٢ - باب العمل في القضاء والخوف منه
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٧٣١ - [١] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٥٨، م: ١٧١٧].
٣٧٣٢ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ وَأَصَابَ (١) فَلَهُ أَجْرَانِ، وإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ (٢) فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥٢، م: ١٧١٦].
ــ
٢ - باب العمل في القضاء والخوف منه
أي: كيفية العمل فيه بأن يكون بمقتضى الكتاب والسنة أو باجتهاد وبذل المجهود في تحري الخير، والضمير في (منه) إما للقضاء أو للعمل، والأول أظهر.
الفصل الأول
٣٧٣١ - [١] (أبو بكرة) قوله: (لا يقضين) بلفظ المعلوم، وفاعله (حكم) بفتحتين أي: حاكمٌ أعمَّ من أن يكونَ قاضيًا أو غيره.
وقوله: (وهو غضبان) لأنه يمنعه من التمكن من الاجتهاد والتثبت فيه، وكذلك حكم كل ما يغير من الأحوال كالجوع والعطش والمرض وأمثال ذلك.
٣٧٣٢ - [٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فله أجران) أجر الاجتهاد وأجر الإصابة،
стр. 3677
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٧٣٣ - [٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢٣٠، ت: ١٣٢٥، د: ٣٥٧٢، جه: ٢٣٠٨].
٣٧٣٤ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أكرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ". . . . .
ــ
وهذا دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب، والكل مأجور، وتحقيقه في موضعه.
الفصل الثاني
٣٧٣٣ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (فقد ذبح بغير سكين) أراد الذبح الغير المتعارف الذي هو عبارة عن هلاك دِينه دون هلاك بدَنه، وذلك أنه ابتلي بالعناء الدائم والداء المعضل، وشتان بين الذبحين، فإن الذبح بالسكين عَناءُ ساعة، والآخر عَناءُ عُمرٍ، بل يعقبُه الندامةُ إلى يوم القيامة، وقيل: معناه أن من جعل قاضيًا ينبغي أن يموت [جميع] دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة فهو مذبوح بغير سكين، قال الطيبي (١): فعلى هذا يكون القضاء مرغوبًا فيه ومحثوثًا عليه، والأول تحذير عن الحرص عليه، وتنبيه على التوقِّي منه، وأنت خبير بأن الحث والترغيب إنما هو على أمانة الشهوات، والدواعي النفسانية على تقدير الابتلاء بالقضاء، وأما بدونه فمحذَّر، فيرجع مآله إلى المعنى الأول في التحذر والتوقي، كما لا يخفى.
٣٧٣٤ - [٤] (أنس) قوله: (يسدده) أي: يعينه ويحمله على الصواب، وهذا
стр. 3678
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٣٢٤، د: ٣٥٧٨، جه: ٢٣٠٩].
٣٧٣٥ - [٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُل عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْم فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٥٧٣، ت: ١٣٢٢، جه: ٢٣١٥].
٣٧٣٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٧٥].
ــ
كما سبق في (كتاب الإمارة) في الفصل الأول من حديث عبد الرحمن بن سمرة.
٣٧٣٥ - [٥] (بريدة) قوله: (فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به) خص كلمة (أما) الدالة على تأكيد الحكم وتقريره ببيان هذا القسم ترجيحًا لجانب البشارة على الإنذار وتوسعة للرحمة، وإن دل على السببية في القسمين الآخرين أيضًا، فافهم.
٣٧٣٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من طلب قضاء المسلمين. . . إلخ)، قد يختلج أنه قد سبق من طلب القضاء والإمارة وكل إلى نفسه، فكيف قسمه في هذا الحديث إلى من غلب عدله ومن غلب جوره، وحاصل ما يوجه به الكلام أن المراد بالطلب هنا ما يكون للحق واثقًا من نفسه إقامته وطالبًا للتوفيق والتأييد من اللَّه، ومثله لا يكون موكولًا إلى نفسه، وهو الذي غلب عدله جوره.
وقوله: (من غلب جوره عدله) إشارة إلى من لا يكون حاله كذلك، وهو يكون
стр. 3679
٣٧٣٧ - [٧] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: "كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ " قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِنْ لَم تَجدْ فِي كتَابِ اللَّهِ؟ " قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ " قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدْره، وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣٢٧، د: ٣٥٩٢، دي: ١/ ٦٠].
٣٧٣٨ - [٨] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثنَي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلَا عِلْمَ لِي. . . . .
ــ
موكولًا إلى نفسه فيغلب جوره عدله، وهذا حاصل كلام الطيبي (١)، فافهم.
ثم السابق إلى الفهم من قوله: غلب عدله أو جوره أن يزيد أحدهما على الآخر، ويكون أكثر منه مع وجود الآخر في الجملة، فإن الحكم للغالب الأكثر، ولكنهم قالوا: إن المراد في كلتا الحالتين أن يمنعه أحدهما عن الآخر، أي: يقوى عدلُه بحيث لا يدعُ أن يصدر منه جور، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢)، فتدبر.
٣٧٣٧ - [٧] (معاذ بن جبل) قوله: (ولا آلو) أي: لا أقصِّرُ فِي الاجتهاد، والتحرِّي للصواب، والحديث دليل على شرعية القياس، كما تقرر في أصول الفقه.
٣٧٣٨ - [٨] (علي) قوله: (لا علم لي) أي: بكيفية فصل الخصومات وكيفية
стр. 3680
بِالْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبيَنَ لَكَ الْقَضَاءُ"، قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ: "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِرأيِي" فِي "بَابِ الأَقْضِيةِ وَالشَّهَاداتِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ت: ١٣٣١، د: ٣٥٨٢، جه: ٢٣١].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٧٣٩ - [٩] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ حَاكمِ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَلَكٌ آخِذٌ بِقَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ،
ــ
دفع كل من المتخاصمين كلام الآخر، ومكر أحدهما بالآخر، فإنه كان ﵁ لم يجرِّب ذلك قبل هذا، وإلا فهو كامل العلم بأحكام الدين وقضاء الشرع، وقد ورد: (أقضاكم عليٌّ) (١).
وقوله: (فما شككت في قضاء) أي: حكم.
الفصل الثالث
٣٧٣٩ - [٩] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (حاكم) عادلًا كان أو ظالمًا.
وقوله: (وملك آخذ بقفاه، ثم يرفع رأسه إلى السماء) يدل على كونه مقهورًا في يده كمَن رفع رأسَه الغُلُّ مُقمَحًا، هذه عبارة الطيبي (٢)، ويدل على أنه جعل الضمير
стр. 3681
فَإِنْ قَالَ: أَلْقِهْ أَلْقَاهُ فِي مَهْوَاةٍ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٤٠٩٧، جه: ٢٣١١، شعب: ٧١٢٧].
ــ
في (يرفع) للملك وفي (رأسه) للحاكم، كأنه شبه رفع الملك رأسه برفع الغُلِّ رأسَ المغلول، فإن المغلول يكون رأسه مرفوعًا إلى السماء لا يستطيع أن يتحرك، يقال: أقمَحَه الغُلُّ: إذا ترك رأسَه مرفوعًا من ضيقِه، هذا والظاهر عندنا أن يكون ضمير (رأسه) أيضًا للملك كضمير (يرفع) أي: ينتظرُ حكمَ اللَّه فيه كما هو عادة من يقيم عاصيًا عند السلطان، فيأخذ قفاه وينظر إلى السلطان مستو على مكان عالٍ، وينتظر ما يحكم فيه، وهذا المعنى أشد ملاءَمةً بقوله: (فإن قال) أي: اللَّه سبحانه: (ألقه) في جهنم، (ألقاه) الملَكُ (في مهواة أربعين خريفًا) والمهواة محل سقوط، والهُوَّة على وزن القوة: ما انهبط من الأرض، أو الوهدة، والمهواة كالهواء: الجوّ، وهَوى الشئُ: سقطَ من علو إلى سُفْلٍ كأهوى وانهوى، كذا في (القاموس) (١).
