٣٩٠٤ - [١٣] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلْتَ لَيْلًا فَلَا تَدَخُلْ أَهْلَكَ (١) حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٤٦، م: ٧١٥].
٣٩٠٥ - [١٤] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورًا أَوْ بَقَرَةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٠٨٩].
ــ
٣٩٠٤ - [١٣] (وعنه) قوله: (إذا دخلت ليلًا) أي بلدك (فلا تدخل أهلك الليلة) واصبر حتى تصبح.
وقوله: (حتى تستحد) من الاستحداد وهو استعمال الحديد، ويستعمل في حلق الشعر وفي حلق شعر العانة، ولعل المراد به هنا معالجة شعر عانتها بما هو معتادُهنَّ لا حلقُ الشعرِ. و (المغيبة) بضم الميم: المرأة التي غاب زوجها، أغابت المرأة: إذا غاب عنها زوجها، ويقال: بالتاء وبدونها، والشعث محركة: انتشار الأمر، والتشعُّثُ التفرُّقُ، غلب في تفرُّق الشَّعرِ.
٣٩٠٥ - [١٤] (وعنه) قوله: (نحر جزورًا) أي: بعيرًا، في (النهاية) (٢): الجَزْور البعير ذكرًا كان أو أنثى إلا أن اللفظة مؤنثة، تقول: هذه الجزور وإن أردت ذكرًا، والجَزَرة الشاة التي تُذبَح، والمَجزَرة الموضع الذي يُنحَر فيه الأنعامُ، انتهى. وفي (القاموس) (٣): الجَزُور: البعير، أو خاص بالناقة المجزورة وما يذبح من الشاء، واحدتها جزرة، وأجزَرَه: أعطاه شاةً يذبُحها، وفيه أنه يسن للقادم أن يضِّيفَ بقدر وسعه.
стр. 3817
٣٩٠٦ - [١٥] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثم جَلَسَ فِيهِ لِلنَّاسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٨٨، م: ٧١٦].
٣٩٠٧ - [١٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ لِي: "ادْخُلِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٠٨٧].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٩٠٨ - [١٧] عَنْ صَخْرِ بْنِ وَدَاعَةَ الغَامِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي. . . . .
ــ
٣٩٠٦ - [١٥] (كعب بن مالك) قوله: (لا يقدم) بفتح الدال قَدِمَ يقدم كسمع يسمع، ولعل الحصر في قوله: (إلا نهارًا في الضحى) باعتبار الغالب وإلا فقد سبق أنه لا يقدم إلا غدوة أو عشية.
وقوله: (ثم جلس فيه) إما قبل دخول البيت، فـ (ثمَّ) للتراخي في الرتبة أو باعتبار المنتهى، أو البقاء بعده فـ (ثمَّ) على الحقيقة، فافهم.
٣٩٠٧ - [١٦] (جابر) قوله: (فصلِّ فِيه ركعتين) الأمر للاستحباب عندنا، وعند الشافعية تحية المسجد واجب، وهل يجب دخول المسجد للقادم وأداء هذا الواجب، أو الدخول في المسجد مستحب وبعد الدخول يصير واجبًا.
الفصل الثاني
٣٩٠٨ - [١٧] (صخر بن وداعة الغامدي) قوله: (عن صخر) بفتح المهملة وسكون المعجمة (ابن وداعة) بفتح الواو (الغامدي) بالمعجمة، والغامد أبو قبيلة،
стр. 3818
فِي بُكُورِهَا" وَكَانَ إِذا بعثَ سريَّةً أوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ تَاجِرًا فَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مالُهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٢١٢، د: ٢٦٠٦، دي: ٢/ ٢١٤].
٣٩٠٩ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ، فَإِنَّ الأَرْضَ. . . . .
ــ
واسمه عمرو بن عبد اللَّه، ولقب به لإصلاحه أمرًا كان بين قومه، والغامدة: البئر المتدفنة والسفينة المشحونة.
وقوله: (في بكورها) بكَرَ إليه وعليه وفيه بَكْرًا وبُكُورًا وابتكَرَ وأبكَرَ وباكَرَه: أتاه بُكْرةً، والبكرة بالضم: الغدوة، كذا في (القاموس) (١).
وفي (الصراح) (٢): بكرة بالضم بإمداد بكَاه، بكور: بكَاه برخاستن وبإمداد كردن.
وقوله: (يبعث تجارته) أي: مالَ تجارته.
وقوله: (فأثرى) أي: صار ذا ثروة بسبب مراعاة السنة وإجابة هذا الدعاء منه ﷺ .
وقوله: (وكثر ماله) تأكيدًا، والثروة يكون بالغنى ولا يشترط فيه كثرة المال وتزايده.
٣٩٠٩ - [١٨] (أنس) قوله: (عليكم بالدلجة) في (القاموس) (٣): الدلج محركة
стр. 3819
تُطْوَى بِاللَّيْلِ". رَوَاهُ أَبَو دَاوُدَ. [د: ٢٥٧١].
٣٩١٠ - [١٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٢/ ٩٧٨، ت: ١٦٧٤، د: ٢٦٠٧، ن في الكبرى: ٨٧٩٨].
ــ
والدلجة بالضم والفتح: السَّيرُ من أولِ الليلِ، والفعل منه أدلَجَ بسكون الدال، وبفتحها مشددة: السَّيرُ فِي آخر الليل.
وقوله: (تطوى) أي: يسهل السير فيه بحيث يظن الماشي أنه سار قليلًا وقد سار كثيرًا، ولعل ذلك لعدم وجود المشاغل والصوارف من السير في الليل وعدم مشاهدة الأمارات والعلامات التي تبعد وتثقل السير في نظر السالك، واللَّه أعلم. والمراد لا تقنعوا بالسير نهارًا بل سيروا بالليل أيضًا، وليس المراد لا تسيروا بالنهار قطعًا.
٣٩١٠ - [١٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (والثلاثة ركب) أي: هم الذين يستأهلون أن يسمّوا ركبًا لكونهم محفوظين من الشيطان، والركب من أسماء الجموع كقوم ورهط، وقيل: جمع راكب كصاحب وصَحْب، وقيل في تأويل الحديث: إنه لما ارتكب الواحد لسيره منفردًا والاثنان لسيرهما منفردين، وهو منهي عنه، فقد طاوعوا الشيطان فكأنهم الشيطان نفسه، أو المراد معهم الشيطان يهم بهم، ويأمرهم بالشر، وذلك لفوت الجماعة عن الواحد وتعسُّرِ التعيُّشِ عليه، والاثنان إن مات الواحد أو مرض اضطر الآخر ونحو ذلك، فعلم من هذا الحديث أنه لا بد في السفر من ثلاثة وهي أقل الجماعة.
стр. 3820
٣٩١١ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ ثَلَاثةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أحَدَهُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٠٨].
٣٩١٢ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِئَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٥٥٥، د: ٢٦١١، دي: ٢/ ٢١٥].
