← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نفَرٍ منْ خُزَاعَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: . . . . . ــ محركة: الماء الكَدِرُ، والبئر نُزِحَ أكثر مائها، (وشكي) بلفظ المجهول، و (العطش) مرفوع. وقوله: (يجيش) بالجيم المعجمة، أي: يغور الماء، في (القاموس) (١): جاش البحر والقِدْرُ وغيرهما يَجيش جيشًا وجُيُوشا وجَيشَانًا: غلى، والعين: فاضت. وقوله: (بالري) أي: بكسر الراء وتشديد الياء من روي بالماء واللبن كرضي، وروي وتروى وارتوى بمعنى. وقوله: (حتى صدروا عنه) أي: رجعوا، ولم يبق لهم حاجة إلى الماء والماء باقٍ بعد (٢)، و (بديل) بلفظ التصغير، (ابن ورقاء) بفتح الواو وسكون الراء، و (خزاعة) بلا لام: حي من الأزد وسموا بها لأنهم تَخَزَّعوا عن قومهم، أي: تقطعوا وأقاموا بمكة، والخزاعة: القطعة تُقْتَطُع من الشيء، من الخزع بمعنى القطع، والتخلف عن الصحب، كذا في (القاموس) (٣). و(عروة بن مسعود) الثقفي، وكل هؤلاء الرجال أسلموا بعد ذلك في أوقات. وقوله: (وساق) أي: الراوي (الحديث) أشار إلى أن الحديث طويل، اختصره،

стр. 3957

إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ" فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنْ لَا يَأْتِيَكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا"، ثُمَّ جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَات فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ١٠]. فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوهُنَّ، ــ و(سهيل بن عمرو) كان أحد الأشراف من قريش وخطيبهم ولابنه أبي جندل قصة. وقوله: (قاضى) أي: صالح، في (القاموس) (١): القضاء، ويقصر: الحكم. قَضَى عليه يَقْضِي قَضْيًا وقَضَاءً وقَضِيَّةً، وهي الاسم أيضًا، وبهذا المعنى تسمى العمرة التي بعد هذا العام، أي: عمرة أديت بعد المقاضاة والمصالحة عند الشافعي، وعندنا بمعنى القضاء مقابل الأداء، فعندنا المحرم إذا أحصر يحلُّ ويقضي بعد ذلك، عرف ذلك في موضعه بالتفصيل. وقوله: (فانحروا ثم احلقوا) وهذا حكم الإحصار، فعند الشافعي ﵀ ينحر وإن لم يبلغ هديه الحرم؛ لأن الحديبية من الحل، ونحن نقول: بعض الحديبية من الحرم. وقوله: (فنهاهم اللَّه تعالى أن يردوهن) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ

стр. 3958

وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الصَّدَاقَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ نَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَينِ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَى سَيفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا" فَقَالَ: . . . . . ــ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]. وقوله: (وأمرهم أن يردوا الصداق) يعني: إن جاؤوا في طلبهن، وقد سلموا الصداق إليهن وإلا لا تعطوا شيئًا، وذلك لأن صلح الحديبية جرت على أن من جاء منكم رددناه، فلما تعذر عليه رد النساء لورود النهي عنه لزمه رد مهورهن، وروي أنه ﷺ كان بعد بالحديبية إذ جاءه سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة، فأقبل زوجها مسافر المخزومي طالبًا لها فنزلت، فاستحلفها رسول اللَّه ﷺ فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق وتزوجها عمر لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، كذا في (تفسير البيضاوي) (١)، ومنه يعلم أن الصلح وقع على رد الرجال والنساء جميعًا على رواية: (لا يأتيك منا أحد إلا رددته)، وقيل: الصلح وقع على رد الرجال خاصة، ورواية الكتاب يعضده لقوله: (لا يأتيك منا رجل)، واللَّه أعلم. وقوله: (لقد رأى هذا ذعرًا) أي: خوفًا، والذُّعْرُ بضم الذال المعجمة: الخوف، ذُعِرَ كَعُنِيَ، فهو مذعور، وبالفتح: التخويف، كالإذعار، والفعل كجعل، وبالتحريك:

стр. 3959

قُتِلَ واللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَيْلُ (١) أُمِّهِ مِسْعَرَ حَوْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ"، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ قَالَ: . . . . . ــ الدهش، وكصُرَدِ: الأمر المخوفُ، كذا في (القاموس) (٢). وقوله: (وإني لمقتول) أي: سأقتل بعده على ما رأيت حال أبي بصير. وقوله: (ويل أمه) كلمة تستعمل في موضع التعجب وعدم الرضاء. وقوله: (مسعر حرب) فيه استعارة بالكناية، والمسعر (٣) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين، والسعار: ما سعر به، وموقدٌ نَارِ الحرب، والسعير: النار، والسُّعْرُ والسُّعَارُ كغراب بالضم: الحر، وَسَعَرَ النَّارَ والْحَرْبَ، كمنع: أوقدها، كسَعَّرَ وأسْعَرَ. وقوله: (لو كان له) أي: لأبي بصير أحد، قال الطيبي (٤): معناه لو فرض له معين وناصر لأثار الفتنة وأفسد الصلح، وقيل: معناه لو كان له أحد يعرفه أنه لا يرجع إليّ حتى لا أرده إليهم، ويمكن أن يكون معناه لو كان له أحد يأخذه ويرده إليهم، قاله تخويفًا وتهديدًا، وإرضاء لهم وإيماء له أن يفر، واللَّه أعلم. و(سيف) بالكسر: ساحل البحر، وساحل الوادي، أو يقال: لكل ساحلٍ سِيفٌ، أو إنما يقال ذلك لسِيف عُمان، كذا في (القاموس) (٥).

стр. 3960

وَانْفَلَتَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيهِم. . . . . ــ وقوله: (انفلت أبو جندل) أي: هرب من الكفار، وجاء إلى أبي بصير ومن معه من المسلمين ممن كانوا قيدوه. وقوله: (فواللَّه ما يسمعون بعير) العير بالكسر يقال للإبل بإحمالها، والمراد القافلة، وقال في (القاموس) (١): العير بالكسر: القافلة، مؤنثة، أو الإبل تَحْمِلُ الْمِيرَةَ، أو كل ما امتِيرَ عليه، إبلًا كانت أو حميرًا أو بغالًا. وقوله: (تناشده اللَّه والرحم) الضمير المستكن لقريش، والبارز للنبي ﷺ ، و (اللَّه) منصوب مفعول (تناشد)، و (الرحم) عطف على (اللَّه)، أي: تحلفه باللَّه وتسأله به وبالرحم، أي: بحق القرابة التي بينه وبينهم، وإذا حذفت حرف القسم ينصب المقسم به وقد يجر. وقوله: (لما أرسل إليهم) أي: إلى أبي بصير وأصحابه أن يأتوا بالمدينة ولا يتعرضوا لغيرنا، و (لما) بالتشديد بمعنى إلا، وهي في القرآن كثيرة بعد (أن) النافية على بعض القراءات، قال التُّورِبِشْتِي (٢): وقد ذكر الجوهري في كتابه: إن قول من قال: (لما) بمعنى (إلا) فليس يعرف في اللغة، قلت: وقد ذكر أهل التفسير لا سيما

