← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ" قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ: "لَا مَا صَلَّوْا، لَا مَا صَلَّوْا" أَيْ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٤٣]. ٣٦٧٢ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً. . . . . ــ المداهنة والنفاق، و (من كره) أي: أنكره بالقلب، ولم يقدر على إنكاره باللسان ومنعه عن ذلك، (فقد سلم) من المشاركة في الوِزْر والوَبَال، و (لكن من رضي) ولم يكره بالقلب، و (تابع) أي: وافقهم فهو كالذي شاركهم، وكان المراد بالمتابعة أن لا ينكرَ عليهم باللسان، لا الموافقةَ فِي العمل، فإنه شريك لهم حقيقةً، وبهذا يشهدُ سَوقُ الكلامِ، فافهم. هكذا شرحوا هذا الكلام، وهو يوافق ما جاء في رواية أخرى: (ومن أنكر بلسانه فقد برئ، ومن أنكر بقلبه فقد سلم)، وهو صريح في ذلك، وتفسير الراوي بقوله: (أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه) يدل على أن المراد بالإنكار والكراهة جميعًا فعلُ القلب، وهو يوجب التكرار في قوله ﷺ : (فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم)، كما لا يخفى، ولهذا رد بعضهم هذا التفسير، ولكن يبعد ردُّ تفسيرِ الراوي نفسِه الحديث، فتوجيهه أن الإنكار أشد من الكراهة وإن كان كلتاهما بالقلب، فإن أنكر حق الإنكار فقد يفضي إلى المكافحة بلسانه بل إلى الجهاد بخلاف الكراهة، فإنه أضعف من الإنكار، وبهذا الاعتبار وقع في بعض الأحاديث أن ذلك أضعف الإيمان، فتأمل. ٣٦٧٢ - [١٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أثرة) بفتحتين، كما مرّ، وضبط

стр. 3642

وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا" قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٥٢، م: ١٨٥٤]. ٣٦٧٣ - [١٣] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَّا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَّا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٦]. ٣٦٧٤ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ، ــ في بعض النسخ في هذا الحديث بضم الهمزة وسكون المثلثة أيضًا. وقوله: (وأمورًا) بالواو هي الرواية المعتدّ بها، وفي بعض نسخ (المصابيح): أمورًا بدون الواو. ٣٦٧٣ - [١٣] (وائل بن حجر) قوله: (يسألونا) بتشديد النون بإدغام نون الإعراب في نون المتكلم، وكذا قوله: (يمنعونا). وقوله: (فإنما عليهم ما حملوا) من التحميل بمعنى التكليف، أي: ما كُلِّفوا به من العدل والإحسان، (وعليكم ما حملتم) من السمع والطاعة. ٣٦٧٤ - [١٤] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (من خلع يدًا من طاعة) وفي حديث آخر: (من نزع يدًا)، وخلع اليد ونزعها عبارة عن نقض البيعة، أي: من ترك طاعة الإمام. وقوله: (ولا حجة له) حال من ضمير (لقي)، أي: حجة الإيمان، كما ورد:

стр. 3643

وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥١]. ٣٦٧٥ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيُّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ" قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "فُوا بَيْعَةَ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٥٥، م: ١٨٤٢]. ــ (اللهم لقِّنِي حجَّةَ الإيمانِ). ٣٦٧٥ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (تسوسهم) في (النهاية) (١): السياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، و (تسوسهم الأنبياء)، أي: يتولون أمورهم، وفي (القاموس) (٢): سُسْتَ الرعيةَ سياسةَ: أمرتُها ونهيتُها. وقوله: (فما تأمرنا؟ ) أي: إذا وقع التشاجر والتنازع بين الخلفاء فما تأمرنا نفعل؟ وقوله: (فوا بيعة الأول فالأول) فوا بلفظ جمع المذكر أمر من وَفَى يَفِي، والفاء في قوله: (فالأول) للتعقيب، والمراد التكرير والاستمرار، أي: كما يستمرُ خليفة بعد خليفة يستمر وفاؤكم بعهدهم، والمقصد أن البيعة للأول، كما يأتي في الحديث الآتي. وقوله: (أعطوا حقهم. . . إلخ)، أي: إن لم يعطوكم حقَّكم. وقوله: (فإن اللَّه سائلهم عما استرعاهم) يعني ويثيبكم بما لكم عليهم.

стр. 3644

٣٦٧٦ - [١٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا بُويعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخِرَ مِنْهُمَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٣]. ٣٦٧٧ - [١٧] وَعَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهُ سَيَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرُبوهُ بِالسَّيْفِ. . . . . ــ ٣٦٧٦ - [١٦] (أبو سعيد) قوله: (فاقتلوا الآخر) قال التُّورِبِشْتِي (١): الوجه في هذا أن يحمل القتل فيه على القتال، أو يقال: المراد من القتل إبطالُ بيعة الآخر وتوهينُ أمره، من قولهم: قتلتُ الشرابَ: إذا مزجتَه وكسرتَ سَوْرتَه بالماء، انتهى. ومرجع هذا الوجه أيضًا إلى الأول، فإن توهين أمره إنما يكون بالقتال معه لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، كذا قالوا، وأقول: ما المانع من حمله على القتل حقيقة؟ فإنه باغٍ، والقتال إنما يكون لقصد القتل، واللَّه أعلم. ٣٦٧٧ - [١٧] (عرفجة) قوله: (وعن عرفجة) بفتح العين وسكون الراء وفتح الفاء بعدها جيم. وقوله: (سيكون هنات) فسره في (النهاية) (٢) بقوله: أي: شُرورٌ وفسادات، يقال: في فلان هنات، أي: خِصالُ شرٍّ، جمع هنت مؤنث هن، وهو كناية عما لا يصرح به لشناعته، وفي (القاموس) (٣): وقال: هَنٌ، كأخٍ معناه: شيء، تقول: هذا هَنُكَ، أي: شيئك، وهَنُ المرأة: فرجها، ويقال للرجل: يا هَنُ أقبل، ولها: يا هَنَةُ أقبلي،

стр. 3645

كَائِنًا مَنْ كَانَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٢]. ٣٦٧٨ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٢]. ٣٦٧٩ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ. . . . . ــ وهَنْتُ، بالفتح: لغة في هن، وجمعه: هنات وهنوات، والهنات: الداهية، وجمعه: هنوات. وقوله: (كائنًا من كان)، وفي رواية: (ما كان) بإرادة الصفة، كما في قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧]، وقال الطيبي (١): وهو حال فيه معنى الشرط، أي: ادفعوا من خرج على الإمام بالسيف وإن كان أشرفَ وأفضلَ، وترونه أحقَّ وأولى. ٣٦٧٨ - [١٨] (وعنه) قوله: (يريد أن يشق عصاكم) شق العصا كناية عن مفارقة الجماعة، جعل اجتماعَ الناس على أمر واحد بمنزلة العصا، وإزالته بمنزلة شَقِّها. وقوله: (أو يفرق جماعتكم) ظاهر المعنى يدل على أنه من شك الراوي، ويجوز أن يحمل على التنويع، يحمل الأول على التفرق في الدنيا، والثاني في أحكام الدين، واللَّه أعلم. ٣٦٧٩ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (صفقة يده) الصفقة: المرة من التصفيق باليد، صفق يده بالبيعة، وعلى يده صفقًا وصفقة: ضرب يده على يده، والمراد (بثمرة

