. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بين المسلمين ومصالحهم، وأن أمره إلى من يلي أمره بعد، متفق عليه بين الصحابة حتى العباس وعلي وليس مخصوصًا روايته بأبي بكر الصديق، لكنه يشكل هنا أنه إن كان الدفع إلى علي وعباس صوابًا فلم لم يدفعها عمر إليهما أولًا؟ وإلا فلم دفعها آخرًا؟ قالوا: منع أولًا على الوجه الذي كانا يطلبانه من التملك، وثانيًا أعطاهما على وجه التصرف فيها كما تصرف رسول اللَّه ﷺ .
قال الخطابي: وهذه القضية مشكلة جدًا، وذلك أنهما إذا كانا قد أخذا هذه الصدقة من عمر على الشريطة التي شرطها عليهم، وقد اعترفا بأنه قد قال ﷺ : (ما تركنا صدقة)، وقد شهد المهاجرون بذلك، فما الذي بدا لهما بعد حتى تخاصما، والمعنى في ذلك أنه قد شق عليهما الشركة، وطلبا أن يقسم بينهما ليستبد كل واحد منهما بالتدبير والتصرف فيما يصير إليه، فمنعهما عمر القسم لئلا يجري عليه اسم الملك؛ لأن القسم إنما يقع في الأملاك، ويتطاول الزمان يظن به الملكية، وأشكل من هذا قضية سيدتنا فاطمة ﵂، فإنا لو قلنا: كانت جاهلة بهذه السنة فذاك بعيد، وإن التزمنا ذلك بأنه لا بعد في أنه لم يتفق لها سماع ذلك الحديث فيشكل أنها بعد سماع الحديث عن أبي بكر وشهادة الصحابة بذلك كيف غضبت؟ ولو كان الغضب قبل سماع الحديث كيف لم ترجع عن غضبها حتى امتد، ولم تزل مهاجرة أبي بكر؟
قال الكرماني في شرح (صحيح البخاري) (١): أما غضب فاطمة فهو أمر حصل على مقتضى البشرية وسكن بعد ذلك، وأما هجرانها فمعناه انقباضها عن لقائه لا الهجران المحرم من ترك السلام ونحوه، انتهى، وقد جاء في الأخبار أنه لم يحضر أبو بكر
стр. 3992
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جنازة فاطمة ﵂ ولم يصل إليها (١)، فقيل: إنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر، قالوا: وهذا غلط وافتراء، وكيف توصي ﵂ بذلك مع أن الأحق بالإمامة هو السلطان، ولهذا ترك الحسين ﵁ مروان أن يصلي على الحسن ﵁، وقال: لولا حكم الشريعة ما تركتك تصلي عليه، وقيل: كانت وفاة فاطمة ﵂ في الليل فلم يعلم بها أبو بكر ﵁، وهذا أيضًا بعيد؛ لأن أسماء بنت عميس كانت حينئذٍ تحت أبي بكر، وهي التي تولت غسل الزهراء وتجهيزها، ويبعد أن تحضر زوجته ولا يحصل له الوقوف عليه.
ومما يصرح بعلم أبي بكر بوفاة فاطمة ﵂ ما روي أنها قالت: أستحيي أن يخرجوني بعد وفاتي بحضرة الرجال من غير ستر، وكانوا يخرجون النساء كما يخرجون الرجال، فقالت أسماء بنت عميس -وفي رواية: أم سلمة ﵂: رأينا في الحبشة يعملون من جرائد النخل نعشًا مثل الهودج نعمله لك، فعملت عندها على مثال ذلك، فرأته الزهراء ورضيت بها وتبسمت سرورًا بذلك، وما رآها أحد بعد وفاة النبي ﷺ تبسمُ حزنًا، فأوصت إلى أسماء أن تكوني متولية لأمري في الغسل والتجهيز، وعلي معك، ولا تتركي أحدًا يدخل عليَّ معك، فلما توفيت ﵂ جاءت عائشة ﵂ تريد الدخول، فمنعتها أسماء، فاشتكت عائشة إلى أبيها وقالت: ما لهذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول اللَّه ﷺ ، وتمنعني من الدخول عليها، وعملت لجنازتها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر على باب دار فاطمة وقام وقال: يا أسماء لم منعت أزواج النبي من الدخول على بنته ﷺ ؟ وأيّ شيء عملت لها مثل هودج العروس؟ فقالت أسماء: هي أمرتني أن لا أترك أحدًا يدخل عليها بعد وفاتها، والذي عملت فهو بإذنها وأريتها
стр. 3993
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إياه فرضيت به وسرت، فقال أبو بكر: افعلي ما أوصتك به ولا بأس.
فهذا صريح في علم أبي بكر بوفاتها، وقيل: يحتمل أن أبا بكر قد علم ذلك وقصد حضور جنازتها، ولكن لما كتم أمرها علي وأخفاه، ولم يندب إلى أبي بكر أحدًا علم أن له في الإخفاء مصلحة، فلم يرض أبو بكر أن يجري على خلاف رضاه ومصلحته.
وقال الشيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني (١): يحتمل أن أبا بكر انتظر أن يطلبه علي ﵁ فيحضر، وظن علي ﵁ أنه يجيء بلا طلب، فمضى الوقت وكان ليلًا، هكذا ذكر السمهودي في (تاريخ المدينة)، وجاء في بعض الروايات أنه لما وقع بين أبي بكر وفاطمة ﵂ ما وقع ذهب أبو بكر إليها، وقام على بابها في حر الشمس واعتذر إليها، وقال: واللَّه إن قرابة رسول اللَّه ﷺ أحب وأولى إليّ من قرابتي، ولكني سمعت رسول اللَّه ﷺ . . . هذا الحديث، والصحابة شاهدون على ذلك، فرضيت فاطمة عنه ﵁ والحمد للَّه، وقد تذكر روايات في صلاة أبي بكر وإمامته، وعبد الرحمن ابن عوف وغيره من الصحابة معه واللَّه أعلم، وينقل في هذه القصة حكايات لا تعويل عليها، والظاهر أنها مفتريات، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.
تم (كتاب الجهاد) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الصيد والذبائح).
* * *
стр. 3994
(٢٠) كتاب الصيد والذبائح
стр. 3995
(٢٠) كتاب الصيد والذبائح
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٠ - كتاب الصيد والذبائح
(الصيد) في الأصل مصدر صاد يصيد ويصاد صيدًا فهو صائد، ثم أطلق على ما يصاد تسمية للمفعول بالمصدر، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]، والصيد ما كان ممتنعًا حلالًا لا مالك له، والأصوب قول بعضهم: ما كان متوحشًا طبعًا غير المقدور عليه مأكولًا نوعه، وهو مباح لغير المحرم في غير الحرم، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، وورد فيه السنة، وانعقد عليه الإجماع.
وفي "رسالة ابن أبي زيد" (١) في مذهب مالك: أنه يكره الصيد للهو، والصيد لغير اللهو مباح، ولم يثبت أن النبي ﷺ اصطاد بنفسه وقد قرره، واللَّه أعلم.
و(الذبائح) جمع ذبيحة، وهو اسم لما يذبح كالذبح بالكسر، والذبح مصدر ذبح: إذا قطع الأوداج، وفي الأصل بمعنى الشق والفتق.
стр. 3996
* الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٠٦٤ - [١] عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْركْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ،
ــ
الفصل الأول
٤٠٦٤ - [١] (عدي بن حاتم) قوله: (إذا أرسلت كلبك) الإرسال من جهة الصائد شرط حتى لو خرج الكلب بنفسه فأخذ صيدًا وقتله لم يحل.