стр. 3961

فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِم. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٦٩٤، ٢٧٣١]. ٤٠٤٣ - [٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: . . . . . ــ المشتهرون منهم في علم العربية في قوله سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] على قراءة من قرأ بالتشديد أنها بمعنى إلا، ويحمل قول الجوهري على أنه لم يصادفه فيما بلغه من كلامهم، والعرب تستعمل هذا الحرف في كلامهم على الوجه الذي في الحديث، إذا أرادوا المبالغة في المطالبة كأنهم يبتغون من المسؤول أن لا يهتم بشيء إلا بذلك، انتهى. وقال صاحب (القاموس) (١): وإنكار الجوهري كونه بمعنى إلا غير جيد، يقال: سألتك لما فعلت، أي: إلا فعلت، ومنه: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤﴾ ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]، وقراءة عبد اللَّه: (إِنْ كُلُّ لمَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ). وقوله: (فمن أتاه فهو آمن) جواب شرط محذوف، أي: إذا أرسل إليهم واستردهم إلى المدينة، فمن أتاه منا مسلمًا فهو آمن، ولا نسترده منه. ٤٠٤٣ - [٢] (البراء بن عازب) قوله: (على ثلاث أشياء) واشتراطه ﷺ بهذه الشروط كان لضعف حال المسلمين، وعجزهم عن مقاومة الكفار، وكانت مصالح عظيمة في هذا الصلح مما ظهرت ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين اللَّه أفواجًا، وبالجملة كان في

стр. 3962

عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ، وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ وَالسَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ، فَجَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٨، ٢٧٠٠، م: ١٧٨٣]. ٤٠٤٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ إِنَّهُ مَنْ ذهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، ــ اختيار الصلح حِكَمٌ وأسرار لا تعدّ ولا تحصى، ولا يحيط به إلا علام الغيوب ونبيه السيد المحبوب. وقوله: (على أن من أتاه) أي: مسلمًا. وقوله: (من المشركين) بيانية أو ابتدائية. وقوله: (على أن يدخلها) أي: مكة، (من قابل) أي: العام الآتي، و (الجلبان) بضم الجيم واللام وتشديد الباء: جراب من أديم يوضع فيه السلاح، والمقصود أن لا يأتوا في صورة القهر والغلبة. وقوله: (يحجل) بضم الجيم، أي: يمشي على وثبة كما يمشي الغراب، والحجل: مشي الغراب، في (القاموس) (١): حَجَلَ المقيد يَحْجِل ويَحْجُل حَجْلًا وحَجَلانًا: رَفَعَ رِجْلًا وَتَريَّثَ فِي مشيه على رجله، والغراب: نزا في مشيه. ٤٠٤٤ - [٣] (أنس) قوله: (فأبعده اللَّه) منا أو ليس لنا معه شأن فهو أولى

стр. 3963

وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٨٤]. ٤٠٤٥ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢]، فَمَنْ أَقَرَّتْ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ قَالَ لَهَا: "قَدْ بَايَعْتُكِ" كَلَامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧١٣، م: ١٨٦٦]. ــ بمصاحبتهم. وقوله: (ومن جاءنا منهم سيجعل اللَّه له فرجًا ومخرجًا) كما جعل لأبي بصير. ٤٠٤٥ - [٤] (عائشة) قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ آخر الآية ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢]. وقوله: (فمن أقرت) أي: قبلت وقررت بهذا الشرط، أي: المذكور في هذه الآية وحده لجعلها في حكم الواحدة في باب البيعة. وقوله: (كلامًا) إما تمييز أو مفعول مطلق، يعني كانت بيعته ﷺ للنساء بالكلام لا بأخذ اليد كما في الرجال، وقد اختار بعض المشايخ جعل يدها في الماء الذي جعل يده فيه، أو أخذها طرفًا من الثوب وطرفًا بيد الشيخ، ولا يُدرى له سند، واللَّه أعلم، وإيراد حديث مبايعة النساء في (باب الصلح) لاشتراكهما في الاشتراط، ولأنه قد وقعت المبايعة في قضية الصلح يوم الحديبية، وتسمى بيعة الرضوان كما يخبر عنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].

стр. 3964

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٠٤٦ - [٥] عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ: أَنَّهُمُ اصْطَلَحُوا عَلَى وَضعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنَّ النَّاسُ، وَعَلَى أَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً. . . . . ــ الفصل الثاني ٤٠٤٦ - [٥] (المسور) قوله: (على أن بيننا عيبة مكفوفة) العيبة بفتح العين المهملة وسكون التحتانية: وعاء يجعل فيه الثياب، وقيل: أفضل الثياب وخيرها، وفي (القاموس) (١): العَيْبَةُ: زَبيل من أَدَم، ومن الرجل: موضع سِرّة، والجمع: عِيَبٌ وعِيَابٌ وعِيَبَاتٌ، والعياب: الصدور والقلوب، كناية، انتهى. وفي الحديث: "الأنصار كرشي وعيبتي" (٢) أي: خاصتي وموضع سري، ثم إنهم فسروا هذا الكلام بوجوه، أظهرها وأشهرها ما نقل عن ابن الأعرابي قال: يريد أن بيننا صدرًا نقيًّا من الغلّ والخداع والدغل مطويًّا على الوفاء بالصلح، والمكفوفة: المشدودة، والعرب تكني عن القلوب والصدور بالعياب لأنها مستودع السر كما أن العياب مستودع خير الثياب. قال الشيخ: الذي ذكره ابن الأعرابي في بيان ألفاظه من طريق اللهجة العربية فإنه حسن مستقيم، وهو الإمام الذي سبق كثيرًا ممن يعتني بهذا الفن، غير أني أرتاب في تقرير المعنى على أن بيننا صدرًا نقيًّا من الغل، ولا أدري أيصح عنه أم لا؟ وذلك أن نقاء الصدر من الغل بين المسلم والكافر أمر لا يكاد يستتبّ، كيف وقد فرض اللَّه تعالى على المسلم بغض الكافر، والجواب أن المراد نقاوة الصدر عن الأمور المذكورة فيما يتعلق بالصلح من الغدر وكتمان حكم العداوة مما يفضي إلى إراقة الدماء وانتهاب

стр. 3965

وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٦٦]. ٤٠٤٧ - [٦] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ آبَائِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: . . . . . ــ الأموال وانتهاك الحرم لا تضمر بشيء منها إلى انقضاء الأجل. ونقل عن ابن الأنباري أن المراد بيننا موادعة ومصادقة تجريان مجرى المودة التي بين المتصادقين الذين يفشي بعضهم إلى بعض أسرارهم، وقال التُّورِبِشْتِي (١): يحتمل أنهم أرادوا بالعيبة نفس الموادعة، أي: تكون الموادعة مطوية على تلك الحال مشدودة عليها، وحملها في كلامهم على السرائر أكثر وأشهر. وقيل: معناه أن يكون ما سلف منا في عيبة مكفوفة، أي: مشروجة مشدودة لا يظهر أحد منا ولا يذكر، وقيل: المراد أن يكون بيننا كتاب صلح نحفظه ولا نضيعه كالمتاع المضبوط في العيبة المشدودة. وقوله: (وأنه لا إسلال ولا إغلال) الإسلال: السرقة الخفية كالسلة، يقال: سلّ البعير في جوف الليل: إذا انتزعه من بين الإبل، وهي السلة، ويقال: الإسلال الغارة الظاهرة، كذا في (مجمع البحار) (٢). والإغلال: الخيانة، أغل: خان، أي: لا يأخذ بعض مال بعض لا في السر ولا في العلانية، وقيل: الإسلال: سل السيف، والسل والإسلال بمعنى، والإغلال: لبس الدرع، في (القاموس) (٣): الغلائل: الدروع، أو مساميرها، والغِلالة: هي بالكسر شعار تحت الثوب، وهو كناية عن ترك المحاربة. ٤٠٤٧ - [٦] (صفوان بن سليم) قوله: (ابن سليم) بضم السين.

