← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

١٠٣ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ يُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٤٠٨]. ــ عبد اللَّه بن عمرو المذكور في الفصل الأول إلى الأصحاب صريحًا فقال: (صرف قلوبنا)، ومعنى الحديثين واحد، وما وقع بينهما من اختلاف في تقديم الدعاء وذكر اسم الجلالة وفي أصابع اللَّه وذكر الدين ههنا، وتأخير الدعاء وذكر اسم الرحمن وذكر طاعتك هناك فمن باب التفنن، مع أنه يمكن أن يكون نقلًا بالمعنى وقع من كل واحد من الصحابة روايته على ما اتفق، وتعرض الطيبي (١) لبيان نكتة هذا الاختلاف بما لا يخلو عن خفاء، واللَّه أعلم. ١٠٣ - [٢٥] (أبو موسى) قوله: (مثل القلب) أي: حاله العجيبة (٢) في تقلبها وتغيرها وتأثيرها بما يرد عليه من الحوادث والخواطر والأحوال، (كريشة) الريشة بالكسر: المطر، وجمعه رياش وأرياش، و (فلاة) بالفتح: المفازة لا ماء فيها، و (بأرض فلاة) بتنوين أرض وبإضافتها، كلاهما روايتان، والإضافة بيانية، والمراد بالرياح هي التي تهب إلى جوانب مختلفة. وقوله: (ظهرًا لبطن) اللام بمعنى (إلى) مفعول مطلق، أي: يقلبها هذا النوع من التقليب، أو حال من الضمير المنصوب في (يقلبها) أي: مختلفة، وقال الطيبي (٣): بدل البعض من ضمير (يقلبها)، ومضمون الحديث: أن القلوب بين الأصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء أي: بقضائه وقدره.

стр. 387

١٠٤ - [٢٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢١٤٥، جه: ٨١]. ١٠٥ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ نَصِيبٌ: الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ــ ١٠٤ - [٢٦] (علي) قوله: (يشهد) تفصيل لقوله: (حتى يؤمن بأربع) كان الظاهر بأن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، لكنه ذكر لفظ الشهادة دلالة على أن النطق باللسان أيضًا ركن، ففيه دليل على أن الإيمان تصديق مع الإقرار. وقوله: (بعثني بالحق) حال مؤكدة أي: قد بعثني، أو خبر بعد خبر إن ذكره تأكيدًا للرسالة، ولا يلزم أن ينطق بهذه اللفظ؛ لأن الإقرار بالرسالة يستلزمه، وكذا الإيمان بالكتب والملائكة. وقوله: (يؤمن بالموت) ثاني الأربع، والمراد موت الدنيا، أي فناؤها وهلاكها بجميع أجزائها، أو المراد أن يعتقد أن الموت بحكم اللَّه لا بالطبيعة وفساد المزاج، (والبعث بعد الموت) ثالثها، والرابع (يؤمن بالقدر) يعني أن الكل بقضاء اللَّه وقدره، ودل الحديث على أن إنكار القدر كفر، ولو أريد نفي الإيمان الكامل لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذلك الحديث الآتي وهو قوله ﷺ . ١٠٥ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية) في (القاموس) (١): الصنف بالكسر والفتح: النوع والضرب،

стр. 388

وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢١٤٩]. ــ والمرجئة من الإرجاء، وهو التأخير، يقال: أرجأ الأمر: أخّره، وترك الهمزة لغة فيه كقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] مؤخّرون حتى ينزل اللَّه فيهم ما يريد، ومنه سُمّيت المرجئة، كذا في (القاموس) (١). وقال التُّورِبِشْتِي (٢): قال ابن قتيبة: المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل؛ لأنهم يقدمون القول ويؤخرون العمل، وتحقيق مذهبهم أنهم لا يعتبرون العمل في الإيمان أصلًا لا جزءًا ولا كمالًا، وقد وجدنا الأكثرين من أهل المعرفة بالملل والنحل ذكروا أن المرجئة هم الفرقة الجبرية الذين يقولون بأن العبد لا فعل له، وإضافة الفعل إليه بمنزلة إضافته إلى الجمادات كما يقال: جرى النهر ودارت الرحى، والجبرية بالتحريك وتسكين الباء لغة فيها، والمتكلمون يسمون المجبرة، وكانت القدرية في الزمان الأول ينسبون من خالفهم إلى الإرجاء، حتى غلط في ذلك جمع من أصحاب الحديث فألحقوا هذا النَّبَزَ بجمع من علماء السلف ظلمًا وعدوانًا، وإنما سميت المجبوة مرجئة لأنهم يؤخرون أمر اللَّه فيرتكبون الكبائر، انتهى. ويسمي صاحب (الكشاف) أهل السنة والجماعة مرجئة، تاب اللَّه عليه. وأما القدرية فينسبون إلى القدر بالتحريك، وقال التُّورِبِشْتِي: ولك أن تسكن الدال، ومذهبهم أن العبد خالق لأفعاله والأمر مستأنف من غير سبق قضاء وقدر، فنسبتهم إلى القدر لأجل إنكارهم القدر، وهم يقولون بأن المثبتين له أحق بهذا الاسم نظرًا إلى ظاهر اللفظ، ولكن الأحاديث صريحة في أن هذا اللفظ اسم لمن أنكره،

стр. 389

١٠٦ - [٢٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ وَمَسْخٌ، ــ فهذان الحديثان وأمثالهما صريحة في تكفيرهم، لكن الصواب أن لا نتسارع إلى تكفير أهل الأهواء المتأولين؛ لأنهم لا يقصدون بذلك اختيار الكفر ولا يرضون به، وقد تمسكوا بالكتاب والسنة ويذلوا جهدهم في إصابة الحق فأخطؤوا، والتكفير لا يطلق إلا بعد البيان الجلي، والفرق ما بين لزوم الكفر والتزامه، وهذا القول هو مذهب المحققين من علماء الأمة نظرًا واحيتاطًا، وقد نهينا عن تكفير أهل القبلة (١)، وكل ما وقع في شأنهم مما يدل على التكفير، فهو من باب الزجر والتشديد والمبالغة في التضليل والمجاز والتمثيل، كيف! وقد تكلّم بعضُ النقاد في أحاديث وردت في شأن هذه الفِرَق، وقالوا: لم تصح وكلّها ضعيفة، نعم لها طرق متعددة متعاضدة، واللَّه أعلم. ١٠٦ - [٢٨] (ابن عمر) قوله: (يكون في أمتي خسف ومسخ) في (القاموس) (٢): خسف المكان يخسف خسوفًا: ذهب في الأرض، وخسف اللَّه بفلان الأرض: غَيَّبه فيها، ومسخه كمنعه: حَوّل صورته إلى أخرى أقبح منها، فهو مسخ ومسيخ، والحديث دل على وقوع المسخ والخسف في هذه الأمة، وقد ورد الحديث بوقوعه في آخر الزمان كما سيجيء في (باب الملاحم) من (كتاب الفتن)، والظاهر أن المراد أمة الدعوة، وقيل: الكلام خرج مخرج الشرطية، أي: إن كان يكون فيهم (٣)،

стр. 390

وَذَلِكَ فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، ورَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ (١). [د: ٤٦١٣، ت: ٢١٥٢]. ١٠٧ - [٢٩] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْقَدَرِّيةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ، ــ واللَّه أعلم. ١٠٧ - [٢٩] (عنه) قوله: (القدرية مجوس هذه الأمة (٢)) أي: يشبهون بهم لأنهم أحدثوا في الإسلام مذهبًا يضاهي مذهب المجوس في إضافة أفعال العباد

