أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ " قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ" فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٤٦، م: ١٥٠٩، ١٨٩٩].
٣٩٣٨ - [٢] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، يَعْنِي: غَزْوَةَ تَبُوكَ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا،
ــ
جابر أنه كان يوم أحد كما ترى، وفي حديث أنس أنه كان يوم بدر، واللَّه أعلم.
٣٩٣٨ - [٢] (كعب بن مالك) قوله: (إلا ورّى) من التورية وهو الستر والإخفاء في البيان، أي: ستره بغيرها، ويظهر أنه يريد غيرها لما فيه من الحزم وإغفال العدو، وتوريته ﷺ كان تعريضًا بأن يريد مثلًا غزوة مكة فسأل الناس عن حال خيبر أو كيفية طرقها، وتوجه إليها بضرب الخيمة إليها لا تصريحًا بأن يقول: أريد غزوة خيبر مثلًا؛ لئلا يلزم الكذب.
وقوله: (حتى كانت تلك الغزوة يعني كزوة تبوك) إنما عرف (الغزوة) تعريف عهد، وأشار إليها إشارة البعيد لما كانت تلك الغزوة معهودة عنده مركوزة في ذهنه، معظمة لديه لما وقعت له فيها قضية التخلف، يعني تلك الغزوة التي وقع لي فيها ما وقع، وجرى ما جرى.
وقوله: (ومفازًا)، جمع مفازة: البرية القفر، سميت به لأنها مهلكة، والفوز: الهلاك، وقيل: سميت به تفاؤلًا من الفوز بمعنى النجاة والظفر بالخير، والفوز يجيء بمعنى النجاة والهلاك، ضد، كذا في (القاموس) (١).
стр. 3852
فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ، لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤١٨].
٣٩٣٩ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَرْبُ خُدَعَةٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٣٠، م: ١٣٦١، ١٧٣٩].
ــ
وقوله: (فجلى) أي: كشف وأظهر.
وقوله: (ليتأهبوا أهبة كزوهم) أي: ليتأهبوا ويعدوا أسباب غزوهم، والأهبة بالضم: العُدَّة، كالهُبَة، وقد أَهَّبَ له تأهيبًا وتأهّب.
٣٩٣٩ - [٣] (جابر) قوله: (الحرب خدعة) في (القاموس) (١): خدعه كمنعه خدعًا ويكسر: ختله، وأراد به المكروه من حيث لا يعلم، كاختدعه فانخدع، والاسم الخديعة، والحرب خدعة مثلثة، وكهمزة، وروي بهن جميعًا، أي: تنقضي بخدعة، انتهى.
وقال في (النهاية) (٢): (الحرب خدعة) بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال وبضمها مع فتح الدال، فالأول معناه: أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة من الخداع، أي: إن المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم يكن لها إقالة، وهو أفصح الروايات وأصحها، ومعنى الثاني هو الاسم من الخداع، ومعنى الثالث أن الحرب تخدع الرجال وتمنّيهم ولا تفي لهم كاللُّعَبة والضُّحَكة للذي يكثر اللعب والضحك. وفي (مجمع البحار) (٣): روي أنه قاله يوم الأحزاب لما بعث نعيم بن مسعود أن يخذل بين قريش
стр. 3853
٣٩٤٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ، إِذَا غَزَا يَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١٥].
٣٩٤١ - [٥] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الْجَرْحَى وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١٢].
٣٩٤٢ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠١٥، م: ١٧٤٤].
ــ
وغطفان واليهود، يعني أن المماكرة في الحرب أنفع من المكاثرة، وظاهره إباحة الكذب في الحرب لكن التعريض أولى.
٣٩٤٠ - [٤] (أنس) قوله: (يغزو بأم سليم) الباء للمصاحبة.
وقوله: (ونسوة) بالجر والرفع، وهذا أولى لئلا يكون قوله: (معه) مستدركًا.
وقوله: (يسقين) وفي بعض النسخ: (فيسقين)، (الماء ويداوين الجرحى) ويجوز إخراج العجائز للمداواة والسقي، ولو احتيج للمباضعة فالأولى إخراج الإماء دون الحرائر.
٣٩٤١ - [٥] (أم عطية) قوله: (وعن أم عطية) الأنصارية، اسمها نسيبة.
٣٩٤٢ - [٦] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (نهى عن قتل النساء والصبيان) قال في (الهداية) (١): ولا يقتلوا امرأة ولا صبيًّا ولا شيخًا فانيًا ولا مقعدًا ولا أعمى؛ لأن المبيح
стр. 3854
٣٩٤٣ - [٧] وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَتُّونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُصَابَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، قَالَ: "هُمْ مِنْهُمْ". . . . .
ــ
للقتل عندنا هو الحراب، ولا يتحقق منهم، والشافعي يخالفنا في الشيخ والمقعد والأعمى؛ لأن المبيح عنده الكفر، وقد صح أن النبي ﷺ نهى عن قتل الصبيان والذراري، وحين رأى النبي ﷺ امرأة مقتولة قال: (هاه ما كانت هذه تقاتل فلم قتلت؟ ) (١)، قال: إلا أن يكون أحد هؤلاء ممن له رأي في الحرب أو تكون المرأة ملكة، وكذا يقتل من قاتل من هؤلاء دفعًا لشره.
٣٩٤٣ - [٧] (الصعب بن جثامة) قوله: (عن الصعب) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين (ابن جثامة) بفتح الجيم والمثلثة المشددة.
وقوله: (عن أهل الديار) وفي بعض النسخ: (أهل الدار) قال التُّورِبِشْتِي (٢): أراد بالدار المحل باعتبار أنه يجمعهم ويدور حولهم.
و(يبيتون) بلفظ المجهول من التبييت حال من أهل الدار، و (من) في (من المشركين) بيانية، والتبييت أن يقصد بالليل بغتة بيت العدو، ووقع بهم ليلًا وهو البيات، ويقال بالفارسية: شبخون.
وقوله: (هم) أي: الصبيان والنساء (منهم) أي: من المشركين، أي: من رجالهم أي: في حكمهم، وظاهره أنه يجوز قتلهم كما يقتل الرجال، فقيل: ليس معناه استباحة قتل الولدان، وإنما فيه نفي الحرج عمن أصابهم بسهم أو سيف أو رمح لكون الليل حاجزًا بينه وبين التمييز ولاختلاط الذرية بالمقاتلة، والسؤال وقع عن حصول الإثم
стр. 3855
وَفِي رِوَايَةٍ: "هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠١٣، م: ١٧٤٥].
٣٩٤٤ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانٌ:
وهان على سراة بني لؤيٍّ ... حريق بالبويرة مستطير
وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ. . . . .
ــ
ولزوم الدم، فأفتى لهم أن حكم الأبناء في هذه الصورة كحكم آبائهم؛ لأن الولدان في حكم الكفر تبع الأبوين، وقيل: المراد إذا لم يوصل إلى قتل الآباء إلا بقتلهم؛ جمعًا بين الأحاديث.
وقوله: (وفي رواية: هم من آبائهم) أي: حكمهم حكم آبائهم، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالأصح أنهم في الجنة، وقيل: في النار، وتوقف بعضهم في ذلك.
٣٩٤٤ - [٨] (ابن عمر) قوله: (نخل بني النضير) قبيلة من يهود.
وقوله: (ولها) أي: لأجل هذه القضية والحادثة قال حسان. و (السراة) بفتح السين: أشراف القوم ورؤساؤهم، جمع سري، والسرو: سخاء في مروءة، و (بنو لؤي) بضم لام وفتح همزة، وقيل: بواو وشدة ياء، وهو لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، أحد أجداد النبي ﷺ ، والمراد أشراف قريش من صحابته ﷺ .
وقوله: (حريق) أي: نار، (بالبويرة) بضم الموحدة وفتح الواو: مصغر بور، اسم موضع فيه نخيل بني النضير.
وقوله: (مستطير) أي: منتشر، وذلك حين نقض بنو النضير العهد، وهمّوا بقتله ﷺ ، فنزل الوحي بما هموا، فأجلوا إلى خيبر وأحرق نخيلهم.
وقوله: (من لينة) أي: نخلة، فعلة من اللون ويجمع على ألوان، وقيل: من
стр. 3856
أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٣١، ٤٠٣٤، م: ١٧٤٦].
