← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

وَمَنْ خَرَجَ بِهِ خُرَاجٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ طَابَعَ الشُّهَدَاءِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٦٥٧، د: ٢٥٤١، ن: ٣١٤١]. ٣٨٢٦ - [٤٠] وَعَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ بِسَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٦٢٥، ن: ٣١٨٦]. ٣٨٢٧ - [٤١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ. . . . . ــ وقوله: (ومن خرج به خراج) بضم الخاء المعجمة: ما يخرج من البدن من القُروح والدَّماميل، يعني يثاب المجاهد بما يصيبه في سبيل اللَّه سواء كان من العدو كالجراحة أو من غيره كالنكبة أو من نفسه كالخراج. و (الطابع) بفتح الباء: الخاتَم، والكسر لغة فيه، والمراد به العلامة، أي: يكون عليه علامةُ الشهداء وأمارتُهم ليعلمَ أنه سعى في سبيل اللَّه وجاهد فيُجزَى جزاءَ المجاهدين. ٣٨٢٦ - [٤٠] (خريم بن فاتك) قوله: (وعن خريم) بالخاء المعجمة والراء على لفظ التصغير، (ابن فاتك) بالفاء والتاء المثناة. وقوله: (كتب لهم بسبع مئة ضعف) المضاعفة ترتقي من العشرة إلى ما شاء اللَّه إلى سبع مئة ضعف في كل عمل، ولعل مضاعفة الإنفاق في سبيل اللَّه المراد منها الجهاد يبلغ إلى سبع مئة البتة لا يكون أقل منه، واللَّه أعلم. ٣٨٢٧ - [٤١] (أبو أمامة) قوله: (ظل فسطاط) في (القاموس) (١): الفسطاط

стр. 3747

فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمِنْحَةُ خَادِمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ــ بالضم: السرادق من الأبنية كالفُسَّاط والفُسْتاط والفُسَّات ويكسرن، وفي (الصراح) (١): خيمة وخركَاه بزركَ، وفي (النهاية) (٢): هو ضرب من الأبنية في السفر دون السُّرادق، وقد يجيء بمعنى أهل الكورة والمدينة التي فيها مجمع الناس، ومنه: (عليكم بالفُسْطاطِ فإنَّ يدَ اللَّه على الفُسْطاطِ)، ومعناه أن جماعة أهل الإسلام في كنف اللَّه فأقيموا فيهم ولا تفارقوهم، وعَلَمٌ لمصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص. وقيل: هو ضرب من الأبنية وبه سميت المدينة. ثم المراد بـ (ظل فسطاط) في الحديث استظلال المجاهدين في الخيمة، وقيل: المراد منحة فسطاط لكنه ذكر الظل لأنه المقصود منه. وقوله: (ومنحة خادم) منحه كمنعه وضربه: أعطاه، والاسم: المِنْحَة بالكسر، اعلم أن المنحة في الأصل بمعنى العطية والهبة مطلقًا، وغلب في تمليك المنفعة بلا عوض دون الرقبة، وأكثر ما يستعمل في الناقة تُمنَح وتعطى لأحد ينتفع بلبنها مدة لكونها غالبَ عطايا العرب، ثم تُسترَدُّ، وليست مخصوصة باللبن بل يجعل وبرها ولبنها وولدها كما قال في (القاموس) (٣)، وقد وقع في الحديث: (من منحَ منيحةَ ورَقٍ) يشمل ما يمنح من شجرة لأكل ثمرتها أو أرض لزرعها، ومنه ما وقع في هذا الحديث: (ومنحة خادم) أي: هبته وعطيته في سبيل اللَّه بأن يعطي أحدًا من المجاهدين خادمًا يخدمه أو يتركه بينهم يخدمهم ويعينهم.

стр. 3748

أَوْ طَرُوقَةُ فَحْلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٢٧]. ٣٨٢٨ - [٤٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي أُخْرَى: "فِي مَنْخِرَيْ مُسْلِمِ أَبَدًا" وَفِي أُخْرَى لَهُ: "فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، ــ وقوله: (أو طروقة فحل) الطرق: الضرب أو بالمطرقة بالكسر، والمراد بطروقة الفحل الناقة يطرقها الفحل، أي: بلغت أوانَ أن يطرق، فهي فَعُولة بمعنى مفعولة، والرواية بالرفع فهي معطوفة على قوله: (منحة خادم)، فيجب القول بحذف المضاف، أي: منحةُ طَرُوق، ولو كانت الرواية بالجر لم يحتج إلى حذف المضاف ولكن لم تثبت، واللَّه أعلم. ٣٨٢٨ - [٤٢] (أبو هريرة) قوله: (حتى يعود اللبن في الضرع) بالمحال، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وقوله: (في منخري مسلم) المنخر بفتح الميم وكسر الخاء وقد يكسر ميمه إتباعًا للخاء، وقد يفتح الخاء إتباعًا للميم: خرق الأنف، وحقيقته موضعُ النَّخِير، وهو مدُّ النفس في الخياشيم، والنخير صوت الأنف، وفي الحديث: (لما خلقَ اللَّهُ إبليسَ نخَرَ)، كذا في الحاشية. وقال في (القاموس) (١): المنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما وكمجلس: خرق الأنف، وقال: الخياشيم غراضيف في أقصى الأنف بينه وبين الدماغ.

стр. 3749

وَلَا يَجْتَمعُ الشُّحُّ وَالإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا". [ت: ١٦٣٣، ن: ٣١٠٧]. ــ قوله: (ولا يجتمع الشح والإيمان) في (القاموس) (١): الشح: البخل والحرص، وفي (النهاية) (٢): الشح: أشد البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام، وقيل: البخل بالمال، والشح بالمال والمعروف. وفي (المشارق) (٣): الشح: البخل وكثرة الحرص على إمساك ما في اليد وغيره، وقيل: الشح عام كالجنس، والبخل خاص في أفراد الأمور كالنوع له، يقال: رجل شَحِيح وشَحَاح بفتح الشين وتخفيف الحاء، ويقال: شححت أشُحُّ وأشِحُّ شَحًّا بالفتح والاسم بالضم. وفي (الصراح) (٤): شح: زفتي وحريصي، شحاح بالفتح: بخيل وزفت وحريص، أرض شحاح: لا تسيل إلا من مطر كثير، وذكر الطيبي (٥): أن البخل هو مطلق المنع، والشح المنع مع الظلم من مال الغير ومنع الزكاة وهو معنى الكنز، ونقل عن (الكشاف): والكزازة الانقباض واليبس؛ لأن المنع إذا انضم إلى الكزازة والحرص حمل الإنسان على رذائل الأخلاق بخلاف المنع مطلقًا. وفي (مجمع البحار) (٦): قال ابن عمر لمن قال: إني شحيح: إن كان شحُّك

стр. 3750

٣٨٢٩ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ. . . . . ــ لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك فليس بشحك بأس، وقال ابن مسعود لمن قال: لا أعطي ما أقدر على منعه، قال: ذلك البخل، والشح أن تأخذ مال الغير بغير حق. وقال التُّورِبِشْتِي (١): الشح بخل مع حرص، والإنسان مجبول عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، والنبي ﷺ استعاذ من الشح المطاع، ولم يستعذ من الشح لعلمه أنه أمر جِبِلِّيٌّ فُطِرَ عليه الإنسانُ، فكل ما كان من هذا القبيل لم يخل من المصلحة، والإنسان إنما جبل عليه ليكون شحيحًا بدينه، وليتمكن من الإمساك حيث أمر بالإمساك، والمحمود منه ما كان في سلطان القلب، والمذموم منه المطاع، وذلك إذا غلب سلطانه على القلب، ومركز الشح النفس، فلا يتمكن من القلب إلا بعد خلوِّه من الإيمان باستيلاء سلطان النفس على القلب، فإن النفس ظلمانية والقلب نوراني، واستيلاء كل واحد منهما على الآخر يدل على زوال الصفة المضادة، والضدان لا يجتمعان، انتهى. هذا ومع ما ذكر كله يكون المراد بالإيمان كماله، فإن الشح ليس كفرًا بدليل إثباته للمؤمن كما في قوله ﷺ : (خير الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح) كما قالوا في أمثال ذلك. ٣٨٢٩ - [٤٣] (ابن عباس) قوله: (تحرس) بضم الراء أي: تكون حارسًا للمجاهدين تحفظُهم وأموالَهم عن الأعداء، ونسبة الحراسة إلى العين مجازية، فالعين الباكية من خشية اللَّه مجاهدةٌ مع النفس، والحارسةُ مع الكفار، فاشتركا في عدم مِسَاس