стр. 3966

"أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٥٢]. ٤٠٤٨ - [٧] وَعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَتْ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نِسْوَةٍ فَقَالَ لَنَا: "فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ" قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا بِأَنْفُسِنَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَايِعْنَا، تَعْنِي: صَافِحْنَا، قَالَ: "إِنَّمَا قَوْلِي لِمِئَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ". رَوَاهُ (١). ــ وقوله: (أو انتقضه) بمعجمة، أي: نقض الأجل المضروب لأمانه، أو بمهملة، أي: نقض حقه. وقوله: (فأنا حجيجه) أي: خصمه، والحجج: الغلبة بالحجة. ٤٠٤٨ - [٧] (أميمة بنت رقيقة) قوله: (وعن أميمة) بضم الهمزة. (بنت رقيقة) بقافين على صيغة التصغير. وقوله: (فيما استطعتن وأطقتن) أي: أبايعكن، أشفق ﷺ عليهن حيث قيد المبايعة في التكليف بالاستطاعة. وقوله: (تعني: صافحنا) أي: ضع يدك في يد كل منا، ولا تكتف في المبايعة بالقول. وقوله: (إنما قولي لمئة امرأة. . . إلخ)، أجاب بأن القول كاف في مبايعتكن،

стр. 3967

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٠٤٩ - [٨] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ -يَعْنِي مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ- يُقِيمُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ، كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قَالُوا: لَا نُقِرُّ بِهَا، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ، وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: "أَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ". ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "امْحُ: رَسُولَ اللَّهِ" قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ. . . . . ــ وأيضًا لا حاجة إلى مبايعة كل امرأة على حدة، فافهم. الفصل الثالث ٤٠٤٩ - [٨] (البراء بن عازب) قوله: (أن يدعوه) بفتح الدال، أي: يتركوه. وقوله: (حتى قاضاهم) أي: صالحهم. وقوله: (لا نقر) من الإقرار، (بها) أي: بهذه الكلمة أو برسالتك. وقوله: (لا أمحوك) أي: اسمك، وفي رواية لمسلم: (ما أنا بالذي أمحاه)، وهو لغة في أمحو، كان عليًّا ﵁ فهم أن الأمر ليس للإيجاب وإلا فلا يسعه مخالفته، وليس في الحقيقة مخالفة بل كمال موافقة، وغلبة محبة وإخلاص. وقوله: (وليس يحسن يكتب) جملة معترضة أقيم الفعل المضارع مقام المصدر، أو هو بتقدير أن، كما في قوله: فقلت الهو (١).

стр. 3968

فَكَتَبَ: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ بِالسِّلَاحِ إِلَّا السَّيْفَ فِي الْقِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا"، فَلَمَّا دَخَلَهَا، وَمَضَى الأَجَلُ، أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ: اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٤٤، م: ١٧٧٣]. * * * ــ وقوله: (فكتب) أي: بيده، وإلى هذا ذهب بعض، أو أمر بكتابته. وقوله: (فلما دخلها) أي: العام القابل (ومضى الأجل) وهو ثلاثة أيام. تنبيه: واعلم أنه قد وقع الاختلاف بين العلماء في كتابته ﷺ ، فقيل: لم يكتب قط، ولم يكن يحسن أن يكتب لوصفه تعالى إياه بالأمي، والأمي من لا يقرأ عن الكتاب ولا يخط ويكتب، وقيل: كتب بعد ما قام الحجة على نبوته ﷺ ، وانحسمت الشبهة، وذهب الارتياب، وظاهر هذا الحديث حجتهم، وتأول المنكرون أن المراد به الأمر بالكتابة بطريق المجاز المشهور، هذا حاصل خلافهم وكلامهم في ذلك، وتفصيله ما ذكر في (فتح الباري) (١) ولا علينا أن ننقله، فنقول: قال الشيخ: قد تمسك بظاهر رواية البخاري في (المغازي): فأخذ رسول اللَّه ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه، وبه قال أبو الوليد الباجي، فادعى أن النبي ﷺ كتب بيده بعد أن لم يكن أن يكتب، فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن، حتى قال قائلهم: برئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال: إن رسول اللَّه ﷺ قد كتبا

стр. 3969

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فجمعهم الأمير، فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال: هذا لا ينافي القرآن بل يؤخذ من مفهوم القرآن؛ لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وإذ تحققت أميته وتقررت بذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فتكون معجزة أخرى، وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي على ذلك، منهم: شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية، واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق مجالد عن عون بن عبد اللَّه قال: ما مات رسول اللَّه ﷺ حتى كتب وقرأ، قال مجالد: فذكرته للشعبي، فقال: صدق، وقد سمعت من يذكر ذلك. وقال القاضي عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها كقوله لكاتبه: (ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك) (١)، وقوله لمعاوية: (ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم) إلى غير ذلك، قال: وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث، وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة، والكاتب فيها هو علي بن أبي طالب، وقد صرح في حديث المسور بن مخرمة بأن عليًّا هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله: (فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب) لبيان أن قوله: (أرني إياها) أنه ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك: (فكتب) فيه

стр. 3970

١٠ - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ــ حذف تقديره: فمحاها فأعادها لعلي فكتب، أو أطلق كتب بمعنى أمر بالكتابة، وهو كثير، كقوله: كتب إلى كسرى وقيصر، وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة، ويخرج عن كونه أميًّا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف صور بعض الكلمات، ويحسن وصفها بيده وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميَّا ككثير من الملوك. ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذٍ وهو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وقف المراد فتكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًّا، وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزي، وتعقب ذلك السهيلي وغيره بأن هذا وإن كان ممكنًا ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميًّا لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب لكنه كان يكتم ذلك، والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، والحق أن معنى قوله: (فكتب) أي: أمر عليًّا أن يكتب، واللَّه أعلم. ١٠ - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب الْجَزْر: ضد المد، ويجيء بمعنى البحر، والجزيرة: اسم الأرض أحاط بها البحر، وجزيرة العرب: ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام، ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا، ومن جدة إلى ريف العراق عرضًا، كذا في (القاموس) (١)، وقد نقلنا فيها الأقوال المتعددة في أول الكتاب في (باب الوسوسة)،

стр. 3971

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٠٥٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ"، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَامَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ للَّهِ وَلِرَسُولهِ، ــ ثم إنه لم يذكر النصارى في الترجمة، وقد وقع ذكرهم في آخر الفصل، ولعله لم يتفق من رسول اللَّه ﷺ إخراج النصارى كما وقع إخراج اليهود، واللَّه أعلم. الفصل الأول ٤٠٥٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (بيت المدراس) بالكسر، درس الكتاب يَدْرُسُهُ دَرْسًا ودِراسةً: قرأه، كأدرسه ودرّسه، والمدراس: الموضع الذي يقرأ فيه القرآن، ومنه مدراس اليهود، وكذا في (القاموس) (١) و (المشارق) (٢). وقال التُّورِبِشْتِي (٣): هو صاحب دراسة، ومفعل ومفعال من أبنية المبالغة، انتهى، ومنه حديث: (فوضع مدراسها الذي يدرسها كفه على آية الرجم)، والإضافة على الأول بيانية من إضافة العام إلى الخاص. قوله: (أسلموا تسلموا) الأول من الإسلام، والثاني من السلامة. وقوله: (اعلموا أن الأرض للَّه ولرسوله) في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٢٨].

