← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

٣٧٨٢ - [٢٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ، وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ". وَرَدَّ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيَتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٠٠، ٣٦٠١]. ٣٧٨٣ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦٠٢، جه: ٢٣٦٦]. ــ ذاهب الحديث، وقال مرة: ضعيف الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، روى عنه مروان بن معاوية الفزاري. ٣٧٨٢ - [٢٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (وردّ) بلفظ الماضي عطف على (قال). ٣٧٨٣ - [٢٦] (أبو هريرة) قوله: (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية) قيل: لجهله بأحكام الشريعة وكيفية حمل الشهادة وغلبة النسيان، فإن علم منه هذه الصفات تجوز، وتعقب بأنه حينئذ لا يكون لتخصيص أهل القرية فائدة، وقال التُّورِبِشْتِي (١): ذهب إلى ظاهره بعض العلماء، والوجه فيه على قول من يرى بخلاف ذلك أن يقال معنى قوله: (لا تجوز) لا يحسن لحصول التهمة ببعد ما بين الرجلين، ويؤيد ذلك تعديتها بـ (على)، ثم لتعذر الوقوع بالبدوي العدل على القروي، ويؤولون الحديث بما ذكر، ثم قال التُّورِبِشْتِي (٢): كل ما وجد في أحاديث الباب غير معمول

стр. 3712

٣٧٨٤ - [٢٧] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الْوَكِيلُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٢٧]. ــ عند بعض العلماء، فلا يخلو من وهن في الأحاديث، أو ترجيح فيما يخالفه من طرق الرواية، أو احتمال تأويل يستقيم معه الجمع بين المختلف فيه من الروايات، واللَّه أعلم، انتهى. ولعله أراد بالكل الأكثر، واللَّه أعلم. ٣٧٨٤ - [٢٧] (عوف بن مالك) قوله: (حسبي اللَّه، ونعم الوكيل) إشارة به إلى أن المدَّعيَ أخذ مالَه باطلًا. وقوله: (يلوم على العجز) أي: لا يرضى، والمراد بالعجز هنا ضدُّ الكَيْس، والكيس: التيقظ في الأمور، والاهتداء إلى التدبير، والمصلحة بالنظر إلى الأسباب، واستعمال الفكر في العاقبة في الخصومات وأمثالها، يعني كان ينبغي لك أن تيقظ في معاملتك، ولا تقصِّرَ فِيها قبل إقامة المدعي البينة، ومع ذلك إذا غلبك الخصم قلت: حسبي اللَّه، وأما قبل ذلك فليس بشيء، والمقصود الحث على التيقظ والتدبر في الأمور، واللوم على التهاون، والتقصير في إقامة الحق، والسعي في إثباته بمباشرة الأسباب وذلك حال الأقوياء، كما ورد: (المؤمنُ القويُّ خيرٌ من المؤمن الضعيف) (١)، أو كما قال. اللهم يا رب المستضعفين نحن الضعفاء، لا نهتدي لأمورنا في الدنيا ولا في الدين، وقونا بقوتك، واهدنا السبيل، ولا حول ولا قوة إلا بك.

стр. 3713

٣٧٨٥ - [٢٨] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ التِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ. [د: ٣٦٣٠، ت: ١٤١٧، ن: ٤٨٧٦]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٧٨٦ - [٢٩] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَي الْحَكِم. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤، د: ٣٥٨٨]. ــ ٣٧٨٥ - [٢٨] (بهز بن حكيم) قوله: (وعن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء آخره زاي. وقوله: (حبس رجلًا في تهمة) بأن ادعى عليه رجل ذنبًا أو دينًا فحبسه ليعلم صدق الدعوى، وإذا لم يعلم (خلى عنه)، وفيه أن حبس المدعى عليه مشروع قبل أن يقام البينة. الفصل الثالث ٣٧٨٦ - [٢٩] (عبد اللَّه بن الزبير) قوله: (قضى) أي: أوجب. تم (كتاب الإمارة والقضاء) بعونه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الجهاد). * * *

стр. 3714

(١٩) كتاب الجهاد

стр. 3715

(١٩) كتاب الجهاد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كتاب الجهاد في (القاموس): الجَهْد: الطاقة ويضم، والمشقة، واجهَدْ جَهْدَك: ابلُغْ غايتَك، وجهد كمنع: جدَّ كاجتهد، والجهاد بالكسر: القتال مع العدو، كالمجاهدة، كذا في (القاموس) (١). ولعل المراد الخروج والقصد إلى ذلك وبذل الطاقة فيه بدليل أنه أورد بعده بابًا في القتال في الجهاد، فيفهم منه أن الجهاد قد لا يكون فيه القتال. والجهاد (٢) مع الكفار فرضق على الكفاية إلا أن يكون النَّفيرُ عامًّا، فحينئذٍ يصير فرضَ عين؛ لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]. وغزو البحر أفضل من غزو البر، وذكر في (القاموس) (٣): (خيارُ الشهداء أصحابُ الوَكْفِ) أي: الذين انكفأت عليهم مراكبهم في البحر، فصارت فوقَهم مثل أوكاف البيت، وقال: فسره النبي ﷺ ، انتهى. وقال السيوطي: ورد أن اللَّه تعالى يَلي قبضَ أرواح شهداء البحر، لا يكِلُ ذلك إلى ملك الموت.

стр. 3716

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٧٨٧ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا" قَالُوا: أَفَلا نُبشِّرُ بِهِ (١) النَّاسَ؟ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٩]. ــ الفصل الأول ٣٧٨٧ - [١] (أبو هريرة) قوله: (وأقام الصلاة وصام رمضان) خصهما بالذكر تنبيهًا على عِظَم شأنهما ولعمومهما المسلمين قاطبة. وقوله: (أو جلس) أي: لم يجاهد فلا ينافي وجوب الهجرة، وقيل: ورد هذا الحديث في فتح مكة لأن الهجرة قبله كانت فريضة. وقوله: (إن في الجنة مئة درجة) يعني نعم بشِّروهم بدخول الجنة بالإيمان والصوم والصلاة وجوبًا، ونجاتهم من عذاب النار، لكن لا تكتفوا بذلك بل هاهنا درجات وفضائل أخر تنال بالجهاد والشهادة في سبيل اللَّه فاسعوا بذلك أيضًا. قوله: (فإذا سألتم اللَّه) أي: الجنة على الجهاد أو مطلقًا. وقوله: (فإنه أوسط الجنة) أي: أعدلها وأفضلها وأوسعها وخيرها، كذا ذكر

стр. 3717

٣٧٨٨ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِم الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٨٧، م: ١٨٧٨]. ٣٧٨٩ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهَ، ــ السيوطي، وفي (القاموس) (١): رجل فَرادِسُ: ضخمُ العِظام، والفَردَسةُ: السَّعةُ، وصدر مُفردَس: واسعٌ، ومنه الفِردَوس. ٣٧٨٨ - [٢] (وعنه) قوله: (القانت) القنوت: الطاعة والخشوع والدعاء والقيام. وقوله: (لا يفتر) بضم التاء من الفُتُور، يعني أن المجاهد وإن كان يفتر بعض أوقاته بالنوم والأكل وغير ذلك لكنه في حكم من لا يفتر عن العبادة قطعًا، يُكتَبُ ثوابُه متَّصلًا على كل حركة وسكون. وقوله: (حتى يرجع المجاهد في سبيل اللَّه) وضع المظهر موضع المضمر تعليلًا للحكم، وإظهارًا لشرف المجاهدين، وتنبيهًا على التبرك بذكرهم، والالتذاذ بذلك. ٣٧٨٩ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (انتدب اللَّه) في (القاموس) (٢): ندبه إلى الأمر: دعاه وحثَّه ووجَّهه، فيكون انتدب بمعنى أجاب، وكأنَّ الخارجَ فِي سبيل اللَّه دعا اللَّه وندبه لنصرته ونيلِ أجره فأجابه اللَّه تعالى، وقد يجعل بمعنى تضمَّن وتكفَّل، وقد

