صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٢، م: ٥٨٦].
١٢٩ - [٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَو خَمْسَةٌ، فَقَالَ: "مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأقْبُرِ؟ "، قَالَ رَجُلٌ: أَنا، قَالَ: . . . . .
ــ
صلاة إلا تعوذ باللَّه من عذاب القبر) قال التُّورِبِشْتِي (١): ولقد وجدت في مسموعات أبي جعفر الطحاوي: (أن النبي ﷺ سمع يهودية في بيت عائشة ﵂ تقول: إنكم تفتنون في القبور فارتاع رسول اللَّه ﷺ ، وقال: إنما تفتن يهود، قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال: أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟ ) (٢) فلو صح هذا كان الوجه فيه أن النبي ﷺ توقف في شأن أمته في فتنة القبر، إذ لم يوح إليه فيه، فلما أوحي إليه تعوذ منه، ووجدت في حديث آخر: أن عائشة ﵂ قالت: فلا أدري أكان رسول اللَّه ﷺ يتعوذ قبل ذلك ولم أشعر به، أو تعوذ بقول اليهودية؟ ، فعلى هذا يحتمل أنه كان يتعوذ، ولم تشعر به عائشة ﵂، فلما رأى استغراباها لهذا القول وتعجبها منه أعلى صوته بالتعوذ ليترسخ ذلك في عقائد أمته، ويكونوا من فتنة القبر على خيفته.
١٢٩ - [٥] (زيد بن ثابت) قوله: (في حائط) أي: بستان، والحائط يجيء بمعنى البستان كما سبق في أول (كتاب الإيمان) [برقم: ٣٩].
وقوله: (إذ حادت به) بالتخفيف أي: مالت، في (النهاية) (٣): حاد عن الشيء
стр. 422
"فَمَتَى مَاتُوا؟ " قَالَ: فِي الشِّرْكِ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ"، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٧].
ــ
وعن الطريق يحيد: إذا عدل، وفي ذم الدنيا: الحيود: الميود، فالباء للتعدية.
وقوله: (فَمَتَى مَاتُوا؟ قَالَ: فِي الشِّرْكِ) ظاهره أنهم ماتوا في الجاهلية فعذابهم لأجل ترك التوحيد وأمثاله من العقليات، فافهم.
وقوله: (إن هذه الأمة) المراد بها جنس الإنسان.
وقوله: (فلولا أن لا تدافنوا لدعوت اللَّه أن يسمعكم من عذاب القبر) قالوا: يحتمل أن يكون المراد أنهم لو سمعوا ذلك للحقهم من الخوف والدهشة ما شغلهم عن التدافن، كما ذكر أن الحكمة في عدم سماع الثقلين صيحة الميت من ضربة المطارق أن لا ينقطع ويتعطل المعاش، فترك التدافن ليس من جهة اعتقاد أنه يمنع العذاب لأنه يعذب وإن لم يدفن، ويعذب في بطون الحيتان وحواصل السباع، وكيف يتركون وقد أمروا بذلك بل من جهة طيران أفئدتهم، وذهاب عقولهم الموجب للذهول عن الأمر واعتقاد التعذيب، ولو لم يدفن، أو أنهم لو سمعوا ذلك لحصلت لهم دهشة من مشاهدة الموتى حتى لا يكادون يقربون جيفة ميت.
стр. 423
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٣٠ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَللآخَرِ: النَّكَيرُ،
ــ
ووجه آخر، وهو أن الأحياء ما زالوا يوارون سوآت الأموات طبعًا وحمية، وندبوا إلى ذلك شرعًا أيضًا بقوله: (اذكروا أمواتكم بالخير)، فلو سمعوا صياح المعذبين لاحتمل أن يحملهم ذلك على أن يطرحوا موتاهم في صحاري بعيدة خوفًا من أن يطلع الناس على ذلك، فإن القبور كالمنازل يجتمعون عليها، ولا ينسون مواضعها، فافهم، واللَّه أعلم.
الفصل الثاني
١٣٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (أسودان أزرقان) قال التُّورِبِشْتِي (١): أسودان يحتمل أن يكون على الحقيقة لما في لون السواد من الهول والنكر، ويحتمل أن يكون كناية عن قبح المنظر وبشاعة الصورة، وأما الزرقة فالمراد به وصفهما بتقليب البصر وتحديد النظر إليه يقال: زرقت عينه نحوي: إذا انقلبت وظَهَرَ بياضُها، كما ينظر العدو إلى من يعاديه، وقيل: إنما وصف العدو بالزرقة؛ لأن الروم أعداء العرب وهم زرق العيون، وقال في (القاموس) (٢): الزَّرَقُ: العمى، وَ ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] أي: عميًا، انتهى. وفي الحديث الآتي: (ثم يقبض له أعمى) كناية عن عدم الترحم والشفقة.
وقوله: (يقال لأحدهما المنكر، وللآخر: النكير) النكرة خلاف المعرفة، ونكر
стр. 424
فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ،
ــ
الأمر ككرم: صعب، ونكر فلان الأمر كفرح، والمنكر ضد المعروف اسم مفعول من الإنكار، ونكير فعيل من النكر، وإنما سميا بهما لعدم معرفة الميت إياهما وتوحشه عنهما وعدم استيناسه بهما.
وفي (شرح العقيدة الأمالية) لبعض الفقهاء المحدثين من أهل المدينة: قال الحليمي: يشبه أن تكون ملائكة السؤال جماعة كثيرة يسمى بعضهم منكرًا، وبعضهم نكيرًا، فيبعث إلى كل منهم اثنان كما أن الموكل عليه لكتابة عمله ملكًا، وفيه: قال بعض العلماء: منكر ونكير اسمان لملكي المذنب، وأما المطيع فملكاه اسمهما مبشر وبشير، وقال السيد السمهودي: ولم أقف على أصل لما قاله، وقد عزاه الحافظ ابن حجر لبعض الفقهاء، والذي يقتضيه ما في الأحاديث استواء المؤمن في اسميتهما ووصفيتهما، أقول: وهو الظاهر؛ لأن مجيء الملكين إنما هو للامتحان والابتلاء، فالظاهر الإتيان بصفة النكرة، ثم هما يبشران المؤمن بعد تثبته في الجواب، واللَّه أعلم.
وقوله: (قد كنا نعلم أنك تقول هذا) بإيناس سيماء الإيمان في وجهه أو بإعلام اللَّه.
وقوله: (كنومة العروس) وفي (القاموس): الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما، وهم عروس، وهن عرائس، والعرس بالكسر: امرأة الرجل، والعرس بالضم وبضمتين:
مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ فيُفْتَحُ، قَالَ: فَيَأتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَذَكَرَ مَوْتَهُ، قَالَ: وَيُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ،
ــ
فرشًا من فرش الجنة، ولم نجد الإفراش على هذا المعنى في المصادر، وإنما هو أفرش أي: أقلع عنه، فهذا اللفظ إذًا على هذا المعنى من باب القياسي الذي ألحق الألف بثلاثيه، ولو كان من باب الثلاثي لكان حقه أن يروى بألف الوصل، والمعنى ابسطوا له، ولم نجد الرواية إلا بالقطع، انتهى.
وفي (القاموس) (١): فَرَشَ فَرْشًا وفراشًا: بسطه، والفرش: المفروش من متاع البيت، وما أفرش عنه: ما أَقْلَعَ، وأفرشه بساطًا: بسط له، كفَرَشَهُ فرشًا وفَرَّشَه تفريشًا، ويظهر منه الإفراش جاء بمعنى بسط الفرش.
وقوله: (ألبسوه) أيضًا بهمزة القطع.