стр. 3646

قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٤٤]. ٣٦٨٠ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٦، م: ١٦٥٢]. ٣٦٨١ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ (١) الْفَاطِمَةُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧١٣٨]. ــ قلبه) خالص عهده، وقيل: المراد به المال، أو (صفقة يده) كناية عن المال، و (ثمرة قلبه) كناية عن مبايعته مع ولده وهو بعيد. ٣٦٨٠ - [٢٠] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: (وكلت) بلفظ المجهول مخففًا، يقال: وكَلَ إليه الأمر: فوَّضَ إليه الأمر، فمعنى (وُكِلت إليها) فُوِّضت إلى الإمارة، وهي أمر شاق لا يقوم بها إلا بإعانة اللَّه تعالى، وحقيقة المعنى وكلت إلى نفسك وإلى حولك وقوتك. ٣٦٨١ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (فنعم المرضعة وبئست الفاطمة) المخصوص محذوف، أي: الإمارةُ، وتأنيث الإمارة غير حقيقي، فيجوز إلحاقُ التاء في الفعل وتركُها، وأيضًا يجوز في نعم وبئس كلا الوجهين، وإن كان الفاعل مؤنثًا، والمرضع والفاطم وإن كان من الصفات المخصوصة بالنساء كالحامل والحائض إلا أنه إذا أريد

стр. 3647

٣٦٨٢ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: "فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي" ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ؛ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا" وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لَهُ: "يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٢٦]. ٣٦٨٣ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمِّرْنا. . . . . ــ معنى الحدوث تلحق التاء، وكذلك أريد هنا دلالةً على تصوير تَينِكَ الحالتين في الإرضاع والفطام، والحاصل: أنه جعلت الإمارة في حلاوة أوائلها ومرارة آخرها كالمرضعة التي تُحسِنُ بالإرضاع، وتسيءُ بالفِطام. ٣٦٨٢ - [٢٢] (أبو ذر) قوله: (فضرب بيده على منكبي) زجرًا وردعًا له عن طلب الإمارة، أو شفقة وعناية بحاله لئلَّا يسوءه المنع، واللَّه أعلم. وقوله: (وإنها) أي: الإمارةَ أو الولايةَ. وقوله: (إنك ضعيف) أشار به إلى أنه لا يكره للأقوياء، فإن أجر العدل والإقساط كثير وفضله عظيم. وقوله: (لا تأمرن) بلفظ النهي من باب التفعُّل بحذف إحدى التاءَين، وكذا في قوله: (ولا تولّين). ٣٦٨٣ - [٢٣] (أبو موسى) قوله: (أمّرنا) بلفظ الأمر من التأمير، أي: اجعَلْنا أمراء، أمَّرَه: جعله أميرًا.

стр. 3648

عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللَّهُ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ" وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: "لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٩، م: ١٧٣٥]. ٣٦٨٤ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٨٨، م: ٢٥٢٦]. ٣٦٨٥ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ. . . . . ــ ٣٦٨٤ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (تجدون من خير الناس أشدهم) قال الطيبي (١): (أشدهم) مفعول أول، و (من خير) مفعول ثان، أو على العكس، و (من) زائدة في الإثبات. وقوله: (حتى يقع فيه) ذكر فيه وجهين: أحدهما: أن يكون غاية للوجدان، أي: إذا وقع فيه لم تجدوه من خير الناس، أو لشدة الكراهية، أي: إذا وقع فيه لم يكن أشدَّ كراهية، بل حينئذ يعينه اللَّه عليه، يعني لأنه أُعطِيَها عن غير مسألة فلا يكرهه، وقال: والأول أوجه، لقوله: يقع، أي: أنسب بمعنى الوقوع؛ لأن المتبادر منه الوقوع في البلية وما يكره. ٣٦٨٥ - [٢٥] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (كلكم راع) الراعي كل مَن ولِيَ أمرَ

стр. 3649

عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهُ وَهِيَ مَسْؤُولهٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٣٨، م: ١٨٢٩]. ٣٦٨٦ - [٢٦] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ. . . . . ــ قوم، والجمع رُعاة ورِعْيان بالكسر ورعاء، وأصله في راعي الغنم، يقال: رعى الأميرُ القومَ رعايةً فهو. راعٍ، أي: قام بإصلاح ما يتولاه، وهم رَعيَّه فَعِيلَة بمعنى مفعول والتاء للنقل، قال في (مختصر النهاية) (١): الرعية: كلُّ من شمِلَه حفظُ الراعي ونظرُه. وقوله: (وعبد الرجل راع) وكذا الرجل راع على أعضائه وجوارحه وقواه، وهي رعيته وهو مسؤول عنها فيم استعملها، ولم يذكرها في الحديث اقتصارًا على ما يتفاهمه أهل العرف من معنى الرعاية، ويمكن أن يكون تكرار قوله: (ألا فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته) قصدًا إلى التعميم مما ذكر. ٣٦٨٦ - [٢٦] (معقل بن يسار) قوله: (وعن معقل) بفتح الميم وكسر القاف، (ابن يسار) بالتحتانية المفتوحة والسين المهملة. وقوله: (وهو غاش لهم) أي: خائن ظالم في حقهم من الغش، وهو الخيانة، في (القاموس) (٢): غشه: لم يمحضه النصح، أو أظهر له خلاف ما أضمر، وفي

стр. 3650

إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٥١، م: ١٤٢]. ٣٦٨٧ - [٢٧] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٥٠، م: ١٤٢]. ٣٦٨٨ - [٢٨] وَعَنْ عَايِذِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءَ الْحُطَمَةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٣٠]. ــ (النهاية) (١): الغش ضد النصح، والمقصد التحذير من غش المسلمين لمن قلده اللَّه تعالى شيئًا من أمرهم في دينهم أو دنياهم، إما بتضييع تعريفهم ما يلزمهم، أو تركِ حمايتهم ومجاهدة عدوِّهم وسائر ما عليه من الحقوق. ٣٦٨٧ - [٢٧] (وعنه) قوله: (يسترعيه اللَّه رعيّة) أي: يطلب أن يكون راعي جماعة ويتخذه أميرًا عليهم. وقوله: (فلم يحطها) بضم الحاء حاطه حَوْطًا وحَيْطة وحِياطةً: حفظه، وصانه، وتعهَّده كحوَّطه وتحوَّطه. ٣٦٨٨ - [٢٨] (عايذ بن عمرو) قوله: (وعن عايذ) بالياء المثناة التحتانية والذال المعجمة. وقوله: (إن شر الرعاء) بالكسر جمع راعٍ، كما ذكر، و (الحطمة) بضم الحاء المهملة وفتح الطاء كهمزة: الراعي الظلوم للماشية يَهشِمُ بعضَها على بعض، من الحَطْم وهو الكسر، والمراد هنا أمراء السوء يظلمون الرعية، قال التُّورِبِشْتِي (٢): يقال:

стр. 3651

٣٦٨٩ - [٢٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللهُمَّ مَنْ وُلِّيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وُلِّيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٢٨]. ٣٦٩٠ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، ــ رجل حُطَمٌ وحُطَمةٌ: إذا كان قليل الرحمة للماشية يُلقِي بعضها على بعض. ٣٦٨٩ - [٢٩] (عائشة) قوله: (من ولي) بلفظ المجهول من التولية، وفي بعض النسخ بلفظ المعلوم من الوَلْي. وقوله: (فشق عليهم) شَقَّ عليه: أوقَعَه في المشقَّةِ. ٣٦٩٠ - [٣٠] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (إن المقسطين) المقسط: العادل، والقاسط: الجائر، والهمزة للسَّلْب، والـ (منابر) جمع منبر، ونبَرَ الشيءَ: رفعَه، سمي منبرًا لرفعة مَن عليه، والانتبار الارتفاع، وفي الحديث: إن الجرح ينتبِرُ في رأس الحَولِ، أي: يرِمُ، فعلم من هذا أن النبر متعد بمعنى الرفع، والانتبار لازم بمعنى الارتفاع، فقول الطيبي (١): (سمي به لارتفاعه) لا يخلو عن شيء، ثم الظاهر أن يكونوا على منابر حقيقة، وقيل: كناية عن المنازل الرفيعة. وقوله: (عن يمين الرحمن) كناية عن عظم مرتبتهم وقرب محلهم منه تعالى؛ لأن من عظم قدره يُبَوَّأُ عن يمين الملك.