ــ
٣٩١١ - [٢٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فليؤمروا أحدهم) أي: يجعلوه أميرًا دفعًا لوقوع الخلاف والنزاع في أمر النزول والركوب وغير ذلك، والأمير ينبغي أن يسلكَ بهم طريق النصيحة والرِّفق والإعانة، ويكون خادمًا لهم كما ورد: سيدُ القومِ خادمُهم.
٣٩١٢ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (خير الصحابة أربعة) قيل: لأنهم إذا كانوا أربعة ومرض أحدهم وأراد أن يوصي أحد رفقائه شهد اثنان بخلاف الثلاثة، وقيل في توجيه استحباب الثلاثة: إذا ذهب واحد لحاجةٍ استأنسَ الباقيان، ولو وقع في إمضائه تأخُّرٌ وذهب الآخر لخبره وتحقيق حاله لم يبقَ المتاعُ خاليًا، ويفهم منه لعدد الأربعة أيضًا وجه آخر، وقال الطيبي (١): وخمسةٌ خيرٌ من أربعةٍ، وكذا كلُّ جماعة خيرٌ من أقلَّ منهم.
وقوله: (ولن يغلب) بلفظ المجهول، أي: لا يكون اثنا عشر ألفًا مغلوبين، وإن صاروا مغلوبين لا يكون ذلك لقلتهم بل لأمر آخر من العُجْب والغرور وغير ذلك.
فَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَكَانَتْ إِذَا جَاءَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ قَالَ: "مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١١/ ٣٥ - ٣٦].
٣٩١٦ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ،
ــ
وقوله: (زميلي رسول اللَّه ﷺ ) الزمل: الحمل، والزاملة: البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع، والزميل: العَدِيل الذي حِمْلُه مع حِمْلِكَ على البعير، وزامَلَني: عاطني، والرفيقُ فِي السفر الذي يعينُكَ على أمورك، والرديفُ أيضًا، انتهى. والمراد هنا معنى العديل إذ كانوا يركبون بالنوبة، (فكانت إذا جاءت عقبة رسول اللَّه ﷺ ) أي: نوبةُ نزولِه، والعقبة بضم العين وسكون القاف: النوبة من التعاقب.
وقوله: (نمشي عنك) أي: نمشي مشيًا عوضًا عن مشيك، كذا في (الحواشي)، وقال الطيبي (١): ضمن معنى الاستغناء، أي: نستغنيك عن المشي، أي: نمشي بدَلَكَ.
٣٩١٦ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (لا تتخذوا ظهور دوابكم منابر) قال الطيبي (٢): هو كناية عن القيام، أي: لا تقوموا على دوابكم من غير حاجة ضرورية إذ ثبت أنه ﷺ خطب في عرفة على راحلته واقفًا عليها، انتهى. فالظاهر أن هذا الحديث نهي عن
стр. 3823
وَجَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَاتِكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٦٧].
٣٩١٧ - [٢٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا لَا نُسَبِّحُ حَتَّى نحُلَّ الرِّحالَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٥١].
٣٩١٨ - [٢٧] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مَعَهُ حِمَارٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ارْكَبْ وَتَأَخَّرَ الرَّجُلُ،
ــ
القيام على الدابة، وهو الوقوف على ظهورها. قال في (القاموس) (١): وَقَفَ يَقِفُ وقوفًا: دام قائمًا، وأما الجلوس عليها من غير تسييرها فهو شيء آخر، وقد يروى: (لا تجعلوا مراكبُكم كراسيَّ).
وقوله: (فعليها فاقضوا حاجاتكم) الفاء الأولى للسببية والثانية للتعقيب، يعني خُصُّوا الأرض بقضاء حاجاتكم بلفظ الجمع، وهو الصحيح، وفي بعض النسخ: (حاجتكم) بالأفراد، ولفظ الجمع أبلغ لإفادته الكثرة والأنواع المختلفة صريحًا، والمعنى اقضوا حاجاتكم التي تعرض لكم وتطيقون قضاءها بدون الركوب، ويكفيكم من الدواب أن يبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس.
٣٩١٧ - [٢٦] (أنس) قوله: (لا نسبح حتى نحل الرحال) أي: نُنزِلَها عن ظهور الدوابّ. والسُّبْحةُ والتَّسبيحُ أكثرُ ما يُطلَقُ على الصلاة النافلة، وقد قيل: إن المراد صلاة الضحى التي تحضر عند وقت النزول، فيفهم منه أن الفريضة تصلى قبل حَلّ الرِّحالِ، ولعل ذلك إذا لم يكن في الوقتِ سَعةٌ، واللَّه أعلم.
٣٩١٨ - [٢٧] (بريدة) قوله: (رجل معه حمار) أي: راكبًا عليه.
وقوله: (تأخر) أي: عن موضع الركوب، وهو صدر الدابة، وصدرها من ظهر
стр. 3824
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا، أَنْتَ أَحَقُّ بِصَدْرِ دَبَّتِكَ إِلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ لِي" قَالَ: جَعَلْتُهُ لَكَ فَرَكِبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٧٣، د: ٢٥٧٢].
٣٩١٩ - [٢٨] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَكُونُ إِبِلٌ لِلشَّيَاطِينِ وَبُيُوتٌ لِلشَّيَاطِينِ" فَأَمَّا إِبِلُ الشَّيَاطِينِ فَقَدْ رَأَيْتُهَا: يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ بِنَجيبَاتٍ مَعَهُ قَدْ أَسْمَنَهَا فَلَا يَعْلُو. . . . .
ــ
ما يلي عنقها.
وقوله: (أنت أحق بصدر دابتك) فيه إنصافُ رسول اللَّه ﷺ وتواضُعه حيث رضي أن يركب خلفه.
وقوله: (إلا أن تجعله) أي: الصدرَ لي، أي تقول ذلك صريحًا كما دل عليه قوله: (جعلتُه لكَ) وإلا فتأخُّره عن موضعه كان لذلك فافهم.
٣٩١٩ - [٢٨] (سعيد بن أبي هند) قوله: (فأما إبل الشياطين) الظاهر المتبادر أن هذا إلى قوله: (فلم أرها) من جملة الحديث وقول الرسول ﷺ . وقيل: هذا من كلام الراوي والحديث هو المجمل السابق، ورجح الطيبي (١) هذا الاحتمال الأخير، ولا يظهر وجهه ولا يدل قول سعيد: (لا أراها إلا هذه الأقفاص) على ذلك كما قال الطيبي، فتأمل.
و(المنجيبات) جمع نجيبة، أي: ناقة مختارة، والنجيب: الكريم الحسيب والمنتخب المختار.
وقوله: (فلا يعلو) أي: لا يركَبُ، و (البعير) اسم جنس يطلق على الناقة والجمل كالإنسان يطلق على الذكر والأنثى.
стр. 3825
بَعِيرًا مِنْهَا، وَيَمُرُّ بِأَخِيهِ قَدِ انْقَطَعَ بِهِ فَلَا يَحْمِلُهُ، وَأَمَّا بُيُوتُ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ أَرَهَا، كَانَ سَعِيدٌ يَقُولُ: لَا أُرَاهَا إِلَّا هَذِهِ الأَقْفَاصَ الَّتِي يَسْتُرُ النَّاسُ بِالدِّيبَاجِ. رَاوَهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٦٨].
