضُ، وقيل: ذُكِرَ اسمُ الحالِّ وأريد المحلُّ؛ لأن المحلوف عليه محلُّ اليمين، وقول صاحب (الكشاف): (لتلبُّسه بها) يشمل الكل، وقيل: (على) بمعنى الباء. وقال الكرماني: حلفت على يمين، أي: بيمين، أو المراد بها المحلوف عليه مجازًا، وأقول: يجوز أن يضمن (أحلف) معنى أعزم وأقبل، ففيه إشارة بأن يمين اللغو لا ينعقد، ويجوز أن يحمل اليمين على الكلام الذي فيه اليمين، كالإنشاء والخبر يطلقان على الكلام وفعل المتكلم، هذا والموافق بسياق الكلام من قوله: (فأرى غيرها) أن المراد به المحلوف عليه، ويحتمل الاستخدام أيضًا. وقوله: (إلا كفرت عن يميني) أي: أحنِّثُ نفسي، ثم أكفِّرُ، وذهب الأئمة الثلاثة إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث، إلا أن الشافعي ﵀ خصص بالمالي منها، والاستدلال لهم على ذلك بهذا الحديث لا يتم؛ لأن الواو لمطلق الجمع،

стр. 3436

٣٤١٢ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ! لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" وَفِي رِوَايَةٍ: "فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٧، م: ١٦٥٢]. ــ ولا يدل على الترتيب، فهذا لا يدل على تقديم الكفارة على الحنث، كما أن الرواية التي تأتي في الحديث الآتي: (فأْتِ الذي هو خير وكفِّرْ عن يمينك) لا يدل على الأمر بالحنث قبل التكفير. فإن قلت: الرواية التي فيها فاء التعقيب صريح في تقديم التكفير؛ لأن الفاء يدل على اتصاله برؤية غيرها خيرًا، فيكون مقدّمًا على الفعل الذي هو الحنث؟ قلت: الواقع تحت الفاء مجموع التكفير والحنث، والواقع بينهما الواو، فلا يثبت بينهما الترتيب. والحق أن الأحاديث خالية عن الدلالة على التقديم والتأخير، وتجويزهم التقديم بدليل آخر، وهو القياس على تقديم الزكاة على الحول، وتحقيقه في أصول الفقه (١). ٣٤١٢ - [٧] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: (عن مسألة) أي بعد سؤال وطلب. وقوله: (أعنت عليها) أي: أعانك اللَّه على تلك الإمارة بالتوفيق على رعاية العدالة فيها.

стр. 3437

٣٤١٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٥٠]. ٣٤١٤ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ لأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٢٥، م: ١٦٥٥]. ــ ٣٤١٣ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (وليفعل) أي: ليحنث نفسه وليفعل. ٣٤١٤ - [٩] (عنه) قوله: (واللَّه لأن يلج) اللام للابتداء و (أن يلج) بتأويل المصدر، ويلَجَّ من اللجاج بفتح اللام وكسرها، و (آثم) بمد همزة ومثلثة مفتوحة على صيغة التفضيل، يعني لجاجه، أي: صبره وإصراره على يمينه التي يتعلق بأهله أكثرُ في سببية الإثم من حنثه في يمينه وإعطائه الكفارة، فقوله: (آثم) من المجود، ووصف اللجاج به مجاز باعتبار السببية، ويحتمل من المزيد على قول من يجوز اشتقاق اسم التفضيل منه. وفي (الصراح) (١): إيثام: دربزه أفكَندن، ومضمون ما سبق من الأحاديث الناطقة بأن من حلف فرأى غيره خيرًا فليفعل ويكفِّر، واليمين في أهله التي يتضررون بالبر فيها ويفوت حقهم به إحدى الصور التي يرى غيرَ المحلوف عليه فيها خيرًا. بقي أنه يفهم من صيغة التفضيل أن يكون الإثم ثابتًا في الحنث وإعطاء الكفارة أيضًا، مع أن الخيرية منحصرة فيه، ويجب ذلك عليه، فيجاب بأن ذلك باعتبار أن في الحنث هَتْكَ حرمةِ اسم اللَّه في الظاهر، أو باعتبار توهم الحالف أن في الحنث

стр. 3438

٣٤١٥ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيهِ صَاحِبُكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٥٢]. ٣٤١٦ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَخلِفِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٥٣]. ٣٤١٧ - [١٢] وعَن عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ. . . . . ــ إثمًا، وفي حديث آخر: (إذا استلجَّ أحدُكم يمينَه فإنه آثمُ له عند اللَّه من الكفارة) (١)، واستلجَّ استفعل من اللجاج، وروي (إذا استلجَجَ) بترك الإدغام. ٣٤١٥ - [١٠] (وعنه) قوله: (يمينك) مبتدأ، و (على ما يصدقك عليه صاحبك) خبره، أي: المعتبر في صمدق اليمين نية صاحبك الذي يستحلفك وما قصده، لا يعتبر فيها توريةُ الحالف ونيتُه، وهذا إذا كان المستحلِفُ صاحب حق يبطل بالتورية، كما في صورة استحلاف القاضي، أو نائبه المدعى عليه، أو لم يكن كذلك، أو لم يكن هناك مستحلف، فلا بأس بالتورية لا سيما إذا كان فيه نفع لأحدٍ كما إذا تعرض أحدٌ أحدًا، فقلت: هو أخي مريدًا به أخوة الإسلام ونحو ذلك. ٣٤١٦ - [١١] (وعنه) قوله: (اليمين على نية المستحلف) وهو المراد بـ (صاحبك) في الحديث السابق كما شرحنا. ٣٤١٧ - [١٢] (عائشة) قوله: (في قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه) من عادة العرب أن يقولوا كثيرًا في محاوراتهم: لا واللَّه، بلى واللَّه، ولا اعتبار له ولا ينعقد

стр. 3439

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" لَفْظُ "الْمَصَابِيحِ" وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ. [خ: ٦٦٦٣]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٤١٨ - [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٣٢٤٨، ن: ٣٧٦٩]. ــ يمينًا، ولهذا يسمى يمين اللغو (١)، وقد يفسر يمين اللغو بما حلف ظانًا أنه حق وليس بحق ولا يؤاخذ به، واللَّغو واللَّغاءُ: السَّقطُ وما لا يُعتَدُّ به من كلام وغيره، كذا في (القاموس) (٢). وقوله: (وفي شرح السنة لفظ المصابيح)، وهو قوله: (وعن عائشة قالت: لغو اليمين قول الإنسان: لا واللَّه، وبلى واللَّه)، ورفعه بعضهم عن عائشة، أي: متجاوزًا عن عائشة غير موقوف عليها، والحديث مرفوع سواء يرفعونه أم لا؛ لأن تفسير الصحابي فيما يتعلق بسبب نزول آية في حكم المرفوع، كذا ذكر في أصول الحديث، ولهذا رواه البخاري في (صحيحه). الفصل الثاني ٣٤١٨ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (ولا بالأنداد) أي: الشُّركاءِ، وهي الأوثان.