٣٩٤٥ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ أَنَّ نَافِعًا كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينِ فِي نَعَمِهِمْ بِالْمُرَيْسِيعِ،
ــ
اللين، ومعثاها النخلة الكريمة، وجمعها أليان، كذا في التفسير (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): المراد أنواع التمر كلّها سوى العجوة، وهي مئة وعشرون نوعًا، أو كرام النخل، أو كلها، أو كل الأشجار، أقوال.
وقوله: (﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾) أي: لم تقطعوها، وفيه قطع شجر الكفار وهو المذهب عندنا، وقيل: لا يجوز، وقيل: هذا إذا دعت إليه حاجة، وقيل: إن النخيل كانت مقابل القوم فقطعت ليبرز مكان، فيكون مجالًا للحرب.
٣٩٤٥ - [٩] (عبد اللَّه بن عون) قوله: (ابن عون) بالنون في الآخر.
وقوله: (على بني المصطلق) بضم فسكون ففتح فكسر وبقاف: بطن من خزاعة.
وقوله: (غارين) بتشديد الراء، أي: غافلين، والغار: الغافل، واغتر: غفل، والاسم الغرة بالكسر، كذا في (القاموس) (٣).
وقوله: (في نعمهم) بفتحتين، أي: في مواشيهم، و (المريسيع) بضم الميم وفتح الراء وكسر السين: اسم موضع قريب من قديد، وفيه ماء لبني المصطلق،
стр. 3857
فَقَتَلَ الْمُقَاتَلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٤١، م: ١٧٣٠].
٣٩٤٦ - [١٠] وَعَن أبي أُسَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَنَا يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لَنَا: "إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَحَدِيثُ سَعْدٍ: "هَلْ تُنْصَرُونَ" سَنَذْكُرُهُ فِي "بَابِ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ". وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا فِي "بَابِ الْمُعْجزَاتِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [خ: ٢٩٠٠].
ــ
و(المقاتلة) بكسر التاء، أي: الجماعة التي يقاتلون، والمراد من يصلح للقتال، احتراز عن الصبيان والنساء والمشايخ.
٣٩٤٦ - [١٠] (أبو أسيد) قوله: (وعن أبي أسيد) بضم الهمزة وفتح السين، ومنهم من فتح الهمزة وكسر السين، والأول أصح وأشهر، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١).
وقوله: (إذا أكثبوكم) الكثب بالتحريك: القرب، وأكثبه: دنا منه، كأكثب له ومنه، كذا في (القاموس) (٢)، أي: قاربوكم بحيث يصل إليهم سهامكم، قال التُّورِبِشْتِي (٣): ورواه بعضهم: (كثبوكم) بغير ألف، أي: قربوا منكم، قال الهروي: فلعلها لغتان.
وقوله: (إذا استبقوا نبلكم) على صيغة استفعال، أي: لا ترموهم بجميعها، بل أبقوا شيئًا منها حتى لا تبقوا بلا أنبال.
стр. 3858
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٩٤٧ - [١١] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَبَّأَنَا النَّبِيُّ (١) ﷺ بِبَدْرٍ لَيْلًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٧٧].
٣٩٤٨ - [١٢] وَعَنِ الْمُهَلَّبِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنْ بَيَّتَكُمُ الْعَدُوُّ فَلْيَكُنْ شِعَارُكُمْ: حم لَا يُنْصَرُونَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٦٨٢، د: ٢٥٩٧].
ــ
الفصل الثاني
٣٩٤٧ - [١١] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (عبأنا) أي: سوى الصفوف وأقام كلًّا في مقام يصلح له، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): عبانا يهمز ولا يهمز، يقال: عبأت الجيش وعبيتهم: هيأتهم في مواضعهم وألبستهم السلاح، وقال صاحب (القاموس) (٣) في باب الهمزة: عبأ المتاع والأمر كمنع: هيأه، والجيش: جهّزه، كعبأه تعبئة، وفي باب الناقص: تعبية الجيش: تهيئته في مواضعه.
٣٩٤٨ - [١٢] (المهلب) قوله: (وعن المهلب) بضم الميم وفتح اللام مع التشديد.
وقوله: (إن بيّتكم العدو) أي: قصد قبالكم ليلًا كما عرفت.
وقوله: (فليكن شعاركم) أي: علامتكم التي تعرفون بها أصحابكم، والشعار بالكسر: العلامة في الحرب يعرف بها الرجل رفقاءه، ومعنى قوله: (حم لا ينصرون)
стр. 3859
٣٩٤٩ - [١٣] وَعَنْ سَمُرةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كَانَ شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ: عَبْدُ اللَّهِ، وَشِعَارُ الأَنْصَارِ: عَبدُ الرَّحْمَنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٩٥].
٣٩٥٠ - [١٤] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ فبيَّتْنَاهُمْ نَقْتُلُهُمْ، وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ: أَمِتْ أَمِتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٢٦٣٨].
٣٩٥١ - [١٥] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). . . . .
ــ
بفضل هذه لا ينصرون، فعلى هذا العلامة مجموع هذا القول، أو أمره ﷺ بجعل (حم) علامة ثم كأنه سأل سائل: ماذا يكون إذا قلته؟ قال: (لا ينصرون)، وقيل: (حم) من أسماء اللَّه، والمعنى اللهم لا ينصرون.
٣٩٤٩ - [١٣] (سمرة بن جندب) قوله: (كان شعار المهاجرين: عبد اللَّه، وشعار الأنصار: عبد الرحمن) يمكن استنباط وجه تخصيص أحدهما بالآخر، فتأمل.
٣٩٥٠ - [١٤] (أبو أسيد) قوله: (أمتْ أمتْ) بلفظ الأمر من الإماتة مكررًا، والمخاطب هو اللَّه تعالى، وقال الطيبي (٢): إن في (شرح السنة): يا منصور أمت، فالمخاطب كل أحد من المقاتلين، واللَّه أعلم.
٣٩٥١ - [١٥] (قيس بن عباد) قوله: (وعن قيس بن عباد) بضم العين وتخفيف الموحدة، كذا في (جامع الأصول) (٣)، وعباد كله بمفتوحة وشدة موحدة إلا هذا والد
стр. 3860
يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ الْقِتَالِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٥٦].
٣٩٥٢ - [١٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ" أَيْ: صِبْيَانَهُمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد. [ت: ١٥٨٣، د: ٢٦٧٠].
ــ
قيس، وكذا والد جرير ووالد مرة، كذا في (المغني) (١).
وقوله: (يكرهون الصوت عند القتال) كما كان عادة المحاربين لتعظيم أنفسهم ومفاخرتهم وإظهار شجاعتهم، والصحابة لا يرفعون الصوت إلا بذكر اللَّه، والمراد غالب الأحوال، وإلا فقد ينقل ذلك عن بعضهم، ولفظ (يكرهون) أيضًا ينبئ عن ذلك، فافهم.
٣٩٥٢ - [١٦] (سمرة بن جندب) قوله: (اقتلوا شيوخ المشركين) المراد بهم الذين فيهم جلادة وقوة وفكر ورأي ودهاء، فإن كان الأول فظاهر، وإن كان الثاني فلما في استبقائهم من الفتنة لما في نفوسهم من العصبية والمكر فلا يؤمن غائلتهم، وما يتولد منهم من فساد في الدين أو ثلمة في الإسلام، وهم غير الفانين الذين لم يبق فيهم من القوة والعقل، فلا يكترث بهم المرادين في الحديث الآتي بقوله: (لا تقتلوا شيخًا فانيًا)، ويفهم منه قتل الشباب بطريق الأولى أو هو مقرر، والغرض تعلق ببيان من عداهم.
وقوله: (واستحيوا شرخهم) بالشين المعجمة المفتوحة وسكون الراء في آخره خاء معجمة، قالوا: هو أول الشباب، وقال في (مختصر النهاية) (٢): وقيل: هو نضارته
стр. 3861
٣٩٥٣ - [١٧] وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَيْهِ قَالَ: "أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦١٦].
٣٩٥٤ - [١٨] وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: "إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ، وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى يَغْشَوْكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٦٤].