٣٩٢٠ - [٢٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: "أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٢٩].
ــ
وقوله: (قد انقطع به) حال من (أخيه)، ويحتمل أن يكون صفة، فإن الإضافة للجنس كاللام في: اللَّئيمِ يَسُبُّني، وهذه اللفظة صُحِّح في بعض النسخ بلفظ المعلوم، وفي بعضها بلفظ المعلوم والمجهول معًا.
وفي الحواشي: (انقطع) على بناء المجهول، أي: كَلَّ عن السير، فالضمير للرجل المنقطع، و (به) نائب الفاعل والجملة حالية، ويوافقه ما في (القاموس) (١) حيث قال: انقُطِعَ به مجهولًا: عجز عن سفره، والحاصل أنها تكون معدَّةً للتفاخر والتكاثر، ولم يقصد به الركوب ولا إعانة الغير.
وقوله: (إلا هذه الأقفاص التي يستر الناس بالديباج) يريد به هذه الهوادج والمحامل المستورة بالديباج يأخذه أهل الإسراف في الأسفار، ولم يكن في زمن النبي ﷺ ولم يره، والقفص في الأصل محبس الطير.
٣٩٢٠ - [٢٩] (سهل بن معاذ) قوله: (فضيق الناس المنازل) أي: أخذوا منازلَ لا حاجةَ لهم إليها، فضيَّقوا بذلك المكانَ على الناس، والمراد بقطع الطريق
стр. 3826
٣٩٢١ - [٣٠] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَحْسَنَ مَا دَخَلَ الرَّجُلُ أهلَهُ إِذَا قَدِمَ مِنْ سفرٍ أوَّلُ الليلِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٧٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٩٢٢ - [١٣] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فعَرَّسَ بِلَيْلى اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ،
ــ
هو هذا التضييقُ لكونه لازمًا له، لكن هما شيئان، ففي نفس التضييق وأخذ منزل لا حاجةَ إليه إثمٌ، وفي ما يلزمه من قطع طريق الناس إثمٌ آخر، فافهم.
٣٩٢١ - [٣٠] (جابر) قوله: (إن أحسن ما دخل الرجل أهله) ما موصولة أو موصوفة، ويحتمل أن يكون مصدرية، أي: أحسنُ دخولِ الرجل دخولُ أولِ الليل، و (أهله) منصوب على الاتساع، والتوفيق بينه وبين الحديث الذي نهي فيه عن القدوم ليلًا أن يحمل هذا على السفر القريب. قال النووي: إذا طال السفر واشتهر قدومه فلا بأس بقدومه ليلًا، فإن المراد التهيؤ، وقد حصل بذلك، وقيل: المراد بدخول أهله المجامعة، لأن المسافر يشتد شهوته فإذا قضاها أول الليل يكون أجلب للنوم وأدعى إلى الاستراحة، وأيضًا فيه إظهار المحبة والاشتياق والمبادرة إلى أداء الحق ورفع كلفة الانتظار.
الفصل الثالث
٣٩٢٢ - [٣٣٣١] (أبو قتادة) قوله: (إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على يمينه) هذه هي العادة المستمرَّةُ له ﷺ ، قالوا: والحكمة في الاضطجاع على اليمين أن القلب معلَّقٌ على جانب اليسار، فلو نام في هذا الجانب استقر القلب واستراح وسكن جاء النوم ثقيلًا غرقًا بخلاف ما إذا نام على جانب اليمين طلبَ مستقرَّه فيكون في قلقٍ من غير سكون واطمئنان وأبطأَ النومُ وإن جاء لم يكن ثقيلًا، والأطباء
٣٩٢٥ - [٣٤] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَيِّدُ الْقَوْمِ فِي السَّفَرِ خَادِمُهُمْ، فَمَنْ سَبَقَهُمْ بِخِدْمَةٍ لَمْ يَسْبِقُوهُ بِعَمَلٍ إِلَّا الشَّهَادَةَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٦/ ٣٣٤].
* * *
٣ - باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
* الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٩٢٦ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ . . . . . .
ــ
٣٩٢٥ - [٣٤] (سهل بن سعد) قوله: (سيد القوم في السفر خادمهم) أي: ينبغي لسيدهم وأميرهم أن يقوم بمصالحهم ويخدمهم، أو المراد أن الذي يخدمهم سيدهم في الحقيقة لكثرة ثوابه، وهذا هو المناسب لسياق الحديث أعني قوله: (فمن سبقهم بخدمة. . . إلخ)، ولكن تقديم سيدهم وجعله مبتدأ وخادمهم خبرًا دليل على المعنى الأول، والملائم للمعنى الثاني العكس، فافهم.
٣ - باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
دعاءُ الكفار إلى الإسلام قبل إسلامهم واجب، والقتالُ قبلَه حرام، وأكثرُ ما يكون ذلك بالكتابة خصوصًا إلى ملوكهم وعظمائهم، وقتد كتب رسول اللَّه ﷺ إلى ملوك الكفار الذين كانوا في زمنه كقيصر وكسرى والنجاشي وغيرهم كتبًا ومناشير في غاية الفصاحة والبلاغة والإيجاز ما لا يتصور فوقه، وقد جمعها بعض العلماء كصاحب (الشفا) وغيره فليشرف به.
الفصل الأول
٣٩٢٦ - [١] (ابن عباس) قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث حدثه ابن
стр. 3829
كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ دِحْيّةَ الْكَلْبِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم بُصْرَى لِيَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ فَإِذَا فِيهِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. . . . .
ــ
عباس ﵄ من أبي سفيان الأموي كان إذ ذاك عند هرقل، ذهب في ركب من قريش تجارًا بالشام، فدعاه هرقل، وسأله عن أحواله ﷺ بعد وصول كتابه إليه، والقصة مذكورة في أول (صحيح البخاري)، وهي من أدلة نبوته وعلاماتها صلى اللَّه تعالى عليه وسلم.
وقوله: (كتب إلى قيصر) هو اسم جنس لملك الروم كما أن ملك فارس يسمى بكسرى، وملك الحبشة بالنجاشي، وملك الترك بخاقان، وملك القبط بفرعون، وملك مصر بالعزيز، وملك يمن بالقَيْل، وملك حمير بُتبَّع، وملك الهند بالراي، وهذا القيصر كان اسمه هرقل.
و(دحية) بكسر الدال وعند ابن ماكولا بفتحها (الكلبي) منسوب إلى بني كلب قبيلة من العرب، وفي بعث دحية وحده وأمره بدفعه إلى الكفار دليل على وجوب العمل بخبر الواحد. و (بصرى) بضم الموحدة وسكون المهملة بلدة بالشام مشهورة ذات قلعة، وهي قريبة من طرف العمارة والبرية التي بين الشام والحجاز، ويجاد فيها عمل السيف.
