← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

٥ - باب التعزير ــ ولم يفضح نرجو أن يعفو عنه غدًا، فافهم، قالوا: ينبغي لمن أذنب سرًّا أن يتوب منه سرًّا ولا يظهر لئلا يهتك حرمة الشريعة. ٥ - باب التعزير في (القاموس) (١): العَزْرُ: اللَّومُ، عزَرَه يَعْزِرُه وعزَّرَه، والتعزير: ضربٌ دونَ الحد، وهو أشد الضرب، والتفخيم (٢) والتعظيم، ضدٌّ، وقال في (المشارق) (٣): قال الحربي: العَزْر: اللَّومُ، وقال أبو بكر: العَزْرُ: المَنعُ، وعزرته منعته، وقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] أي: تنصروه وتردُّوا عنه أعداءَه، قال الزجاج: وأصل العزر في اللغة: الرد ونصرة الأنبياء المتدافعة والذب عنهم، وقال الطبري وغيره: معناه تعظموه وتُجِلُّوه، وتعزير المعاقبات منه؛ لأنه يمنع عن المعاودة، يقال: عزرته مخففًا ومثقلًا، وقال في حديث سعد بن أبي وقاص: أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، أي: توقفني عليه، قال الهروي: التعزير في كلام العرب: التوقيف على الفرائض والأحكام. وقال الطبري: تقوِّمني وتعلمني من تعزير السلطان وهو تأديبه وتقويمه، وقال في (مختصر النهاية) (٤): التعزير: الإعانة والتوقير والنصرة مرة بعد أخرى، ويطلق على الرد والمنع، فهو من الأضداد، وأصبحت بنو أسد تعزرني في الإسلام، أي: توقفني عليه، وقيل: توبخني على التقصير فيه.

стр. 3607

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٦٣٠ - [١] عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٤٨، م: ١٧٠٨]. ــ الفصل الأول ٣٦٣٠ - [١] (أبو بردة) قوله: (عن أبي بردة) بضم الباء وسكون الراء (ابن نيار) بكسر النون والياء آخر الحروف. وقوله: (لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد) المذهب عندنا أن أكثره تسعة وثلاثون، وأقله ثلاث جلدات، وقال أبو يوسف: يبلغ التعزير خمسة وسبعين، والأصل فيه قوله ﷺ : (مَن بلغَ حدًّا في غير حدٍّ فهو من المُعتدِينَ)، وإذا تعذر تبليغه حدًّا فأبو حنيفة ومحمد نظرا إلى أدنى الحد، وهو حدُّ العبد في القذف، فصرفاه إليه، وذلك أربعون، فنقص منه سوطًا، وأبو يوسف اعتبر أقل الحد في الأحرار إذ الأصل هو الحرية، ثم نقص سوطًا في رواية عنه، وهو قول زفر، وهو القياس، وفي هذه الرواية نقص خمسة، وهو مأثور عن علي ﵁، ثم قدَّر الأدنى بثلاث جلدات؛ لأن ما دونها لا يقع به الزجر، وذكر مشايخنا أن أدناه على ما يراه الإمام، كذا في (الهداية) (١). وعند جمهور الشافعية: لا يبلغ تعزير كل إنسان أدنى الحدود كالشرب فلا يبلغ تعزير العبد عشرين، ولا تعزير الحر أربعين، واختلف الروايات عن أحمد، فروى جماعة أنه لا يزاد على عشر جلدات لهذا الحديث، وأكثر أصحابه على أنه لا يُبلَغُ بالحر أوفى حدِّه وهو أربعون أو الثمانون، ولا بالعبد أوفى حده وهو عشرون أو أربعون، وقيل: لا يبلغ بكليهما حد العبد، وقالوا: حديث أبي بردة منسوخ بحديث ابن عباس

стр. 3608

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٦٣١ - [٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيتَّقِ الْوَجْهَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٩٣]. ٣٦٣٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: يَا يَهُودِيُّ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، وَإِذَا قَالَ: يَا مُخَنَّثُ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، ــ الآتي. وقد ثبت أن الصحابة كانوا يجاوزون عشرة، وقال أصحاب مالك: إنه كان مختصًّا بزمن النبي ﷺ ، فعلم من هذا الاتفاقُ على أن التعزير لا يبلغ مبلغ الحد، ونقل عن بعضهم أن ذلك مفوَّضٌ إلى رأي الإمام، وله أن يزيده على قدر الحدود، واللَّه أعلم. الفصل الثاني ٣٦٣١ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) أي: فليجتنب عن ضربه على الوجه، عام في جميع الضربات للحد أو للتعزير بل للتأديب أيضًا، وهو في المعنى نوع من التعزير على تقصيره فيما ينبغي أن يفعل، فافهم. ٣٦٣٢ - [٣] (ابن عباس) قوله: (يا يهودي) يحتمل أن يراد به الكفر أو الذل؛ لأن اليهود مثَلٌ فِي الذل والصغار لقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]، والحمل على الثاني أرجح للدَّرْء في الحد، و (المخنث) بكسر النون وفتحها: من يتشبه بالنساء في حركاته وسكناته، ومرّ ذكره في (كتاب النكاح) في الفصل الثالث من (باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات).

стр. 3609

وَمَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٤٦٢]. ٣٦٣٣ - [٤] وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٤٦١، د: ٢٧١٣]. * * * ــ قال في (الهداية) (١): إذا قذف مسلمًا بيا فاسق أو يا كافر أو يا خبيث أو يا سارق وجب التعزير؛ لأنه آذاه وألحق الشين به، ولو قال: يا حمار يا خنزير لم يعزَّر لأنه ما ألحقَ الشينَ به للتيقن بنفسه، وقيل: في عرفنا يعزر لأنه يعدّ سبًّا، وقيل: إن كان المسبوب من الأشراف كالفقهاء والعلوية يعزر؛ لأنه يلحقهم الوحشة بذلك، وإن كان من العامة لا يعزر، وهذا أحسن. وقوله: (ومن وقع على ذات محرم) أي: زنى بامرأة محرمة. وقوله: (فاقتلوه) زجر وتشديد، وحكم بظاهره الإمام أحمد، كذا قال الطيبي (٢). ٣٦٣٣ - [٤] (عمر) قوله: (قد غلّ في سبيل اللَّه) أي: سرق من مال الغنيمة، والغُلُول: الخيانة في المغنم. وقوله: (فأحرقوا متاعه) أي: غيرَ ما غلَّ فِيه لأنه حقُّ الغانمين، وهذا من باب التعزير بالمال، وقد اختلف فيه، وقال المانعون: كان ذلك في أول الأمر ثم

стр. 3610

٦ - باب بيان الخمر ووعيد شاربها ــ نسخ، أو تغليظ وتشديد، وحمله أحمد على ظاهره، واللَّه أعلم، وليس في هذا الباب الفصل الثالث. ٦ - باب بيان الخمر ووعيد شاربها قال في (القاموس) (١): الخمر: ما أسكَرَ من عصير العنب، أو عام، كالخمرة، وقد يذكَّر، والعموم أصح، لأنها حُرِّمت، وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا البسر والتمر، [سميت خمرًا] لأنها تخمر العقل وتستره، أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت، أو لأنها تخامر العقل، أي: تخالطه، هذه عبارته. اعلم أن الخمر اسم لكل شراب مسكر سواء كان من ماء العنب أو التمر أو غيرهما من الأشياء الخمسة التي عدها عمر ﵁ وخطب بها، وقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، بل قالوا: ليس منحصرًا في هذه الأشياء الخمسة أيضًا، كما أشار ﵁ في آخر حديثه المذكور بقوله: والخمر ما خامر العقل، وهذا هو الذي عليه الأئمة الثلاثة وغيرهم من جماهير السلف والخلف، قالوا: كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، وما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ، ونطق بهذا أحاديث في الصحاح والسنن، والأحاديث في ذلك كثيرة، وقالوا: قد صنف في ذلك الإمام أحمد كتابا كبيرًا وافيًا بالمقصود، ولَعَمري إن هذا مع كونه موافقًا للأحاديث هو الأصلح والأنسب بزجر الناس وردعهم عن المفاسد والاجتناب عن ارتكاب هذه النجسة الخبيثة التي هي أم الخبائث، وليس هذا قياسًا في اللغة بأن أطلقوا اسم الخمر على غيرها من المسكرات بجامع مخامرة