وقوله: (ويفسح له فيها) أي: في القبر كما مر في الحديث السابق: (ويفسح له في قبره)، ولعل تأنيث الضمير باعتبار الجنة أي: في قبره في جانب الجنة التي يفتح له باب إليها، فافهم، ومد البصر أي مداه وهي الغاية، وقد سبق أنه يفتح له في قبره سبعون في سبعين ذراعا، وكلاهما كناية من غير اعتبار تعينه، والفسحة المقدرة بالذراع لعوام المؤمنين وذلك أدناها، والفسحة مد البصر لخواص عباد اللَّه الصالحين.
وقوله: (فذكر) بلفظ المعلوم أي: ذكر النبي ﷺ .
وقوله: (ويعاد روحه في جسده) ظاهر في الإحياء حقيقة كما في الدنيا، ولا يظهر لتخصيصه بالكافر وجه إلا أن يقال: فيه كمال التعذيب والمبالغة فيه، واللَّه أعلم.
стр. 427
وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أعْمَى أَصَمُّ مَعَهُ مِرْزَبَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمغْرب إِلَّا الثَّقَلَيْنِ،
ــ
وقوله: (هاه هاه) كلمة توجع وتحير.
وقوله: (فأفرشوه من النار) يحتمل أن يكون (من) تبعيضية أو زائدة، فيكون الفراش واللباس من النار بعينها، وأن يكون ابتدائية كما في قوله: (من الجنة)، ويجوز أن يكون في النار فرشًا وألبسة قبيحة مؤلمة، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثم يقيض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد) (يقيض) على لفظ المضارع المجهول أي: يقدر ويسلط، وأصل الكلمة من القيض وهي القشرة العلياء من البيض، أي يستولي عليه استيلاء القيض على البيض، وقيل: أصلها القيض بمعنى البدل، ومنه المقايضة بمعنى المعاوضة أي: ملك في صورة رجل أعمى وأصم، وكونه أعمى وأصم كناية عن عدم الرحمة والرقة، والمرزبة بكسر الميم وسكون الراء وبفتح الزاء والباء مشددة أو مخففة، وهي التي يكسر بها المدر، كذلك الأرزبة، قال في (القاموس) (١): الأرزبة والمرزبة مشددتان أو الأولى فقط: عُصَيَّةٌ من حديد.
стр. 428
فَيَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦، د: ٤٧٥٣].
ــ
وقوله: (فيصير ترابًا ثم يعاد فيه الروح) كرر الإعادة كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، ولعله خص هذا بالكافر تشديدًا ومبالغة في تعذيبه وجزاءً لإنكاره بالبعث، ثم الذي يقطع بوجوده في القبر إيجاد شيء من الحياة في جزء من أجزاء الميت يدرك به الألم، وإن لم يكن إحياءً حقيقة كما في الدنيا، فإن كان المراد بالإعادة هذا المعنى فذاك، وإن كان الإحياء الحقيقي فهذا أيضًا يكون مخصوصًا بالكافر تشديدًا في العذاب، وعلى هذا يكون في القبر إحياءان وإماتتان.
قال الطيبي (١): ولا يبعد أن يتسمك به من يقول: إن في القبر إماتتين وإحيائين في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، انتهى.
وشرح هذا الكلام أنه قد قيل: إن المراد بالإماتة الأولى خلقهم أمواتًا، فإن الإماتة جعل الشيء عادمًا للحياة ابتداءً أو بتصيير كالتصغير والتكبير في قولهم: سبحان من صغّر البعوض وكبّر الفيل، والإماتة الثانية تصييرهم أمواتًا عند انقضاء الآجال، والإحياء الأول إيجادهم، والثاني إحياؤهم بالبعث، وقيل: الإماتة الأولى عند انخرام الأجل، والثانية في القبر بعد الإحياء للسؤال، والإحياءان ما في القبر والبعث، كذا قال البيضاوي (٢)، ويظهر من هذا الحديث أنه يحيى الكافر في القبر للسؤال، ثم
стр. 429
١٣٢ - [٨] وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى، حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ (١)،
ــ
يموت ثم يعاد فيه الروح، ثم يموت، فيقول الطيبي: لا يبعد أن يتمسك بالحديث من يقول: إن في القبر إماتتين وإحيائين، وهو صحيح.
ثم قد تمسك به المنكرون بعذاب القبر بهذه الآية، وقالوا: لو كان في القبر إحياء وإماتة لقالوا: ربنا أمتنا ثلاثًا وأحييتنا ثلاثًا، ولا يتم التمسك فإنهم ذكروا اثنين ولم يذكروا الآخر، ولا يجب ذكر الكل.
ثم لا يذهب عليك أنه يظهر مما ذكروا أن الميت بعد السؤال والعذاب والتنعيم وفتح باب الجنة والنار وإراءة المقعد من كل منهما يموت، ثم يحيى بالبعث، فتعلق الروح بالبدن في القبر يكون لأجل السؤال والتعذيب فقط، نعم شعور الروح باق حتى إنه يعرف الزائر كما جاء في الأخبار، فتدبر.
١٣٢ - [٨] (عثمان) قوله: (حتى يبل لحيته) أي: يبل عثمان لحيته بدموعه.
١٣٤ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيُسَلَّطُ عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا تَنْهَسُهُ وَتَلْدَغُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ لَو أَنَّ تِنِّينًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ خَضِرًا". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ: "سَبْعُونَ" بدلَ "تِسْعَةً وَتسْعُونَ". [دي: ٢/ ٣٢١، ت: ٢٤٦٠].
ــ
على جواب الملكين بالقول الثابت، وفيه دليل على أن الدعاء نافع للميت، وفي عقائد أهل السنة والجماعة في دعاء الأحياء للأموات نفع لهم، وتلقين بعد الدفن شيء آخر غير الدعاء، وهو مستحب عند كثير من الشافعية، وقد نقل عن بعض أصحابنا أيضًا، وقد ورد فيه حديث عن أبي أمامة ذكره السيوطي في (جمع الجوامع) من حديث الطبراني وابن النجار وابن العساكر والديلمي، ونقل الطيبي (١): عن سنن البيهقي استحباب قراءة أول سورة البقرة وخاتمتها، وقد سمعت عن بعض العلماء أنه يستحب ذكر مسألة من المسائل الفقهية (٢)، وقال الشيخ ابن الهمام في (شرح الهداية) (٣): واختلفوا في إجلاس القراء ليقرؤا القرآن عند القبر، والمختار عدم الكراهة.
١٣٤ - [١٠] (أبو سعيد) قوله: (تسعة وتسعون تنينًا) في (القاموس) (٤): التِّنِّين كسكِّيت: حية عظيمة، (تنهسه وتلدغه) النهس بالمهملة: الأخذ بأطراف الأسنان،
стр. 432
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٣٥ - [١١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ حِينَ تُوُفِّيَ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَّحْنَا طَوِيلًا،
ــ
وبالمعجمة الأخذ بكلّها، والرواية بالمهملة، وتلدغه بمنزلة التأكيد؛ لأن اللدغة أشد، والعلم بالعدد قطعًا موكول إلى الشارع، وقد يقال: هذه الحيات صورة الأخلاق تمثلت بها، ولعل أصولها في الشارع تسعة وتسعون، والمراد بالسبعين المبالغة والتكثير، وقد ذكر التُّورِبِشْتِي وجهًا آخر (١).
الفصل الثالث
١٣٥ - [١١] (جابر) قوله: (فسبحنا طويلًا) يحتمل أن يكون (طويلًا) متعلقًا بـ (سبح) وبـ (سبحنا) بالتنازع.
стр. 433
ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرْنَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ سَبَّحْتَ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ: "لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا العَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ، حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ عَنهُ". رَوَاهُ أحمَدُ. [حم: ٣/ ٣٦٠، ٣٧٧].
١٣٦ - [١٢] وَعَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ،
ــ
وقوله: (ثم كبر فكبرنا) يحتمل أن المراد بها أيضًا طويلًا.