ــ
وقوته. اسم جمع يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، أو جمع شارخ كركب وراكب، وقال في (القاموس) (١): هو أول الشباب، وجمع شارخ للشاب ويجمع على شروخ، والتفسير بالصبيان وقع من بعض الرواة أو من صاحب (المصابيح) وقال التُّورِبِشْتِي (٢): إنما فسر الشرخ بالصبيان ليقابل الشيوخ، فيكون المراد بالشيوخ الشبان وأهل الجلد فيصح التقابل، فتدبر.
٣٩٥٣ - [١٧] (عروة) قوله: (أغر) أمر من الإغارة، و (أبنى) بضم الهمزة وسكون الموحدة مقصورًا اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة، ويقال: يبنى بالياء، كذا في (النهاية) (٣).
٣٩٥٤ - [١٨] (أبو أسيد) قوله: (ولا تسلوا السيوف) السل: انتزاعك الشيء وإخراجه في رفق كالإسلال، ومنه سل السيف من باب نصر.
وقوله: (حتى يغشوكم) أي؛ يسترونكم ويغطونكم، كناية عن زيادة القرب الذي ترمونهم به.
стр. 3862
٣٩٥٥ - [١٩] وَعَنْ رَبَاحِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: "انْظُرُوا عَلَى مَنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ" فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: "مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ"، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: "قُلْ لِخَالِدٍ: لَا تَقْتُلِ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٦٩].
٣٩٥٦ - [٢٠] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وعَلى مِلِّةِ رَسُولِ اللَّهِ، لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ،
ــ
٣٩٥٥ - [١٩] (رباح بن الربيع) قوله: (وعن رباح) بفتح الراء (ابن الربيع) على لفظ ضد الخريف.
وقوله: (ما كانت هذه لتقاتل) هي لام الجحد تقدر بعدها أن الناصبة، يراد في خبر كان المنفي نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. و (العسيف): الأجير والعبد المستعان به، فعيل بمعنى فاعل من عسف له، أو مفعول من عسفه: استخدمه، كذا في (القاموس) (١)، والمراد في الحديث الأجير الذي لا يقاتل.
٣٩٥٦ - [٢٠] (أنس) قوله: (بسم اللَّه وباللَّه وعلى ملة رسول اللَّه) يقدر لهذه الجوار ما يناسب المعنى والمقام نحو متبركين ومستعينين ومتوكلين ونحو ذلك، والاستعانة باللَّه أبلغ وأوكد لما فيه من التعلق بذاته الأقدس مع تضمنه استجماع الأسماء كلها، و (ضموا) أي: اجمعوا وأحرزوا غنائمكم.
стр. 3863
وَأَصْلِحُوا، وَأَحْسِنُوا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦١٤].
٣٩٥٧ - [٢١] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَقَدَّمَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ فَنَادَى: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ". فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ، وَاخْتَلَفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَليدِ ضَرْبَتَانِ،
ــ
وقوله: (وأصلحوا) فيما بينكم بترك التنازع والتخاصم، و (أحسنوا) أعمالكم، وحقيقة الإحسان أن تعبد ربك كأنك تراه.
٣٩٥٧ - [٢١] (علي) قوله: (تقدم عتبة) بضم العين وسكون الفوقانية من المشركين وأشقيائهم الذين قتلوا يوم بدر، و (ابنه) الوليد بن عتبة و (أخوه) شيبة بن ربيعة، (فنادى) أي: عتبة (فانتدب) ندبه إلى الأمر: دعاه وحثّه ووجهه، فانتدب، أي: أجاب وتوجه، و (الشباب) بفتح الشين وتخفيف الباء جمع شاب، وقيل: لا يجمع فاعل على فعال غيره، ومنه حديث: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، ويروى هناك شبان على وزن رمان.
وقوله: (إنما أردنا بني عمنا) أراد به أقاربه وأكفاءه من قريش، والحارث بن عبد المطلب أحد أعمام رسول اللَّه ﷺ .
وقوله: (فأقبل حمزة إلى عتبة) وزاد في بعض الروايات: فقتله، وكذا بعد قوله: (وأقبلتُ إلى شيبة) فقتلته.
وقوله: (ضربتان) فاعل اختلف، والظاهر أن المراد ضربة من كل واحد منهما.
стр. 3864
فَأَثْخَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ١/ ١١٧، د: ٢٦٦٥].
٣٩٥٨ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً، وَأَتَيْنَا (١) الْمَدِينَةَ فَاخْتَفَيْنَا بِهَا وَقُلْنَا: هَلَكْنَا، ثُمَّ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . . . . .
ــ
وقوله: (فأثخن كل واحد منهما صاحبه) أي: أثقله، في (القاموس) (٢): أثخن في العدو: بالغ الجراحة فيهم، وفلانًا: أوهنه. (واحتملنا عبيدة) أي: حملناه من المعركة، وهو ﵁ من شهداء بدر.
٣٩٥٨ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (فحاص الناس حيصة) في (القاموس) (٣): حاص عنه يحيص حيصًا وحيوصًا ومَحِيصًا ومَحاصًا ومحيصة: عدل، وحاد، أو يقال للأولياء: حاصوا، وللأعداء: انهزموا، والمحيص: المحيد، انتهى. فإن حمل الحيص على المعنى الأول وهو مطلق العدول والميل والحيد، واحتمل أن يراد بالناس المسلمون عدلوا عن محاربة الكفار وأتوا المدينة، وأن يراد أعداؤهم، أي: مالوا وحملوا علينا وهزمونا، وعلى الاحتمالين تقرير القاضي البيضاوي (٤)، وإن حمل على المعنى الثاني المخصص استعماله في الأولياء تعين الاحتمال الأول، وحكم الطيبي على الاحتمال الثاني بكونه مخالفًا لاستعمال اللغة بناء على ما تدل عليه عبارة الجوهري
стр. 3865
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الفَرَّارُونَ. قَالَ: "بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ نَحْوَهُ وَقَالَ: "لَا بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ". قَالَ: فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ فَقَالَ: "أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ".
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ يَسْتَفْتِحُ،
ــ
من تخصيصه بالأولياء ووجهه بالمجاز، ولكن عبارة (القاموس) تدل على اختلاف أهل اللغة في معناه، فبعضهم عمموه والآخرون خصصوه، فتدبر.
وقوله: (فقلنا: يا رسول اللَّه، نحن الفرارون) تحسرًا وخجالة واعترافًا بالذنب، فقال رسول اللَّه ﷺ تمهيدًا لعذرهم ورفعًا للخجالة عنهم: (بل أنتم العكارون) من عكر على الشيء يعكر عكرًا وعكورًا واعتكر: كرّ وانصرف، والعكار: الكرار العَطّاف، كذا في (القاموس) (١)، أي: لستم فرارين، بل أنتم الكرارون، والعطافون إلى الحرب. وقال في (النهاية) (٢): يقال للرجل يولي عن الحرب ثم يَكُرُّ راجعًا إليها: عكر واعتكر. والكرار صفة مدح في الشجاعة، وقد وصف [به] علي المرتضى ﵁ وكرم وجهه.
وقوله: (وأنا فئتكم) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، والفئة: الجماعة من الناس، والمراد في الآية الكريمة الطائفة التي تقوم وراء الجيش يلتجئون إليهم إذا لحق الناس خوف أو هزيمة، جعل ﷺ نفسه الشريف العظيم بمنزلة جماعة من الناس كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾.
وقوله: (كان يستفتح) أي: رسول اللَّه ﷺ بصعاليك المهاجرين، وحديث أبي
стр. 3866
وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: "ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ" فِي "بَابِ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ت: ١٧١٦، د: ٢٦٤٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٩٥٩ - [٢٣] عَنْ ثَوْبَانَ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَبَ الْمِنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسلًا. [ت: ٢٧٦٢].
* * *
٥ - باب حكم الأُسَرَاءِ
ــ
الدرداء: (ابغوني في ضعفائكم، فإنما ترزقون أو تنصرون بضعفائكم)، ولا يخفى مناسبة الحديثين لكلا البابين، لكن ما اختاره المؤلف أظهر.