وقوله: (فاذكر اسم اللَّه) فيه أن التسمية شرط حالة إرسال الجارحة كما في الذبيحة حالة الذبح، ثم اختلفت أقوال الأئمة في اشتراط التسمية في الذبح، فعندنا لا يجوز أكل متروك التسمية عامدًا، وعند الشافعي يجوز.
قالوا: وهذا القول من الشافعي مخالف لكتاب اللَّه ولإجماع الصحابة، فإنه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامدًا، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيًا، ومذهب مالك كمذهبنا أنه يجوز الأكل لو ترك التسمية ناسيًا، وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل، وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد، كذا في (رسالة ابن أبي زيد) في مذهب مالك، وكذلك مذهب أحمد في الذبيحة، واختلفت الروايات عنه في الصيد، ففي رواية: لو ترك التسمية على الصيد عامدًا أو ساهيًا لم يؤكل، وهو المختار في مذهبهم، وفي رواية: لا تشترط التسمية مطلقًا اكتفاء بذكر القلب وإنما تسن.
وفي رواية: تشترط، وفي أخرى: حكمه حكم الذبيحة، ويروى عن مالك أنه لا يجوز أكل متروك التسمية عامدًا أو ناسيًا.
ومن لطائف ما وقع بين بعض علمائنا وعلماء الشافعية أن الشافعية قالوا: قال
стр. 3997
فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَ. وَإِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا (١) فَلَمْ تَجدْ فِيهِ إِلَّا أثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءَ فَلَا تَأْكُلْ". مُتَّفَق عَلَيهِ. [خ: ٥٤٨٣، ٥٤٨٤، م: ١٩٢٩].
٤٠٦٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ قَالَ: "كُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ" قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: "وَإِنْ قَتَلْنَ" قُلْتُ: إِنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ. . . . .
ــ
أبو حنيفة: يجوز النكاح بلا ولي خلافًا للنبي ﷺ ، فقالت الحنفية: قال الشافعي: يجوز أكل متروك التسمية عامدًا خلافًا للَّه .
وقوله: (فإن أمسك) أي: الكلب الصيد، أي: حبسه لك.
وقوله: (وإن كل فلا تأكل) فإن ذلك علامة عدم التعليم، وتعليم الكلب أن يترك الأكل ثلاث مرات.
وقوله: (يومًا) ليس قيدًا احترازيًا.
٤٠٦٥ - [٢] (وعنه) قوله: (إنا نرمي بالمعراض) بالكسر: سهم لا ريش له، وأكثر ما يصيب ذلك بعرض عوده، فإن كان كذلك لم يؤكل؛ لأنه لا بدّ من الجرح ليتحقق معنى الذكاة.
стр. 3998
قَالَ: "كُلْ مَا خَزَقَ، وَمَا أصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧٧، م: ١٩٢٩].
٤٠٦٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكَلُ فِي آنِيتِهِمْ، وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّم، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: "أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ. . . . .
ــ
وقوله: (كل ما خزق) بالخاء والزاي المعجمتين آخره قاف أي: جرح ونفذ، والوقيذ بالقاف والذال المعجمة: الموقوذ الذي يقتل بغير محدد من عصا أو حجر، كذا في (مجمع البحار) (١). وفي (القاموس) (٢): الوقذ: شدة الضرب، وشاة وقيذ وموقوذة: قتلت بالخشب، ذكره في الذال المعجمة.
٤٠٦٦ - [٣] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (أفنأكل) استفهام وسؤال عن جواز الأكل (في آنيتهم) لقوله: (فما يصلح لي)، وقال الطيبي (٣): الهمزة يجوز أن تكون مقحمة لأن الكلام سيق للاستخبار.
وقوله: (فنأكل) معطوف على ما قبل الهمزة وأن يكون على معناها فيقدر معطوف عليه بعدها، أي: أتأذن فنأكل، انتهى. لا يدرى وجه هذا الترديد والاحتمال مع ظهور الحقيقة فيتعين الحمل عليها، وما ذكر في توجيه الإقحام لا يخلو عن خفاء، فتأمل.
وقوله: (أصيد بقوسي) أي: بالرمي.
стр. 3999
فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجدُوا فَاْغسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧٨، م: ١٩٣٠].
٤٠٦٧ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْركْتَهُ. . . . .
ــ
وقوله: (فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها) ظاهره أنه لا تستعمل آنيتهم بعد الغسل إذا وجد غيرها، وقال الفقهاء: يجوز بعد الغسل، قال البرماوي: ويحمل الحديث على الأواني التي يطبخون فيها لحوم الخنازير ويشربون فيها الخمور، وقول الفقهاء على الأواني التي ليست مستعملة في النجاسات غالبًا، وقال: ذكره أبو داود في (سننه) (١) صريحًا، وفي الحواشي (٢): إنما أمر رسول اللَّه ﷺ بغسل إناء الكفار فيما إذا تيقن نجاسته وما لا فكراهته كراهة تنزيه.
وقوله: (وما صدت) بكسر الصاد على وزن بعت وخفت.
وقوله: (بكلبك غير معلم) صحح بالنصب وبالجر، فالنصب على الحالية، والجر على البدلية بدل اشتمال.
وقوله: (فأدركت ذكاته) بالذال، أي: أدركته حيًّا فذبحته.
٤٠٦٧ - [٤] (وعنه) قوله: (فغاب عنك) فلم تجد فيه إلا أثر سهمك كما مرّ في حديث عدي.
стр. 4000
فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٣١].
٤٠٦٨ - [٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ: "فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٣١].
٤٠٦٩ - [٦] وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ، يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي أَيَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: "اذْكُرُوا أَنْتُمْ اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا". . . . .
ــ
وقوله: (ما لم ينتن) الرواية المشهورة بضم الياء وكسر التاء من أنتن: إذا صار ذا نتن، وقد يروى بفتح الياء أيضًا من نتن بمعنى أنتن.
وقوله: (والنتن) ضد الفوح، ونتن ككرم وضرب نتانة فهو نتن، وأنتن فهو منتن، وهذا على طريق الاستحباب وإلا فالنتن لا يوجب الحرمة، وقد روي أنه ﷺ أكل [ودكًا] متغير الريح، كذا في الحواشي (١)، ولعله أكل تعليمًا للجواز.
٤٠٦٨ - [٥] (وعنه) قوله: (يدرك صيده بعد ثلاث) التقييد بثلاث للمبالغة، والمعتبر عدم النتن، وبهذا يعلم أن التقييد بيوم في حديث عدي كان اتفاقيًا.
٤٠٦٩ - [٦] (عائشة) قوله: (حديث عهدهم) بالإضافة أو بتنوين (حديث) ورفع (عهدهم)، وهذا أظهر، و (لحمان) بضم اللام وسكون الحاء: جمع لحم بالسكون وبحرك.
وقوله: (اذكروا أنتم اسم اللَّه وكلوا) نقل عن ابن ملك في (شرح المشارق): ليس معناه أن تسميتكم الآن تنوب عن تسمية المذكي، بل فيه بيان أن التسمية مستحبة عند الاكل وأن ما لم تعرفوا أَذُكِرَ اسم اللَّه عليه عند ذبحه يصح أكله إذا كان الذابح ممن
стр. 4001
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٠٧].
٤٠٧٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ: هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ إِلَّا مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا، فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً فِيهَا: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الأَرْضِ"، وَفِي رِوَايَةٍ: "مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ،
ــ
يصح أكل ذبيحته حملًا لحال المسلم على الصلاح، انتهى.