و(الخريف): الزمان المعروف من فصول السنة، والمراد به السنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، ولأنهم يعتبرون ابتداء السنة منه، ولذا خصه بالذكر، والمراد بالأربعين المبالغة في عمق المهواة لا التحديد بهذه المدة، ومهواة منون في أكثر الروايات، وجاء بالإضافة، وهذا يكون في الحاكم إن كان ظالما، ودلّ بقوله: (فإن قال: ألقه) على ما يقابله، أي: وإن قال: أَدْخِلِ الجنةَ أُدْخِلَها، وهذا كحديث أبي أمامة المذكور في الفصل الثالث من (كتاب الإمارة والقضاء) من قوله: (ما من رجل يلي أمرَ عشرةٍ فما فوقَ ذلك إلا أتى اللَّه مغلولًا يوم القيامة يده إلى عنقه، فكَّه برُّه أو أوبقَه إثمُه)، وكان قوله في ذلك الحديث: مغلولًا هو الذي حمل الطيبي على
стр. 3682
٣٧٤٠ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي ثَمْرَةٍ (١) قَطُّ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٧٥].
٣٧٤١ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ: "فَإِذَا جَارَ وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ". [ت: ١٣٣٠، جه: ٢٣١٢].
٣٧٤٢ - [١٢] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ مُسْلِمًا وَيَهُودِيًّا اخْتَصَمَا إِلَى عُمَرَ، فَرَأَى الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ، فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بِهِ،
ــ
تفسير قوله في هذا الحديث: (ثم يرفع رأسه إلى السماء) برفع الغُلِّ رأسَ المغلول، ولا حاجة إليه على ما ذكرنا من التفسير، فتأمل.
٣٧٤٠ - [١٠] (عائشة) قوله: (يوم القيامة) بالرفع فاعل (ليأتين)، و (يتمنى) حال من القاضي أو منه بتقدير يتمنى فيه، وقد روي بالنصب والفاعل يتمنى بتقدير (أنْ)، وفي التقييد بالعدل مبالغة يعني إذا كان حال القاضي العدل هذا فكيف بغيره.
٣٧٤١ - [١١] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (اللَّه) وفي بعض النسخ: (إن اللَّه)، (مع القاضي) أي: بالنصر والإعانة.
٣٧٤٢ - [١٢] (سعيد بن المسيب) قوله: (فقضى له) أي: لليهودي (عمر به) أي بالحق.
стр. 3683
فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ إِلَّا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ، يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٧١٩].
٣٧٤٣ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ مَوْهَبٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: اقْضِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ: أَوَ تُعَافِيني؟ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: وَمَا تَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يَقْضِي؟ قَالَ: لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِالْعَدْلِ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كَفَافًا". . . . .
ــ
وقوله: (لقد قضيت بالحق) إذ لم تمل إلى من هو على دينك، فهذا بتوفيق اللَّه وتسديده، فينطبق جواب اليهودي في مقابلة قول عمر: (وما يدريك؟ )، فافهم. و (الدرة) بكسر الدال وتشديد الراء، وضربه كان بطريق الرفق والمطايبة، كما هو العادة، لا ضربًا مبرحًا.
٣٧٤٣ - [١٣] (ابن موهب) قوله: (وعن ابن موهب) بفتح الهاء.
وقوله: (أو تعافيني؟ ) بالواو بعد الهمزة والمعطوف عليه محذوف، أي: أترحم وتعافيني؟
وقوله: (فبالحري) الرواية المشهورة بكسر الراء وتشديد الياء بلفظ الصفة على وزن فَعِيل بمعنى الخَلِيق والجَدِير، فالباء زائدة وهو مبتدأ ما بعده خبره، وقد يروى بلفظ المصدر بفتحتين مقصورًا، فالباء للملابسة والإعراب على العكس.
وقوله: (أن ينقلب منه كفافًا) بالفتح هذا اللفظ أخذه ابن عمر من كلام أبيه ﵄، فقد وقع في حديث عمر: ودِدتُ أن سلِمتُ من الخلافة كفافًا لا عليَّ ولا لي، قال
стр. 3684
فَمَا رَاجَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٢٢].
٣٧٤٤ - [١٤] وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَا أَقْضِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ، قَالَ: فَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ يَقْضِي فَقَالَ: إِنَّ أَبِي لَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ أُشْكِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ شَيْءٌ سَأَلَ جِبْرِيلَ ﵇، وَإِنِّي لَا أَجِدُ مَنْ أَسْأَلُهُ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ عَاذَ بِاللَّهِ، فَقَدْ عَاذَ بِعَظِيمِ" وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ عَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوه" وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَجْعَلَنِي قَاضِيًا فَأَعْفَاهُ، قَالَ: لَا تُخْبِرْ أَحَدًا. [حم: ١/ ٦٦، صحيح ابن حبان: ١١/ ٤٤٠ مختصرًا].
* * *
ــ
في (النهاية) (١): الكفاف هو الذي لا يفضُلُ عن الشيء، ويكون مقدارَ الحاجة إليه، وهو نصب على الحال، وقيل: أراد به مكفوفًا عني شرُّها، وقيل: معناه أن لا تنال مني ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها.
٣٧٤٤ - [١٤] (نافع) قوله: (فإن أباك كان يقضي) المراد أنه كان يقضي في زمن رسول اللَّه ﷺ كما لا يخفى.
وقوله: (وإني لا أجد من أسأله) أي: مَن يُقطَعُ بصوابه كالنبي ﷺ ، فافهم.
وقوله: (لا نجبر) بلفظ المتكلم من الإجبار بمعنى الإكراه، وفي بعض النسخ: (لا تخبر) بلفظ النهي من الإخبار بمعنى الإعلام، واللَّه أعلم.
стр. 3685
٣ - باب رزق الولاة وهداياهم
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٧٤٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ، أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣١١٧].
ــ
٣ - باب رزق الولاة وهداياهم
يعني ما لهم من النصيب في بيت المال، وما يرزقون من أقوات أنفسهم وعيالهم ومسكنهم وغير ذلك، وليس لهم أن يتصرَّفوا فيه كل ما شاء أو ما يهدي الناس إليهم، كما يظهر من الأحاديث المذكورة في الباب، والرزق إن كان اسمًا فالإضافة بمعنى اللام، وإن حمل على معنى المصدر فالظاهر أنه إضافة إلى المفعول، وقول الطيبي (١): هو من إضافة المصدر إلى الفاعل، لا يظهر وجهه، فإن الولاة مرزوقون، نعم هم رازقون على أنفسهم من قبل الشرع، لكن تلك الحيثية ليست بمرادة هنا، ثم استدلاله على ذلك بقوله ﷺ : (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا) لا يخلو عن غرابة، فإن الضمير في رزقناه للعامل، وهو الوالي فيكون مرزوقًا، فافهم.