стр. 391

إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٨٦، ١٢٥، د: ٤٦٩١]. ١٠٨ - [٣٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُم" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧١٠، ٤٧٢٠]. ــ إليهم ووقوعها بقدرتهم وخلقهم، كإثبات المجوس إلهين (١) قادرين، وقال بعض العلماء: إنهم أسوء حالًا من المجوس لإثباتهم شركاء لا يعد ولا يحصى. وقوله: (إن مرضوا فلا تعودوهم (٢)، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) أي: لا تراعوا حقوق الإسلام في حقهم في الحياة والممات. ١٠٨ - [٣٠] (عمر) قوله: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم) أي: لا تحاكموهم، مفاعلة من الفتح بمعنى الحكم كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: احكم على وجه، ويقال للقاضي: فتّاح، والفتح يجيء بمعنى الحكم، فلا حاجة إلى جعله من الفتاحة، نعم هو أيضًا يجيء بمعنى الحكم كالفتح، قال في (القاموس) (٣): الفتح: الحكم بين خصمين كالفتاحة بالضم والكسر، وفي (النهاية) (٤): في اسمه تعالى يقال: الفتاح أي: يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده،

стр. 392

١٠٩ - [٣١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّه وَكُلُّ نَبِيٍّ يُجَابُ: . . . . ــ أو الحاكم بينهم، من فتح الحاكم بين الخصمين: إذا حكم بينهما، وقيل: لا تبدؤوهم بالمجادلة والمناظرة، ولا تبحثوا معهم عن الاعتقاد، فإنهم يوقعونكم في الشك والشبهة. وفيه: أن الإسلام سَدّ باب المجادلة مع أهل الأهواء المتعصبة فإنها تضر في الاعتقاد كما وقع للمتكلمين، نسأل اللَّه السلامة، نعم يجب رد أهل البطالة لا على وجه المجادلة بل بالرفق واللين، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. ويحتمل أن يكون المراد -واللَّه أعلم-: ولا تبتدؤوهم بالكلام والمباسطة معهم، وهذا أنسب بقوله: (لا تجالسوهم)، وأشد وأغلظ في ترك مصاحبتهم واختيار مجانبتهم فضلًا عن البحث والقيل والقال. ١٠٩ - [٣١] (عائشة) قوله: (ستة لعنتهم لعنهم اللَّه وكل نبي يجاب) ستة مبتدأ و (لعنتهم) صفته و (الزائد) خبره، أو خبره محذوف أي: في الرجال أو في الأمة ونحوه، والزائد خبر محذوف أي: أحدها، ولو ذهبنا إلى مقالة الرضي أن بناء صحة وقوع النكرة مبتدأ على الإفادة لقلنا: (ستة) مبتدأ و (لعنتهم) خبره، وقوله: (لعنهم اللَّه)، إما دعائية أو خبرية مستأنفة بتقدير فماذا بعد أو لم ذا، والثاني أظهر. و(كل نبي مجاب) إما حالية أو معترضة بين المبتدأ والخبر، أو بين البيان والمبين، ولو قرئ (مجاب) بالجر صفة لنبي لجاز أن يعطف قوله: (وكل نبي) على فاعل (لعنتهم) لوجود الفصل، ولكنه لم تثبت الرواية بالجر، وأيضًا يلزم منه أن لا يكون

стр. 393

الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّهُ اللَّه وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّه، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللَّهِ، ــ بعض الأنبياء مجاب الدعوة، كذا قالوا، هذا وقد وقع في بعض النسخ: (ولعنهم اللَّه) بالواو فيكون عطفًا على جملة (لعنتهم)، و (يجاب) بدل (مجاب)، والظاهر من سياق الكلام على هذا التقدير أن يكون قوله: (وكل نبي) عطفًا على فاعل (لعنتهم)، أو على فاعل (لعنهم)، و (يجاب) صفة نبي، وتكرار الفعل في المعطوف الأول للاهتمام، ويدفع المحذور المذكور للتوصيف بأنه لا يجب أن تكون الصفة للتقييد والتخصيص، فتدبر. والمراد بـ (الزائد في كتاب اللَّه) من يُدخل في كتاب اللَّه ما ليس منه، أو من يحرف لفظه أو معناه، وقال التُّورِبِشْتِي (١): أي في القرآن أو في حكم اللَّه، وهو أن يدخل في جملته ما ليس منه، والظاهر أن ضمير في جملته يرجع إلى أحد الأمرين المذكورين من القرآن أو الحكم، وإرادة الحكم من الكتاب صحيح من كتب بمعنى فرض، وهو كثير، ولكن تخصيصه القرآن بالذكر غير مناسب، والأولى التعميم ليشتمل أهل الكتاب حرفوا كتابهم، وبـ (المستلط) أمراء الجور والظلم، و (الجبروت) فعلوت من التجبر بمعنى التكبر أي: ادعاء الكبر وشدته، واللام في (ليعز) إما للتعليل فهو قيد اتفاقي؛ لأن الغالب والعادة على أن التجبر يكون لهذا الغرض لا لتقييد الحكم بذلك، حتى إنه لو تجبر لا لهذا الغرض جاز التسلط، أو للعاقبة وهو أجود كما في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. وقوله: (والمستحل لحرم اللَّه) أي: مكة وما حولها من الأرض المعينة، وهو

стр. 394

وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمدْخَلِ" ورَزِينٌ فِي كِتَابِهِ. [هب في الشعب (١): ٣٨٥٠، ت: ٢٠٨٠]. ــ الذي يفعل فيه ما يحرم فعله فيه من الاصطياد ونحوه، وعند الشافعية: المدينة أيضًا حرم تجري أحكام الحرم فيه، وعندنا وعند مالك (٢): هي حرم بمعنى رعاية الاحترام لا جريان الأحكام، وتصح إضافته إلى اللَّه لأنه بتحريمه صار حرامًا، والعجب من الطيبي تخصيصه بمكة إلا أن يكون عندهم روايتان، وقد ضبط في النسخ (حرم) بضمتين على أنها جمع حرمة، قال التُّورِبِشْتِي: وهو تصحيف ممن لا مهارة لهم بهذا العلم. والعترة: نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون ممن مضى وغبر، والمستحل من عترة الرسول ﷺ ما حرم اللَّه: من يفعل بهم ذلك كإيذائهم وترك تعظيمهم والتقصير في أداء حقوقهم، والمستحل بهذا المعنى عاصٍ، فلعنته من باب الزجر والتشديد، وأما من اعتقده حلالًا فكافر بالإجماع، وتخصيص ذكر الحرم والعترة مع أن المستحلّ لكل ما حرم اللَّه مستحق للزجر والعقوبة سواء كان حرم اللَّه تعالى وعترة الرسول اللَّه ﷺ أو غيرهما لزيادة الاهتمام والتأكيد في التحريم والمبالغة في الوصفية لشرفهما واجتماع حق التعظيم والحرمة معًا، فواجب على المكلف القيام بحفظهما والاهتمام بالاجتناب عما يخل بحرمتهما أقصى الغاية، فعلى هذا كانت (من) في (من عترتي) ابتدائية متعلقة بـ (المستحل) بتضمين معنى الأخذ.

стр. 395

١١٠ - [٣٢] وَعَنْ مَطَرِ بْنِ عُكَامِسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٥/ ٢٢٧، ت: ٢١٤٦]. ١١١ - [٣٣] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: "مِنْ آبَائِهِمْ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عَامِلِينَ". قُلْتُ: فَذَرَارِي الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: "مِنْ آبَائِهِمْ". قُلْتُ: بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عَامِلِينَ". رَوَاهُ أَبُو دَوُدَ. [د: ٤٧١٢]. ــ وقال الطيبي (١): يجوز أن يكون (من) بيانية وأن يراد بـ (المستحل) من يستحل من أولاد الرسول ﷺ شيئًا من المحرمات، وفيه استبعاد وقوعه منهم كما ورد في شأن أزواجه ﷺ ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وأما التارك للسنة استخفافًا وقلة مبالاة فكافر، وتاركها تهاونًا وتكاسلًا لا عن استخفاف عاصٍ إذا داوم على ذلك، وأما تركها أحيانًا فليست بمعصية. ١١٠ - [٣٢] (مطر بن عكامس) قوله: (وعن مطر بن عكامس) مطر بفتحتين وعكامس بضم المهملة وكسر الميم آخره سين مهملة. وقوله: (جعل له إليها حاجة) فيذهب إليها باختياره فيموت هناك. ١١١ - [٣٣] (عائشة) قوله: (قال: اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) إشارةٌ إلى القدر وردٌّ لتعجب عائشة من ذلك، يعني لا تتعجبي من ذلك، فإن الأطفال وإن لم يكن