стр. 3718

لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيق بِرُسُلِي أَنْ أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦، م: ١٨٧٦]. ــ وقعت الرواية بهما. وقوله: (لا يخرجه) حال عن (اللَّه) بتقدير القول، أي: قائلًا. وقوله: (إلا إيمان بي) بالرفع على أنه مستثنى مفرَّغ، أي: لا يُخرِجُه مُخرِجٌ إلا إيمانٌ بي، ووقع في نسخ (مسلم) بالنصب على أنه مفعول له، أي: لا يُخرِجُه مُخرِج لأجل شيء إلا للإيمان بي فيكون منصوبًا بنزع الخافض، وكذا قوله: (وتصديق). وقوله: (أن أرجعه) بدل اشتمال عن الموصول أو تفسير للانتداب، فيكون (أن) مفسرة لما تضمَّن الانتداب معنى القول، وإذا ضمن الانتداب معنى تضمَّنَ وتكفَّلَ يكون مفعولَ (انتدب)، أي: ضمِنَ اللَّهُ لمَن خرج في سبيله أن يرجعه، ورجع هنا من الرجوع المتعدي دون الرجوع اللازم. وقوله: (من أجر) أي: أجر فقط، أي: لم يغنم شيئًا (أو غنيمة) أي: معها، ويروى (وغنيمة) بالواو أيضًا، والمراد ما ذكرنا، وقال الطيبي (١): وبالواو أوجه الروايتين وأسدُّهما معنًى، وهو محل نظر لما قررنا، وظهر به أن القول بكون (أو) بمعنى الواو أيضًا غيرُ متَّجه. قوله: (أو أدخله الجنة) يعني إن قتل أو مات، وقيل: المراد دخول الجنة مع السابقين بلا حساب وعذاب، وقيل: يدخله بعد موته قبل يوم القيامة كما قال: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩].

стр. 3719

٣٧٩٠ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُّ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أُقتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَى ثُمَّ أُقتَلُ، ثُمَّ أُحْيَى ثُمَّ أُقتَلُ، ثُمَّ أُحْيَى ثُمَّ أُقْتَلُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٩٢، م: ١٨٧٦]. ٣٧٩١ - [٥] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٩٢، م: ١٨٨١]. ــ ٣٧٩٠ - [٤] (وعنه) قوله: (لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه) يعني أني لو ذهبت مع كل سرية للجهاد للزم بعض أصحابي التخلف عني، لأنهم لا يطيقون الجهاد لعدم استطاعتهم الرَّواحِلَ وعدم وجداني إياها، والتخلُّفُ لا تطيب أنفسهم به، ويتحسَّرون عليه، وينكسر قلوبهم بذلك، وإلا فمحبَّتي بالجهاد في مرتبةِ: أودُّ أن أقتل ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى، والمراد التكرار والاستمرار لا التحديد بهذه المرات، ويؤيده ما يأتي في حديث آخر: فيقتل عشر مرات، وفيه مبالغة عظيمة في بيان فضل الجهاد. ٣٧٩١ - [٥] (سهل بن سعد) قوله: (رباط يوم خير من الدنيا وما عليها) أي: من متاعها وحطامها، وقيل: هذا في حق من فُرِض عليه المرابطةُ بنصب الإمام، فلا يدلُّ هذا على أفضليته من المعركة ومن انتظار الصلاة. اعلم: أن الرَّبطَ فِي اللغة الشَّدُّ، في (القاموس) (١): رَبَطَهُ يربِطه ويربُطه: شدَّه،

стр. 3720

٣٧٩٢ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤١٥، م: ١٨٨١]. ٣٧٩٣ - [٧] وَعَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ. . . . . ــ فهو مربوط ورَبِيط، والرِّباط مصدر من باب المُفاعَلة، ويجيء بمعنى ما رُبط به، وفي الشرع: ملازمة ثغر العدو كالمرابطة، وهي في الأصل أن يربط كل من الفريقين خيولهم في ثغره، وكلٌّ منهما معدٌّ لصاحبه، فسُمِّيَ المقام في الثغر رِباطًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقد يفسر قوله: (ورابطوا) بانتظار الصلاة بعد الصلاة لقوله ﷺ : (فذلكم الرِّباطُ، فذلكم الرِّباطُ)، وفي (المقدمة) (١): الرباط ملازمة الثغر للجهاد، وأصله الحبس، والثغر ما يلي دار العدو. ٣٧٩٢ - [٦] (أنس) قوله: (لغدوة في سبيل اللَّه أو روحة) الغدوة بفتح المعجمة: السير في أول النهار، والروحة بالفتح: السير في آخر النهار، وكلاهما بناء المرة. ٣٧٩٣ - [٧] (سلمان) قوله: (جرى عليه عمله) أي: ثوابُ عملِه. وقوله: (وأجري) بلفظ المجهول من الإجراء، أي: أُوصِلَ إليه رزقُه من طعام الجنة وشرابها.

стр. 3721

وَأَمِنَ الْفتَّانَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٣]. ٣٧٩٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي عَبْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّه فتمَسَّهُ النَّارُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨١١]. ٣٧٩٥ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩١]. ــ قوله: (أمن) بلفظ الماضي المعلوم من الأمن، ويروى (أومن) بلفظ الماضي المجهول من الإيمان. و (الفتان) بفتح الفاء وتشديد التاء فَعَّال من الفتنة، والمراد مَن يفتن في القبر من مَلَك العذاب، أو الدَّجال، أو الشيطان، ويروى بضم الفاء جمع فاتن شاملًا لجميع هؤلاء ومَن عداهم. ٣٧٩٤ - [٨] (أبو عبس) قوله: (وعن أبي عبس) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة في آخره سين مهملة. قوله: (فتمسه) بالنصب والمراد انتفاء اجتماع الاغبرار والمِسَاس، والاغبرار في سبيل اللَّه كناية عن السعي إلى الجهاد، وفيه مبالغة بأنه إذا كان الاغبرار دافعًا لمَسِّ النار، فكيف بنفس الجهاد، والمراد بسبيل اللَّه السعي إلى الجهاد، وهو المتعارف في الشرع، وقد يراد به السعي إلى الحج والعلم والرزق الحلال. ٣٧٩٥ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار) هذا الحديث ورد مخصوصًا بمن قتل كافرًا في الجهاد بأنه لا يدخل النار، وفي الحقيقة هو بيان فضل الجهاد كما في الحديث السابق، فإن من جاهد يقتل كافرًا غالبًا ومن جاهد ولم يقتل فجزاؤه الجنة أيضًا، فافهم.