وقد تمسك بهذا الحديث من لم يجعل التسمية شرطًا، وبالجملة ليست التسمية الآن قائمة مقام التسمية حال الذبح، وليست كالتسمية في وسط الأكل عند النسيان في ابتدائهم، فافهم.
٤٠٧٠ - [٧] (أبو الطفيل) قوله: (ما في قراب سيفي) قراب السيف بالكسر: جفنه وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده وحمالته، كذا في (الصحاح) (١).
وقوله: (من ذبح لغير اللَّه) كالمشركين يذبحون للأصنام، وقد يتمسك به بعض من يجوّز أكل متروك التسمية عامدًا في تأويله لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] بأن المراد ما يذكر اسم غير اللَّه عليه.
وقوله: (من سرق منار الأرض) جمع منارة وهي علامة الأراضي التي تتميز بها حدودها، أي: يريد استباحة ما ليس له من حق الجار، أي: رفعها وقطع شيئًا من أرض إلى أرضه، كذا قالوا، ويحتمل أن يكون المراد غير منار الأرض ورفعها وطمس علامات الطرق ونصبها ليضل الناس الطريق فيقطع، والرواية الأخرى أوفق بهذا المعنى، والأول بالأول، واللَّه أعلم.
стр. 4002
وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٧٨].
٤٠٧١ - [٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ. . . . .
ــ
وقوله: (من لعن والده) فإنه من جملة الإيذاء والعقوق، ويمكن أن يكون كناية عن لعن والد الغير فيلعن والده كما جاء في حديث النهي عن شتم الوالد بهذا المعنى، واللَّه أعلم.
وقوله: (من آوى محدثًا) روي بمد الألف ويجوز القصر، والحدث: الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة، والمحدث بكسر الدال، والمعنى من نصر جانبًا وأجاره من خصمه، ويدخل فيه الحامي على الإسلام بإحداث بدعة إذا حماه عن التعرض له والأخذ بيده والذب عنه، وقد يفتح الدال وهو الأمر المبتدع، وإيواؤه الرضا به، والصبر عليه، وتقرير فاعله، كذا في (مجمع البحار) (١). واللعن يشمل لعن الكفر والفسق وهو البعد عن مقام الزلفى، وإطلاق اللعن بهذا المعنى كثير في الأحاديث، وفيه خلاص عن كثير من المحذورات.
٤٠٧١ - [٨] (رافع بن خديج) قوله: (ليست معنا مدى) بضم الميم جمع مدية مثلثة: الشفرة، وهي السكين العظيم.
وقوله: (ما أنهر الدم) أي: أظهره وأساله، ونهر النهر كمنع: أجراه، كذا في (القاموس) (٢).
стр. 4003
فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْهُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشِ". . . . .
ــ
وقوله: (فكل) أي: يجوز أكل ما ذبح بما أنهر الدم سواء كان بالسكين أو بغيره، وهذا متفق عليه بين العلماء.
وقوله: (ليس السن والظفر) بالنصب على الاستثناء، نحو جاءني القوم ليس زيدًا، وهذا على الإطلاق عند الأئمة، وعند أبي حنيفة: لا يجوز الذبح بالسن القائم والظفر القائم، ويجوز بالظفر والقرن والسن إذا كان منزوعًا حتى لا يكون بأكله بأس إلا أنه يكره هذا الذبح، وحجتهم هذا الحديث، ولنا قوله ﷺ : (أنهر الدم بما شئت) ويروى: (أفر الأوداج بما شئت)، وما رواه محمول على غير المنزوع فإن الحبشة كانوا يفعلون كذلك، ولأنه آلة جارحة فيحصل به ما هو المقصود، وهو إخراج الدم، فصار كالحجر والحديد، بخلاف غير المنزوع فإنه يقتل بالثقل، فيكون في معنى المنخنقة، وإنما يكره لأن فيه استعمال جزء الآدمي، ولأن فيه إعسارًا على الحيوان، وقد أمرنا فيه بالإحسان، كذا في (الهداية) (١).
وقوله: (وأما السن فعظم) أي: وكل عظم لا يحل به الذبح، اكتفى في الحديث في تعليل عدم جواز الذبح بالسن بأنه عظم، ونقل السيوطي عن ابن الصلاح: لم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذبح بالعظم معنى يعقل، وكذا قال ابن عبد السلام، وعلله النووي بأن العظم يتنجس بالدم إذا ذبح به، وقد نهي عن تنجيسه لأنه زاد إخوانكم من الجن.
وقوله: (وأما الظفر) في (القاموس) (٢): الظفر بالضم وبضمتين وبالكسر شاذ،
стр. 4004
وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٠٩، م: ١٩٦٨].
ــ
يكون للإنسان وغيره كالأظفور، وقول الجوهري: جمعه أظفور غلط، وإنما هو واحد، والجمع أظفار وأظافير، و (الحبش) (١) بضم الحاء وسكون الباء: جمع حبش، ومعنى التعليل أن في الذبح بالظفر تشبه بهم في فعلهم الشنيع الذي يخص بهم وهم كفار نصارى.
وقوله: (وأصبنا) هو أيضًا مروي عن رافع، ومقوله غير داخل تحت (قلت)، بل عطف عليه، كذا قال الطيبي (٢)، فتأمل.
وقوله: (فند منها بعير) ند البعير يند ندًّا وندودًا وندادًا: شرد ونفر.
وقوله: (إن لهذه الأوابد) اللام بمعنى من، أي: من هذا الجنس من الحيوانات، أوابد جمع آبدة بمعنى المتوحشة، وأبد كفرح: توحش.
وقوله: (فإذا غلبكم منها شيء) أي: نفر كالصيد الوحشي (فافعلوا به هكذا) أي: ارموه بسهم ونحوه، فإن ذكاته اضطرارية كالصيد، وكذا الحكم إذا وقع البعير ونحوه في البئر مثلًا، فالذكاة قسمان؛ اختياري: وهو بالجرح فيما بين اللبة واللبتين،
стр. 4005
٤٠٧٢ - [٩] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ غَنَمٌ تُرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لنا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٠٤].
٤٠٧٣ - [١٠] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ﵎ (١) كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَاحْسِنُوا الذَّبْحَ،
ــ
واضطرارية: وهو بالجرح في أيّ موضع كان، وقال في (الهداية) (٢): قال مالك: لا يحل بذكاة الاضطرار في الوجهين لأن ذلك نادر، ونحن نقول: المعتبر حقيقة العجز وقد تحقق فيصار إلى البدل، كيف وأنا لا نسلم الندرة بل هو غالب.
٤٠٧٢ - [٩] (كعب بن مالك) قوله: (بسلع) بفتح السين وسكون اللام: جبلٌ في الجانب الغربي من المدينة إلى جانب المساجد الأربعة، وعنده كان حفر الخندق وغزوته.
وقوله: (موتًا) أي: أثر موت، وهو مفعول (أبصرت).
٤٠٧٣ - [١٠] (شداد بن أوس) قوله: (كتب الإحسان) أي: أمركم بالإحسان أمر استحباب متأكد كالوجوب.
وقوله: (على كل شيء) (على) بمعنى في، وقيل: ضمن الإحسان معنى التفضل، فعدي بـ (على)، و (القتلة) بكسر القاف للهيئة، والإحسان فيها أن يحدّ السيف ولا يعذب، و (الذبح) بفتح الذال، وقد يروى الذبحة كالقتلة.
стр. 4006
وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٥٥].
٤٠٧٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥١٤، م: ١٩٥٩].
٤٠٧٥ - [١٢] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥١٥، م: ١٩٥٨].
٤٠٧٦ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٥٧].