стр. 3611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العقل كما يظهر من كتب اللغة وإطلاق الأحاديث وأقوال الصحابة، غير أن الإمام الأجلَّ أبا حنيفة ﵀ خَصَّ اسم الخمر بالتي من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، وادعى أن ذلك هو المعروف عند أهل اللغة، فإنهم لا يطلقون الخمر على غيره، وقال: هو حرام قليله وكثيره أسكر أو لا، وأما ما سواه من المسكرات فهي حرام بعلة الإسكار، وليست بنجس العين، وليس قليله حرامًا، ولا يكفر مستحلُّها، فإن حرمتها اجتهادية لا قطعية، ونجاستها خفيفة في رواية، وغليظة في أخرى، ويجبُ الحدُّ بها إذا أسكر بخلاف ماء العنب فإن نجاستها غليظة رواية واحدة، ويكفر مستحلها، ويجب الحد بشرب قطرة منها، ولقد تطرق من هذا القول إلى بعض البطلة الفسقة اتساع القول بإباحة هذه التي تتخذ من السكر وغيره في ديارنا التي هي أشدُّ وأسكرُ من ما يتخذ من ماء العنب بمراتب، والفتوى للفاسقين بحلها وارتكابها، ولا يدرون أن السكر حرامٌ بالاتفاق بلا شبهة، وأيُّهم يصبر عن السكر، وقليله يدعو إلى كثيره حتى يفسد العقل، ويذهبه في المسكة والصبر عنها إلى أن يفضي إلى الهلاك والميتة الشنيعة، أعاذنا اللَّه من ذلك. ثم إباحة ما سوى الخمر من المشروبات غيرَ بالغة إلى حد السكر عندنا إنما هو إذا قصد به للتقوي للعبادة، أما إذا قصد به التلهِّيَ لا يحل بالاتفاق؛ لأن اللهو حرام، كذا قالوا، هذا وقد اشتهر من مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد حِلُّ المثلَّث وهو عصير العنب إذا طُبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، ذلك أيضًا إذا شربها لقصد التقوي على العبادة، كذا في (الهداية) (١)، وذكر في (الكافي) والسغناقي أنه سئل

стр. 3612

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٦٣٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرتيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٥]. ٣٦٣٥ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِير، وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٨٨]. ــ أبو حفص الكبير عنه فقال: لا يحل شربه، فقيل له: خالفت أبا حنيفة وأبا يوسف؟ فقال: لا، لأنهما إنما يحلانه للاستمراء، والناس في زماننا يشربون للفجور والتلهِّي، فعلم أن الخلاف فيما قصد به التقوي، فأما إذا قصد به التلهي فلا يحل بالاتفاق، وذكر أبو يوسف في (أماليه): لو أراد أن يشربه للسكر فقليله وكثيره حرام، والقعود لذلك حرام، والمشي إليه حرام (١)، وعلى هذا الاختلاف نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ أدنى طبخة وغلا واشتد وقذف، كذا ذكره الإمام المحبوبي. الفصل الأول ٣٦٣٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (النخلة والعنبة) قالوا: إنما خصهما بالذكر لأن معظم خمورهم كانت منهما، لا أنه لا خمر إلا منهما، كما يفهم من الأحاديث الأخر. ٣٦٣٥ - [٢] (ابن عمر) قوله: (والخمر ما خامر العقل) أي: ستره وأزاله، وهذا

стр. 3613

٣٦٣٦ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ، وَمَا نَجِدُ خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٨٠]. ٣٦٣٧ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ وَهُوَ نبَيذُ الْعَسَلِ فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٨٦، م: ٢٠٠١]. ٣٦٣٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ. . . . . ــ إشارة منه ﵁ إلى تعميم اسمه مما أخذ من خمسة أشياء كما ذكرنا. ٣٦٣٦ - [٣] (أنس) قوله: (وعامة خمرنا البسر والتمر) أي: متخذة منهما، وفيه نفي تخصيصه بماء العنب كما نقلنا من (القاموس) (١)، ولكن عبارته تدل على نفي وجود الخمر من العنب عند التحريم، وقول أنس ﵁ يدل على نُدرة وجوده وقلَّته. ٣٦٣٧ - [٤] (عائشة) قوله: (عن البتع) بكسر الموحدة وسكون الفوقانية وفتحها. وقوله: (كل شراب أسكر فهو حرام) هذا متفق عليه إلا أن أبا حنيفة يقول: فيما سوى الخمر: إنه حرام بالسكر، والآخرون يقولون: إنه حرام مطلقًا؛ لأن كل مسكر خمر عندهم، كما عرف. ٣٦٣٨ - [٥] (ابن عمر) قوله: (وهو يدمنها) أدمن الشيء: أدامه.

стр. 3614

لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٠٣]. ٣٦٣٩ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا. . . . . ــ وقوله: (لم يشربها في الآخرة) إما كناية عن عدم دخول الجنة، أو المراد حرمانه عن هذه النعمة مع ما تشرف بسقي الرب تعالى أهل الجنة إياها، لكن ينبغي أن لا يشتهيه وإلا ففي الجنة ما تشتهيه الأنفس. ويمكن أن يكون -واللَّه أعلم- مدمن الخمر في الدنيا محرومًا مع الاشتهاء جزاء على عمله، وعلى كل تقدير حرمانُه عن ذلك نقصان عظيم. ٣٦٣٩ - [٦] (جابر) قوله: (من الذرة) بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء معروف، كذا في (الصحاح) و (القاموس) (١)، وذكر في (الصراح) (٢): ذرة بالضم والتخفيف: أرزن، و (المزر) بكسر الميم وتقديم الزاي الساكنة على الراء، وفي (الصراح) (٣): مزر بالكسر: يكنى أرزن، انتهى. وفي (القاموس) (٤): النبيذ من الذرة والشعير، وقال القسطلاني: المزر شراب متخذ من الشعير، والبتع شراب متخذ من العسل. وقوله: (إن على اللَّه عهدًا) عُدِّيَ بـ (على) لتضمين معنى الحتم، يعني وعيدًا

стр. 3615

لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٠٢]. ٣٦٤٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ، وَقَالَ: "انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٨]. ٣٦٤١ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ يُتَّخَذُ خَلًّا، ــ أوجبه على نفسه، وفيه تشديد وتهديد، واللام في (لمن يشرب) للبيان. وقوله: (أو عصارة أهل النار) وقال في (الصحاح) و (القاموس) (١): الخَبَال صَدِيدُ أهل النار. ٣٦٤٠ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (وعن خليط الزهو) بالفتح وهو البسر الملون، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (مختصر النهاية) (٣): زها النخل يزهو: ظهرت ثمرته، وأَزهَى يُزهي: احمرَّ واصفرَّ، ومنهم من أنكر يزهي، قالوا: إنما نهى عن الخليط، وجوَّزَ انتباذَ كلِّ واحد؛ لأن الخلط ربما أسرع التغير إلى أحد فيفسد الآخر، وهو يستلزم الإسكار، وربما لم يظهر فيتناول محرمًا، وحرَّمَ الخليطَ أحمدُ ومالكٌ وإن لم يُسكِرْ عملًا بظاهر الحديث، وعند الجمهور حرام إن أسكر. ٣٦٤١ - [٨] (أنس) قوله: (سئل عن الخمر يتخذ خلًّا) أي: عن جواز جعل