الفصل الثالث
٣٩٥٩ - [٢٣] (ثوبان بن يزيد) قوله: (نصب المنجنيق) في (القاموس) (١): بكسر الميم: آلة ترمى بها الحجارة كالْمَنْجنُوق، وقد تذكر، معربة فارسيتها: مَنْ جَهْ نِيك، أي: ما أجودني، وقد يجمع على منجنيقات ومجانق ومجانيق عند من جعل الميم أصلية، انتهى.
٥ - باب حكم الأسراء
في (القاموس) (٢): الأسر: الشد، والإسار ككتاب: ما يشد به، والأسير: الأخيذ والمقيد والمسجون، والجمع أُسَرَاء وأُسارى وأَسرى، انتهى. وقيل: أسارى جمع
стр. 3867
* الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٩٦٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ. . . . .
ــ
أسرى جمع أسير كسكارى جمع سكرى، وفي (الصراح) (١): الأسر: بستن بالان بدوال، إسار بالكسر: دوال، ومنه سمي الأسير لأنهم كانوا يشدونه بالقدّ، فسمي لذلك كل أخيذ أسيرًا وإن لم يشد به.
الفصل الأول
٣٩٦٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (عجب اللَّه من قوم) العجب صفة سمعية يلزم إثباتها مع نفي التشبيه وكمال التنزيه كما هو مذهب القوم في أمثالها، وقد أشار إلى ذلك مالك ﵁ حيث قال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذا هو المذهب عند الأوائل من السلف، وقيل: إطلاق أمثال هذه الصفات التي هي من قبيل الانفعالات كالرحمة والغضب ونحوهما باعتبار غاياتها، فغاية العجب بالشيء الرضا به واستعظام شأنه، فالمعنى عظّم اللَّه شان هؤلاء القوم ورضي بهم، وقيل: عجب هنا بكسر الجيم والتخفيف بمعنى عجب بالفتح والتشديد، فمعنى التعجب المنسوب إلى اللَّه تعالى فيه إظهار عجب هذا الأمر لخلقه لكونه بديم الشأن، وهو أن الجنة التي أخبر اللَّه سبحانه بما فيها من النعيم المقيم، والعيش الدائم، والخلود فيها من حكم من سمع به من ذوي العقول أن يسارع إليها، ويبذل مجهوده في الوصول إليها، ويحتمل المكاره والمشاق لينالها كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، وهؤلاء يمتنعون من ذلك ويرغبون
стр. 3868
يُدْخَلُوْنَ الجنَّةَ فِي السَّلاسِل"، وفي روايةٍ: "يُقَادونَ إلى الجنَّةِ بالسَّلاسِل". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٠١٠].
٣٩٦١ - [٢] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ". فَقَتَلْتُهُ فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ. . . . .
ــ
عنها ويزهدون فيها حتى يقادون إليها بالسلاسل كما يقاد إلى المكروه الذي تنفر منه الطباع، وتألم منه الأبدان وتكرهه النفوس.
وقوله: (يدخلون) بلفظ المجهول، والمراد بالسلاسل ظاهرها، لما كانت حالهم كذلك، وقد يأول بما يرد عليهم من قتل الأنفس وسبي الأهل والأولاد وتخريب الديار وسائر ما يلجئهم إلى الدخول في الإسلام الذي هو سبب دخول الجنة.
وقال الشيخ ابن عطاء اللَّه الأسكندري الشاذلي في (كتاب الحكم): علم قلة نهوض العباد إلى معاملته فأوجب عليهم وجود طاعته، فساق إليها بسلاسل الإيجاب، عجب ربك بقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل.
وقال ابن زروق في (شرحه): إذا كان اللَّه غنيًا عنك فإيجابه عليك إيجاب لك في الحقيقة؛ لأنه إنما يطلبك بذلك لنفسك، وذلك كحال الصبي كيف يؤدب ويصرف عن استرساله على مقتضى طبعه وجبلته، ويلزم أمورًا شاقة عليها فيفعلها وهو كاره لذلك، والغرض إنما هو حصوله على منافعه التي هو جاهل منها، فإذا كبر وعقل عرف ذلك عيانًا.
٣٩٦١ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (عين) أي: جاسوس.
وقوله: (ثم انفتل) أي: انصرف.
وقوله: (واقتلوه) فيه قتل الجاسوس من المشركين (فنفلني) أي: أعطاني،
стр. 3869
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٥١، ١٧٥٤].
٣٩٦٢ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَأَنَاخَهُ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ، وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ مِنَ الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ فَأَتَى جَمَلَهُ، فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، ثُمَّ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقَودُهُ وَعَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ،
ــ
والتنفيل أن يخص الأمير أحدًا من المقاتلين بما يزيد على سهمه. والمراد بالسلب محركًا: ثياب المقتول وسلاحه، سمي به لأنه يسلب عنه.
٣٩٦٢ - [٣] (وعنه) قوله: (فبينا نحن نتضحى) أي: نأكل الطعام في وقت الضحى، في (القاموس) (١): ضحيته تضحية: أطعمته فيها، وقيل: معناه نصلي الضحى.
وقوله: (وفينا ضعفة) المشهور روايته بسكون العين على وزن جلسة بمعنى حالة ضعف، وروي بفتحها جمع ضعيف، ويروى بحذف التاء.
وقوله: (ورقة) بكسر الراء وتشديد القاف، أي: قلة، (من الظهر) أي: المراكب.
وقوله: (مشاة) بضم الميم جمع ماش.
وقوله: (يشتد) أي: يعدو (فأثاره) أي: أقامه، و (الخطام) بكسر الخاء المعجمة: الزمام، (ثم اخترطت سيفي) أي: سللته من غمده، (وعليه رحله) جملة حالية.
стр. 3870
فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فَقَالَ: "مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ " قَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ فَقَالَ: "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٤٣، ١٧٦٩].
٣٩٦٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْم سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِليه، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ"، فَجَاءَ فَجَلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ هَؤُلَاءَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ". قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ. قَالَ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بحُكْم المَلِكِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "بِحُكْم اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٠٤، م: ١٧٦٩].
٣٩٦٤ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ. . . . .
ــ
٣٩٦٣ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (قوموا إلى سيدكم) وكان سعد بن معاذ سيد الأوس، وكان بنو قريظة حلفاءهم، وقد احتج به من قال بالقيام للداخل في المجلس، والتحقيق أنه لم يكن ذلك معتادًا في زمن النبي ﷺ ، وقالوا: إنما كان هذا للإعانة على نزوله عن مركبه، فإنه ﵁ كان مجروحًا في غزوة الخندق التي كانت هذه الوقعة بعدها، ويجوز أن يكون ذلك تمهيدًا وتوطئة لإطاعتهم له، وتنفيذ حكمه فيهم، وسيجيء الكلام في (باب القيام) من (كتاب الآداب)، والقصة مذكورة بطولها في كتب السير.
وقوله: (بحكم الملك) يروى بكسر اللام وفتحها، وعلى تقدير الفتح المراد جبرئيل أتى بحكم اللَّه، وفيه جواز التحكيم ولزوم حكمه.
٣٩٦٤ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (خيلًا) أي: جيشا، والضمير في (جاءت) للخيل، و (ثمامة) بضم المثلثة، و (أثال) بضم الهمزة وخفة مثلثة في آخره لام.
стр. 3871
سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّد خَيْرٌ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ الْغَدُ فَقَالَ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. . . . . .
ــ
وقوله: (فربطوه بسارية من سواري المسجد) فيه جواز ربط الأسير وحبسه في المسجد وإدخال الكافر فيه.
وقوله: (ماذا عندك؟ ) أي: كيف حالك أخبر أو ما ظنك عليّ؟
وقوله: (ذا دم) المشهور روايته بالدال المهملة، ومعناه تقتل رجلًا يستحق القتل، ففيه اعتذار واعتراف بجرمه، أو تقتل من لا يصير دمه هدرًا، ففيه ادعاء الرياسة وشرفه في قومه بأنه ليس ممن يبطل دمه بل يطلب ثأره، قال التُّورِبِشْتِي (١): وأرى الوجه الأول أوجه للمشاكلة التي بينه وبين قوله: (وإن تنعم تنعم على شاكر) وقد يروى في (سنن أبي داود) هذا الحرف (ذا ذمّ) بالذال المعجمة المكسورة، أي: ذا ذمام وحرمة في قومه ومن إذا عقد ذمة وفى بها.