стр. 3972

وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٦٧، ٧٣٤٨، م: ١٧٦٥]. ٤٠٥١ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ: "نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ". وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ، ــ وقوله: (أن أجليكم) أي: أخرجكم من أوطانكم، في (القاموس) (١): جلا القوم عن الموضع، جَلْوًا وجَلاء وأَجْلَوا: تفرقوا، وفي (الصراح) (٢): جلاء: ازخان ومان رفتن وبيرون كردن لازم متعد، يقال: جلوا عن أوطانهم وجلوتهم، وكذلك أجلوا عن البلد وأجليتهم، والباء في (بماله) للبداية، والمراد شيء لا يتيسر نقله كالأرض، هذا وقد يستشكل هذا الحديث بأنه قد ثبت أن إجلاء بني النضير كان في السنة الرابعة من الهجرة، وقتل بنو قريظة في الخامسة وهم اليهود، وكان إسلام أبي هريرة في السابعة، فكيف يقول: بينا نحن في المسجد، الحديث. وأجيب: بأن الخطاب في (أجليكم) لمن بقي من اليهود في المدينة وأكنافها بعد إجلاء بني النضير وقتل بني قريظة منهم أو من غيرهم كبني قينقاع ومن عداهم فلا إشكال. ٤٠٥١ - [٢] (ابن عمر) قوله: (كان عامل) بلفظ الماضي من المعاملة و (يهود) مفعوله. وقوله: (ما أقركم اللَّه) أي: إلى مدة أقركم اللَّه وأراد قراركم، وقول عمر: (وقد رأيت إجلاءهم) بيان لانتهاء المدة المستفاد من قوله: (ما أقركم اللَّه)، وكأنه ﵁ سمع

стр. 3973

فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الحُقَيقِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ، تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ؟ فَقَالَ: هَذِهِ كَانَتْ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ. فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ! فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرَةِ مَالًا وَإِبِلًا، وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٣٠]. ــ من النبي ﷺ تلك المدة. وقوله: (فلما أجمع عمر) أي: صمم عزيمته على ذلك، والإجماع: العزم على الأمر، أجمعت الأمر، وعليه، والأمر مُجْمَعٌ، كذا في (القاموس) (١)، و (الحقيق) بضم الحاء المهملة وفتح القاف. وقوله: (أظننت) خطاب من عمر ﵁ لأحد بني أبي الحقيق أتاه. وقوله: (كيف بك إذا أخرجت) خطاب له من رسول اللَّه ﷺ ، أي: كيف يكون حالك أو كيف تصنع بك، والباء في (تعدو بك) للملابسة، و (القلوص) بالفتح، من الإبل الشابة أو الباقية على السير، و (هزيلة) تصغير هزلة للمرة من الهزل، ضد الجد. وقوله: (مالًا وإبلًا) بدل من (قيمة ما كان لهم)، أو تمييز، و (العروض) ما ليس بذهب ولا فضة، و (الأقتاب) جمع قتب وهو بالكسر: الإكاف الصغير، كذا في

стр. 3974

٤٠٥٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْصَى بِثَلَاثَةٍ؛ قَالَ: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَو قَالَ: فَأُنْسِيتُهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٥٣، م: ١٦٣٧]. ــ (القاموس) (١)، وفي (مختصر النهاية) (٢): القتب للإبل كالإكاف لغيره، وفي (مجمع البحار) (٣): القتب بالحركة: الرحل الصغير، و (الحبال): جمع حبل، والمال قد يطلق على النقد خاصة، أو المزروعات خاصة، فيفيد عطف العروض عليه، أو هو عطف الخاص على العام. ٤٠٥٢ - [٣] (ابن عباس) قوله: (وأخرجوا المشركين من جزيرة العرب) قيل: المراد بها مكة والمدينة، ونقل الطيبي (٤): أن الشافعي خص هذا الحكم بالحجاز، وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره. و (أجيزوا) من الجايزة وهي العطية، والتحفة، واللطف، كذا في (القاموس) (٥). وقوله: (وسكت عن الثالثة) هو من كلام سليمان الأحول في روايته عن سعيد ابن جبير الراوي عن ابن عباس، أي: قال سليمان: وسكت سعيد عن الثالث، أو قال سعيد: فأنسيتها بلفظ المجهول من الإنساء، وفي عبارة المؤلف تعسف كذا قيل، ونقل

стр. 3975

٤٠٥٣ - [٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: "لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ". [م: ١٧٦٧]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: لَيْس فِيهِ إِلَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "لَا تَكُونُ (١) قِبْلَتَانِ" وَقَدْ مَرَّ فِي "بَابِ الْجِزْيَةِ". ــ الطيبي (٢) أنه قال القاضي عياض: ويحتمل أن الثالث قوله ﷺ : (لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد) (٣). ٤٠٥٣ - [٤] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (لأخرجن اليهود والنصارى) ولعله لم يتفق له ﷺ إخراج النصارى كما وقع في اليهود، وكذا لم يذكر النصارى في عنوان الباب، ويدل عليه ظاهر قوله: (لئن عشت)، فتدبر. الفصل الثاني قوله: (وقد مر في باب الجزية) بلفظ: (لا تصلح قبلتان في أرض واحدة)، وكان على المؤلف أن يذكر الحديث هنا لئلا يخلو الباب عن حديث، وقد حمله كثير من العلماء على إجلاء اليهود والنصارى كما سبق.

стр. 3976

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٠٥٤ - [٥] عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ الْيَهُودَ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ لَمَّا ظُهِرَ عَلَيْهَا للَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، فَسَأَلَ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتْرُكَهُمْ عَلَى أَنْ يَكْفُوا الْعَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا"، فَأُقِرُّوا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ فِي إِمَارَتهِ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٣٨، م: ١٥٥١]. * * * ــ الفصل الثالث ٤٠٥٤ - [٥] (ابن عمر) قوله: (على أن يكفوا العمل) من الكفاية، و (التيماء) على وزن الحمراء، و (أريحاء) بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون التحتانية والحاء المهملة ممدودة، وقيل: هذا دليل على أن مراده ﷺ هنا بعض جزيرة العرب وهو الحجاز؛ لأن تيماء من جزيرة العرب وليست من الحجاز، كذا نقل الطيبي (١). وقال في (القاموس) (٢): أريحاء كزَليخاء وكربلاء: بلدة بالشام، وفي (مختصر النهاية) (٣): أريحاء بالفتح والكسر وبحاء مهملة: قرية بقرب القدس، وفي (مجمع