وقوله: (على هذا العبد الصالح) أي: الصالح الذي اهتز لموته العرش، وحضرته سبعون ألفًا من الملائكة، وقصة موته في غزوة الخندق، وكلمة (حتى) للغاية، وفيه إيماء إلى أن التفريج ببركة تسبيحه وتكبيره ﷺ ، ويحتمل أن يكون التسبيح والتكبير تعجبًا واستعظامًا، وعلى الأول غاية لقوله: سبحت وكبرت المقدرين، وعلى الثاني غاية لنحو توقف وتأخر التضايق حتى فرجه، فافهم.
١٣٦ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (هذا الذي تحرك له العرش) وفي رواية أخرى: (اهتز لموت سعد العرش)، وفي رواية: (عرش الرحمن)، والهز لغة: الحركة، واهتز: تحرك، واختلف الأقوال في تعليله، فقيل: استعمل الاهتزاز في معنى الارتياح، وهو النشاط، وكل من خفف لأمر وارتاح له فقد اهتز له أي: ارتاح لصعود روحه واستبشر لكرامته على ربه، وقيل: أراد فرح أهل العرش بموته يعني لصعود روحه المطهرة إليهم، وقيل: هو كناية عن تعظيم شأن وفاته نحو أظلمت الأرض لموت فلان، وقامت له القيامة، وقيل: اهتزازه لفقده ومصيبته، على طريقة قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ﴾ [الدخان: ٢٩]. أقول: يؤيد التعليل بالفرح والسرور لقدومه ما جاء في حديث آخر: (أتى جبرئيل فقال: مَنْ رجل مِنْ أمتك مات بالليلة استبشر لموته
стр. 434
وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [س: ٢٠٥٥].
١٣٧ - [١٣] وَعَن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يُفتَنُ فِيهَا الْمَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا، وَزَادَ النَّسَائِيُّ. حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ، قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟ قَالَ: قال: . . . . .
ــ
أهل السماء؟ فقال ﷺ : لا إلا أن يكون سعد) (١).
وقيل: أراد بالعرش سريره الذي حمل عليه إلى القبر، وكأنه لم يبلغ هذا القائل رواية (عرش الرحمن)، وأيضًا ليس فيه كثير مدح، وقيل: حركة السرير واضطرابه، كزحف جبل أحد فضيلة لمن كان عليه، وهو النبي ﵊، وبعض أصحابه ﵃، وعلم مما ذكرنا أن المراد من الاهتزاز حقيقة أو مجاز.
وقوله: (وفتحت له أبواب السماء) كان أهل كل باب انتظروا صعود روحه.
١٣٧ - [١٣] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (فذكر فتنة القبر) قد عرف معنى الفتنة في (باب الوسوسة) [برقم: ٧١]، وحاصله الابتلاء والامتحان.
وقوله: (حالت) صفة (ضجة).
وقوله: (أي بارك اللَّه) (أي) حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: أي فلان.
стр. 435
"قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في الْقُبُورِ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّال" [خ: ١٣٠٧، س: ٢٠٦٢].
١٣٨ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ مُثِّلَتْ لَهُ الشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا فَيَجْلِسُ، يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ: دَعُونِي أُصَلِّي". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٣٢٦].
ــ
وقوله: (قريبًا) صفة (فتنة)، وتذكير الضمير إما بتأويل الافتنان أو الامتحان، أو جعل فعيل بمعنى فاعل في حكم فعيل بمعنى مفعول في استواء التذكير والتأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦]، أي فتنة عظيمة، والقرب لأجل غاية الشدة والمحنة، فإن فتنة الدجال عظيمة، ولأن الناس يفتنون بالدجال في دعوى الربوبية، ولعل الميت حين يرى هيبة الملك ودهشته يقع في الكفر ويقول: أنت ربي، نعوذ باللَّه من ذلك، واللَّه أعلم.
١٣٨ - [١٤] (جابر) قوله: (مثلث) أي صورت وخيلت، وهذا يكون للمؤمن.
وقوله: (عند غروبها) حال من الشمس، وهو يناسب حال الغربة (١).
وقوله: (فيجلس) على صيغة المجهول من الإجلاس أو المعلوم من الجلوس.
стр. 436
١٣٩ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ، فَيُجْلَسُ الرَّجُلُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزَعٍ وَلَا مَشْغُوبٍ، ثمَّ يُقَالُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الْإِسْلَامِ، فَيُقَالُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ؟ فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللَّهَ، فَيُفَرَّجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ،
ــ
١٣٩ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (لا مشغوب) في (القاموس) (١): الشغب ويحرك، وقيل: لا: تهييج الشر.
وقوله: (محمد رسول اللَّه) رسول اللَّه (٢) صفة أو خبر، و (جاءنا) صفة أخرى أو خبر آخر أو استئناف.
وقوله: (هل رأيت اللَّه) امتحان لإيمانه وتصديقه بأنه رسول اللَّه أي: بأي دليل تقول: جاء محمد من عند اللَّه، هل رأيت اللَّه أخبرك بذلك، فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى اللَّه، ولكني أقول بدليل صدقه في دعواه بإظهار المعجزات البينات.
وقوله: (فيفرج) بالتخفيف، وفي بعض النسخ بالتشديد.
وقوله: (فينظر إليه) أي: إلى النار، وتذكير الضمير إما بتأويل العذاب أو باعتبار المعنى، كذا قيل، ويجوز أن يكون الضمير لقبل النار، وفي بعض الروايات: (فينظر إليها) على الأصل. (يحطم) والحطم: الكسر، وجاء في حديث آخر في وصف نار
стр. 437
ثُمَّ يُفَرَّجُ فُرْجَةً قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَال لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِن شَاءَ اللَّهُ، وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْغُوبًا، فَيُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُهُ، فَيُفَرَّجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا صَرَفَ اللَّهُ عَنْكَ، ثُمَّ يُفَرَّجُ لَهُ فُرْجَةً إِلَى النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٣٢٢].
* * *
ــ
جهنم: (أكل بعضه بعضًا)، وهو كناية عن شدة لهبه وخروجه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨].
وقوله: (زهرتها) أي: بهجتها ونضارتها وحسنها.
وقوله: (على اليقين) قال الطيبي (١): هو حال، وتعريفه للجنس، و (كنت) صفته، والظاهر أن يكون خبر كان فيكون في معنى قوله في الدعاء المأثور: (عليها نحيي وعليها نموت وعليها نبعث إن شاء اللَّه)، والتعليق للتبرك أو للتحقيق.
وقوله: (ومت) بضم الميم وكسره، من مات يموت أو يمات أو يميت، كذا في (القاموس) (٢)، وكذا الحال في ألفاظ مقابلة.
стр. 438
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
ــ
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
عصم يعصم من ضرب يضرب: منع ووقى، فالعصمة بمعنى المنعة، والعاصم المانع، وفي قول أبي طالب في مدح النبي ﷺ : ثِمال اليتامى عصمة للأرامل، أي: يمنعهم من الضياع والحاجة، وعصموا مني دماءهم وأموالهم، أي: منعوا، والعصمة من اللَّه: دفع الشر، فالاعتصام بمعنى الامتناع، ولهذا المعنى يفسر بالاستمساك إذ به يمتنع الرجل عن الآفات والمعاصي التي تهلكه، قال في (القاموس) (١): اعتصم باللَّه: امتنع بلطفه من المعصية، وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أي: تمسكوا بالقرآن والسنة، وقيل: بعهده.
وفي (مجمع البحار) (٢): ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أي: التجؤوا إلى اللَّه بطاعته ليحميكم، واعتصم هكذا: التجأ إليه، وفي الدعاء: أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، أي: حافظ لجميع أموري، فإن فسد فسد جميع الأمور، أي: يتمسك ويتقوى به في الأمور كلها، وبالجملة المراد ههنا التمسك بالكتاب والسنة واعتقادهما والعمل بهما، والاجتناب عن البدع والأهواء.