وقوله: (وإن تنعم) من الإنعام.
وقوله: (عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر) تقديمه ذكر الإنعام اليوم بناء على غلبة رجائه واستعطافه وإحساسه الرحمة من جانبه ﷺ .
وقوله: (حتى كان بعد الغد) اسم (كان) ضمير عائد إلى ما هو مذكور حكمًا،
стр. 3872
فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ" فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَوَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ. وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ . . . . .
ــ
أي: حتى كان ما هو عليه ثمامة كقولهم: إذا كان غدًا فأتني، أي: إذا كان ما نحن عليه غدًا، كذا قال الطيبي (١)، وذلك لأن بعد لازم الظرفية لا يصلح أن يكون فاعلًا لـ (كان) كالغد فيما سبق من قوله: حتى كان الغد، فافهم.
وقوله: (أطلقوا ثمامة) فيه جواز المنّ على الكافر وإطلاقه بغير مال.
وقوله: (أبغض) بالنصب على أنه خبر كان، وقد وجد في بعض النسخ بالرفع على أنه صفة وجه، وضعفه الطيبي (٢) فتأمل.
وقوله: (أصبوت) مكتوب في النسخ بالواو وهو مهموز مذكور في
стр. 3873
فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٣٧٢، م: ١٧٦٤].
٣٩٦٥ - [٦] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: "لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا. . . . .
ــ
(القاموس) (١) في باب الهمزة، صبأ كمنع وكرم: صبئًا وصبوءًا: خرج من دين إلى دين آخر، وعليهم العدو: دلّهم، والظِّلف، والناب، والنجم: طلع، كأصبأ، والصابئون يزعمون أنهم على دين نوح ﵇، وقبلتهم من جهة الشمال عند منتصف النهار، انتهى. كان المشركون يسمون المسلمين صباة، قال في (مجمع البحار) (٢): صباة كقضاة بجعل المهموز معتلًا، انتهى، وكان هذا وجه كتابة صبوت بالواو، واللَّه أعلم.
وقوله: (لا ولكني أسلمت) بناء على عدم الاعتداد بدين الكفار، وأنه ليس بدين حقيقة أو نهي عن هذا القول لكونه من أقوال الجاهلية أن الصبأ الخروج من دين حق إلى دين باطل، ولذلك كانوا يطلقون هذا اللفظ، فعلى هذا معنى قوله: (لا)، ظاهر.
وقوله: (مع رسول اللَّه) أشار به إلى مصاحبته معه ﷺ ومداومته على دينه.
٣٩٦٥ - [٦] (جبير بن مطعم) قوله: (وعن جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل ابن عبد مناف، سمع هذا الحديث من النبي ﷺ وهو كافر، وحدث به وهو مسلم، والمطعم بن عدي كان له يد عند رسول اللَّه ﷺ ، وذلك أنه أجاره مرجعه من الطائف
стр. 3874
ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٣٩].
٣٩٦٦ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيم مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَأخَذَهُمْ سَلْمًا. . . . .
ــ
وذب عنه، فأحب أن لو كان حيًّا لكافأه عليها لئلا يكون لمشرك عنده يد، ويحتمل أنه قال تأليفًا لأبيه على الإسلام.
و(النتنى) جمع نتن بكسر التاء كزمن وزمنى، وسماهم نتنى إما لكفرهم أو لأن المشار إليه أبدانهم، وفيه بيان حسن المكافأه، وعدم الاعتناء بهم وبقتلهم، وجواز إهانة المشركين بتوصيفهم بالنتن والنجاسة (١).
٣٩٦٦ - [٧] (أنس) قوله: (هبطوا) وذلك عند قصد نزوله بالحديبية، و (التنعيم) مكان مشهور يحرم منه للعمر، يقول له العامة: العمرة.
وقوله: (يريدون غرة النبي ﷺ ) بكسر الغين وبتشديد الراء، أي: غفلته، من غره غرًا وغرورًا وغرة بالكسر: خدعه.
وقوله: (فأخذهم سلمًا) يروى بفتحتين وبفتح السين وكسرها مع سكون اللام، والأول يجيء بمعنى الاستسلام والأسر، والثاني بمعنى الصلح، ونقل الطيبي (٢) عن ابن الأثير أنه قال: إن الأول أشبه بالقضية فإنهم لم يؤخذوا صلحًا، وإنما أخذوا قهرًا، وأسلموا أنفسهم عجزًا، وللمعنى الأخير وجه هو أنهم لما عجزوا ورضوا بالأسر فكأنهم صولحوا على ذلك.
стр. 3875
فَاسْتَحْيَاهُمْ -وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَعْتَقَهُمْ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٠٨].
٣٩٦٧ - [٨] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ. . . . .
ــ
وقوله: (فاستحياهم) أي: تركهم أحياء ولم يقتلهم كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ [غافر: ٢٥].
٣٩٦٧ - [٨] (قتادة) قوله: (بأربعة وعشرين رجلًا) من السبعين الذين قتلوا من المشركين، وطرح باقي السبعين في موضع آخر.
وقوله: (من صناديد قريش) أي: عظمائهم ورؤسائهم من مشركي مكة لعنة اللَّه عليهم، والصناديد جمع صنديد، وهو والصندد كزبرج في الأصل بمعنى السيد الشجاع أو الحليم أو الجواد أو الشريف، والصنديد من الريح والبرد: الشديد، ومن الغيث: العظيم القطر أو الغالب.
وقوله: (فقذفوا) بلفظ المجهول من القذف، أي: طرحوا (في طوي) بفتح الطاء المهملة وكسر الواو وتشديد التحتانية فعيل بمعنى مفعول من الأسماء الغالبة، أي: ببئر مطوية مبنية بالحجارة، كذا في شروح البخاري، وقال التُّورِبِشْتِي (١): أو غيرها، قيل: إنما لم يدفنوا لأنه ﷺ كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن يأمرهم بدفنهم، فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم، ويمكن أن يكون الحكمة فيه إهانة الكافرين وإذلالهم، وليكون عبرة للعالمين، ويكون ذلك بوحي من اللَّه، واللَّه أعلم.
стр. 3876
خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إذَا ظهرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى، وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: . . . . .
ــ
وقوله: (خبيث مخبث) بكسر الباء، أي: فاسد مفسد، كذا قال الطيبي (١)، وقال القسطلاني (٢): يقال: أخبث: إذا اتخذ أصحابًا خبثاء، وفي الحديث: (أعوذ بك من الخبيث المخبث) أي: الذي أعوانه خبثاء كما يقال: قوي مقو، أي: القوي في نفسه والمقوي الذي دابته قوية، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٣)، قال: ويحتمل أن يكون المخبث في حديث الدعاء: الذي يعلم الناس الخبث، وقيل: الذي ينسب الناس إلى الخبث، انتهى. وإنما وصف البئر بهذا لإلقاء تلك الجيف فيها، أو كانت موصوفة بها قبل ذلك يلقون فيها الجيف، واللَّه أعلم.
و(العرصة) بفتح العين وسكون الراء: كل موضع واسع لا بناء فيه، وأريد بها هناك المعترك لأنه يكون في غالب الأحوال صعيدًا أفيح.
وقوله: (واتبعه) بألف الوصل وتشديد الفوقية، وفي بعض النسخ: تبعه بكسر الباء بدون الألف.
وقوله: (حتى قام على شفة الركي) على وزن الطوي بمعنى البئر، وفي رواية أخرى للبخاري عن ابن عمر قال (٤): (وقف النبي ﷺ على قليب بدر الركي)، والقليب
стр. 3877
"يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ! يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ! أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدتمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ ". . . . .
ــ
بمعنى البئر مطلقًا، وقد يقال: القليب: البئر غير المبنية فيضاد الطوي، ووجه التوفيق أن اسم المقيد قد يطلق على المقيد كالمرسن والمشفر، فيراد بالطوي المذكور في أول الحديث البئر مطلقًا، فلا منافاة على أن عبارة (القاموس) (١): أو البئر العادية القديمة ليس نصًا في عدم البناء بل في القدم، وهو لا ينافي البناء، غايته أن يكون قديمًا منكسرًا، واللَّه أعلم، وقد يحتمل على أن الراوي لم يدر أن بينهما فرقًا، أو أن الصحابي حسب أن البئر كانت مطوية وكانت قليبًا، وهذا بعيد كما لا يخفى، وقيل: يحتمل أن بعضهم ألقوا في الطوي وبعضها في القليب، وهذا أيضًا لا يخلو عن بعد عن سياق الحديث.