стр. 3652

وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِهِمْ وَمَا وَلُوا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٢٧]. ٣٦٩١ - [٣١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيِّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّةُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّه". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧١٩٨]. ــ وقوله: (وكلتا يديه يمين) دفع لتوهم من يتوهم أن له يمينًا من جنس الأيمان التي يقابلها يسار. وقوله: (في حكمهم) إشارة إلى حال الأمراء. وقوله: (أهليهم) إلى ذوي العيال. وقوله: (ما ولوا) بضم الواو وتشديد اللام المشددة بلفظ المجهول من التولية، وبفتح الواو وضم اللام المخففة من الوَلْي على الروايتين. ٣٦٩١ - [٣١] (أبو سعيد) قوله: (إلا كانت له بطانتان) البطانة بالكسر: السَّريرة، والصاحب الذي هو خَصِيصةُ الرجل الذي اتَّخذه معتمَدًا من غير أهله، وصاحبَ سرِّه وصَفِيَّه، والمراد هنا المَلَكُ والشيطانُ. وقوله: (والمعصوم من عصمه اللَّه) إشارة إلى حال الأنبياء أو بعض الخلفاء أيضًا ممن حفظه اللَّه من شر الشيطان المشار إليهم بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ بمنزلة الاستثناء، كما في الحديث الآخر من قوله ﷺ : (إلا أنَّ اللَّهَ تعالى أعاننَي فأَسلَم، فلا يأمُرُني إلا بخيرٍ)، فافهم.

стр. 3653

٣٦٩٢ - [٣٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الأَمِيرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٥٥]. ٣٦٩٣ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢٥]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٦٩٤ - [٣٤] عَنِ الْحَارِثِ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ: . . . . . ــ ٣٦٩٢ - [٣٢] (أنس) قوله: (كان قيس بن سعد) بن عبادة الأنصاري، سيد الخزرج وابن سيدها، أحد دهاة العرب، وأهل الرأي ورياسة الجيوش، وكان من أهل النجدة والبسالة والكرم والسخاء، وكان جَسِيمًا طُوَالًا، وكان منتصبًا بين يدي رسول اللَّه ﷺ لتنفيذ ما يريد به، (بمنزلة صاحب الشرط) وهو بضم الشين وفتح الراء، وهم أول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت، وطائفة من أعيان الولاة، سُمّوا بذلك؛ لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها، وواحدها شرط بالضم، ويقال له: الشُّرطي كتركي وجهني، يقوم بين يدي الأمير لينفذ أوامره، وكان قيس بن سعد نصبه رسول اللَّه ﷺ ليحبس من يستحق الحبس، ويأخذ من يستحق الأخذ، ويضرب من يستحق الضرب. ٣٦٩٣ - [٣٣] (أبو بكرة) قوله: (قد ملّكوا) بلفظ المعلوم من التمليك، أي: أمَّروا، (وولَّوا) من التولية. الفصل الثاني ٣٦٩٤ - [٣٤] (الحارث الأشعري) قوله: (آمركم) بلفظ المتكلم المعلوم.

стр. 3654

بِالْجَمَاعَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يُرَاجِعَ، وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَى جَهَنَّمَ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤/ ١٣٠، ت: ٢٨٦٣]. ــ وقوله: (بالجماعة)، أي: بالاتباع لجماعة المسلمين في القول والعمل والاعتقاد، والأصل في ذلك السلف الصالح من القرون الثلاثة وما هم عليه من اتِّباع السنة. وقوله: (والسمع والطاعة) أي: سماع كلمة الحق من الأمراء والعلماء، والانقياد لأحكامهم مما يوافق حكم الشرع، (والهجرة) أي: الانتقال من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، ومن دار الكفر إلى دار الإسلام بعده، ومن الخطايا والذنوب، (والجهاد) مع الكفار ومع النفس. وقوله: (وإنه) بكسر (إنَّ) جملة معلِّلة لما قبله، و (القيد) بالكسر بمعنى المقدار، و (الشبر) بالكسر: ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر يذكر، و (الرِّبْق) بالكسر: حبل فيه عدَّة عُرًى يشدُّ به البهم، كلُّ عروةٍ ربقة بالكسر والفتح، والجمع كعِنَب وأَصْحَاب وجِبَال. وقوله: (إلا أن يراجع) أي: يرجع ويتوب وصيغة المفاعلة للمبالغة، والظاهر أن المراد بدعوى الجاهلية عاداتها وطرقها على الإطلاق، وقيل: بمعنى الدعاء والنداء، قالوا: كان الرجل منهم إذا غلب عليه الخصام نادى بأعلى صوته: يا آل فلان فيسعون إلى نصرته ظالمًا كان أو مظلومًا. و(جثى) بضم الجيم وكسرها جمع جثوة بالضم، وقد تكسر وتفتح، وهي الشيء المجموع، هو من جثى جهنم، أي جماعتها، ورأيت قبور الشهداء جُثًى، أي:

стр. 3655

٣٦٩٥ - [٣٥] وَعَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ تَحْتَ مِنْبَرِ ابْنِ عَامِرٍ وَهُوَ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ: انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الْفُسَّاقِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٢٢٤]. ــ أتربة مجموعة، كذا في (مختصر النهاية) (١)، وقال الطيبي (٢): جثى: ما اجتمع من تراب، استعير للجماعة، قال في (القاموس) (٣): الجثوة مثلثة: الحجارة المجموعة. ٣٦٩٥ - [٣٥] (زياد بن كسيب العدوي) قوله: (وعن زياد) بكسر الزاي، (ابن كسيب) بالسين المهملة على لفظ التصغير، تابعي. وقوله: (وعليه ثياب رقاق) بكسر الراء جمع رقيق، قيل: كأنه كان عليه من الثياب المحرمة، وهذا بعيد في ذلك الزمان، والظاهر أنها كانت من الثياب الرقيقة الناعمة، ونسبه إلى الفسق تغليظًا، أو المراد أن لبسها من عادات الفسقة، وإن كان لبسها ليس بفسق، وهو الظاهر من قوله: (يلبس ثياب الفساق)، واللَّه أعلم. وقوله: (من أهان سلطان اللَّه) يعني أن لبسه تلك الثياب وإن كان فيه بأس، لكن إهانتك إياه على هذا القدر أشدّ بأسًا منه، مع أن ذلك يمكن أن يكون لصَون عزته عند الناس، وهيبته عند الرعايا، كما فعل مثلَ ذلك بعضُ الأكابر من العلماء. وقوله: (في الأرض) متعلق بسلطان.