ــ
وقوله: (وليحد) من الإحداد، و (الشفرة) بفتح الشين: السكين العظيم، وهو أيضًا يتضمن الإحسان بالنسبة إلى الذبح بالسكين الصغير.
وقوله: (وليرح) من الإراحة، أي: يتركه حتى يستريح ويبرد، ومن جملة الإحسان أن لا يستحد الشفرة برؤية الذبيحة، ولا يذبح واحدة بحضرة الأخرى إن أمكن، وأن لا يجر ما يريد ذبحه برجله إلى المذبح.
٤٠٧٤ - [١١] (ابن عمر) قوله: (أن تصبر بهيمة) في (القاموس) (١): البهيمة: كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، وأصل الصبر الحبس، والمعنى: تحبس وتحفظ للقتل بلا أكل وشرب، أو معناه يمسك الحيوان ويجعل هدفًا يرمى إليه حتى يموت كما في الحديثين الآتيين.
٤٠٧٥ - [١٢] (وعنه) قوله: (لعن) يدل على أن النهي للتحريم. و (الغرض) بمعجمتين محركة: الهدف.
٤٠٧٦ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (لا تتخذوا) ووجه النهي أن فيه تضييقًا
стр. 4007
٤٠٧٧ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَنِ الْوَسْم فِي الْوَجْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١١٦].
٤٠٧٨ - [١٥] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ وَقَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١١٧].
ــ
وإتلافًا، وإن لم تمت فتذكى ففيه تعذيب.
٤٠٧٧ - [١٤] (جابر) قوله: (عن الضرب في الوجه) باللطم أو بالسوط في وجه الآدمي أو غيره، والوسم: أثر الكيِّ، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مختصر النهاية) (٢): الوسم: الكيّ، وفي (الصراح) (٣): وسم سمة: نشان كردن وداغ كردن.
٤٠٧٨ - [١٥] (وعنه) قوله: (وقد وسم في وجهه) اعلم أن الوسم في الوجه منهي بالإجماع سواء كان في الآدمي أو في الحيوانات، وأما في غير الوجه فيستحب في نعم الزكاة والجزية، وجائز في غيرها، والمقصود منه التميز، وأما في الآدمي فقد جاءت الأخبار والآثار فيه مختلفة، أما قولًا فبعضها يدل على عدم كونه محبوبًا، وبعضها يدل على المدح على تركه، وبعضها يدل على النهي عنه، وأما فعلًا فقد دل على جوازه أنه روي ﷺ أنه أرسل طبيبًا على أبي بن كعب فصده ثم كواه، ولما جرح سعد ابن معاذ في أكحله أذن له في الكي، فلما تورم كواه مرة أخرى، وكذلك كوى جابرًا وأسعد بن زرارة، قالوا: فالنهي محمول على أن يكون على سبيل الاختيار من غير ضرورة واحتياج إليه، وإن كان لحدوث مرض أو برء عنه جاز وإلا فلا، كذا ذكر الشيخ
стр. 4008
٤٠٧٩ - [١٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنكِّهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٠٢، م: ٢١١٩].
٤٠٨٠ - [١٧] وَعَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي مِرْبَدٍ. . . . .
ــ
مجد الدين في كتاب (سفر السعادة) (١).
وقالوا: إن الكي من الأسباب الوهمية التي مباشرتها قادح في التوكل بخلاف العلاج بأدوية أخرى فإنها ظنية، وإن حصل الظن الغالب هنا أيضًا جاز، والمختار أنه مكروه كراهة تحريم إلا عند حصول الظن الغالب بقول طبيب حاذق: إنه ينحصر العلاج فيه، وباقي الكلام في (شرح سفر السعادة) (٢).
٤٠٧٩ - [١٦] (أنس) قوله: (بعبد اللَّه بن أبي طلحة) هو أخو أنس بن مالك من أمه.
وقوله: (ليحنكه) التحنيك: أن يمضغ تمرًا أو غيره من الشيء الحلو ويدلك داخل حنك المولود، وهو سنة.
وقوله: (فوافيته) أي: وجدته، و (الميسم) الآلة من الحديدة التي يكوى بها.
٤٠٨٠ - [١٧] (هشام بن زيد) قوله: (في مربد) بكسر الميم وسكون الراء المهملة وفتح الموحدة: موضع يحبس النعم، والربد في الأصل الحبس، ربد ربودًا: أقام وحبس.
стр. 4009
فَرَأَيْتُهُ يَسِمُ شَاءً حَسِبْتُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٤٢، م: ٢١١٩].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٠٨١ - [١٨] عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ أَحَدَنَا أَصَابَ صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ، أَيَذْبَحُ بِالمَرْوَةِ وَشِقَّةِ الْعَصَا؟ قَالَ: "أَمْرِرِ الدَّمَ بِمَ شِئْتَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٨٢٤، ن: ٤٣٠٤].
ــ
وقوله: (يسم شيئًا) أي: من الأنعام، وفي بعض النسخ: (شاء) جمع شاة، وهذا أظهر بحسب المعنى.
وقوله: (حسبته) قول الراوي عن أنس يقول: ظننت أنسًا قال: (في آذانها) وهو بدل من (شاء) بدل البعض، وعلى رواية: (شيئًا) معناه: في شيء ظرف يسم، وعلى هذا أيضًا بدل، وهو مختار الطيبي (١)، واللَّه أعلم.
الفصل الثاني
٤٠٨١ - [١٨] (عدي بن حاتم) قوله: (أيذبح بالمروة) المروة حجارة بيض براقة واحدها مروة، وبهذا سمي بها جبل بمكة، و (شقة) بالكسر والتشديد، أي: قطعة تشق من العصا.
وقوله: (أمرر الدم) كذا في أكثر نسخ (المشكاة) برائين بغير إدغام، أمرٌ من الإمرار، ونقل عن صاحب (الجامع) (٢) أنه قال: كذا قرأنه في كتاب أبي داود، وكذلك في إحدى روايات النسائي.
стр. 4010
٤٠٨٢ - [١٩] وَعَنْ أَبِي العُشَراءِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ فَقَالَ: "لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لأَجْزَأَ عَنْكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا ذَكَاةُ الْمُتَرَدِّي، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا فِي الضَّرُورَةِ. [ت: ١٤٨١، د: ٢٨٢٥، ن: ٤٤٠٨، جه: ٣١٨٤، دي: ٢/ ٨٢].
٤٠٨٣ - [٢٠] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: . . . . .
ــ
وفي بعض النسخ: (امر) بكسر الهمزة وسكون الميم كارم، من مري الناقة يمريها: مسح ضرعها فأَمْرَتْ هي: [درَّ] لبنها، وقوّم التُّورِبِشْتِي (١) هذه الرواية، ثم نقل عن كثير من المحدثين أنهم يشددون الراء ويحركون الميم ظنًا منهم أنه من الإمرار، وحكم على الأول بأنه لحن منهم، وقد يروى (أمر) بفتح الهمزة وكسر الميم كأغث وأعن من أمار الدم: أساله، والمور: الموج، والجريان على وجه الأرض، كذا في (القاموس) (٢).
٤٠٨٢ - [١٩] (أبو العشراء) قوله: (أبي العشراء) بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة وبالمد، اسمه أسامة بن مالك.
وقوله: (واللبة) بفتح اللام وتشديد الباء: موضع القلادة من الصدر، كذا في (القاموس) (٣)، والمراد بـ (المتردي): الساقط في البئر، والضرورة أعم من ذلك.
٤٠٨٣ - [٢٠] (عدي بن حاتم) قوله: (وعن عدي بن حاتم) الحديث، وهذا
стр. 4011
"مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ، ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ". قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ: "إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨٥١].