وقوله: (يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان) بالتكرار اثنين، وفي بعض الروايات ثلاث، وفي بعض رواية: (يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام)، وفي ذكر أمية بن خلف نظر؛ لأنه لم يكن في القليب لأنه كان ضخمًا فانتفخ في درعه، فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيّبه، والظاهر أنه كان قريبًا من القليب، فنادى من نادى من رؤسائهم، كذا قال القسطلاني في (شرح صحيح البخاري) (٢).
وقوله: (أيسركم أنكم أطعتم اللَّه ورسوله؟ . . . إلخ)، أي: هل تتمنون أن تكونوا مسلمين بعدما كشف عنكم الغطاء، ورأيتم من عذاب اللَّه تعالى ما رأيتم؟ وهو مضمون قوله: (فإنا وجدنا. . . إلخ)، وقيل: إطلاق المسرة هنا بطريق الاستهزاء كإطلاق البشارة في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
стр. 3878
فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا تُكَلِّمَ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ". وَفِي رِوَايَةٍ: "مَا أَنتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجيبُونَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ. ١٣٧٠].
وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ قتادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا. [خ: ٣٩٧٦، م: ٢٨٧٥].
ــ
وقوله: (ما تكلم من أجساد لا أرواح لها) قيل: (ما) استفهامية، و (من) زائدة لما في الاستفهام الإنكاري من معنى النفي، وقيل: موصولة، و (من) بيانية والخبر محذوف، أي: وهو لا يسمعون كلامك، وقيل: الخبر قوله: (لا أرواح لها)، وقيل: (أو) زائدة على مذهب الأخفش، والخبر هو (أجساد)، والأول الأظهر، وقال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه ﷺ قال: (يا أهل القليب بئس العشيرة كنتم، كذبتموني وصدقني الناس، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئًا).
وقوله: (ما أنتم بأسمع منهم) مدلول هذه العبارة بحسب العرف أنهم أسمع منكم، ولئن ننزل عن ذلك فلا أقل من المساواة.
وقوله: (قال قتادة) جوابًا عمن يستبعد وينكر سماع الموتى.
اعلم أن هذا الحديث المتفق على صحته صريح في ثبوت السماع للموتى، وحصول العلم لهم بما يخاطبون، وكذلك حديث مسلم (١): (إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا)، وما جاء في زيارته ﷺ أهل البقيع والسلام عليهم، والخطاب معهم بقوله: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا
стр. 3879
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن شاء اللَّه بكم لاحقون)، فإن الخطاب مع من لا يسمع ولا يفهم مما لا يعقل وكاد يعد من العبث، وليس هذا مخصوصًا به ﷺ بل هي سنة مستمرة لمن يزور القبور، وجاء في حديث الترمذي (١) أنه لما زارت عائشة قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر خاطبته وقالت: واللَّه لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك، وقد ذكروا في توجيه قوله ﷺ : (عليك السلام تحية الميت) أنه ليس المراد المنع من تحيته بالسلام عليك، بل المراد أنه لما لم يتوقع منه رد السلام استوى في حقه التقديم والتأخير، فيفهم منه أن السماع حاصل له لا الرد.
ونقل عن الشيخ ابن الهمام (٢) في شرح (الهداية): أن أكثر المشايخ الحنفية على أن الميت لا يسمع، وقد صرحوا في (كتاب الأيمان): لو حلف لا يكلم فكلّم ميتًا لا يحنث، لأنها تنعقد على ما بحيث يفهم والميت ليس كذلك، وأجابوا عن حديث مسلم الناطق بسماع الميت قرع نعالهم بأنه مخصوص بأن الوضع في القبر مقدمة للسؤال وهو خلاف الظاهر، بل الظاهر أن هذه الحالة حاصلة له في القبر، ثم أجابوا عن هذا الحديث المذكور في الباب تارة بأن تلك خصوصية له ﷺ معجزة وزيادة حسرة على الكافرين، ولا يخفى أن الحمل على ذلك مجرد احتمال وتأويل لا يذهب إليه حتى يقوم دليل على استحالة السماع، واللَّه تعالى قادر على ذلك، وسببية الحواس للإحساس والإدراك عادية كما تقرر في المذهب، وأخرى بأن ذلك من ضرب المثل، وليس المراد حقيقة الكلام، وهذا أبعد من الأول، ومبنى الأيمان على العرف لا الحقيقة، فافهم،
стр. 3880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأقوى وجوه تأويلهم أن هذا مردود من عائشة حيث قالت: كيف يقول ذلك رسول اللَّه ﷺ واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١).
وفي (المواهب اللدنية) (٢): تأولت عائشة وقالت: إنما أراد النبي ﷺ أنهم الآن ليعلمون أن الذي أقول لهم حق، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، ويعلم من (صحيح البخاري) أنها قالت: إنما قال رسول اللَّه ﷺ : (إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق)، وشرحه القسطلاني بقوله: أي وهم ابن عمر فقال: (يسمعون) بدل (ليعلمون)، وبالجملة عائشة منكرة لسماع الموتى، ولرواية من روى ذلك مستدلًا بالآيتين، فإنهما تفيدان تحقيق عدم سماعهم، فإنه تعالى شبه الكفار بالموتى لإفادة بعد سماعهم، وهو فرع عدم سماع الموتى، ولكن العلماء أجابوا عن قول عائشة ﵂ واستدلالها بالقرآن، ولم يتلقوا هذا القول منها بالقبول.
ونقل في (المواهب) عن الإسماعيلي أنه قال: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، وكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا ينافي قوله ﷺ : إنهم يسمعون، لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فاللَّه تعالى هو الذي أبلغهم بأن أسمعهم صوت النبي ﷺ بذلك، انتهى.
стр. 3881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد أجيب أيضًا بأن المراد بالموتى ومن في القبور هم الكفار مجازًا ومن غير نظر إلى حقيقة الكلام، والمراد بالسماع عدم إجابتهم للحق بدليل أن الآيتين نزلتا في دعاء الكفار إلى الإيمان وعدم إجابتهم لذلك، فافهم، وقد يقال: المراد بالموتى موتى القلوب، وبالقبور أجسادهم التي فيها تلك القلوب الميتة.
هذا وقد ذكر في (المواهب) أن من الغريب في (المغازي) لابن إسحاق رواية يونس بن بكر بإسناد جيد عن عائشة ﵂ حديثًا مثل حديث أبي طلحة، وفيه: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، وأخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القضية، وذكر في شرح (صحيح البخاري) مثل ذلك، انتهى.
وجاءت عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنت أضع ثيابي في بيتي بعد وضع رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر فيه لأنه ما كان هناك إلا زوجي وأبي، فلما وضع عمر كنت أستر نفسي حياءً منه، أو كما قالت، وهل هذا إلا إثبات العلم والإدراك للميت.
وقد تمسك المثبتون للسماع بما ذكر من رواية البخاري من قوله: قال قتادة: أحياهم اللَّه تعالى حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندمًا، وحاصله يرجع إلى ما ثبت للموتى في القبور من الحياة، وذلك إما بإحيائهم وإعادة الروح إلى الجسد كله أو لبعضه بحيث يحصل به السماع والفهم كما تحصل اللذة والألم، ولا يذهب عليك أنه ليس في هذا القول تخصيصه بالنبي ﷺ معجزة له ولا الاختصاص بهؤلاء، فاللَّه تعالى قادر على أن يخلق تلك الحالة في الأموات كلهم عند ندائهم من أيّ شخص كان، وفي أيّ زمان يكون، فتدبر، وباللَّه التوفيق.