стр. 3977

١١ - باب الفيء ــ البحار) (١): تيماء وأريحاء قريتان بالشام. وفي (المشارق) (٢): تيماء بفتح التاء وسكون الياء بعدها ممدود من أمهات القرى على البحر، وهي من بلاد طيء، ومنها يخرج إلى الشام، انتهى. وما ذكر في الحواشي: من العرب أن تيماء موضع قريب من المدينة فليس بشيء، إذ المدينة من الحجاز، وقد ثبت إجلاؤهم منه. ١١ - باب الفيء قال في (القاموس) (٣): الفيء: الغنيمة، وقال في باب الميم: الغنيمة والغُنْمُ بالضم: الفيء، فدل على أنهما متّحدان، وكذلك كلام الجوهري، ويفهم من كلام (المشارق) (٤) أيضًا أن الفيء هي الغنيمة، واستعمل في (الهداية) (٥) الفيء في معنى الغنيمة في (باب قسمة الغنائم)، وقال صاحب (النهاية) (٦): هي ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد. وقال الطيبي (٧): الفيء ما نيل من الكفار بعدما تضع الحرب أوزارها، وتصير الدار دار الإسلام، والظاهر أن هذا هو المراد مما ذكره صاحب (النهاية)؛ لأنه لا يحصل قبل الحرب والجهاد منهم مال، وإنما يستفاد من غير حرب بعدما تضع الحرب

стр. 3978

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٠٥٥ - [١] عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بنِ الْحَدَثانِ قَالَ: . . . . . ــ أوزارها، فافهم. وحكم الفيء أن يكون لعامة المسلمين ولا يخمس، ولا يقسم كالغنيمة، وأصل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: جعله فيئًا له خاصة، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: ما أجريتم على تحصيله وتغنمه ﴿مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] أي: إبل، ولا يغتنم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم، والإيجاف من الوجيف وهو سرعة السير، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: ٦]، المعنى أن ما خوّل اللَّه ورسوله من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، فإن قراهم كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها رجالًا غير رسول اللَّه ﷺ ، ولكن سلط اللَّه عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء، يعني أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرًا، وذلك أنهم طلبوا القسمة فنزلت، كذا في التفاسير، فهذا القسم من أموال الكفار الذي سموه فيئًا لا يقسم قسمة الغنائم، بل مفوض إلى رسول اللَّه ﷺ ، ويجيء في الأحاديث ما كان يعمل فيه رسول اللَّه ﷺ ، وهذا هو المذهب عندنا، ونقل الطيبي (١) مذهب الشافعي أن له ﷺ في الفيء أربعة أخماس وخمس الخمس، وكان له أحد وعشرون سهمًا من خمسة وعشرين، والأربعة الباقية لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. الفصل الأول ٤٠٥٥ - [١] (مالك بن أوس) قوله: (ابن الحدثان) بفتحات والمثلثة.

стр. 3979

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٩٤، م: ١٧٥٧]. ٤٠٥٦ - [٢] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، ــ وقوله: (ثم قرأ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾) قال البيضاوي (١): أي ما أعاده عليه بمعنى صيره له ورده عليه، فإنه كان حقيقًا بأن يكون له، فإن اللَّه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق اللَّه لهم، ليتوسلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمطيعين. وقوله: (نفقة سنتهم) وهذا لا يعارض حديث: (كان لا يدخر شيئًا لغد) لأن الادخار لنفسه وهذا لغيره من العيال، وكان ﷺ يعطي نساءه نفقة سنة أحيانًا. وقوله: (فيجعله مجعل مال اللَّه) أي: يصرفه على مصالح المسلمين، ويعطي من يشاء من المحتاجين، ولذلك لم يعط منه الأنصار إلا ثلة كانت بهم حاجة. ٤٠٥٦ - [٢] (عمر) قوله: (بني النضير) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة: قبيلة من اليهود. وقوله: (مما لم يوجف) خبر (كانت)، و (مما أفاء اللَّه) بيان (أموال)، أو هو الخبر و (مما لم يوجف) بدل منه.

стр. 3980

فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٠٤، ٤٨٨٥، م: ١٧٥٧]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٠٥٧ - [٣] عَنْ عَوفِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ، فَأَعْطَى الآهِلَ حَظَّيْنِ وَأَعْطَى الأَعْزَبَ حَظًّا، فَدُعِيتُ فَأَعْطَانِي حَظَّيْنِ، ــ وقوله: (ثفقة سنة) في بعض النسخ: (سنتهم). و (الكراع) بالضم والتخفيف، والكرع محركة: قوائم الدابة، وهو من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس، وهو مُسْتَدِقُّ الساق، والجمع أكرع وأكارع، واسم يجمع الخيل، كذا في (القاموس) (١)، ولعل المراد في الحديث الدواب التي تصلح للحرب، ونقل في الحاشية عن (المغرب) عن محمد ﵀: أن الكراع: الخيل والبغال والحمير. وقوله: (عدة) بالضم والتشديد، أي: أهبة، في (الصراح) (٢): عدة ساز وساخت. الفصل الثاني ٤٠٥٧ - [٣] (عوف بن مالك) قوله: (فأعطى الآهل) على وزن الكاهل: اسم الفاعل من أهل يأهل أهولًا وتأهل واتهل: اتخذ أهلًا، أي: زوجة، و (الأعزب) بالمهملة والزاي: من لا زوجة له.

стр. 3981

وَكَانَ لِي أَهْل ثُمَّ دُعِيَ بَعْدِي عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَأُعْطِيَ حَظًّا وَاحِدًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٥٣]. ٤٠٥٨ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلُ مَا جَاءَهُ شيءٌ بَدَأَ بِالْمُحَرَّرِينَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٥١]. ٤٠٥٩ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ (١) بِظَبْيَةٍ فِيهَا خَرَزٌ، فَقَسَمَهَا لِلْحُرَّةِ وَالأَمَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ أَبِي يَقْسِمُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٥٢]. ٤٠٦٠ - [٦] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بن الْحَدَثانِ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا الْفَيْءَ فَقَالَ: مَا أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ، ــ وقوله: (ثم دعي) بلفظ المجهول، وكذا (أعطي). ٤٠٥٨ - [٤] (ابن عمر) قوله: (بدأ بالمحررين) أي: بالمكاتبين، وقيل: المنفردين لطاعة اللَّه خلوصًا. ٤٠٥٩ - [٥] (عائشة) قوله: (أتي بظبية) بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء: الجراب الصغير، و (الخرز) بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين. وقوله: (فقسمها للحرة والأمة) بيان للواقع، وإنما خصها لأن الخرز من شأن النساء لا أنها حق لهن خاصة، ولهذا كان أبو بكر ﵁ يقسمها للحر والعبد. ٤٠٦٠ - [٦] (مالك بن أوس) قوله: (ما أنا أحق) بالنصب على لغة الحجازيين وبالرفع على لغة بني تميم، وإنما أفرد نفي الأحقية عن نفسه لمكان توهم أنه خليفة رسول اللَّه ﷺ ، فيكون أحق به كما كان رسول اللَّه ﷺ .