стр. 3722

٣٧٩٦ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ. . . . . ــ ٣٧٩٦ - [١٠] (وعنه) قوله: (من خير معاش الناس) في (القاموس) (١): العَيش والمَعاش: الحياة، عاش يعيش عَيْشا ومَعَاشًا ومعيشًا ومَعِيشَةً وعِيشَةً بالكسر، وما يُعَاشُ به، والمعيشة التي تعيش بها من المطعم والمشرب، وما تكون به الحياة. وقوله: (رجل) مبتدأ بحذف المضاف، أي: معاشُ رجلٍ. قوله: (يطير على متنه) أي: يسرع راكبًا على ظهره، والهيعة والهايعة الصوت تفزع منه وتخافه من عدو، ورجلٌ هاعٍ لاعٍ، وهائعٌ لائعٌ: جبان ضعيف، والفزع بالتحريك والفزعة بالسكون: الذُّعر والفَرَق، والفعل كفرح ومنح، والاستغاثة والإغاثة، والمراد الاستغاثة وهو الأنسب، ويصح إرادة المعنى الأول بإرادة أثر الفزعة وهو الاستغاثة ونحوها. وقوله: (طار عليه) أي: ذهب وأسرع، والضمير في (عليه) إما للفرس وقد يُذكَّر، أو للمذكور المسموع، أي: شاهدًا وحاضرًا عليه. وقوله: (يبتغي القتل والموت) أي: لا يُبالي ولا يتحرَّز عنه بل يطلبه حيث يظن أنه يكون، و (مظانه) بدل اشتمال أو ظرف ليبتغي، والضمير فيه للموت؛ لأن الحاصل بالقتل أيضًا هو الموت. و (غنيمة) تصغير غنم، والغَنَم الشَّاءُ لا واحد لها من لفظها، والواحدة شاة، وهو اسم مؤنث للجنس ولهذا أظهر التاء في تصغيرها، يقع

стр. 3723

فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٩]. ــ على الذكور والإناث وعليهما جميعًا، والتنوين للتقليل بل للتحقير أيضًا. و (الشَّعَفَةُ) بعين مهملة بفتحات: رأس الجبل، ولعله أريد بها الجبل، والإشارة للقريب للتحقير، وكذا في قوله: (واد من هذه الأودية) والمراد بهما الجنس لا المعين، والمراد وصف اعتزاله وقناعته في أحقر مكان وأدنى قوت. والمراد بالزكاة الصدقة، ويمكن أن يبلغ عدد غنمه النصاب، ومع ذلك هي شيء قليل، و (اليقين) اسم للموت كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. وقوله: (ليس من الناس إلا في خير) أي: يكفيهم شرَّه، ويستكفي شرَّهم عن نفسه، وأحسن نيته في العزلة، هو الأولى. وحاصل معنى الحديث الحثُّ على مجاهدة أعداء الدين ومجاهدة النفس والشيطان، والإعراضُ عن استيفاء اللذات العاجلة، وأنه ينبغي للرجل إن خالط الناس يكون في تأييد دين اللَّه وإلا فالعزلة وتكميل النفس، وفيه دليل على أفضلية العزلة من الخلطة، والمسألة خلافية، والمدار على الفوائد والآفات في كل منهما، ويستوفي بيانها كتاب (إحياء علوم الدين) (١) فانظر ثمة، وقد ذكرناها في ترجمة ربع العادات (٢)

стр. 3724

٣٧٩٧ - [١١] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٤٣، م: ١٨٩٥]. ٣٧٩٨ - [١٢] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلَّا وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فيأخذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ، ــ منه. ٣٧٩٧ - [١١] (زيد بن خالد) قوله: (من جهز غازيًا) جهزه: هيّأ له أسباب سفره، وجهاز الميت والعروس والمسافر بالكسر والفتح: ما يحتاجون إليه، وبالفتح ما على الراحلة. وقوله: (فقد غزا) أي: صار شريكًا له في ثواب الغزو. وقوله: (ومن خلف غازيًا في أهله) أي: صار خلَفًا له وقام مقامه في إصلاح حالهم ورعاية أمرهم. ٣٧٩٨ - [١٢] (بريدة) قوله: (فيخونه) الضمير المرفوع لـ (رجل) الذي هو مدخولُ (مِن)، والمنصوب لرجل الذي هو مفعولُ (يخلُفُ)، والضمير في (فيهم) للأهل، وأهل الرجل: عشيرته وذوو قرباه، وهو اسم جنس، ويجمع على أهلون وأهال وآهال وأهلات. وقوله: (إلا وقف) بلفظ المجهول، والضمير للرجل الأول، وفي (له) للثاني، وفي قوله: (فيأخذ من عمله) على العكس.

стр. 3725

فَمَا ظَنُّكُمْ؟ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٧]. ٣٧٩٩ - [١٣] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبع مِئَةٍ ناقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٢]. ٣٨٠٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي لِحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَالَ: "لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا، ــ وقوله: (فما ظنكم) بذلك الرجل هل يترك من حسناته شيئًا، أو فما ظنكم باللَّه هل تشكُّون في هذه المجازاة. وقال التُّورِبِشْتِي (١): وقيل: معناه فما ظنكم مَن أعطاه اللَّه هذه الفضيلة والدرجة، فربما يكون وراء ذلك من الفضيلة. ٣٧٩٩ - [١٣] (أبو مسعود) قوله: (بناقة مخطومة) أي التي: جُعِلَت الخِطامُ في أنفها، والخطام بالكسر: ما وضع في أنف البعير لينقاد به، والخطم بفتح الخاء وسكون الطاء من الدابة مُقدَّم أنفها وفمها، ومنقار الطائر، وهو الزِّمام من زمَّه: شدَّه. ٣٨٠٠ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (بعث بعثًا) أي: أرسل جيشًا، والبعث ويحرك: الجيش، والجمع بُعُوث. وقوله: (إلى بني لحيان) بالكسر وقد يفتح أبو قبيلة، و (هذيل) بلفظ التصغير أبو حيٍّ من مُضَرَ. وقوله: (لينبعث من كل رجلين أحدهما) أي: ليخرج من كل قبيلة نصفُ عددِها،

стр. 3726

وَالأَجْرُ بَينَهُمَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٦]. ٣٨٠١ - [١٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُوْمَ السَّاعَةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٢٢]. ٣٨٠٢ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. . . . . ــ وكون الأجر بينهما محمولٌ على ما إذا خَلَفَ المقيمُ الغازيَ فِي أهله بالخير، كذا نقل الطيبي (١). ٣٨٠١ - [١٥] (جابر بن سمرة) قوله: (لن يبرح) أي: لا يزالُ. وقوله: (يقاتل) استئناف للجملة الأولى، والعصابة الجماعة، وورد في حديث آخر: (لا يزالُ أهل الغَرْبِ)، قال القاضي عياض في (المشارق) (٢): قال يعقوب ابن شيبة عن علي بن المديني: الغرب هنا الدلو العظيم، وأراد العرب لأنهم أصحابها والمُستَقُون بها، وليست لأحد إلا لهم ولأتباعهم، وقال معاذ: هم أهل الشام، فحمله على أنه غرب الأرض خلاف المشرق، والشام غربٌ من الحجاز، وقيل: هم أهل الشام وما وراءه، وقيل: المراد هنا أهل الحِدَّة هو الاستنصار في الجهاد ونصرة دين اللَّه، والغرب الحدة. ٣٨٠٢ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (لا يكلم) الكلم: الجرح، والجمع كُلوم وكِلام، وكلَّمَه يُكلِّمُه: جرحه فهو مكلوم وكليم.