стр. 3751

فِي سَبِيلِ اللَّهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٣٩]. ٣٨٣٠ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَرَّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَةٌ فَأَعْجَبَتْهُ فَقَالَ: لَوِ اعْتَزَلْتُ النَّاسَ فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ مَقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا، أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ؟ اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُوَاقَ ناقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجنَّة". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٥٠]. ــ النار إياهما. ٣٨٣٠ - [٤٤] (أبو هريرة) قوله: (بشعب) الشعب بالكسر: الطريق في الجبل، ومسيل الماء في بطن، وما انفرج بين الجبلين، كذا في (القاموس) (١). ولعل المعنى الأخير أنسب بالمقام وأظهر. وقوله: (فيه عيينة) تصغير عين، وفي بعض النسخ: (غيضة) وهي الأَجَمة، ولعل معنى كونها من ماء وجودُ الماء فيها، وإلا فغاضَ الماءُ بمعنى نضَبَ، فلا يناسب الإعجاب، ولهذا قالوا: هذا ليس بسديد معنًى، ولم يشهد له رواية. وقوله: (عذبة) بالرفع صفة (عيينة)، وقد يجرُّ على الجِوار، و (لو) في (لو اعتزلت) للتمني أو للشرط والجزاء محذوف، وهذه العبارة كثيرة الوقوع، وهي محمولة على المعنيين. وقوله: (ألا تحبون أن يغفر اللَّه لكم) قيل: يفهم منه أنه لا مغفرةَ بالاعتزال

стр. 3752

٣٨٣١ - [٤٥] وَعَنْ عُثْمَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٦٦٧، ن: ٣١٦٩]. ٣٨٣٢ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: . . . . . ــ والعبادة في الشِّعب، ويجاب بأن الرجل كان صحابيًا قد وجب عليه الغزو في ذلك الزمان، وتركُ الواجب بالنفل معصيةٌ، ويمكن أن يحمل المغفرة على الكاملة منها، ودخولِ الجنة مع السابقين، وهو دليل على أفضلية الصحبة على الاعتزال خصوصًا صحبة الرسول ﷺ ، نعم قد يفضل الاعتزال بعد زمانه ﷺ عند الفتن. ٣٨٣١ - [٤٥] (عثمان) قوله: (رباط يوم في سبيل اللَّه خير) الحديث، هذا في حقِّ مَن فُرِضَ عليه المرابطة، فاشتغاله بغيره معصية وإن كان في المسجد مثلًا الذي ورد فيه: (فذلكم الرِّباطُ)، فافهم. ٣٨٣٢ - [٤٦] (أبو هريرة) قوله: (أول ثلاثة يدخلون الجنة) قد علم في أصول الفقه أن النكرة الموصوفة تفيد الاستغراق، فيكون المعنى أول كل ثلاثة من الداخلين هؤلاء الثلاثة، ولا شك أنه يدخل الجنة ثلاثة، فهؤلاء الثلاثة الموصوفون بهذه الصفات أولهم، وليسوا أشخاصًا بل هم ثلاث جماعات، وقد روي: (أول ثُلَّة) بضم المثلثة وتشديد اللام بمعنى الجماعة، وقد ورد أحاديث في السابقين من الأشخاص كرسول اللَّه ﷺ وسائر الأنبياء ﵈، وتقدم هذه الأمة على سائر الأمم، فمن بين الأمة يسبقون هذه الطوائف الثلاثة، ثم تقديم أحد الثلاثة المذكورين ليس مدلولًا للعبارة إلا أن يفهم بالإشارة إلى ذلك من التقديم في الذكر، فافهم.

стр. 3753

شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وَعَبَدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَنَصَحَ لِمَوَالِيهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٤٢]. ٣٨٣٣ - [٤٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: . . . . . ــ وقوله: (وعفيف متعفف) قال في (القاموس) (١): عفّ عَفًّا وعَفَافًا بالفتح وعِفة بالكسر: كفّ عما لا يحل ولا يَجمُلُ، وتعفف: تكلف، انتهى. أقول: ويمكن أن تكون صيغة التفعُّل للمبالغة، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): عفيف عمَّا لا يحل، متعفِّفٌ عن السؤال، وكذا قال في (المشارق) (٣)، فعلى المعنى الأول يكون كالتأكيد، وعلى الثاني يكون تأسيسًا، وقيل: العفيف الصابر المتنزه عما لا يليق، والمتعفف تابع له على سبيل المبالغة. ٣٨٣٣ - [٤٧] (عبد اللَّه بن حُبْشي) قوله: (وعن عبد اللَّه بن حبشي) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة. وقوله: (أي الأعمال أفضل؟ ) واعلم أنه قد وقع في أحاديث متعددة بيان الأفضل من الأعمال بأعمال مختلفة، وحاصل الجمع بينها بأنه ﷺ أجاب في كل مقام بما يناسب حالَ السائل، فمن رأى فيه شيئًا من أمارات الكبر والشدة أجابه بأنه التواضع كإفشاء السلام ولين الكلام، أو البخل أجابه بأنه الجود والسخاوة كإطعام الطعام، أو التكاسل في العبادة أجابه بأنه الصلاة بالليل والناس نيام، وهكذا، فالمراد

стр. 3754

"طُولُ الْقِيَامِ" قِيلَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جُهْدُ الْمُقِلِّ" قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ" قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ، قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَ: "مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ، وَعُقِرَ جَوَادُهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيْمانٌ لَا شكَّ فِيهِ، وَجِهَادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ، وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ" قِيلَ: فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقُنُوتِ". ثُمَّ اتَّفَقَا فِي الْبَاقِي. [د: ١٤٤٩، ن: ٢٥٢٦]. ــ الأفضل في حق السائل، أو المقصود من أفضل الأعمال، وقد سبق الكلام في مثله في موضعه فتدبر. وقوله: (طول القيام) أي: في الصلاة، و (جهد المقل) أي: تصدق الفقير من ماله مع احتياجه إليه فيعطيه بجهد ومشقة، وهذا إذا صحَّ التوكُّلُ ولم يُضِعْ حقَّ العيال، وقد سبق بيانه في (كتاب الزكاة) في (باب أفضل الصدقة). وقوله: (من هجر) أي: هجرةُ مَنْ هجَرَ بحذف المضاف، وكذا في قرينه. وقوله: (وعقر جواده) يعني بذل نفسه وماله وجواده، وقيل: عقر الجواد كناية عن غاية الشجاعة، وتغييرُ الأفضل إلى الأشرف في القتل تفنُّنٌ مع تضمن زيادة المبالغة في باب فضل هذه الخصلة. وقوله: (إيمان لا شك فيه) إشارة إلى قوة اليقين وكماله، وإلا فالإيمان لا يكون مع الشك إلا أن يُكتفى فيه بغَلَبةِ الظنِّ كما قيل، والمراد بالشك معناه اللغوي لا تَساوي الطرفين، و (الغلول) الخيانة في الغنيمة، والمراد بالحَجَّة المبرورة المقبولةُ، وقد سبق في كتاب الحج، و (القنوت) بمعنى القيام.

стр. 3755

٣٨٣٤ - [٤٨] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ــ ٣٨٣٤ - [٤٨] (المقدام بن معدي كرب) قوله: (يغفر له في أول دفعة) الدفعة بالفتح: المرة من الدفع، ويالضم من المطر، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): دفعة بالضم: باران كه بيك بار آيد، دفعة بالفتح: يكبار، فعلم أن أصله في المطر يستعمل في غيره كالدم ونحوه تشبيهًا واستعارة، والرواية في الحديث على الوجهين، وبالضم أظهر، أي: يغفر للشهيد في أول صبّه من دمه. وقوله: (ويرى) بلفظ المجهول، والضمير فيه للشهيد، و (مقعده) منصوب على أنه مفعول ثانٍ، أي: يرى مكانه في الجنة عند انزهاق روحه، وكأنه عدهما واحدًا؛ لأن الثاني من تتمة الأول، وإلا تصير سبعة. وقوله: (ويجار) أي: يحفظ ويؤمن، من أجاره: أنقذه وأعاذه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. وقوله: (ويأمن من الفزع الأكبر) وهو النفخة الأولى، فسَّر بها الزمخشري والبيضاوي قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. وقوله: (ويوضع على رأسه تاج الوقار) التاج: الإكليل، والوقار بفتح الواو: الرَّزانة، أي: تاجٌ هو سبب العزة والعظمة، والضمير في قوله: (منها) للتاج، والتأنيث