стр. 3440

٣٤١٩ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٥٣٥]. ٣٤٢٠ - [١٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٥٣]. ــ ٣٤١٩ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (فقد أشرك) أي: المحلوف به مع اللَّه في التعظيم، وقد قيل: بالتكفير، وهو تغليظ، اللهم إلا أن يقصد حقيقة التعظيم والتشريك، واللَّه أعلم. ٣٤٢٠ - [١٥] (بريدة) قوله: (من حلف بالأمانة فليس منا) أي: ممَّن اقتدى بطريقتنا، بل من المتشبهين بغيرنا، فإنه من دَيدَن أهل الكتاب، ولعدم دخولها في أسماء اللَّه وصفاته، وقيل: أراد بالأمانة الفرائض، أي: لا تحلفوا بالصلاة والحج ونحوهما، وقال التُّورِبِشْتِي (١): إذا حلف بأمانة اللَّه، فقد اختلف فيه أقاويل العلماء، والمشهور عن أبي حنيفة ﵀ أن يمينه تنعقد، فجعل أمانة اللَّه من الصفات؛ لأن من أسماء اللَّه الأمين، وأحلّها بمحل الإرادة من المريد، والقدرة من القدير، ويحتمل أن يقال: إنه في معنى كلمة اللَّه، على ما ذهب إليه غير واحد من علماء التفسير في تأويل قوله سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقالوا: الأمانة كلمة التوحيد، وقد روي عن أبي يوسف خلافه، واختار الطحاوي أن اليمين لا تنعقد بأمانة اللَّه، سواء نوى اليمين أو لم ينو، انتهى. وعند أحمد: إن حلف بأمانة اللَّه وعهده وميثاقه، إن أضافها إلى اللَّه، أو نوى بها صفة اللَّه، فهو يمين موجب للكفارة، وإن قال: والأمانة والعهد وأطلق، فروايتان،

стр. 3441

٣٤٢١ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلَامِ؛ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلَامِ سَالِمًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٢٥٨، ن: ٣٧٧٢، جه: ٢١٠٠]. ٣٤٢٢ - [١٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اجْتَهَدَ فِي الْيَمِينِ قَالَ: "لَا، وَالَّذِي نَفْسُ. . . . . ــ لكنه يكره اليمين بالأمانة لورود النهي عنه، والنهي إما للتحريم أو للكراهة، وظاهر كلام بعض أصحابه (١) أن ما عدا أسماء اللَّه وصفاته لا تنعقد اليمين به، وبهذا يظهر أن القول بكون اليمين بأمانة اللَّه منعقدًا لا ينافي ورود النهي عن ذلك؛ لما فيه من التشبه بأهل الكتاب، فتدبر. ٣٤٢١ - [١٦] (عنه) قوله: (إني بريء من الإسلام) أي قال: إن فعلت كذا فإني بريء من الإسلام، يعني حلف ببراءته من الإسلام، كما مرّ في (الفصل الأول) من حديث ثابت بن الضحاك: (مَن حلفَ على ملَّةٍ غيرِ الإسلامِ)، فيكون معنى قوله: (فإن كان كاذبًا) أنه فعل كذا لأن اليمين للمنع. وقوله: (وإن كان صادقًا) يعني لم يفعل وبرّ في يمينه، فحينئذ لا يكفر، ولكن لن يرجع إلى الإسلام سالمًا؛ فإن الحلف بشيء يحتمل الكفر على تقدير الحنث لا يليق بحال المسلم، ولا ينبغي أن يتجاسر عليه، وحاصله أنه يأثم بهذا الحلف، فافهم. ٣٤٢٢ - [١٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إذا اجتهد في اليمين) الاجتهاد: بذل الوسع في طلب الأمر، يعني كان إذا بالغ في تقرير القسم وتأكيده أقسم بهذا

стр. 3442

أَبِي الْقَاسِم بِيَدِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٦٤]. ٣٤٢٣ - [١٨] وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَلَفَ: "لَا، وَأَستَغْفِرُ اللَّه". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه. [د: ٣٢٦٥، جه: ٢٠٩٣]. ٣٤٢٤ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، ــ النوع من الكلام، فإنه يدل على كمال قدرة الحق وتسخيره نفسه الكريمة العظيمة، وفي العدول عن اسمه الشريف كما هو الغالب في الأحاديث من قوله: (والذي نفس محمد بيده) إلى كنيته المباركة أيضًا نوع من مزيد الاجتهاد والاهتمام، وكلمة (لا) ظاهره نفيٌ وردٌّ للكلام السابق، ولكن جرت العادة بذكرها من غير أن يكون كلام سبق فرضًا وتقديرًا، واللَّه أعلم. ٣٤٢٣ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (لا وأستغفر اللَّه) قيل: تقديره: لا أقسم، يكون (لا) زائدة للإشارة إلى ظهور المقسم عليه، أو ردًا لكلام سابق، و (أقسم) إنشاء قسم، كما هو المشهور في توجيه هذا الكلام الواقع في الآيات القرآنية، وزيادة (أستغفر اللَّه) عقيبه تداركٌ لما جرى على لسانه من يمين اللغو من غير قصد، وإن كان معفوًا عنه، وقيل: سماه حلفًا مجازًا وتشبيهًا، ومعناه أستغفر اللَّه إن كان الأمر على خلاف ذلك، فهو يؤكد الكلام ويقرره، فلهذا سماه حلفًا مجازًا وتشبيهًا في معنى التقرير والتأكيد. ٣٤٢٤ - [١٩] (ابن عمر) قوله: (فقال: إن شاء اللَّه) يعني متصلًا، والعمل

стр. 3443

وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. [ت: ١٥٣١، د: ٣٢٦١، ن: ٣٨٢٨, جه: ٢١٠٥، دي: ٢/ ١٨٥]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٤٢٥ - [٢٠] عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ ابْنَ عَمٍّ لِي آتِيهِ أَسْأَلُهُ فَلَا يُعْطِينِي وَلَا يَصِلُنِي، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ فَيَأْتِينِي فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَن لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ٣٧٨٨، جه: ٢١٠٩]. ــ على هذا عند أكثر أهل العلم، قال محمد ﵀ في (موطئه) (١): وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة ﵀ إذا قال: إن شاء اللَّه ووصله بيمينه فلا شيء عليه، وقال: الاستثناء بعد حين غير جائز، وحكاية الإمام أبي حنيفة في طلب الخليفة ومعاتبته إياه في مخالفة جده ابن عباس في القول بجواز الاستثناء متصلًا، واعتذاره بأنه حينئذ لا يتم لهم البيعة مشهورة، وحد الوصل قيل: بأن لا يشتغل بكلام آخر، وقيل: ما دام في المجلس، وقيل: غير ذلك. الفصل الثالث ٣٤٢٥ - [٢٠] (أبو الأحوص عوف بن مالك) قوله: (أن آتي الذي هو خير) ليس هو للتفضيل، إذ هو يجيء بمعنى التفضيل ولا بمعناه، قال في (الصراح) (٢): خير:

стр. 3444

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَأْتِينِي ابْنُ عَمِّي فَأَحْلِفُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ قَالَ: "كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ". * * * ١ - باب في النذور * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٤٢٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَنْذُرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ من الْبَخِيلِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٦٦٠٩، م: ١٦٤٠]. ــ نيكو، ونيكوئ، ونيكوتر، وإنما لم يحمل هنا على التفضيل؛ لأن المعنى دائر بين قطع المحلة ومنعها ومنع المعروف وإعطائه، فلا يصح معنى التفضيل، كذا قال الطيبي (١)، إلا أن يعتبر بزعم القائل باعتبار كونه مكافأة، وجزاء سيئة سيئة مثلها، لكن الوصل والإعطاء أولى وأحرى، وأخذ بالعزيمة وكرم الخلق، فافهم. ١ - باب في النذور قد جمع في الباب المتقدم الأيمان والنذور، وهذا باب آخر مخصوص بالنذور؛ فلهذا أتى بكلمة (في) وإن لم يكن ذلك عادته، فافهم. الفصل الأول ٣٤٢٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا تنذروا) بضم الذال وكسرها من ضرب

стр. 3445

٣٤٢٧ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٩٦]. ٣٤٢٨ - [٣] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، ــ ونصر، والنهي عن النذر على اعتقاد أنه يردّ عن القدر شيئًا، ولما كان من عادة الناس أنهم ينذرون لجلب المنافع ودفع المضار، وذلك فعل البخلاء، نهوا عن ذلك، وأما غير البخيل فيعطي باختياره بلا واسطة النذر، ففي النهي عن النذر لهذا الغرض ترغيب على النذر، ولكن على جهة الإخلاص. ٣٤٢٧ - [٢] (عائشة) قوله: (ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) فيه أن النذر بالمعصية لم يجز الوفاء به. ٣٤٢٨ - [٣] (عمران بن حصين) قوله: (لا وفاء لنذر في معصية) كمن نذر بذبح ولده، وكذلك نذر صوم يوم النحر عند الشافعي ﵀ لأنه حرام، وعندنا يصح النذر، ويقضي يومًا آخر؛ لأن صوم النحر مشروع بأصله غير مشروع بوصفه، وهو الإعراض عن ضيافة اللَّه، فالنذر به نذر بالطاعة، ووصف المعصية متصل بذاته فعلًا لا باسمه ذكرًا، وتحقيقه في أصول الفقه، وقد جاء عن أصحابنا أنه يلزم بنذر ذبح الولد ذبح الشاة. ثم لا كفارة في النذر عند الشافعية، وعندنا اليمين من موجبات النذر ولوازمه؛ لأن النذر إيجاب المباح وهو يستلزم تحريم الحلال، وتحريم الحلال يمين بدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] حتى روى مقاتل: أن رسول اللَّه ﷺ أعتق رقبة في تحريم مارية، وأما

стр. 3446

وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ". [م: ١٦٤١]. ٣٤٢٩ - [٤] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٤٥]. ٣٤٣٠ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ، ــ إذا نذر مطلقًا فقال: علي نذر ولم يسم شيئًا، فعليه كفارة اليمين بالاتفاق، وقد روى في (الهداية) (١): (ومَن نذرَ نَذْرًا ولم يسمِّ فعليه كفَّارةُ يمينٍ)، وروى الطيبي (٢) أيضًا عن ابن عباس نحوه. وقوله: (ولا فيما لا يملك العبد) قد مرّ بياند في الفصل الأول من (باب الأيمان والنذور) من حديث ثابت بن الضحاك. ٣٤٢٩ - [٤] (عقبة عامر) قوله: (كفارة النذر كفارة اليمين) دليل على مذهب أبي حنيفة ﵀، ولو حمل على النذر المطلق من غير تسمية شيء يكون متفقًا عليه كما عرفت. ٣٤٣٠ - [٥] (ابن عباس) قوله: (فسأل) أي: سأل النبيُّ ﷺ (عنه) أي: عن الرجلِ مَن هو؟ وما حاله؟ (فقالوا) أي: أجاب الصحابة أن اسمه (أبو إسرائيل) وكان رجلًا من بني عامر لؤي من بطون قريش، وحاله أنه (نذر أن يقوم ولا) وهذا

стр. 3447

وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٠٤]. ٣٤٣١ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ. . . . . ــ ينظر إلى أن القعود يكون من القيام كما قيل، وأما من الضِّجعة أو من السجود فهو جلوس، وقد قيل بعدم الفرق بينهما. وقوله: (وليتم صومه) أمرُه ﷺ بوفاء الصوم دون ما عداه يدلُّ على أن النذر لا يصح إلا فيما فيه قربة، وما لا قربة فيه فنذره لغو، كذا نقل الطيبي (١)، وعزاه إلى جمع من الصحابة، وقال: وهو مذهب مالك والشافعي، وقيل: إن كان المنذور فيه مباحًا يجب الإتيان به، واستدل بما روي أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه! إني نذرتُ أن أضربَ على رأسك بالدُّفِّ، قال ﷺ : (أَوفِي بنذرِكِ)، وإن كان محرمًا تجب كفارة اليمين، لما روي عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: (لا نذرَ فِي معصيةٍ، وكفارتُه كفارةُ اليمينِ)، انتهى. والظاهر أن مذهبنا هذا، ويظهر ذلك مما ذكر أصحابنا أن النذر هو إيجاب المباح، وكفى بالحديث الوارد في النذر بضرب الدف متمسَّكًا لهم، فإن قلت: فلم لم يأمر النبي ﷺ بالوفاء بالقعود وعدم الاستظلال وعدم التكلم مع كونها مباحة؟ قلنا: إباحتها دائمًا والاجتناب عن أضدادها مطلقًا ممنوعة، فافهم. ٣٤٣١، ٣٤٣٢ - [٦، ٧] (أنس، وأبو هريرة) قوله: (يهادى) بلفظ المجهول (بين ابنيه) معتمدًا عليهما من ضعفه وتمايله، ومنه تهادت المرأة: إذا تمايلت.