стр. 3616

فَقَالَ: "لَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٣]. ٣٦٤٢ - [٩] وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ: أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُويدٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ. . . . . ــ الخمر خلًّا بإلقاء شيء فيها من نحو ملح أو بصل أو غير ذلك مما يفسدها. وقوله: (فقال: لا) هذا دليل الشافعي ومالك وأحمد في المشهور عنه، فإنهم يحرمونه لهذا الحديث ولغيره من الأحاديث، وعندنا جاز تخليلها، قال في (الهداية) (١): إذا تخلَّلت الخمرُ حلَّت سواء صارت خلًا بنفسها أو بشيء طُرِح فيها ولا يكره تخليلها. وقال الشافعي: يكره التخليل ولا يحلُّ الخل الحاصل به إن كان التخليل بإلقاء شيء قولًا واحدًا، وإن كان بغير إلقاء شيء فله في الخل الحاصل به قولان، ولنا إطلاق قوله ﵇: (نِعمَ الإدامُ الخَلُّ) (٢)، ولأن بالتخليل يزول الوصف المفسد، ويثبت صفة الصلاح من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة، والتغذي به، والإصلاح مباح. وقال بعضهم: تحريم التخلل كان أول العهد قمعًا لآثار الخمر، وأما بعد طول العهد فلا تحريم، وقد يروى: (خيرُ خلِّكم خلُّ خَمرِكم) (٣)، واللَّه أعلم. وقال في (القاموس) (٤): أجوده خل الخمر مركب من جوهرين حار وبارد. ٣٦٤٢ - [٩] (وائل الحضرمي) قوله: (إنه ليس بدواء) الأكثرون على منع

стр. 3617

وَلَكِنَّهُ داءٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٤]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٦٤٣ - [١٠] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا؛ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، ــ التداوي بصرفها، وقيل: إذا تعيَّنَ العلاج به بحكم الحُذَّاق من الأطباء يباح، وأما إساغة اللقمة عند خوف الهلاك إذا لم يوجد هناك مسيغ غيرها فمباح بالاتفاق لكونه مقطوعًا به، قال بعض كبار الأطباء من أهل الإسلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]: إنه ليس المراد بالنفع الشفاء وصحة البدن، بل ما يحصل من نشاط الطبع وتشحيذ الخاطر، وقد جاء في الحديث: (إنَّ اللَّهَ لم يجعل الشفاءَ فِيما حرَّمَ) أو كما قال، واللَّه أعلم. الفصل الثاني ٣٦٤٣، ٣٦٤٤ - [١٠، ١١] (عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لم يقبل اللَّه) أي: لم يكن له ثواب وإن برئ الذمة، وسقط القضاء بأداء أركانه مع شرائطه كذا قالوا، وتخصيص الصلاة بالذكر للدلالة على أن عدم قبول العبادات الأخر مع كونها أفضل بطريق الأولى. وقوله: (أربعين صباحًا) قد يتبادر إلى الفهم من هذا اللفظ أن المراد صلاة الصبح وهي أفضل الصلوات، ويحتمل أن يراد به اليوم، أي: صلاة أربعين يومًا،

стр. 3618

فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَقَاهُ مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨٦٢]. ٣٦٤٤ - [١١] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. [ن: ٥٦٦٩، جه: ٣٤٢٠، دي: ٢/ ١١١]. ٣٦٤٥ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٨٦٥، د: ٣٦٨١، جه: ٣٣٩٣]. ٣٦٤٦ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ١٣١، ت: ١٨٦٦، د: ٣٦٨٧]. ــ واللَّه أعلم. وقوله: (فإن تاب لم يتب اللَّه عليه) أي: لم يقبل توبته، وهذا تشديد وتهديد لأن قبول التوبة إذا وجدت بحقيقتها واجب فضلًا من اللَّه، أو المراد لم يوفقه اللَّه للتوبة ويموت مصرًّا، وهذا أيضًا في التحقيق مبالغة، واللَّه أعلم. ٣٦٤٥ - [١٢] (جابر) قوله: (فقليله حرام) لأنه يؤدي إلى الكثير عادة فوجب الاجتناب عنه. ٣٦٤٦ - [١٣] (عائشة) قوله: (ما أسكر منه الفرق) وهو مكيال المدينة يسع ثلاثة آصع ويحرك وهو أفصح، أو يسع ستة عشر رطلًا، والمراد بالفرق وملء الكف الكثير والقليل، وليس بتحديد، كما في الحديث السابق.

стр. 3619

٣٦٤٧ - [١٤] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الْحِنْطَةِ خَمْرًا، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا، وَمِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، وَمِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٨٧٢، د: ٣٦٧٦، جه: ٣٣٨٩]. ٣٦٤٨ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ، فَلَمَّا نزَلَتِ الْمَائِدَةُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ وَقُلْتُ: إِنَّهُ لِيَتِيمٍ، فَقَالَ (١): "أَهْرِيقُوهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٢٦٣]. ــ ٣٦٤٧ - [١٤] (النعمان بن بشير) قوله: (إن من الحنطة خمرًا. . . إلخ)، قالوا: ليس المراد به الحصر بل التخصيص لجري العادة في الأكثر باتخاذ الخمر من هذه الأشياء. ٣٦٤٨ - [١٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فلما نزلت المائدة) أي: سورة المائدة، والمراد الآية التي فيها تحريم الخمر، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، وقد عرفت ما فيها من أنواع الدلالة على تحريمها في حد الخمر. وقوله: (سألت رسول اللَّه ﷺ عنه) أي: عن الخمر التي عندي لليتيم، والخمر قد يذكّر، أو عن حكم تلك الخمر، أو بتأويل الشراب. وقوله: (إنه ليتيم) ومال اليتيم لا يضيَّع. وقوله: (أهريقوه) لأنه مالٌ غيرُ متقوِّم يحرم الانتفاع به؛ لأن الانتفاع بالنجس

стр. 3620

٣٦٤٩ - [١٦] وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْرًا لِأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي، قَالَ: "أَهْرِقِ الْخَمْرَ وَاكْسِرِ الدِّنَانَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ، [وفي روايةِ أبي داودَ: ] "أَهْرِقْهَا"، قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًا؟ قَالَ: "لَا". [ت: ١٢٩٣، د: ٣٦٧٥]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٦٥٠ - [١٧] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٩]. ــ حرام، ولأنه واجب الاجتناب، وفي الانتفاع به اقتراب. ٣٦٤٩ - [١٦] (أنس) قوله: (اشتريت خمرًا لأيتام) صفة خمرًا، أي: اشتريتها للتخليل، كذا في (الحاشية) (١). ويحتمل أن يتعلق بـ (اشتريت) أي: اشتريتها لأجلهم، ويكون هذا قبل التحريم، ثم سأل عن حكمها بعد التحريم هل أبقيه أو أهريقه؟ فيكون في معنى الحديث السابق، ويناسبه معنى رواية أبي داود التي ذكرها بقوله: (وفي رواية أبي داود)، واللَّه أعلم. الفصل الثالث ٣٦٥٠ - [١٧] (أم سلمة) قوله: (ومفتر) في (القاموس) (٢): فتر يفتُر يفتِر فتورًا وفتارًا: إذا سكَنَ بعدَ حدَّة، ولانَ بعدَ شدَّة، وفتر جسمه: لانت مفاصله وضعف، والفتر محركة: الضعف، وأفتره الداء: أضعفه، وطَرْف فاتر: ليس بحادِّ النظر، وأفتر:

стр. 3621

٣٦٥١ - [١٨] وَعَنْ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: قُلتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ وَنُعَالِجُ فِيهَا عَمَلًا شَدِيدًا، وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، قَالَ: مِنْ هَذَا الْقَمْحِ، نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا، قَالَ: "هَلْ يُسْكِرُ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: "فَاجْتَنِبُوهُ" قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ، قَالَ: "إِنْ لَمْ يتْرُكُوهُ قَاتِلُوهُمْ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٦]. ٣٦٥٢ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ. . . . . ــ ضعفت جفونه، وانكسر طَرْفه، وأفتر الشراب: فتر شاربه، وفي (النهاية) (١): المفتر من الشراب: الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور، وهو ضعف وانكسار، يقال: أفتر فهو مفتر إذا ضعفت جفونه وانكسر طرفه، ويستدل به على حرمة البنج والبرشعثا ونحوهما مما يفتر ولا يسكر، وسنذكر الكلام فيه في آخر الباب مفصلًا. ٣٦٥١ - [١٨] (ديلم الحميري) قوله: (وعن ديلم) بفتح الدال المهملة وسكون التحتانية، و (القمح) بفتح القاف وسكون الميم: البُرُّ، ولقد بالغ السائل في استدعاء الإجازة، ولم يجز حتى بالغ فيه بقوله: (إن لم يتركوه فقاتلوهم). ٣٦٥٢ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (والكوبة) بضم الكاف وسكون الواو وبالباء الموحدة المفتوحة، في (القاموس) (٢): الكوبة بالضم: النرد، والشطرنج، والطبل

стр. 3622

وَالْغُبَيْرَاءِ، وَقَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٨]. ٣٦٥٣ - [٢٠] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ، وَلَا قَمَّارٌ، وَلَا مَنَّانٌ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: "وَلَا وَلَدُ زِنْيَةٍ" بَدَلَ "قَمَّارٍ". [دي: ٢/ ١٥٣]. ــ الصغير، والبربط، وكلٌّ منها منهيٌّ عنه، فإن جوز عموم المشترك أريد الكل وإلا فاحمِلْ على أيِّها شئتَ، (والغبيراء) بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة وسكون التحتانية: شراب من الذرة يقال له: السُّكُرْكَةُ يتخذه الحبوش. ٣٦٥٣ - [٢٠] (وعنه) قوله: (ولا منان) أي: في العطايا، وقيل: المراد قاطع الرحم، من المَنِّ بمعنى القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]، كما في حديث أبي موسى الآتي. وقوله: (ولا ولد زنية) بكسر الزاي وسكون النون بمعنى الزنا، وفيه تعريض بالزاني لكونه سببًا في ذلك، وذلك لأن النطفة الخبيثة لا يتولد منه إلا خبيث، ومع ذلك هو من باب التشديد، كما في قرائنه، وقال في (سفر السعادة): وما اشتهر في ولد الزنا أنه لا يدخل الجنة لم يثبت، وذكر السخاوي في (المقاصد الحسنة) (١) لهذا الحديث طرقًا كثيرة، أكثرُها معلَّلة، وبعضها محفوظة، وبعضها لا بأس به، وضعَّفَ القولَ بوضعها من ابن الجوزي وابن طاهر، ونقل عن شيخه ابن حجر العسقلاني أنه قال: قد فسره العلماء على تقدير صحته بأن معناه إذا عمل بمثل أبويه، واتفقوا على أنه لا يحمل على ظاهره، وقيل في تأويله أيضًا: إن المراد به من يواظب على الزنا، كما يقال للشهود: بنو صحف، وللشجعان: بنو الحرب، ولأولاد المسلمين: بنو الإسلام،

стр. 3623

٣٦٥٤ - [٢١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، وَهُدًى للعالمين، وَأَمَرَنِي رَبِّي بمَحْقِ الْمَعَازِفِ، وَالْمَزَامِيرِ، وَالأَوْثَانِ، ــ انتهى. ٣٦٥٤ - [٢١] (أبو أمامة) قوله: (بمحق المعازف) في (القاموس) (١): المعازف: الملاهي، كالعود والطنبور، والواحد: عزف أو معزف، كمنبر ومكنسة، والعازف: اللاعب بها، والمغني، سمي به لأنه تعزف به الجن، وقال: وعزف الرياح: أصواتها. وفي (مختصر النهاية) (٢): العزف: اللعِبُ بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يضرب، وقيل: إن كلَّ لعب عَزف. وعزيف الرياح: ما يسمع من دَوِيِّها. وعزيف الجن: جرس أصواتها، وقيل: هو صوت بالليل كالطبل. وفي (النهاية) (٣): كانت الجنُ تعزِفُ الليلَ كلَّه بين الصفا والمروة، وقيل: إنه صوت الرياح في الجو فتوَّهمه أهلُ البادية صوتَ الجنِّ. (والمزامير): جمع مزمار وهو الذي يزمر بها، زَمَرَ يَزْمُر زمْرًا وزميرًا، أو زَمَّر تزميرًا: غنّى في القصب، والقصبة التي يزمر بها زَمَّارةٌ، ، ويقال: غناء زمير، أي: حسن، والمزمور المزمار، وصحح النووي حرمته، والغزالي مال إلى جوازه، وفي الحديث دليل على الحرمة، وقال الفقهاء: الغناء بآلات مطربة حرام، وبمجرد الصوت مكروه،

стр. 3624

وَالصُّلُبِ، وَأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَحَلَفَ رَبِّي بِعِزَّتِهِ: لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي جَرْعَةً مِنْ خَمْرٍ إِلَّا سَقَيْتُهُ مِنَ الصَّدِيدِ مِثْلَهَا، وَلَا يَتْرُكُهَا مِنْ مَخَافَتِي إِلَّا سَقَيْتُهُ مِنْ حِيَاضِ الْقُدُسِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٨]. ٣٦٥٥ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢/ ٦٩، ن: ٢٥٦٢]. ٣٦٥٦ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِم، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣٩٩]. ــ ومن الأجنبية أشد كراهة، (والصلب) بضمتين جمع صليب الذي للنصارى معرب جليبا، وفي (الصراح) (١): صليب: جليباي ترسايان. ٣٦٥٥ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (والديوث الذي يقر في أهله الخبث) أي: الزنا، ديَّثه: ذلَّله، بعير مديَّث، أي: مذلَّل بالرياضة، وفي (مختصر النهاية) (٢): الدَّيُّوث الذي لا يغارُ على أهله، وقيل: هو سرياني. ٣٦٥٦ - [٢٣] (أبو موسى الأشعري) قوله: (ومصدق بالسحر) أي: قائل بتأثيره ومعتقد بأنه المؤثِّر، وإلا فتصديقُ السِّحرِ بمعنى كون تأثيره ثابتًا واقعًا بخلق اللَّه تعالى صحيحٌ، وقد ورد: (السِّحرُ حقٌّ)، ويحتمل أن يكون المراد بالتصديق اعتقاد