стр. 3756

وَيُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقْرِبَائِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٦٦٣، جه: ٢٧٩٩]. ٣٨٣٥ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِغَيْرِ أَثَرٍ مِنْ جِهَادٍ لَقِيَ اللَّهَ وَفِيهِ ثُلْمَةٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٦٦٦، جه: ٢٧٦٣]. ٣٨٣٦ - [٥٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشَّهِيدُ لَا يَجِدُ أَلَمَ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ الْقَرْصَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: . . . . . ــ باعتبار أنه علامة العز والشرف، أو باعتبار أنه مجموعة من الجواهر وغيرها، كذا في الحواشي. و (الحور) نساء أهل الجنة جمع حَوْراء، وهي الشديدةُ بياضِ العَين الشديدةُ سوادِها، و (العين) جمع عَيْناء وهي الواسعة العَين، كذا في (النهاية) (١). ٣٨٣٥ - [٤٩] (أبو هريرة) قوله: (من جهاد) صفة لـ (أثر) وفسروه بجراحة أو تعب أو بذل مال أو تهيئة أسباب الجهاد. وقوله: (فيه ثلمة) بضم المثلثة وسكون اللام في الأصل بمعنى فرجة المكسور والمهدوم، والمراد هنا النقصان في دينه، ونقل الطيبي (٢) أنه يعم جهاد العدو والنفس والشيطان، ويؤيده حديث أبي أمامة الآتي. ٣٨٣٦ - [٥٠] (وعنه) قوله: (ألم القرصة) بالفتح: المرَّة من القَرْص، وهو

стр. 3757

هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٦٦٨، ن: ٣١٦١، دي: ٢/ ٢٠٥]. ٣٨٣٧ - [٥١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةِ دُمُوعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَقَطْرَةِ دَمٍ يُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٦٦٩]. ــ أخذُ لحمِ إنسانٍ بأصبعك حتى تؤلمَه، ولَسْعُ البَراغِيثِ، كذا في (القاموس) (١)، قال الطيبي (٢): وذلك في شهيد يتلذذ ببذل مهجته في سبيل اللَّه طيبًا به نفسه، أقول: يحتمل أن يكون المراد أن ألَم القتل للشهيد بالقياس إلى لذاته التي يجد بعد الموت ليس إلا بمنزلة ألم القرصة فليطب نفسًا بذلك، وذلك في كل شهيد يكون قتاله في سبيل اللَّه، واللَّه أعلم. ٣٨٣٧ - [٥١] (أبو أمامة) قوله: (قطرة دموع) أي: قطراتها، أفردت لعدم الاشتباه مع ما فيه من إيهام أنه يكفي في ذلك قطرة واحدة، وصرح بهذا المعنى في قوله: (وقطرة دم) إشارة إلى فضل إهراق الدم على تقاطر الدمع، فافهم. وقوله: (فأثر في سبيل اللَّه) كالجراحة ونحوها، والأثر في الفريضة كبقاء بلل الوضوء وسيماء الوجه في السجود، واصفرار اللون في التهجد، وخلوف الفم في الصوم، واغبرار قدميه في الحج، وانشقاق الجبهة في الرمضاء، وانشقاق العقب من برد ماء الوضوء، ونحو ذلك.

стр. 3758

٣٨٣٨ - [٥٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَرْكَبِ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٨٩]. ٣٨٣٩ - [٥٣] وَعَنْ أُمِّ حَرَامٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَالْغَرِيقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ". . . . . ــ ٣٨٣٨ - [٥٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لا تركب البحر إلا حاجا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل اللَّه) يعني أن العاقل لا ينبغي أن يلقي نفسه في المهالك إلا لأمر ديني يتقرب به إلى اللَّه، ويحسن بذل النفس، وفيه جواز ركوب البحر للحج والغزو وفضيلته (١). وقوله: (فإن تحت البحر نارًا. . . إلخ)، قيل: هو على ظاهره، فإن اللَّه على كل شيء قدير، وقد يحتمل قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] على هذا المعنى، وقيل: المراد تهويل شأن البحر وتفخيم الخطر في ركوبه، فإن راكبه متعرض للآفات والمهالك بعضها فوق بعض، واللَّه أعلم. ٣٨٣٩ - [٥٣] (أم حرام) قوله: (المائد في البحر) مادَ يمِيدُ مَيْدًا ومَيَدَانًا: تحرَّك، والشرابُ: اضطربَ، والرجلُ: أصابه غَشَيان ودوران من سُكْر أو ركوبِ بحرٍ. وقوله: (الغريق له أجر شهيدين) وفيه فضل الغريق، وقد ورد: (خِيارُ الشهداءِ

стр. 3759

رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٢٤٩٣]. ــ أصحابُ الوَكْفِ) كما ذكرنا في شرح الترجمة، قالوا: هذا إن كان ركوبه للغزو أو الحج أو طلب العلم أو صلة الرحم، وأما التجارة فإن كان لتحصيل القوت ولم يكن طريقٌ سواه فهم داخلون في ذلك، وقد منّ اللَّه تعالى في كتابه المجيد على عباده بركوب الفُلْك، وتسخير البحر، وحصول المنافع بذلك، وقد ركب أصحاب رسول اللَّه ﷺ البحر للهجرة إلى الحبشة وللغزو، فمن منع ذلك وجعله من إلقاء النفس في التَّهلُكة مطلقًا فهو محجوج بهذه الحجج، وأما جعله منافيًا لأمن الطريق فهو مردود بأن المعتبر في ذلك الغالب، ولا شك أن الغالب فيه السلامة، وليس ذلك إلا كمراكب البر خصوصًا في المفاوز والجبال، جعل اللَّه تعالى الفُلْكَ مراكبَ البحر كما جعل الإبلَ والفرسَ مراكبَ البرِّ. قال سيدي أحمد بن زروق رحمة اللَّه عليه في (شرح حزب البحر) (١): وأما حكم ركوب البحر من حيث هو هو فلا خلاف اليوم في جوازه، وإن اختلف فيه نظر السلف، ثم هو ممنوع في أحوال خمسة: أولها: إذا أدى لترك الفرائض أو نقضها فقد قال مالك للذي يميدُ فلا يصلِّي: أيركبُ حيثُ لا يصلِّي؟ ويلٌ لمَن ترك الصلاة. والثاني: إذا كان مخوفًا بارتجاجه من الغرق فيه فإنه لا يجوز ركوبه لما فيه من الإلقاء في التهلكة، وذلك من دخول الشمس العقرب إلى آخر الشتاء. والثالث: إذا خيف فيه الأسر واستيلاء العدو في النفس والمال فلا يجوز ركوبه، بخلاف ما إذا كان معهم أمان والحكم للمسلمين لقوة يدهم وأخذ رهانيهم وما في

стр. 3760

٣٨٤٠ - [٥٤] وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَصَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ أَوْ قُتِلَ. . . . . ــ معنى ذلك. الرابع: إذا أدى ركوبه إلى الدخول تحت أحكامهم والتذلل لهم ومشاهدة منكراتهم [مع الأمن على النفس والمال بالاستيثاق منهم]، فقد أجراها بعض المشايخ على مسألة التجارة في أرض العدو، ومشهور المذهب فيها الكراهة، وهي من قبيل الجائز، وعليه ركوب أئمة العلماء والصلحاء، وكانوا استخفُّوا الكراهةَ فِي مقابلة تحصيل الواجب الذي هو الحج وما في معناه. الخامس: إذا خيف بركوبه كشف عورة كركوب المرأة في مركب صغير لا تقع لها فيه سترة. وقال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص: صف لي البحر، فقال: يا أمير المؤمنين! مخلوقٌ عظيمٌ، يركبه خَلقٌ ضعيف، دود على عود، فقال عمر رضي اللَّه تعالى عنه: لا جرم لولا الحج والجهاد لضربت من يركبه عنقه بالدرة، ثم منع ركوبه ورجع عن ذلك بعد مدة، وكذلك وقع لعثمان ومعاوية، ثم استقر الأمر على جوازه بشرطه، وباللَّه سبحانه التوفيق، تم كلام ابن زروق، واللَّه أعلم. ٣٨٤٠ - [٥٤] (أبو مالك الأشعري) قوله: (من فصل في سبيل اللَّه) في (القاموس) (١): فصَلَ من البلد فُصُولًا: خرج منه، وفي الحديث: (بعد أن فصَلُوا) أي: رحَلُوا وبانوا عن المقيمين، كذا في (المشارق) (٢)، وقيل: أصله فصَلَ نفسَه عنه،