стр. 3448

فَقَالَ: "مَا بَالُ هَذَا؟ " قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ" وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٦٥، م: ١٦٤٢]. ٣٤٣٢ - [٧] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ". [م: ١٦٤٣]. ٣٤٣٣ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ فتوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا. مُتَّفَقٌ. . . . . ــ وقوله: (نذر أن يمشي) يعني إلى بيت اللَّه تعالى. وقوله: (وأمره أن يركب) ظاهره أنه لا دم عليه، وبه قال الشافعي، وعندنا إن يركب فعليه دم، وقيل: وهو أحد قول الشافعي، لأنه أدخل نقضًا بعد التزامه. ٣٤٣٣ - [٨] (ابن عباس) قوله: (فأفتاه أن يقضيه عنها) لا يدل الحديث على وجوب القضاء من ماله، بل يحتمل أن يكون تبرعًا، أو القضاء من تركتها، واختلف في أن نذر أم سعد كان مطلقًا أو صومًا أو عتقًا أو صدقة، وما ورد أنه ﷺ أمره أن يسقي عنها بئرًا، وقال: (هذه لأم سعد) (١) يدل على أنه كان مطلقًا، أو صدقة، هذا والجمهور على أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير ماليٍّ، وإذا كان ماليًّا ولم يخلف تركة لا يلزمه في غير وصية، لكن يستحب ذلك، وقال

стр. 3449

عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٩٨، م: ١٦٣٨]. ٣٤٣٤ - [٩] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٩٠، م: ٢٧٦٩] وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٤٣٥ - [١٠] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، ــ أصحاب الظواهر: يلزمه لهذا الحديث، كذا نقل الطيبي (١). ٣٤٣٤ - [٩] (كعب بن مالك) قوله: (إن من توبتي) أي: من تمام توبتي. وقوله: (أن أنخلع) أي: أخرجَ منه كلِّه، وأتجرد منه كما يتجرد منه الإنسان وينخلع من ثيابه، وكان ذلك حين قُبِلت توبته من تخلفه في غزوة تبوك، وقصته مشهورة من أحاسن القصص، وذكرتها وترجمتها في (شرح سفر السعادة)، وذكر هذا الحديث في (باب النذور) وإن كان ذلك تكفيرًا وشكرًا لمشابهته له في إيجابه على نفسه ما ليس بواجب لحدوث أمر. الفصل الثاني ٣٤٣٥ - [١٠] (عائشة) قوله: (لا نذر في معصية) أي: لا وفاء في نذر معصية،

стр. 3450

وَكَفَّارَتُهُ كفَّارَةُ الْيَمِينِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٣٢٩٢، ت: ١٥٢٥، ن: ٣٨٣٤]. ٣٤٣٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه، وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. [د: ٣٣٢٢، جه: ٢١٢٨]. ــ أو لا نذر معتبرًا شرعًا، وهو في حكم اليمين، (فكفارته كفارة اليمين) وهو يثبت مذهب الحنفية. ٣٤٣٦ - [١١] (ابن عباس) قوله: (من نذر نذرًا لم يسمه) نحو: للَّه عليَّ نذر، ولم يعيق المنذور أنه صوم أو غيره، فإنه لا يمكن الوفاء فيه، فيكفر كفارة يمين، والحاصل أنه قد وقع في الأحاديث: (فكفارته كفارة يمين) (١). قال الطيبي (٢): جمهور أصحابنا على أنه في مثل أن يقول: إن كلمت زيدًا فلله علي حجة، فكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه، وقال: وحمله مالك وكثيرون على النذر المطلق، كقوله: عليّ نذر، وحمله أحمد وبعض أصحابنا على النذر بالمعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر، وحمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذور، وقالوا: هو مخير بين الوفاء بما التزمه وكفارة يمين، انتهى كلام الطيبي. وأما مذهبنا فإن قوله: عليّ نذر، من ألفاظ اليمين، ولزوم كفارة اليمين في النذر المطلق متفق عليه، وقد دلّ

стр. 3451

٣٤٣٧ - [١٢] وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَهَلْ كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ " قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِك، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣١٣]. ــ هذا الحديث من ابن عباس على كون كفارته كفارة اليمين في النذر المطلق، وفي النذر بمعصية، وفي النذر بما لا يطيق، فتدبر. ٣٤٣٧ - [١٢] (ثابت بن الضحاك) قوله: (أن ينحر إبلًا ببوانة) بضم الموحدة وتخفيف الواو، قال الطيبي (١): موضع في أسفل مكة دون يلَمْلَمَ، وقال الجوهري: اسم موضع، وقد يحذف التاء، وقال في (القاموس) (٢): هضبة وراء يَنْبُعَ، وكذا في (مختصر النهاية) (٣)، وما ذكره الطيبي (٤) أقرب؛ لأن مكة وحواليه من مظان النحر وعبادة الأوثان، وأما ينبع بفتح التحتانية وضم الموحدة بينهما نون، فموضع على مرحلة من المدينة على طريق مصرَ. وفي الحديث أن من نذر أن يضحي في مكان لزمه الوفاء به بعد أن لم يكن معبد الأوثان، ولو في وقت ما أو مجمع الكفار، وفي حكمه أن ينذر التصدق على أهل

стр. 3452

٣٤٣٨ - [١٣] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ قَالَ: "أَوْفِي بِنَذْرِكِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣١٢]. وَزَادَ رَزِينٌ: قَالَتْ: وَنَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، مَكَانٌ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ: "هَلْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ " قَالَتْ: لَا، قَالَ: "هَلْ كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ " قَالَت: لَا، قَالَ: "أَوْفِي بِنَذْرِكِ". ٣٤٣٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي لُبَابَةَ: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ. . . . . ــ البلد. ٣٤٣٨ - [١٣] (عمرو بن شعيب) قوله: (على رأسك) أي: بحضرتك، و (الدف) بالضم أشهر وأفصح، وجاء بالفتح أيضًا، وفيه: دليل على النذر بالمباح، فإن ضرب الدف مباح في الجملة، وقالَ من خصَّ النذر بالطاعة والقربة: إن ضرب الدف وإن لم يكن من القربات التي وجب على الناذر الوفاءُ بها، بل من المباحات كأكل الأطعمة اللذيذة، ولبس الثياب الناعمة، ولكنه ﷺ أمرها بالوفاء نظرًا إلى مقصدها الصحيح الذي هو إظهارُ الفرح والسرور بقدوم رسول اللَّه ﷺ سالمًا غانمًا مظفَّرًا على الأعداء. وقوله: (مكان) بالجر بدل من مكان، وبالرفع على أنه خبر محذوف. ٣٤٣٩ - [١٤] (أبو لبابة) قوله: (إن من توبتي أن أهجر) لما حاصر النبي ﷺ بني