الفصل الأول
٣٧٤٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما أعطيكم ولا أمنعكم) أي: ما أعطي أحدًا شيئًا تميل نفسي إليه وشهوتها، وكذا المنع، بل كل ذلك بأمر اللَّه تعالى، اعلم أنهم حملوا الإعطاء والمنع على إعطاء المال ومنعه، وقد يحمل على تبليغ الوحي والعلم والأحكام، يعني أن اللَّه تعالى يعطي كل واحد من العلم والفهم على قدر ما تعلقت
стр. 3686
٣٧٤٦ - [٢] وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقِّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣١١٨].
٣٧٤٧ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي. . . . .
ــ
به إرادته.
٣٧٤٦ - [٢] (خولة الأنصارية) قوله: (وعن خولة) بفتح المعجمة وسكون الواو.
وقوله: (إن رجالًا يتخوضون في مال اللَّه بغير حق) الخوض: الدخول في الماء، خاض الماء يخوضه خوضًا وخياضًا: دخله، كذا في (القاموس) (١)، ويستعمل للدخول في أمر باطل، والمراد هنا التصرف في بيت المال والغنائم ونحوها بغير حق، والأخذ منها زيادة على ما شرع، وهذا يعمّ تصرف الولاة والرعايا وأخذهم زيادة على رزقهم ونصيبهم.
٣٧٤٧ - [٣] (عائشة) قوله: (لقد علم قومي) المراد به قريش أو المسلمون.
وقوله: (أن حرفتي) وهي ما كان يشتغل به قبل الخلافة من التجارة، وكان ﵁ تاجرًا في البز، وقالوا: وكان عمر ﵁ يتجر في الطعام، وعثمان في التمر والبز، وعباس في العطر، كذا قال الشُّمُنِّي، وقيل: أفضل أنواع التجارة البز، ثم العطر، وفي حديث أبي سعيد ﵁: لو اتجر أهل الجنة لا تجروا في البز، ولو اتجر أهل النار
стр. 3687
لَمْ تَكُنْ تَعْجزُ عَنْ مُؤْنَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٧٠].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٧٤٨ - [٤] عَنْ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ، فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٤٣].
ــ
لا تجروا في الصرف، رواه أبو منصور في (مسند الفردوس) (١).
وقوله: (من هذا المال) إشارة إلى مال بيت المال.
وقوله: (ويحترف) أي: أبو بكر، أي: يعملُ، ذكره بلفظ الحرفة مشاكلة، والحرفة، بالكسر: الطعمة، والصناعة يُرْتَزَقُ منها، وكل ما اشتغل الإنسان به يسمى صنعة وحرفة، لأنه ينحرف إليها، كذا في (القاموس) (٢)، وما أحسن ذكره ﵁ نفسه بطريق الغيبة في هذا المقام، كأنه واحد من المسلمين، عامل وخادم لهم يأخذ أجرته، وهذا اعتذار منه عن إنفاقه على نفسه وأهله من بيت مال المسلمين.
الفصل الثاني
٣٧٤٨ - [٤] (بريدة) قوله: (فما أخذ بعد ذلك) أي: زيادة عليه (فهو غلول) أي: خيانة، والغلول: الخيانة أو خاص بالفيء، كذا في "القاموس" (٣).
стр. 3688
٣٧٤٩ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَمَّلَنِي". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٤٤].
٣٧٥٠ - [٦] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمَّا سِرْتُ، أَرْسَلَ فِي أثَرِي، فَرُدِدْتُ فَقَالَ: "أَتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إِلَيْكَ؟ لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي، فَإِنَّهُ غُلُولٌ ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] لِهَذَا دَعَوْتُكَ فَامْضِ لِعَمَلِكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٣٥].
٣٧٥١ - [٧] وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً،
ــ
٣٧٤٩ - [٥] (عمر) قوله: (فعملني) بالتشديد أي: أعطاني العمالة، والعملة بالضم والعمالة مثلثة: أجر العمل، وعمّله تعميلًا: أعطاها إياه.
٣٧٥٠ - [٦] (معاذ) قوله: (فرددت) بلفظ المجهول من الردِّ.
وقوله: (ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة) اقتباس لآية القرآن، والمراد بما غل جزاؤه، وهو ما جاء في الحديث (١): (لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامة على رقبته بعيرٌ له رُغاءٌ) الحديث.
وقوله: (فامض) أمر من مضى يمضي، أي: اذهَبْ.
٣٧٥١ - [٧] (المستورد بن شداد) قوله: (وعن المستورد) بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح التاء وكسر الراء.
وقوله: (من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة) الحديثُ دلَّ على أنه يحل للعامل
стр. 3689
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا". وَفِي رِوَايَةٍ: "مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٤٥].
٣٧٥٢ - [٨] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ عُمِّلَ مِنْكُمْ لَنَا عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِنْهُ مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غَالٌّ، يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالَ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: "وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ،
ــ
أن يأخذ من بيت المال قدر مهر زوجه ونفقتها وكسوتها، وما يحصل به خادمًا أو مسكنًا، كل ذلك على قدر ما لا بد منه من غير تنعُّم وإسراف، وما زاد على ذلك فهو حرام.
٣٧٥٢ - [٨] (عدي بن عميرة) قوله: (وعن عدي بن عميرة) بفتح العين وكسر الميم.
وقوله: (من عمل) بالتشديد على لفظ المجهول، أي: جُعِلَ عاملًا.
وقوله: (فكتمنا) بالضمير المنصوب، و (من) تبعيضية متعلق بالمخيط، والمراد ما فوقه في الحقارة.
وقوله: (اقبل عني عملك) أي: أَقِلْنِي منه.
وقوله: (وما ذاك؟ ) أي: ما الذي حملك على هذا القول؟
وقوله: (وأنا أقول ذلك) أي: لا أرجع عنه.
стр. 3690
مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ؛ فَلْيَأْتِ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِه فَمَا أُوتيَ مِنْهُ أَخَذَهُ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ. [م: ١٨٣٣، د: ٣٥٨١].
٣٧٥٣ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِي". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٥٨٠، جه: ٢٣١٣].
٣٧٥٤ - [١٠] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ت: ١٣٣٦].
٣٧٥٥ - [١١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" عَنْ ثَوْبَانَ، وَزَادَ: "وَالرَّائِشَ" يَعْنِي: الَّذِي. . . . .
ــ
وقوله: (من استعملناه. . . إلخ)، تكرير للمعنى وتأكيد له.
وقوله: (فما أوتي منه) أي: ما أعطي من ذلك العمل وأجره.
٣٧٥٣ - [٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لعن رسول اللَّه ﷺ الراشي): وهو المعطي، (والمرتشي) وهو الآخذ، والرائش الساعي بينهما يستزيد لهذا أو يستنقص لهذا، والرشوة بالكسر والضم: وُصْلة إلى الحاجة بالمصانعة، من الرِّشاء المتوصَّل به إلى الماء، وأما من يعطي توصلًا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه، كذا في (النهاية) (١)، وفي بعض الحواشي: هذا ينبغي أن يكون في غير القضاة والولاة؛ لأن السعي في إصابة الحق إلى مستحقه ودفع الظلم عن المظلوم واجب عليهم، فلا يجوز لهم الأخذ عليه، وأيضًا قيل: إذا كان عملٌ يستأجَرُ عليه بمقدار هذه الأجرة فيأخذها لا يحرم، وأما كلمةٌ أو عملٌ قليل لا يؤخذ عليه هذه الأجرةُ فهو حرام.
٣٧٥٤، ٣٧٥٥، ٣٧٥٦ - [١٠، ١١، ١٢] (أبو هريرة، وثوبان، وعمرو
стр. 3691
يَمْشِي بَيْنَهُمَا. [حم: ٥/ ٢٧٩، شعب: ٧/ ٣٥٤].