стр. 3982

وَمَا أَحَدٌ مِنَّا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَقَسْمِ رَسُولِهِ ﷺ ، فَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ، وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ، وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٥٠]. ٤٠٦١ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، فَقَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤٠]، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ [الحشر: ٧]، ثم قَرأَ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، ــ وقوله: (إلا أنا على منازلنا من كتاب اللَّه) يعني: أن الفيء لعامة المسلمين لا مزية لأحد منهم على آخر في أصل الاستحقاق، إلا أن تفاوت المراتب والمنازل باق كالمذكورين في الَايات الثلاث من سورة الحشر، وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] الآيات الدالة على تفاوت منازل المسلمين، وكما كان يقسم رسول اللَّه ﷺ على مراعاة التمييز بين أهل بدر وأصحاب بيعة الرضوان ونحو ذلك، ومراعاة أحوال الناس في الأهل والعيال، وفصّله بقوله: (فالرجل وقدمه) أي: تقدم إسلامه، معتبران ومقرونان، لا على نحو: كل رجل وضيعته، والمراد بالبلاء: الشجاعة والمشقة والابتلاء في سبيل اللَّه. ٤٠٦١ - [٧] (وعنه) قوله: (﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾) بالفتح أي: فثابت أن للَّهِ خمسه، وقرئ بالكسر.

стр. 3983

ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ اسْتَوْعَبَتِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، فَلَئِنْ عِشْتُ فَلَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ وَهُوَ بِسَرْوِ حِمْيَرَ نَصِيبُهُ مِنْهَا، لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١١/ ١٣٨]. ٤٠٦٢ - [٨] وَعنهُ قَالَ: كَانَ فِيمَا احْتَجَّ فِيهِ عُمَرُ أَنْ قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُ صَفَايَا: بَنُو النَّضِيرِ وخيبرُ وفَدَكُ، ــ وقوله: (ثم قال: هذا استوعبت المسلمين عامة) إشارة إلى أموال الفيء، وكان رأي عمر ﵁ أن الفيء لا يخمس، ولكن يكون جملة معدة لمصالح المسلمين مجعولة لهم على تفاوت درجاتهم، وإليه ذهب عامة أهل الفتوى إلا الشافعي، كما مر، ثم رعاية تفاوت درجات المسلمين أيضأ مذهب عمر، وذهب أبو بكر إلى التسوية بين الناس، ولم يفضل السابقة، وقال: إنما عملوا للَّه وأجورهم على اللَّه، وكان عمر ﵁ يفضل عائشة على حفصة، وأسامة بن زيد على ابن عمر. وقوله: (وهو بسرو) بفتح السين وسكون الراء بلفظ الشجرة المعروفة: محلة من حمير بعيدة من المدينة جدًا. وقوله: (نصيبه) فاعل (ليأتين). وقوله: (لم يعرق فيها جبينه) أي: لم يتعب في تحصيله. ٤٠٦٢ - [٨] (وعنه) قوله: (كان فيما احتج به عمر) أي: على عباس وعلي حين اختصما وترافعا إلى عمر ﵃. و (صفايا) جمع صفية، وهي ما يصطفيه الإمام أي: يختاره لنفسه من الغنيمة. وقوله: (بنو النضير) أي: أموالهم التي كانت فيئًا عند إجلائهم. وقوله: (وخيبر وفدك) فإنه كانت لخيبر قرى كثيرة، أخذ بعضها صلحًا من غير قتال وإيجاف خيل وركاب، وكان فيئًا خاصًّا له ﷺ ، وكان سهمه خمس خيبر، وما افتتح

стр. 3984

فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حُبْسًا لِنَوَائِبِهِ، وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حُبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزأَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَجُزءًا نَفَقَةً لِأَهْلِهِ، فَمَا فَضُلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَراءِ الْمُهَاجِرِينَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٦٧]. ــ فيها عنوة، وفدك وهي قرية من قريات خيبر، وكان له نصف أرضها صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها كان خالصًا له. وقال النووي: وكذا كان ما وصى به مخبريق -بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون الباء وكسر الراء وسكون ياء بعدها آخره قاف- اليهودي، وكانت سبعة حوائط في بني النضير، وما أعطاه الأنصار من أرضهم وكان ملكًا له، وكذا ثلث أرض وادي القرى أخذه حين مصالحة أهلها، وكان كل هذا ملكًا لرسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم لا حق فيها لأحد غيره، ولكنه ﷺ كان لا يستأثر بها بل يُنْفِقُها على أهله وعلى المسلمين ومصالح العامة، وكل هذه صدقات يحرم التملك بعده، انتهى. وقوله: (فكانت حبسًا)، بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة بمعنى المحبوس المحفوظ، (لنوائبه) أي: لحوائجه. وقوله: (وأما فدك فكانت حبسًا لأبناء السبيل) أي: موقوفة لهم أو معدة لوقت حاجتهم إليها. وقوله: (بين فقراء المهاجرين) لاحتياجهم، أي: دون الأنصار، وروي في أموال بني النضير أنه قال ﷺ للأنصار: (إن شئتم أعطيتكم فيها وإن شئتم أعطيته المهاجرين، ويردون عليكم ما عندهم مما استأثرتموهم من الأموال)، قالت الأنصار: أعط المهاجرين ولا نسترد منهم ما استأثرناهم به، فَسُرّ رسول اللَّه ﷺ بهذه الكلمة ودعا لهم بالخير.

стр. 3985

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٠٦٣ - [٩] عَنِ الْمُغِيْرَةِ قَالَ: إِنَّ عمَرَ بْنَ عَبدِ العَزِيزِ جَمَعَ بَنِي مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ فَدَكُ فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا، وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرِ بَنِي هَاشِمِ، وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ، وَإِنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا فَأَبَى، فَكَانَتْ كَذَلِكَ فِي حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلَمَّا أَنْ وُلّيَ أَبُو بكرٍ عَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلَمَّا أَنْ وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَمِلَ فِيهَا بِمِثْلِ مَا عَمِلَا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، ثُمَّ أَقْطَعَهَا مَرْوَانُ، ثُمَّ صَارَتْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَأَيْتُ أَمْرًا مَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ لَيْسَ لِي بِحَقِّ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ. يَعْنِي: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٧٢]. ــ الفصل الثالث ٤٠٦٣ - [٩] (المغيرة) قوله: (أيمهم) الأيم بفتح الهمزة وتشديد التحتانية المكسورة: المرأة التي مات زوجها، وقد يطلق على الرجل أيضًا، والأول هو أكثر. وقوله: (ثم أقطعها) الإقطاع: أن يجعل السلطان أرضًا لمن يريد، قيل: كان ذلك في زمن عثمان. وقوله: (لعمر بن عبد العزيز) من وضع المظهر موضع المضمر. اعلم أن في قصة أموال بني النضير وقصة فدك وخيبر مما كان من أملاكه ﷺ وبقي بعده وجرى فيه ما جرى كلامًا طويلًا وخطبًا جليلًا، ونريد أن ننقل شيئًا منها، لشهرتها ودورانها على ألسنة الناس وإن انجرّ إلى التطويل كما فعلنا في أمثاله من المسائل