стр. 3453

دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً قَالَ: "يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ". رَوَاهُ رَزِينٌ. [ط: ٢/ ٤٨١، د: ٣٣١٩]. ٣٤٤٠ - [١٥] وَعَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ: "صَلِّ هَهُنَا" ثم أعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: "صَلِّ هَهُنَا"، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: "شَأْنَكَ إِذًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٣٣٠٥، دي: ٣/ ١٨٤ - ١٨٥]. ــ قُريظةَ، بعثوا إليه ﷺ أن ابعَثْ إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا، فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال والنساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم فقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حَلْقِه أنه الذبحُ، قال أبو لبابة: فواللَّه ما زالت قدماي حتى عرفتُ أني خُنْتُ اللَّهَ ورسولَه، ثم انطلق على وجهه وارتبط نفسه بسارية المسجد، وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوبَ اللَّه عليَّ، فأنزل اللَّه توبته، فسار الناس إليه يُطلقوه، قال: لا واللَّه حتى يكون رسول اللَّه ﷺ هو الذي يطلقني، فأطلقه فقال: يا رسول اللَّه! إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبتُ فيها الذنب، الحديثَ، يريد دار بني قريظة لما أن عياله وأمواله كانت فيهم وفي أيديهم. ٣٤٤٠ - [١٥] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (صل ههنا) أي: في المسجد الحرام فإنه أفضل، (شأنك إذًا) أي: الزم شأنك، وإذن جواب وجزاء، أي: إذا أبيت أن تصلي ههنا، فافعل ما نذرت به من صلاتك في بيت المقدس، قالوا: إن نذر أن يصلي في

стр. 3454

٣٤٤١ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، وَأَنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْي أُخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٣٢٩٧، دي: ٢/ ١٨٣]. وَفِي رِوَايَةٍ لِأبِي دَاوُدَ: فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكَبَ وَتُفدِيَ هَدْيًا، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا فَلْتَرْكَبْ ولْتَحُجَّ وَتُكَفِّرْ يَمِينَهَا". [د: ٣٢٩٥]. ــ بيت المقدس يخرج عن عهدة النذر إذا صلى في مسجد الحرام أو مسجد الرسول ﷺ ، وإن نذر أن يصلي في مسجد الرسول ﷺ جاز له أن يصلي في مسجد الحرام، وإن نذر بالصلاة في المسجد الحرام لم يجز في غيره لكونه أفضل من غيره، هذا وكتب في (الحاشية): أن المشهور عند الحنفية أنه لا يجوز أن يصلي في غير ما نذر فيه، وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجوز إلا في الأفضل أو المُساوِي. ٣٤٤١ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (ولتهد بدنة) قال بعضهم: الشاة كافية، والأمر بالبدنة للندب، وقال بعضهم: تجب بدنة لظاهر الحديث، وقيل: لا يجب شيء، وإنما أمر بالنحر استحبابًا، واللَّه أعلم. وقوله: (بشقاء أختك) بفتح الشين: الشدة والعسر، ويمد، شقي كرضي شقاء وشقاوة وشقوة ويكسر، كذا في (القاموس) (١). وقوله: (وتكفر يمينها) يؤيد مذهبنا أن النذر يستلزم اليمين.

стр. 3455

٣٤٤٢ - [١٧] وَعَن عَبْدِ اللَّه بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ فَقَالَ: "مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٣٢٩٣، ت: ١٥٤٤، ن: ٣٨١٥، جه: ٢١٣٤، دي: ٢/ ١٨٣]. ٣٤٤٣ - [١٨] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَخَوينِ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي الْقِسْمَةَ فَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَكلِّمْ أَخَاكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَمِينَ عَلَيْكَ وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، ــ ٣٤٤٢ - [١٧] (عبد اللَّه بن مالك) قوله: (فلتختمر) بلفظ الافتعال، وفي نسخة بلفظ التفعيل، والخمار: ما تغطي به المرأة رأسها، واختمرت وتخمَّرت: إذا لبسَت الخِمَارَ. وقوله: (فلتختمر) لأن ترك الاختمار معصية فلا يصح النذر به، وأما صوم ثلاثة أيام فلأنها كفارة اليمين، وقيل: هي بدل الهدي، وكانت عاجزة عن المشي حافية، وقد جاءت الرواية هكذا. ٣٤٤٣ - [١٨] (سعيد بن المسيب) قوله: (في رتاج الكعبة) الرَّتَج محركة والرِّتَاج ككتاب: الباب العظيم، وهو الباب المغلَق، ورتج الباب: أغلقه، والمراد في الحديث نفس الكعبة؛ لأنه إنما أراد أن ماله هدي إلى الكعبة، وإنما ذكر الباب تعظيمًا، ولهذا قال: (إن الكعبة غنية عن مالك).

стр. 3456

وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِم، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٧٢]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٤٤٤ - [١٩] عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "النَّذْرُ نَذْرَانِ: فَمَنْ كَانَ نَذَرَ فِي طَاعَةٍ فَذَلِكَ لِلَّهِ فِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَنْ كَانَ نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلَا وَفَاء فِيهِ وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٨٤٥]. ٣٤٤٥ - [٢٠] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ إِنْ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْ عَدُوِّهِ، فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: سَلْ مَسْرُوقًا. . . . . ــ وقوله: (فيما لا يملك) بلفظ المجهول أو المعلوم، وهذا إما حكم مستقل ذكر هنا استطرادًا، أو مما نحن فيه لأن قوله: (كلُّ مالي في رِتاج الكعبة) نذرٌ فِيما لا يملك لكونه قبل القسمة. الفصل الثالث ٣٤٤٤ - [١٩] (عمران بن حصين) قوله: (ويكفر ما يكفر اليمين) قد سبق شرح الحديث بتمامه. ٣٤٤٥ - [٢٠] (محمد بن المنتشر) قوله: (نذر أن ينحر نفسه) كأنه كان موتُه على يد العدو أشدَّ عليه وأغلظَ وأفضحَ، فقال: اللهم إني لا أشق علي أصل الموت، بل أنحر نفسي باختياري، ولكن الموت على يد العدو يشق علي، فإن أنجيتني منه أنحر لك نفسي. وقوله: (سل مسروقًا) إنما أحاله عليه لأنه كان يأخذ من أم المؤمنين عائشة،

стр. 3457

فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: لَا تنحَرْ نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا قَتَلْتَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً، وَإِنْ كُنْتَ كَافِرًا تَعَجَّلْتَ إِلَى النَّارِ، وَاشْتَرِ كَبْشًا فَاذْبَحْهُ لِلْمَسَاكِينِ، فَإِنَّ إِسْحَاقَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَفُدِيَ بِكَبْشٍ، فَأَخْبَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: هَكَذَا كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أُفْتِيَكَ. رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ وهذا من غاية احتياط ابن عباس وصبره، وفيه تثبيت لقوله، وحفظ فتواه من وَصْمة الخلاف والنزاع. وقوله: (فإنك إن كنت مؤمنًا) أي: عند اللَّه وفي نفس الأمر، أو قال على سبيل الترديد إلزامًا له. وقوله: (فإن إسحاق خير منك) يدل على أن المذبوح هو إسحاق لا إسماعيل كما هو المشهور، وقد يوجد في كلام بعض الكبراء القول بأنه إسحاق، وقد يستشكل بقوله ﷺ : (أنا ابن الذبيحين)، وقال السيوطي في بعض رسائله: إن هذا القول من تحريفات أهل الكتاب، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3458