٣٧٥٦ - [١٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنِ اجْمَعْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ وَثِيَابَكَ، ثُمَّ ائْتِنِي" قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يتَوَضَّأُ فَقَالَ: "يَا عَمْرُو! إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِأَبْعَثَكَ فِي وَجْهٍ يُسَلِّمُكَ اللَّهُ وَيُغَنِّمُكَ، وَأَزْعَبَ لَكَ زَعْبَةً مِنَ الْمَالِ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! مَا كَانَتْ هِجْرَتِي لِلْمَالِ، وَمَا كَانَتْ إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولهِ قَالَ: "نِعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ وَفِي رِوَايتِهِ: قَالَ: "نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ". [شرح السنة: ١٠/ ٩١، حم: ٤/ ١٩٧].
ــ
ابن العاص) قوله: (في وجه) أي: في جهة من العمل، أو في جانب من الأرض.
وقوله: (يسلمك اللَّه ويغنمك) كلاهما بالتشديد، أي: يردك سالمًا ويرزقك الغنيمة، أي: ترجع سالمًا غانمًا، (وأزعب) بالزاي والعين المهملة بالرفع، أي: وأنا أزعب لك، وبالنصب عطف على (أبعثَكَ)، أي: أقطع لك قطعة من المال، في (القاموس) (١): زعبه: قطعه، وزعب له من المال زُعبة بالضم وزِعبًا بالكسر: دفع له قطعة منه.
وقوله: (نعما بالمال) أي: نعم شيئًا المال الصالح، والباء زائدة، و (ما) تامة بمعنى شيئًا تمييز للضمير المبهم أدغمت في ميم نعم، كما في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا
стр. 3692
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٧٥٧ - [١٣] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَفَعَ لِأَحَدٍ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٤١].
* * *
٤ - باب الأقضية والشهادات
ــ
هِيَ﴾ أي: المال الصالح ما يكسبه من الحلال، والصلاح ضد الفساد.
الفصل الثالث
٣٧٥٧ - [١٣] (أبو أمامة) قوله: (فأهدي له) بلفظ المجهول والمعلوم روايتان.
وقوله: (من أبواب الربا) لا يخفى أن هذه رشوة، ولعله سماها ربًا لكونه خاليًا عن العِوَض.
٤ - باب الأقضية والشهادات
أراد بالأقضية الوقائع التي ترفع إلى الحاكم ليقضي فيها ويحكم، والشهادة والشهود والمشاهدة في الأصل بمعنى الحضور والإدراك بالبصر، وقد يطلق على العلم اليقيني بالبصيرة، ويجيء بمعنى الخبر القاطع الصادر بمواطأة القلب، وفي الشرع: الإخبار بحقٍّ للغير على آخر كالإقرار إخبار بحق الغير على المخبِر، والدعوى إخبار بحق للمخبر على الغير، وجمع الشهادات هنا لموافقة الأقضية باعتبار المواد.
стр. 3693
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٧٥٨ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى ناسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي "شَرْحِهِ" لِلنَّوَوِيِّ أَنَّه قَالَ: وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، أَوْ صحِيحٍ، زِيَادَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: "لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ". [م: ١٧١١].
٣٧٥٩ - [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ. . . . .
ــ
الفصل الأول
٣٧٥٨ - [١] (ابن عباس) قوله: (بدعواهم) أي: بمجرد دعواهم من غير بينة.
وقوله: (لادعى ناس) أي: أخَذَ، وضع السببَ مقامَ المسبَّب.
وقوله: (ولكن اليمين على المدعى عليه) لم يذكر في هذه الرواية طلب البينة كأنه ثابت مقرر في الشرع فكأنه قال: ولكن البينة على المدعي فإن لم يكن بينة فاليمين على المدعى عليه، كما جاء في الرواية التي ذكرها من ابن عباس.
٣٧٥٩ - [٢] (ابن مسعود) قوله: (من حلف على يمين صبر) بالإضافة، والصبر في المشهور نقيض الجزع، وهو في الأصل الحبس واللزوم، وإنما سميت يمين صبر لتوقف الحكم وحبسه عليها وكونها لازمة لصاحبها وكونه مجبورًا ومحبوسًا عليها من جهة الحكم، وقيل لها: مصبورة أيضًا، وإن كان المصبورُ في الحقيقة صاحبَها، ولكنه لما صبر من أجلها وصفت بالصبر وأضيف إليها، وقيل: يمين الصبر هي التي يكون الحالف فيها متعمِّدًا للكذب قاصدًا لإذهاب مال المسلم، ولذا قال:
стр. 3694
وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلى آخِرِ الآيَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٤٩، م: ١٣٨].
٣٧٦٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: "وَإنْ كَانَ قَضيبًا مِنْ أَرَاكٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [١٣٧].
٣٧٦١ - [٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ،
ــ
(وهو فيها فاجر) أي: كاذب فاسق (يقتطع بها مال امرئ مسلم) أي يقصد قطعه، وعلى بمعنى الباء، أي: حلف بهذا القسم من الحلف، وقال التُّورِبِشْتِي (١): أقام اليمين مقام المحلوف عليه، أو أراد حلف على تلك الصفة والطريقة.
وقوله: (يشترون بعهد اللَّه) أي: بما عهد إليهم من أداء الأمانة.
٣٧٦٠ - [٣] (أبو أمامة) قوله: (فقد أوجب اللَّه له النار) يعني أنه استحق النار على التأبيد، ولكن العفو باقٍ أو محمول على الاستحلال.
وقوله: (وإن كان قضيبًا من أراك) في (القاموس) (٢): القضب: كل شجرة طالت وبسطت أغصانها، وما قطعت من الأغصان للسهام أو القِسِيِّ.
٣٧٦١ - [٤] (أم سلمة) قوله: (إنما أنا بشر) يعني أني إن تركت على ما جُبِلتُ
стр. 3695
وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذَنَّهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٦٧، م: ١٧١٣].
٣٧٦٢ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٥٧، م: ٢٦٦٨].
ــ
عليه من القضايا البشرية ولم أُؤيَّدْ بالوحي، طرأ علي منها ما يطرأ على سائر البشر.
وقوله: (أن يكون) ولعل دخول (أنْ) في خبر (لعلَّ) لحملها على معنى عسى.
وقوله: (ألحن بحجته) أي: ألسنَ وأفصحَ وأبينَ كلامًا وأقدر على الحجة، ويقال: لحن كفرح، أي: فطِنَ، واللحن قد يطلق على الخطأ في الكلام، وعدم التصريح بالمقصود، وعلى الطرب في الصوت، وعلى معنى الفطانة، وهو المراد ههنا.
وقوله: (فأقضي له على نحو ما أسمع منه) وهذا على خلاف ما حكم به ﷺ باجتهاده، فإنه لا يقر فيه على الخطأ على ما يقرر في أصول الفقه، فإن الحكم في هذه الصورة ليس بالاجتهاد بل بالسماع من الشهود، كما لا يخفى.
٣٧٦٢ - [٥] (عائشة) قوله: (الألد الخصم) بكسر الصاد، في (القاموس) (١): الألد الخصم: الشحيح الذي لا يزيغ إلى الحق كالألندد واليلندد، والخصومة: الجدل، ورجل خصم: مجادل، وبناؤه للمبالغة، قال صاحب (النهاية) (٢): فالأول منبئ عن
стр. 3696
٣٧٦٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهَدٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧١٢].