٤٠٨٤ - [٢١] وَعَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرْمِي الصَّيْدَ فَأَجِدُ فِيهِ مِنَ الْغَدِ سَهْمِي قَالَ: "إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ فَكُلْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨٥٣].
٤٠٨٥ - [٢٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نُهِينَا عَنْ صَيْدِ كَلْبِ الْمَجُوسِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٦٦].
٤٠٨٦ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا أَهْلُ سَفَرٍ، نَمُرُّ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، فَلَا نَجِدُ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ، قَالَ: . . . . .
ــ
كحديثه في أول الباب لكنه أقام هنالك عدم الأكل ووجوده مقام التعليم وعدمه.
٤٠٨٤ - [٢١] (وعنه) قوله: (ولم تر فيه أثر سبع) وهذا أيضًا كحديث عدي في أول الباب لكن قال هناك: (فلم تجد إلا أثر سهمك)، وهذا أعمّ من أن تجد فيه أثر سبع أو أثر سهم شخص آخر، وعلى التقديرين الحكم واحد.
٤٠٨٥ - [٢٢] (جابر) قوله: (عن صيد كلب المجوس) الإضافة من قبيل حب رمانك، والمقصود لا يحل ما اصطاده المجوس وإن كان بكلب المسلم، وإن اصطاد المسلم بكلب المجوسي حل، فافهم.
٤٠٨٦ - [٢٣] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (إنا أهل سفر) يجوز بالرفع والنصب، والأول هو الأظهر.
стр. 4012
"فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٦٤].
٤٠٨٧ - [٢٤] وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ طَعَامِ النَّصَارَى -وَفِي رِوَايَةٍ: سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ مِنَ الطَّعَامِ طَعَامًا أتحَرَّجُ مِنْهُ- فَقَالَ: "لَا يَتَخَلَّجَنَّ فِي صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَ فِيهِ. . . . .
ــ
وقوله: (فإن لم تجدوا غيرها) مفهومه: وإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا، وقد صرح به في حديثه الذي مرّ في (الفصل الأول)، ومر شرحه.
٤٠٨٧ - [٢٤] (قبيصة بن هلب) قوله: (وعن قبيصة) بفتح القاف وكسر الباء، (ابن هلب) بضم الهاء وسكون اللام.
وقوله: (وفي رواية: سأله رجل) قيل: هو عدي بن حاتم.
وقوله: (أتحرج) بلفظ المتكلم من الحرج وهو في الأصل بمعنى الضيق، ويطلق على الإثم، ومعنى (أتحرج): أجتنب وأمتنع، كتأثم: اجتنب عن الإثم.
وقوله: (ولا يتخلجن في صدرك شيء) وفي رواية: (طعام)، و (شيء) أعم، لكن السؤال كان عن الطعام، والظاهر أن المعنى على رواية (شيء) أي: شيء من الشك والريبة، ولا يتحلجن من الحلج بالحاء المهملة، في (القاموس) (١): الحلوج: البارقة من السحاب، وتحلُّجُها: اضطرابها، وتَبَرُّقُها، واحتلج حقه: أخذه، وقول عدي: (ولا يتحلجن في صدرك طعام) أي: لا يدخلن قلبك منه شيء فإنه نظيف، انتهى كلام (القاموس)، ويروى بالخاء المعجمة من الخلجان بمعنى الحركة في القلب.
وقوله: (ضارعت) أي: شابهت، استئناف لبيان سبب النهي، ويحتمل أن يكون
стр. 4013
النَّصْرَانِيَّةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٥٦٥، د: ٣٧٨٤].
٤٠٨٨ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْداءِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْمُجَثَّمَةِ وهيَ الَّتِي تُصْبَرُ بالنَّبلِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٧٣].
٤٠٨٩ - [٢٦] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ. . . . .
ــ
صفة (شيء)، وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، وخص النصرانية بالذكر؛ لأن السائل وهو عدي بن حاتم الطائي كان نصرانيًا قبل إسلامه، كذا قيل، وهذا على رواية: (سأله رجل) وكون الرجل عدي بن حاتم.
٤٠٨٨ - [٢٥] (أبو الدرداء) قوله: (نهى عن أكل الْمجثَّمة) بضم الميم وفتح المثلثة المشددة: الحيوانات التي تنصب وترمى لتقتل، أي: تحبس وتجعل هدفًا وترمى بالنبل، وقد مرّ بيانه في حديث ابن عمر، كأنها جثمت بالقتل، من جثم الطائر وجثومًا: لزم الأرض ولصق بها، وهو بمنزلة البروك للإبل، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): جثم الإنسان والطائر والنعام والخِشْفُ واليربوع، يجثِم ويجثُم جثمًا وجثومًا فهو جاثم وجَثوم: لزم مكانه فلم يبرح، أو وقع على صدره، أو تلبَّد بالأرض. وفي (الصراح) (٣): جثوم سينه بر زمين نهادن مرغ ومردم، ويعبر به عن الهلاك، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨].
٤٠٨٩ - [٢٦] (العرباض بن سارية) قوله: (وعن العرباض) بكسر العين.
стр. 4014
عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَعَنِ الْخَلِيسَةِ، وَأَنْ تُوطَأَ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: سُئِلَ أَبُو عَاصِمٍ عَنِ الْمُجَثَّمَةِ فَقَالَ: أَنْ يُنْصَبَ الطَّيْرُ أَوِ الشَّيْءُ فَيُرْمَى، وَسُئِلَ عَنِ الْخَلِيسَةِ فَقَالَ: الذِّئْبُ أَوِ السَّبُعُ يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ، فَيَمُوتُ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٧٤].
٤٠٩٠ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ. زَادَ ابْنُ عِيسَى: هِيَ الذَّبِيحَةُ يُقْطَعُ مِنْهَا الْجِلْدُ. . . . .
ــ
وقوله: (عن كل ذي ناب) كالأسد والذئب والكلب وأمثالها مما يعدو على الناس بأنيابه، والفيل ذو ناب، كذا في (الهداية) (١).
وقوله: (وعن كل ذي مخلب) بكسر الميم وفتح اللام كالنسر والصقر والبازي ونحوها مما يصطاد من الطيور بمخلبها.
وقوله: (وأن توطأ الحبالى) جمع حبلى، والمراد من السبي حتى يحصل الاستبراء، وإن لم تكن حاملة لا توطأ حتى تحيض ليحصل الاستبراء.
وقوله: (فقال: الذئب أو السبع يدركه الرجل. . . إلخ)، في العبارة تقديم وتأخير، أي: الخليسة هي التي تؤخذ من الذئب أو السبع فتموت في يده قبل أن تذكى، فالخليسة فعيلة بمعنى مفعولة من الخلس بمعنى السلب.
٤٠٩٠ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (عن شريطة الشيطان) مشتق من شرط الحجام، أو من الشرط بمعنى العلامة، وأضافها إلى الشيطان لأنه الذي حملهم على
стр. 4015
وَلَا تُفْرَى الأَوْدَاجُ، ثُمَّ تُتْرَكُ حَتَّى تَمُوتَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨٢٦].
٤٠٩١ - [٢٨] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٨٢٨، دي: ٢/ ٨٤].
٤٠٩٢ - [٢٩] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. [ت: ١٤٧٦].
ــ
هذا الفعل.
وقوله: (ولا تفرى) أي: لا تقطع، و (الأوداج) هي العروق التي أحاطت بالعنق، أي: لا يستقصي ولا يُتم ذبحها، وتترك حتى تموت، وكان من عادة أهل الجاهلية أن يقطعوا شيئًا يسيرًا من حلق البهيمة، ثم يتركوها حتى تموت.