وقوله: (فإذا فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم) فيه استحباب تصدير المكاتيب والمراسيل بالبسملة وإن كان المبعوث إليه كافرًا، بل يكون هناك أشد استحبابًا إدخالًا للروع وتنبيهًا في أول المكتوب على التوحيد كما فعله سليمان ﵇، وأما حديث: (كل أمر ذي بال) فمن رواية البيهقي وغيره وهو حديث حسن وليس في الصحيحين، وقد بيناه في حاشية الضيائية نقلًا عن كلام الشيخ محيي الدين النووي
стр. 3830
مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّوم،
ــ
في (شرح صحيح مسلم).
وقوله: (من محمد عبد اللَّه ورسوله) (١) أي: هذا المكتوب صادر منه، وعبد اللَّه صفة محمد أو بدل عنه، وفيه أن السنة في المكاتبة أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول: من زيد إلى عمرو مثلًا، وكذلك كان الصحابة يكتبون إلى رسول اللَّه ﷺ ، وما كان أحدٌ أعظمَ حرمةً منه ﷺ عندهم وهذا هو الصحيح، وجوَّزَ بعضُهم الابتداء بالمكتوب إليه، وروي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية.
وإنما قدم صفة العبودية على الرسالة تواضعًا وإشارة إلى أنه مطيع لأوامره تعالى منقاد لا يتصرف من عند نفسه بشيء، ولأنه أخص صفاته ﷺ لا يشاركه في حقيقتها أحد وهو العبد الحقيقي الذي ثبتت له حقيقة العبودية التي هي الانسلاخ من النفس وصفاتها وإراداتها والفناء في اللَّه تعالى فهو العبد، واللَّه تعالى هو الرب.
وقوله: (إلى هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، وقد يسكن الراء ويكسر القاف، وقد يقال: بسكون الراء مع فتح الهاء كخندق، غير منصرف، ملك الروم، وأول من ضرب الدنانير، وأول من أحدث البيعة، وهو صاحب حروب الشام، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النبي ﷺ .
وقوله: (عظيم الروم) لم يقل ملك الروم لئلا يكون ذلك مقتضيًا لتسليم الملك إليه وهو معزول عنه بحكم الدين، ومع ذلك أتى بنوع من الملاطفة فقال: عظيم الروم، أي: رئيسهم الذي يطيعونه ويقدمونه كما يكون رؤساء البلاد والقريات ومقدموهم إلانةً للقول واستمالةً له.
стр. 3831
سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ! فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ الإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجَرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ، وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ. . . . .
ــ
وقوله: (سلام على من اتبع الهدى) لم يبدأ بالسلام عليه بخصوصه لكونه كافرًا، بل سلَّم على كلِّ من اتَّبعَ الهدى، أو فيه ترغيب وإرشاد إلى الحق والهداية بأحسن وجوه وأخصرها.
وقوله: (أما بعد) فيه استحباب (أمَّا بعدُ) في الخطب والمكاتبات، وقد اختلف في أول من تكلم به، والأصح أنه داود النبي ﵇، وقد ذكرناه في شرح خطبة الكتاب.
وقوله: (بداعية الإسلام) الداعية مصدر بمعنى الدعوة كالعافية والعاقبة.
وقوله: (أسلم) من الإسلام و (تسلم) من السلامة، وفيه إيجاز غريب، أي: تسلم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وتكرير قوله: (وأسلم) تأكيد وإيذان بكمال شفقته ﷺ وحرصه على الإسلام.
وقوله: (يؤتك اللَّه أجرك مرتين) دليل على أن أهل الكتاب إذا أسلموا فلهم أجران كما هو مدلول كلام اللَّه المجيد.
وقوله: (وإن توليت فعليك إثم الأيسسين) في (القاموس) (١): الأريسي والأريس كجليس: الأَكَّار، والجمع أريسيون وأرشمون، وكسِكِّيت الأمير، وأرَّسَه تأريسًا: استعمَلَه واستخدَمَه، وفي (مختصر النهاية) (٢): إثم الأريسيين يروى منسوبًا مجموعًا جمع أريسيٍّ وبغير نسبة جمع أريسٍ، وبإبدال الهمزة ياء مفتوحة، وهم الخَوَلُ والخَدَمُ
стр. 3832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأكَّارُونَ، وقيل: فرقة تعرف بالأريسية أتباع عبد اللَّه بن أريس كانوا في زمن الأول قتلوا أنبياء ﵈ جاؤوهم، وقيل: الأريس الملوك، وقيل: العَشَّارون، وقال الكرماني (١): اليَرِيسِينُ بفتح الياء التحتانية وكسر الراء جمع يريس على وزن فَعِيل، وقد تقلب الياء الأولى بالهمزة فيقال: الأريسين، وروي أيضًا بالياءَين بعد السين جمع يريسي منسوب إلى يريس، وروي الإِرِّيْسِين بكسر الهمزة وكسر الراء المشددة وياء واحدة بعد السين وهم الأكَّارون الزرَّاعون، وقال التيمي: الأصل الأريس فابدلت الهمزة بالياء وهو على عكس المشهور، وجاء في بعض الروايات في غير الصحيح: فإن عليك إثم الأكَّارين.
ثم إنه على التقادير كلها معناه: إن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك، ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا لأن الزراعين كانوا هم الأغلب فيهم، ولأنهم أسرع انقيادًا فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا، وقيل: معناه فالمجوس يقلدونك فيه، فيحصل عليك إثمهم.
هذا ما في هذه الشروح، والكلام الجامع ما ذكر في (مشارق الأنوار) (٢): حيث قال قوله: (فإن عليك إثم الأريسيين)، كذا رواه مسلم، وجُلُّ رواة (البخاري) بفتح الهمزة وكسر الراء مخففة وتشديد الياء بعد السين، ورواه المروزي مرة اليريسين وهي رواية النسفي، ورواه الجرجاني مرة، وبعضهم مثله إلا أنه قال: الأريسيين بسكون الراء وفتح الياء الأولى، ورواه بعضهم في غير الصحيحين: الأريسين مخفف الياءين
стр. 3833
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معًا، قال أبو عبيد: هذا هو المحفوظ، فمن قال: الأريسيين، فقالوا في تفسيره: هم أتباع عبد اللَّه بن أريس رجل في الزمن الأول بعث اللَّه نبيًّا فخالفه هو وأتباعُه، وأنكر ابن القزاز هذا التفسير، ورواية من قال: الأريسيين بفتح الياء وسكون الراء. وقيل: هم الأروسيون وهم نصارى أتباع عبد اللَّه بن أروس وهم الأروسية، متمسِّكون بدين عيسى لا يقولون: إنه ابن اللَّه، وقال أبو عبيد الهروي: هم الأكَرَة، وقيل: الملوك الذين يخالفون أنبياءَهم، وقيل: الخدمة والأعوان، وقيل: المتبخترون، ففي (مصنف ابن السكن): يعني اليهود والنصارى فسره في الحديث، ومعناه إن عليك إثم رعاياك وأتباعك ممن صددته عن الإسلام واتبعك على كفرك كما قال تعالى ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١]، وكما جاء في بعض طرق هذا الحديث: وإلا فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام، قال أبو عبيد: ليس الفلاحون هنا الزراعون خاصة، لكن جميع أهل المملكة؛ لأن كل من زرع هو عند العرب فلاح تولى ذلك بنفسه أو تُولي له، ويدل على ما قلنا قوله أيضًا في حديث آخر: (فإنْ أبَيتَ فإننا نهدِمُ الكُفُورَ ونقتلُ الأريسيين، وإني أجعَلُ إثمَ ذلك في رقبتِكَ)، الكُفُور: القرى، واحدها كَفْرٌ، فهذا المعنى يفسره الأحاديث ويعضده القرآن أولى ما قيل فيه، انتهى. ولقد طال الكلام في تحقيق هذه، والقوم (١) بذلوا جهدهم في تحقيق ألفاظ الأحاديث شكر اللَّه سعيهم، ونحن اقتفينا أثرهم وجمعنا ما ذكروه، والفضل للمتقدم.