ــ
الشدة، والثاني عن الكثرة، قال الطيبي (١): هذا إذا قيد الألد بالخصومة فرارًا عن التكرار، وإذا ترك على أصله يكون المعنى أنه شديد في نفسه بليغ في خصومته فلا يلزم التكرار، وعليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، في (الكشاف) (٢): أي شديدُ الجِدال، انتهى.
الظاهر أن الألدَّ معناه الخصِمُ الشديد، لا الشديد مطلقًا، كما نقلنا في (القاموس)، نعم في مادته معنى الشدة، وما ذكره من الآية وقول صاحب (الكشاف) ليس صريحًا في أنه بمعنى الشديد مطلقًا، ولو أريد به معنى الأشد كان تجريدًا، فافهم.
٣٧٦٣ - [٦] (ابن عباس) قوله: (قضى بيمين وشاهد) أي: إن كان للمدعي شاهد واحد فأمره ﷺ أن يحلف على ما يدَّعيه بدلًا عن الشاهد الآخر، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الحكم بالشاهد واليمين، بل لا بد من شاهدين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولا يجوز نسخ الكتاب بخبر واحد محتمل، وأيضًا اللام في البينة واليمين للاستغراق، ليكون جميع البينات في جانب المدعي، وجميع الأيمان في جانب المنكر، قال التُّورِبِشْتِي (٣): ووجه الحديث عند من لا يرى القضاء لليمين والشاهد الواحد أنه قضى بيمين المدَّعَى عليه
стр. 3697
٣٧٦٤ - [٧] وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُل مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي وَفِي يَدِي، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: "ألكَ بَيِّنةٌ" قَالَ: لَا، قَالَ: "فَلَكَ يَمِينُهُ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ، لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، قَالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ"، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ: "لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٩].
ــ
بعد أن أقام المدعي شاهدًا واحدًا، وعجز عن إتمام البينة، والتوفيق بذلك لم يروا أن يحكموا بأقل من ذلك إلا بدليل مقطوع به، انتهى. قال الطيبي (١): وخلافهم في الأموال، فأما إذا كان الدعوى في غير الأموال فلا يقبل شاهد ويمين بالاتفاق.
٣٧٦٤ - [٧] (علقمة بن وائل) قوله: (من كندة) بكسر الكاف أبو حي من اليمن، و (حضرموت) أيضًا بلدة من اليمن.
وقوله: (فانطلق ليحلف) في الحاشية برمز (ع): لعل الانطلاق باعتبار أن عند الشافعي يتوضأ من يحلف، وأيضًا في وقت خاص كبعد العصر أو يوم الجمعة، انتهى. ويحتمل أن يكون انطلاقه إلى المنبر الشريف فإنهم كانوا يحلفون عنده، وقد ورد الوعيد على من حلف كاذبًا كما يجيء في الفصل الثاني، ويجوز أن يكون انطلق في الأفعال الناقصة كذهب، ولكنه يأباه قوله: (لما أدبر) فتدبر.
стр. 3698
٣٧٦٥ - [٨] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦١].
٣٧٦٦ - [٩] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧١٩].
٣٧٦٧ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونهمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونهمْ، ثُمَّ يَجيءُ. . . . .
ــ
٣٧٦٥ - [٨] (أبو ذر) قوله: (من ادعى ما ليس له) الظاهر أنه في الأملاك، ويشتمل بعمومه النسب ونحوه، (وليتبوأ مقعده من النار) فيه تشديد عظيم.
٣٧٦٦ - [٩] (زيد بن خالد) قوله: (الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) بلفظ المجهول، الأصل عندنا أن لا يشهد إلا أن يُطلَب منه الشهادة، ويجب أن يشهد بعد الطلب، وسترُها في الحدود أفضلُ، وقد ورد في مذمة قوم: (يشهدون ولا يستشهدون)، فذكروا لهذا الحديث تأويلين، أحدهما: أنه محمول على مَن عنده شهادة لأحدٍ بحقٍّ ولا يعلم المدعي أنه شاهد فيخبره أنه شاهد له، والثاني: أن هذا في حقوق اللَّه كالزكاة والكفارات ورؤية الهلال والوقف والوصايا، ونحو ذلك، فيجب إعلام الحاكم بذاك، وقد تؤول بأنه محمول على المبالغة والمسارعة في أداء الشهادة بعد طلبها، وقوله: (يشهدون ولا يستشهدون) محمول على ما عدا ذلك، وقيل: إنه كناية عن شهادة الزور أو عن شهادة من ليس أهلًا لها، أي: ليس ممن يستشهد، ولا يخلو عن تكلف.
٣٧٦٧ - [١٠] (ابن مسعود) قوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) القرن: جماعة مقارنة في الزمان، وقد يعين له زمان كمئة سنة أو ثلاثون أو غيرهما، والمراد بـ (قرني) الصحابةُ، وقيل: كل من كان حيًّا في زمنه ﷺ ،
стр. 3699
قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادتَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥١، م: ٢٥٣٣].
٣٧٦٨ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمْرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٧٤].
ــ
وسيأتي تحقيق هذا الحديث في آخر الكتاب في (باب فضل الصحابة) إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: (تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) قيل: هو كناية عن الحرص على الشهادة واليمين، فتارة يقدم هذه وأخرى تلك، أو مثَلٌ فِي سرعة الشهادة واليمين حتى لا يدرى بأيتهما ابتدأ لقلة مبالاته بالدين، وقيل: عبارة عن كثرة شهادة الزور واليمين الفاجرة، وقيل: يروج تارة شهادته باليمين، ويقول: واللَّه إني شاهد صدق، وبالعكس كأنْ يقول: الناس شاهدون على صدق يميني.
٣٧٦٨ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف) يفهم من ظاهر الحديث أنه ادعى رجل على جماعة فأنكروا، فعرض على تلك الجماعة اليمين فأسرعوا، فلم يُحلِّف رسول اللَّه ﷺ الجماعةَ بل أمر أن يقرع بينهم، ويحلف من خرجت القرعة باسمه، هذا ولكن الشارحين صوّروه بصورة أخرى، وهو ما نقل الطيبي (١) أن صورة المسألة أن رجلين إذا تداعيا متاعًا في يد ثالث، ولم يكن لهما بينة أو لكل واحد منهما بينة، وقال الثالث: لم أعلم بذلك، فحكمها أن يقرع بين المتداعيين فأيهما خرجت القرعة يحلف
стр. 3700
* الْفَصْلُ الثَّانِى:
٣٧٦٩ - [١٢] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِى وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت ١٣٤١].
٣٧٧٠ - [١٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِي مَوَارِيثَ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ. . . . .
ــ
معها ويقضى له بذلك المتاع، يعني أن المدعى عليه غير منكر، بل يقول: لا أعلم لمن هو، ففي هذه الصورة يحلف أحد المتداعيين الذي خرجت له القرعة، وكان ذلك لكون كل منهما منكرًا لحق الآخر، واللَّه أعلم. قال: وبهذا قال علي ﵁، وقال الشافعي: يترك في يد الثالث، وعند أبي حنيفة يجعل بين المتداعيين نصفين، وقيل: هذا في قول من الشافعي، وفي القول الآخر لم يقرع، وقول آخر مثل قول أبي حنيفة، والقرعة مذهب مالك أنه يقضي بأعدل البينتين.