٤٠٩١، ٤٠٩٢ - [٢٨، ٢٩] (جابر) قوله: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) أي: ذكاة الأم كافية في حلّ الجنين، فلو ذبحت شاة مثلًا وفي بطنها جنين ميت حل أكله، وبه قال الأئمة الثلاثة، فعند أحمد والشافعي رحمهما اللَّه تعالى في المشهور أشعر أو لم يشعر، وعند مالك ﵀ إذا تم خلقه ونبت شعره، وعند أبي حنيفة ﵀: لا يحل أكله إلا أن يخرج حيًّا ويذبح، وأما إذا خرج حيًّا فلا بدّ أن يذبح بالاتفاق، وفي (شرح كتاب الخرقي) (١): قال ابن المنذر: لم يرو عن أحد من الصحابة والتابعين وسائر العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذبح غير ما روي عن النعمان، انتهى.
قال في (الهداية) (٢): ومن نحر ناقة أو ذبح بقرة فوجد في بطنها جنينًا ميتًا لم يؤكل أشعر أو لم يشعر، وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وهو قول زفر والحسن بن زياد، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قم خلقه أكل، وهو قول الشافعي، وذكر في
стр. 4016
٤٠٩٣ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ أنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ قَالَ: "كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٨٢٧، جه: ٣١٩٩].
٤٠٩٤ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: "أَنْ يَذْبَحَهَا فَيَأْكُلَهَا،
ــ
(شرحه) (١): أن متمسكهم ما قال رسول اللَّه ﷺ : (إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري أن الماء قتله أم سهمك)، فقد حرم الأكل عند وقوع الشك في سبب زهوق الروح، وذلك موجود في الجنين، فإنه لا يدرى أنه مات بذبح الأم أو باحتباس نفسه، والحديث الذي ذكره لا يكاد يصح، واللَّه أعلم، وقد تعارضت الأدلة العقلية من الجانبين وهي مذكورة في (الهداية) وشروحه.
٤٠٩٣ - [٣٠] (أبو سعيد) قوله: (ننحر الناقة ونذبح البقرة) النحر: الصدر وأعلاه أو موضع القلادة منه، ونحر البعير: طعنه بيده، وهو السنة في الإبل، والذبح يكون في الحلق بقطع الأوداج.
٤٠٩٤ - [٣١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فما فوقها) أي: في الصغر والحقارة، فيكون في معنى ما دونها أو أعظم منها في الجثة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] ولعل التأنيث بتأويل النفس أو النسمة.
стр. 4017
وَلَا يَقْطَعَ رَأْسَهَا فَيَرْمِيَ بِهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٢/ ١٦٦، ن: ٤٤٤٥، دي: ٢/ ٨٤].
٤٠٩٥ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الإِبِلِ، وَيَقْطَعُونَ أَلْيَاتِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: "مَا يُقْطَعُ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ لَا تُؤْكَلُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٤٨٠، د: ٢٨٥٨].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٠٩٦ - [٣٣] عَنْ عَطَاءَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّهُ كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابِ أُحُدٍ، فَرَأَى بِهَا الْمَوْتَ فَلَمْ يجِدْ مَا يَنْحَرُهَا بِهِ (١)، فَأَخَذَ وَتِدًا فَوَجَأَ بِهِ فِي لَبَّتِهَا حَتَّى أَهْرَاقَ دَمَهَا،
ــ
وقوله: (لا يقطع رأسها فيرمي بها) كناية عن تضييع حقها.
٤٠٩٥ - [٣٢] (أبو واقد الليثي) قوله: (يجبون) بالجيم من الجب بمعنى القطع من نصر، و (الأسنمة) جمع سنام بفتح السين، و (أليات) جمع ألية بفتح الهمزة، والمراد أنهم يأكلون الأسنمة والأليات من الحي.
الفصل الثالث
٤٠٩٦ - [٣٣] (عطاء بن يسار) قوله: (لقحة) بالكسر والفتح: الناقة القريبة العهد بالنتاج، و (الشعب) بالكسر: الطريق في الجبل، ومسيل الماء في بطن أرض، أو ما انفرج بين الجبلين، بالفارسية: دره، و (الوتد) بكسر التاء.
وقوله: (فوجأ به) أي: وجأه بالوتد، فالمفعول محذوف، وفي
стр. 4018
ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمَالِكٌ وَفِي رِوَايَتِهِ: قَالَ: فَذَكَّاهَا بِشِظَاظٍ. [د: ٢٨٢٣، ط: ٢/ ٤٨٩].
٤٠٩٧ - [٣٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ إِلَّا وَقَدْ ذَكَّاهَا اللَّهُ لِبَنِي آدَمَ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٤/ ٢٦٧].
* * *
١ - باب ذكر الكلب
ــ
(القاموس) (١): وجأه باليد والسكين كوضعه: ضربه، كتوجأه.
وقوله: (بشظاظ) بكسر الشين المعجمة والظائين المعجمتين: خشبة حديدة، قد لوي طرفها تجعل في عروتي الجُوالقَيْن، والجمع أشظة.
٤٠٩٧ - [٣٤] (جابر) قوله: (ما من دابة) في البحر (إلا وقد ذكاها اللَّه لبني آدم)، المراد حلها من غير ذبح، وظاهر الحديث حل جميع دواب البحر، لكن حل السمك متفق عليه بين الأمة، وغيرها مختلف فيه لدلائل وردت فيه، وكان الأنسب وضع هذا الحديث في (باب ما يحل أكله وما يحرم).
١ - باب ذكر الكلب
لما تضمن ذكر أحكام الصيد ذكر الكلب عقد بابًا لذكر بعض أحكامه، ولو قال: باب ما يجوز اقتناؤه من الكلب وما لا يجوز، وما يجوز قتله منها وما لا يجوز، أو نحو ذلك لكان أولى وأنسب، وقد أشار إليه الطيبي (٢).
стр. 4019
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٠٩٨ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٨٠، م: ١٥٧٤].
٤٠٩٩ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ". . . . .
ــ
الفصل الأول
٤٠٩٨ - [١] (ابن عمر) قوله: (من اقتنى كلبًا) أي: حبسه وأمسكه، وأصل اقتنائه: اتخذ لنفسه ولزمه، وقال التُّورِبِشْتِي (١): الضاري من الكلب: ما يهيج بالصيد، يقال: ضري الكلب بالصيد ضراوة، أي: تعوده، ومن حق اللفظ: (أو ضاريًا) عطفًا على المستثنى، وهو كذلك في بعض الروايات، انتهى، وقد يوجه الجر بالعطف على (ماشية)، وجعل إضافة الكلب إليه إضافة الموصوف إلى الصفة كماء البارد ومسجد الجامع، وبإرجاع (ضار) إلى صاحب الصيد، أي: كلب صاحب الكلب ضار، ووقع في رواية: (إلا كلب ماشية أو ضارية)، وهو أيضًا مؤول بالأكلب أو صاحب كلاب ضارية.
وقوله: (نقص من عمله كل يوم قيراطان) عقوبة على اقتنائه ما نهي عنه، وعلة النهي امنناع الملائكة من دخول بيته، ولولوغه في الأواني، وإيذائه الناس، والمراد بالعمل إما الماضي منه فالمراد التشديد والتهديد؛ لأن حبط الحسنة ليس مذهب أهل السنة، أو الآتي منه.
٤٠٩٩ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (انتقص من أجره كل يوم قيراط) قالوا: وجه
стр. 4020
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٢٢، م: ١٥٧٥].