стр. 3625

٣٦٥٧ - [٢٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُدْمِنُ الْخَمْرِ إِنْ مَاتَ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى كَعَابِدِ وَثَنٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٢٧٢]. ٣٦٥٨ - [٢٥] وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [جه: ٣٦٥٨]. ٣٦٥٩ - [٢٦] وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي "التَّارِيخ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ. [شعب: ٥/ ١٣]. ٣٦٦٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي مُوسَى أنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أُبَالِي شَرِبْتُ الْخَمْرَ أَوْ عَبَدْتُ هَذِهِ السَّارِيَةَ دُونَ اللَّهِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥٦٦٣]. ــ كون فعله جائزًا مباحًا، فإنه حرام بالاتفاق، وقيل: كفر. ٣٦٥٧، ٣٦٥٨ - [٢٤، ٢٥] (ابن عباس، وأبو هريرة) قوله: (إن مات) أتى بـ (إن) تنبيهًا على أن موت المؤمن مدمنًا أمر مشكوكٌ فِيه غيرُ مجزوم به. ٣٦٥٩ - [٢٦] (محمد بن عبيد اللَّه) قوله: (محمد بن عبد اللَّه) ابن جحش القرشي الأسدي هذا أصح. ٣٦٦٠ - [٢٧] (أبو موسى) قوله: (ما أبالي) أي: هما سواء، والمراد بعبادة السارية عبادة الأوثان؛ لأنها أحجار. وقوله: (دون اللَّه) حال مؤكدة. تنبيه: قد كثر الابتلاء بأكل الخبيثة التي تسمى القنب في هذا الزمان وفيما قبله، وقلّ من تكلم فيه، ولقد رأيت بمكة المشرفة فيه رسالة عملها الشيخ الإمام العلامة أبو عبد اللَّه محمد بدر الدين بن عبد اللَّه الزركشي الشافعي المصري عليه الرحمة والغفران

стр. 3626

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتكلم فيه في فصول، فاختصرت شيئًا منه: الأول: في اسمها ووقت ظهورها، والأطباء يسمونها القُنَّبَ الهندي، ومنهم من يسميها ورق الشهدانج وتسمى بالعنبر أو بالحيدرية والقلندرية، ثم قيل: ظهورها كان على يد حيدر في سنة خمسين وخمس مئة تقريبًا، ولهذا سميت حيدرية، وذلك أنه خرج هائمًا ليفر من أصحابه، فمر على هذه الحشيشة فرأى أغصانها تتحرك من غير هواء، فقال في نفسه: هذا لَسِرٍّ فِيها، فاقتطف وأكل منها، فلما رجع إليهم أعلمهم أنه رأى فيها سرًا، وأمرهم بأكلها، وقد ظهرت على يد أحمد المسارحي القلندري، ولهذا سميت قلندرية، وقال أبو العباس بن تيمية: إنما لم يتكلم فيها الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء السلف؛ لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في آخر المئة السادسة حين ظهر دولة التتار، ثم انتقلت إلى بغداد، وقد علم ما جرى على أهلها من قبيح الأثر. الثاني: في مضارها في البدن والعقل، وذكر بعضهم أنه جمع فيها مئة وعشرين مضرة دنيوية ودينية، أعاذ اللَّه المسلمين منها، وقد أجمع الأطباء أنها تورث الفكرة، والفكرة تثير الحرارة، وربما قويت على الحرارة الغريزية فعزلتها عن الجسد واستولت على البدن، فجففت الرطوبات، واستعد للأمراض الحارة، وقال محمد بن زكريا: أكل ورق الشهدانج البستاني يصدع الرأس، ويقطع المني ويجففه، ويولد الفكرة، وهي تورث موت الفجاءة واختلال العقل والدق والسل والاستسقاء والأُبنة، وقال بعض الأئمة: كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيشة وزيادة، فمضرة الخمر في الدين لا في البدن وضررها فيهما، ثم عدّ من المضار ما لا يعد ولا يحصى. الثالث: في أنها مسكرة مفسدة للعقل، والذي أجمع عليه الأطباء والعلماء

стр. 3627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بأحوال النباتات أنها مسكرة، قالوا: ومن القنب الهندي نوع ثالث يقال له: القنب ولم أره بغير مصر، ويزرع في البساتين يسمى الحشيشة أيضًا، وهو يسكر جدًا إذا تناول منه الإنسان يسيرًا قدر درهم أو درهمين حتى إن من أكثر منه أخرجه إلى حد الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم وربما قتلت، وأما الفقهاء فقوم أجابوا بأنها مسكرة، منهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابه (التذكرة في الخلاف) والنووي في (شرح المهذب)، ولا يعرف فيه خلاف عندنا، وقد يدخل فيهم السكران الذي اختلط كلامه المنظوم، وباح بسرِّه المكتوم، أو الذي لا يعرف السماء والأرض، ولا الطول من العرض، ويحكى عن بعض من تناولها أنه إذا رأى القمر يظنه لُجّة ماء فلا يقدم عليه، ونقل عن أبي العباس بن تيمية أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب فإن آكليها يَنْشَوْنَ بها بخلاف البنج وغيره، فإنه لا يُنْشِي ولا يشتهى، ولم يخالف ذلك إلا أبو العباس القرافي في (قواعده). وقال بعض العلماء بالنباتات في كتبهم: إنها مسكرة، والذي يظهر لي أنها مفسدة، وفرق بين المُفسِد والمُسكِر والمُرقِد أن المتناول من هذه إما أن يغيب معه الحواس أو لا، فإن غابت معه الحواس فهو المرقد، وإن لم تغب معه الحواس فإما أن يحدث معه نشوة وسرور وقوة نفس عند التناول غالبًا أم لا، فإن حدث فهو المسكر وإلا فهو المفسد، فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر، والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج، فالمسكر يزيد في الشجاعة والمسرة وقوة النفس والميل إلى البطش بالأعداء والمناقشة في العطاء، قال: فظهر بهذا أن الحشيشة مفسدة وليست بمسكرة، ثم أثبت ذلك بوجهين، واعترض عليه الشيخ بدر الدين صاحب الرسالة وأثبت أنها مسكرة، وهو الراجح،

стр. 3628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واللَّه أعلم. الرابع: في أنها حرام، وقد تظاهرت الأدلة الشرعية والعقلية على ذلك، أما الكتاب والسنة فالنصوص الدالة على تحريم المسكر يتناولها، وأما العقلية فوجود الصفات المحرمة للخمر كالصدّ عن ذكر اللَّه وعن الصلاة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وأيّ خبيث أعظم مما يفسد العقل، وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن كل مسكر ومفتر، وقد ادعى القرافي وابن تيمية الاتفاق على حرمتها، وقالوا: فمن استحلها فقد كفر، قال الشيخ: وفي هذا نظر؛ لأن تحريمها ليس معلومًا من الدين بالضرورة، وفي "فتاوى المرغيناني" من الحنفية: السكر من البنج حرام ولا يحد قاله الفقيه أبو جعفر، ونص عليه شمس الأئمة السرخسي، قال العبد الضعيف: قد ظهر مما ذكر أن البنج غير القنب وهو الصحيح، قال في (القاموس) (١): البنج: نَبْتٌ مُسْبِتٌ، معروف غير الحشيش، مُخَبِّطٌ للعقل، مُجَنِّنٌ، مُسَكِّنٌ لأوجاع الأورام والبثور ووجع الأذن، وأخبثه: الأسود، ثم الأحمر، وأسلمه: الأبيض، انتهى. وقد اشتهر الآن في العرف إطلاق البنج على الحشيشة، ومن هذا قد يتوهم بعض الجهال قول الفقهاء: إنه لا يقع الطلاق من زال عقله بشيء مباح كالبنج ولبن الرِّمَاك إباحةَ الحشيشة، وهو باطل، فإن البنج غير الحشيشة كما ذكرنا. الخامس: في أنها طاهرة أو نجسة، وهذا يبتني على ما سبق من أنها مسكرة، فإن قياس من يقول بإسكارها أن يقول بنجاستها، لكن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد قطع بأنها طاهرة، وحكى الإجماع عليه، قال: والأفيون وهو لبن الخشخاش