ثم اعلم أنه قد ثبت من هذا سماع الموتى كلام الأحياء، ولئن نزلنا عن هذا
стр. 3882
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا يلزم من نفي السماع نفي العلم؛ لأن السمع يكون بالحاسة التي في البدن، وقد خرب، أما العلم فيكون بالروح وهو باق، فبقي علمه الذي لا يكون بالقوى الجسمانية، فيكون علمه بالمسموعات والمبصرات لا على وجه الإبصار والسمع بخروج الشعاع وقرع الصوت كما أول بعض المتكلمين سمع اللَّه تعالى وبصره بالعلم بالمسموعات والمبصرات، وقد وردت الأخبار والآثار بعلم الموتى بأحوال الزائرين ومعرفتهم إياهم حتى ورد إن الزيارة يوم الجمعة أحب؛ لأنه يكون في هذا اليوم علم الميت أتم وأكمل، وأحوال الزائرين لهم أكشف وأظهر، وأيضًا لا شك في حصول العلم للموتى بأحوال الآخرة وحقيقة دين الإسلام، فيمكن أن يكون العلم بأحوال الدنيا وأهلها أيضًا ثابتًا، وبالدليل على زواله مع بقاء الروح.
وقد جاء في الحديث (١) أن الشهداء لما رأوا ما عند اللَّه لهم من النعمة والراحة قالوا له سبحانه: من يخبر إخواننا عن أحوالنا؟ فقال تعالى: أنا أخبرهم بذلك، فأنزل قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، وقد جاء أن القراء الذين قتلوا ببئر معونة قالوا: أخبروا إخواننا بأنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، وكان هذا قرآنًا يقرأ ثم نسخ تلاوته.
وجاء في الحديث (٢) أن الميت إذا فرغ من جواب الملكين بالخير فينوّر له في القبر، ويقال له: نم كنومة العروس، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فعلم أن الموتى يثبت لهم العلم بالأهل والإخوان والأحباب، وقد ثبت بالقرآن تمني الكفار العود
стр. 3883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى الدنيا والتحسر على إضلال أخلائهم إياهم كما قال: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨]، وإذا كان لهم علم بأصحابهم وأقرانهم يوم القيامة ففي البرزخ أولى وأقرب، وبالجملة الكتاب والسنة مملوءان بأخبار تدل على وجود العلم للموتى بالدنيا وأهلها، فلا مجال لإنكاره إلا لجاهلٍ بالأخبار أو منكرٍ للدين.
وأما الاستمداد بأهل القبور فقد أنكره بعض الفقهاء، فإن كان الإنكار من جهة أنه لا سماع لهم ولا علم ولا شعور بالزائر وأحواله فقد ثبت بطلانه، وإن كان بسبب أنه لا قدرة لهم ولا تصرف في ذلك الموطن حتى يمدوا بل هم محبوسون عن ذلك، ومشتغلون بما عرض لأنفسهم من المحنة ما شغلهم عمن عداهم فلا يرى ذلك كليًّا، خصوصًا في شأن المتقين الذين هم أولياء اللَّه تعالى، فيمكن أن يحصل لأرواحهم عند الرب تعالى من القرب في البرزخ والمنزلة والقدرة على الشفاعة والدعاء وطلب الحاجات لزائريهم المتوسلين بهم كما يحصل يوم القيامة، وما الدليل على نفي ذلك؟ وقد فسر البيضاوي (١) قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ إلى قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ١ - ٥] بصفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقًا أي: نزعًا شديدًا من إغراق النازع في القوس فتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيه، فتسبق إلى حظاير القدس، فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات، وما أدري ما المراد بالاستمداد والإمداد الذي ينفيه المنكر، والذي نفهمه نحن أن الداعي المحتاج الفقير إلى اللَّه يدعو اللَّه ويطلب حاجته من فضله تعالى، ويتوسل بروحانية هذا العبد المقرب المكرم عنده تعالى، ويقول: اللهم ببركة هذا العبد الذي رحمته وأكرمته وبما لك به من اللطف والكرم
стр. 3884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اقض حاجتي وأعط سؤلي إنك أنت المعطي الكريم، أو ينادي هذا العبد المكرم المقرب عند اللَّه تعالى ويقول: يا عبد اللَّه ويا وليه اشفع لي وادع ربك وسله أن يعطيني سؤلي ويقضي حاجتي، فالمعطي والمسؤول عنه والمأمول به هو الرب تعالى وتقدس، وما العبد في البين إلا وسيلة، وليس القادر والفاعل والمتصرف إلا هو، وأولياء اللَّه هم الفانون الهالكون في فعله تعالى وقدرته وسطوته، لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف لا الآن ولا حين كانوا أحياء في دار الدنيا، فإن صفتهم الفناء والاستهلاك ليس إلا، ولو كان هذا شركًا وتوجهًا إلى غير اللَّه كما يزعمه المنكر، فينبغي أن يمنع التوسل وطلب الدعاء من الصالحين من عباد اللَّه وأوليائه في حالة الحياة أيضًا، وليس ذلك مما يمنع فإنه مستحب مستحسن شائع في الدين، ولو زعم أنهم عزلوا وأخرجوا من الحالة والكرامة التي كانت لهم في الحياة فما الدليل عليه؟ أو شغلوا عن ذلك مما عرض لهم من الآفات بعد الممات فليس كليًّا، ولا دليل على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة، غايته أنه لم تكن هذه المسألة كلية، وفائدة الاستمداد عامة، بل يمكن أن يكون بعض منهم منجذبًا إلى عالم القدس ومستهلكًا في حضرة الإله بحيث لا يكون له شعور وتوجه إلى عالم الدنيا وتصرف وتدبير فيه كما يوجد من اختلاف أحوال المجذوبين والمتمكنين من المشايخ في الدنيا.
وأما نفي ذلك مطلقًا وإنكاره كليًّا فكلا، ولا دليل على ذلك أصلًا، بل الدلائل قائمة على خلافه، نعم إن كان الزائرون يعتقدون أهل القبور متصرفين مستبدين قادرين من غير توجه إلى حضرة الحق والالتجاء إليها كما يعتقده العوام الجاهلون الغافلون، وكما يفعلون غير ذلك من تقبيل القبر، والسجود له، والصلاة إليه، مما وقع منه النهي والتحذير، وذلك مما يمنع ويحذر منه، وفعل العوام لا يعتبر قط، وهو خارج عن
стр. 3885
٣٩٦٨ - [٩] وَعَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: . . . . .
ــ
المبحث، وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين أن يعتقد ذلك ويفعل.
هذا وما ينقل عن المشايخ المكاشفين في الاستمداد من أرواح الكمل واستفادتهم منهم فخارج عن الحصر مذكور في كتبهم مشهور فيما بينهم لا حاجة إلى أن نذكرها، ولعل المنكر المتعصب لا تنفعه كلماتهم عافانا اللَّه من ذلك، نعم المروي في السنة في الزيارة السلام على الموتى والاستغفار لهم وقراءة القرآن، ولكن ليس فيها النهي عن الاستمداد، فتكون الزيارة للإمداد والاستمداد معًا على تفاوت حال الزائر والمزور.
ثم اعلم أن الخلاف إنما هو في غير الأنبياء فإنهم أحياء حقيقة بالحياة الدنياوية بالاتفاق صلوات اللَّه تعالى على نبينا وعليهم أجمعين، وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام رغمًا لأنف المنكرين، فإنه قد حدث في زماننا شرذمة ينكرون الاستمداد والاستعانة من الأولياء الذين نقلوا من هذه الدار الفانية إلى دار البقاء الذين هم أحياء عند ربهم، ولكنهم لا يشعرون، ويسمون المتوجهين إليهم مشركين باللَّه كعبدة الأصنام، ويقولون ما يقولون، وما لهم على ذلك من علم إن هم إلا يخرصون، وقديمًا كان يختلج في صدري أن أتكلم في هذا الشأن فتيسر لي ذلك الآن بفضل اللَّه وتوفيقه، والأمور مرهونة بأوقاتها كما قال: وسحاب الخير له مطر فإذا جاء الإبّان يجيء، ونسأل اللَّه العافية وهو أعلم وحكمه أحكم، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضَّالِّين، آمين.
٣٩٦٨ - [٩] (مروان والمسور) قوله: (والمسور) بكسر الميم (ابن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة والراء.
стр. 3886
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ: "فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفتيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ" قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ،
ــ
وقوله: (قام) أي: خطب، وفي رواية: (قال)، وعلى هذا يكون قوله فيما بعد: (فقال) بيانًا وتفصيلًا له كقوله: فقام على رواية قام.