стр. 3727

-وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٠٣، م: ١٨٧٦]. ٣٨٠٣ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا فِي الأَرْضِ. . . . . ــ قوله: (واللَّه أعلم بمن يكلم في سبيله) جملة معترضة لتفخيم شأن من يخرج في سبيل اللَّه، ولتقليل وجود مَن شأنه كذلك على وجه الإخلاص، وصيانته عن السُّمعة والرِّياء حتى يكتفي بعلمه تعالى، ولتسليته وترجيته لئلا يتوهم نقصانه ويستبعد أجره وثوابه، وهو شامل لكل من يُكلَم ويؤذَى على الحق. وقوله: (يثعب) بفتح الياء والعين بمثلثة ساكنة بينهما، والثعب يجيء متعديًا، يقال: ثعَبْتُ الماءَ والدمَ فانثعب، أي: فجَّرتُه فانفجَرَ، كذا في (الصحاح) و (القاموس) (١)، فيكون (دمًا) مفعولًا به، وفسره في (النهاية) (٢) بقوله: يجري، وفي (المشارق) (٣): ينفجر، وظاهرهما يدل على أنه لازم، فيكون (دمًا) تمييزًا، اللهم إلا أن يحمل على بيان حاصل المعنى، وجاء في حديث آخر: (يشخب دمًا)، وفسره الأكثرون بـ (يَسِيل) وينفجر، وقال في (مختصر النهاية) (٤): الشخب: السيلان، وفسره بعضهم بـ (يصبُّ)، فتدبر. ٣٨٠٣ - [١٧] (أنس) قوله: (وله ما في الأرض من شيء) يحتمل أن يكون

стр. 3728

مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨١٧، م: ١٨٧٧]. ٣٨٠٤ - [١٨] وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦٩]، قَالَ: إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، ــ عطفًا على قوله: (أن يرجع)، أي: ما يحب الرجوع ولا أن يكون له شيء في الدنيا، وأن يكون حالا أي: لا يحب الرجوع حال كونه مالكًا لأشياءَ كثيرة من أمتعة الدنيا، كذا في الحاشية، فافهم. ٣٨٠٤ - [١٨] (مسروق) قوله: (إنا قد سألنا عن ذلك) أي: رسولَ اللَّه ﷺ بقرينة الحال، إذ من المتعيِّن أن سؤال الصحابة في أمثال هذه الأمور لا يكون إلا من رسول اللَّه ﷺ ، وقد كتب في بعض النسخ في الهامش بعلامة صح. وقوله: (في أجواف طير خضر) قيل: إيداعها في أجواف تلك الطيور كوضع الدُّرر في الصناديق تكريمًا وتشريفًا لها، وإدخالها في الجنة بهذه الصورة لا متعلِّقة بهذه الأبدان مدبَّرةً فيها تدبيرَ الأرواح في الأبدان كما كانت في الأبدان الدنياوية، فإنها يتبوأ بها في الجنة تجد ما فيها من الروائح، ويشاهد ما فيها من الأنوار، ويتلذذ ويبتهج بها، وبما يحصل لها من قرب الرحمن تعالى وجوار الملائكة المقربين والتبوء في الجنة الأعلى، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، وهذا دفع لشبهة من تمسك به في القول بالتناسخ، ولتوهم من قال: إن هذا تنزيل وتنقيص لهم حيث أخرجوا من الأبدان الإنسانية إلى

стр. 3729

لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ. . . . . ــ الأجسام الحيوانية، فتدبر. وقيل: لعل أرواح الشهداء لما استكملت تمثلت بأمر اللَّه سبحانه بصور طير خضر وحصلت لها تلك الهيئة، كتمثُّلِ الملَكِ بَشَرًا، فليست هذه الأبدان هي التي تتعلق بها تلك الأرواح ويدبر فيها، بل هي أنفسها صور الأرواح تمثلت بها، فافهم. وأقول -واللَّه أعلم-: يحتمل أن تكون تلك الأبدان على صفات الأبدان الإنسانية وإن كانت على صور طير خضر، ولا تكون على صفاتها حقيقة فإنه لا اعتداد للصور والأشكال، بل لا يبعد أن يقال: تسميتها بالطيور لانتقالها من مكان إلى مكان على هيئة الطيران لا المشي على الأقدام كما يكون للآدمي في الدنيا، فلا يلزم تنزيلها وتنقيصها كما يوهم. وأما ظن التناسخ فأيضًا باطل، فإنها ليست أبدانًا لها يستقر فيها على وجه ينفي الحشر والنشر كما يقول القائلون به، بل هي في مدة بفائهم في الجنة قبل فيام القيامة ووجود الحشر، ولهذا أورد في حديث آخر: (حتى يرجعه اللَّه جسده يوم القيامة ليبعث الأجساد)، واللَّه أعلم. وقيل: الحديث تمثيل لحالهم وما هم عليه من البهجة والسعادة، شبه بهجتهم وبهاءهم وتمكُّنهم من التلذذ بأنواع المشتهيات، والتبوء من الجنة حيث شاؤوا، وقربهم من اللَّه تعالى، وانخراطهم في غار الملإ الأعلى الذين [هم] حول عرش الرحمن بما إذا كانوا في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل

стр. 3730

فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبُّ نُرِيدُ أَنْ تُرَدَّ أَرْوَاحُنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا. . . . . ــ معلقة بالعرش، كذا نقل الطيبي (١) عن القاضي البيضاوي (٢) وهذا على عادة القاضي في تأويل الأحاديث والآيات بالإخراج عن الصور إلى المعاني ميلًا إلى التفلسف، ورعايةً لحال ضعفاء الإيمان، والحق أنه محمول على ظاهره وإن لم ندرِ كيفيته بأفهامنا القاصرة، وهذا أقوى الإيمان، واللَّه أعلم بحقيقة الحال. وقوله: (فاطلع إليهم ربهم) الاطِّلاع مجازٌ عن مزيد تلطُّفه بهم، وتعديتُه بـ (إلى) لتضمين معنى الانتهاء. وقوله: (اطلاعة) يحتمل أن يكون للمرة، ويحتمل أن يكون للنوع أي: اطلاعًا خاصًا ملتبسًا برحمة مخصوصة وفضل مخصوص، ويشبه أن يكون لهما، فالمرة مستفادة من التاء، والنوعية من التنكير. وقوله: (ففعل ذلك) أي: السؤالَ. وقوله: (لن يتركوا من أن يسألوا) (مِن) صلة (يتركوا) بتضمين معنى العفو والعذر والخلاص ونحوها، وقال الطيبي (٣): هي زائدة لوقوعها في سياق النفي، و (أن يسألوا) بدل من ضمير (يتركوا)، فافهم.

стр. 3731

رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٧]. ٣٨٠٥ - [١٩] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ" ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ قُلْتَ؟ " فَقَالَ: . . . . . ــ وقوله: (أن ليس لهم حاجة) لحصول الثواب العظيم بالمرة الأولى، ولو كانت في المرة الثانية لكان مثل ذلك، ولا حاجة إلى ذلك فتركوا من السؤال. فإن قلت: فما فائدة سؤالهم أن تُرَدَّ أرواحُهم في أجسادهم حتى يقتلوا في سبيل اللَّه مرة أخرى، ولا يحصل فيها إلا مثل ما هم فيه؟ أجيب: مرادهم بهذا الكلام القيام بموجب الشكر في مقابلة النعم التي أنعم اللَّه تعالى عليهم. فإن قلت: رؤية اللَّه تعالى كانت أعظم النعم فلِمَ لم يطلبوها؟ قلت: يجوز أن تكون رؤية اللَّه تعالى موقوفة على كمال استعداد يليق بها يحصل ليوم القيامة، فصرف اللَّه قلوبهم عن طلب ذلك إلى وقت حصول الاستعداد، كذا في (شرح ابن الملك) (١). ٣٨٠٥ - [١٩] (أبو قتادة) قوله: (مقبل غير مدبر) تأكيد من قبيل عسير غير يسير، وقيل: احتراز عمَّن يقبلُ فِي وقت ويدبرُ فِي وقت. وقوله: (ثم قال رسول اللَّه ﷺ : كيف قلت؟ ) استعاد منه السؤال المذكور ليجيب