стр. 3761

أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ أَوْ لَدْغَتْهُ هَامَّةٌ أَو مَاتَ عَلَى فِرَاشهِ بِأَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ وَإِنَّ لَهُ الْجنَّةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٩٩]. ــ لكن لما كثر حذف مفعوله صار كاللازم بمعنى انفصَلَ، كذا في (التفسير)، فالتقدير من خرج عن بلده قاصدًا الجهاد في سبيل اللَّه. وقوله: (أو وقصه فرسه) وقَصَ عنقَه كوعد: كسرها، فوقَصَت لازم متعد. و (الهامة) بتشديد الميم: كلُّ ذاتِ سُمٍّ، وجمعه هَوَامُّ، وكذا السامَّةُ، وقد يفرق بأن الأول ما يقتل، والثاني ما لا يقتل كالعقرب والزُّنبور، وقد تقع الهامَّةُ على ما تدبُّ من الحيوان وإن لم يسمَّ ولا يقتل كالحشرات والقمل، و (الحتف) الموت، وقولهم: مات حَتْفَ أنفِه، أي: على فراشه من غير قتل ولا ضرب ولا غرق ولا حرق، وخص الأنف لأنه أراد أن روحهَ تخرجُ من أنفه، والجريح من جراحته، كذا في (القاموس) (١). وقال في (النهاية) (٢): كأنه سقط لأنفه فمات، والحتف الهلاك، وقال السيوطي في (مختصر النهاية) (٣): قال ابن الجوزي: وإنما قيل ذلك لأن نفسه تخرج من فيه وأنفه، فغلب أحد الاسمين، وهو أولى مما ذكره صاحب (النهاية)، وأولُ مَن نطق بهذه الكلمة النبيُّ ﷺ ، ولم تُسمَع من أحد من العرب قبله كما ثبت في (المسند) و (المستدرك) (٤). وقوله: (وإن له الجنة) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].

стр. 3762

٣٨٤١ - [٥٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٨٧]. ــ ٣٨٤١ - [٥٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (قفلة كغزوة) القفلة: الرجوع من السفر، قفل: إذا عاد من سفره، وقد يقال للسفر في ابتدائه: قُفُول، ومنه يقال لجماعة المسافرين: قافلة تفاؤلًا، وأكثر ما يستعمل في الرجوع، وهو حقيقته، وهو المراد هاهنا، ثم يقال في معنى هذا الكلام: إن رجوع المجاهد إلى وطنه في حكم ذهابه للجهاد بمعنى أن أجره في انصرافه إلى أهله كأجره في إقباله إلى الجهاد، يعني يبقى أجره وثوابه إلى حين الرجوع أداءً لحقِّ الأهل والعِيال، كما قيل ذلك في الحج أيضًا، بل في كل ذهابٍ إلى الطاعة، ورجوعٍ منها إلى البيت، فالرجوع من تتمة الذهاب، هذا هو الوجه، رجحه بعض الشارحين. لكن التنكير في قوله: (قفلة) ربما ينظر إلى أن المراد منها قفول مخصوص ونوع خاص منه، فإن الظاهر على المعنى المذكور أن يقال: القفلة كالغزوة. فقيل: معناه أن هذا ورد في قوم قفلوا لمصلحة فيه كخوفهم أن يدهمهم من عدوهم مَن هو أكثر عددًا منهم فقفلوا ليستضيفوا إليهم عددًا آخر من أصحابهم، ثم يَكُرُّوا على عدوهم، وقيل: المراد بالقُفُول هاهنا التعقيب، وهو الرجوع ثانيًا في الوجه الذي جاء منه منصرفًا وإن لم يلقوا عدوًا ولم يشهدوا قتالًا، وقد يفعل الجيش ذلك إذا انصرفوا من مغزاهم؛ لأن العدو إذا رآهم قد انصرفوا عنهم أمنوهم وخرجوا من أمكنتهم، فإذا قفل الجيش إليهم نالوا الفرصة فأغاروا عليهم. وقال التُّورِبِشْتِي (١): الوجه الأول أقوم؛ لأن القفول إنما يستعمل في الرجوع

стр. 3763

٣٨٤٢ - [٥٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِلْغَازِي أَجْرُهُ، وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الْغَازِي". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٢٦]. ــ عن الوجه الذي ذهب إليه لحاجة إلى حيثُ توجَّه منه، انتهى. وهذا إنما ذكره لترجيحه على الوجه الثالث؛ لأن القفول فيه محمول على الرجوع إلى ما انصرفوا عنه، وهو المغزى لا إلى حيث توجه منه وهو الوطن، وأما الوجه الثاني وهو منقول عن الطحاوي، فالقفول فيه محمول على ما حمل عليه في الوجه الأول. وأقول -واللَّه أعلم-: يمكن أن يكون المراد إراءة العدو صورة القفول في المعركة بالانصراف إلى جهة أخرى من غير انصراف إلى البيت أو المغزى حتى يظن العدو أنهم رجعوا فيغفلوا ويهنؤوا فيكروا عليهم من تلك الجهة، وذلك من خداعات الحرب، فافهم. ٣٨٤٢ - [٥٦] (وعته) قوله: (للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي) الجاعل من يدفع جُعْلًا إلى غازٍ ليغزوَ، والجُعْل بالضم: ما يجعل للإنسان على عمله، وكذا الجَعِيلةُ والجُعَالة مثلثة، وغلب بالفتح على ما يجعل إذا غزا عنك، وجعل له كذا على كذا شارطه به عليه، فمن جعل شيئًا من ماله أحدًا ليغزو فللغازي أجز واحد وهو أجرُ غَزوِه، ولهذا الجاعل أجران، أحدهما أجر إنفاق ماله، والآخر أجر غزو ذلك الغازي لتسبّبه في ذلك، فيكون شريكًا في الثواب. ثم اعلم أن بعض الشارحين حملوا هذا الحديث على الاستئجار كما هو الظاهر من لفظ الجعل، وقالوا: إنه قد اختلف في جواز أخذ الأجرة على الجهاد، فرخص فيه الزهري ومالك ونسبوه إلى الحنفية أيضًا على ما نقل الطيبي (١) لظاهر هذا الحديث،

стр. 3764

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يجوِّزه قوم ومنهم الشافعي وقال: لا يجوز أن يغزو بجعل وأوجب ردَّه إن أخذَ، ومعنى الحديث عندهم أن يحمل الجاعل على المجهِّزِ للغازي والمعين له من غير استئجار وشرط. وقال التُّورِبِشْتِي (١) -وهو من الحنفية-: لم يرد بالجاعل في هذا الحديث المستأجِرَ ولا بالمجعولِ له الأجيرَ، ولهذا ذكره بلفظ الجعل لا بلفظ الإجارة، وعبَّرَ عن المجعول له بالغازي لا بالأجير، وإنما أراد بالجاعل الذي يتبرَّع بشيء يعطيه من ماله لمن يستعين به على الجهاد وينفقه على نفسه وعياله، ثم ذكر أن للمجعول له أجرًا وهو أجر الغزو، وللجاعل أجرين: أجرًا على ما بذل من المال، وأجرًا على ما حرَّضَ وحثَّ عليه من القتال حتى شارك الغزاة، انتهى. يعني أخذ الأجرة على الجهاد وإن كان جائزًا عند الحنفية فذلك إنما هو رخصة منهم في أصل الجواز وعدم وجوب الرد كما هو مذهب الشافعي، ولكن ليس فيه غزو وأجر، بل الظاهر أنه مع وجود الجواز يكون مكروها لأخذ الأجرة على الطاعة كما يفهم من عبارة (الهداية) (٢) في كراهة أخذ الإمام الجُعلَ من الناس على الجهاد، ما دام [فيءٌ] في بيت المال بدليل حديث أبي أيوب الآتي الدالِّ على حصره في كونه أجيرًا، يعني: لا غازيًا ومجاهدًا، وحديث يعلى بن أمية الناطقِ بأنه لا أجرَ له في الدنيا وهو السهمُ، ولا في الآخرة وهو الثوابُ. فعلى ما ذكروا ليس في حديث ابن عمر حجة للحنفية على جواز أخذ الأجرة