والسنة في الأصل: الطريقة والسيرة، وفي الشرع: يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ، ونهى عنه، وندب إليه قولًا وفعلًا مما لم يأت به الكتاب العزيز، وقد يراد به المستحب سواء دل عليه كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، ومنه سنن الصلاة، وقد يراد به ما واظب عليه النبي ﷺ مما ليس بواجب، فهي ثلاث اصطلاحات، كذا في (مجمع البحار).
стр. 439
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٤٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٧، م: ١٧١٨].
١٤١ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا،
ــ
قال العبد الضعيف: المناسب لهذا المقام أن يراد بها المعنى الأول كما لا يخفى.
الفصل الأول
١٤٠ - [١] (عائشة) قوله: (من أحدث في أمرنا) أي: في ديننا، أي: أحدث شيئًا لم يكن عليه من الكتاب والسنة سند صريحًا أو مستنبطًا، أو لم يحكم بصحته الكتاب، فيشمل الإجماع والقياس، والمراد ما كان مخالفًا مغيرًا لهما.
وقوله: (فهو) أي: من أحدث أو ما حدث مردود.
١٤١ - [٢] (جابر) قوله: (قال رسول اللَّه ﷺ : أما بعد. . . إلخ) كان يقول في الخطبة بعد الحمد والصلاة، قلّما تخلو خطبة منها، وكلمة (أما) قد يجيء لتفصيل ما أجمل، وقد يجيء للاستئناف كما في أول الكلام، ويقال: لقولهم: (أما بعد) فصل الخطاب، ويقال: إنه المراد بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، وقد سبق الكلام فيه في شرح خطبة الكتاب.
(والهدْي) الطريقة والسيرة، ويستعمل في السيرة الحسنة والطريقة المرضية، واللام للاستغراق. (وشر الأمور) روي منصوبًا، وقد يروى وهو الأكثر مرفوعًا على الابتداء.
стр. 440
وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٧].
١٤٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَبْغَضُ النَّاسِ. . . . .
ــ
وقوله: (وكل بدعة ضلالة) قال القاضي عياض (١): كل ما أحدث بعد النبي ﷺ فهو بدعة، والبدعة فعل ما لم يسبق إليه، فما وافق أصلًا من السنة يقاس عليها فهو محمود، وما خالف أصول السنن فهو ضلالة، ومنه: (كل بدعة ضلالة)، انتهى. يعني أن قوله: (كل بدعة ضلالة) عام مخصوص البعض.
وقد قسموا البدعة: بدعة هدى وبدعة ضلالة، فمن الأول ما كان تحت عموم ما ندب الشارع إليه، وحض عليه، فلا يذم لوعد الأجر عليه لحديث: (من سن سنة حسنة)، وفي ضده: (من بن سنة سيئة)، ومن الثاني ما كان بخلاف ما أمر به فيذم وينكر عليه، وما فعله الخلفاء الراشدون فهو أيضًا بدعة حسنة، بل في الحقيقة سنة لقوله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، و (اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر).
وقسموها إلى ما هو واجب كعلم النحو، وحفظ غريب الكتاب والسنة، وسائر ما يتوقف عليه حفظ الدين، ومندوب كبناء الربط والمدارس، ومكروه كزخرفة المساجد وترويق المصحف على قول البعض، ومباح كالتبسط في أنواع الأطعمة والمباحات التي لم يكن في عهد رسول اللَّه ﷺ ، ومحرم كمذاهب سائر أهل البدع والأهواء مما يخالف السنة ويغيرها، والبدعة أكثر ما يستعمل عرفًا في مقام الذم والتهجين، فتدبر.
١٤٢ - [٣] (ابن عباس) قوله: (أبغض الناس) أي: من المسلمين إذ ليسوا أبغض الناس كلهم حتى الكفار، وإنما كانوا أبغض لأنهم زادوا على أصل الذنب،
стр. 441
إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبٍ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقِّ لِيُهْرِيقَ دَمَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٨٨٢].
ــ
وهو مخالفة النهي قبحًا آخر، فيكون النهي أشد، وهو مبالغة في التغليظ، والإلحاد في اللغة الميل، وقد غلب في الميل عن الحق، والمراد بالإلحاد في الحرم ارتكاب ما نهى عنه فيه من الجناية بل المعصية مطلقًا، فإن ارتكاب الذنب في الحرم أشد بل يضاعف على مذهب ابن عباس، ولهذا كان مذهبه كراهة الإقامة بمكة، ففي الإلحاد في الحرم ارتكاب مع زيادة هتك حرمته.
وقوله: (ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية) أي: طريقها التي من شعارها مثل النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب والتطير، وأمثال ذلك، وهي منهي عنها، ففيه ارتكاب المنهي عنه مع قبح فعل ما هو من عادة الجاهلية من المسلم، وهي زائدة، والنهي عنه أشد من هذه الحيثية.
وقوله: (ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه) الذنب ههنا القتل، والزيادة قصد الإهراق، أي: قتل لمجرد غرض إهراق الدم لا لغرض من الأغراض، وقتل النفس قبيح وإن كان لغرض، لكن ارتكابه لمجرد إهراق الدم المذموم بالذات أقبح، كأنه قصد محض ما نهي عنه وذاته، فافهم. أو يقال: القتل بغير حق مذموم لكونه ظلمًا، وكونه ظلمًا خاصًّا متضمنًا هدم بُنيان الرب زيادة على مطلق الظلم، ثم الظاهر من الابتغاء والطلب المذكورين ارتكاب القتل، وإن حمل على الظاهر يكون فيه مبالغة من جهة أنه إذا ترتب على الطلب والتمني فكيف بالمباشرة.
وقوله: (ليهريق دمه)، أي: ليريقه من الإراقة بمعنى الصب، وقد سبق تحقيق هذه اللفظة في آخر الفصل الثالث من (كتاب الإيمان) من حديث عمرو بن عبسة [برقم: ٤٦]، فلا نعيده.
стр. 442
١٤٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى". قِيلَ: وَمَنْ أَبَى؟ قَالَ: "مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٢٨٠].
١٤٤ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَائِم، فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْوِبُوا لَهُ مَثَلًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ،
ــ
١٤٣ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (كل أمتي) الظاهر أن المراد أمة الإجابة كما يدل عليه سياق الحديث، والمراد من أطاعني وتمسك بالكتاب والسنة دخل الجنة، ومن ابتدع واتبع هواه دخل النار، فالمراد بالمعصية ههنا البدعة، والمعصية وإن كانت بدعة بمعنى ما لم يكن في الدين لكن أكثر ما تطلق البدعة في عرف الشرع ما يكون في الاعتقاد أو في العمل أيضًا بشرط أن تكون هادمة لقاعدة مقررة مشهورة من الشرع، فلا تطلق على مطلق المعصية، ولا يقال لكل عاص: إنه مبتدع، فتدبر.
١٤٤ - [٥] (جابر) قوله: (قال) أي: جابر حاكيًا عما سمعها عن رسول اللَّه ﷺ .
وقوله: (إن لصاحبكم هذا مثلًا) المراد لصاحبكم هو الرسول ﷺ ، والإشارة بهذا لكمال تميز ذاته الشريفة المتعينة المتميزة في الفضل والكمال، والمثل يجيء بمعنى الحال والصفة العجيبة الشأن.
وقوله: (فاضربوا له مثلًا) أي: اذكروا وبينوا له تلك الصفة العجيبة ليعرفها ويخبر بها أمته، كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٥]، وقد يجيء اضرب متعديًا إلى مفعولين بتضمين معنى الجعل كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣].