стр. 396

١١٢ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الوَائِدَةُ وَالْمَوْءُوْدَةُ فِي النَّارِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧١٧] وَالتِّرْمِذِيُّ (١). ــ لهم عمل بالفعل لكنه يمكن أن يكون عمل في علم اللَّه تعالى وقدره لهم، فافهم، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول [برقم: ٩٣]. ١١٢ - [٣٤] (ابن مسعود) قوله: (الوائدة والموءودة في النار) وأد بنته يئدها وَأْدًا: دفنها حية، فهي وئيدة وموءودة، وكانت العرب في جاهليتهم يدفنون البنات حية، وإنما خص الوائدة بالذكر لأن أكثر ما كان الوأد من النساء، واستشكل الحديث بأن الوائدة تصح كونها في النار لكفرها وفعلها فما بال الموءودة لم تكفر، ولم تعمل سوءًا؟ فاضطروا في جوابه إلى توجيهات. فقيل: إن الموءودة في النار لكونها من أطفال المشركين، ففيه إثبات القدر كما مرّ في أحاديث أخر، وبهذا الاعتبار أورد محيي السنة هذا الحديث في هذا الباب، ومن لم يقل بأن أطفال المشركين في النار أوّله بأن المراد بالوائدة القابلة وبالموءودة الموءودة لها وهي الأم فحذفت الصلة (٢)، فإن القابلة التي كانت تئد بأمر الأم. وقيل: ورد الحديث في مادة مخصوصة (٣) فلا يقاس عليها ما عداها، فإن اللَّه يحكم في عباده ما يشاء، وهو على تقدير إن ثبت، ملحق بحديث الغلام الذي قتله

стр. 397

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١١٣ - [٣٥] عَنْ أبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَمَضْجَعِهِ، ــ الخضر. ويحتمل أن تلك الموءودة كانت بلغت الحِنْثَ، فدخلت النار بكفرها، وتعقب بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولا يذهب عليك أنه إذا وردت في مادة مخصوصة كانت المراد بالموءودة هي المعهودة المخصوصة فلم يكن اللفظ عامًا، نعم إذا حملت اللام على الجنس كان اللفظ عامًا ولا دليل على ذلك، فتدبر. وبالجملة لم يثبت في هذا الباب حديث يعول عليه ويجزم به، فالمذهب الصحيح فيه التوقف لعدم التوقيف، واللَّه أعلم. الفصل الثالث ١١٣ - [٣٥] (أبو الدرداء) قوله: (إن اللَّه فرغ إلى كل عبد من خلقه) الفراغ محال على اللَّه تعالى، فهو كناية عن عدم التبديل والتغيير، أو هو من باب المجاز والتمثيل، وتعديته بإلى لتضمين معنى الانتهاء، أي منتهيًا تقديره: إلى تدبير كل عبد في الأزل، وفي (القاموس) (١): فرغ له وإليه: قصده، و (من خلقه) صفة لـ (عبد) للتعميم، أي: كل عبد كائن من مخلوقاته كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، و (من خمس) متعلقة بـ (فرغ)، و (من أجله) مع ما عطف عليه بدل من (خمس) بإعادة الجار. (ومضجعه) من ضجع كمنع ضجعًا وضجوعًا: وضع جنبك بالأرض، والمضجع كمقعد

стр. 398

وَأَثَرِهِ، وَرِزْقِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٩٧]. ١١٤ - [٣٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٨٤]. ١١٥ - [٣٧] وَعَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ. . . . . . ــ موضعه، والمراد بمضجعه ههنا: سكونه. (وأثره) أي حركته، مأخوذ من أثر الإقدام في المشي إشارة إلى أن جميع حركاته وسكناته مقدرة في الأزل، كذا قالوا، أو المراد من (مضجعه) مكان موته وقبره، و (أثره) أي حركته في حياته، أو المضجع إشارة إلى الإقامة والأثر إلى المسافرة. (ورزقه) والرزق كل ما ينتفع به، وهو شامل للحلال والحرام عندنا، والمعتزلة خصوه بالحلال، وقد عرف في موضعه. ١١٤ - [٣٦] (عائشة) قوله: (من تكلم في شيء من القدر سئل عنه) الحديث، المراد المنع عن الخوض فيه، والسؤال بطريق الزجر والعتاب، فينبغي أن لا يتكلم، فلا يرد أن لكل ما يتكلم به الإنسان كذلك لا خصوصية بالقدر، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. ١١٥ - [٣٧] قوله: (عن ابن الديلمي) بفتح اللام. وقوله: (قد وقع في نفسي شيء من القدر) أي: شك وشبهة فيما يتعلق بالأمر والنهي، وأنه كيف يؤاخذ عباده على أعمالهم مع أن الكل بقضائه وقدره تعالى، وأشار بقوله: (في نفسي) أنه من قبيل حكاية النفس، و (من) تبعيضية أو ابتدائية.

стр. 399

فَحَدِّثْنِي لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَو أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَم يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذا لَدَخَلْتَ النَّارَ، قَالَ: ثُمَّ أَتيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ١٨٢، د: ٤٦٩٩، جه: ٧٧]. ــ وقوله: (فحدثني) أي بحديث من أحاديث رسول اللَّه ﷺ أو من عندك عسى اللَّه أن يذهب تلك الوسوسة التي تمكن من قلبي، فحدثه أولًا بحديث من عنده مما يزيل شبهته واستبعاده مؤاخذة اللَّه عباده، وتبين أن اللَّه مالك الملك يفعل ما يشاء، ولا يسئل عما يفعل، ولا ظلم فيما فعل في ملكه، وهو وإن كان من رسول اللَّه ﷺ لكنه لم يرفعه، ثم أشار إلى أن الإيمان بالقدر في جميع الكائنات عامة وفي أحوال نفسك خاصة من الواجبات التي لا يعدله عمل من الأعمال ولو كان عظيمًا خارجًا عن مقدرة البشر شرط لدخول الجنة، وفي الحديث كمال مبالغة في الحث على القدر والإيمان به، وأنه مجمع عليه في أهل الدين. وقوله: (ما أصاب لم يكن ليخطئك) معناه لا يقول عند الإصابة: إني إنما أصيب ذلك لسعيي وجدي في طلب ذلك، ولا عند عدمها لو أني سعيت لوجدته، فلتبرأ من حولك وقوتك، فتفوز مقام التوكل والرضا، اللهم ارزقنا.

стр. 400

١١٦ - [٣٨] وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ فَلَا تُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَكُونُ فِي أُمَّتِي -أَوْ فِي هَذِهِ الأمَّةِ- خَسْفٌ ومَسْخٌ، أَوْ قَذْفٌ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢١٥٢، د: ٤٦١٣ بمعناه، جه: ٤٠٦١]. ــ ١١٦ - [٣٨] (نافع) قوله: (إن فلانًا يقرأ) بضم الياء وكسر الراء، هذا هو اللفظ العربي، وإن كان يتراءى في الظاهر أن يكون بفتح الياء، وفي (النهاية) (١): أَقْرِئ فلانًا السلام، واقرأ ﵇ كأنه حين يُبَلِّغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويردّه، وإذا قرئ القرآن أو الحديث على شيخ يقول الشيخ: أقرأني فلان أي: حملني على أن أقرأ [عليه]، وسيأتي في باب السلام، والمقصود أن رجلًا بلغ ابن عمر من أحد السلام فقال ابن عمر: (إنه) أي ذلك الفلان قد أحدث في الدين ما ليس منه، وهو التكذيب في القدر، فإن كان هذا الخبر صادقًا فلا تُبَلّغه مني السلامَ فإني برئت من مودّتي له، وفيه وجوب التبري من أخوة المبتدع في الدين ومودته التي كانت ثابتة. وقوله: (أو قذف) أي رمي بالحجارة من السماء و (أو) للشك، قال الطيبي (٢): ويجوز أن يكون للتنويع، فافهم.