стр. 3986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الغريبة، واللَّه الموفق وهو يهدي السبيل. فنقول: ذكر في (صحيح البخاري) (١): قال: حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النصري -بفتح النون وسكون الصاد المهملة- أن عمر بن الخطاب ﵁ دعاه، فبينا أنا جالس إذ جاءه حاجبه يرفأ، -بفتح التحتانية وسكون الراء وفتح الفاء، والهمزة بعدها- فقال: هل لك في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد يستأذنون؟ فقال: نعم، فأدخلهم، فلبث قليلًا، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا، قال عباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان في الذي أفاء اللَّه على رسوله ﷺ من بني النضير، فاستب عليٌّ وعباسٌ، فقال الرهط: يا أمير المؤمنين! اقض بينهما، وأرِح أحدهما من الآخر. فقال: اتئدوا أنشدكم باللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: (لا نورث ما تركناه صدقة)؟ قالوا: قد قال ذلك، فأقبل عمر على عباس وعلي ﵃ فقال: أنشدكما باللَّه، هل تعلمان أن رسول اللَّه ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: نعم، قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن اللَّه كان خص رسوله ﷺ في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ -إلى قوله- ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فكانت هذه خالصة لرسول اللَّه ﷺ ، ثم واللَّه ما احتازها دونكم، ولا استأثرها عليكم، لقد أعطاكموها وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال منها، فكان رسول اللَّه ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم

стр. 3987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال اللَّه، فعمل ذلك رسول اللَّه ﷺ حياته، ثم توفي النبي ﷺ ، فقال أبو بكر: فأنا ولي رسول اللَّه ﷺ ، فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل رسول اللَّه ﷺ ، وأنتم حينئذٍ، فأقبل على عليٍّ وعباسٍ وقال: تذكران أن أبا بكر عمل فيه كما تقولان، واللَّه يعلم أنه فيه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى اللَّه أبا بكر، فقلت: أنا ولي رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر، فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيه بما عمل فيه رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر، واللَّه يعلم أني فيه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني كلاكما، وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع، فجئتني -يعني عباسًا- فقلت لكما: إن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا نورث ما تركنا صدقة). فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعته إليكما، على أن عليكما عهد اللَّه وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وما عملت فيه منذ وليت، وإلا فلا تكلماني، فقلتما: ادفعه إلينا بذلك، فدفعته إليكما، أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فواللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي بقضاء غير ذلك، حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنه فادفعا إلي فأنا أكفيكماه. قال -يعني الزهري-: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير، فقال: صدق مالك ابن أوس، أنا سمعت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، تقول: أرسل أزواج النبي ﷺ عثمان إلى أبي بكر، يسألنه ثمنهن مما أفاء اللَّه على رسوله ﷺ ، فكنت أنا أردهن، فقلت لهن: ألا تتقين اللَّه، ألم تعلمن أن النبي ﷺ كان يقول: (لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال)؟ فانتهى أزواج النبي ﷺ إلى ما أخبرتهن، قال -يعني عروة-: فكانت هذه الصدقة بيد علي، منعها عليٌّ عباسًا فغلبه عليها، ثم كان بيد حسن ابن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن حسين، وحسن بن حسن، كلاهما

стр. 3988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كانا يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسن، سلام اللَّه تعالى عليهم أجمعين، وهي صدقة رسول اللَّه ﷺ حقًّا. هذا حديث البخاري في (كتاب الغزوات) في قصة بني النضير، وفيه: عن عروة عن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال)، واللَّه لقرابة رسول اللَّه ﷺ أحبّ إلي أن أصل من أصل قرابتي. وذكر في (جامع الأصول) (١) الحديث المذكور من رواية البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي، وذكر من قول عمر ﵁: قال أبو بكر: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا نورث ما تركنا صدقة)، فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، واللَّه يعلم أنه لصادق بارّ تابع للحق، ثم توفي أبو بكر فقلت: وأنا ولي رسول اللَّه ﷺ وولي أبي بكر فرأيتماني كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، واللَّه يعلم أني لصادق بار تابع للحق. وقال أبو داود: إنما سألاه أن يصيره نصفين بينهما، لا أنهما جهلا في ذلك أن النبي ﷺ قال: (لا نورث ما تركنا صدقة)، فإنهما كانا لا يطلبان إلا الصواب، فقال عمر: لا أوقع عليه اسم القسم، أدعه على ما هو عليه. وفي رواية: وكان فيما احتج به عمر، فذكر مثل حديث الكتاب في آخر (الفصل الثاني)، وذكر بعد قوله: جعله بين فقراء المهاجرين: ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا رجلين، كانت بها حاجة، وذكر أنها كانت بيد زيد بن الحسن ثم كانت بيد عبد اللَّه بن الحسن، ثم وليها بنو العباس، وذكر عن أبي حديث المغيرة بن شعبة كما في (الفصل

стр. 3989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثالث) من الكتاب. وقال البخاري (١) في (كتاب الخمس) أيضًا: عن عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين أخبرته: أن فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ أن يقسم لها ميراثها ما ترك لها رسول اللَّه ﷺ مما أفاء اللَّه عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا نورث ما تركنا صدقة). فغضبت فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول اللَّه ﷺ ستة أشهر، قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللَّه ﷺ من خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركًا شيئًا كان رسول اللَّه ﷺ يعمل به، إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس، وأما خيبر وفدك، فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول اللَّه ﷺ ، كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم. وذكر في (جامع الأصول) (٢) هذا الحديث من حديث البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي عن عائشة، وزاد لمسلم بعد قوله: (ستة أشهر): (إلا ليالي)، وقبل (لست تاركًا): (لست بالذي أقسم من ذلك شيئًا)، وفيه: وإني لا أغير شيئًا من صدقة رسول اللَّه ﷺ عن حالتها التي كانت عليها في عهد رسول اللَّه ﷺ ، وفي رواية بعد قوله: وإنما يأكل آل محمد من هذا المال، يعني: مال اللَّه ليس لهم أن يزيدوا على الأكل.

стр. 3990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأخرج في (باب ميراث النبي ﷺ ) للترمذي (١) عن أبي هريرة قالت: جاءت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: من يرثك؟ فقال: أهلي وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (لا نورث)، ولكني أعول من كان رسول اللَّه ﷺ يعول، وأنفق على من كان رسول اللَّه ﷺ ينفق عليه. وأخرج لأبي داود عن أبي الطفيل قال: جاءت فاطمة تطلب ميراثها إلى أبي بكر فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إذا أطعم اللَّه نبيًا طعمة فهي للذي يقوم من بعده). وأخرج للبخاري ومسلم والموطأ وأبي داود عن عائشة أن أزواج النبي ﷺ حين توفي رسول اللَّه ﷺ أردن أن يبعثن إلى أبي بكر يسألن عن ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول اللَّه ﷺ : (لا نورث ما تركناه صدقة)؟ (٢). وفي رواية لأبي داود: ألا تتقين اللَّه ألم تسمعن رسول اللَّه ﷺ يقول: (لا نورث ما تركنا فهو صدقة، وإنما هذا المال لآل محمد فإذا مت فهو إلى من ولي الأمر من بعدي)؟ (٣). هذه روايات هذا الباب في الكتب، ولها طرق متعددة تركناها اكتفاء بما ذكر، والذي يظهر منها أن حديث: (لا نورث ما تركنا صدقة)، وكون أملاكه ﷺ مشتركًا