стр. 3656

٣٦٩٦ - [٣٦] وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١٠/ ٤٤]. ٣٦٩٧ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلَّا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا حَتَّى يَفُكَّ عَنْهُ الْعَدْلُ، أَوْ يُوبِقَهُ الْجَوْرُ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٢٤٠]. ٣٦٩٨ - [٣٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَيْلٌ لِلأُمَرَاءِ، وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ، ــ ٣٦٩٦ - [٣٦] (النواس بن سمعان) قوله: (وعن النواس) بفتح النون وتشديد الواو، (ابن سمعان) بكسر السين وقد يفتح. وقوله: (لا طاعة لمخلوق) صفة طاعة، و (في معصية الخالق) خبر (لا)، نحو لا رجلَ ظريفَ فِي الدار، والخبر في معنى النهي. ٣٦٩٧ - [٣٧] (أبو هريرة) قوله: (ما من أمير عشرة) بالإضافة. وقوله: (العدل) فاعل (يفك)، والمفعول محذوف، أي: الغُلَّ. ودل الحديث على أن كل أمير يؤتى مغلولًا عادلًا كان أو ظالمًا، ثم ينجيه العدل، أو يوبقه الجَور. ٣٦٩٨ - [٣٨] (وعنه) قوله: (ويل للعرفاء) جمع عريف، فعيل بمعنى فاعل، وهو القَيِّم بأمر القبيلة أو الجماعة من الناس، يلي أمورهم، ويعرف أحوالهم، ويتعرف الأمير أحوالهم منه، والعرافة بالكسر عمله كالإمارة. وفي (القاموس) (١): العَرِيف،

стр. 3657

وَيْلٌ لِلأُمَنَاءِ، لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ نَوَاصِيَهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالثُّرَيَّا، يَتَجَلْجَلُونَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَلُوا عَمَلًا". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ: "أَنَّ ذَوَائِبَهُمْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيَّا، يَتَذَبْذبُونَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَكُونُوا عُمِّلُوا عَلَى شَيْءٍ". [شرح السنة: ١٠/ ٥٩، حم: ٢/ ٣٥٢]. ٣٦٩٩ - [٣٩] وَعَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْعِرَافَةَ حَقٌّ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ عُرَفَاءَ، ــ كأمير: من يعرف أصحابه، والجمع عرفاء، وعرف، ككرم وضرب، عَرافةً: صار عريفًا، وككتب كتابةً: عمِلَ العَرافةَ. والعريف: رئيس القوم، سمي لأنه عرف بذلك، أو النقيب، وهو دون الرئيس. وقوله: (ويل للأمناء) جمع أمين، وهو من جعل قيّمًا على اليتامى بحفظهم وحفظ أموالهم، وكذا من جعل أمينًا على خزانة مال وعلى الصدقات، كذا ذكر ابن الأثير. وقوله: (ليتمنّين) اللام جواب للقسم، والمعنى: يتمنون يوم القيامة حين يرون الذل والهوان والعذاب، ويقولون: يا ليت لم يحصل لهم في الدنيا تلك العزة والرياسة والترفع على الناس، بل كانوا أذلاء، ورؤوسهم معلَّقة في أعالي الأمكنة تتجلجل وتتحرك، ينظر إليهم الناس، ويشهدون مذلتهم وهوانهم بدل تلك الرِّياسة والعزة والرفعة، والتعليق بالناصية مَثلٌ للهوان والمذلَّة. ٣٦٩٩ - [٣٩] (غالب القطان) قوله: (إن العرافة حق) أي: مصلحةٌ تدعو إليه الضرورة، كما بينه بقوله: (ولا بد للناس من عرفاء) لتعرف أحوالهم في ترتيب البعوث والأجناد والعطايا والسهام.

стр. 3658

وَلَكِنَّ الْعُرْفَاءَ فِي النَّارِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٣٤]. ٣٧٠٠ - [٤٠] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ"، قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أُمَرَاءُ سَيَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي، مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسُوا مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُمْ، وَلَنْ يَرِدُوا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُم بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَأُولَئِكَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُمْ، وَأُولَئِكَ يَرِدُون عَلَيَّ الْحَوْضَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٢٥٩، ن: ٤٢٠٧]. ٣٧٠١ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، ــ وقوله: (ولكن العرفاء في النار) أي: على خطر، وفي ورطة الهلاك والعذاب لتعذر القيام بشرائط ذلك، فعليهم أن يراعوا الحق والصواب. ٣٧٠٠ - [٤٠] (كعب بن عجرة) قوله: (ابن عجرة) بضم المهملة وسكون الجيم. وقوله: (من إمارة السفهاء) السَّفَهُ محركة وكسحاب وسحابة: خِفَّةُ الحلم أو نقيضه والجهل، (وما ذاك) في معنى من هم، فيطابق الجواب، أو محمول على معناه الظاهر، وإشارة إلى إمارة السفهاء، ولكن لما كان خفاء المضاف إليه بيّنه، ومعنى الإمارة معلوم، وبَيّن ضرره وطريق الاجتناب عنه. ٣٧٠١ - [٤١] (ابن عباس) قوله: (من سكن البادية جفا) أي: صار غليظَ القلب وقاسيَه لعدم المخالطة مع الناس، والمجالسة مع العلماء، وعدم العلم فيهم،

стр. 3659

وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: "مَنْ لَزِمَ السُّلْطَانَ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنَ السُّلْطَانِ دُنُوًّا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا". [حم: ١/ ٣٥٧، ت: ٢٢٥٦، ن: ٤٣٠٩، د: ٢٨٥٩]. ٣٧٠٢ - [٤٢] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَفْلَحْتَ يَا قُدَيْمُ إِنْ مُتَّ وَلَمْ تَكُنْ أَمِيرًا، وَلَا كَاتِبًا، وَلَا عَرِيفًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٣٣]. ٣٧٠٣ - [٤٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ". . . . . . ــ (ومن اتبع الصيد) أي: لهوًا ولعبًا (غفل) عن الطاعات ولزوم الجماعات للزوم البادية، وبعد عن الرحمة والرقة لشبهه بالسباع، وهذا تنبيه لمن اعتاده وانهمك فيه من غير نية تحصيل القوت الحلال؛ لأن بعض الصحابة كانوا يصطادون، وأما رسول اللَّه ﷺ فلم يصطد بنفسه، كذا قيل، وقد شايع عدي ابن حاتم في ذهابه إلى الاصطياد، وذلك لذهابه إلى الوادي المبارك وادي العقيق، كذا جاء في الحديث، وأما افتتان من أتى السلطان فظاهر. ٣٧٠٢ - [٤٢] (المقدام بن معدي كرب) قوله: (أفلحت يا قديم) تصغير للمقدام بحذف الزوائد. ٣٧٠٣ - [٤٣] (عقبة بن عامر) قوله: (صاحب مكس) في (النهاية) (١): المكس:

стр. 3660

يَعْنِي الَّذِي يَعْشُرُ النَّاسَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ١٤٣، د: ٢٩٣٧، دي: ١/ ٣٩٣]. ٣٧٠٤ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا، وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا: إِمَامٌ جَائِرٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٣٢٩]. ــ الضريبة التي يأخذها الماكس، وهو العَشَّار، والمماكسة في البيع: انتقاصُ الثمن واستحطاطُه، وفي (القاموس) (١): مكس في البيع يمكس: إذا جبى مالًا، والمكس: النقص، والظلم، ودرهم كان يأخذ المصدق بعد فراغه من الصدقة، وفي (مجمع البحار) (٢): المكس النقصان، والماكس من العمال من ينقص من حقوق المساكين لا يعطيها كاملًا بتمامها، قاله البيهقي، وسبق حديث ماعز: (تاب توبة لو تابها صاحب مكس)، فسره الراوي في الحديث بقوله: يعني الذي يعشر الناسَ، يعني يأخذ العُشرَ منهم، وهذا يناسب المعنى الأول، والمراد من يأخذ العشر ويزيد عليه شيئًا ظلمًا، فتدبر. ٣٧٠٤ - [٤٤] (أبو سعيد) قوله: (إن أحب الناس إلى اللَّه) لا بد من تخصيص الأنبياء ﵈ وبعدهم إن أريد بالإمام العادل مَنْ جمع بين الكمالات العلمية والعملية إلى الغاية القصوى، ومع ذلك عدل بين خلق اللَّه وسياستهم كالخلفاء الراشدين، فلا شبهة أنه أفضل ممن عداه، والظاهر أنه لبيان فضيلة العدل، وأن العادل