стр. 3629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أقوى فعلًا من الحشيش؛ لأن القليل منه يسكر جدًا -وكذا جَوزةُ الطِّيب- مع أنه طاهر بالإجماع، وهذا الذي ادعاه من الإجماع فيه نظر، والحق أن في نجاسة الحشيش قولين، لكن القياس في الحشيش الطهارة، وليس لنا نبات نجس إلا النبات الذي يسقى بالنجاسة، قال العبد الضعيف: هذا ما قاله الشافعية، وقياس مذهب الحنفية على كون الحشيشة مسكرًا أن يكون نجاستها خفيفة، كما علم مما ذكرنا في شرح الترجمة. السادس: في أنها هل يجب فيها الحد، والصواب الوجوب للإسكار، وقد صرح الماوردي بأن النبات الذي فيه شدة مطربة يجب فيها الحد، وقال الرافعي: ما يزيل العقل من غير الأشربة كالبنج لا حدّ في تناوله، وقال القرافي: اتفق فقهاء العصر على المنع منها، واختلفوا هل الواجب فيها الحد والتعزير بناء على أنها مسكرة أو مفسدة للعقل، وفي (فتاوى الخلاصة) للحنفية: وشرب البنج للتداوي لا بأس به، فإن ذهب به عقله لا يحدّ يعني بالاتفاق، فإن سكر يحد عند محمد، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يعزّر ولا يحدّ. السابع: في فروع متفرقة، منها: هل تبطل الصلاة بحملها، وذلك يبتني على نجاستها وطهارتها، وقيل: إن صلى فيها قبل التحميض صحت صلاته أو بعده بطلت لأنها إنما يغيب العقل بعد التحميض، أما قبله وهي ورق أخضر فلا، بل هي للعصر كالعنب، وتحميضها كغليانه. ومنها: أنه هل يحرم يسيرها الذي لا يسكر، صرح النووي في (شرح المهذب) بأنه لا يحرم أكل القليل من الحشيش بخلاف الخمر حيث لا يجوز شرب قليله

стр. 3630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للنجاسة، وكلام (التنبيه) يفهم جواز أكل قليل الحشيش. قال العبد الضعيف: وهذا يشكل على مذهب الشافعية على قول من قال منهم: إنها مسكرة، وعندهم أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، قال الشيخ: والمتّجه أنه لا يجوز تناول شيء من الحشيش لا قليله ولا كثيره على خلاف قياس مذهب الحنفية. ومنها: يجوز أكلها للمضطر إذا جاع، ولا يتخرَّج على الخلاف في الخمر؛ لأن الخمر إنما امتنعت لكون شربها يزيد في العطش، وأكل الحشيش لا يزيد في الجوع. ومنها: جواز التداوي بها إن ثبت أنها تنفع من بعض الأَدْواء، ثم رأيت الروياني في (البحر) صرح بذلك فقال: ويجوز التداوي به وإن أفضى إلى السكر إذا لم يكن منه بدٌّ، ونص الإمام الشافعي على أنه يحرم التِّرْياق المعمول من لحوم الحيات إلا في الضرورة بحيث يجوز له أكل الميتة. ومنها: يجوز بيعها لأنها تنفع في الأدوية كالسقمونيا والأفيون بشرط أن يكون يسيرًا، نعم بيعها لمن يتحقق منه طعامها حرام، كما في بيع العنب لعاصر الخمر، وقياس قولهم: إنها مسكرة بطلان البيع وإن كانت طاهرة كآلات الملاهي. ومنها: أن زراعتها لغرض الاستعمال والإسكار حرام، ويجوز لغرض التداوي. ومنها: أنه هل يقع طلاق آكلها، ولا يخفى حكمه مما تقدم. قال العبد الضعيف: هذه الاختلافات على أصول الشافعية من قولهم كل مسكر حرام، وما حرم قليله حرم كثيره، وبه نطقت الأحاديث وعليه جمهور الأئمة، وأما على مذهب الحنفية من أن الحرام لعينه، والحرام قليله وكثيره هو الخمر، وما سواه فإنما

стр. 3631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يحرم السكر منه فلا يحرم قليله، فالأمر فيه توسع كما علم، ولعل الحق ما عليه الجمهور وهو الأحوط في الدين، وفيه سدّ الذرائع على الفاسقين والجاهلين كما لا يخفى، واللَّه أعلم وعلمه أحكم. * * *

стр. 3632

(١٨) كتاب الإمارة والقضاء

стр. 3633

(١٨) كتاب الإمارة والقضاء * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٦٦١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ. . . . . . ــ ١٨ - كتاب الإمارة والقضاء (الإمارة) بالكسر من أُمِّرَ: إذا جُعِلَ أميرًا فَعِيل بمعنى المَلِك، والإمرة بكسر الهمزة وسكون الميم اسم منه، وأما الأمار والأمارة بمعنى الموعد والوقت والعلامة فبالفتح. و(القضاء) ممدودًا ويقصر: الحكم، قضى عليه يقضي قَضْيًا وقضاءً وقضيَّةً وهي الاسم أيضًا، كذا في (القاموس) (١). والمراد هنا ما يقلَّدُ شخصٌ من جهة الأمر بالقضاء. الفصل الأول ٣٦٦١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير

стр. 3634

فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّة يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ ويُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٦٧، م: ٢٨٣٥]. ــ فقد عصاني) فيلزم منه بضم المقدمة الأولى إليه: مَن أطاعَ الأميرَ فقد أطاعَ اللَّهَ، ومن عصى الأميرَ فقد عصى اللَّه. وقوله: (وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه، ويتقى به) الظاهر أنه ليس المراد به أنَّه ينبغي أن يكون الأميرُ فِي الحرب قُدَّام القوم حِسًّا، بل المراد أنه الساتر يمنع العدوَّ من المسلمين، وهو الذي يُستظهَرُ به في القتال، ويقاتل بقوته كالترس بل في جميع الأمور، وفي جميع الحال، فإنه الذي يحمي بيضة الإسلام، وإنما ذكر القتال لأنه أهم الأمور وأوكدها في الاستظهار والاتِّقاء، ويحتمل أن يكون قوله: (ويتقى) إشارةً إلى التعميم في جميع الأمور ولا يخص بالقتال، كما أشار إليه بقوله: (فإن أمر بتقوى اللَّه وعدل. . . إلخ)، فافهم. وقوله: (وإن قال) أي: حكَمَ، ومنه يقال: القَيْلُ بالفتح للملك أو من ملوك حِمْيَر لأنه يقول ما شاء، كذا في (القاموس) (١). وقال التُّورِبِشْتِي (٢): قال بغيره، أي: أحبّه وأخذ به إيثارًا له وميلًا إليه، كما يقال: فلان يقول بالقدر. وقوله: (فإن عليه منه) بحرف الجر مع الضمير المتصل به، قال الطيبي (٣): كذا وجدنا في (الصحيحين)، و (كتاب الحميدي) و (جامع الأصول)، أي: فإن عليه وزرًا

стр. 3635

٣٦٦٢ - [٢] وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٩٨]. ــ من صنيعه ذلك. وقال التُّورِبِشْتِي (١): وقد وجد في أكثر نسخ (المصابيح): (فإن عليه منة) بتشديد النون مع ضم الميم وبتاء التأنيث في آخره، وهو تصحيف غير محتمل لوجهٍ ههنا، انتهى. وذلك لأن المنة بالضم بمعنى القوة ولا معنى هنا، فتدبر، وفي بعض الحواشي: اتفق شراح الحديث قاطبة على أنه تصحيف، هذا وإنما قال: في أكثر نسخ (المصابيح)؛ لأن في بعضها: (فإن له منه)، كما في الأصول المذكورة. وكتب في حاشية: ومن ضمَّ الميمَ وشدَّد النونَ فقد صحَّف. ٣٦٦٢ - [٢] (أم الحصين) قوله: (وعن أم الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد. و (مجدّع) بتشديد الدال: مقطوع الأنف، كذا نقل الطيبي (٢)، وفي الحواشي: مقطوع الأنف والأذن، وفي (الصحاح) (٣): الجدع: قطع الأنف والأذن واليد والشفة، وكذا في (القاموس) (٤). لكن بكلمة (أو) مكان الواو، و (يقودكم بكتاب اللَّه) أي: يأمركم بدين اللَّه ويحكم به، وفي ذكر العبد مبالغة على وتيرة قوله ﷺ : (ولو كمِفحَصِ قَطاةٍ)، أو المراد مَن يولِّيه السلطان والخليفة الأكبر، وإلا فالعبد لا يكون أميرًا وإمامًا، وكذا في سائر الأحاديث.