فإن قلت: تقديم لفظ (عليك) على اسم (إنَّ) مفيد للحصر، أي: ليس إثمُهم إلا عليك، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فضلًا عن الحصر،
стр. 3834
تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ " [آل عمران: ٦٤]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ قَالَ: "مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ" وَقَالَ: "إِثْمُ اليَرِيْسِيِّينَ" وَقَالَ: "بِدِعَايَةِ الإِسْلَام". [خ: ٧، م: ١٧٧٣].
٣٩٢٧ - [٢] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَ مَزَّقَهُ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢٤].
ــ
قلت: المراد أن إثم الإضلال عليه، والإضلال أيضًا وزره كالضلال، ووزرهم على أنهم معارض بقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، كذا قال الكرماني.
وقوله: (فإن تولوا) أي: أهلُ الكتاب (فقولوا) أيها المؤمنون.
وقوله: (بدعاية الإسلام) وقد جاء هذا اللفظ في رواية البخاري أيضًا في أول الكتاب في (باب كيف كان بدء الوحي) وفي (باب التفسير).
٣٩٢٧ - [٢] (وعنه) قوله: (إلى كسرى) بكسر الكاف وفتحها مع جواز الإمالة في الوجهين وهو معرب خسرو، وكان كسرى إذ ذاك أبرويز بن هرمز بن أنو شيروان.
وقوله: (مزَّقه) من التمزيق، أي: خرَّقه بالتشديد كذا الرواية، مزقه يمزقه مزقًا ومزقة: خرّقه، كمزّقه، فالتشديد للمبالغة.
وقوله: (أن يمزقوا كل ممزّق) أي: يفرقوا كل تفريق، والمُمزَّق مصدر ميمي،
стр. 3835
٣٩٢٨ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٤].
٣٩٢٩ - [٤] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا،
ــ
وإلى ذلك آل أمرهم أدبر عنهم الإقبال وزالت الدولة حتى انقرضوا عن آخرهم، قتل أبرويزَ ابنُه شِيرَوَيْهِ ثم مات هو أيضًا بعد ستة أشهر، فأدركتهم النحوسة واللعنة إلى أبد الآبدين.
٣٩٢٨ - [٣] (أنس) قوله: (وإلى النجاشي) بفتح النون وتخفيف الجيم وسكون الياء وعليه الأكثرون، وقيل: هو الصواب، وقيل: بالتشديد والتخفيف، وقد تكسر النون، وقال في (القاموس) (١): النجاشي بتشديد الياء وتخفيفها أفصح، وتكسر نونها أو هو أفصح، وأما تشديد الجيم، فقيل: إنه خطأ، وفي (مجمع البحار) (٢): النجاشي بتشديد الياء، وصوب بعض تخفيفها، واللَّه أعلم بالصواب.
وقوله: (ليس بالنجاشي الذي صلّى عليه النبي ﷺ ).
٣٩٢٩ - [٤] (سليمان بن بريدة) قوله: (في خاصته) أي: في نفسه. وقوله: (ومن معه) عطف على (خاصته)، و (خيرًا) منصوب بنزع الخافض، أي: أوصاه في نفسه بتقوى اللَّه، أي: تشديدها وإلزامها العزيمة، وفي من معه بخير، أي: مسامحة
стр. 3836
ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوَا بسمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوَا فَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَليدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ -أَوْ خِلَالٍ- فَأَيَّتَهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَام،
ــ
ورفق وتيسير، وهذا من حقوق الصحبة والإمارة لقوله ﷺ : (يسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا).
وقوله: (اغزوا) غزا العدو: سار إلى قتالهم وانتهابهم.
وقوله: (فلا تغلّوا) من الغُلُول وهو الخيانة في الغنيمة، (ولا تغدروا) من الغَدْر، وهو نقض العهد، (ولا تمثلوا) من المُثْلَة (١)، وتكرير (اغزوا) للتأكيد ولربط ما بعده مستقلًا.
وقوله: (وإذا لقيت عدوك) خطاب للأمير، فإن دعوة الكفار بالإسلام والتحول إلى دار المهاجرين ونحو ذلك من مناصب الأمراء والغزاة والمقاتلة يعم المسلمين كلهم.
وقوله: (أو خلال) من شك الراوي في اللفظ، والخلال جمع خَلَّة بالفتح بمعنى الخَصْلة، والخصال الثلاث: الإسلام وإعطاء الجزية والمقاتلة، و (ما) في (ما أجابوك) زائدة.
وقوله: (وكف عنهم) أي: امتنع، وكفَّ يجيء لازمًا ومتعديًا، فأشار إلى الخصلة الأولى بقوله: (ثم ادعهم إلى الإسلام)، وروي في غير رواية مسلم: (ادعهم) بإسقاط ثم وهو الأظهر، وقيل: (ثم) زائدة، ورَدَت لاستفتاح الكلام والأخذ فيه والتراخي في البيان.
стр. 3837
فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُون كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يُجْرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّه الَّذِي يُجْرَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَسَلْهُمْ الْجزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نبَيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نبَيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ،
ــ
وقوله: (فإن أجابوك). . . إلى قوله: (فإن أبوا) من تتمة هذه الخصلة.
وقوله: (ما للمهاجرين) أي: من الثواب واستحقاق مال الفيء، فإنه ﷺ كان ينفق على المهاجرين مما آتاه اللَّه من الفيء لا لأعراب المسلمين.
وقوله: (وعليهم ما على المهاجرين) من وجوب الخروج إلى الجهاد إذا أمرهم الإمام سواء كان بإزاء العدو مَن به الكفايةُ أو لم يكنْ، بخلاف غير المهاجرين فإنه لم يجب عليهم الخروج إلى الجهاد إذا كان بازاء العدو مَن به الكفاية، كذا فسره الطيبي (١).
وقوله: (كأعراب المسلمين) أي: الذين لازموا أوطانهم في البادية لا في دار الكفر.
وقوله: (فإن أبوا فسلهم الجزية) هذه هي الخصلة الثانية.
وقوله: (فإن هم أبوا) أي: عن الجزية (فاستعن باللَّه وقاتلهم) الخصلة الثالثة.
стр. 3838
فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِنْ حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْم اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا؟ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٣١].
٣٩٣٠ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ. . . . .