стр. 3991

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بين المسلمين ومصالحهم، وأن أمره إلى من يلي أمره بعد، متفق عليه بين الصحابة حتى العباس وعلي وليس مخصوصًا روايته بأبي بكر الصديق، لكنه يشكل هنا أنه إن كان الدفع إلى علي وعباس صوابًا فلم لم يدفعها عمر إليهما أولًا؟ وإلا فلم دفعها آخرًا؟ قالوا: منع أولًا على الوجه الذي كانا يطلبانه من التملك، وثانيًا أعطاهما على وجه التصرف فيها كما تصرف رسول اللَّه ﷺ . قال الخطابي: وهذه القضية مشكلة جدًا، وذلك أنهما إذا كانا قد أخذا هذه الصدقة من عمر على الشريطة التي شرطها عليهم، وقد اعترفا بأنه قد قال ﷺ : (ما تركنا صدقة)، وقد شهد المهاجرون بذلك، فما الذي بدا لهما بعد حتى تخاصما، والمعنى في ذلك أنه قد شق عليهما الشركة، وطلبا أن يقسم بينهما ليستبد كل واحد منهما بالتدبير والتصرف فيما يصير إليه، فمنعهما عمر القسم لئلا يجري عليه اسم الملك؛ لأن القسم إنما يقع في الأملاك، ويتطاول الزمان يظن به الملكية، وأشكل من هذا قضية سيدتنا فاطمة ﵂، فإنا لو قلنا: كانت جاهلة بهذه السنة فذاك بعيد، وإن التزمنا ذلك بأنه لا بعد في أنه لم يتفق لها سماع ذلك الحديث فيشكل أنها بعد سماع الحديث عن أبي بكر وشهادة الصحابة بذلك كيف غضبت؟ ولو كان الغضب قبل سماع الحديث كيف لم ترجع عن غضبها حتى امتد، ولم تزل مهاجرة أبي بكر؟ قال الكرماني في شرح (صحيح البخاري) (١): أما غضب فاطمة فهو أمر حصل على مقتضى البشرية وسكن بعد ذلك، وأما هجرانها فمعناه انقباضها عن لقائه لا الهجران المحرم من ترك السلام ونحوه، انتهى، وقد جاء في الأخبار أنه لم يحضر أبو بكر

стр. 3992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جنازة فاطمة ﵂ ولم يصل إليها (١)، فقيل: إنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر، قالوا: وهذا غلط وافتراء، وكيف توصي ﵂ بذلك مع أن الأحق بالإمامة هو السلطان، ولهذا ترك الحسين ﵁ مروان أن يصلي على الحسن ﵁، وقال: لولا حكم الشريعة ما تركتك تصلي عليه، وقيل: كانت وفاة فاطمة ﵂ في الليل فلم يعلم بها أبو بكر ﵁، وهذا أيضًا بعيد؛ لأن أسماء بنت عميس كانت حينئذٍ تحت أبي بكر، وهي التي تولت غسل الزهراء وتجهيزها، ويبعد أن تحضر زوجته ولا يحصل له الوقوف عليه. ومما يصرح بعلم أبي بكر بوفاة فاطمة ﵂ ما روي أنها قالت: أستحيي أن يخرجوني بعد وفاتي بحضرة الرجال من غير ستر، وكانوا يخرجون النساء كما يخرجون الرجال، فقالت أسماء بنت عميس -وفي رواية: أم سلمة ﵂: رأينا في الحبشة يعملون من جرائد النخل نعشًا مثل الهودج نعمله لك، فعملت عندها على مثال ذلك، فرأته الزهراء ورضيت بها وتبسمت سرورًا بذلك، وما رآها أحد بعد وفاة النبي ﷺ تبسمُ حزنًا، فأوصت إلى أسماء أن تكوني متولية لأمري في الغسل والتجهيز، وعلي معك، ولا تتركي أحدًا يدخل عليَّ معك، فلما توفيت ﵂ جاءت عائشة ﵂ تريد الدخول، فمنعتها أسماء، فاشتكت عائشة إلى أبيها وقالت: ما لهذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول اللَّه ﷺ ، وتمنعني من الدخول عليها، وعملت لجنازتها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر على باب دار فاطمة وقام وقال: يا أسماء لم منعت أزواج النبي من الدخول على بنته ﷺ ؟ وأيّ شيء عملت لها مثل هودج العروس؟ فقالت أسماء: هي أمرتني أن لا أترك أحدًا يدخل عليها بعد وفاتها، والذي عملت فهو بإذنها وأريتها

стр. 3993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إياه فرضيت به وسرت، فقال أبو بكر: افعلي ما أوصتك به ولا بأس. فهذا صريح في علم أبي بكر بوفاتها، وقيل: يحتمل أن أبا بكر قد علم ذلك وقصد حضور جنازتها، ولكن لما كتم أمرها علي وأخفاه، ولم يندب إلى أبي بكر أحدًا علم أن له في الإخفاء مصلحة، فلم يرض أبو بكر أن يجري على خلاف رضاه ومصلحته. وقال الشيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني (١): يحتمل أن أبا بكر انتظر أن يطلبه علي ﵁ فيحضر، وظن علي ﵁ أنه يجيء بلا طلب، فمضى الوقت وكان ليلًا، هكذا ذكر السمهودي في (تاريخ المدينة)، وجاء في بعض الروايات أنه لما وقع بين أبي بكر وفاطمة ﵂ ما وقع ذهب أبو بكر إليها، وقام على بابها في حر الشمس واعتذر إليها، وقال: واللَّه إن قرابة رسول اللَّه ﷺ أحب وأولى إليّ من قرابتي، ولكني سمعت رسول اللَّه ﷺ . . . هذا الحديث، والصحابة شاهدون على ذلك، فرضيت فاطمة عنه ﵁ والحمد للَّه، وقد تذكر روايات في صلاة أبي بكر وإمامته، وعبد الرحمن ابن عوف وغيره من الصحابة معه واللَّه أعلم، وينقل في هذه القصة حكايات لا تعويل عليها، والظاهر أنها مفتريات، واللَّه أعلم بحقيقة الحال. تم (كتاب الجهاد) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الصيد والذبائح). * * *

стр. 3994

(٢٠) كتاب الصيد والذبائح

стр. 3995

(٢٠) كتاب الصيد والذبائح . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٠ - كتاب الصيد والذبائح (الصيد) في الأصل مصدر صاد يصيد ويصاد صيدًا فهو صائد، ثم أطلق على ما يصاد تسمية للمفعول بالمصدر، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]، والصيد ما كان ممتنعًا حلالًا لا مالك له، والأصوب قول بعضهم: ما كان متوحشًا طبعًا غير المقدور عليه مأكولًا نوعه، وهو مباح لغير المحرم في غير الحرم، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، وورد فيه السنة، وانعقد عليه الإجماع. وفي "رسالة ابن أبي زيد" (١) في مذهب مالك: أنه يكره الصيد للهو، والصيد لغير اللهو مباح، ولم يثبت أن النبي ﷺ اصطاد بنفسه وقد قرره، واللَّه أعلم. و(الذبائح) جمع ذبيحة، وهو اسم لما يذبح كالذبح بالكسر، والذبح مصدر ذبح: إذا قطع الأوداج، وفي الأصل بمعنى الشق والفتق.
следующие страницы →