الفصل الثاني
٣٧٦٩ - [١٢] (عمرو بن شعيب) قوله: (واليمين على المدعى عليه) يعني إن طلب المدعي اليمينَ منه، فلو حلَّفَ القاضي بغير طلب المدعي، ثم طلب المدعي التحليف فله أن يحلِّفه، كذا في (الفصول العمادية).
٣٧٧٠ - [١٣] (أم سلمة) قوله: (اختصما إليه في مواريث) أي: ادعيا في أموال وأمتعة، فقال أحدهما: هذه لي ورثتها من مورِّثي، وقال آخر كذلك.
وقوله: (لم تكن لهما بينة) صفة أخرى لرجلين أو المواريث بحذف العائد، والأول أولى وأوجه.
стр. 3701
إِلَّا دَعْوَاهُمَا فَقَالَ: "مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"، فَقَالَ الرَّجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَقِّي هَذَا لِصَاحِبِي، فَقَالَ: "لَا، وَلَكِنِ اذْهَبَا، فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لْيُحَلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ" وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِرَأْيِي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٨٤].
ــ
وقوله: (إلا دعواهما) استثناء منقطع، أو هو من باب التعليق بالمُحَالِ، أي: لا بينة إلا الدعوى، والدعوى ليست ببينة فلا بينة قطعًا.
وقوله: (كل واحد) بدل من الرجلان.
وقوله: (وتوخيا) أي: اعدلا في القسمة واقصدا الحق فيها، أمر من التوخي التفعُّل من الوخي، وهو السير القصد لا بطيئًا ولا سريعًا، ويجيء بمعنى القصد، يقال: وخَيْتُ وَخْيَكَ، أي: قصدتُ قصدَكَ، كذا في (الصحاح) (١)، وفي (النهاية) (٢): توخَّيتُ الشيءَ أتوخَّاه: إذا قصدتَ إليه وتعمَّدتَ فعلَه وتحرَّيتَ فِيه، وقيل: أمرهما بالتحري في معرفة مقدار الحق، ولما كان التوخي والتحري من باب الظن أمرهما بالاستهام، أي: الاقتراع ليكون كالبينة، والقرعة بحكم الشرع أقوى من التحري كأنها يفيد اليقين، وقد ورد أنه ﷺ قال حين أقرع عند تنازع رجلين: (اللهم أنت الحكَمُ بينهما)، وفي رواية قال: (اللهم أنت تقضي بين عبادك بالحق)، ثم أمر بالتحليل لتحصل البراءة يقينًا.
стр. 3702
٣٧٧١ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا دابَّةً، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ. . . . .
ــ
٣٧٧١ - [١٤] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (تداعيا دابة، فأقام كل واحد منهما البينة) حمل الطيبي (١) الحديث على أنه إذا أقام رجل خارج وذو اليد كلاهما البينةَ ترجح بينة ذي اليد، وهو مذهب الشافعي، اعلم أن لتداعي الرجلين وإقامتهما البينة صورًا شتى، وتنحصر في صورتين: إما بأن يكون المدَّعَى في يدِ ثالثٍ، أو يكون في يد أحدهما، فإن كان في يد ثالث فحكمه ما مرَّ في آخر الفصل الأول من حديث أبي هريرة، وإن كان في يد أحدهما، وعليه حمل الطيبي الحديث، وذكر أنه يترجح حينئذ بينة ذي اليد.
وعندنا إن أقام الخارجُ البينةَ على ملكٍ مؤرخ، وصاحبُ اليد بينةً على ملك أقدم تاريخًا، كان بينة ذي اليد أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو رواية عن محمد، وعنه أنه لا يقبل بينة ذي اليد رجع إليه، ولو أقام الخارج وذو اليد البينة على ملك مطلق، ووقَّت إحداهما دون الأخرى، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد بينة الخارج أولى، وقال أبو يوسف وهو رواية عن أبي حينفة: صاحب الوقت أولى سواء كان الخارجَ أو ذا اليد، وإن أقام الخارج وصاحب اليد كلُّ واحد منهما بينة بالنِّتاج فصاحب اليد أولى؛ لأن البينة قامت على ما لا يدل عليه اليد فاستوتا، وترجحت بينة ذي اليد باليد فيقضى له، ومثل هذا مذهب الإمام أحمد في المشهور من الروايات، والمختار عند الأصحاب كما ذكر تفصيله في (شرح كتاب الخرقي) (٢).
стр. 3703
أَنَّهَا دابَّتُهُ نَتَجَهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلَّذِي فِي يَدِهِ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١٠/ ١٠٦].
٣٧٧٢ - [١٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، فَقَسَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَللنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ: أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنةٌ، فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا. [د: ٣٦١٣، ن: ٥٤٢٤، جه: ٢٣٣٠].
ــ
وبالجملة ههنا صور تكون بينةُ صاحب اليد فيها أولى، وأخرى تكون بينةُ الخارج أولى، وليس مذهبه عدم قبول بينة ذي اليد إلا في صورة التنازع، وهو ما إذا ادعى كل واحد أن هذه الدابة ملكه نتجها كما نقل الطيبي، وتفصيل ذلك في (الهداية) (١)، ومعنى (نتجها) (٢) أنه ولّدها من التوليد، نتج الناقة: إذا تولى نتاجها فهو ناتج، والناقة منتوجة، والناتج للإبل كالقابلة للنساء، وقد سبق تحقيق معناه في موضعه.
٣٧٧٢ - [١٥] (أبو موسى الأشعري) قوله: (ادعيا بعيرًا) وفي بعض النسخ: (تداعيا).
وقوله: (فبعث) أي أقام.
وقوله: (فقسمه [النبي ﷺ ] بينهما نصفين) يوافق مذهبنا كما عرفت، وقال
стр. 3704
٣٧٧٣ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دابَّةِ، وَلَيْسَ لَهُمَا بَيِّنةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦١٨، جه: ٢٣٤٦].
٣٧٧٤ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ حَلَّفَهُ: "احْلِفْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا لَهُ عِنْدَكَ شَيْءٌ" يَعْنِي لِلْمُدَّعِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٢٠].
٣٧٧٥ - [١٨] وَعَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ، فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "أَلَكَ بَيِّنةٌ؟ " قُلْتُ: لَا قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: "احْلِفْ" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَنْ يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٧٧]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦٢١، جه: ٢٤٢٢].
ــ
الطيبي (١): هذا مطلق يحمل على المقيد الذي بينه في قوله: (استهما على اليمين).
٣٧٧٣ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (استهما على اليمين) أي: اقتَرِعا، وهذا مثل ما تقدم من حديث أبي هريرة في آخر الفصل الأول.
٣٧٧٤ - [١٧] (ابن عباس) قوله: (حلّفه) بتشديد اللام، أي: أراد تحليفه.
٣٧٧٥ - [١٨] (الأشعث بن قيس) قوله: (فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية) أي: ليس إلا تحليفه، فإن كذب فعليه وباله.
стр. 3705
٣٧٧٦ - [١٩] وَعَنْهُ: أَنْ رَجُلًا مَنْ كِنْدَةَ، وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ، اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيْهَا أَبُو هَذَا، وَهِيَ فِي يَدِهِ، قَالَ: "هَلْ لَكَ بَيِّنةٌ؟ " قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ، وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوه فتهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَقْطَعُ أَحَدٌ مَالًا بِيَمِينٍ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ"، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٢٢].
٣٧٧٧ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْيَمِينَ الْغَمُوسَ، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْرٍ، فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ،
ــ
٣٧٧٦ - [١٩] (عنه) قوله: (ولكن أحلفه واللَّه ما يعلم) هذا اللفظ المحلوف به، و (الأجذم) أي: مقطوع البركة، والمراد أجذم الحجة، أي: لا حجة له عند اللَّه.