ــ
وقوله: (فإنكم) على الخطاب كذا في الأصول، وفي بعض نسخ (المصابيح): (فإنهم) بالغيبة، والأول أصح روايةً، وهذا أظهر درايةً، فإن نقض الذمة من جانب الكافرين أظهر وأوقع، والمعنى أن الكافرين إنْ ينقضوا ذِمَمَكم وذِمَمَ أصحابكم أهونُ وأقلُّ تحقيرًا للإسلام من أن ينقضوا ذمة اللَّه وذمة رسوله فإنه يلزم منه هَوانٌ وحقارةٌ فيه، ولكن النووي وجَّهَ معنى الخطاب، وقال: يعني ربما ينقضهما مَن لا يعرفُ حقَّها من الأعراب وسواد الجيش كما نقل (الطيبي) (١) عنه، فافهم.
ثم (إنَّ) في (إنكم) هي التي للتحقيق، وصحح في نسخة بسكون النون حرف شرط، والظاهر على هذا أن يكون أن في (أن تخفروا) أيضًا بكسر الهمزة تاكيدًا لـ (أن) الشرطية، وهي قد صححت بفتح الهمزة فهي مع صلتها في تأويل المصدر بدل من ضمير المخاطبة، وخبر (إن) قوله: (أهون)، و (تخفروا) بضم التاء من الإخفار وهو نقضُ الذمة، والخَفْرُ: حفظُ الذمة، فالهمزة للسَّلب.
وقوله: (فإنك لا تدري أتصيب حكم اللَّه أم لا؟ ) فيه أن المجتهد يخطئ ويصيب.
٣٩٣٠ - [٥] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (حتى مالت الشمس) إلى جهة
стр. 3839
ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ"، ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٦٥، ٢٩٦٦، م: ١٧٤٢].
٣٩٣١ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا. . . . .
ــ
المغرب وهو وقت الزوال، قالوا: الحكمة فيه أنه وقت هبوب الرياح ونشاط النفوس، وقيل: سببه فضيلة وقت الصلاة والدعاء عندها، هذا وقد ورد في الحديث أنه تفتح أبواب السماء في هذا الوقت، وتصعد الأعمال إلى مصعد القبول، فينتظر فيه نزول أنوار الفتح والنصرة، وأيُّ عملٍ أفضلُ من القتال في سبيل اللَّه فيرجى القبول، وأيضًا وقت الصباح يتهيأ للقتال ويُهَيَّأ أسبابه، وآخر اليوم يقرب الليل، وهذا وسط النهار وقيام الظهيرة، واللَّه أعلم. هذا وقد دل الحديث الآتي في آخر الفصل عن النعمان بن مقرن أنه كان قد يقاتل أول النهار، وكان إذا لم يقاتل أوله انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة، ووجه التطبيق أن الأوقات والأحوال مختلفة تارة فتارة.
وقوله: (لا تتمنوا لقاء العدو) لأنه في حكم طلب البلاء، وهو منهي عنه، وبعدما نزل وجب الصبر والاستقامة، ولما فيه من صورة الإعجاب والوثوق بالقوة والاتكال على النفس وحولها، وتحقير العدو وعدم المبالاة والاهتمام به.
وقوله: (تحت ظلال السيوف) كناية عن الدنوِّ من مقام الضِّراب والقتال حتى يعلوَه السيفُ.
٣٩٣١ - [٦] (أنس) قوله: (غزا بنا) الباء للمصاحبة.
وقوله: (لم يكن يغزو بنا) هكذا في نسخ (المشكاة): (يغزو بنا) بإثبات الواو،
стр. 3840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ووقع في نسخ (المصابيح): (لم يكن يغز بنا) بحذف الواو، وقال التُّورِبِشْتِي (١): وأرى الواو قد سقط عن قلم الكاتب، وصوابه: لم يكن يغزو بنا بإثباتها إذ لا وجه لإسقاط حرف العلة هاهنا، وقال في (مجمع البحار) (٢) عن الكرماني: إذا غزا بنا لم يكن يغز بنا بسقوط الواو لأنه بدل من (يكنْ)، وروي يغزو بثبوتها على لغة، انتهى، يريد أن حذف الواو هنا هو الأصل الظاهر، وإنما المحتاج إلى التوجيه إثباتُها، وهو على لغة من يرفع المضارع عند دخول الجازم، ويقال له لغة لم يخشى وهي لغة فصيحة.
ثم قال التُّورِبِشْتِي (٣): ولو جعلناه من الإغزاء بالزا وقلنا: يغزينا على زنة يلهينا لم يستقم؛ لأن معنى قول القائل: أغزيت فلانًا: جهَّزته للغزو، ولا معنى له هاهنا، انتهى، يعني لو قلت: اللفظ يُغزِينا الفعل المضارع من أغزى من باب الإفعال، وضمير المتكلم مفعوله فليس هنا محل الواو، بل الواو التي كانت في المجرد أبدلت ياء لوقوعها في الرابع كما تقرر في علم الصرف، وليس ذلك يغز متعديًا إلى الضمير المتكلم بحرف الجر، لم يستقم المعنى؛ لأن الإغزاء بمعنى التجهيز للغزو، يقال: أغزَيتُه إذا جهَّزتَه، وليس المعنى هنا على هذا. وقال القاضي البيضاوي (٤): المعنى مستقيم لأن المعنى لم يرسلنا إليه ولم يحملنا عليه على سبيل المجاز.
وأقول: قد ذكر في (القاموس) (٥): أغزاه على أمرٍ بمعنى حمَلَه عليه، وأيضًا قد
стр. 3841
حَتَّى يُصْبحَ وَيَنْظُرَ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَخَرَجُوا. . . . .
ــ
يختلج تكرار بنا مع ذكره في الأول، ولا حاجة إليه، ثم قد ذكر في (مجمع البحار) (١) عن الكرماني: يُغرِينا بتحتية بعد راء من الإغراء، وروي يغر بحذفها، وروي يَغْدُ بسكون غين وبدال مهملة وحذف واو من الغدوِّ نقيضِ الرَّواحِ، فتدبر.
وقوله: (وينظر إليهم) أي: يتأمل في حالهم ويثبت في أمرهم حذرًا أن يغير على المؤمنين أو يكون فيهم أحد من المؤمنين، والظاهر هو الثاني؛ لأن الظاهر أنه قد كان علم أنها ديار الكافرين، لكن يحتمل أن يكون فيهم مؤمن أيضًا فيغير عليه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم) لكونه علامة الكفر؛ لأن ترك الأذان في ذلك الزمان لم يكن متصوَّرًا، وجاء في الروايات الفقهية: الأذانُ شِعارُ الدِّين يجبُ القتالُ مع قومٍ ترَكُوه.
وقوله: (وإن قدمي لتمس قدم نبي اللَّه ﷺ ) لقربه منه ﷺ . وفي الحواشي: هذا يدل على أنهم ركبوا على مركب واحد، وفيه ما فيه.