(١٦) كتاب القصاص

стр. 3459

(١٦) كتاب القصاص * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٤٤٦ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ــ ١٦ - كتاب القصاص هو اسمٌ من قَصَّ أثرَه قَصًّا وقَصِيصًا: تَتَبَّعَهُ، قوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] أي: رجعا من الطريق الذي سلَكاه يقصَّان الأثر، والولي يتبع القاتل في فعله، ويقصُّ أثره؛ ليدركه، وينقم منه، ويقتله، أو من تقاصَّا أي: تساوَيَا، وتماثلا، ويتساوى الوليُّ والقاتلُ بالقِصاص بأن يفعل به مثل ما فعله. الفصل الأول ٣٤٤٦ - [١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (لا يحل دم امرئ) أي: إراقةُ دمِ إنسانٍ. وقوله: (يشهد) صفة ثانية لـ (امرئ)، أو صفة لـ (مسلم) للكشف والتوضيح، إشارة إلى أن الإتيان بالشهادتين كافٍ فِي العصمة. وقوله: (إلا بإحدى ثلاث) أي: خصال، ففصلها بتعداد المتصفين بها. وقوله: (النفس بالنفس) مرفوع، أي: يقتل النفس بالنفس، أو منصوب على

стр. 3460

وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٧٨، م: ١٦٧٦]. ٣٤٤٧ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٨٦٤، م: ١٦٧٨]. ٣٤٤٨ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ. . . . . ــ حكاية لفظ القرآن، أو مجرور بتقدير يحلُّ قتلُ النفسِ. و (الثيب الزاني) المراد به المحصن، خص أحد أوصافه بالذكر، وهو الوطء بنكاح صحيح المتضمِّنُ له الثيِّبُ، وباقي الأوصاف ظاهر، وهو أيضًا معرب بالحركات الثلاث كالمعطوف عليه، وكذا قوله: (والمارق لدينه) والمروق: الخروج، والخوارج مارقة لخروجهم عن الدين، ومنه مرق القدر، وصلته باللام، إما لكونها بمعنى عن، أو تضمين معنى الترك، و (التارك للجماعة) بيان له، أي: بالارتداد، وقيل: يتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة أو خلاف إجماع، كذا نقل الطيبي عن النووي (١). ٣٤٤٧ - [٢] (ابن عمر) قوله: (في فسحة من دينه) أي: سَعةٍ ورجاءِ رحمةٍ من اللَّه؛ فإذا أصاب دمًا حرامًا ضاق عليه أمرُ دينه ورجاءُ الرحمة، أو في سعة من توفيق الأعمال الصالحة؛ فإذا قَتَلَ حُرِمَ من التوفيق وضاق عليه الأمر، وهذا المعنى أوفق لحديث أبي الدرداء الآتي في الفصل الثاني: (لا يزالُ المؤمنُ مُعنِقًا)، الحديث. ٣٤٤٨ - [٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أول ما يقضى بين الناس) أي في

стр. 3461

يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ". مُتَفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٦٨٦٢]. ٣٤٤٩ - [٤] وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسوَدِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَارِ، فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا, ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ -وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا أَهْوَيتُ لِأَقْتُلَهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- أَأَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: "لَا تَقْتُلْهُ" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٦٥، م: ٩٥]. ــ حقوق العباد، فلا ينافي أول ما يحاسب عليه العبد صلاته. ٣٤٤٩ - [٤] (المقداد بن الأسود) قوله: (ثم لاذ) أي: عاذ، واللَّوْذُ واللِّواذُ كالعَوْذِ والعِيَاذِ: الالتجاءُ. وقوله: (فلما أهويت) أي: سقطتُ وقصدتُ. وقوله: (لا تقتله) يستفاد منه صحة إسلام المُكرَه، وأن الحربيَّ إذا جنى على مسلم ثم أسلم لم يؤاخذ بالقصاص. وقوله: (فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله) أي: هو معصومُ الدم لإسلامه كما كنت كذلك بالإسلام قبل أن تقتله، (وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) أي: لم تبقَ معصومَ الدمِ كما كان هو قبل الإسلام، لكن السبب مختلف، فإن إباحة دمك لكونك قاتلًا، وإباحة دمه لكونه كافرًا، وليس التشبيه في الكفر، ولو حمل عليه كان تغليظًا وتشديدًا؛ فلا يلزم أن يكون مرتكبُ القتل كافرًا، كما هو مذهب الخوارج.

стр. 3462

٣٤٥٠ - [٥] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَتَيْتُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَذَهَبْتُ أَطْعَنُهُ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَطَعَنْتُهُ فَقَتَلْتُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ (١) ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "أَقَتَلْتَهُ وَقَدْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَعَوُّذًا قَالَ: "فهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٧٢، م: ٩٦]. ــ ٣٤٥٠ - [٥] (أسامة بن زيد) قوله: (فأتيت على رجل منهم) اسم الرجل على الصحيح مِرْداسٌ، واختلف في اسم أبيه، فقيل: مرداس بن نهيك الفزاري، وقيل: ابن عمرو الفدكي، قال التُّورِبِشْتِي (٢): قد تبين لنا من القولين أنه لم يكن جهنيًّا، وإنما كان دخيلًا فيهم غريبًا بَأرضهم، فسَبَوهم من جملتهم؛ لأنهم وجدوه في بلاد جُهَينةَ، يرعى غنمًا له، فلما قال: لا إله إلا اللَّه رأوا أنه قال ذلك تعوُّذًا، فقتله أسامة على أنه مباح الدم، والخطأ موضوع عن المجتهد، أو لأنه قال في حالة البأس وإجراء السيف عليه، ولذا لم يلزمه الدية، ومذهب جمع من العلماء أن الرجل بقوله: لا إله إلا اللَّه لا يكون محكومًا بإسلامه حتى يضمَّ إليه محمد رسول اللَّه، وإنما وجب الإمساك عنه حتى يعرف حاله، فتوجه النكير على أسامة لتركه التوقف في أمره حتى يتبين له الحق، انتهى. قوله: (فهلا شققت عن قلبه؟ ) أي: إذا زعمت أنه قال ذلك تعوذًا لِمَ لا شققت قلبه؛ لتعلم وتطلع على ما في قلبه، وتبين لك أنه قال ذلك تعوذًا أو إخلاصًا، يعني ولا يمكن ذلك، فالحكم للظاهر فقط، وشقُّ القلبِ مستعارٌ للفحص والبحث عن حال