стр. 3636

٣٦٦٣ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧١٤٢]. ٣٦٦٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٤، م: ١٨٣٩]. ٣٦٦٥ - [٥] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٩٩، ٧٢٠٠، م: ١٧٠٩]. ٣٦٦٦ - [٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، ــ ٣٦٦٣ - [٣] (أنس) قوله: (كأن رأسه زبيبة) أي: في الصغر والجثة، ويضرب بهم المثل في صِغَر الرأس، كما في دِقَّة الساقين، وقيل: شعره مقطط كالزبيبة، وقيل: كناية عن خفة العقل. ٣٦٦٤ - [٤] (ابن عمر) قوله: (السمع والطاعة) مبتدأ وخبره محذوف، أي: واجب. وقوله: (فيما أحب وكره) أي: فيما يوافق طبعَه ويخالفه. ٣٦٦٥ - [٥] (علي) قوله: (لا طاعة) أي: للإمام أو لأحد كالوالدين وغيرهما، و (المعروف) ما لم ينكره الشرع. ٣٦٦٦ - [٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (على السمع والطاعة) صلة (بايعنا)

стр. 3637

وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ. مُتَّفَق عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٥٥، ٧٠٥٦، م: ١٧٠٩]. ــ بتضمين معنى العهد، و (المنشط والمكره) بفتح الميم والعين مصدران، أي: في حالة النشاط والكراهة، أي: انشراح صدورنا وما يضاده، أو اسما زمان، ويحتملان المكان وهو بعيد، و (على) في قوله: (وعلى أثرة) بمعنى مع، أي: والصبر على أثرة بفتحتين اسم من الإيثار، والضمير في (علينا) كناية عن جماعة الأنصار أو عام لهم ولغيرهم، والأول أوجه، فإنه ﷺ أوصى إلى الأنصار أنه سيكون بعدي أثرة فاصبروا عليها، يعني يستأثر عليكم جماعة، فيفضلون عليكم في العطايا والولايات والحقوق، وقد وقع ذلك في عهد الأمراء بعد الخلفاء الراشدين فصبروا. والضمير في (أهله) للأمر، أي: لا ننازع من وكل إليه الأمر، ولا نخالفهم ولا نحاربهم، أي: نصبر إن فات شيء من أمور الدنيا، وأما في الحق وأحكام الدين فلا نسكت ولا نداهن فيها، ولا نخاف فيها لومة اللائمين، ولعل المراد بالكفر أعمُّ من الكفر ومما يكون من أحكامه من المعاصي. و(بواحًا) بفتح الباء وبالواو، أي: ظاهرًا مكشوفًا، باحَ الشيء وأباحَه: إذا جهر به، وروي (براحًا) بالراء، والبَرَاح من الأمر: الظاهرُ البيِّنُ، وبرح الأمر كسمع وفتح، والبراح من الأرض: المتَّسع منها لا زرع بها ولا شجر. وقوله: (برهان) أي: كتاب وسنة لا يحتمل التأويل، وجاء في الحديث: أن الإمام لا ينعزلُ بالفسق ولا يُعزَلُ إن كان في عزله تهييج فتنة، وأنه يجب الأمر بالمعروف

стр. 3638

٣٦٦٧ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٠٢، م: ١٨٦٧]. ٣٦٦٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٣، م: ١٨٤١]. ٣٦٦٩ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ. . . . . ــ والنهي عن المنكر إن قدر. ٣٦٦٧ - [٧] (ابن عمر) قوله: (فيما استطعتم) في جميع نسخ (مسلم): (فيما استطعت)، بلفظ المتكلم، وهو تلقينٌ لهم منه ﷺ يقول لكل واحد ممن بايع: قل: فيما استطعت، كقوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ٣٦٦٨ - [٨] (ابن عباس) قوله: (ميتة جاهلية) ميتة لفظ النوع من الموت، أي: مات على ميتة يموت عليها أهل الجاهلية. ٣٦٦٩ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (تحت راية عمية) بكسر العين وضمها لغتان مشهورتان، والميم والياء مشددتان، والميم مكسورة، وهو الأمر الذي لا يستبين وجهه من التعمية وهو التلبيس، وقد سبق تحقيق هذا اللفظ في آخر الفصل الثاني من (كتاب القصاص) في حديث طاووس، أي: قاتَلَ من غير بصيرة ولا معرفة بأنَّ أيَّ الفريقين محقٌ.

стр. 3639

يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَدْعُو لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي بِسَيْفِهِ يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٤٨]. ٣٦٧٠ - [١٠] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونهمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَبْغِضُونَهُمْ ويُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ"، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! . . . . . ــ وقوله: (يغضب لعصبية. . . إلخ)، أي: لا لإعلاء كلمة اللَّه وإظهار الدين، والعصبيَّةُ إعانةُ قومٍ على الظلم، ومعناه الخصلة المنسوبة إلى العَصَبة، وهم قوم الرجل الذين يتعصَّبون له، والتعصب المحاماة والمدافعة عمَّن يلزمك أمره أو تلزمه لغرض، من العصابة التي يربط بها الرأس ويشد، وعصب على جرحه: أي شَدّه بالخرقة، وعصب بطنه بعصابة من الجوع بتخفيف وتشديد، أي: شدَّه لتسكن حرارة الجوع، أو من العَصَب الذي هو أحد أجزاء البدن، عَصِبَ اللحمُ، كفرح: كثُرَ عصَبُه، والعصب: الطَّيُّ، واللَّيُّ، والشدُّ، كذا في (القاموس) (١)، والمادة للشد والقوة، و (القتلة) بكسر القاف، و (العهد) يجيء بمعنى الموَثِق، واليمين، والوصية، والذي يُكتَب للوُلاة، والحفاظ، ورعاية الحرمة، والأمان، والذمة، والمعرفة. ٣٦٧٠ - [١٠] (عوف بن مالك الأشجعي) قوله: (وتصلون عليهم ويصلون عليكم) الصلاة بمعنى الدعاء، والتعدية بـ (على) لتضمين معنى الحفظ والوقاية، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقيل: المراد صلاة

стр. 3640

أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: "لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، أَلَا مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٥]. ٣٦٧١ - [١١] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقْدَ بَرِئَ، ــ الجنازة، أي: يتحابُّون في الحياة، ويصلون على الجنائز إذا ماتوا، يعني خيار الأمة الذين عدلوا ورضي عنهم الرعية، ويكونون متحابين يرضى كلٌّ عن الآخر، وشرارهم الذين يكونون على خلاف ذلك. وقوله: (أفلا ننابذهم) بالسيف، وفي (المشارق) (١): أي: ندافعهم ونباعدهم بالقتال، انتهى. وفي (مجمع البحار) (٢): نبذتُه: إذا رميتَه وأبعدتَه، أي: نقاتلُهم. وقوله: (لا) أي: لا تنابذوهم ما أقاموا الصلاة، وفيه أن ترك الصلاة موجِبٌ لمنابذتهم، ونزع اليد من طاعتهم؛ لأن الصلاة عماد الدين، والفارق بين الكفر والإيمان بخلاف سائر المعاصي، وفيه تشديد وتهديد عظيم على ترك الصلاة. ٣٦٧١ - [١١] (أم سلمة) قوله: (تعرفون وتنكرون) أي: تعرفون بعض أفعالهم وتنكرون بعضها، أي: يكون بعض أفعالهم معروفة، وهو ما يعرف في الشرع، وبعضها منكرة، وهو ضد المعروف، (فمن أنكر) المنكَرَ باللسان، أي: منع (فقد برئ) من