وقوله: (فخرجوا) أي: الكفارُ من الحصن قاصدين نخيلَهم ومزارعَهم ولم يعلموا بنا، و (المكاتل) جمع مِكتَل بكسر الميم، شِبُه الزِّنْبيل يسَعُ خمسةَ عشرَ رِطْلًا، و (المساحي) جمع مِسْحَاةٍ، في (القاموس) (٢): سحا الطين يَسْحِيه ويَسْحُوه وَيَسْحَاهُ
стр. 3842
إِلَيْنَا بَمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا النَّبِيَّ ﷺ قَالُوا: مُحَمَّد واللَّهِ محمَّدٌ والخميسُ، فَلَجَؤوا إِلَى الْحِصْنِ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قومٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٠، ٢٩٩١ م: ١٣٦٥].
٣٩٣٢ - [٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: شَهِدْتُ الْقِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ القِتَالَ أَوَّلَ النَّهَارِ انْتُظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ وَتَحْضُرَ الصَّلَاةُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٦٠].
ــ
سَحْيًا: قشَوه وجرفَه، والمِسْحَاة بالكسر ما سُحِيَ به، وصانعه سَحَّاء.
وقوله: (والخميس) بالرفع عطف على (محمد)، وقد ينصب على أنه مفعول معه، والخميس: الجيش، سمي به لانقسامه خمسة أقسام: المقدِّمةُ، والسَّاقةُ، والمَيمَنة، والمَيسَرة، والقلب، أو لتخميس الغنائم فيه.
وقوله: (اللَّه أكبر) فيه استحباب التكبير عند لقاء العدو.
وقوله: (بساحة قوم) أي: أرضهم.
٣٩٣٢ - [٧] (النعمان بن مقرّن) قوله: (ابن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة وبالنون.
وقوله: (حتى تهب الأرواح) أي: الرياح، وجمع الريح رِياح وأَرْيَاح وأَروَاح ورَيْح على وزن عيب، وجمع الجمع أَراوِيح وأَرايِيح، وأصله الواو، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلَها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت الواو كقولك: أرْوحَ الماءُ، كذا في (الصحاح) (١).
стр. 3843
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٩٣٣ - [٨] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٥٥].
٣٩٣٤ - [٩] وَعَنْ قتَادَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ فَكَانَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَمْسَكَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَاتَلَ، فَإِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ أَمْسَكَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ قَاتَلَ حَتَّى الْعَصْرِ، ثُمَّ أَمْسَكَ حَتَّى يُصَلَّى الْعَصْرُ، ثُمَّ يُقَاتِلُ، قَالَ قتَادَةُ: كَانَ يُقَالُ: عِنْدَ ذَلِكَ تَهِيجُ رِيَاحُ النَّصْرِ،
ــ
الفصل الثاني
٣٩٣٣ - [٨] (النعمان بن مقرّن) قوله: (وينزل النصر) ناظرٌ إلى فتح باب السماء حينئذ، وتلويح إلى قوله ﷺ : (نُصِرتُ بالصَّبَا).
٣٩٣٤ - [٩] (قتادة) قوله: (وعن قتادة عن النعمان بن مقرن) لا يظهر وجه ذكر قتادة الراوي عن النعمان، وإسناد الحديث إليه في هذا الحديث دون الحديثين الأولين هو أو غيره.
وقوله: (كان يقال) الضمير في (كان) للشأن.
وقوله: (عند ذلك) إشارة إلى ما ذكر من الأوقات كلها أو مخصوص بوقت زوال الشمس كما دل عليه الأحاديث الآخر.
فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوا الْجزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتُمْ صَاغِرُونَ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَإِنَّ مَعِيَ قَوْمًا يُحِبُّونَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا يُحِبُّ فَارِسُ الْخَمْرَ، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. رَوَاهُ فِي "شَرْح السُّنَّة". [شرح السنة: ٩/ ١١].
ــ
وقوله: (فأعطوا الجزية) من جزى دينه: إذا قضاه، كذا قال البيضاوي (١)، ويأتي تمام معناه في بابه.
وقوله: (يحبون القتل) يحتمل أن يكون مصدرًا معلومًا أو مجهولًا.
وفي قوله: (كما يحب فارس الخمر) إشارة إلى أنهم يصيرون مثل السكارى في الحرب والقتال وأنهم يطربون وينشطون بذلك.
وقوله: (والسلام على من اتبع الهدى) كرره تأكيدًا وتقريرًا، وعرَّف السلام لذكره أولًا.
تمّ بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد السادس ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد السابع وأوله: (تابع كتاب الجهاد).
وصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.
* * *
стр. 3846
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
للخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)
تأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي
عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي
المولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى
تحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي
طبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان
ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة
المجلد السابع
دار النوادر
стр. 3847
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3848
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
(٧)
стр. 3849
دار النوادر
المؤسس والمالك نور الدين طالب
مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.
سوريا - دمشق - الحلبوني:
ص. ب: ٣٤٣٠٦
جميع الحقوق محفوظة للمحقق
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
E-mail: info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
شركات شقيقة
دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
دار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)
دار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند
الهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١
البريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com
стр. 3850
تابع (١٩) كتاب الجهاد
٤ - باب القتال في الجهاد
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٩٣٧ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: . . . . . .
ــ
٤ - باب القتال في الجهاد
اعلم أن هنا ثلاثة ألفاظ: الجهاد، والغزو، والقتال، فالجهاد كما سبق: الجهد والمشقة وبذل الطاقة فيه، والغزو: الخروج إلى قتال الكفار، في (القاموس) (١): غزا العدو: سار إلى قتالهم وانتهابهم غزوًا وغزوانًا وغزاة وهو غاز، والمغازي: مناقب الغزاة، والقتال معناه ظاهر، فصح قوله: (القتال في الجهاد)؛ لأنه قد يكون جهاد ولم يكن هناك قتال، نعم قال في (القاموس) (٢): الجهاد بالكسر: القتال مع العدو، فحينئذ لا يكون لقوله: (القتال في الجهاد) معنى، ولعله أراد بقوله: الجهاد القتال [و] الخروج إلى ذلك والقصد إليه كما أسلفنا.
الفصل الأول
٣٩٣٧ - [١] (جابر) قوله: (قال رجل) قيل: اسمه عمير بن الحمام، وفي حديث
стр. 3851
أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ " قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ" فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٤٦، م: ١٥٠٩، ١٨٩٩].
٣٩٣٨ - [٢] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، يَعْنِي: غَزْوَةَ تَبُوكَ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا،
ــ
جابر أنه كان يوم أحد كما ترى، وفي حديث أنس أنه كان يوم بدر، واللَّه أعلم.
٣٩٣٨ - [٢] (كعب بن مالك) قوله: (إلا ورّى) من التورية وهو الستر والإخفاء في البيان، أي: ستره بغيرها، ويظهر أنه يريد غيرها لما فيه من الحزم وإغفال العدو، وتوريته ﷺ كان تعريضًا بأن يريد مثلًا غزوة مكة فسأل الناس عن حال خيبر أو كيفية طرقها، وتوجه إليها بضرب الخيمة إليها لا تصريحًا بأن يقول: أريد غزوة خيبر مثلًا؛ لئلا يلزم الكذب.