стр. 3765

٣٨٤٣ - [٥٧] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبٍ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الأَمْصَارُ، وَسَتَكُونُ جُنُود مُجَنَّدَةٌ، يُقْطَعُ عَلَيْكُمْ فِيهَا بُعُوثٌ، ــ على الجهاد، ويكون وجه تجويزهم أنه عقد صحيح بحسب ظاهر الحكم، غايته أنه لا يكون فيه أجر وثواب، وأما ثبوت السهم للأجير فحديث يعلى بن أمية ينفيه، واختلفوا في الأجير للعمل وحفظ الدواب مثلًا فقيل: لا سهمَ له قاتل أو لم يقاتل، إنما له أجرةُ عملِه، وهو مذهب بعض السلف وأحد قولي الشافعي، وعند مالك وأحمد رحمهما اللَّه يُسهَمُ له وإن لم يقاتل إذا كان مع الناس عند القتال، وقيل: يخير بين الأجرة والسهم، كذا نقل الطيبي (١). وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وأما قول من ذهب من العلماء إلى أن الأجير يُسهَمُ له إذا حضر الواقعة، فإنه محمول على أن حديث يعلى بن أمية إما لم يثبت عندهم أو رآه مخصوصًا في الحكم بذلك الأجير لأنه قال ذلك في أجير بعينه، وأما حديث أبي أيوب فلا دليل فيه على أن الأجير لا سهمَ له، إنما فيه أنه لا ينال ثواب الغزاة لأنه عمل عملًا مدخولًا فيه، واللَّه أعلم. ٣٨٤٣ - [٥٧] (أبو أيوب) قوله: (جنود مجندة) الجُنْدُ: العَسكَر والأعوان، ومجنَّدة، أي: مجموعة، يقال: قَناطِيرُ مقَنطَرة. وقوله: (يقطع) أي: يُقدَرُ (عليكم)، وقطعُ الجيش: إفرازُه من بين الناس، و (فيها) أي: في الجنود (بعوث) أي: جيوش يُبعَثون إلى الغزو من كل قبيلة، وهذا البعث يحتمل أن يكون إلى الأمصار لفتحها أو إلى غيرها بعد فتحها.

стр. 3766

فَيَكْرَهُ الرَّجُلُ الْبَعْثَ فَيَتَخَلَّصُ مَنْ قَوْمِهِ، ثُمَّ يتَصَفَّحُ الْقَبَائِلَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ مَنْ أَكْفِيهِ بَعْثَ كَذَا، أَلَا وَذَلِكَ الأَجِيرُ إِلَى آخِرِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [د: ٢٥٢٥]. ٣٨٤٤ - [٥٨] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُميَّةَ قَالَ: آذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْغَزْوِ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ لِي خَادِمٌ، فَالْتَمَسْتُ أَجِيرًا يَكْفِينِي، فَوَجَدْتُ رَجُلًا سَمَّيْتُ لَهُ ثَلَاثَةَ دَنانِيرَ، ــ وقوله: (فيكره الرجل) اللام للعهد الذهني (البعث) أي: بعثَ الإمامِ إياه أي: الخروجَ مع الجيش إلى الغزو بلا أجرة، (فيتخلص) أي: يخرجُ ويفرُّ من قومه طلبًا للخلاص من الغزو، (ثم يتصفح القبائل) أي: بعد أن فارق هذا الرجلُ المتقاعدُ عن الغزو لوجه اللَّه يتفحَّص ويتتبع القبائل عارضًا نفسه عليهم قائلًا: (من أكفيه بعث كذا) أي: مَن يُعطِيني ويشترطُ لي شيئًا من الأجرة ويأخذني أجيرًا أكفيه مؤنة جيش كذا كما يكفيني هو مؤنتي؟ وقوله: (ألا وذلك الأجير) ألا حرف تنبيه و (ذلك) إشارة إلى الرجل الذي يكره البعث لوجه اللَّه ويرغب فيه للأغراض الدنيوية، وذلك مبتدأ والأجير خبره وتعريف الخبر للحصر. وقوله: (إلى آخر قطرة من دمه) أي: إلى القتل، يعني أنه وإن قُتِلَ فهو أجيرٌ ليس غازيًا، وفي هذه العبارة مبالغة في نفي ثواب الغزو عنه، أي: هو أجيرٌ ليس له إلا الجُعْلُ المشروط، وظاهره أنه لا سهمَ له، فهذا الحديث أيضًا يدل على نفي السهم له، نعم حديثُ يعلى بن أمية أصرحُ وأظهرُ في ذلك، فافهم. ٣٨٤٤ - [٥٨] (يعلى بن أمية) قوله: (آذن) بالمد، أي: أعلَمَ.

стр. 3767

فَلَمَّا حَضَرَتْ غَنِيمَةٌ أَرَدْتُ أَنْ أُجْرِيَ لَهُ سَهْمَهُ، فَجئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: "مَا أَجِدُ لَهُ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا دَنَانِيرَهُ الَّتِي تُسَمَّى". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٢٧]. ٣٨٤٥ - [٥٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رجلٌ يُرِيدُ الْجهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا أَجْرَ لَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥١٦]. ٣٨٤٦ - [٦٠] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْغَزْوُ غَزْوَانِ، فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ، وَأَطَاعَ الإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ، ــ وقوله: (أن أجري له) بضم الهمزة. وقوله: (إلا دنانيره التي تسمى) له، وهذا في الأجير للخدمة، وأما الأجير للغزو الذي دل عليه حديث ابن عمر فغيره، وهو صحيح عند الحنفية، ويكون له السهم، لكن الشارحين لم يذكروا مذهب الحنفية فيه، ولم نجده في (الهداية)، فتدبر. ٣٨٤٥ - [٥٩] (معاذ) قوله: (عرضًا من عرض الدنيا) في (القاموس) (١): العَرْضُ: المَتاعُ، ويحرك، وكل شيء سوى النقدين، ونقل عن (المغرب) (٢): العرض بفتحتين: حُطَام الدنيا، ويروى بالفتح والسكون. ٣٨٤٦ - [٦٠] (معاذ بن جبل) قوله: (من ابتغى وجه اللَّه) أي: رضاه، (وأطاع الإمام) بأن أتى على وجه أمره، (وأنفق الكريمة) أي: المختارَ من ماله، فيكون التاء

стр. 3768

وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ، فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنبهَهُ أَجْز كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً، وَسُمْعَةً، وَعَصَى الإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْكَفَافِ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٢/ ٤٦٦، د: ٢٥١٥، ن: ٤١٩٥]. ٣٨٤٧ - [٦١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْجهَادِ فَقَالَ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو! إِنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا بَعَثَكَ اللَّهُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَإِنْ قَاتَلْتَ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا بَعَثَكَ اللَّهُ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا، ــ للنقل من الوصفية إلى الاسمية، أو نفسَه فيكون الموصوف محذوفًا، ويحتمل على الأول أيضًا أن يكون محذوف الموصوف، أي: أموالَه الكريمةَ النفيسةَ. وقوله: (وياسر الشريك) من المياسرة بمعنى المساهلة والأخذ باليسر، أي: ساهَلَ الرفيقَ. (واجتنب الفساد) أي: التجاوز عن المشروع قتلًا ونهبًا وتخريبًا وخيانة. وقوله: (ونبهه) صحح في بعض النسخ بفتح النون والباء، وفي بعضها بالفتح والسكون. وفي (القاموس) (١): النُّبه بالضم: الفِطنةُ، والقِيامُ من النَّوم. وقوله: (أجر) أي: ذو أجر. وقوله: (فإنه لم يرجع بالكفاف) أي: بالثواب، وقيل: لم يرجع من الغزو رأسًا برأس بحيث لا يكون له أجر ولا يكون له وزر أكثر من أجره. ٣٨٤٧ - [٦١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (محتسبًا) أي: ناويًا للثواب. وقوله: (مكاثرًا) أي: مُفاخِرًا، والتكاثُر: التَّبارِي في الكثرة في الأنفس والأموال،