стр. 3732

أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٥]. ٣٨٠٦ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٦]. ٣٨٠٧ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَضْحَكُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى رَجُلَينِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ: . . . . . . ــ بالجواب المذكور ثانيًا تقريرًا وتأكيدًا للمرام مع زيادة شيء آخر مهمٍّ، وهو استثناء الدين بقوله: (إلا الدين) استئناء متصل من الخطايا؛ لأنه يفضي إلى ارتكاب الخطايا من الكذب وخلف الوعد كما عرف في وجه استعاذته ﷺ من الغرم، وقال التُّورِبِشْتِي (١): أراد بالدين هنا ما يتعلق بذمته من حقوق المسلمين، انتهى. فيكون حاصله أن الجهاد في سبيل اللَّه يكفر كل شيء إلا حقوق الناس. ٣٨٠٦ - [٢٠] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (يكفر كل شيء إلا الدين) ذكر السيوطي أنه قد ورد: أن شهداء البحر يُغفَرُ لهم الذنوبُ كلُّها والدَّينُ، وورد: أن اللَّه تعالى يَلي قبضَ أرواح شهداء البحر لا يكِلُ ذلك إلى ملَكِ الموت (٢). ٣٨٠٧ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (يضحك اللَّه تعالى إلى رجلين) أي: يتلقاهما بالقبول والرضاء، والتعدية بـ (إلى) باعتبار معنى الانبساط والإقبال الذي هو مأخوذ

стр. 3733

يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٢٦، م: ١٨٩٠]. ٣٨٠٨ - [٢٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٩]. ٣٨٠٩ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أَمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (١)! . . . . . ــ في الضحك باعتبار معناه اللغوي، فإنه يراد به في متعارف اللغة انبساط الوجه وتكشير الأسنان من سرور النفس، وقيل: يجوز أن يكون معنى الضحك إدرار الرحمة، يقال: ضحك السحاب: إذا صبت ماءه. وقوله: (ثم يتوب اللَّه على القاتل) الكافر بان يؤمنَ ثم يُستشهَدَ. ٣٨٥٨ - [٢٢] (سهل بن حنيف) قوله: (وعن سهل بن حنيف) بلفظ التصغير بالحاء المهملة. قوله: (بلغه اللَّه منازل الشهداء) فيه أن المرء يثاب على نيته، والنظر في أنه يثاب يعني ما يثاب على الفعل أو بمثله ونظيره، وأقول في قوله: (بلغه اللَّه منازل الشهداء): نوع إيماء إلى الثاني، واللَّه أعلم. ٣٨٠٩ - [٢٣] (أنس) قوله: (أن الربيع) بضم الراء وفتح الباء وتثقيل الياء المكسورة.

стр. 3734

أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ فَقَالَ: "يَا أَمَّ حَارِثَةَ! إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ. . . . . ــ وقوله: (يوم بدر) موضع معروف يذكر ويؤنث، وقعت فيه الغزوة التي أعز اللَّه بها الإسلام بقتل صناديد قريش كأبي جهل وأضرابه، قيل: هي اسم ماء، وقيل: اسم بئر حفرها بدر بن قريش، وقيل: كان البئر يرى فيه البدر. قوله: (سهم غرب) في (القاموس) (١): أصابه سهمُ غربٍ ويحرك، وسهمٌ غربٌ نعتًا، أي: لا يُدرَى راميه. وقال في (المشارق) (٢): قوله: (فأصابه سهم غرب) يقال على النعت بفتح الراء وسكونها، قال أبو زيد: فبفتح الراء إذا رمى شيئًا فأصاب غيره، وبسكونها إذا أتى السهمُ من حيثُ لا يُدرَى، وقال الكسائي والأصمعي: إنما هو سهمُ غَرَبٍ بفتح الراء مضافًا الذي لا يُعرَفُ راميه، فإذا عرف فليس بغرب، قال: والمحدثون يسكنون الراء والفتح أجود وأكثر في لسان العرب، وقال ابن سراج: والإضافة أيضًا مع فتح الراء ولا يضاف مع سكونها، انتهى. وقال: والغرب بالتحريك ضرب من الشجر، يقال له بالفارسية: سبسدار، قد يتخذ منه السهام فيقال: سهم غرب، فيضاف ولا يضاف، والذي ذكرناه في الحديث ليس من هذا في شيء. وقوله: (وإن كان غير ذلك) بالرفع على أن (كان) تامَّةٌ، وقد ينتصب، أي: إن كان الأمر غيرَ ذلك، و (ذلك) إشارةٌ إلى كونه في الجنة. قوله: (إنها جنان في الجنة) الضمير للقصة، والجملة -أعني (جِنانٌ فِي الجنَّة) -

стр. 3735

وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٠٩]. ٣٨١٠ - [٢٤] وَعَنْهُ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقَوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ" قَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ: بَخٍ بَخْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخْ بَخْ؟ " قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. . . . . ــ خبرُها يفسرها، والتنوين للتعظيم، أي: درجات عظيمة فيها والفردوس أعلاها. ٣٨١٠ - [٢٤] (وعنه) قوله: (حتى سبقوا المشركين) أي: نزلوا بدرًا قبل نزول المشركين. وقوله: (إلى جنة) أي: مسارعين إليها، أي: إلى أعمال هي سبب دخولها. وقوله: (عرضها السماوات والأرض) أي: عرضها كعرض بحذف كاف التشبيه والمضاف، والمراد وصفها بالسعة والبسط، فشُبِّهَت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه، وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة؛ لأنه دون الطول، وعن ابن عباس: (كسبعِ سماواتٍ وسبعِ أرضَيِنَ لو وُصِلَ بعضُها ببعضٍ). وقوله: (قال عمير) بلفظ التصغير (ابن الحمام) بضم المهملة وتخفيف الميم. و (بخ بخ) بفتح الموحدة وسكون الخاء وتنوينها، يقال: للمدح والرضاء بالشيء، كررت للمبالغة، فإذا أفردت وقفت عليها، وإن كررت وصلت الأولى بالأخرى. وأما أصحاب الحديث فإنهم يروونها بسكون الخاء في الوصل والوقف، ومن أهل اللغة من يشدد الخاء منهما. وقوله: (يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها) حملوه على معنيين أحدهما:

стр. 3736

قَالَ: "فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا" قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠١]. ٣٨١١ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ ". . . . . ــ أنه سيق إلى فهم الرجل من قوله ﷺ : (ما يحملك. . . إلخ) أن الحامل على ذلك القول التعجُّبُ تشبيهًا بالهزل والمزاح من غير نية ورَوِيّة، فنفى عمير ذلك، وقال: ما قلت ذلك إلا رجاء أن أكون من أهلها. وثانيهما: أنك قلت ذلك خوفًا من القتل وبذل المهجة واستعظامًا واستبعادًا لذلك؟ فقال: لا، بل قلت: رجاءً وشوقًا إلى لقاء اللَّه ونيل ثوابه، فافهم. وقوله: (من قرنه) بفتحتين، أي: من جعبته، قيل: هو جعبة من جلد لا خشب فيها أو بالعكس. وقوله: (لئن أنا حييت) من قبل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، فالنحويون على أن قوله: أنتم فاعلُ فعلٍ محذوفٍ يفسِّره ما بعده انفصل بعد حذف العامل، وأرباب المعاني يقولون: مبتدأ قدِّم للاختصاص وجعل الفعلية اسمية، وتحقيقه في (شرح التلخيص) للتفتازاني. وقوله: (حتى قتل) وكان ﵁ أولَ مَن استشهد من الأنصار. ٣٨١١ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (ما تعدّون الشهيد فيكم؟ ) نقل الطيبي (١)