стр. 401

١١٧ - [٣٩] وَعَنْ عَليٍّ قَالَ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُمَا فِي النَّارِ"، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ: "لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لأَبْغَضْتِهِمَا"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنْكَ، قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٣٤، ١٣٥]. ــ ١١٧ - [٣٩] (علي) قوله: (عن ولدين) أي: من غيره ﷺ . وقوله: (ماتا لها) ولها متعلق لولدين صفة لهما. وقوله: (لأبغضتِهما) وفي بعض النسخ: (لأبغضتيهما) بزيادة الياء بعد التاء للإشباع، وهي كثيرة الوقوع في الأحاديث، أي: وإن كنت تكرهين وتحزنين على كونهما في النار، ولكن لو رأيت منزلتهما من الحقارة والبعد عن نظر اللَّه تعالى وسخطه إياهما لأبغضتهما وتبرأت منهما، وذلك كتبري إبراهيم عن أبيه يوم القيامة عند رؤيته إياه في صورة ذيخ (١) متلطخ. وقوله: (فولدي منك) وهو عبد اللَّه ولد في الإسلام، ولذا يقال له: الطيب والطاهر. وقوله: (ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ ) استشهادًا، اعلم أن الأولاد تابعة لآبائهم في الآخرة دون أمهاتهم، ولما كانت هذه الكرامة للمؤمنين وإتمام سرورهم كان الحال

стр. 402

١١٨ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ عَنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرَّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَين عَيْنَيْهِ، ــ في الكافرين على خلاف ذلك. ١١٨ - [٤٠] (أبو هريرة) قوله: (كل نسمة) في (النهاية) (١): النسمة: الروح والنفس، وكل دابة فيها روح، وإنما يريد الناسَ، وفي (القاموس) (٢): النَّسَمُ محرّكة: نفس الروح، كالنَّسَمَة محركة، ونفس الريح إذا كان ضعيفًا، كالنسيم، والنسمة محركةً: الإنسان، والجمع نَسَمٌ ونَسَمَاتٌ. وقوله: (هو خالقها) صفة (نسمة) ذكر للتعميم، وقال الطيبي (٣): ليتعلق به إلى يوم القيامة، والوبيص البريق واللمعان، يقال: وبص البرق يبص وبصًا ووبيصًا: لمع وبرق، ومنه (رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول اللَّه ﷺ ، وهو محرم)، ومنه (وبيص خاتمه). وقوله: (فأعجبه وبيص ما بين عينيه) لا يدل هذا على فضله على غيره من الرسل الذين هم أفضل منه، بل يدل على فضله في نفسه، وقد مرّ مثل هذا على أن إعجاب وبيصة آدم ﵇ لا يدل على كثرة وبيصه أو على أحسنيته من وبيص غيره، بل

стр. 403

قَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: دَاوُدُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلَمَّا انْقَضَى عُمَرُ آدَمَ إِلَّا أَرْبَعِينَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ آدَمُ: أَوَ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أوَ لَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟ قَالَ: فَجَحَدَ آدَمُ، فَجَحَدَتْ ذُرَّيتُهُ، وَنَسِيَ آدَمُ فَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَنَسِيَتْ ذُريَّتُهُ، وَخَطَأَ آدَمُ وَخَطأَتْ. . . . . ــ ريما يعجب أحد من حسن أحد وجماله وإن لم يكن أجمل وأزيد من غيره في الحسن، وهذا واقع في الخارج، وكان بين آدم وداود ﵉ مناسبة خاصة ومحبة مخصوصة، وذلك أنه تعالى سمى آدم خليفة، ولذلك خاطب داود بقوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦] وفي ذلك سر، واللَّه أعلم. وقوله: (كم جعلت عمره. . . إلخ) قد جاء في الفصل الثالث من (باب السلام) من (كتاب الآداب) عكس ما ذكر ههنا بأن يجعل عمره أربعين، فقال: زده من عمري ستين سنة، فقيل: ذلك من سهو بعض الرواة وخبطه، ويؤيد هذا القول بأن العادة في الزيادة أن يكون المزيد أقل من المزيد عليه، ولأن البعثة غالبًا تكون على رأس أربعين، فماذا كان عمره أربعين لم تحصل الدعوة. وقوله: (فجحد آدم) بحكم الجبلة وعلى حرص العمر عند الهرم كما نطق به الحديث الصحيح، وبعض الجبلة باقية في الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، وقد حقق ذلك في موضعه. وقوله: (ونسي آدم) يعني نهيه عن أكل الشجرة (وخطأ) أي: أخطأ في أن المراد بالشجرة شخصها، والخطأ ضد الصواب، وخطأ وأخطأ لغتان.

стр. 404

ذُرِّيَّتُهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٠٧٦]. ١١٩ - [٤١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ، فَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ، وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ، ــ وقوله: (رواه الترمذي) وكتب في الحواشي بهذه العبارة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس، وزاد محمد بن سعد: (ثم كمل اللَّه لآدم ألف سنة، ولداود مئة سنة). ١١٩ - [٤١] (أبو الدرداء) قوله: (حين خلقه) ظرف لقوله: (فضرب)، ولا يمنع الفاء من العمل لأنه ظرف على أن فاء السببية غير مانعة لعمل ما بعدها فيما قبلها، قاله الطيبي (١). وقوله: (كأنهم الذر) في (القاموس) (٢): الذر: صغار النمل، وفي بعض الحواشي: النمل الأحمر الصغير، وقيده في شرح الشيخ بالأبيض بقرينة مقابله وهو قوله: (كالحمم)، لكن كون الذر أبيض لا يعرف وجوده، ولا حاجة إلى التقييد؛ لأن التشبيه في القدر، والمقابلة لا يوجب التقييد، وفي نسخة معتمدة: (كدر) بضم الدال المهملة وهي أوضح (٣). وقوله: (كالحمم) جمع حممة وهو الفحم.

стр. 405

فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ: إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَتِفِهِ الْيُسْرَى: إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٤٤١]. ١٢٠ - [٤٢] وَعَن أبي نَضْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ- دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذْ مِنْ شَارِبِكَ ثُمَّ أَقِرَّهُ. . . . . ــ وقوله: (فقال للذي في يمينه) قال الطيبي (١): أي لأجل الذي في يمينه، وهذا كتأويله فيما سبق من حديث عبد اللَّه بن عمرو، في الفصل الثاني (٢)، والوجه هو ما أشرنا إليه هناك، ولكن لا يجري الوجه المذكور ههنا، أو يجوز أن يخاطب الذي في يمينه؛ لأنه خلق فيهم العقل والسماع فيكون التقدير: فقال للذي في يمينه: أنتم واصلون إلى الجنة، وعلى وجه الطيبي يكون الخطاب للملائكة بأن هؤلاء أوصلهم إلى الجنة. وقوله: (لا أبالي) وإن كان ينظر في الجملة إلى المعنى الذي ذكره الطيبي، ولكن قوله: (إلى الجنة) دون أن يقول: هؤلاء للجنة ناظرًا إلى ما قلنا، فافهم. ١٢٠ - [٤٢] (أبو نضرة) قوله: (أصحابه) الضمير للرجل، ويجوز أن يكون للنبي ﷺ . وقوله: (ثم أقره) أي: دُمْ على أخذ الشارب (٣).