стр. 3769

يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو! عَلَى أَيِّ حَالٍ قَاتَلْتَ أَوْ قُتِلْتَ، بَعَثَكَ اللَّهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥١٩]. ٣٨٤٨ - [٦٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَعَجَزْتُمْ إِذَا بَعَثْتُ رَجُلًا فَلَمْ يَمْضرِ لِأَمْرِي أَنْ تَجْعَلُوا مَكَانَةُ مَنْ يَمْضِي لِأَمْرِي؟ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ فَضَالَةَ: "وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ" فِي "كتَابِ الإِيمَانِ". [د: ٢٥٣٧]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٨٤٩ - [٦٣] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، ــ أي: تُغازي لتفاخر أني أكثرُ مالًا وجيشًا، أو يقال ذلك، كذا ذكروا، ويحتمل واللَّه أعلم أن يكون معناه طالبًا لكثرة المال، أي: تغازي للغنيمة. ٣٨٤٨ - [٦٢] (عقبة بن مالك) قوله: (إذا بعثت رجلا) أي: أميرًا. وقوله: (فلم يمض لأمري) أي: لم يذهب، أو لم يمتثِلْ لما أمرته. الفصل الثالث ٣٨٤٩ - [٦٣] (أبو أمامة) قوله: (في سرية) بفتح السين وتخفيف الراء المكسورة وتشديد الياء من خمسة أنفس إلى ثلاث مئة أو أربع مئة، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): سرية: باره از لشكر. ويقال: خيرُ السَّرايا أربعُ مئة، واصطلاحُ أرباب

стр. 3770

فَمَرَّ رَجُلٌ بِغَارٍ فِيهِ شَيْء مِنْ مَاءٍ وَبَقْلٍ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِأَنْ يُقِيمَ فِيهِ وَيَتَخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلَا بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَلَكَنِّي بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَمَقَامُ أَحَدِكُمْ فِي الصَّفِّ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهِ سِتِّينَ سَنَةً". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٦]. ــ السير هو أن السرية ما لم يحضر فيه النبي ﷺ ، والذي حضر فيه فهو الغزوة. وقوله: (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية) أي: ما بُعِثتُ للرَّهبانية الشاقَّة (ولكني بعثت بالحنيفية) في (النهاية) (١): الحَنِيفُ: المائل إلى الإسلام الثابت عليه، والحنيف عند العرب مَن كان على دين إبراهيم، وأصل الحَنَف المَيلُ. قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] أي: مخلصًا في عبادته مائلًا عن كل الأديان إلى الإسلام. و (السمحة) أي: السَّهْلة، والمساهلة كالمسامحة، والتسميح السير السهل، وأسمحت قرونته: ذلَّت نفسه، والدابةُ: لانَتْ بعدَ استصعابٍ. وقوله: (لغدوة أو روحة) الغدوة: السير في أول النهار، والروحة: السير في آخره، قيل: المراد بهما مطلق الزمان، أي: لمحة وساعة. وقوله: (خير من الدنيا وما فيها) أي: لو ملكها وتصرف فيها مدتها لغايتها، وقيل: بل لو أنفقها في سبيل اللَّه لكثرة ثواب الجهاد. وقوله: (ولمقام أحدكم في الصف) المراد صف القتال، والمراد بالصلاة

стр. 3771

٣٨٥٠ - [٦٤] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣١٣٨]. ٣٨٥١ - [٦٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "من رَضِي بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَبْدَ مِئَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٤]. ــ النافلة، وقد يراد صف الجماعة، والمراد بيان فضل الصلاة بالجماعة على الصلاة منفردًا. ٣٨٥٠ - [٦٤] (عبادة بن الصامت) قوله: (إلا عقالًا) أي: تحصيلَ عِقالٍ وهو بالكسر: الحبل الذي يُشَدُّ به رُكبةُ البعيرِ، والمقصود المبالغة في قطع الطمع عن الغنيمة. ٣٨٥١ - [٦٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من رضي باللَّه ربًا. . . إلخ)، قد مر شرحه في أول الكتاب مفصلًا، فتذكر. وقوله: (فعجب لها أبو سعيد) يريد نفسه من إقامة المظهر مقام المضمر. وقوله: (وأخرى) أي: هناك خصلة أخرى، أو أبشرك ببشارة أخرى، وهذا تخصيص بعد التعميم؛ لأن الرضا المذكور يشمل كل خير.

стр. 3772

٣٨٥٢ - [٦٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ" فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا (١) مُوسَى أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٢]. ٣٨٥٣ - [٦٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظلِّ العرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِم وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا: مَنْ يُبلِّغُ إِخْواننَا عَنَّا أَنَّنَا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجَنَّةِ، وَلَا يَنْكُلُوا. . . . . . ــ ٣٨٥٢ - [٦٦] (أبو موسى) قوله: (تحت ظلال السيوف) كناية عن حضور معركة القتال والقيام فيها. و (الرثّ) البالي والخلق. وقوله: (أقرأ عليكم السلام) توديع. وجفن السيف: غمده بالفتح ويكسر. ٣٨٥٣ - [٦٧] (ابن عباس) قوله: (جعل اللَّه أرواحهم في جوف طير خضر) مرّ شرحه في الفصل الأول في حديث مسروق. وقوله: (مقيلهم) وهو المكان الذي يستريح فيه وقتَ نصف النهار من القيلولة، والقائلة نصف النهار. وقوله: (ولا ينكلوا) نكل عن الأمر: امتنع، ومنه النكول عن اليمين.

стр. 3773

٣٨٥٤ - [٦٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي يَأْمَنُهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ الَّذِي إِذَا أَشْرَفَ عَلَى طَمَعٍ تَرَكَهُ لِلَهِ " رَوَاهُ أَحْمدُ. [حم: ٣/ ٨]. ــ ٣٨٥٤ - [٦٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (على ثلاثة أجزاء) أي أقسام. وقوله: (الذين آمنوا. . . إلخ)، اقتباس للآية القرآنية، وهؤلاء الذين نفعوا الخلائق، وهذا يوهم مع حصول كمال الإيمان أشرف وأعلى مرتبة. وقوله: (والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم) إشارة إلى أنهم وإن لم ينفعوا الناس بكمال خيرهم لم يضروهم بشرهم، ولم يخالطوهم ولم يطمعوا منهم وهم أدنى رتبة ممن قبلهم. وقوله: (ثم الذي إذا أشرف على طمع. . . إلخ)، يعني أن هؤلاء وإن اختلطوا الناس وكادوا أن يطمعوا ويحرصوا في الدنيا، ولكن حفظهم اللَّه عن ذلك فلم يقعوا في ذلك، قال في (القاموس) (١): طمع فيه وبه كفرح طمعًا: حرص عليه. وقال شيخنا ﵀: الطمع سكون النفس إلى منفعة مشكوكة الوصول. وقال الطيبي (٢): يراد بالطمع في الحديث انبعاثُ هوى النفس إلى ما تشتهيه، فتؤثره عن متابعة الحقِّ، فتركُه غايةُ المجاهدةِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، انتهى. وشرح الحديث

стр. 3774

٣٨٥٥ - [٦٩] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمِيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ يَقْبِضُهَا رَبُّهَا تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ وَأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا غَيْرَ الشَّهِيدِ" قَالَ ابْنُ عَمِيرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي أَهْلُ الْوَبَرِ وَالْمَدَرِ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣١٥٣]. ٣٨٥٦ - [٧٠] وَعَنْ حَسْنَاءَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ قَالَتْ: حَدَّثَنَا عَمِّي قَالَ: قَلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَنْ فِي الْجَنَّةِ؟ . . . . . ــ على ما ذكر وفصل من مخيلات هذا الضعيف عفا اللَّه عنه، واللَّه أعلم. ٣٨٥٥ - [٦٩] (عبد الرحمن بن أبي عميرة) قوله: (ابن أبي عميرة) على وزن كريمة. وقوله: (وأن لها) الرواية بالفتح عطف على (أن ترجع). وقوله: (غير الشهيد) بالرفع بدل من فاعل (تحبُّ)، ويروى بالنصب على الاستثناء. وقوله: (أهل الوبر) محركة: صوف الأبل والأرانب ونحوها، والمراد بها الخيام، وأهل الوبر سكان البوادي؛ لأن خباءهم من الوبر. و (المدر) محركة: قِطَعُ الطينِ اليابسِ، وأهل المدر سكان القرى والأمصار؛ لأن بيوتهم من المدر، وهو كناية عن الدنيا وأهلها. ٣٨٥٦ - [٧٠] (حسناء بنت معاوية) قوله: (حسناء) على وزن حمراء (بنت معاوية) بن سليم الصريمي.