стр. 3737

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ: "إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٥]. ٣٨١٢ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّة. . . . . ــ عن المالكي: أن العدَّ يوافق الظن في المعنى والعمل، فـ (ما) استفهامية في موضع مفعول ثانٍ، والتعبير بـ (ما) للدلالة على الوصف كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]؛ لأن الاستفهام هنا في الحقيقة على الحالة التي ينال بها المؤمن رتبة الشهادة على أنها تعم العقلاء وغيرهم عند الشيخ ابن الحاجب، ولهذا أجابوا بقولهم: مَن قُتِلَ. والشهيد: فَعِيل بمعنى مفعول، أي: يُشهَدُ ويحضرُه الملائكةُ بالنور والكرامة، أو بمعنى فاعل أي: يشاهد ما أُعِدَّ له من النعيم أو يحضر عند ربه، هذا إذا كان من الشُّهود والمشاهدة، ويحتمل أن يكون من الشهادة، أي: مشهود له بالفضل والكرامة، أو يشهد لنفسه بذلك بالصدق والإخلاص، أو يشهد على الأمم يوم القيامة كما يشهد الرسل ﵈. والظرفية في قوله: (في سبيل اللَّه) حقيقية، وفي قَرِينَيه مجازية، أو بمعنى الباء للسببية، والمراد بكونِ هؤلاء شهداءَ مشاركتُهم لهم في نوع من المثوبات التي يستحقها الشهداء، لا مساواتهم لهم في جميع المثوبات والأحكام. ٣٨١٢ - [٢٦] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ما من غازية) أي: جماعة غازية (أو سرية) وهي قطعة من الجيش تبعث للجهاد، والغزو: قطع جيش كبير، وقد اصطلح

стр. 3738

تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٦]. ــ أهل السير على أن يطلقوا الغزو على ما كان فيه النبي ﷺ بنفسه الكريمة، والسرية على ما لم يكن فيها، والغزو بمعنى اللغة يتناولهما معًا، ولهذا قال: تغزو في كلا الصورتين، يعني أن هذا الحكم ثابت في الغزو الكثير والقليل، فـ (أو) ليس للشك، ويحتمل أن يكون للشك من الراوي في أن لفظ النبي ﷺ : ما من غازية، أو ما من سرية. وقوله: (إلا كانوا قد تعجلوا) أي: في الدنيا ثلثي أجورهم، أي: الغنيمةَ والسلامةَ، وبقي ثلث أجورهم يستوفونه يوم القيامة، وعلى هذا من سلم ولم يغنم استوفى ثُلثَ أجوره وبقي ثلثان، وذلك بسبب ما قصد بغزوه محاربة أعداء اللَّه ونصر أوليائه. وقوله: (تخفق) من الإخفاق، ومعناه أن تغزو ولا تغنم وتخيب من ذلك، والإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئًا، وكذا كل طالب حاجة إذا لم يقضِ حاجتَه، وأصله من الخَفْق وهو التحرُّك، خَفَقَت الرايةُ تخفِقُ وتخفُقُ خَفْقًا وخَفَقانًا: اضطربت وتحركت، وكذا السراب، كاختفق، وخفق النجم يخفق خفوقًا: غاب، والخفق: تغيب القضيب في الفرج، والخفقان محركة: اضطراب القلب، والمعنى صار فيه الغنيمة خافقة غير ثابتة مستقرة. وقوله: (وتصاب) أي: الغازيةُ أو السريةُ، من المصيبة بمعنى تُقتَلُ، فهنا أقسام متعددة: السلامة مع الغنيمة، وعدمها، والهلاك، وكل محسوب، فإن اللَّه لا يضيع أجر المحسنين، وتمام الأجر في عدم الغنيمة مع القتل، والجرح أيضًا محسوب على

стр. 3739

٣٨١٣ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٠]. ٣٨١٤ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّه". . . . . ــ قدرها، فتدبر. ٣٨١٣ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (ولم يحدث) من التحديث (به) أي: بالغزو (نفسه)، أي: لم يقل في نفسه: يا ليتني كنت غازيًا، وقيل: معناه لم يُرِدِ الخروجَ، وعلامتها في الظاهر إعدادُ آلتِه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦]، كذا في الحواشي. وقوله: (ماث على شعبة من نفاق) أي: أشبَهَ المنافقين المتخلِّفين عن الجهاد. ٣٨١٤ - [٢٨] (أبو موسى) قوله: (فقال) أي: الرجلُ الذي جاء إليه، ومقول القول: (الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر) أي: لأنْ يُذكَرَ بين الناس ويوصفَ بالشجاعة، ويذهب صيته في الآفاق، وهو السمعة. وقوله: (ليرى) بلفظ المجهول من الرؤية، و (مكانه) أي: منزلته من الشجاعة وقدره، مرفوع على أنه مفعول ما لم يُسَمَّ فاعله، أو منصوب على أنه مفعول ثان، وفي (يرى) ضمير الرجل، ويجوز أن يكون بلفظ المعلوم من الإراءة، و (مكانه) منصوب على أنه مفعول ثان، والمفعول الأول محذوف، أي: ليُرِيَ الناسَ في الشجاعة وهو

стр. 3740

مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨١٠، م: ١٩٠٤]. ٣٨١٥ - [٢٩] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ" وَفِي رِوَايَةٍ: "إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: "وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢٣]. ٣٨١٦ - [٣٠] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ. [م: ١٩١١]. ــ الرياء، ويجوز أن يكون المراد مكانه في الجنة أو في العرصات أو في سبيل اللَّه، وهذا أيضًا نازل عن درجة الصدق في الإخلاص لوجه اللَّه، ولتكون كلمته هي العليا، فافهم. ٣٨١٥، ٣٨١٦ - [٢٩، ٣٠] (أنس) قوله: (رجع من غزوة تبوك) موضع من الشام، وهو آخر غزواته ﷺ . وقوله: (إلا كانوا معكم) أي: بالقلب والهمة والدعاء، وبهذا شركوا في الأجر، أي: في أصله لا في قدره، قال اللَّه : ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]، وشركوا بكسر الراء في (القاموس) (١): شِركَه كعلمه شِركةً بالكسر. وقوله: (حبسهم العذر) فإن القاعدين الموعود لهم الحسنى هم أولو الضرر كما نص عليه في كتاب اللَّه، وفي الحديث فضل نية الخير والتأسف على فوات ذلك.

стр. 3741

٣٨١٧ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: "أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٠٤، م: ٢٥٤٩]. وَفِي رِوَايَةٍ: "فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا". ٣٨١٨ - [٣٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْفَتْح: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْح، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنجيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٨٣، م: ١٣٥٣]. ــ ٣٨١٧ - [٣١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ففيهما) أي: في خدمة والديك، (فجاهد) من قبيل قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وهذا إذا كان الجهاد تطوعًا، وهكذا حكم الحج وسائر العبادات. ٣٨١٨ - [٣٢] (ابن عباس) قوله: (لا هجرة) أي: فريضة (بعد الفتح) أي فتح مكة، فإنها كانت فريضة عينًا من مكة بل من كل مكان أسلموا فيه وهو دار الكفر إلى المدينة، فإن أهل الدين فيها كانوا قليلين ضعفاء فافترضت ليستعينوا بهم وليزول وزر المشركين وافتتان المسلمين بهم، فلما فتحت مكة زالت العلة إلا أن مفارقة الأوطان لأجل الجهاد، أو للفرار من دار الكفر ومن الفتنة، أو لطلب العلم، أو لزيارة المساجد الثلاثة باقية إلى يوم القيامة، وقد يُفرَضُ على الكفاية خروجُ طائفة من المؤمنين للتفقُّه بموجب قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]. وقوله: (وإذا استنفرتم فانفروا) الاستنفار طلب النفر، أي: الخروج، أي: إذا أمرَكم الأميرُ بالخروج فأطيعوه.