وقوله: (قال بعضهم) أي: بعض الملائكة كيف نضرب له مثلًا، وهو لا يسمع
стр. 443
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نائِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ، وَالْقلبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: الدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٢٨١].
ــ
فإنه نائم، وقال بعضهم: إن تأثير نومه إنما هو في تعطل عينيه الشريفة عن إدراكها، وأما علمه بالقلب فباقٍ فيسمعه، كما جاء في الحديث: (تنام عيناي ولا ينام قلبي).
وقوله: (مثله كمثل رجل) هذا من التشبيه التمثيلي الذي هو تشبيهه هيئة منتزعة من مجموع بأخرى مثلها، كقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ﴾ الآية [الكهف: ٤٥]، كما حقق في علم البيان، إذ ليس المراد تشبيه ﷺ برجل بل بداعي رجل كما يظهر من بيان التشبيه، و (المأدبة) طعام يدعى إليه الناس، ومنه حديث: القرآن مأدبة اللَّه، ومنه: إن للَّه مأدبة من لحوم الروم أي: تقتلون فتأكل من لحومهم السباع، والمشهور فيه ضم الدال ويجوز الفتح.
وقوله: (أولوها له) أي: فسروا هذه الحكاية والقصة العجيبة لصاحبكم، من آل الأمر إلى كذا أي: رجع إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، أي ما يرجع إليه من حقيقة معناه المراد يقينًا، وليس المراد التأويل بمعنى الصرف عن الظاهر، و (يفقهها) بالجزم ويجوز الرفع، و (فرق) روى صيغة الفعل من التفريق، وبلفظ المصدر نحو رجل عدل، والمراد أن ﷺ يفرق ويميز بين المؤمنين والكافرين
стр. 444
١٤٥ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحُدُهُمْ: . . . . .
ــ
بتصديقه وتكذيبه، ومن أسمائه ﷺ في الكتب السابقة (فارقْ لِيطا) أي: يفرق بين الحق والباطل، كذا في (النهاية) (١).
١٤٥ - [٦] (أنس) قوله: (جاء ثلاثه رهط) في (القاموس) (٢): الرهط ويحرك: [قوم] الرجل، وقبيلته، ومن ثلاثة أو سبعة إلى عشرة، أو ما دون العشرة وما فيهم امرأة، لا واحد له من لفظه، والجمع أرهط وأراهط وأرهاط وأراهيط، ولا يتوهم أن الرهط إذا كان بمعنى القوم يكون المعنى ثلاثة أقوام؛ لأن المعنى ثلاثة رجال هم رهط، وإنما وقع تمييز ثلاثة لأنه في معنى الجمع، فافهم. وقال التُّورِبِشْتِي (٣): قد وجدت في تعليقات أصحاب الحديث أن الرهط الثلاثة علي وعثمان بن مظعون وعبد اللَّه بن رواحة ﵃، ولا أحققه رواية، وفي بعض الحواشي المقداد بدل عبد اللَّه ابن رواحة.
و(تقالوا) تفاعل من القلة، وقال التُّورِبِشْتِي: لم أجد هذا البناء بصيغته في شيء من كتب اللغة، وهو وارد في هذا الحديث، كان الرجل يتقالها أي: يستقلها هذا، وقد ذكر في (القاموس) (٤): تقال الشيء واستقله: عدّه قليلًا، وذلك لاعتقادهم
стр. 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن وظائف عبادته ﷺ تكون كثيرة لأنه أعبد الناس، ولم يتأنقوا النظر في الحال، أو قليله أكثر من كل كثير لكمال معرفته، وكمال قوة حضوره، وتمام إحسانه في العبادة، وذلك لوفور رحمته على الأمة وشفقته عليها، وأن فيه تعليم رعاية حقوق النفس والأهل والعيال، والاستقامة في رعاية الاعتدال، وإدامة العمل، والتكثير في العمل، والإفراط فيه ربما يفضي إلى العجب والفتور، ولقد أحسنوا في رعاية الأدب معه ﷺ حيث لم ينسبوه إلى التقصير فقالوا: إنه معصوم فيسعه أن يقلل في العبادة، وأما نحن فمحتاجون إلى مغفرة الذنوب، وقد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وفيه وجوه كثيرة ذكرها السيوطي في رسالة مفردة، وأحسن الوجوه وأصوبها أنها كلمة تشريف للنبي ﷺ من ربه غير أن يكون هناك ذنب، وأراد أن يستوعب في الآية على عبده جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية، والنعم الأخروية شيئان: سلبية وهي غفران الذنوب، وثبوتية وهي لا تتناهى، أشار إليها بقوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢]، والنعم الدنيوية شيئان: دينية أشار إليها بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، ودنيوية، وإن كانت ههنا المقصود بها الدين، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣]، فانتظم بذلك قدر النبي ﷺ بإتمام أنواع نعم اللَّه تعالى عليه المعرفة على غيره، ولهذا جعل غاية الفتح المبين الذي عظمه بإسناده إليه بنون التعظيم وجعله خاصًا بالنبي ﷺ ، انتهى.
وملخصه: إن هذه كلمة تشريف يشرف السيد عبده من غير أن يكون له ذنب يسنده إليه، فيقول: قد غفرت لك فما عليك مؤاخذة عندي، فكن مجموع الهم خليع العذار في خدمتي ومحبتي، فافهم، وباللَّه التوفيق.
стр. 446
أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَصُومُ النَّهَارَ أَبَدًا وَلَا أفْطِرُ، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ للَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ،
ــ
وقوله: (أما أنا فأصلي) قد سبق (١) أن (أما) قد يجيء في أول الكلام للاستئناف فلا حاجة ههنا إلى تقدير شيء، ويجوز أن يجعل هنا للتفصيل فيقدر أما رسول اللَّه فلا حاجة له إلى الاستكثار لكونه مغفورًا، وأما أنا فلست مثله فلابد لي من الاستكثار، والظاهر عدم تقدير المعطوف عليه لعدم الواو.
وقوله: (فأصلي) أي: عهدت أن أصلي الليل كله أبدًا، أي: مدة عمري، أو يكون (أبدًا) بمعنى استيعاب أجزاء الليل فيكون في معنى كله.
وقوله: (أنا أعتزل النساء) فلا أتزوج كأنه لم يكن لذلك الرجل امرأة، فيكون المعنى: أنا أقصد اعتزال النساء فلا أنكح بعد أبدًا، وإن كانت له امرأة فالمعنى: أطلقهن فلا أتزوج بعده، فافهم.
وقوله: (أنتم الذين) بحذف همزة الاستفهام الإنكاري.
وقوله: (أما واللَّه إني لأخشاكم) أكد الحكم بكونه أخشى غاية تأكيد بأنواع مؤكدات، وهي: حرف التنبيه، لئلا يغفل السامع عن سماعه، والقسم وإن واللام والجملة الاسمية، (للَّه) إنما زيدت اللام لأن أفضل التفضيل لا يعمل في المفعول به بلا واسطة وإلا فخشي متعد بنفسه.
وقوله: (لكني أصوم وأفطر) يعني وإن كان يرى في الظاهر أن الكمال في
стр. 447
فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٦٣، م: ١٤٠١].
١٤٦ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ،
ــ
الخشية والتقوى يقتضي الإفراط في الرياضة والمجاهدة، لكن الأمر ليس في الحقيقة كذلك؛ لأن الكمال إنما هو في التوسط والاعتدال، أو لأن الرحمة والشفقة على الأمة يقتضي ذلك.
وقوله: (فليس مني) أي: ليس ذلك الشخص من أمتي أو ليس فعله ذلك من سنتي.