стр. 3661

٣٧٠٥ - [٤٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢١٧٤، د: ٤٣٤٤، جه: ٤٠١١]. ٣٧٠٦ - [٤٦] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ. [حم: ٤/ ٣١٤، ن: ٤٢٠٩]. ٣٧٠٧ - [٤٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالأَمِيرِ خَيْرًا، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٩٣٢، ن: ٤٢٠٤]. ــ أفضل ممن عداه من هذه الحيثية، واللَّه أعلم. ٣٧٠٥، ٣٧٠٦ - [٤٥، ٤٦] (وعنه، وطارق بن شهاب) قوله: (من قال) أي: قولُ مَن قال، والظاهر أن قوله يكون كلامًا مفيدًا يفيد حكمًا شرعيًا، فيكون جملةً لا كلمةً مفردةً، والكلمة تطلق على ما يتكلم به، وإن كان مفيدًا كثيرًا فلا حاجة إلى ما قال الطيبي (١): إن (قال) بمعنى تكلَّم؛ لأن (كلمةَ حقٍّ) ليست بجملة، فافهم. وإنما كان أفضلَ الجهاد لتعرُّض قائلها للتلف جزمًا بخلاف الجهاد مع الكفار، ولعموم نفعه بخلاف قتل كافر. ٣٧٠٧ - [٤٧] (عائشة) قوله: (وزير صدق) الصدق هنا يعم الأقوال والأفعال، والوزر بالكسر: الإثم والثقل والحمل الثقيل، وإنما سمي وزيرًا لأنه يحمل ثقل المَلِك

стр. 3662

٣٧٠٨ - [٤٨] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨٩]. ــ ويعينه برأيه، ويشركه في حمل الآثام، وقد يجيء الوزر بالفتح بمعنى المَعقِل والمَلجَأ والمُعتصَم، وهذا المعنى أيضًا يناسب التسمية. ٣٧٠٨ - [٤٨] (أبو أمامة) قوله: (إذا ابتغى الريبة في الناس) في (القاموس) (١): الريب والريبة بالكسر: التهمة، وفي (النهاية) (٢): الشك، وقيل: شك مع تهمة، رابَني الشيءُ وأرابني بمعنى شكَّكَني، وقيل: أرابني في كذا، أي شكَّكني وأوهمَني الرِّيبةِ فيه، فإذا استيقنتَه قلتَ: رابَني بغير ألف، وفي الحديث: (مَكسَبةٌ فِيها بعضُ الرِّيبةِ خير من المسألةِ) (٣)، أي: كسبٌ فِيه بعضُ الشك أحلالٌ هو أم حرامٌ خيرٌ من سؤال الناس، وقيل في معنى الحديث: إذا اتَّهمَ الأميرُ الناسَ وجاهرهم بسوء الظنِّ فِيهم أدَّاهم ذلك إلى ارتكاب ما ظن بهم ففسدوا. وقال الطيبي (٤): إذا ابتغى عيبهم ويتهمهم بالمعايب فيتجسس أحوالهم ومفاسدهم، فإن الإنسان قلَّما يسلم من عيب، فلو عاملهم بكل ما قالوا وفعلوا لاشتدت عليهم الأحوال، فينبغي أن يستر عيوبهم ويعفو عنهم، انتهى. ولم يظهر من هذا التقرير معنى الإفساد إلا أن يراد به اشتداد الأحوال والتضييق عليهم ولحوق الصعوبة بهم، فافهم.

стр. 3663

٣٧٠٩ - [٤٩] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّكَ إِذَا اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ١٢/ ١٥٩]. ٣٧١٠ - [٥٠] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْتُمْ وَأَئِمَّةً مِنْ بَعْدِي يَسْتَأْثِرُونَ بِهَذَا الْفَيْءِ؟ " قُلْتُ: أَمَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ أَضَعُ سَيْفِي عَلَى عَاتِقِي، ثُمَّ أَضْرِبُ بِهِ حَتَّى ألقَاكَ قَالَ: "أَوَلَا أَدلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ، تَصْبِرُ حَتَّى تَلْقَانِيَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٥٩]. ــ ٣٧٠٩ - [٤٩] (معاوية) قوله: (إنك إذا اتبعت عورات الناس أفسدتهم) في معنى الحديث السابق على التقديرين المذكورين. ٣٧١٠ - [٥٠] (أبو ذر) قوله: (كيف أنتم) أي: كيف تصنعون أتصبرون أم تقاتلونهم؟ وقوله: (وأئمة) مفعول معه، و (يستأثرون) حال أو صفة، أي: ينفردون، أي: يأخذون ولا يشركونكم فيه، وقد يرفع (أئمة)، فيكون مبتدأ، و (يستأثرون) خبره، والجملة حالية، و (الفيء) مال مأخوذ من الكفار بغير قتال كالخراج والجزية، وأما المأخوذ بالقتال فهو غنيمة، وحكم الفيء أن يكون لكافة المسلمين ولا يُخمَّس، والغنيمة تُخمَّس، ولعل المراد بالفيء هنا ما يشمل الغنيمة، واللَّه أعلم. وقالوا: المراد في الحديث ما يشملها، والمقصود إظهار ظلمهم في بيت المال، وعدم إعطائهم حقوق المسلمين. وقوله: (أولا أدلك) أي: أتفعل ذلك ولا أدلك.

стр. 3664

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٧١١ - [٥١] عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ". ٣٧١٢ - [٥٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ثَلَاثَة أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي: الِاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ، وَحَيْفُ السُّلْطَانِ، وَتَكْذِيبٌ بِالْقَدَرِ". ــ الفصل الثالث ٣٧١١ - [٥١] (عائشة) قوله: (إذا أعطوا الحق قبلوه) أي: سابقوهم الأئمة العدول الذين إذا نصحهم ناصح بكلمة حق في العدل بين الرعية قبلوها، وإذا سئلوا الحق بذلوه لأهله. ٣٧١٢ - [٥٢] (جابر بن سمرة) قوله: (ثلاثة) أي: ثلاث خصال، و (الأنواء) جمع نَوْء وهو منزلة القمر، وللقمر ثمان وعشرون منزلًا، ينزل القمر كلَّ ليلة في واحد منها، وكانت العرب ينسبون المطر إليها، ويقولون: مُطِرنا بنَوءِ كذا، فنهوا عن ذلك، والنوء في الأصل بمعنى النهوض والسقوط، ضد، وإذا غرب سقط الساقط منها بالمغرب، فالطالع بالمشرق ينوء، أي: ينهض ويطلع، وفي (القاموس) (٢): ناء

стр. 3665

٣٧١٣ - [٥٣] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ أَيَّامٍ: "اعْقِلْ يَا أَبَا ذَرٍّ! مَا يُقَالُ لَكَ بَعْدُ"، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّابِعُ قَالَ: "أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِهِ، وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ، وَلَا تَسْأَلَنَّ أَحَدًا شَيْئًا وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ، وَلَا تَقْبِضْ أَمَانَةً، وَلَا تَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ". ــ ينوء نوءًا: نهض، والنوء: النجم إذا مال للغروب، وفي الحديث منع إسناد الحوادث إلى النجوم. ٣٧١٣ - [٥٣] (أبو ذر) قوله: (قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ ستة أيام: اعقل يا أبا ذر! ما يقال لك بعد) (اعقل) مقول القول، و (ستةَ أيام) ظرف القول، أي: تفكَّرْ وتأمَّلْ واعمل بمقتضى ما أقول، وهذا تنبيه منه ﷺ لأبي ذر على أن ما يقوله بعدُ معنًى يجب تلقِّيه بالقبول والقيامُ بحقه، وفي (الحواشي): (ستةَ أيام) ظرفُ (اعقل)، والأول هو الأظهر. وقوله: (في سرّ أمرك وعلانيته) أي: في خلوتك وعند الناس أو في ظاهرك وباطنك، أي: تنزَّه عما شغل سرَّك عن الحق، واعمل في ظاهرك بما أمرك، وهذا هو أعلى مراتب التقوى، (وإذا أسأت) أي: بمقتضى الجِبلَّة البشرية (فأحسن) كقوله: (أتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها). وقوله: (وإن سقط سوطك) مبالغة وتأكيد لعدم السؤال، (ولا تقبض أمانة) لثقل حملها وصعوبة أدائها. وقوله: (ولا تقض) أي: لا تحكم بين اثنين، أي: لا تكن حاكمًا وأميرًا على الناس لما مرّ في الفصل الأول: أن أبا ذر طلب الإمارة، فقال ﷺ : (يا أبا ذرٍّ إني أراكَ ضَعيفًا)، الحديثَ.