стр. 3742

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٨١٩ - [٣٨] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٢٤٨٤]. ــ الفصل الثاني ٣٨١٩ - [٣٣] (عمران بن حصين) قوله: (ظاهرين) أي: غالبين، ظهر عليه: غلبة. وقوله: (على من ناواهم) أي: عاداهم، والمناواة والنِّواء: المعاداة، يقال: ناويتُ الرجل نِواءً ومناواةً، وأصله من النهوض؛ لأن من عاديته وحاربته: ناء إليك أي: نهض، ونويت إليه، وورد في الخيل: (ونِواءً لأهل الإسلام) بكسر النون ممدودًا، أي: معاداةً لهم، ومنه قوله: لينوء بها، أي: ينهض، وقوله: فذهب لينوء فأغمي عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، وفي الحديث الآخر: وناء بصدره، أي: نهض، كذا في (المشارق) (١)، وبالجملة النوء في الأصل النهوض، في (القاموس) (٢): ناء نوءًا: نهض بجهد ومشقة، وقد يراد به العداوة لما ذكر. وقوله: (حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال) قيل: المراد بآخرهم عيسى ﵇ ومن تابعه، والمقصود أن الجهاد في هذه الأمة وظهورهم على الحق وغلبتهم على الكفار باقٍ إلى يوم القيامة.

стр. 3743

٣٨٢٠ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُجَهِّزْ غَازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٠٣]. ٣٨٢١ - [٣٥] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٥٠٤، ن: ٣٠٩٦، دي: ٢/ ٢١٣]. ٣٨٢٢ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَاضْرِبُوا الْهَامَ، تُوَرَّثُوا الْحِنَانَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٨٥٤]. ــ ٣٨٢٠ - [٣٤] (أبو أمامة) قوله: (أو يخلف) بالجزم عطف على (يُجهِّزْ)، و (القارعة): الداهية الشديدة، ومنه سميت القيامة قارعة. ٣٨٢١ - [٣٥] (أنس) قوله: (وألسنتكم) بأن تخوِّفوهم وتوعدوهم بالقتل والأخذ والنهب ونحو ذلك، وبأن تذمُّوهم وتسبُّوهم إذا لم يؤدِّ ذلك إلى سبِّ اللَّه ، وبأن تدعوا عليهم بالخذلان والهزيمة، وللمسلمين بالنصر والغنيمة، وبأن تحرِّضوا الناس على الغزو ونحو ذلك. ٣٨٢٢ - [٣٦] (أبو هريرة) قوله: (أفشوا السلام) بأن تجهروا به حتى يسمع المُسلَّمَ عليه، والمراد سلِّموا على مَن تعرفونه وعلى مَن لا تعرفونه، (واضربوا الهام) أي: هامَ الكفارِ جمع هامة بالتخفيف بمعنى الرأس، وفي حليته ﷺ : (عظيم الهامة)، وضربُ الهامِ كناية عن الجهاد. و (ثورّثوا) بلفظ المجهول من الإيراث.

стр. 3744

٣٨٢٣ - [٣٧] وَعَن فَضالَةَ بنِ عُبيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٦٢١، د: ٢٥٠٠]. ٣٨٢٤ - [٣٨] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. [دي: ٢/ ٢٧٨]. ٣٨٢٥ - [٣٩] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُوَاقَ ناقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، ــ ٣٨٢٣، ٣٨٢٤ - [٣٧، ٣٨] (فضالة بن عبيد، عقبة بن عامر) قوله: (وعن فضالة) بفتح الفاء. وقوله: (فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة) قد أسلفنا الكلام عليه في الفصل الأول من كتاب العلم في حديث أبي هريرة: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله) فتذكر. ٣٨٢٥ - [٣٩] (معاذ بن جبل) قوله: (فواق) أي: قدرَ فُواقٍ، وهو بضم الفاء وبفتح: ما بين الحَلْبتَينِ، فإن الناقة تُحلَبُ وتُترَكُ ليدرَّ، ثم تُحلَبُ، ويقال: ما أقام عندي إلا فُواقًا، وأصله من الفَوق؛ لأن الدرَّ ينزل من فوق، ولقد أبعد من قال: يحتمل أن يكون المراد بما بين الحلبتين ما بين الغداة إلى العِشاء؛ لأن الناقة تُحلَبُ فيهما؛ لفوات المبالغة، لأن الجهاد والقتال من الغداة إلى العشاء متعسِّر، اللهم إلا أن يراد به السعي إلى الجهاد والتهيؤ [له]، وللَّه در صاحب (القاموس) (١) حيث نقل: الفُواق ما بين الحلبتين، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضَّرع.

стр. 3745

وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا الزَّعْفَرَانُ، وَرِيحُهَا الْمِسْكُ، ــ وقوله: (أو نكب) بلفظ المجهول مخففًا (نكبة) النكبة في الأصل ما يصيب الإنسان من الحوادث، في (القاموس) (١): النكبة بالفتح: المصيبة، ويستعمل فيما يصيب الأصبع من الجراحة من حجارة ونحوها، يقال: نُكِبَت أصبعُه، أي: نالته الحجارة، وفي الحديث: (فنُكِبَت أصبعُه) أي: ضربها بحجر فأدماها، ومنه: حتى النكبة يُنكَبُها، والشوكة يُشَاكُها، كذا في (المشارق) (٢)، وقيل: النكبة جراحة من سقوط من دابة، ومن حمل سلاح ونحو ذلك، كذا في (مجمع البحار) (٣)، والضمير في (إنَّها) للنكبة ليدل على الجرح بالسِّنان والسيف بطريق الأولى، ونقل عن الكازروني: أن المراد بالنكبة والجرح في الحديث بمعنى واحد، بدليل وصف لونها بلون الزعفران، إذ لون الزعفران يابسًا يشبه لون الدم، ونقول: يمكن لهذا القائل أن يجعل (أو) للشك من الراوي، واللَّه أعلم فتدبر. وقوله: (كأغزر) بالغين المعجمة والزاي أفعل التفضيل من الغَزارة بمعنى الكثرة، والغزير: الكثير من كل شيء، غزُرَ الشيءُ: كثُرَ، والماشية: درَّت ألبانُها، والغزرة من الآبار والينابيع: الكثير الماء، ومن العيون: الكثيرة الدمع، أي: تجيء النكبةُ أكثرَ أوقات كونها في الدنيا حين نُكِبَ، والكاف زائدة و (ما) مصدرية والوقت مقدر كقولهم: أخطبُ ما يكون الأميرُ.