стр. 406

حَتَّى تَلْقَانِي"؟ ، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً، وَأُخْرَى بِالْيَدِ الأُخْرَى (١)، وَقَالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ، وَهَذِهِ لهَذِهِ، وَلَا أُبَالِي" وَلَا أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٧٦ - ١٧٧، ٥/ ٦٨]. ١٢١ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِآدَمَ بِنَعْمَانَ -يَعْنِي عَرَفَةَ-. . . . . ــ وقوله: (تلقاني) أي: في الجنة أو على الحوض، ففيه بشارة لك بدخول الجنة فَلِمَ تبكي؟ . وقوله: (ولا أدري في أي القبضتين أنا) قال بعض العارفين: قد يحصل الأمن بمقتضى صدق وعد الشارع وبشارته، ولكن خوف (لا أبالي) باق (٢)، وعلى هذا تبتني تمنيات للمبشرين من الصحابة بياليت كذا كذا أو كذا كذا، وقد ذكرناها في رسالة لنا مسماة بـ (تحقيق الإشارة في تعميم البشارة)، وله تحقيق ذكرته في بعض الرسالة الفارسية. ١٢١ - [٤٣] (ابن عباس) قوله: (بنعمان يعني عرفة) في (القاموس) (٣): نعمان

стр. 407

فَأخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قُبُلًا قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ " [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٢٧٢]. ١٢٢ - [٤٤] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيَة، قَالَ: جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أزْوَاجًا، ــ كسحبان: واد وراء عرفة، وهو نعمان الأراك، وفي التفسير بعرفة مسامحة بقربه منها. وقوله: (ذرأها) أي: خلقها، ومنه الذرية عند من يهمزه نسل الثقلين، ومن الذر عند من لا يهمزه، وقد سبق. وقوله: (ثم كلمهم قبلًا) أي: مواجهة وعيانًا، في (القاموس) (١): رأيته قبلًا بالضم وبضمتين، وكصرد وعنب أي: عيانًا ومقابلة، ولي قِبَله بكسر القاف أي: عنده. وقوله: (قالوا: بلى) التكلم من الذر بخلق العقل والتميز فيها كتكلم نملة سليمان، واللَّه على كل شيء قدير، وقد تبين بما ذكرنا في أول الفصل الثاني في حديث عمر شرحه (٢)، والكلام فيه فلا حاجة إلى الإعادة. ١٢٢ - [٤٤] (أبي بن كعب) قوله: (فجعلهم أزواجًا) أي: أراد أن يجعلهم أصنافًا؛ لأن جعلهم أزواجًا بعد التصوير، والزوج خلاف الفرد، ويقال للاثنين: هما زوجان وهما زوج، والحديث يحتمل على المعنيين.

стр. 408

ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ، فَتَكَلَّمُوا، ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قَالَ: فَإِنِّي أَشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا، اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي، وَلَا رَبَّ غَيْرِي، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، إِنِّي سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي، قَالُوا: شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا، لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَرُفِعَ عَلَيْهِمْ آدَمُ ﵇ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَدُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ: رَبِّ لَوْلَا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ؟ . قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ، وَرَأَى الأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ مِثْلَ السُّرُجِ، عَلَيْهِمُ النُّورُ، خُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ فِي الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵎: . . . . . ــ وقوله: (أشهد عليكم السموات السبع، والأرضين السبع، وأشهد عليكم آباءكم) بأن يشهدوا عليكم إذا أنكرتم الاستشهاد والإقرار، والأول إشارة إلى نصب الدلائل العقلية، والثاني إلى بعث الرسل يذكرونهم بالخطابات السمعية. وقوله: (رفع) بلفظ المجهول ويحتمل المعلوم، لكن الرواية هو الأول، والرفع ضد الخفض والإصعاد، والمراد أشرف عليهم لينظر إليهم. وقوله: (فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك) أي: من هو دون حسن الصورة، وهذان مذكوران على طريق التمثيل، خصهما بالذكر لأن أكثر ما يتفاخرون في الظاهر بالمال والجمال. وقوله: (قال: إني أحببت أن أشكر) أي: لو كنت خلقتهم على حدٍّ سواء لما وجد الشكر، فالغني يشكر لغناه، وحسن الصورة يشكر لحسن صورته، ولما كان هذان

стр. 409

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] كَانَ فِي تِلْكَ الأَرْوَاحِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ ﵍ (١)، فَحُدِّثَ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ فِيهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٣٥]. ١٢٣ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَتَذَاكَرُ مَا يَكُونُ إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلٍ زَالَ عَن مَكَانِهِ فَصَدِّقُوهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَجُلٍ تَغَيَّرَ عَنْ خُلُقِهِ فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ إِلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٤٤٣]. ــ القسمان مذكورين بطريق التمثيل، وكان ههنا أقسام لا تعد ولا تحصى، فالمتقي المتدين يشكر لدينه وتقواه وإن كان فقيرًا، وحَسَنُ الخصال والأخلاق يَشْكُرُ لِحُسن خصاله وأخلاقه وإن كان ذميمًا، فافهم. وقوله: (إلى قوله: وعيسى) تمام الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]. ووصل ﷺ كلامه بالآية، وقال: كان أي: عيسى من تلك الأرواح أي: أرواح الذرية لا في أجسامهم، فأرسله أي: عيسى. وقوله: (أنه) أي: عيسى الذي كان روحًا في تلك الأرواح (دخل من فيها) أي: من جانب فم مريم. ١٢٣ - [٤٥] (أبو الدرداء) قوله: (ما يكون) أي: الذي يوجد ويحدث أي: نتذاكر فيه أنه مقضي أو مستأنف، فأجاب ﷺ أنه مقضي ومقدور، وما قدره اللَّه لا يتغير، ذكر منها مثالًا مخصوصًا، وهو خلق الرجل -بالضم- لكونه لا يقبل الزوال، بخلاف خلقه -بالفتح- فإنه يتغير بحسب الظاهر، فالكيسِّ لا يصير بليدًا والبليد لا يصير كيسًا،

стр. 410

١٢٤ - [٤٦] وَعَنْ أُمِّ سَلمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّه، لَا يَزَالُ يُصِيبُكَ فِي كُلِّ عَامٍ وَجَعٌ مِنَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أَكَلْتَ، قَالَ: "مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٥٤٦]. * * * ٤ - باب إثبات عذاب القبر ــ يعني أن من قدر اللَّه وقضى بكونه بليدًا أو كيسًا ألبتة لا يصير على خلاف ما قدر، بخلاف ما يرى في الحال كيسًا أو بليدًا فارتاض واجتهد وصار على خلاف ما كان فهو ليس مما نحن فيه، إذ المقدر هناك ما صار عليه، وقد أنكره بعض الناس قائلًا بأن الأخلاق لا تتبدل ولا يتهذب بالرياضة، وهذا غلط بحكم الشريعة والتجربة، فافهم (١). ١٢٤ - [٤٦] (أم سلمة) قوله: (وآدم في طينته) كناية عن التقدير، في (القاموس) (٢): الطين معروف، وبهاءٍ: القطعة منه، والخِلقة، والجِبِلة. ٤ - باب إثبات عذاب القبر لما أنكر بعض المبتدعة من أكثر المعتزلة وبعض الروافض عذاب القبر، وكان ثابتًا بالأحاديث المشهورة التي تبلغ الحد المشترك منها مبلغ التواتر، وكان سلف الصالح متفقين على ذلك قبل ظهور المخالفين، اهتم المؤلف بإثباته وعقد له بابًا على حدة كالإيمان بالقدر أثبته لذلك.