стр. 3666

٣٧١٤ - [٥٤] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أمرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَاهُ اللَّهَ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ، أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ، أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ، وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ، وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". ٣٧١٥ - [٥٥] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مُعَاوِيَةُ! إِنْ وُلِّيتَ أَمْرًا فَاتَّقِ اللَّهَ وَاعْدِلْ" قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَظُنُّ أَنِّي مُبْتَلًى بِعَمَلٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى ابْتُلِيتُ. ٣٧١٦ - [٥٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ رَأْسِ السَّبْعِينَ وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ". . . . . ــ ٣٧١٤ - [٥٤] (أبو أمامة) قوله: (إلا أتى مغلولًا) وفي بعض النسخ: (إلا أتاه اللَّه)، أي: أمرُ اللَّه أو ملائكتُه، وعلى هذه النسخة يكون (مغلولًا) حالًا من المفعول. وقوله: (فكه بره، أو أوبقه إثمه) وهذا كما مرّ في الفصل الثاني من حديث أبي هريرة: (حتَّى يفكَّ عنه العدلُ، أو يوبقَه الجَورُ). ٣٧١٥ - [٥٥] (معاوية) قوله: (فما زلت أظن) لما قال رسول اللَّه ﷺ بكلمة الشك والتردد لكفايته فيما هو المقصود من الوصية والتقوى جعله معاوية سببًا لظنه بذلك، ولما استبعد وجود التقوى والعدل من نفسه ظن أنه يقع في عمل يكون سببًا لابتلائه بذلك، وقيل: قد يستعمل (إنْ) في مقام الجزم، وكأنه أوحي إلى النبي ﷺ بأنه يولي لكونه واقعًا، والظن بمعنى اليقين. ٣٧١٦ - [٥٦] (أبو هريرة) قوله: (من رأس السبعين) الظاهر أن المراد من عام الهجرة ليتناول إمارة يزيد بن معاوية، ويؤيده ما روي عن أبي هريرة أنه كان يتعوذ

стр. 3667

رَوَى الأَحَادِيثَ السِّتَّةَ أَحْمَدُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ". [حم: ٦/ ٧٧، ٥/ ٨٩، ٥/ ١٨١، ٥/ ٢٦٧، ٤/ ١٠١، ٢/ ٣٢٦، دلائل النبوة: ٦/ ٤٤٦]. ٣٧١٧ - [٥٧] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ هَاشِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَمَا تَكُونُونَ كَذَلِكَ يُؤَمَّرُ عَلَيْكُمْ". ٣٧١٨ - [٥٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ السُّلْطَانَ ظِلُّ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، ــ باللَّه من إمارة الستين، فالمراد بالصبيان يزيد وأولاد مروان، وهم المراد من أغيلمة قريش الذين رآهم رسول اللَّه ﷺ يلعبون على منبره، والمذكورون في حديث: (يكون هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش) (١). ٣٧١٧ - [٥٧] (يحيى بن هاشم) قوله: (كما تكونون كذلك يؤمر عليكم) ويروى: (كما تكونوا يولَّ عليكم)، وللنحاة كلام في سقوط النون في (كما تكونوا)، والمقصود المنع من ذم الأمراء والصبر على أذاهم، وإسناد التقصير إلى أنفسهم، فافهم. ٣٧١٨ - [٥٨] (ابن عمر) قوله: (إن السلطان ظل اللَّه) قد يسبق إلى الأفهام أن المراد كونه متصفًا بما يشبه صفاته تعالى وتقدس من اللطف والرأفة والقهر والعزة وأمثال ذلك على سبيل المجاز، لكنهم قالوا: إن المراد تشبيهه بالظل وإضافته إلى اللَّه تعالى للتشريف، كما في بيت اللَّه وروح اللَّه، وإيذان بأنه ظل ليس كسائر الظلال

стр. 3668

يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ مِنْ عِبَادِهِ، فَإِذَا عَدَلَ، كَانَ لَهُ الأَجْرُ وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الشُّكْرُ، وَإِذَا جَارَ كَانَ عَلَيْهِ الإصْرُ، وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الصَّبْرُ". ٣٧١٩ - [٥٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ عَادِلٌ رَفيقٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ جَائِز خَرِقٌ". ٣٧٢٠ - [٦٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَظَرَ إِلَى أَخِيهِ نظرَةً يُخِيفُهُ أَخَافَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ! . . . . . ــ التي خلقها اللَّه بل له شأن عظيم، ومزيد اختصاص بالحضرة الإلهية لما جعله خليفة له في أرضه. وقوله: (يأوي إليه كل مظلوم) لبيان وجه الشبه، فكما أن الناس يستريحون إلى برد الظل من حر الشمس، كذلك يستريحون إلى برد عدله من حر الظلم، وقد يجيء الظل بمعنى الملجأ والملاذ، يقال: في ظله، أي: كَنَفِه. وقوله: (فإذا عدل) يعني كما هو شأنه ومقتضى كونه ظلًّا يؤوى إليه. وقوله: (إذا جار) يعني خرج عما من شأنه أن يكون كذلك، وليس هذا تقسيمًا لكونه ظلًّا كما توهم، فافهم. ٣٧١٩ - [٥٩] (عمر بن الخطاب) قوله: (خرق) بكسر الراء صفة مشبهة من الخرق وهو ضد الرفق. ٣٧٢٠ - [٦٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (من نظر إلى أخيه) يشمل الرعية بالنسبة إلى الإمام أيضًا لثبوت أخوة الإسلام، و (يخيفه) من الإخافة وهو تنبيه على التزام

стр. 3669

رَوَى الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" وَقَالَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى: هَذَا مُنْقَطِعٌ، وَرِوَايَتُهُ ضَعِيفٌ. [شعب: ٦/ ٢٢، ٦/ ١٦، ٦/ ١٦، ٦/ ٥٠]. ٣٧٢١ - [٦١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مَالِكُ الْمُلُوكِ، وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ فِي يَدِي، وإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا أَطَاعُونِي، حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ، وإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا عَصَوْنِي، حَوَّلْتُ قُلُوبَهُمْ بِالسُّخْطَةِ وَالنِّقْمَةِ، فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ فَلَا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْمُلُوكِ، وَلَكِنِ اشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ. . . . . ــ الرفق، كما في الحديث السابق. ٣٧٢١ - [٦١] (أبو الدرداء) قوله: (والنقمة) في (القاموس) (١): النقمة بالفتح والكسر: المكافأة بالعقوبة، والجمع نقم ككَلِمٍ وعنب وكلماتٍ. وقوله: (فساموهم) على وزن قاموهم، والسَّومُ فِي الأصل عرضُ السلعة على المشتري، أي: عرض الملوك العباد على سوء العذاب وأذاقوهم إياه، وفي (القاموس) (٢): سام فلانًا الأمرَ: كلَّفَه إياه، أو أولاه إياه، كسَوَّمَه، وأكثر ما يستعمل في العذاب والشر. وقوله: (ولكن اشغلوا أنفسكم) بفتح الغين ووصل الهمزة، ويجوز بقطعها، في (القاموس) (٣): الشغل بضمتين وبالضم وبالفتح وبفتحتين: ضد الفراغ، والجمع