стр. 3746

وَمَنْ خَرَجَ بِهِ خُرَاجٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ طَابَعَ الشُّهَدَاءِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٦٥٧، د: ٢٥٤١، ن: ٣١٤١]. ٣٨٢٦ - [٤٠] وَعَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ بِسَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٦٢٥، ن: ٣١٨٦]. ٣٨٢٧ - [٤١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ. . . . . ــ وقوله: (ومن خرج به خراج) بضم الخاء المعجمة: ما يخرج من البدن من القُروح والدَّماميل، يعني يثاب المجاهد بما يصيبه في سبيل اللَّه سواء كان من العدو كالجراحة أو من غيره كالنكبة أو من نفسه كالخراج. و (الطابع) بفتح الباء: الخاتَم، والكسر لغة فيه، والمراد به العلامة، أي: يكون عليه علامةُ الشهداء وأمارتُهم ليعلمَ أنه سعى في سبيل اللَّه وجاهد فيُجزَى جزاءَ المجاهدين. ٣٨٢٦ - [٤٠] (خريم بن فاتك) قوله: (وعن خريم) بالخاء المعجمة والراء على لفظ التصغير، (ابن فاتك) بالفاء والتاء المثناة. وقوله: (كتب لهم بسبع مئة ضعف) المضاعفة ترتقي من العشرة إلى ما شاء اللَّه إلى سبع مئة ضعف في كل عمل، ولعل مضاعفة الإنفاق في سبيل اللَّه المراد منها الجهاد يبلغ إلى سبع مئة البتة لا يكون أقل منه، واللَّه أعلم. ٣٨٢٧ - [٤١] (أبو أمامة) قوله: (ظل فسطاط) في (القاموس) (١): الفسطاط

стр. 3747

فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمِنْحَةُ خَادِمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ــ بالضم: السرادق من الأبنية كالفُسَّاط والفُسْتاط والفُسَّات ويكسرن، وفي (الصراح) (١): خيمة وخركَاه بزركَ، وفي (النهاية) (٢): هو ضرب من الأبنية في السفر دون السُّرادق، وقد يجيء بمعنى أهل الكورة والمدينة التي فيها مجمع الناس، ومنه: (عليكم بالفُسْطاطِ فإنَّ يدَ اللَّه على الفُسْطاطِ)، ومعناه أن جماعة أهل الإسلام في كنف اللَّه فأقيموا فيهم ولا تفارقوهم، وعَلَمٌ لمصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص. وقيل: هو ضرب من الأبنية وبه سميت المدينة. ثم المراد بـ (ظل فسطاط) في الحديث استظلال المجاهدين في الخيمة، وقيل: المراد منحة فسطاط لكنه ذكر الظل لأنه المقصود منه. وقوله: (ومنحة خادم) منحه كمنعه وضربه: أعطاه، والاسم: المِنْحَة بالكسر، اعلم أن المنحة في الأصل بمعنى العطية والهبة مطلقًا، وغلب في تمليك المنفعة بلا عوض دون الرقبة، وأكثر ما يستعمل في الناقة تُمنَح وتعطى لأحد ينتفع بلبنها مدة لكونها غالبَ عطايا العرب، ثم تُسترَدُّ، وليست مخصوصة باللبن بل يجعل وبرها ولبنها وولدها كما قال في (القاموس) (٣)، وقد وقع في الحديث: (من منحَ منيحةَ ورَقٍ) يشمل ما يمنح من شجرة لأكل ثمرتها أو أرض لزرعها، ومنه ما وقع في هذا الحديث: (ومنحة خادم) أي: هبته وعطيته في سبيل اللَّه بأن يعطي أحدًا من المجاهدين خادمًا يخدمه أو يتركه بينهم يخدمهم ويعينهم.

стр. 3748

أَوْ طَرُوقَةُ فَحْلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٢٧]. ٣٨٢٨ - [٤٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي أُخْرَى: "فِي مَنْخِرَيْ مُسْلِمِ أَبَدًا" وَفِي أُخْرَى لَهُ: "فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، ــ وقوله: (أو طروقة فحل) الطرق: الضرب أو بالمطرقة بالكسر، والمراد بطروقة الفحل الناقة يطرقها الفحل، أي: بلغت أوانَ أن يطرق، فهي فَعُولة بمعنى مفعولة، والرواية بالرفع فهي معطوفة على قوله: (منحة خادم)، فيجب القول بحذف المضاف، أي: منحةُ طَرُوق، ولو كانت الرواية بالجر لم يحتج إلى حذف المضاف ولكن لم تثبت، واللَّه أعلم. ٣٨٢٨ - [٤٢] (أبو هريرة) قوله: (حتى يعود اللبن في الضرع) بالمحال، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وقوله: (في منخري مسلم) المنخر بفتح الميم وكسر الخاء وقد يكسر ميمه إتباعًا للخاء، وقد يفتح الخاء إتباعًا للميم: خرق الأنف، وحقيقته موضعُ النَّخِير، وهو مدُّ النفس في الخياشيم، والنخير صوت الأنف، وفي الحديث: (لما خلقَ اللَّهُ إبليسَ نخَرَ)، كذا في الحاشية. وقال في (القاموس) (١): المنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما وكمجلس: خرق الأنف، وقال: الخياشيم غراضيف في أقصى الأنف بينه وبين الدماغ.

стр. 3749

وَلَا يَجْتَمعُ الشُّحُّ وَالإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا". [ت: ١٦٣٣، ن: ٣١٠٧]. ــ قوله: (ولا يجتمع الشح والإيمان) في (القاموس) (١): الشح: البخل والحرص، وفي (النهاية) (٢): الشح: أشد البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام، وقيل: البخل بالمال، والشح بالمال والمعروف. وفي (المشارق) (٣): الشح: البخل وكثرة الحرص على إمساك ما في اليد وغيره، وقيل: الشح عام كالجنس، والبخل خاص في أفراد الأمور كالنوع له، يقال: رجل شَحِيح وشَحَاح بفتح الشين وتخفيف الحاء، ويقال: شححت أشُحُّ وأشِحُّ شَحًّا بالفتح والاسم بالضم. وفي (الصراح) (٤): شح: زفتي وحريصي، شحاح بالفتح: بخيل وزفت وحريص، أرض شحاح: لا تسيل إلا من مطر كثير، وذكر الطيبي (٥): أن البخل هو مطلق المنع، والشح المنع مع الظلم من مال الغير ومنع الزكاة وهو معنى الكنز، ونقل عن (الكشاف): والكزازة الانقباض واليبس؛ لأن المنع إذا انضم إلى الكزازة والحرص حمل الإنسان على رذائل الأخلاق بخلاف المنع مطلقًا. وفي (مجمع البحار) (٦): قال ابن عمر لمن قال: إني شحيح: إن كان شحُّك

стр. 3750

٣٨٢٩ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ. . . . . ــ لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك فليس بشحك بأس، وقال ابن مسعود لمن قال: لا أعطي ما أقدر على منعه، قال: ذلك البخل، والشح أن تأخذ مال الغير بغير حق. وقال التُّورِبِشْتِي (١): الشح بخل مع حرص، والإنسان مجبول عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، والنبي ﷺ استعاذ من الشح المطاع، ولم يستعذ من الشح لعلمه أنه أمر جِبِلِّيٌّ فُطِرَ عليه الإنسانُ، فكل ما كان من هذا القبيل لم يخل من المصلحة، والإنسان إنما جبل عليه ليكون شحيحًا بدينه، وليتمكن من الإمساك حيث أمر بالإمساك، والمحمود منه ما كان في سلطان القلب، والمذموم منه المطاع، وذلك إذا غلب سلطانه على القلب، ومركز الشح النفس، فلا يتمكن من القلب إلا بعد خلوِّه من الإيمان باستيلاء سلطان النفس على القلب، فإن النفس ظلمانية والقلب نوراني، واستيلاء كل واحد منهما على الآخر يدل على زوال الصفة المضادة، والضدان لا يجتمعان، انتهى. هذا ومع ما ذكر كله يكون المراد بالإيمان كماله، فإن الشح ليس كفرًا بدليل إثباته للمؤمن كما في قوله ﷺ : (خير الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح) كما قالوا في أمثال ذلك. ٣٨٢٩ - [٤٣] (ابن عباس) قوله: (تحرس) بضم الراء أي: تكون حارسًا للمجاهدين تحفظُهم وأموالَهم عن الأعداء، ونسبة الحراسة إلى العين مجازية، فالعين الباكية من خشية اللَّه مجاهدةٌ مع النفس، والحارسةُ مع الكفار، فاشتركا في عدم مِسَاس
следующие страницы →