وقوله: (حتى كانت تلك الغزوة يعني كزوة تبوك) إنما عرف (الغزوة) تعريف عهد، وأشار إليها إشارة البعيد لما كانت تلك الغزوة معهودة عنده مركوزة في ذهنه، معظمة لديه لما وقعت له فيها قضية التخلف، يعني تلك الغزوة التي وقع لي فيها ما وقع، وجرى ما جرى.
وقوله: (ومفازًا)، جمع مفازة: البرية القفر، سميت به لأنها مهلكة، والفوز: الهلاك، وقيل: سميت به تفاؤلًا من الفوز بمعنى النجاة والظفر بالخير، والفوز يجيء بمعنى النجاة والهلاك، ضد، كذا في (القاموس) (١).
стр. 3852
فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ، لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤١٨].
٣٩٣٩ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَرْبُ خُدَعَةٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٣٠، م: ١٣٦١، ١٧٣٩].
ــ
وقوله: (فجلى) أي: كشف وأظهر.
وقوله: (ليتأهبوا أهبة كزوهم) أي: ليتأهبوا ويعدوا أسباب غزوهم، والأهبة بالضم: العُدَّة، كالهُبَة، وقد أَهَّبَ له تأهيبًا وتأهّب.
٣٩٣٩ - [٣] (جابر) قوله: (الحرب خدعة) في (القاموس) (١): خدعه كمنعه خدعًا ويكسر: ختله، وأراد به المكروه من حيث لا يعلم، كاختدعه فانخدع، والاسم الخديعة، والحرب خدعة مثلثة، وكهمزة، وروي بهن جميعًا، أي: تنقضي بخدعة، انتهى.
وقال في (النهاية) (٢): (الحرب خدعة) بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال وبضمها مع فتح الدال، فالأول معناه: أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة من الخداع، أي: إن المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم يكن لها إقالة، وهو أفصح الروايات وأصحها، ومعنى الثاني هو الاسم من الخداع، ومعنى الثالث أن الحرب تخدع الرجال وتمنّيهم ولا تفي لهم كاللُّعَبة والضُّحَكة للذي يكثر اللعب والضحك. وفي (مجمع البحار) (٣): روي أنه قاله يوم الأحزاب لما بعث نعيم بن مسعود أن يخذل بين قريش
стр. 3853
٣٩٤٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ، إِذَا غَزَا يَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١٥].
٣٩٤١ - [٥] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الْجَرْحَى وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١٢].
٣٩٤٢ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠١٥، م: ١٧٤٤].
ــ
وغطفان واليهود، يعني أن المماكرة في الحرب أنفع من المكاثرة، وظاهره إباحة الكذب في الحرب لكن التعريض أولى.
٣٩٤٠ - [٤] (أنس) قوله: (يغزو بأم سليم) الباء للمصاحبة.
وقوله: (ونسوة) بالجر والرفع، وهذا أولى لئلا يكون قوله: (معه) مستدركًا.
وقوله: (يسقين) وفي بعض النسخ: (فيسقين)، (الماء ويداوين الجرحى) ويجوز إخراج العجائز للمداواة والسقي، ولو احتيج للمباضعة فالأولى إخراج الإماء دون الحرائر.
٣٩٤١ - [٥] (أم عطية) قوله: (وعن أم عطية) الأنصارية، اسمها نسيبة.
٣٩٤٢ - [٦] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (نهى عن قتل النساء والصبيان) قال في (الهداية) (١): ولا يقتلوا امرأة ولا صبيًّا ولا شيخًا فانيًا ولا مقعدًا ولا أعمى؛ لأن المبيح
стр. 3854
٣٩٤٣ - [٧] وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَتُّونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُصَابَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، قَالَ: "هُمْ مِنْهُمْ". . . . .
ــ
للقتل عندنا هو الحراب، ولا يتحقق منهم، والشافعي يخالفنا في الشيخ والمقعد والأعمى؛ لأن المبيح عنده الكفر، وقد صح أن النبي ﷺ نهى عن قتل الصبيان والذراري، وحين رأى النبي ﷺ امرأة مقتولة قال: (هاه ما كانت هذه تقاتل فلم قتلت؟ ) (١)، قال: إلا أن يكون أحد هؤلاء ممن له رأي في الحرب أو تكون المرأة ملكة، وكذا يقتل من قاتل من هؤلاء دفعًا لشره.
٣٩٤٣ - [٧] (الصعب بن جثامة) قوله: (عن الصعب) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين (ابن جثامة) بفتح الجيم والمثلثة المشددة.
وقوله: (عن أهل الديار) وفي بعض النسخ: (أهل الدار) قال التُّورِبِشْتِي (٢): أراد بالدار المحل باعتبار أنه يجمعهم ويدور حولهم.
و(يبيتون) بلفظ المجهول من التبييت حال من أهل الدار، و (من) في (من المشركين) بيانية، والتبييت أن يقصد بالليل بغتة بيت العدو، ووقع بهم ليلًا وهو البيات، ويقال بالفارسية: شبخون.
وقوله: (هم) أي: الصبيان والنساء (منهم) أي: من المشركين، أي: من رجالهم أي: في حكمهم، وظاهره أنه يجوز قتلهم كما يقتل الرجال، فقيل: ليس معناه استباحة قتل الولدان، وإنما فيه نفي الحرج عمن أصابهم بسهم أو سيف أو رمح لكون الليل حاجزًا بينه وبين التمييز ولاختلاط الذرية بالمقاتلة، والسؤال وقع عن حصول الإثم
стр. 3855
وَفِي رِوَايَةٍ: "هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠١٣، م: ١٧٤٥].
٣٩٤٤ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانٌ:
وهان على سراة بني لؤيٍّ ... حريق بالبويرة مستطير
وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ. . . . .
ــ
ولزوم الدم، فأفتى لهم أن حكم الأبناء في هذه الصورة كحكم آبائهم؛ لأن الولدان في حكم الكفر تبع الأبوين، وقيل: المراد إذا لم يوصل إلى قتل الآباء إلا بقتلهم؛ جمعًا بين الأحاديث.
وقوله: (وفي رواية: هم من آبائهم) أي: حكمهم حكم آبائهم، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالأصح أنهم في الجنة، وقيل: في النار، وتوقف بعضهم في ذلك.
٣٩٤٤ - [٨] (ابن عمر) قوله: (نخل بني النضير) قبيلة من يهود.
وقوله: (ولها) أي: لأجل هذه القضية والحادثة قال حسان. و (السراة) بفتح السين: أشراف القوم ورؤساؤهم، جمع سري، والسرو: سخاء في مروءة، و (بنو لؤي) بضم لام وفتح همزة، وقيل: بواو وشدة ياء، وهو لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، أحد أجداد النبي ﷺ ، والمراد أشراف قريش من صحابته ﷺ .
وقوله: (حريق) أي: نار، (بالبويرة) بضم الموحدة وفتح الواو: مصغر بور، اسم موضع فيه نخيل بني النضير.
وقوله: (مستطير) أي: منتشر، وذلك حين نقض بنو النضير العهد، وهمّوا بقتله ﷺ ، فنزل الوحي بما هموا، فأجلوا إلى خيبر وأحرق نخيلهم.
وقوله: (من لينة) أي: نخلة، فعلة من اللون ويجمع على ألوان، وقيل: من