стр. 411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعذاب كالنكال بناء ومعنًى، يقال: أعذب عن الشيء ونكل عنه: إذا أمسك عنه، وإنما سمي العذاب سواء كان عذابًا؛ لأنه يمسك الإنسان عن العصيان ويروعه عنه، أو يمسك عن النعمة والرحمة ويروعه عن ذلك، ومنه الماء العذب لأنه يقمع العطش ويروعه، والألم إن كان قادحًا أي ثقيلًا فعذاب سواء كان جزاء للعمل أو لا، رادعًا للجاني عن المعاودة أو لا، وإن كان جزاء فعقاب، وان كان رادعًا فنكال، فالعقاب أخص من العذاب، والنكال أخص من العقاب، والعذاب أعم منهما، والألم أعم من الكل. وقيل: العذاب مشتق من العذبة، وهي القذاة، وماء ذو عذب أي: كثير القذى، فكما أن القذاة تنغض الماء كذلك العذاب ينغض العيش، وأيضًا يقال: أعذب حوضك أي: انزع ما فيه من القذى، فكذلك العذاب ينزع من الجاني ما فيه من الجناية، وقيل: من العذوبة؛ لأن عذاب كل أحد يستعذبه عدوه، فعذاب الكافرين مما يستعذبه المؤمنون. والمراد بالقبر ههنا عالم البرزخ، وهو عالم بين الدنيا والآخرة له تعلق بكل منهما، وليس المراد به الحفرة التي يدفن فيها الميت، فرب ميت لا يدفن كالغريق والمحروق والمأكول في بطن الحيوانات يعذب وينعم ويسأل، وإنما خص العذاب بالذكر للاهتمام، ولا قائل بالفصل، ولأن العذاب أكثر لكثرة الكفار والعصاة، وقد يراد بعذاب القبر حال للعبد في البرزخ مطلقًا سواء كان تنعيمًا أو تعذيبًا، وصار اسمًا لتلك الحالة تغليبًا. واختلف في أن الميت يعذب بإحيائه في القبر أو بجعل الروح في مقابلته أو بنوع آخر مما يعلمه اللَّه ولا نعلمه، والأظهر الأصوب أنه بالإحياء وإعادة الروح،

стр. 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو ظاهر الأحاديث، ثم اختلف في كيفية الإحياء فقيل: إنه يعاد الروح في جملته، وقيل: في أقل جزء يحتمل الحياة والعقل، قال الحليمي: فإن صح فلا جزء أولى به من القلب الذي هو ينبوع الحياة ومحل العقل، وقيل: كل من مات وتفرقت أجزاؤه، فإن اللَّه يعلق روحه بجزئه الأصلي الباقي من أول عمره إلى آخره المستمر على حالتي النمو والذبول، لأن اللَّه تعالى عالم بها كلها حسب ما هو عليها، ويعلم مواقعها ومحالها كما في الحشر، والبينة عندنا ليست شرطًا للحياة، ويكفي في صحة الاعتقاد أن تعتقد أن الحق تعالى يحدث فيه الإدراك بأي وجه يريد، واللَّه أعلم. ثم في تصديق عذاب القبر وأمثال هذا طرق متعدة ذكر الإمام الغزالي في (الإحياء) (١)، وقال: اعلم أن لك ههنا ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا، أحدها: وهو الأظهر والأصح والأسلم: أن يصدق بأن الحية مثلًا موجودة في الخارج، وهي تلدغ الميت، ولكنا لا نشاهد ذلك، فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت، أما ترى أن الصحابة كيف كانوا يؤمنون بنزول جبرئيل وما كانوا يشاهدونه ويؤمنون بأنه ﷺ يشاهده، فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح الإيمان بالملائكة أهم عليك، وإن آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي ﷺ ما لا تشاهده الأمة فكيف لا تجوز هذا في الميت؟ والمقام الثاني: أن تتذكر أمر النائم بأنه يرى في نومه حية تلدغه، وهو يتألم بذلك حتى تراه في نومه يصيح ويعوق جبينه، وقد ينزعج من مكانه، كل ذلك يدركه من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان، وهو يشاهده وأنت ترى ظاهره ساكنًا ولا ترى

стр. 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حواليه حية، والحية موجودة في حقه، والعذاب حاصل ولكنه في حقك غير مشاهد، وقد يرى اليقظان أيضًا أشياء كما في حالة البرسام وغيره، ولا يريها من حوله، وإذا كان العذاب ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد. المقام الثالث: أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها هو السم، ثم السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم، فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان ذلك العذاب قد توفر، وكان لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضي إليه في العادة، والصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت، فيكون آلامها كآلام لدغ الحيات من وجود الحيات. فإن قلت: ما اتضح من هذه المقامات الثلاثة؟ فاعلم أن من الناس من يثبت الأول وينكر ما بعده، ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني، ومنهم من لم يثبت إلا الثالث، وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن ذلك كله في حيز الإمكان، وأن من أنكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرته سبحانه وعجائب تدبيره في ملكه من أفعال اللَّه تعالى ما لم يأنس به ولم يعاينه، وذلك جهل وقصور، بل هذه الطرق الثلاثة ممكن والتصديق بها واجب، وربما عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع، وربما عبد يجتمع فيه الأنواع الثلاثة هذا هو الحق فصدق به، انتهى كلام الإمام، ويجب أن يعلم أن ما ذكره إنما هو في عذاب القبر وأمثاله لا في أمور الآخرة كلها من الحشر والنشر والجنة والنار فإنها متحققة موجودة في الخارج قطعًا يجب اعتقادها كذلك لا بمحض التخيل والتمثيل.

стр. 414

* الْفَصْل الأَوَّلُ: ١٢٥ - [١] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ " [إبراهيم: ٢٧]، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. . . . . ــ (فائدة) السؤال في القبر من خصائص هذه الأمة، ذكر ذلك الترمذي وابن عبد البر، والحكمة في ذلك لتعجل عذابها في البرزخ فتوافي القيامة ممحضة، كذا ذكر بعض الشراح، ولا يخفى أن هذا الوجه إنما يجري في مؤمني الأمة دون المشركين، وفي (شرح عقيدة الطحاوي) (١): وللناس في سؤال منكر ونكير خلاف هل هو خاص بهذه الأمة أم لا، ثلاثة أقوال، الثالث التوقف، وهو قول جماعة منهم ابن عبد البر، انتهى. وقيل: عدم الاختصاص قول عامة العلماء، وتدل عليه قصة اليهودية كما تأتي، واللَّه أعلم. الفصل الأول ١٢٥ - [١] (البراء بن عازب) قوله: (فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾) يعني أن قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية إشارة إلى إثبات العبد على الشهادتين وجوابه بهما وقت السؤال عن دينه وربه ونبيه، فإن الآخرة تشتمل البرزخ وما بعده، والشهادتان جواب عن الثلاثة فإنهما الدين.

стр. 415

نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، يُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٦٩، ٤٦٩٩ م: ٤٨٧١]. ١٢٦ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ [و] (١) إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، ــ وقوله: (يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي اللَّه ونبي محمد) لفظ (المصابيح) ههنا أظهر وأتم: (إذا قيل له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي اللَّه، وديني الإسلام، ونبي محمد). وقوله: (نزلت في عذاب القبر) قد يفهم من هذا أن عذاب القبر اسم للحالة الثابتة في القبر عذابًا كان أو نعيمًا كما نقلنا عن بعضهم في شرح الترجمة، وتوصيف القول بالثابت لأنه الحق الذي لا يتزلزل، ولا يزول، ثم يستأنس بهذا الحديث بحسب الظاهر اختصاص عذاب القبر بهذه الأمة كما قيل، إلا أن يقال: المذكور في الحديث حال هذه الأمة، ويعلم منه أحوال سائر الأمم كما لا يخفى. ١٢٦ - [٢] (أنس) قوله: (وإنه ليسمع) (٢) معترضة أو حال بحذف الواو أو تأكيد، ويجوز أن يكون جوابًا بحذف الفاء، وعلى الثاني قوله: (أتاه) حال من فاعل يسمع. وقوله: (قرع نعالهم) قيل: فيه دليل على جواز المشي بالنعال عند القبور

стр. 416

أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ. . . . . ــ وبين ظهرانيها. وقوله: (فيقعدانه) قال التُّورِبِشْتِي (١): الأصل فيه أن يحمل على الحقيقة على حسب ما يقتضيه الظاهر، ويحتمل أن يراد به التنبيه لما يسأل عنه، والإِيقاظ لما هو فيه بإعادة الروح المميز الإنساني إليه كالنائم الذي يوقظ، ومن الجائز أن يقال: أجلسته من نومه أي: أيقظته من رقدته على المجاز والاتساع؛ لأن الغالب من حال النائم إذا استيقظ أن يجلس، فجعل الإجلاس مكان الإيقاظ، انتهى. ثم إنه جاء في حديث آخر: (فيجلسانه) والقعود والجلوس مترادفان، وقال في (القاموس) (٢): القعود: الجلوس، أو هو من القيام، والجلوس من الضجعة ومن السجود، انتهى. وعلى الثاني يكون رواية: (يجلسانه) كما يجيء من حديث أحمد وأبي داود أظهر وأفصح، ويكون رواية: (يقعدانه) كما في الصحيحين رواية بالمعنى. وقال الطيبي (٣): إذا ذكرا معًا ذكر القعود مع القيام، والجلوس مع الاضجاع، وبدون ذكرهما يجوز ذكر الجلوس من القيام كما جاء ذلك في حديث جبرئيل: (حتى جلس إلى النبي ﷺ )، انتهى. وقوله: (في هذا الرجل) أي: الرجل العظيم الذي هو الرجل الحقيقي الذي يحق أن يسمّى رجلًا، فاسم الإشارة للقرب للتعظيم كما ذكر في علم المعاني، وقال الطيبي (٤): عبر بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحانًا للمسؤول لئلا يتلقن تعظيمًا