١٤٦ - [٧] (عائشة) قوله: (صنع رسول اللَّه ﷺ شيئًا) في (القاموس) (١): صنع الشيء صنْعًا بالضم والفتح: عَمِله، (فرخص) الترخيص في اللغة عدم الاستقصاء، فالمعنى: عمل عملًا لم يستقص فيه بل تساهل أو رخص للأمة، وذلك لفعله ذلك العمل أو بالتصريح بذلك بعده، فافهم.
وقوله: (فتنزه عنه قوم) التنزه: التباعد، ومنه: مكان نَزِهٌ أي: متباعد من المكروه، وفي (الصراح) (٢): نزهت بالضم دوري أز ناخوشي وبزمانى، وأصله من البعد، قال ابن السكيت: ومما يصنعه الناس في غير موضعه قولهم: خرجنا متنزهًا في الرياض، وإنما التنزه التباعد من المياه والأرياف، ويقال: فلان يتنزه عن الأقذار ويُنَزِّه نفسَها عنها، أي: يباعدها عنها، والنزاهة البعد عن السوء، وفلان كريم نزه
стр. 448
فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً". مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٠١، م: ٢٣٥٦].
ــ
بعيد عن اللوم.
وقوله: (إني لأعلمهم باللَّه) يدل على عدم الفرق بين العلم والمعرفة بتخصيص الأول بالكليات، والثاني بالجزئيات، اللهم إلا أن يراد أعلمهم بأحكام اللَّه.
وقوله: (أصنعه) إما حال من الشيء أو صفة له؛ لأن اللام في الشيء للعهد الذهني إذ ليس الشيء المذكور للعهد الخارجي كما قال الطيبي (١)، وإن كان مقتضى إعادة النكرة معرفة ذلك بل المراد أي شيء كان مطلقًا، ولذا قال: أصنعه، ولم يقل: صنعته، وهذا المعنى أجيد وأفيد، فافهم.
وقوله: (وأشدهم له خشية) (٢) اعلم أنه قد ذكر في كتب النحو أنه يتوصل في الفعل الذي يمتنع بناء أفعل منه كالمزيد من الثلاثي، والذي من الألوان والعيوب بنحو أشد، وأما أنه لا يتوصل به ولا يورد مثل هذا التركيب في غيره إذا أريد المبالغة فلا، وقد ذكر في قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] أنه إنما لم يقل: أقسى لما في (أشد) من المبالغة والدلالة على اشتداد القسوتين واشتمال المشبه على زيادة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة، فمن قال: القياس أخشاهم؛ لأن التوصل بأشد إنما يكون في الفعل الممتنع بناء أفعل منه لم يأت بشيء.
стр. 449
١٤٧ - [٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وَهُمْ يُؤبِّرُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ؟ ". . . . .
ــ
١٤٧ - [٨] (رافع بن خديج) قوله: (وهم) أي: أهل المدينة (يؤبرون) في (القاموس) (١): أَبَرَ النخلَ والزرعَ، يأبُره ويأبِره، أَبْرًا وإِبَارًا وإبارَةً: أصلحه، كأَبّره، وفي (الصحاح) (٢): أبر نخله وأبّره بالتشديد أي لقحه وأصلحه، ومنه سِكَّةٌ مأبورة، وتَأَبَّر النخيل: إذا قَبِلَ الإبار، وأتبرتُ منه: إذا سألته أن يأبُرَ النخل ويصلحه.
وفي (النهاية) (٣): السكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: الملقحة، أبرت النخلة إبارًا أو تأبيرًا مشددًا ومخففًا، وقال النووي (٤): يأبرون بكسر الباء وضمها بمعنى إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى فيعلق بإذن اللَّه (٥)، انتهى. وظهر مما نقلنا أن يأبر يجيء من المجرد من باب ضرب ونصر، ومن المزيد من باب التفعيل، والمصحح في النسخ بالتشديد من التفعيل.
وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٦): قوله: ويأبِرون النخل بضم الباء وكسرها مخففة، ونخل قد أبرت، وأَبَرَ نخلًا أي: يلقّحونها ويذكرونها، وقد جاء
стр. 450
قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: "لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا" فَتَرَكُوهُ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ؛ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٦٢].
١٤٨ - [٩] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا، فَقَالَ: يَا قَوْمِ! إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ،
ــ
مفسرًا بذلك في الحديث.
وقوله: (قالوا: كنا نصنعه) أي: من قبل قدومك، وهو عادتنا، وله فائدة ما، فإنه إذا لم نصنع ذلك نقصت، ولكنهم لم ينسبوا الفائدة تأدّبًا اكتفاءً في الجواب.
وقوله: (قال) ﷺ : (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا) قال ذلك برأي منه من غير أن يوحى إليه في ذلك شيء، فإنه رأى أمرًا من أمور الجاهلية غير معقول تأثيره في الزيادة والنقصان من غير نظر إلى أن له خاصية بجريان العادة، ولذا لم يمنعهم عن ذلك جزمًا، يعني ليس لي بأمثال هذا من أمور الدنياوية التفات وغرض، إذ ليس مما يتعلق به سعادة الدنيا والآخرة، إنما منعتكم عنه بمقتضى ظاهر رأي، ولعلي أخطئ فيها بمقتضى البشرية، وإنما المهتم من شأني بيان الأمور المتعلقة بالدين، فإذا أمرتكم بشيء منها فخذوه واعملوا به، وأما إذا أوحي إلي في شيء فيجب العمل، فافهم.
١٤٨ - [٩] (أبو موسى) قوله: (وإني أنا النذير العريان) وهو مثل سائر بين العرب قبل البعث، وإنما تكلم به النبي ﷺ ضربًا للمثل لإفهامهم بَيِّنًا لكونه مشهورًا بينهم، وإنما خص النذير بالعريان مبالغة في الأنذار وحجة على صدق قوله؛ لأنه
стр. 451
فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا،
ــ
أبين للعين، وأغرب وأشنع عند المبصر، وذلك أن ربيئة القوم وعَيْنَهم يكون على مكانٍ عالٍ، فإذا رأى العَدُوَّ نزع ثوبه وألاح به لينذر قومه ويبقى عريانًا، قيل: كان عادتهم إذا رأوا الغارة يتعرى من ثيابه واحد منهم ويأخذ ثوبه يرفعه يديره حول رأسه إعلامًا بالغارة من بعيد، وروي بموحدة بدل مثناة بمعنى المُعرِب الفصيح أي: أنا النذير الفصيح بالإنذار لا يواري ولا يكني، فالمراد بالنذير العريان كل منذر بهذه الصفة.
وقوله: (فالنجاء النجاء) بالمد والقصر مصدر نجا ينجو: إذا أسرح، ونجاه من الأمر: إذا أخلص، ونصبه على الإغراء، ويجوز أن يكون على المصدر أي: انجوا النجاء، في (القاموس) (١): النجاء النجاء، ويقصران أي: أسرِع أسرِع، وقال القاضي عياض (٢): أنا النذير، فالنجا مقصور مفتوح النون، كذا جاء في الحديث، يعني التخلص، وكذلك النجاة بالتاء، ويقال بالمد أيضًا، حكاهما أبو زيد وابن وَلّاد، والمد أشهر إذا أفردوه، فإذا كرروه فقالوا: النجا النجا، فالوجهان معروفان المد والقصر، قال أبو علي: النجاء السلامة ممدود لأنه مصدره وهو عندي بمعنى سبقت وفُزت، هذا كلامه.
وقوله: (فأدلجوا) بسكون الدال وقطع الهمزة وبوصلها وتشديد الدال، كلاهما روايتان، الأولى أقوى، قال القاضي عياض (٣) في حديث: (عليكم بالدلجة): الدلجة
стр. 452
فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ. . . . .