وقوله: (حين جاءه) كذا في أكثر الأصول، وفي بعضها: (حين جاء) بدون الضمير.
وقوله: (وفد هوازن) اسم قبيلة، وغزوة هوازن تسمى غزوة حنين كانت بعد فتح مكة، وكانت الغنائم فيها من السبي والأموال أكثر من أن يحصى، وتفصيلها في كتب السير، والوفد: الرسول يجيء من قوم على عظيم وهو اسم جنس.
وقوله: (فاختاروا) الفاء فصيحة و (اختاروا) صيغة أمر.
وقوله: (إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال) قال في (القاموس) (١): الطائفة من الشيء: القطعة منه أو الواحد فصاعدًا أو إلى الألف أو أقلها رجلان أو رجل فيكون بمعنى النفس، انتهى.
قال (الطيبي) (٢) الطائفة من الناس: جماعة منهم، ومن الشيء: قطعة منه، فجعل المال طائفة إما على المجاز أو على التغليب، انتهى، ولا شك أن الطائفة على ما ذكره اسم مشترك بين جماعة الناس وبين القطعة من الشيء من غير الناس فيكون معنى قوله: (إما على المجاز) الحمل على عموم المجاز، وأما التغليب فغير ظاهر لأنه إنما يكون
стр. 3887
ثُمَّ قَالَ: "أمَّا بعدُ! فإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاؤُوا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَن أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعطِيَه إِيَّاهُ منْ أوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ" فَقَالَ النَّاسُ: قد طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَن، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا. . . . .
ــ
بإطلاق اسم أحد الصاحبين على الآخر الذي ليس هو اسمًا له، وهاهنا الطائفة اسم لكل من المعنيين، هذا ولو كان الطائفة -كما قيل- اسمًا للقطعة من الشيء أعم من أن يكون من الناس أو من غيرهم كما يقال: طائفة من الليل، وطائفة من النهار، وطائفة من النخل لم يحتج إلى ارتكاب المجاز والتغليب، فافهم، وأصله من الطوف بمعنى الحركة حول الشيء.
وقوله: (وإني قد رأيت) أتى بكلمة إن لتحقق رأيه وقطعه به حتى يختاروا ما اختاره ﷺ .
وقوله: (أن يطيب) من التطييب، أي: يطيب على نفسه ذلك، أي: رد السبي وتسليمه إليهم.
وقوله: (فليفعل) أي: من غير أن يكون له عوض من ذلك.
وقوله: (على حظه) أي: نصيبه الذي أصابه من ذلك بأن يأخذ مني عوض ذلك بعد، وإنما استأذنهم ﷺ ووعد عليه العوض، لأنه كان ملكًا للمجاهدين فلا بد من إذنهم.
وقوله: (حتى يرفع) صحح بالنصب كقوله: حتى نعطيه، فتكون (حتى) بمعنى كي أو بمعنى إلى، وقول الطيبي (١): الظاهر أن (حتى) هذه غير (حتى) السابقة لأن
стр. 3888
عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ". فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبوا وَأَذِنُوا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٠٧].
٣٩٦٩ - [١٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفٌ حَلِيفًا لِبَنِي عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفٌ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيلٍ، فَأَوْثَقُوهُ فَطَرَحُوهُ فِي الْحَرَّةِ، فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَاداهُ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ أُخِذْتُ؟ قَالَ: "بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفٍ" فتَرَكَهُ وَمَضَى، فَنَاداهُ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! فَرَحِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ فَقَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟ ". . . . .
ــ
الأولى ما بعدها للمستقبل وهي بمعنى كي، وهذه ما بعدها في معنى الحال فيكون مرفوعًا، لا يخلو عن شيء؛ لأن الظاهر كون كليهما بمعنى، ومعنى الحال ليس بجيد كما لا يخفى، فافهم.
وقوله: (عرفاؤكم) فاعل يرفع و (أمركم) مفعوله.
٣٩٦٩ - [١٠] (عمران بن حصين) قوله: (ثقيف) كأمير قبيلة من هوازن، و (بنو عقيل) بضم العين أيضًا قبيلة.
وقوله: (فطرحوه في الحرة) وهي أرض خارج المدينة فيه حجارة سود، والمدينة بين الحرتين، ومنه وقعة الحرة وقعت في زمن يزيد بن معاوية، وذكرها كثير في الأحاديث.
وقوله: (فيم أخذت؟ ) بلفظ المجهول، و (الجريرة) الجريمة، وأخذهم بجريمة بني ثقيف لكونهم مشاركين لهم في العهد ونقضه، وقيل: فعل رسول اللَّه ﷺ هذا الصنع على عادتهم وكان فيه مصلحة، وقيل: المعنى أخذت ليدفع بك جريرة حلفائك من ثقيف، ويدل عليه أنه فدى بعد بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف من المسلمين.
стр. 3889
قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ. فَقَالَ: "لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ". قَالَ: فَفَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَينِ أسرَتْهُمَا ثَقِيفٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٤١].
* الفَصْلُ الثَّانِي:
٣٩٧٠ - [١١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أُسَرَائِهِمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بِمَالٍ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ. . . . .
ــ
وقوله: (إني مسلم) أي: إني أسلمت، فهو إخبار عن إسلامه قبل ذلك، ففيه أن الكافر إذا وقع في الأسر فادعى أنه كان قد أسلم قبله لم يقبل منه إلا ببينة، ويمكن أن يكون إن شاء لم يقبله ﷺ لأنه قد علم أنه لا يقوله إلا نفاقًا واضطرارًا، وكان ﷺ قد يعمل بالحقيقة كأمره بقتل بعض من كان مآل أمره إلى الكفر كما ذكروه في خصائصه ﷺ ، ويدل على ذلك قوله: (لو قلتها وأنت تملك أمرك) أي: حال اختيارك ورغبتك، واللَّه أعلم.
وقوله: (ففداه بالرجلين) المشهور في مثل هذه العبارة أن يكون مدخول الباء فداءً وبدلًا، ولا يستقيم هذا المعنى هنا، فالمراد أنقذه وأخذ عوضه الرجلين، فتدبر.
الفصل الثاني
٣٩٧٠ - [١١] (عائشة) قوله: (في فداء أسرائهم) يعني الذين أسروا ببدر، و (زينب) هي أكبر بناته ﷺ .
وقوله: (في فداء أبي العاص) بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، زوج زينب أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة من الأب، فهو ابن خالة
стр. 3890
أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً وَقَالَ: "إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا" فَقَالُوا: نَعَمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَخَذَ عَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا منَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: "كُونَا بِبَطْنِ يَأْجِجَ حَتَّى تمُرَّ بِكُمَا زينَبُ فَتَصْحَبَاهَا. . . . .
ــ
زينب، فلما كانت وقعة بدر وأسر أبو العاص، وكانت زينب تحته إذ ذاك فبعثت بقلادة لها كانت خديجة أعطتها إياها حين زفت إلى أبي العاص، وهذا معنى قوله: (أدخلتها بها على أبي العاص).
وقوله: (رقّ لها) أي: لأجل القلادة أو لزينب لتذكره عهد خديجة وصحبتها، (وقال) أي: لأصحابه: (إن رأيتم) جزاء الشرط محذوف، أي: لكان حسنًا، وفيه جواز المنّ على الأسير بلا فداء (١)، و (أسيرها) هو العاص، و (الذي لها) هو ما أرسلت في فدائه من القلادة.
وقوله: (أخذ عليه) أي: أخذ العهد على أبي العاص (أن يخلي سبيل زينب إليه) أي: يرسلها إلى النبي ﷺ ويأذن لها بالهجرة إلى المدينة، ولم يرد تخلية سبيلها بالطلاق، وكان حكم المناكحة بين المسلمات والكفار بعد باقيًا، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢).
وقوله: (وبعث زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار) وهذا مخصوص بما ورد فيه لمقام الأمن لمكان بنت النبي وإرساله ﷺ من يثق بهما، وقال اتقاء من شر كفار مكة: (كونا ببطن يأجج) أي: قفا ولا تدخلا مكة، وبطن يأجج هو اسم موضع،