стр. 417

لِمُحَمَّدٍ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجنَّة، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ: مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ــ عن عبارة القائل. وقوله: (لمحمد) بيان من الراوي. وقوله: (فيراهما) الحكمة في إرائتهما جميعًا زيادة فرحة بتخليصه بالبلية وتخصيصه بالعطية، ولم يذكر هذا في الكافر اكتفاءً. وقوله: (كنت أقول: ما يقول الناس) الظاهر أن المراد بما يقولون التكذيب والإنكار، هذا بحال الكافر المجاهر أنسب، والمنافق أيضًا يقول في الخلوة بشياطينه كذلك، وهكذا في حديث أبي هريرة في الفصل الثاني، وقال الطيبي (١) هناك: قد سمعت الناس أي: المسلمين يقولون: إنه نبي، فقلت مثل قولهم وما شعرت غير ذلك، فتدبر. وقوله: (لا دريت ولا تليت) كلاهما على صيغة المخاطب من الماضي المعلوم، إما دعاء أو خبر، أما (دريت) فمن الدراية بمعنى العلم، وأما (تليت) فقال القاضي عياض (٢): (ولا تليت) كذا الرواية عندنا ههنا بفتح التاء واللام، قيل: معناه لا تلوت يعني القرآن أي: لم تدر ولم تتل أي: لم تنتفع بدرايتك وتلاوتك، كذا قال لي أبو الحسين، ورد قول الأنباري فيه وغيره، وقيل: معناه لا تبعت الحق، قاله الداودي،

стр. 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقيل: لا تبعت ما تدري، قاله ابن القزاز، وقيل: هو على عادة العرب في أدعيتها التي تدغم بها كلامها، قالوا: والواو هنا الأصل فحولت ياء لاتِّباع دريت، وقال ابن الأنباري: (تليت) غلط والصواب أتليت، يدعو عليه بأن لا تتلى إبله أي: لا تكون لها أولاد تتلوها أي: تتبعها، هذا مذهب يونس بن حبيب، قال ابن السراج: وهذا بعيد في دعاء الملكين [للميت]، ولعل ابن الأنباري أراد أن هذا أصل هذا الدعاء، ثم استعمل كما استعمل غيره من أدعية العرب، قال أبو بكر: والوجه الثاني: [أن يكون] ايتليت على أنه افتعلت من قولك: ما آلوت هذا أي: لا دريت ولا استعطت أن تدري، يقال: ما آلوه أي: ما أستطيعه، وهذا مذهب الأصمعي، وقال الفراء مثله إلا أنه فسره: ولا قصرت في طلب الدراية، فيكون أشقى لك من قولهم: ما آلوت أي: ما قصرت، وذكر أبو عبيد فيه أيضًا: ولا آليت كأنه من آلوت أي استعطت، وقد بينا من صحة المعاني التي توافق الرواية ما لا يحتاج معه إلى ما يقوله أبو بكر، والموفق اللَّه، انتهى كلام القاضي. (تنبيه) ذكر في (شرح قصيدة الأمالي) لبعض فقهاء المحدثين من أهل المدينة ما نصه: فإن قيل: ليس في الحديث الصحيح إلا ذكر عذاب المنافق والكافر، ونجاة المؤمن في القبر، ولم يذكر المذنب من المؤمنين هل يعذب أم لا؟ فالجواب أن الحديث خرج مخرج الترغيب في الإيمان في أوائل الأمر، فلم يذكر إلا حال المنافق والكافر تحذيرًا من مثل حاله، وحال المؤمن الطائع ترغيبًا في مثل حاله، ولم يذكر قيد الطاعة إلا تشويقًا إلى الإيمان، وأخر ذكر حال المؤمن العاصي إلى وقت الاحتياج بحديث صاحب القبرين، أو أنه ﷺ لم يكن أعلم إذ ذاك أن أحدًا يعذب في القبر كما يشير إليه قصة اليهودية أخبرت بعذاب القبر، أو الحديث الذي اقتصر فيه على

стр. 419

وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ" مُتَّفَقٌ عليه، وَلَفظه للْبُخَارِيِّ. [خ: ١٣٣٨، ١٣٧٤، م: ٢٨٧٠]. ــ ذكر المنافق إنما هو في حق أهل عصره ﷺ فقط، وقد كان مؤمنهم مطيعًا مغفور الزلات، وأما غيرهم فتثبت حالهم الأحاديث التي فيها العذاب لبعض العصاة، كذا ذكره بعضهم. وقد تكلم على المسألة السيد الأجل السمهودي، فقال: أما سؤال الملكين فقضيتهما أن المؤمن وإن كان فاسقًا فإنه يجيب الملكين بما اشتملت عليه تلك الأحاديث، وإجابته بذلك صحيحة من حيث المعنى، وأما ما يقال له من البشارة فيحتمل الأمرين؛ أحدهما: عدم مساواة المؤمن الفاسق لغيره في ذلك، فأكمل البشارة للمؤمن الكامل ولغيره ما يصلح به على حسب حاله، وثانيهما: المساواة لكن في أصل ما وقع التبشير به ويكون مقولًا بالتشكيك، إلا أن يكون الفاسق ممن شاء اللَّه مغفرة ذنوبه، أو حصل التكفير لها بالمصائب المؤلمة ونحوها من المكفرات، واللَّه أعلم. وقوله: (ويضرب بمطارق من حديد ضربة) أي: يضرب بكل مطرق ضربة. وقوله: (يسمعها من يليه من غير الثقلين) اقتصر ﷺ في هذا المقام على سماع من يليه اكتفاءً بأصل المقصود قصدًا إلى إنذارهم، ويمكن أنه يوحى إليه في هذا الوقت هكذا، وفي وقت آخر فإنه يسمعها من في المشرق والمغرب، ولا منافاة بينهما لعدم اعتبار مفهوم المخالف في مثل هذا المقام لظهور المقصود، فافهم، و (من) لذوي العقول يشمل الملائكة والثقلين وغيرهم تغليبًا، وغلب العقلاء على غيرهم لشرفهم، ولأن السماع من خواصهم فجعل غيرهم في حكمهم فعبر بـ (من) ثم استثنى الثقلين، وذلك لئلا يرفع الابتلاء ولا ينقطع المعاش.