стр. 3641

وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ" قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ: "لَا مَا صَلَّوْا، لَا مَا صَلَّوْا" أَيْ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٤٣]. ٣٦٧٢ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً. . . . . ــ المداهنة والنفاق، و (من كره) أي: أنكره بالقلب، ولم يقدر على إنكاره باللسان ومنعه عن ذلك، (فقد سلم) من المشاركة في الوِزْر والوَبَال، و (لكن من رضي) ولم يكره بالقلب، و (تابع) أي: وافقهم فهو كالذي شاركهم، وكان المراد بالمتابعة أن لا ينكرَ عليهم باللسان، لا الموافقةَ فِي العمل، فإنه شريك لهم حقيقةً، وبهذا يشهدُ سَوقُ الكلامِ، فافهم. هكذا شرحوا هذا الكلام، وهو يوافق ما جاء في رواية أخرى: (ومن أنكر بلسانه فقد برئ، ومن أنكر بقلبه فقد سلم)، وهو صريح في ذلك، وتفسير الراوي بقوله: (أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه) يدل على أن المراد بالإنكار والكراهة جميعًا فعلُ القلب، وهو يوجب التكرار في قوله ﷺ : (فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم)، كما لا يخفى، ولهذا رد بعضهم هذا التفسير، ولكن يبعد ردُّ تفسيرِ الراوي نفسِه الحديث، فتوجيهه أن الإنكار أشد من الكراهة وإن كان كلتاهما بالقلب، فإن أنكر حق الإنكار فقد يفضي إلى المكافحة بلسانه بل إلى الجهاد بخلاف الكراهة، فإنه أضعف من الإنكار، وبهذا الاعتبار وقع في بعض الأحاديث أن ذلك أضعف الإيمان، فتأمل. ٣٦٧٢ - [١٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أثرة) بفتحتين، كما مرّ، وضبط

стр. 3642

وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا" قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٥٢، م: ١٨٥٤]. ٣٦٧٣ - [١٣] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَّا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَّا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٦]. ٣٦٧٤ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ، ــ في بعض النسخ في هذا الحديث بضم الهمزة وسكون المثلثة أيضًا. وقوله: (وأمورًا) بالواو هي الرواية المعتدّ بها، وفي بعض نسخ (المصابيح): أمورًا بدون الواو. ٣٦٧٣ - [١٣] (وائل بن حجر) قوله: (يسألونا) بتشديد النون بإدغام نون الإعراب في نون المتكلم، وكذا قوله: (يمنعونا). وقوله: (فإنما عليهم ما حملوا) من التحميل بمعنى التكليف، أي: ما كُلِّفوا به من العدل والإحسان، (وعليكم ما حملتم) من السمع والطاعة. ٣٦٧٤ - [١٤] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (من خلع يدًا من طاعة) وفي حديث آخر: (من نزع يدًا)، وخلع اليد ونزعها عبارة عن نقض البيعة، أي: من ترك طاعة الإمام. وقوله: (ولا حجة له) حال من ضمير (لقي)، أي: حجة الإيمان، كما ورد:

стр. 3643

وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥١]. ٣٦٧٥ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيُّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ" قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "فُوا بَيْعَةَ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٥٥، م: ١٨٤٢]. ــ (اللهم لقِّنِي حجَّةَ الإيمانِ). ٣٦٧٥ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (تسوسهم) في (النهاية) (١): السياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، و (تسوسهم الأنبياء)، أي: يتولون أمورهم، وفي (القاموس) (٢): سُسْتَ الرعيةَ سياسةَ: أمرتُها ونهيتُها. وقوله: (فما تأمرنا؟ ) أي: إذا وقع التشاجر والتنازع بين الخلفاء فما تأمرنا نفعل؟ وقوله: (فوا بيعة الأول فالأول) فوا بلفظ جمع المذكر أمر من وَفَى يَفِي، والفاء في قوله: (فالأول) للتعقيب، والمراد التكرير والاستمرار، أي: كما يستمرُ خليفة بعد خليفة يستمر وفاؤكم بعهدهم، والمقصد أن البيعة للأول، كما يأتي في الحديث الآتي. وقوله: (أعطوا حقهم. . . إلخ)، أي: إن لم يعطوكم حقَّكم. وقوله: (فإن اللَّه سائلهم عما استرعاهم) يعني ويثيبكم بما لكم عليهم.

стр. 3644

٣٦٧٦ - [١٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا بُويعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخِرَ مِنْهُمَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٣]. ٣٦٧٧ - [١٧] وَعَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهُ سَيَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرُبوهُ بِالسَّيْفِ. . . . . ــ ٣٦٧٦ - [١٦] (أبو سعيد) قوله: (فاقتلوا الآخر) قال التُّورِبِشْتِي (١): الوجه في هذا أن يحمل القتل فيه على القتال، أو يقال: المراد من القتل إبطالُ بيعة الآخر وتوهينُ أمره، من قولهم: قتلتُ الشرابَ: إذا مزجتَه وكسرتَ سَوْرتَه بالماء، انتهى. ومرجع هذا الوجه أيضًا إلى الأول، فإن توهين أمره إنما يكون بالقتال معه لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، كذا قالوا، وأقول: ما المانع من حمله على القتل حقيقة؟ فإنه باغٍ، والقتال إنما يكون لقصد القتل، واللَّه أعلم. ٣٦٧٧ - [١٧] (عرفجة) قوله: (وعن عرفجة) بفتح العين وسكون الراء وفتح الفاء بعدها جيم. وقوله: (سيكون هنات) فسره في (النهاية) (٢) بقوله: أي: شُرورٌ وفسادات، يقال: في فلان هنات، أي: خِصالُ شرٍّ، جمع هنت مؤنث هن، وهو كناية عما لا يصرح به لشناعته، وفي (القاموس) (٣): وقال: هَنٌ، كأخٍ معناه: شيء، تقول: هذا هَنُكَ، أي: شيئك، وهَنُ المرأة: فرجها، ويقال للرجل: يا هَنُ أقبل، ولها: يا هَنَةُ أقبلي،

стр. 3645

كَائِنًا مَنْ كَانَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٢]. ٣٦٧٨ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٢]. ٣٦٧٩ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ. . . . . ــ وهَنْتُ، بالفتح: لغة في هن، وجمعه: هنات وهنوات، والهنات: الداهية، وجمعه: هنوات. وقوله: (كائنًا من كان)، وفي رواية: (ما كان) بإرادة الصفة، كما في قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧]، وقال الطيبي (١): وهو حال فيه معنى الشرط، أي: ادفعوا من خرج على الإمام بالسيف وإن كان أشرفَ وأفضلَ، وترونه أحقَّ وأولى. ٣٦٧٨ - [١٨] (وعنه) قوله: (يريد أن يشق عصاكم) شق العصا كناية عن مفارقة الجماعة، جعل اجتماعَ الناس على أمر واحد بمنزلة العصا، وإزالته بمنزلة شَقِّها. وقوله: (أو يفرق جماعتكم) ظاهر المعنى يدل على أنه من شك الراوي، ويجوز أن يحمل على التنويع، يحمل الأول على التفرق في الدنيا، والثاني في أحكام الدين، واللَّه أعلم. ٣٦٧٩ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (صفقة يده) الصفقة: المرة من التصفيق باليد، صفق يده بالبيعة، وعلى يده صفقًا وصفقة: ضرب يده على يده، والمراد (بثمرة
следующие страницы →