стр. 3463

٣٤٥١ - [٦] وَفِي رِوَايَةِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " قَالَهُ مِرَارًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧]. ٣٤٥٢ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٦٦]. ــ قلبه، ولهذا عدَّاه بـ (عن)، وقد يروى بدون (عن). ٣٤٥١ - [٦] (جندب بن عبد اللَّه البجلي) قوله: (إذا جاءت) أي: كلمة لا إله إلا اللَّه (يوم القيامة) بأن يمثلها اللَّه تعالى في صورة رجل مخاصم، أو من يخاصم لها من الملائكة، أو من تلفظ بها. ٣٤٥٢ - [٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (من قتل معاهدًا) بكسر الهاء: مَن عاهد الإمام على ترك الحرب ذميًا أو غيره، وروي بفتحها، وهو مَنْ عاهده الإمام، والمعاهدة مع المسلمين في حكم معاهدة الإمام. وقوله: (لم يرح) من راحَ يَراحُ أو راحَ يَرِيحُ أو أراحَ يُرِيحُ، وقال الشيخ: هو بفتح الراء والياء، وهو أجود، وعليه الأكثر، والكل بمعنًى. وقوله: (وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفًا) أي عامًا، فإن الخريف يكون في كل عام مرة، والعرب يعتبرون ابتداء العام من الخريف، وفي رواية: (سبعين عامًا)، وفي أخرى: (مئة عام)، وفي (الموطأ): (خمس مئة عام)، وفي (الفردوس): (ألف عام)، وجمع ذلك بحسب اختلاف الأعمال وتفاوت درجات العمال، كذا

стр. 3464

٣٤٥٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهَا خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جهنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٧٨، م: ١٠٩]. ــ ذكر السيوطي (١)، وليس عدمُ وِجدان رائحة الجنة كنايةً عن عدم دخولها، كما يفهم في العرف من مثل هذه العبارة، بل عدم وجدانها أولَ ما يجدها الصالحون من عباد اللَّه، ويقال: إن اللَّه يرسل الروائح الطيبة من الجنة في المحشر؛ لتيسر عليهم الوقوف فيه ويريحهم من متاعبه، فيُحرَمُ بعضُ العُصاة منها، واللَّه أعلم. ٣٤٥٣ - [٨] (أبو هويرة) قوله: (من تردى) أي: ألقى نفسه من جبل، يقال: ردى في البئر، وتردَّى: سقط، ردي كرضي: هلك، وقال الطيبي (٢): المراد يتهور الإنسان، فيرمي نفسه من جبل. وقوله: (من تحسى) حسا زيد الماء وتحسَّاه: شربه شيئًا بعدَ شيءٍ، والمراد هنا الشرب مطلقًا. و (السم) بفتح السين وضمها: دواء قاتل يُطرح في طعام أو ماء، وقيل: مثلثة السين. وقوله: (يتوجأ بها) أي: يضرب بالحديدة، وجأه باليد وبالسكين كوضعه: ضربه كتوجَّأَ، وقد وقع في أكثر نسخ (المصابيح): (يجأ) كيضع، والأول أولى روايةً ودرايةً، ثم الحكم بخلود العذاب لهؤلاء مؤول، إما بالاستحلال، أو يحمل الخلود

стр. 3465

٣٤٥٤ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعَنُهَا يَطْعَنُهَا فِي النَّارِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٦٥]. ٣٤٥٥ - [١٠] وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا، فحزَّ بِهَا يَدَ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجنَّة". مُتَفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٣٤٦٣، م: ١١٣]. ٣٤٥٦ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ. . . . . ــ على المَكْثِ الطويل، كما يقال: سجن مخلَّد، ووقف مخلَّد جمعًا بين الدلائل. ٣٤٥٤ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (الذي يخنق) من باب نصر. وقوله: (والذي يطعنها) في (القاموس) (١): طعنه بالرمح كمنعه، ونصره، طعنًا: ضربه. ٣٤٥٥ - [١٠] (جندب بن عبد اللَّه) قوله: (فجزع) من باب سمع. وقوله: (فحزّ بها) بالمهملة ثم المعجمة، ويروى بالجيم أيضًا، أي: قطع بالسكين، وهي تؤنث، وجاء بزيادة التاء. و (رقأ) بمعنى سكَنَ، يقال: رقأَ الدمعُ، كجعل، رقأً ورُقوءًا: جفَّ وسكَنَ. وقوله: (فحرمت عليه الجنة) أيضًا مؤول، إما بالاستحلال أو مع المقربين، وأما الحمل على أنه كان كافرًا فبعيد كما لا يخفى. ٣٤٥٦ - [١١] (جابر) قوله: (الدوسي) بفتح الدال وسكون الواو والسين

стр. 3466

لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ، فَأَخَذ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ، حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، ورآهُ مُغَطِّيًا يدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نبَيِّهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِر". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦]. ــ المهملة، نسبة إلى دَوْس بن عبد اللَّه. وقوله: (هاجر) أي: الطفيلُ بن عمرو (إليه) أي: إلى النبي ﷺ ، و (هاجر معه) أي: مع الطفيل (رجل من قومه فمرض) أي: الرجلُ، و (مشاقص) جمع مشقص بكسر الميم: نصل عريض أو طويل، أو سهم فيه ذلك، يرمى به الوحش، والشقص بكسر الشين: النصيب، و (البراجم) جمع بُرْجُمَة بضم الباء والجيم: العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ. وقوله: (فشخبت يداه) أي: سال منهما الدم، والشخب بالضم: ما خرج من الضرع من اللبن، وبالفتح: الدم، وشخب اللبن، كمنع ونصر، فانشخب. وقوله: (ورآه) الظاهر أنه بلفظ الماضي من الرؤية، عطف على قوله: (فرآه)، وهكذا يوجد في النسخ المصححة، وقد صحح في نسخة أصلنا: (وراءه) بمعنى عقبه، وكتب في الحاشية: ظرف لقوله: (فرآه). وقوله: (اللهم وليديه فاغفر) أي: كما غفرت لسائر أعضائه اغفر ليديه أيضًا، وفيه دليل على عدم كفره وخلوده في النار لأنه ﷺ دعا له بالمغفرة.