٤١٠٠ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنَّ الْمَرأَةَ تَقْدَمُ مِنَ البَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلَهُ، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ الْبَهِيمِ. . . . .
ــ
التطبيق بين هذا الحديث الدال بنقص قيراط والحديث السابق الدال بنقص قيراطين أن ذلك إما لاختلاف أنواع الكلب كما يأتي في حديث جابر أو لاختلاف المواضع، فالقيراطان في الحرمين لفضل حرمتهما، والقيراط في غيرهما، كيف وقد كان من مذهب ابن عباس مضاعفة المعاصي في الحرم كالطاعات وإن كان شاذًّا من القول، ولهذا لم يقم ﵁ بمكة، وأقام في الطائف، أو القيراطان في المدائن والقرى، والقيراط في البوادي، أو لاختلاف الزمانين بأن حكم بنقص القيراط أولًا، ثم لما زاد مخالطتهم بالكلاب وألفهم بها زاد التشديد بزيادة التقصير، وحكم بنقص القيراطين، وقيل: لا منافاة بين الحديثين لأن الاقتناء فوق الاتخاذ.
٤١٠٠ - [٣] (جابر) قوله: (أمرنا رسول اللَّه ﷺ بقتل الكلاب) قيل: هذا مخصوص بالمدينة المطهرة لكونها مهبط الملائكة بالوحي، فينبغي تطهيرها عن الكلاب؛ لأن الملائكة لا يدخلون بيتًا فيه كلب، واللَّه أعلم.
وقوله: (حتى إن المرأة تقدم) صحح بلفظ المضارع من التقدم محذوف التاء، ولعل ذكر المرأة وتقدمها عن البادية بالكلب بيان للواقع، وما وقع من قتل بعض الكلاب التي أتت بها امرأة من البادية، أو لأن المرأة لضعفها وشدة احتياجها محل أن ترحم، ولا تهلك أسباب معيشتها مع أنها لا تسكن في البلد، وترجع بكلبها إلى البادية، ففيه مبالغة وتأكيد، واللَّه أعلم.
وقوله: (عليكم بالأسود) أي: بقتله، و (البهيم) خالص السواد، والبهيم في
стр. 4021
ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٧٢].
٤١٠١ - [٤] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَاب إِلَّا كَلبَ غَنَمٍ أَوْ مَاشِيَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٢٣، م: ١٥٧١].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤١٠٢ - [٥] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ. . . . .
ــ
الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه، والأسود البهيم من الكلب والخيل الذي لا يخالط لونه لون غيره، كذا في "مختصر النهاية" (١).
وقوله: (ذي النقطتين) أي: بيضاوين فوق عينيه، وفي (شرح كتاب الخرقي) (٢): فإن كان نكتتان فوق عينيه فهل يخرج بذلك عن كونه بهيمًا؟ فيه روايتان، أصحهما لا.
وقوله: (فإنه شيطان) سماه شيطانا لشدة خبثه، وكونه أضر الكلاب وأعقرها وأسوأها حراسة واصطيادًا، حتى ذهب أحمد إلى أنه لا يحل صيد الكلب الأسود لأنه شيطان، وقد قال أحمد: لا أعلم أحدًا يرخص فيه، يعني من السلف، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (٣)، وأجمعوا على قتل الكلب العقور والذي فيه ضرر بخلاف غيره وإن لم يكن أسود.
٤١٠١ - [٤] (ابن عمر) قوله: (أو ماشية) كلمة (أو) لشك الراوي.
الفصل الثاني
٤١٠٢ - [٥] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت
стр. 4022
بِقَتْلِهَا كُلِّهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: "وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْبًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ". [د: ٢٨٤٥، دي: ٢/ ٩٠، ت: ١٤٨٩، ن: ٤٢٨٠].
٤١٠٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٧٠٨، د: ٢٥٦٢].
* * *
ــ
بقتلها) يعني: لكني لم آمر لئلا ينخرم جيل من خلق اللَّه، في خلقه حكم ومنافع ترجع إلى عباد اللَّه.
وقوله: (فاقتلوا) جواب شرط محذوف، كأنه قال: وإذ لا سبيل إلى قتل الكل لهذا المعنى فاقتلوا شرارها وهي السود البهم، وأبقوا ما سواها لتنتفعوا بها، فبالنظر إلى المعنى المذكور ينبغي أن لا يقتل حيوان بل لا يفنى ويغير شيء، لكن جوز ذلك لدفع مضرة أو جلب منفعة.
٤١٠٣ - [٦] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (نهى عن التحريش بين البهائم) التحريش: الإغراء والحمل على الحراب والعتاب، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): التحريش: الإغراء بين القوم أو الكلاب، انتهى، ومنه حديث: (إن الشيطان قد أيس من أن يعبد [هـ المصلون] في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم) (٣) أي: في
стр. 4023
٢ - باب ما يحل أكله وما يحرم
ــ
حملهم على الفتن والحروب، والبهيمة: كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حي لا يُمَيّزُ، كذا في (القاموس) (١).
٢ - باب ما يحل أكله وما يحرم
الأصل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فهذه الآية تدل على أنه لم يوجد محرم سوى الأشياء المذكورة، ثم زادت السنة أشياء أخر محرمة، مثل كل ذي ناب وذي مخلب والحمر الأهلية وأمثال ذلك، ثم منها متفق عليها لقطعية الأحاديث الواردة فيها، ومنها ما اختلف فيه الأئمة لاختلاف الأحاديث، ومما نشأ الاختلاف فيهم بسببه قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وبهذا استدل أصحابنا في تحريم ما سوى السمك من حيوانات الماء.
قال في (الهداية) (٢): وذهب مالك وجماعة من أهل العلم إلى إطلاق جميع ما في البحر، واستثنى بعضهم الخنزير والكلب والإنسان المائي، وعن الشافعي أنه أطلق ذلك كله، لهم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] من غير فصل، وقوله ﵇ في البحر: (هو الطهور ماؤه، والحل ميتته) (٣)، ولنا قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
стр. 4024
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤١٠٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّباعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٣٣].
ــ
الْخَبَائِثَ﴾ وما سوى السمك خبيث، وقال في حرمة السلحفاة: إنه من خبائث الحشرات.
وقال في (شرحه) (١): إذ الخبيث ما يستخبثه الطبع السليم، وما سوى السمك يستخبثه الطبع السليم، ومذهب أحمد بعد ما نص الكتاب والسنة على تحريم شيء أو تحليله أن ما كانت العرب تسميه طيبًا فهو حلال، وما كانت تسميه خبيثًا فهو محرم لقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، كذا في (كتاب الخرقي) (٢).
قال أحمد: على عرف من وقع الخطاب لهم وهي العرب، والمراد بهم أهل الحجاز من أهل الأمصار؛ لأنهم الذين نزل عليهم الكتاب فلا عبرة بأهل البوادي؛ لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا، ولو وجدوا شيئًا لا يعرفه أهل الحجاز رد إلى أقرب الأشياء شبهًا به في الحجاز، فإن تعذر شبهه بشيء منها فهو مباح، وينجر الكلام إلى أن الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة أو التوقف، انتهى كلامه.
الفصل الأول
٤١٠٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام) مرّ تفسيره وتفسير (ذي مخلب) في حديث العرباض في (الفصل الثاني) من (كتاب
стр. 4025
٤١٠٥ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٣٤].
٤١٠٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٢٧، م: ١٩٣٦].
٤١٠٧ - [٤] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٢٤، م: ١٩٤١].
ــ
الصيد والذبائح).