ــ
بضم الدال وسكون اللام، كذا الرواية، وهي صحيحة، ويقال بفتح الدال وبضمها وبفتح اللام أيضًا، واختلف أرباب اللغة في هذا وفي الإدلاج هل يستعمل ذلك كله في الليل كله وبينهم اختلاف، فقيل: إن ذلك يستعمل في سير الليل كله، وإن الدُّلجة والدَّلجة سواء فيهما، وإنهما لغتان، وأكثرهم يقول: ادَّلج بتشديد الدال: سار آخر الليل، وأدلج بتخفيفها: الليل كله، يقال: ساروا دلجة بفتح الدال سير الليل كله، والادّلاج بتشديد الدال، والدلجة بضم الدال: سير آخره، وقال في (القاموس) (١): الدَّلَج محركة، والدلجة بالضم والفتح: السير من أول اليل، وقد أدلجوا، فإن ساروا من آخره: فادَّلجوا بالتشديد.
وقوله: (فانطلقوا على مهلهم) في (القاموس) (٢): المهل يحرك، والمهلة بالضم: السكينة والرفق، ومهله تمهيلًا: أجله، وقال التُّورِبِشْتِي: المهل بالتحريك: التؤدّة والسكون، والإمهال والتمهيل: الإنظار، والاسم المهلة، وقال القاضي عياض (٣): (على مهلهم) بفتح الميم والهاء، أي: تؤدتهم من غير استعجال للحوق العدو (٤)، وقيل: على تقدمهم، ورواه بعضهم بسكون الهاء، وروى الطيبي (٥) عن النووي في كتاب مسلم: (على مهلتهم) بضم الميم وإسكان الهاء وبتاء بعد اللام، واللَّه أعلم.
стр. 453
وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٨٣، م: ٢٢٨٣].
١٤٩ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا، جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا،
ــ
وقوله: (واجتاحهم) أي: استأصلهم، من الجوح وهو الإهلاك والاستئصال كالإجاحة والاجتياح، ومنه الجائحة للشدة المجتاحة للمال، كذا في (القاموس) (١).
١٤٩ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (استوقد) بمعنى أوقد، والأول أبلغ لزيادة البناء ولوجود معنى الطلب.
وقوله: (نارًا) شبه بها الحدود التي هي محارم اللَّه تعالى ونواهيه التي يجب أن يجتنب عنها، وإظهارها بالبيان الواضح البين بإيقاده النار، ونشرها في العالم بإضاءتها.
قوله: (فلما أضاءت ما حولها) أي: حول النار، هذه رواية مسلم، وفي رواية البخاري: (ما حوله) كما في التنزيل، والضمير للمستوقد، ثم الغالب في الاستعمال أن تكون الإضاءة لازمة، ويجوز أن تكون متعدية، فإن جعلت متعدية كان ما حولها مفعولًا، وإن كانت لازمة كان فاعل (أضاءت) ما الموصولة، والتأنيث باعتبار كونها عبارة عن أماكن أو ضمير النار، و (ما حوله) ظرف ويقدر في؛ لأنه لما كان عبارة عن المكان، فكما تقدر في لفظ مكان قدر فيه، وقد يورد عليه أنه إنما يقدر في لفظ مكان لكثرته، ولا كثرة فيما كان بمعناه، ويجاب بأنه لما كان في معناه أعطي حكمه،
стр. 454
وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ، فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ. . . . .
ــ
وإن اختلف كثرة وقلة، وقد يقال في قلة: (ما حوله) بمعنى المكان خفاء، فتدبر.
أو (ما) مزيدة و (حوله) ظرف، ويرد على الوجهين أنه ليست النار حاصلة حول نفسها أو حول المستوقد، وفي أمكنة حولها فكيف تضيء فيها؟ ، وأجيب بأن المراد دوران ضوئها لكنه جعل دوران الضوء بمنزلة دوران النار إسنادًا إلى السبب، والفراش بالفتح: الطير الذي يلقي نفسه في ضوء السراج، واحده فراشة، وقال الشُّمُنِّي: طائر يقع في السراج، وقال النووي (١): وهو ما يطير كالبعوض، وقيل: ما يراه كصغار البق يتهافت في النار.
وقوله: (وجعل) أي: الرجل (يحجزهن) أي: يمنعهن، من حجزه يحجزه حجزًا: منعه وكفّه، (ويغلبنه) أي: يغلب الدواب الرجل فلم يحجزن، (فيتقحمن فيها) أي: يقعن في النار من غير رؤية، من قحم في الأمر قحومًا: رمى نفسه فيه فجأة بلا روَّية، ووجه الشبه الجهل بعاقبة التقحم من الإحراق. (وأنا) في رواية البخاري: (فأنا) (آخذ) يروى بصيغة اسم الفاعل والفعل المضارع، والأول أشهر.
و(بحجزكم) بضم الحاء وفتح الجيم وبزاي: جمع حجزة كغرفة وغرف.
وقال في (القاموس) (٢): الحجزة بضم الحاء: معقد الإزار من السراويل موضع التكة. وفي (مجمع البحار): بضم مهملة وسكون جيم (٣). والمراد بالأخذ بالحجزة: المنع الشديد؛ لأن الذي يمنع صاحبه عن شيء يتمسك به ليكون المنع أقوى، خصوصًا
стр. 455
عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا". هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهَا وَقَالَ فِي آخِرِهَا: قَالَ: "فَذَلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِّي تَقَحَّمُونَ فِيهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٨٣، م: ٢٢٨٤].
ــ
إذا أخذ بحجزته فإنه يمتنع عما منع منه حذرًا من انحلال عقدة الإزار وبدوِّ السوءة.
وقوله: (عن النار) أي: مانعًا عما يوجب دخول النار.
وقوله: (وأنتم تقحمون) أصله: تتقحمون، فحذفت التاء، وفي بعض النسخ: تقتحمون، والأول أصح رواية وأقوى دراية.
وقوله: (هلم عن النار) أي: قائلًا تعالوا إلي وابعدوا عن النار، وأصل هذه الكلمة على ما ذكر في (القاموس) (١): هَالُمّ مركبة من (ها) التنبيه ومن (لُمَّ) أمر من تلمّ، أي: لمَّ وضم نفسك إلينا، من الإلمام، فاستعملت استعمال البسيطة، يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث عند الحجازيين، وتميم تُجريها مجرى رُدَّ، وأهل نجد يصرِّفونها وفيقولون: هلمّا وهلمّوا وهلمِّي وهلمُمْن، وقد توصَلُ باللام فيقال: هلمّ لك، وتُثَقَّل بالنون فيقال: هَلمَّنَّ، وفي المؤنث بكسر الميم، وفي الجمع بضمها، وفي التثنية هلمَّان للمذكر والمؤنث، وللنسوة هلمُمْنانِ، ويقول المجيب: إلام أَهَلُمُّ بفتح الهمزة والهاء وأصله: إلام أَلُمُّ، وتركت الهاء على ما كانت عليه.
وقوله: (فتغلبوني) بتشديد النون إدغامًا لنون الإعراب في نون الوقاية، ويجوز في المضارع مع نون الإعراب الإتيان بنون الوقاية وتركها، فيجوز (تغلبوني) بتخفيف النون لكن الرواية بتشديدها،
стр. 456
١٥٠ - [١١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ مَا بَعَثنَي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ،
ــ
١٥٠ - [١١] (أبو موسى) قوله: (من الهدى والعلم) الهدى مصدر بمعنى الهداية، وكأنه أشار إلى العمل، فالكمال منحصر في العلم والعمل بمقتضاه إن كان المقصود منه العمل.
وقوله: (كمثل الغيث الكثير) في تشبيهه بالغيث تلميح خفيٌّ إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]، وقد كانوا كذلك في الجاهلية وأيام الفترة.
وقوله: (طائفة) بالرفع، أي: قطعة، و (طيبة) صفتها، أي: نظيفة غير خبيثة، والطيب من الأرض ما ينبت، وفي رواية البخاري: (وكانت منها نقية) بدون ذكر لفظ طائفة، ونقية بمعنى طيبة من النقاوة بالنون والقاف.