стр. 3467

٣٤٥٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِي شُرَيحٍ الْكَعْبِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ثُمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاللَّهِ عَاقِلُهُ، مَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّافِعِيُّ. [ت: ١٤٠٦، "مسند الشافعي" ١/ ٢٩٥]. ــ ٣٤٥٧، ٣٤٥٨ - [١٢، ١٣] (أبو شريح الكعبي، وأبو هريرة) قوله: (ثم أنتم يا خزاعة) هذا من تتمة الخطبة التي خطبها رسول اللَّه ﷺ يوم الفتح، ومقدمته مذكورة في (باب حرم مكة) من (كتاب الحج)، وكانت خُزاعةُ قد قتلوا في تلك الأيام رجلًا بمكة بقتيل لهم في الجاهلية، فأدَّى رسول اللَّه ﷺ دِيتَه لإطفاء نار الفتنة بين القبيلتين. وقوله: (أنا واللَّه عاقله) أي: مُعطِي دِيَتهِ، والعَقْلُ: عطاءُ الدِّيَةِ، يقال: عقَلَ القتيلَ: وَدَاه، وإنما سمي عقلًا لأن الإبل التي يعطى فيها تُعقَلُ فِي فِناء وليِّ الدم، أو لأن الدية تعقل، أي: تمنع عن السفك. وقوله: (بين خيرتين) تثنية خِيَرَة، بكسر الخاء وفتح الياء، بمعنى الاختيار، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]، وفي (الصراح) (١): الخيرة: المصطفى، يقال: محمد خيرة اللَّه بسكون الياء وتحريكها: اختيار بركَزيدن. والحديث ظاهر في أن الاختيار لأولياء المقتول إن شاؤوا اقتصُّوا وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك: لا تثبت الدية إلا برضى القاتل، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأن موجَبَ القتلِ عمدًا هو القصاصُ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلا أنه يقيد بوصف العمد

стр. 3468

وَفِي "شرح السنَّة" بإِسْنَادِه، وَصَرَّحَ: بِأَنَهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي شُرَيْح وَقَالَ: ٣٤٥٨ - [١٣] وَأَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي بِمَعْنَاهُ. [خ: ١١٢، م: ١٣٥٥]. ٣٤٥٩ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِالْيَهُودِيِّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٨٤، م: ١٦٧٢]. ــ لقوله ﷺ : (العَمْدُ قَوَدٌ) أي: موجبَة، فإيجاب المال زيادة؛ فلا يكون للولي أخذُ الديةِ إلا برضى القاتل، والمسألة بين الصحالة ومَن بعدهم، ويمكن حمل الحديث على ذلك أيضًا، فافهم. وقوله: (وصرح) أي: البغويُّ فِي (شرح السنة): (بأنه ليس في الصحيحين عن أبي شريح) وهذا اعتراض على صاحب (المصابيح) حيث ذكره في الصحاح عن أبي شريح، مع أنه ليس في الصحيحين عنه، وإنما المروي في الصحيحين عن أبي هريرة معناه. ٣٤٥٩ - [١٤] (أنس) قوله: (رضَّ) أي: كسَرَ ودَقَّ، و (الجارية) من النساء من لم يبلغ كالغلام من الوجال، (فأومأت) بالهمزة، وفي أكثر النسخ: (فأَومَتْ) بتخفيفها. وقوله: (فرض رأسه بالحجارة) هذا دليل على أن القتل بالحجر المثقل الذي يحصل به القتل غالبًا يوجب القصاص، وهو قول أكثر العلماء، وإليه ذهب مالك وأحمد والشافعي وأبو يوسف ومحمد ﵏، ولا يوجب عند أبي حنيفة، وهي

стр. 3469

٣٤٦٠ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ -وَهِيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ ابْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ: لَا وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. . . . . ــ مسألة القتل بالمثقل، ومتمسَّكُه قولُ النبي ﷺ : (ألا وإنَّ فِي قتيل خطأِ العمدِ بالسَّوط والعصا والحجر مئةً من إبلٍ) (١)، وهؤلاء حملوه على الحجر الصغير، ولأن الآلة غير موضوعة للقتل، وأما الحديد فموضوع له. وأبو حنيفة يقول: إنَّ رضَّ رأسِ اليهوديِّ كان سياسةً لا قِصاصًا، وقيل: كان لنقض العهد، وتُعقب بأنه لو كان قتله لنقض عهد لكان يقتله بالسيف، ولما قتله بالرضِّ بالحجارة، دل على إرادة المماثلة المدلول عليها بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وهذه مسألة القتل بالمثقل. فالقتل عمدًا عند أبي حنيفة ﵀ هو القتل بالسلاح، وما أجري مجراه من المحددات، وفيه القصاص، وما سواه شبه العمد، وعند صاحبيه والشافعي: إذا ضربه بحجر عظيم أو خشبة عظيمة فهو عمد، وشبه العمد أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبًا، وتمام تحقيقه في كتب الفقه (٢). ٣٤٦٠ - [١٥] (وعنه) قوله: (كسرت الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وكسر التحتانية المشددة، بنت النضر عمة أنس بن مالك بن النضر. وقوله: (فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: لا واللَّه لا تكسر ثنيتها) إخبار منه بعدم كونها مكسورة، مؤكدًا بالقسم، وثوقًا بفضل اللَّه تعالى، ويقينًا بما وقع في

стр. 3470

يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ"، فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقسَمَ عَلَى اللَّه لأَبَرَّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦١١، م: ١٦٧٥]. ٣٤٦١ - [١٦] وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَة قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا هَلْ عِنْدكُمْ شَيْءٌ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٠٣]. ــ قلبه من الرجاء لا ردًّا على الرسول ﷺ وإنكارًا لحكمه. ٣٤٦١ - [١٦] (أبو جحيفة) قوله: (والذي فلق الحبة) أي: شقَّها فأخرج منها النبات، وفالق الحب: خالقه أو شاقُّه بإخراج الورَقِ منه، و (برأ النسمة) أي: خلقها، والنسمة يجيء بمعنى الإنسان، وبمعنى النفس، وكل دابة ذات روح. وقوله: (إلا فهمًا) استثناء مما بقي من الاستثناء الأول، أي: ليس عندنا إلا فهمًا، والمراد منه ما يستنبط به المعاني، ويدرك به الإشارات والعلوم الخفية والأسرار الباطنة التي تظهر للعلماء الراسخين في العلم، وتنكشف للعارفين من أرباب اليقين، ثم إنه قد كان إذ ذاك في عِلاقة سيفه ﵁ صحيفة، كتب فيها بعض الأحكام التي ليس في القرآن، منها (العقل) يعني أحكام الدِّيات، و (فكاك الأسير) بفتح الفاء ويجوز كسرها، اسم من فكَّ الأسير: أخلصَه، وفكاك الرهن: ما يُفكُّ به، (وأن لا يفتل مسلم بكافر) سواء كان ذميًّا أو حربيًّا، وهو مذهب كثير من الأئمة، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀. وقيل: كان في الصحيفة من الأحكام غير ما ذكر، لكنه لم يذكر ههنا لأنه
следующие страницы →