٤١٠٥ - [٢] (ابن عباس) قوله: (وكل ذي مخلب) لعله تدرج ورود السنة؛ فحرمت أولًا كل ذي ناب ثم ضمت إليه كل ذي مخلب ثم فثم، ولا ينافي التدرج وقوع تحريمها يوم خيبر كما يأتي في حديث جابر في (الفصل الثاني) كما لا يخفى، واللَّه أعلم.
٤١٠٦ - [٣] (أبو ثعلبة) قوله: (حرم لحوم الحمر الأهلية) بعد أن كانت حلالًا كما يأتي في (الفصل الثالث)، وكان التحريم في غزوة خيبر.
٤١٠٧ - [٤] (جابر) قوله: (وأذن في لحوم الخيل) اتفق الأئمة من السلف والخلف على إباحة لحم الخيل إلا ما جاء عن أبي حنيفة ومالك من الكراهة تحريمًا أو تنزيهًا، ففي (الفتاوى السراجية): لحم الفرس مكروه عند أبي حنيفة خلافًا لهما والشافعي، ثم قال القاضي الإمام صدر الإسلام: المراد كراهة التحريم، وقال أخوه الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي: المراد كراهة التنزيه، قال الشيخ الإمام السرخسي: ما قاله أبو حنيفة أحوط، وما قالا أوسع على الناس.
стр. 4026
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي (الخلاصة): يكره لحم الخيل والأصح أنه كراهة التحريم، وفيه روايتان، وهي معروفة. وفي (شرح المختصر) لأبي المكارم: ولا يحل الخيل عند أبي حنيفة، وعندهما يحل وهو مذهب الشافعي، وفي (العمادية): أن لحمه مكروه عند أبي حنيفة وهو الصحيح، وهو المذكور في نظم النسفي، وإليه ذهب قاضيخان في (فتاواه) في الذبائح والأشربة، وفي (الهداية) (١): وهو الأصح وهو اختيار صاحب (الحصر).
وفي (الكافي) (٢): أنه مكروه كراهة تنزيه وهو الصحيح؛ لأن كراهته لمعنى الكرامة كيلا يحصل بإباحته تقليل آلة الجهاد، ولهذا كان سؤره طاهرًا وهو ظاهر الرواية، وهو الصحيح، كذا ذكره فخر الإسلام وأبو المعين في جامعيهما، وكذا قاضيخان في جامعه، وقال الإمام الإسبيجابي: وهو الأصح، وقال الإمام السرخسي: هذا أرفق بالناس للعرف الظاهر في بيع لحمه من غير نكير، وفي (كفاية المنتهي) قيل: إن أبا حنيفة رجع عن القول بحرمة لحمه قبل موته بثلاثة أيام، وعليه الفتوى.
اعلم أنه قد أطال الكلام في هذه المسألة في (المواهب اللدنية) (٣) أصلًا وفرعًا، ونريد أن ننقلها ولا نخاف التطويل، وباللَّه التوفيق وعلى كرمه التعويل، قال: وأما لحوم الخيل فاختلف العلماء في إباحتها، فذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أنه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد اللَّه بن الزبير وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر. وفي (صحيح مسلم) (٤) عنها قالت: (نحرنا فرسًا على عهد رسول اللَّه ﷺ
стр. 4027
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأكلناه ونحن بالمدينة)، وفي رواية الدارقطني: (فأكلناه نحن وأهل بيت النبي ﷺ ).
وقال في (فتح الباري) (١): ويستفاد من قولها: (ونحن بالمدينة) أن ذلك بعد فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد.
ومن قولها: (وأهل بيت النبي ﷺ ) الرد على من زعم أنه ليس فيه أن النبي ﷺ اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد لم يظن بآل أبي بكر أنهم يقدمون على فعل شيء في زمنه ﷺ إلا وعندهم العلم بجوازه؛ لشدة اختلاطهم به ﵇ وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفر داعية الصحابة إلى سؤاله ﷺ عن الأحكام.
ومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده ﷺ كان له حكم الرفع؛ لأن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابة فكيف بآل أبي بكر؟ .
وقال الطحاوي (٢): ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، انتهى.
وقد نقل بعض التابعين الحل عن الصحابة مطلقًا من غير استثناء أحد، فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح -على شرط الشيخين- عن عطاء قال: لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريج: قلت له: أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: نعم.
وأما ما نقل في ذلك عن ابن عباس في كراهتها فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين.
стр. 4028
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أبو حنيفة في (الجامع الصغير): أكره لحوم الخيل، فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده كالحمار الأهلي، وصحح أصحاب (المحيط) و (الهداية) و (الذخيرة) عنه التحريم، وهو قول أكثرهم.
وقال القرطبي في (شرح مسلم) (١): مذهب مالك الكراهة، وقال الفاكهاني: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم.
وقال ابن أبي جمرة: الدليل على الجواز مطلقًا واضح، لكن سبب كراهة مالك لاكلها لكونها تستعمل غالبًا في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله ولو كثر لأفضى إلى فنائها، فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فعلى هذا فالكراهة بسبب خارج، وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكاب محذور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه، انتهى.
وأما قول بعض المانعين: لو كانت حلالًا لجازت الأضحية بها، فينتقض بحيوان البر، فإنه مأكول ولم تشرع الأضحية به، وأما حديث خالد بن الوليد عند أبي داود والنسائي: نهى رسول اللَّه ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير، فضعيف، ولو سلم ثبوته لا ينتهض معارضًا لحديث جابر الدال على الجواز، وقد وافقه حديث أسماء، وقد ضعَّف حديث خالد بن الوليد أحمد والبخاري والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون.
стр. 4029
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وزعم بعضهم أن حديث جابر دال على التحريم لقوله: (رخص) لأن الرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة التي أصابتهم بخيبر، فلا يدل ذلك على الحل المطلق.
وأجيب بأن أكثر الروايات جاءت بلفظ الإذن، كما في رواية مسلم، وفي رواية له: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي، وعند الدارقطني من حديث ابن عباس: نهانا ﷺ عن الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل، فدل على أن المراد بقوله: (رخص): أذن، ونوقض أيضًا بالإذن في أكل الخيل، ولو كانت رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها وعزة الخيل حينئذٍ، فدل على أن الإذن في أكل الخيل إنما كان للإباحة العامة لا بخصوص الضرورة.
وقد نقل عن مالك وغيره من القائلين بالتحريم: أنهم احتجوا للمنع بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، وقرروا ذلك بأوجه:
أحدها: أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك؛ لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها يقتضي خلاف ظاهر الآية.
ثانيها: عطف البغال والحمير، فدل على اشتراكهما معهما في حكم التحريم، فيحتاج من أفرد حكم ما عطف عليها إلى دليل.
ثالثها: أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم، والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها، ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها.
стр. 4030
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب والزينة.
وأجيب: بأن آية النحل مكية اتفاقًا، والإذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي ﷺ من الآية المنع لما أذن في الأكل.
وأيضًا فآية النحل ليست نصًّا في منع الأكل، والحديث صريح في جوازه.
وأيضًا فلو سلمنا أن اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة، فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقًا، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل، ونظيره حديث البقرة المذكورة في "الصحيحين" حين خاطبت راكبها، فقالت: لم أخلق لهذا، وإنما خلقت للحرث (١)، فإنه مع كونه أصرح في الحصر ما يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقًا.
وقال البيضاوي (٢): واستدل بها -أي: بآية النحل- على حرمة لحومها، ولا دليل فيها؛ إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبًا أن لا يقصد منه غيره أصلًا، انتهى.