٣٧٧٧ - [٢٠] (عبد اللَّه بن أنيس) قوله: (وعن عبد اللَّه بن أنيس) بلفظ التصغير.
وقوله: (واليمن الغموس) قال أصحابنا: هي الحلف على أمر ماضٍ يتعمَّد فيه الكذبَ، وليس لها عندنا كفارة إلا التوبة والاستغفار، وقد ورد فيها وعيد بدخول النار، ولذلك سميت بالغموس؛ لأنه يغمس صاحبها في النار، والتي تقع في الأقضية ويقتطع بها أموال الناس من هذا القَبيل، فهي أعمُّ من يمينِ الصبرِ، ويمين الصبر مر تفسيره في الفصل الأول.
وقوله: (فأدخَلَ فِيها) أي: في تلك اليمين (جناحَ بعوضة) أي: شيئًا قليلًا من الكذب، ومما يخالف ظاهره باطنه من التأويل؛ لأن اليمين على نية المستحلف فكيف إذا كان كذبًا محضًا.
стр. 3706
إِلَّا جُعِلَتْ نُكْتَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٠٢٠].
٣٧٧٨ - [٢١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ، وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ إِلَّا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٢/ ٧٢٧، د: ٣٢٤٦، جه: ٢٣٢٥].
ــ
وقوله: (إلا جعلت) أي: تلك اليمين (نكتة) أي: سوداء، وقد صرح بها في الحديث الآخر، والنكتة: الأثر، وفي (القاموس) (١): النكتة: النقطة، والنكت: أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها.
وقوله: (إلى يوم القيامة) أي: يبقى أثرها إلى هذا اليوم، ثم يعاقب بها.
٣٧٧٨ - [٢١] (جابر) قوله: (عند منبري هذا) يدل على التغليظ في اليمين بحسب المكان، كما يغلظ بحسب الأزمان، مثل بعد صلاة العصر، وقيل: كانت عادتهم في زمن النبي ﷺ التخاصمَ فِي المسجد عند المنبر، فيقع الحلف عنده، فلذلك خص المنبر بالذكر، والإشارة بقوله: (هذا) للتعظيم يؤيد القول الأول، وهو الأظهر.
وقوله: (آثمة) صيغة النسبة، أي: ذات إثم، وتقييد السواك بالأخضر تحقير له، فإنه خشبة مبتذلة، وبعد اليبوسة يحصل له قدر وقيمة، وقال الطيبي (٢): تتميم لمعنى التحقير، فإن العادة أن يستعمل السواك يابسًا.
стр. 3707
٣٧٧٩ - [٢٢] وَعَنْ خُرَيْم بْنِ فَاتِكٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْح، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَامَ قَائِمًا، فَقَالَ: "عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالإِشْرَاكِ بِاللِه" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١] رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٥٩٩، جه: ٢٣٧٢].
٣٧٨٠ - [٢٣] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمِ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرِ الْقِرَاءَةَ. [حم: ٤/ ١٧٨، ت: ٢٢٩٩].
٣٧٨١ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ،
ــ
٣٧٧٩، ٣٧٨٠ - [٢٢، ٢٣] (خريم بن فاتك، وأيمن بن خريم) قوله: (وعن خريم) بضم الخاء وفتح الراء الغير المنقوطة مصغر (ابن فاتك) بفاء وتاء مثناة فوقية مكسورة.
وقوله: (قام قائمًا) أي: قيامًا.
وقوله: (عدلت) بلفظ المجهول مخففًا (بالإشراك) وذلك من باب شهادة الزور كالتوحيد شهادة الصدق، و (الزور) بالضم: الكَذِب، من الزور وهو الانحراف، يقال: تزاور عنه أي: عدل وانحرف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧]، والقول الزور أعم من شهادة الزور، فإذا أمروا بالاجتناب عنه فعن شهادة الزور فيه إتلاف حق الناس بطريق الأولى.
٣٧٨١ - [٢٤] (عائشة) قوله: (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة) يحتمل أن يراد به الخيانة في أمانات الناس، ويحتمل أن يراد الأعم الشامل للخيانة في أحكام اللَّه
стр. 3708
وَلَا مَجْلودٍ حَدًّا،
ــ
تعالى، وقد جمع الكل قوله سبحانه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]، فيكون المراد بالخائن الفاسق، وحينئذ يكون ذكر المجلود والزاني وغيرهما مثلًا بعده، وعطفهما عليه من قبيل عطف الخاص على العام لعظم خيانتهما، فلا يتوجه عليه ما قال الشيخ التُّورِبِشْتِي (١): إنه لو كان الأمر على ما قرره البعض من حمل الخيانة على المعنى الأعم لاستغني بذكر الخيانة عن ذكر الزنا في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فعلمنا أنه أراد بالخائن الخائنَ الذي يخون في أمانات الناس، نعم ما ذكره من أنا وجدنا استعمال هذا اللفظ في الأكثر والأغلب في اللغة في خيانة أمانات الناس موجَّهٌ.
فإن قلت: الخيانة من جملة الخفيات التي لا يطلع على حقيقتها إلا عالم الأسرار.
قلنا: يعرف بالأمارات والدلائل، فالمراد بالخائن الذي لا يكاد يخفى أمره لاشتهاره بذلك وظهور ذلك عنه كرَّةً بعد أخرى، كذا قالوا، وأقول: لو لم يعم لبقي كثيرٌ من أنواع الفسق خارجًا، فالصواب التعميم، لكن ذكر بعض الفسوق للتخصيص بعد التعميم.
وقوله: (ولا مجلود حدًّا) يتناول الزاني الغير المحصن والقاذف والشارب، لكن المجلود في القذف لا تقبل شهادته عند أبي حنيفة ﵀ أبدًا وإن تاب، وجعل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]
стр. 3709
وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ،
ــ
عطفًا على قوله: فاجلدوا، وجعل عدم قبول الشهادة أبدا من تمام الحد، وجعل الاستثناء من ﴿الْفَاسِقُونَ﴾، وتمام تحقيقه في أصول الفقه.
وسائر الأئمة يقولون: القذف من جملة الفسوق، ولا يتعلق بإقامة الحد بل إن تاب قبلت شهادته ثم جلد أو لم يجلد، وإن لم يتب لا تقبل شهادته سواء جلد أو لم يجلد، بل لا يبعد أن يكون إقامة الحد موجبًا لقبول الشهادة لزوال الفسق والإثم، لكن لا يخفى أن ذكر المجلود دون القاذف في الحديث ربما يدل على أن المانع من الشهادة هو إقامةُ الحد دون موجِبه.
وبهذا الوجه قال التُّورِبِشْتِي (١): الأقرب أن يكون المراد بالمجلود هذا الذي جلد في القذف على ما ورد به التنزيل، ثم قال: وإن ذهب ذاهب إلى أن المراد به الفاسق الذي عرف بالفسق، وتبين منه ذلك بما أقيم عليه من الحد فله محمل، والوجه هو الأول، فليتأمل.
وقوله: (ولا ذي غمر) الغمر بالكسر: الحقد والعداوة، أي: لا تقبل شهادة عدو على عدو وتكون العداوة بينهما مشهورة ظاهرة، ولم يذكر المرأة كما في زان وزانية في الحديث الآتي، لأن أكثر ما يكون العداوة في الرجال، وكذا الكلام في الظنين والقانع، فافهم.