стр. 3775

قَالَ: "النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْوَئِيدُ فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٢١]. ٣٨٥٧ - [٧١] وَعَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃ أَجْمَعِينَ (١) كُلُّهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَرْسَلَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَقَامَ فِي بَيْتِهِ، فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُ مِئَةِ دِرْهَمٍ، ــ وقوله: (النبي في الجنة) مبتدأ وخبر، وكذا قوله: (والمولود في الجنة) وقوله: (والوئيد في الجنة)، والمراد بالمولود الصغير أعم من أن يكون ولد مؤمن أو ولد كافر، وهذا هو المقرر عندهم، وأما ما سبق في (باب الإيمان بالقدر) فله تأويل سبق ذكره هناك، فتدبر. والمراد بالوئيد الموءودة وهو الذي يدفن حيًا كما كان من عادة الجاهلية من دفن البنات، والتذكير باعتبار أن فَعِيلًا إذا كان بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث. وقال السيوطي: ومنهم من كان يئد البنين أيضًا عند المجاعة والضيق، ولعل التخصيص بهذه الأربعة باعتبار الفضل والشرف في الأولين، وأما في الآخرين من جهة دخولهما الجنة بغير عمل وكسب، واللَّه أعلم. ٣٨٥٧ - [٧١] (علي) قوله: (في وجهه) أي: في وجه اللَّه، أي: طلب رضاه، أو من الجهة التي أمر به ورضي عنه، والمآل واحد. وقوله: (فله بكل درهم سبع مئة درهم) وفي بعض النسخ: (سبع مئة ألف)، ومنه

стр. 3776

وَمَنْ غَزَا بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْفَقَ فِي وَجْهِهِ ذَلِكَ، فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُ مِئَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ"، ثُمَّ تَلَا هذهِ الآيةَ: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٧٦١]. ٣٨٥٨ - [٧٢] وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِيمَانِ، لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَّقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَعْيُنَهُمْ. . . . . ــ يعلم أن المضاعفة لا ينحصر بالسبع مئة، بل يزيد كما سبقت الإشارة إليه في حديث خُرَيم بن فاتك في الفصل الثاني، فتدبر. ٣٨٥٨ - [٧٢] (فضالة بن عبيد) قوله: (وعن فضالة) بفتح الفاء. وقوله: (فصدق اللَّه) قيل: أي في وعده الأجرَ الجزيلَ والثوابَ العظيمَ للشهداء، وقال الطيبي (١): معناه أن اللَّه وصف المجاهدين بكونهم صابرين محتسبين، فأخبر بذلك، فصدقه هذا الرجل بفعله وشجاعته في هذا الوصف والإخبار، وهذا أوجه لأنه على المعنى الأول يكون كالتأكيد لمعنى الإيمان، ولأنه مشترك بين الأقسام كلها مع أنه لم يذكره في القسم الثاني، فالتصديق إنما يكون بالشجاعة والصبر والاحتساب، فافهم. فحاصل التقسيم أن المجاهد إما أن يكون متَّقيًا شجاعًا، وهو القسم الأول، أو متَّقيًا غير شجاع، وهو القسم الثاني، أو يكون شجاعًا غير متَّقٍ فإما أن يكون أعماله مخلوطًا بالصالح والسيئ غيرَ مسرفٍ، أو يكون فاسقًا مسرفًا، ففي الأقسام

стр. 3777

يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا" وَرَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى سَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ، فَمَا أَدْرِي أَقَلَنْسُوَةَ عُمَرَ أَرَادَ، أَمْ قَلَنْسُوَةَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: "وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوَّ كَأَنَّمَا ضُرِبَ جِلْدُهُ بِشَوْكٍ طَلْحٍ مِنَ الْجُبْنِ، أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ، فَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَّقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَّقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَاكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٦٤٤]. ــ يحصل تصديق اللَّه دون الثاني، فافهم. وقوله: (هكذا) إشارة إلى ما رفع رأسه لإراءة الحاضرين صورةَ الرفع كما ذكر بقوله: (ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوته) مبالغة في الرفع، والضمير في (قلنسوته) لعمر، وهو الصواب المفيد لحسن الأدب. وقوله: (فما أدري) قول الراوي. وقوله: (كما ضرب) بلفظ المجهول، و (الطلح) شجر عظام من شجر العِضَاهِ له شوك، وهذا كناية عن اقشعرار شعره من الفزع والخوف أو ارتعاد أعضائه. وقوله: (أتاه سهم غرب) أي: أتاه من حيث لا يدري، وقد مرّ شرحه في الفصل الأول من حديث أنس ﵁. وقوله: (فهو في الدرجة الثانية) لعدم شجاعته وتصديقه اللَّه تعالى بذلك مع كونه مشاركًا للأول في جودة الإيمان وصلاح العمل. وقوله: (ورجل مؤمن خلط عملًا صالحًا. . . إلخ)، هذا الرجل والرجل الرابع مقابلان للأول والثاني في جودة الإيمان، ولكن هذا جامع في العمل الصالح والسيِّئ

стр. 3778

٣٨٥٩ - [٧٣] وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْقَتْلَى ثَلَاثَةٌ: مُؤْمِنٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ"، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: "فَذَلِكَ الشَّهِيدُ الْمُمْتَحَنُ فِي خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ لَا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلَّا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، ــ سواء، والرابع عاصٍ فاسق سيِّئُ العمل غالبًا، فالحاصل أن الرجل له أجر وثواب الشهادة على أيّ وجه كان في الإيمان والعمل في الكمال أو النقصان. ٣٨٥٩ - [٧٣] (عتبة بن عبد السلمي) قوله: (وعن عتبة) بضم العين وسكون التاء، و (السلمي) بضم السين وفتح اللام المخففة. وقوله: (مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه) لا بد أن يقيد بما يميزه عن قسيمه وهو مؤمن خلط عملا صالحًا وآخر سيئًا، أي: مؤمن صالح متَّقٍ لم يخلط. وقوله: (فيه) أي: في حقه متعلق لـ (قال)، وكذا في الثاني. وقوله: (فذلك الشهيد الممتحن) أي: المجرَّبُ الصابرُ على الجهاد القويُّ على احتمال المشاقِّ، وفي (النهاية) (١): هو المصفى المهذب، يقول: محَنتُ الفضَّةَ: إذا صفَّيتَها وخلَّصتَها بالنار، وقال البيضاوي (٢) في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣]: جرَّبها للتقوى ومرَّنها عليها، أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها، فإن الامتحان سبب المعرفة. وقوله: (في خيمة اللَّه) خبر بعد خبر، أو هو خبر والباقي صفات، والمراد بخيمة اللَّه حضرتُه ومحلُّ قُربِه كما وقع في حديث الشفاعة: (فأَستأذِنُ على ربِّي في

стр. 3779

وَمُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ"، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: "مُمَصْمِصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا، وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ، وَمُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَإِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ فَذَاكَ (١) فِي النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ لَا يَمْحُو النِّفَاقَ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٢٧٢]. ٣٨٦٠ - [٧٤] وَعَنِ ابْنِ عَايِذٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ فَلَمَّا وُضِعَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا تُصَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّهُ رَجُلٌ فَاجِرٌ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ رَآهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلِ الإِسْلَامِ؟ ". . . . . ــ دارِه فيُؤذَنُ لي عليه). وقوله: (ممصمصة) على وزن اسم الفاعل من مَصمَصَ، أي: مطهِّرة، روي بالمهملة وبالمعجمة وكلاهما بمعنًى، وقيل: بالمهملة بطرف اللسان وبالمعجمة بالفم كله كما في الوضوء، وفي (القاموس) (٢): المصمصة: المضمضة بطرف اللسان، ومُمَصْمِصَةُ الذنوب: مُمَحِّصَتُها، والمضمضة: تحريك الماء في الفم وغسل الإناء وغيره. ٣٨٦٠ - [٧٤] (ابن عايذ) قوله: (وعن ابن عايذ) بالياء التحتانية والذال المعجمة (٣).

стр. 3780

فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَرَسَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَثَا عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: "أَصْحَابُكَ يَظُنُّونَ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، وَقَالَ: "يَا عُمَرُ إِنَّكَ لَا تُسْأَلُ عَنْ أَعْمَالِ النَّاسِ، وَلَكِنْ تُسْأَلُ عَنِ الْفِطْرَةِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٤/ ٤٣]. * * * ١ - باب إعداد آلة الجهاد ــ وقوله: (يا عمر إنك لا تسأل عن أعمال الناس ولكن تسأل عن الفطرة) أي: دين الإسلام، قال الطيبي (١) في تفسير هذا الكلام ما حاصله: ينبغي يا عمر أن لا تخبر مثلك في مثل هذا الموطن عن أعمال الشرِّ للموتى، بل تخبر عن أعمال الخير كما قال: (اذكروا موتاكم بالخير)، فوضع (لا تسأل) موضع (لا تخبر) نفيًا للملزوم بنفي اللازم؛ لأنه إذا انتفى السؤال انتفى الإخبار، والمقصود منعُه عمَّا أقدم عليه؛ فإن الاعتبار بالفطرة والاعتقاد مع أنه عمل عملًا من أعمال أهل الإسلام ما يكفيه، فافهم. ١ - باب إعداد آلة الجهاد من السهم والسيف والدِّرع والقوس والرُّمح والخيل، وأكثر ما ذكر فيه فضيلة الرمي والخيل، وذكر الرهان، وذكر حال سيف رسول اللَّه ورايته ﷺ .