стр. 3670

بِالذِّكْرِ وَالتَّضَرُّعِ كَيْ أَكْفِيَكُمْ مُلُوكَكُمْ". رَوَاهُ أَبُو نعيْمٍ فِي "الْحِلْيَةِ". [حلية الأولياء: ٢/ ٣٨٨]. * * * ١ - باب ما على الولاة من التيسير * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٧٢٢ - [١] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: "بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٢٤، م: ١٧٣٢]. ــ أشغال، وشغله كمنعه شغلًا ويضم، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة. ١ - باب ما على الولاة من التيسير لما ذكر ما على الرعية من الطاعة والامتثال ذكر ما على الولاة من التيسير والتبشير، والولاة: جمع الوالي كالقضاة جمع القاضي. الفصل الأول ٣٧٢٢ - [١] (أبو موسى) قوله: (بشروا) أي: بشروا الناسَ بقبول اللَّه الطاعاتِ وإثابته عليها وتوفيقِه للتوبة من المعاصي وعفوه ومغفرته، (ولا تنفروا) بالتخويف والإنذار والإقناط. وقوله: (ويسروا) أي: سهِّلوا الأمر على الناس في طلب الحقوق مثل أخذ الصدقات والخراجات ونحوها، (ولا تعسروا) عليهم بأن تأخذوا أكثر مما يجب، وتشددوا الأمر عليهم، وتبتغوا عوراتهم، وتتجسسوا أفعالهم.

стр. 3671

٣٧٢٣ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٢٥، م: ١٧٣٤]. ٣٧٢٤ - [٣] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: "بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَدَّهُ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: "يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٢٤، م: ١٧٣٣]. ٣٧٢٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: . . . . . ــ ٣٧٢٣ - [٢] (أنس) قوله: (وسكنوا ولا تنفروا) المقابل للتنفير التأنيسُ، والتسكين في معناه. ٣٧٢٤ - [٣] (أبو بردة) قوله: (وعن أبي بردة) قالوا: صوابه ابن أبي بردة، بيانه أن أبا بردة ابن أبي موسى الأشعري وابن أبي بردة سعيد وبلال، وهذا الحديث من سعيد بن أبي بردة على ما في (صحيح البخاري) قال: سمعت أبي قال: (بعث النبي ﷺ أبي ومعاذًا إلى اليمن) الحديث، وقال في (التقريب) (١): بلال بن أبي بردة بن أبي موسى قاضي البصرة، مقلٌّ من الخامسة، وسعيد بن أبي بردة كوفي ثقة من الخامسة، فإن قلت: لما كان ابن أبي بردة روى الحديث من أبيه صح أنه من أبي بردة، قلت: قوله: (جدَّه) ينافيه بل يجب أن يقال حيئنذ: أباه. وقوله: (وتطاوعا) أي: كونا متَّفِقَين مطاوعين ينقاد كل منكما لصاحبه. ٣٧٢٥ - [٤] (ابن عمر) قوله: (إن الغادر ينصب له لواء) الغدر ضد الوفاء،

стр. 3672

هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٧٨، م: ١٧٣٥]. ٣٧٢٦ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٨٦، م: ١٧٣٧]. ٣٧٢٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٣٨]. ــ شاع استعماله في نقض العهد، غدره وبه من باب ضرب ونصر وسمع. وقوله: (فيقال: هذه غدرة) بفتح الغين، أي: علامةُ غَدرةِ فلان. ٣٧٢٦ - [٥] (أنس) قوله: (لكل غادر لواء) في معنى الحديث الأول غير أن هذا الحديث يفيد معنى العموم والتشهير صريحًا. ٣٧٢٧ - [٦] (أبو سعيد) قوله: (عند استه) الاست بكسر الهمزة وسكون المهملة: العَجُز، أو حَلْقةُ الدُّبر، كذا في (القاموس) (١)، وإنما ينصب عند استه تحقيرًا له واستهانة لأمره، كما أن لواء العزة ينصب تلقاء الوجه. وقوله: (يرفع له بقدر غدره) فكلَّما كان الغدرُ أعظمَ وأكثر كان اللواءُ أرفعَ وأشهرَ. وقوله: (ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة) قالوا: المراد بأمير عامة المتغلب الذي يستولي على الأمر بتقديم العوام وسفلات الناس، وتأمرهم إياه من غير استحقاق ولا مشورة من أهل الحل والعقد، وإنما كان أعظم غدرًا لأنه غدر ونقض

стр. 3673

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٧٢٨ - [٧] عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ، . ــ عهد اللَّه ورسوله بتولي ما لا يستحقه ومنعه عمن يستحقه، وعهود المسلمين بالخروج على إمامهم، والتغلب على نفوسهم وأموالهم، فعلى هذا المعنى يكون الحديث في ذم الإمام الغادر، وغدره للأمانة التي قُلِّدها لرعيته، وعلى هذا كان إيراد الحديث مناسبًا للباب، لأنه خانهم وترك الشفقة عليهم والرفق بهم والتيسير عليهم لوقوعهم بذلك في الهرج والمرج والفساد، ويحتمل أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام، لا سيما الغدر على أمير العامة أعني الإمام الأعظم، فإنه أعظم وأشد فتنة وفسادًا، وعلى هذا المناسب إيراد هذا الحديث والحديثين السابقين في الباب المتقدم؛ لأن ظاهرهما في غدر الرعية على الإمام، بل على المعنى الأول صدر هذا الحديث أيضًا، غايته أنه ذكر في آخره غدر الإمام على الرعية أيضًا استطرادًا، فتدبر. الفصل الثاني ٣٧٢٨ - [٧] (عمرو بن مرة) قوله: (عن عمرو بن مرة): بضم الميم وتشديد الراء. وقوله: (فاحتجب دون حاجتهم) أي: منع أرباب الحوائج أن يدخلوا عليه ويعرضوا حوائجهم، والحاجة والخلة -بفتح الخاء- والفقر متقاربة المعنى كررها تأكيدًا، وتصدَّى بعضهم للفرق بينها، وحمل الحاجة على ما لم يبلغ الضرورة، والخَلَّة

стр. 3674

احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ" فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِأَحْمَدَ: "أَغْلَقَ اللَّهُ لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنِهِ". [د: ٢٩٤٨، حم: ٣/ ٤٨٠]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٧٢٩ - [٨] عَنْ أَبِي الشَّمَّاخِ الأَزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَتَى مُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ ولِيَ (١) مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا، ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْمَظْلُومِ، أَوْ ذِي الْحَاجَةِ أَغْلَقَ اللَّهُ دُونَهُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ أَفْقَرَ مَا يَكُونُ إِلَيهِ". ــ على ما هو أشدُّ منه بحيث يختلُّ به أمرُ المَعاش، والفقر أشد من الخلة حملًا له على معنى عدم التملك أصلًا، فيكون ذكرها على سبيل الترقِّي. وقوله: (احتجب اللَّه دون حاجته) أي: أبعده ومنعه عما يطلبه وشماله ويجيب دعوته. الفصل الثالث ٣٧٢٩ - [٨] (أبو الشماخ الأزدي) قوله: (أبي الشماخ) بفتح الشين وتشديد الميم. وقوله: (أفقر ما يكون) حال من ضمير (فقره)، و (ما) مصدرية، والوقت مقدر، والمراد به يوم القيامة.