وقوله: (على أخيه) قال الطيبي (٢): سواء كان أخاه من النسب أو أجنبيًا، وعلى هذا إنما قال: (على أخيه) تليينًا لقلبه وتقبيحًا لصنيعه، انتهى. الأخ يطلق على الأخ
стр. 3710
وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ، وَلَا الْقَانِعِ مَعَ أَهْلِ الْبَيْتِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ الرَّاوِي مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. [ت: ٢٢٩٨].
ــ
نسبًا أو دينًا، ولعله أريد هنا المثل من بني النوع، فافهم.
وقوله: (ولا ظنين في ولاء ولا قرابة) الظنين: المتهم، فَعِيل بمعنى مفعُول كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] على القراءة بالظاء المشالة، من الظِّنَّة بالكسر: التُّهمة، يعني من انتمى إلى غير مواليه وقال: أنا عتيق فلان وهو كاذب ومشتهر بكذبه فيه بحيث يتهمه الناس في قوله ويكذبونه، لا تقبل شهادته لأنه فاسق؛ لأن الكذب في الولاء بقطعه عن المعتق وادعائه لمن ليس معتقَه كبيرةٌ، كذا قالوا، وقد ورد فيه وعيد وتشديد، وكذا الحكم في القرابة بأن يدعي أنه ابن فلان أو أخ فلان وهو فيه كاذب ويكذبه الناس فيه، وقد ورد فيه اللعن.
وقوله: (ولا القانع مع أهل البيت) أراد به السائل المقتنع بأدنى قوت، أي من كان في نفقة أحد كالخادم والتابع فإنه لا تقبل شهادته؛ لأنه يجر بشهادته نفعًا لنفسه، فيكون في حكم شهادة الوالد والولد بالاتفاق، وشهادة أحد الزوجين عندنا، وعند الشافعي يقبلُ الأخيرَ.
وقوله: (منكر الحديث) عبارة الترمذي: يضعف في الحديث، وفي (الكاشف) (١): يزيد بن زياد ويقال: ابن أبي زياد، دمشقي، عن الزهري وسليمان بن حبيب، وعنه وكيع وأبو نعيم والوحاظي، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه، وفي الحاشية: قال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن أبي حاتم: منكر الحديث، وقال مرة:
стр. 3711
٣٧٨٢ - [٢٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ، وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ". وَرَدَّ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيَتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٠٠، ٣٦٠١].
٣٧٨٣ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦٠٢، جه: ٢٣٦٦].
ــ
ذاهب الحديث، وقال مرة: ضعيف الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، روى عنه مروان بن معاوية الفزاري.
٣٧٨٢ - [٢٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (وردّ) بلفظ الماضي عطف على (قال).
٣٧٨٣ - [٢٦] (أبو هريرة) قوله: (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية) قيل: لجهله بأحكام الشريعة وكيفية حمل الشهادة وغلبة النسيان، فإن علم منه هذه الصفات تجوز، وتعقب بأنه حينئذ لا يكون لتخصيص أهل القرية فائدة، وقال التُّورِبِشْتِي (١): ذهب إلى ظاهره بعض العلماء، والوجه فيه على قول من يرى بخلاف ذلك أن يقال معنى قوله: (لا تجوز) لا يحسن لحصول التهمة ببعد ما بين الرجلين، ويؤيد ذلك تعديتها بـ (على)، ثم لتعذر الوقوع بالبدوي العدل على القروي، ويؤولون الحديث بما ذكر، ثم قال التُّورِبِشْتِي (٢): كل ما وجد في أحاديث الباب غير معمول
стр. 3712
٣٧٨٤ - [٢٧] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الْوَكِيلُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٢٧].
ــ
عند بعض العلماء، فلا يخلو من وهن في الأحاديث، أو ترجيح فيما يخالفه من طرق الرواية، أو احتمال تأويل يستقيم معه الجمع بين المختلف فيه من الروايات، واللَّه أعلم، انتهى. ولعله أراد بالكل الأكثر، واللَّه أعلم.
٣٧٨٤ - [٢٧] (عوف بن مالك) قوله: (حسبي اللَّه، ونعم الوكيل) إشارة به إلى أن المدَّعيَ أخذ مالَه باطلًا.
وقوله: (يلوم على العجز) أي: لا يرضى، والمراد بالعجز هنا ضدُّ الكَيْس، والكيس: التيقظ في الأمور، والاهتداء إلى التدبير، والمصلحة بالنظر إلى الأسباب، واستعمال الفكر في العاقبة في الخصومات وأمثالها، يعني كان ينبغي لك أن تيقظ في معاملتك، ولا تقصِّرَ فِيها قبل إقامة المدعي البينة، ومع ذلك إذا غلبك الخصم قلت: حسبي اللَّه، وأما قبل ذلك فليس بشيء، والمقصود الحث على التيقظ والتدبر في الأمور، واللوم على التهاون، والتقصير في إقامة الحق، والسعي في إثباته بمباشرة الأسباب وذلك حال الأقوياء، كما ورد: (المؤمنُ القويُّ خيرٌ من المؤمن الضعيف) (١)، أو كما قال.
اللهم يا رب المستضعفين نحن الضعفاء، لا نهتدي لأمورنا في الدنيا ولا في الدين، وقونا بقوتك، واهدنا السبيل، ولا حول ولا قوة إلا بك.
стр. 3713
٣٧٨٥ - [٢٨] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ التِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ. [د: ٣٦٣٠، ت: ١٤١٧، ن: ٤٨٧٦].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٧٨٦ - [٢٩] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَي الْحَكِم. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤، د: ٣٥٨٨].
ــ
٣٧٨٥ - [٢٨] (بهز بن حكيم) قوله: (وعن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء آخره زاي.
وقوله: (حبس رجلًا في تهمة) بأن ادعى عليه رجل ذنبًا أو دينًا فحبسه ليعلم صدق الدعوى، وإذا لم يعلم (خلى عنه)، وفيه أن حبس المدعى عليه مشروع قبل أن يقام البينة.
الفصل الثالث
٣٧٨٦ - [٢٩] (عبد اللَّه بن الزبير) قوله: (قضى) أي: أوجب.
تم (كتاب الإمارة والقضاء) بعونه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الجهاد).
* * *
стр. 3714
(١٩) كتاب الجهاد
стр. 3715
(١٩) كتاب الجهاد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كتاب الجهاد
في (القاموس): الجَهْد: الطاقة ويضم، والمشقة، واجهَدْ جَهْدَك: ابلُغْ غايتَك، وجهد كمنع: جدَّ كاجتهد، والجهاد بالكسر: القتال مع العدو، كالمجاهدة، كذا في (القاموس) (١). ولعل المراد الخروج والقصد إلى ذلك وبذل الطاقة فيه بدليل أنه أورد بعده بابًا في القتال في الجهاد، فيفهم منه أن الجهاد قد لا يكون فيه القتال.
والجهاد (٢) مع الكفار فرضق على الكفاية إلا أن يكون النَّفيرُ عامًّا، فحينئذٍ يصير فرضَ عين؛ لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]. وغزو البحر أفضل من غزو البر، وذكر في (القاموس) (٣): (خيارُ الشهداء أصحابُ الوَكْفِ) أي: الذين انكفأت عليهم مراكبهم في البحر، فصارت فوقَهم مثل أوكاف البيت، وقال: فسره النبي ﷺ ، انتهى.
وقال السيوطي: ورد أن اللَّه تعالى يَلي قبضَ أرواح شهداء البحر، لا يكِلُ ذلك إلى ملك الموت.