стр. 420

١٢٧ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٩، م: ٢٨٦٦]. ١٢٨ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْر، فَقَالَ: "نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى. . . . . ــ ١٢٧ - [٣] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة) تقدير الكلام: إن كان الميت من أهل الجنة فيعرض عليه مقعد من مقاعد أهل الجنة. وقوله: (حتى يبعثك اللَّه إليه يوم القيامة) قال التُّورِبِشْتِي (١): الهاء يرجع إلى المقعد، ويجوز أن يعود إلى اللَّه، وهذا لفظ (المصابيح)، وقد روي أيضًا في الأحاديث الصحاح: (حتى يبعثك اللَّه إلى يوم القيامة) أي: هذا مستقرك إلى يوم القيامة، ويجوز أن يكون المعنى حتى يبعثك اللَّه إلى محشر يوم القيامة، فحذف المضاف، انتهى. لا يخفى أن معنى قوله: عرض عليه مقعد من مقاعد الجنة أن يراه، يقال: عرض الشيء عليه أراه، كما جاء في حديث آخر: (يفتح له باب إلى الجنة) وليس هو داخلًا الآن في الجنة مستقرًا في مقعده، فلعل معنى العبارة: هذا مقعدك يتوقف دخولك واستقرارك فيه إلى وقت بعث اللَّه إياك إليه يوم القيامة، فافهم. ١٢٨ - [٤] (عائشة) قوله: (قالت عائشة: فما رأيت رسول اللَّه ﷺ بعد صلى

стр. 421

صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٢، م: ٥٨٦]. ١٢٩ - [٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَو خَمْسَةٌ، فَقَالَ: "مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأقْبُرِ؟ "، قَالَ رَجُلٌ: أَنا، قَالَ: . . . . . ــ صلاة إلا تعوذ باللَّه من عذاب القبر) قال التُّورِبِشْتِي (١): ولقد وجدت في مسموعات أبي جعفر الطحاوي: (أن النبي ﷺ سمع يهودية في بيت عائشة ﵂ تقول: إنكم تفتنون في القبور فارتاع رسول اللَّه ﷺ ، وقال: إنما تفتن يهود، قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال: أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟ ) (٢) فلو صح هذا كان الوجه فيه أن النبي ﷺ توقف في شأن أمته في فتنة القبر، إذ لم يوح إليه فيه، فلما أوحي إليه تعوذ منه، ووجدت في حديث آخر: أن عائشة ﵂ قالت: فلا أدري أكان رسول اللَّه ﷺ يتعوذ قبل ذلك ولم أشعر به، أو تعوذ بقول اليهودية؟ ، فعلى هذا يحتمل أنه كان يتعوذ، ولم تشعر به عائشة ﵂، فلما رأى استغراباها لهذا القول وتعجبها منه أعلى صوته بالتعوذ ليترسخ ذلك في عقائد أمته، ويكونوا من فتنة القبر على خيفته. ١٢٩ - [٥] (زيد بن ثابت) قوله: (في حائط) أي: بستان، والحائط يجيء بمعنى البستان كما سبق في أول (كتاب الإيمان) [برقم: ٣٩]. وقوله: (إذ حادت به) بالتخفيف أي: مالت، في (النهاية) (٣): حاد عن الشيء

стр. 422

"فَمَتَى مَاتُوا؟ " قَالَ: فِي الشِّرْكِ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ"، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٧]. ــ وعن الطريق يحيد: إذا عدل، وفي ذم الدنيا: الحيود: الميود، فالباء للتعدية. وقوله: (فَمَتَى مَاتُوا؟ قَالَ: فِي الشِّرْكِ) ظاهره أنهم ماتوا في الجاهلية فعذابهم لأجل ترك التوحيد وأمثاله من العقليات، فافهم. وقوله: (إن هذه الأمة) المراد بها جنس الإنسان. وقوله: (فلولا أن لا تدافنوا لدعوت اللَّه أن يسمعكم من عذاب القبر) قالوا: يحتمل أن يكون المراد أنهم لو سمعوا ذلك للحقهم من الخوف والدهشة ما شغلهم عن التدافن، كما ذكر أن الحكمة في عدم سماع الثقلين صيحة الميت من ضربة المطارق أن لا ينقطع ويتعطل المعاش، فترك التدافن ليس من جهة اعتقاد أنه يمنع العذاب لأنه يعذب وإن لم يدفن، ويعذب في بطون الحيتان وحواصل السباع، وكيف يتركون وقد أمروا بذلك بل من جهة طيران أفئدتهم، وذهاب عقولهم الموجب للذهول عن الأمر واعتقاد التعذيب، ولو لم يدفن، أو أنهم لو سمعوا ذلك لحصلت لهم دهشة من مشاهدة الموتى حتى لا يكادون يقربون جيفة ميت.

стр. 423

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٣٠ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَللآخَرِ: النَّكَيرُ، ــ ووجه آخر، وهو أن الأحياء ما زالوا يوارون سوآت الأموات طبعًا وحمية، وندبوا إلى ذلك شرعًا أيضًا بقوله: (اذكروا أمواتكم بالخير)، فلو سمعوا صياح المعذبين لاحتمل أن يحملهم ذلك على أن يطرحوا موتاهم في صحاري بعيدة خوفًا من أن يطلع الناس على ذلك، فإن القبور كالمنازل يجتمعون عليها، ولا ينسون مواضعها، فافهم، واللَّه أعلم. الفصل الثاني ١٣٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (أسودان أزرقان) قال التُّورِبِشْتِي (١): أسودان يحتمل أن يكون على الحقيقة لما في لون السواد من الهول والنكر، ويحتمل أن يكون كناية عن قبح المنظر وبشاعة الصورة، وأما الزرقة فالمراد به وصفهما بتقليب البصر وتحديد النظر إليه يقال: زرقت عينه نحوي: إذا انقلبت وظَهَرَ بياضُها، كما ينظر العدو إلى من يعاديه، وقيل: إنما وصف العدو بالزرقة؛ لأن الروم أعداء العرب وهم زرق العيون، وقال في (القاموس) (٢): الزَّرَقُ: العمى، وَ ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] أي: عميًا، انتهى. وفي الحديث الآتي: (ثم يقبض له أعمى) كناية عن عدم الترحم والشفقة. وقوله: (يقال لأحدهما المنكر، وللآخر: النكير) النكرة خلاف المعرفة، ونكر

стр. 424

فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، ــ الأمر ككرم: صعب، ونكر فلان الأمر كفرح، والمنكر ضد المعروف اسم مفعول من الإنكار، ونكير فعيل من النكر، وإنما سميا بهما لعدم معرفة الميت إياهما وتوحشه عنهما وعدم استيناسه بهما. وفي (شرح العقيدة الأمالية) لبعض الفقهاء المحدثين من أهل المدينة: قال الحليمي: يشبه أن تكون ملائكة السؤال جماعة كثيرة يسمى بعضهم منكرًا، وبعضهم نكيرًا، فيبعث إلى كل منهم اثنان كما أن الموكل عليه لكتابة عمله ملكًا، وفيه: قال بعض العلماء: منكر ونكير اسمان لملكي المذنب، وأما المطيع فملكاه اسمهما مبشر وبشير، وقال السيد السمهودي: ولم أقف على أصل لما قاله، وقد عزاه الحافظ ابن حجر لبعض الفقهاء، والذي يقتضيه ما في الأحاديث استواء المؤمن في اسميتهما ووصفيتهما، أقول: وهو الظاهر؛ لأن مجيء الملكين إنما هو للامتحان والابتلاء، فالظاهر الإتيان بصفة النكرة، ثم هما يبشران المؤمن بعد تثبته في الجواب، واللَّه أعلم. وقوله: (قد كنا نعلم أنك تقول هذا) بإيناس سيماء الإيمان في وجهه أو بإعلام اللَّه. وقوله: (كنومة العروس) وفي (القاموس): الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما، وهم عروس، وهن عرائس، والعرس بالكسر: امرأة الرجل، والعرس بالضم وبضمتين:

стр. 425

حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُ مِثْلَهُ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: قَدْ كنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠٧١]. ١٣١ - [٧] وَعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُول: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ؛ فَذَلِكَ قَولُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآيَة [إبراهيم: ٢٧]، قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَق عَبدِي فَأفْرِشُوهُ. . . . . ــ طعام الوليمة والنكاح، وأعرس: اتخذ عرسًا، وبأهله: بنى عليها. وقوله: (حتى يبعثه اللَّه من مضجعه) متعلق بمحذوف، أي: ينام هكذا إلى يوم البعث. ١٣١ - [٧] (البراء بن عازب) قوله: (ما هذا الرجل) أي: ما وصفه؟ . وقوله: (أن صدق عبدي) أن مفسرة لما في النداء من معنى القول، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] وسمي المؤمن عبدًا لإطاعته وانقياده، وأضافه إلى نفسه تشريفًا له بخلاف الكافر. وقوله: (فأفرشوه) قال التُّورِبِشْتِي (١): أفرشوه بألف القطع أي: اجعلوا له
следующие страницы →