стр. 3781

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٨٦١ - [١] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٧]. ٣٨٦٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الرُّومُ. . . . . ــ الفصل الأول ٣٨٦١ - [١] (عقبة بن عامر) قوله: (ومن رباط الخيل) قد توجد هذه الزيادة في نسخ (المشكاة) ثابتة، وفي بعضها مخطوطًا عليها، وليس في رواية مسلم، وإنما هو في رواية ابن المنذر عن عقبة بن عامر، كذا يعلم من (الدر المنثور)، وهي مذكورة في القرآن المجيد. وقوله: (ألا إن القوة الرمي) مكرر ثلاثًا، وقد فسرها الزمخشري والبيضاوي بكل ما يُتقوَّى به في الحرب، قال البيضاوي (١): ولعله إنما خصه رسول اللَّه ﷺ بالرمي لأنه أقواه، وفي (الكشاف) (٢) عن عكرمة أن عقبة بن عامر مات عن سبعين قوسًا في سبيل اللَّه. ٣٨٦٢ - [٢] (وعنه) قوله: (ستفتح عليكم الروم) وهم رماة، وغالب حربهم بالرمي.

стр. 3782

وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ، فَلَا يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٨]. ٣٨٦٣ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "مَنْ عَلِمَ الرَّميَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٩]. ٣٨٦٤ - [٤] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكوَعِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ يَتَنَاضَلُونَ بِالسُّوقِ فَقَالَ: "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ". . . . . . ــ وقوله: (ويكفيكم اللَّه) أي: شرَّ الروم بواسطة الرمي، (فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه) أي: من اللهو بالسهم، بل ينبغي أن تهتموا بشأنه بأن تتعلَّموا وتتمرَّنوا على ذلك حتى تتمكَّنوا من محاربتهم، وقيل: المراد لا تتركوا الرمي وتعلُّمَه، والتمرن عليه بعد الفتح بأن تقولوا: لا نحتاج إليه، فإن الاحتياج إلى الرمي ثابت أبدًا، والمعنى الأول أظهر، وإنما سمي الترامي لهوًا باعتبار صورته وللترغيب عليه، فإن النفوس مجبولة على الميل إلى اللهو، وكذا السباق بالخيل والإبل. ٣٨٦٣ - [٣] (وعنه) قوله: (من علم الرمي ثم تركه) الحديث، التعبير عنه بالعلم، ثم الوعيد على تركه يدل على أنه ليس لهوًا حقيقة، وفيه المبالغة على فضيلته وكونه مهمًّا في الدين مشابهًا بنسيان القرآن بعد تعلمه. وقوله: (أو قد عصى) الظاهر أنه من شك الراوي. ٣٨٦٤ - [٤] (سلمة بن الأكوع) قوله: (من أسلم) اسم قبيلة. وقوله: (يتناضلون) التناضل بالضاد المعجمة: المباراة في الرمي، ونضلته: سبقته فيه، أي: كانوا يرمون على سبيل المباراة والمسابقة، و (السُّوق) إما بمعناه المشهور، وقيل: اسم موضع، وقيل: جمع ساقٍ استعارةً للسَّهم، كذا نقل

стр. 3783

لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَأَمْسَكُوا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ: "مَا لَكُمْ؟ " قَالُوا (١): وَكَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَ بَنِي فُلَانٍ؟ قَالَ: "ارْمُوا وَأَنَا مَعكُمْ كُلِّكُمْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٠٧]. ٣٨٦٥ - [٥] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِتُرْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبَو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْي، فَكَانَ إِذَا رَمَى تَشَرَّفَ النَّبِيُّ ﷺ فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضعِ نَبْلِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٠٢]. ٣٨٦٦ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٥١، م: ١٨٧٤]. ــ (الطيبي) (٢)، وفي الحاشية من (شرح المصابيح) لابن الملك (٣): أنه بفتح السين المهملة اسم موضع، والباء بمعنى (في)، واللام في (لأحد) متعلق لـ (قال)، والباء في (بأيديهم) زائدة. ٣٨٦٥ - [٥] (أنس) قوله: (تشرف النبي ﷺ ) من الشرف بمعنى الاستشراف بمعنى الاطِّلاع والانتظار، وشرفَه وشارفَه وعليه: اطَّلعَ من فوق، واستشرف الشيءَ: رفعَ بصرَه إليه، وبسط كفه فوق حاجبه كالمستظلِّ من الشمس، كذا في (القاموس) (٤)، يعني كان النبي ﷺ يُتبعُ نظرَه سهمَ أبي طلحةَ لينظرَ مَن أصاب من الأعداء، وذلك كان لكونه حسن الرمي لا يخطئ سهمه. ٣٨٦٦ - [٦] (وعنه) قوله: (البركة في نواصي الخيل) جمع ناصية وهي قُصَاصُ

стр. 3784

٣٨٦٧ - [٧] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ يَلْوِي ناصِيَةَ فَرَسٍ بِأُصْبُعِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالغَنِيمَةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٧٢]. ٣٨٦٨ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي لسَبِيل اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ ــ الشَّعرِ، يريد ذواتها، وخص الناصية لكونه أشرف أعضائها وأظهرها كالجبهة من الإنسان، ولهذا يسمى بياضها غُرَّةً، ويقال: فلان مبارك الناصية، وينسب ظهور آثار الجهد والبخت إليها. ٣٨٦٧ - [٧] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (يلوي ناصية فرس) أي: يقبله ويدبره، لواه يلويه لَيًّا: فتله، والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة. وقوله: (الخيل معقود في نواصيها الخير) لأن بها يحصل الجهاد الذي فيه خير الدنيا والآخرة كما بينه بقوله: (الأجر والغنيمة)، وفيها من الكر والفر ما ليس فيما عداها من المراكب. ٣٨٦٨ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (من احتبس فرسًا) أي: ربطه وحبسه على نفسه لما عسى أن يحدُثَ من غزوٍ، والحبس بمعنى المنع، ويجيء بمعنى الوقف، وفي (القاموس) (٢): الحبيس من الخيل: الموقوف في سبيل اللَّه، وقد حبسه وأحبسه. وقوله: (فإن شبعه) بكسر الشين وفتح الباء، (وريه) بكسر الراء وتشديد الياء، والمراد ما يشبعه ويرويه.

стр. 3785

ورَوْثَهُ وبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٥٣]. ٣٨٦٩ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ الشِّكَالَ فِي الْخَيْلِ، وَالشِّكَالُ: أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى، أَوْ فِي يَدِهِ اليُمْنَى وَرِجْلِهِ اليُسْرَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٧٥]. ٣٨٧٠ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ. . . . . ــ وقوله: (في ميزانه) أي: يكون داخل أعماله في ترتب الأجر والثواب عليها. ٣٨٦٩ - [٩] (وعنه) قوله: (يكره الشكال) بكسر الشين، قال في (القاموس) (١): الشِّكال ككتاب: اسم للحبل الذي تشد به قوائم الدابة، وفي الخيل: أن يكون ثلاث قوائم منه محجلة، والواحدة مطلقة، وعكسه أيضًا، انتهى. وقال في (النهاية) (٢): إنما سمي شكالًا تشبيهًا له بالشكال الذي تشكل به الخيل لأنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا، وقيل: أن تكون إحدى يديه وإحدى رجليه من خلاف محجلتين، وهو ظاهر عبارة الكتاب، ويمكن حمله على المعنى الأول، فافهم. ووجه كراهة الشكال مفوض إلى علم الشارع. وقال في (النهاية) (٣): وإنما كرهه لأنه كالمشكول صورة تفاؤلًا، ويمكن أن يكون قد جرَّبَ ذلك الجنسَ فلم يكن فيه نَجابةٌ، وقيل: إذا كان مع ذلك أغرَّ زالت الكراهةُ لزوال شبه الشِّكال. ٣٨٧٠ - [١٠] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (بين الخيل التي أضمرت) في
следующие страницы →