وقوله: (الكلأ) بالهمزة كجبل: العشب رطبه ويابسه (والعشب) (١) الكلأ الرطب، كذا في (الصحاح)، و (القاموس) (٢). وفي (مشارق الأنوار) (٣): الكلأ مهموز مقصور، وهو المرعَى والعشب رطبًا كان أو يابسًا عند أكثرهم، وقال ثعلب: الكلأ اليابس.
وفي (مجمع البحار) (٤): الكلأ بفتحتين وهمزة مقصورة، وبالجملة الكلأ
стр. 457
وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ،
ــ
مهموز سواء كان مخصوصًا باليابس أو أعم، وأما قول الطيبي (١): العشب والكلا مقصورًا مختصان بالرطب، والكلأ بالهمزة يقع على اليابس والرطب، فيفهم أنه جاء بألف مقصورة كعصًا بمعنى الرطب خاصة كالعشب، وهو محل نظر فإنه لم يُذكر في كتب اللغة إلا في باب الهمزة، فتدبر.
وأما العشب بضم العين وسكون الشين فمخصوص بالرطب بلا خلاف.
وقوله: (كانت منها أجادب) بالجيم والدال المهملة، وهو الصحيح روايةً والموجود في أصول النسخ، وقال القاضي عياض (٢): كذا رويناه في الصحيحين بدال مهملة بلا خلاف. وقد أورد في (القاموس) هذا اللفظ من الحديث في مادة جدب بالجيم والدال المهملة، انتهى. جمع جدب بسكون الدال من غير قياس، وكان القياس أن يكون جمعه أَجْدُب لكنهم قد قالوا: محاسن جمع حُسْنٍ، وكان قياسه أن يكون جمع مَحْسَنٍ، وكذا مَشَابهٌ جمع شَبَهٍ وقياسه مَشْبَه، ومنه المَحامد جمع حَمْدٍ، وقيل: هي جمع محمدة، كذا في (المشارق).
وفي (النهاية) (٣): كأنه جمع أَجْدُبٍ وأَجْدُب جَمْعُ جَدْبِ، مثل كَلْب وأَكْلُب وأكالب. فقال في (النهاية): الأجادب هي صلاب الأرض التي تُمسك الماء فلا تشربه سريعًا، وقيل: الأراضي التي لا نبات بها، مأخوذ من الجدب، وهو القحط، وغلط الخطابي، وقال: أجادب غلط وتصحيف، وكانه يريد أن اللفظ (أجارد) براء ودال،
стр. 458
فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ،
ــ
وكذلك ذكره أهل اللغة [والغريب]، وقال الخطابي: وروي أحادب بالحاء المهملة، قلت: إنما الرواية بالجيم، وكذا في (الصحيحين)، انتهى كلام النهاية، وكأنه يريد بقوله في أجارد: (كذا ذكره أهل اللغة) ما قالوا: إن الجرد محركة فضاء لا نبات به، مكان جَرْدٌ وأَجْرَدُ، وجَرِدٌ كفَرِح، وأرض جرداء وجرِدَة كفَرِحَةٍ، كذا في (القاموس) (١)، ومنه: أهل الجنة جُردٌ مردٌ.
وقال القاضي عياض (٢): الأجادب من الأرض ما لا ينبت الكلأ، وقد روى بعضهم هذا الحرف (أجاذب) بالذال المعجمة، وكذا ذكره الخطابي، وقال: هي صلاب الأرض التي تمسك الماء، وقال بعضهم: (أحازب) بالحاء والزاي وليس بشيء، وقد رواه بعضهم (أجارد) أي: مواضع منجردة من النبات جمع أجرد، ورواه بعضهم (إخاذات) بكسر الهمزة وبعدها خاء معجمة خفيفة وبين الألفين ذال معجمة وآخره تاء الجمع المؤنث، وكذا رواه أبو عبيد الهروي، وهي جمع إخاذة، وهي الغدير التي تمسك ماء السماء، انتهى كلام القاضي.
وقال التُّورِبِشْتِي: أوضح هذه الألفاظ من طريق الرواية الأجادب يعني بالجيم والدال، وأقواها من طريق اللغة أجارد -يعني بالجيم والراء والدال- غير أنها لا تثبت رواية.
وقوله: (فنفع اللَّه بها) أي: بالأجادب بسبب ما أمسكت من الماء، وفي بعض النسخ (به) أي: بالماء الذي فيها.
стр. 459
فَشَرِبُوا وَسقَوا وَزَرَعُوا، وأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلأً،
ــ
وقوله: (وزرعوا) قال القاضي (١): فسقوا ورعوا، كذا لكافتهم، وفي كتاب العلم في (البخاري): (وزرعوا) والأول أوجه، وفي رواية بعضهم: (ووعوا) وهو تصحيف ليس هذا موضعه.
وقوله: (قيعان) بكسر القاف جمع قاع، وهو المستوي الواسع، في وطاء من الأرض، وقيل: الأرض الملساء، وقيل: ما لا نبات فيها، وقيل: هي أرض فيها رمل، كذا قال الشيخ ابن حجر، وفي (القاموس) (٢): القاع أرض سهلة مطمئنة، قد انفرجت عنها الجبال والآكام، والجمع القِيع والقِيعَة والقِيعان بكسرهن. وقال البيضاوي (٣): والقاع الأرض المستوية.
قلت: قد فسره الحديث فقال: لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، وهو المراد في الحديث، وأما ما ذكر في (المشارق): القاع المستوي الصلب الواسع من الأرض، وقد يجتمع فيها الماء، وجمعه قيعان، فلا يخلو عن شيء لمخالفته لفظ الحديث، وأغرب من هذا ما ذكر في (مجمع البحار) عن (النهاية): القاع: المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه وليستوي نباته (٤)، إلا أن يقال: القاع هو المكان الواسع والأرض المستوية أعم من أن يجتمع فيه الماء وينبت الكلأ.
وقوله في الحديث: (لا تمسك ماءً لا تنبت كلأ) تقييد لا تفسير، وقد ذكر
стр. 460
فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا. . . . .
ــ
المعنى المذكور في (النهاية) في حديث آخر وهو قوله: (تركتها -أي مكة- قد ابْيَضّ قاعُها)، فتدبر.
وقوله: (فذلك مثل) بفتحتين (من فقه في دين اللَّه) في (القاموس) (١): الفقه بالكسر: العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، وغَلَبَ على علم الدين لشرفه، وفقُه ككرُم وفرِح فهو فقيهٌ وفَقُهٌ، وهي فقيهة وفَقُهَةٌ، والجمع فقهاءُ وفَقَائِهُ، وفَاقَهَه في الدين: باحثه في العلم، وفَقَهَه كنصره: غلبه فيه.
وفي (مجمع البحار) (٢): الفقه لغة: الفهم، فقه بالكسر: إذا فهم وعلم، وبالضم: إذا صار فقيها عالمًا، وجعله العرف خاصًا بعلم الشريعة، وتخصيصًا بعلم الفروع منها، والرواية في الحديث بالضم على المعنى الشرعي، وكسرها على اللغة، والأول أشهر، انتهى.
وقوله: (ولم يرفع بذلك رأسًا) كناية عن التكبر وعدم التوجه إليه والإقبال عليه.
اعلم أنه قد ذكر في الناس قسمين: من انتفع بالدين ومن لم ينتفع، وكذلك في الأرض المنتفع بها وغير المنتفع بها، وجعل المنتفع بها قسمين: المنبت وغير المنبت، فكذلك المنتفع بالدين يشمل قسمين: الأول العالم العامل المعلِّم، وهو كأرض طيبة شربت الماء فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها، والثاني العالم المعلِّم لكن لم