стр. 3675

٣٧٣٠ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَعَثَ عُمَّالَهُ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا تَرْكَبُوا بِرْذَوْنًا، وَلَا تَأْكُلُوا نَقِيًّا، وَلَا تَلْبَسُوا رَقِيقًا، وَلَا تُغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ دُونَ حَوَائِج النَّاسِ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّتْ بِكُمُ الْعُقُوبَةُ، ثُمَّ يُشَيِّعُهُمْ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٩/ ٤٨٨، ٩/ ٤٩٣]. * * * ــ ٣٧٣٠ - [٩] (عمر بن الخطاب) قوله: (لا تركبوا برذونًا) بكسر الموحدة وفتح الذال المعجمة: التركي من الخيل، والأنثى برذونة خلاف العِرَاب، وإذا جعل علة النهي الخيلاء كان النهي عن العراب أَولى وأَحرى، كذا قال الطيبي (١)، وفي (القاموس) (٢): البرذون: الدابة، وهي بهاء، برذَنَ: قهرَ وغلبَ، وفي (مجمع البحار) (٣): هذا في اللغة، وخصه العرف بنوع من الخيل، و (النَّقيُّ) ما نُخِلَ مرَّة بعد أخرى حتى صار لطيفًا أبيض الذي يقال له بالفارسية: ميده. وقوله: (فقد حلت بكم العقوية) أي: من اللَّه في الدنيا والآخرة، وهو الظاهر، ويحتمل أن يراد حلول العقوبة من جانبه بالزجر والتوبيخ والعزل. وقوله: (ثم يشيعهم) الضمير المستكنُّ لعمر ﵁، والمنصوب للعمال، أي: يمشي معهم، والتشييع والمشايعة المشيُ مع المسافر للتوديع.

стр. 3676

٢ - باب العمل في القضاء والخوف منه * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٧٣١ - [١] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٥٨، م: ١٧١٧]. ٣٧٣٢ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ وَأَصَابَ (١) فَلَهُ أَجْرَانِ، وإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ (٢) فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥٢، م: ١٧١٦]. ــ ٢ - باب العمل في القضاء والخوف منه أي: كيفية العمل فيه بأن يكون بمقتضى الكتاب والسنة أو باجتهاد وبذل المجهود في تحري الخير، والضمير في (منه) إما للقضاء أو للعمل، والأول أظهر. الفصل الأول ٣٧٣١ - [١] (أبو بكرة) قوله: (لا يقضين) بلفظ المعلوم، وفاعله (حكم) بفتحتين أي: حاكمٌ أعمَّ من أن يكونَ قاضيًا أو غيره. وقوله: (وهو غضبان) لأنه يمنعه من التمكن من الاجتهاد والتثبت فيه، وكذلك حكم كل ما يغير من الأحوال كالجوع والعطش والمرض وأمثال ذلك. ٣٧٣٢ - [٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فله أجران) أجر الاجتهاد وأجر الإصابة،

стр. 3677

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٧٣٣ - [٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢٣٠، ت: ١٣٢٥، د: ٣٥٧٢، جه: ٢٣٠٨]. ٣٧٣٤ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أكرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ". . . . . ــ وهذا دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب، والكل مأجور، وتحقيقه في موضعه. الفصل الثاني ٣٧٣٣ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (فقد ذبح بغير سكين) أراد الذبح الغير المتعارف الذي هو عبارة عن هلاك دِينه دون هلاك بدَنه، وذلك أنه ابتلي بالعناء الدائم والداء المعضل، وشتان بين الذبحين، فإن الذبح بالسكين عَناءُ ساعة، والآخر عَناءُ عُمرٍ، بل يعقبُه الندامةُ إلى يوم القيامة، وقيل: معناه أن من جعل قاضيًا ينبغي أن يموت [جميع] دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة فهو مذبوح بغير سكين، قال الطيبي (١): فعلى هذا يكون القضاء مرغوبًا فيه ومحثوثًا عليه، والأول تحذير عن الحرص عليه، وتنبيه على التوقِّي منه، وأنت خبير بأن الحث والترغيب إنما هو على أمانة الشهوات، والدواعي النفسانية على تقدير الابتلاء بالقضاء، وأما بدونه فمحذَّر، فيرجع مآله إلى المعنى الأول في التحذر والتوقي، كما لا يخفى. ٣٧٣٤ - [٤] (أنس) قوله: (يسدده) أي: يعينه ويحمله على الصواب، وهذا

стр. 3678

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٣٢٤، د: ٣٥٧٨، جه: ٢٣٠٩]. ٣٧٣٥ - [٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُل عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْم فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٥٧٣، ت: ١٣٢٢، جه: ٢٣١٥]. ٣٧٣٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٧٥]. ــ كما سبق في (كتاب الإمارة) في الفصل الأول من حديث عبد الرحمن بن سمرة. ٣٧٣٥ - [٥] (بريدة) قوله: (فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به) خص كلمة (أما) الدالة على تأكيد الحكم وتقريره ببيان هذا القسم ترجيحًا لجانب البشارة على الإنذار وتوسعة للرحمة، وإن دل على السببية في القسمين الآخرين أيضًا، فافهم. ٣٧٣٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من طلب قضاء المسلمين. . . إلخ)، قد يختلج أنه قد سبق من طلب القضاء والإمارة وكل إلى نفسه، فكيف قسمه في هذا الحديث إلى من غلب عدله ومن غلب جوره، وحاصل ما يوجه به الكلام أن المراد بالطلب هنا ما يكون للحق واثقًا من نفسه إقامته وطالبًا للتوفيق والتأييد من اللَّه، ومثله لا يكون موكولًا إلى نفسه، وهو الذي غلب عدله جوره. وقوله: (من غلب جوره عدله) إشارة إلى من لا يكون حاله كذلك، وهو يكون

стр. 3679

٣٧٣٧ - [٧] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: "كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ " قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِنْ لَم تَجدْ فِي كتَابِ اللَّهِ؟ " قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ " قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدْره، وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣٢٧، د: ٣٥٩٢، دي: ١/ ٦٠]. ٣٧٣٨ - [٨] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثنَي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلَا عِلْمَ لِي. . . . . ــ موكولًا إلى نفسه فيغلب جوره عدله، وهذا حاصل كلام الطيبي (١)، فافهم. ثم السابق إلى الفهم من قوله: غلب عدله أو جوره أن يزيد أحدهما على الآخر، ويكون أكثر منه مع وجود الآخر في الجملة، فإن الحكم للغالب الأكثر، ولكنهم قالوا: إن المراد في كلتا الحالتين أن يمنعه أحدهما عن الآخر، أي: يقوى عدلُه بحيث لا يدعُ أن يصدر منه جور، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢)، فتدبر. ٣٧٣٧ - [٧] (معاذ بن جبل) قوله: (ولا آلو) أي: لا أقصِّرُ فِي الاجتهاد، والتحرِّي للصواب، والحديث دليل على شرعية القياس، كما تقرر في أصول الفقه. ٣٧٣٨ - [٨] (علي) قوله: (لا علم لي) أي: بكيفية فصل الخصومات وكيفية

стр. 3680

بِالْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبيَنَ لَكَ الْقَضَاءُ"، قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ: "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِرأيِي" فِي "بَابِ الأَقْضِيةِ وَالشَّهَاداتِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ت: ١٣٣١، د: ٣٥٨٢، جه: ٢٣١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٧٣٩ - [٩] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ حَاكمِ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَلَكٌ آخِذٌ بِقَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ــ دفع كل من المتخاصمين كلام الآخر، ومكر أحدهما بالآخر، فإنه كان ﵁ لم يجرِّب ذلك قبل هذا، وإلا فهو كامل العلم بأحكام الدين وقضاء الشرع، وقد ورد: (أقضاكم عليٌّ) (١). وقوله: (فما شككت في قضاء) أي: حكم. الفصل الثالث ٣٧٣٩ - [٩] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (حاكم) عادلًا كان أو ظالمًا. وقوله: (وملك آخذ بقفاه، ثم يرفع رأسه إلى السماء) يدل على كونه مقهورًا في يده كمَن رفع رأسَه الغُلُّ مُقمَحًا، هذه عبارة الطيبي (٢)، ويدل على أنه جعل الضمير
следующие страницы →