وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: "وَيُدَمَّى" مَكَانَ: "وَيُسَمَّى" وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: "وَيُسَمَّى" أَصَحُّ. [حم: ٥/ ١٢، ت: ١٥٢٢، د: ٢٨٣٨، ن: ٤٢٢٠].
٤١٥٤ - [٦] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَسَنِ بِشَاةٍ وَقَالَ: "يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً" فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ؛ لأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. [ت: ١٥١٩].
ــ
وقوله: (وفي رواية لأحمد وأبي داود: ويدمى) بلفظ المجهول من التدمية بمعنى لطخ الرأس بالدم، وروي عن قتادة في تفسير التدمية أنه إذا ذبحت الشاة تؤخذ صوفة منها، وتترك في مقابلة أوداجها حتى تتلطخ بالدم الذي ينفصل منها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل منها شبه الخط على فرقه، ثم يغسل ويحلق، وأورد أبو داود هذه الرواية ثم قال: هذا وهم من همام، وما جاء عن قتادة في تفسيره منسوخ، والأصح رواية (يسمى)، وهكذا روى سلام بن مطيع عن قتادة وإياس بن دغفل عن الحسن، وكذا روى الأشعث عن الحسن، وأيضًا عن رسول اللَّه ﷺ عن الحسن والحسين ولم يرو فيه التدمية، وهذا الفعل أشبه بعوائد أهل الجاهلية ورسومهم كما يأتي في (الفصل الثالث). وقال الخطابي: وأيضًا قد سن إماطة الأذى فكيف يؤمر بزيادته، وقيل: المراد بالتدمية هو الختان وهو أقرب، واللَّه أعلم.
٤١٥٤ - [٦] (محمد بن علي) قوله: (بشاة) هكذا جاء في حديث علي وابن عباس، وجاء أيضًا عن ابن عباس: (بكبشين)، وجاء في بعض الروايات مطلقًا. وقال
стр. 4062
٤١٥٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كبْشًا كبْشًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ: "كبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ". [د: ٢٨٤١، ن: ٤٢١٩].
ــ
صاحب (سفر السعادة) (١): رواية شاة واحدة صحيحة، لكن حديث: (عن الغلام شاتان) أقوى وأصح؛ لأنه رواه جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين، ووجه آخر أن القول أقوى وأتم؛ لأن الفعل يحتمل الاختصاص به ﷺ ، وأيضًا الفعل يدل على الجواز، والقول على الاستحباب، ووجه آخر أن قصة عقيقة الحسنين ﵄ مقدم على حديث أم كرز؛ لأنه كان في عام أحد الذي فيه ولد الحسن ﵁، وعام آخر بعده الذي فيه ولادة الحسين ﵁، وحديث أم كرز في عام الحديبية في سنة ست فيكون ناسخًا لما تقدم، ووجه آخر مقبول أن اللَّه تعالى فضل الذكر على الأنثى في الميراث، وفي أمور أخر مثل الشهادة والإمامة الصغرى والكبرى، وهذا يقتضي الفرق، كذا ذكره في (سفر السعادة) واللَّه أعلم.
وقال الترمذي (٢): وفي الباب عن علي وعائشة وأم كرز وبريدة وسمرة وأبي هريرة وعبد اللَّه بن عمر وأنس وسليمان بن عامر وابن عباس، وحديث أم كرز حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم، وروي عن رسول اللَّه ﷺ : (عن الغلامان شاتان وعن الجارية شاة)، وروي أنه ﷺ عق عن الحسن بشاة، وإليه ذهب بعض أهل العلم، انتهى كلامه.
٤١٥٥ - [٧] (ابن عباس) قوله: (كبشًا كبشًا) أي: لكلٍّ كبشًا، وعند النسائي:
стр. 4063
٤١٥٦ - [٨] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: "لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ" كَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ وَقَالَ: "مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ. . . . . .
ــ
(كبشين كبشين)، قد مرّ الكلام فيه.
٤١٥٦ - [٨] (عمرو بن شعيب) قوله: (كأنه كره الاسم) لأن العقوق من الكبائر، والمقصود أن هذا الاسم مكروه وإن كان العقوق من جانب الولد، وهنا ليس كذلك، وقيل: أصله في الولد، ثم استعير لامتناع الوالد عن أداء حق المولود، هذا ما ذكروا، والظاهر أنه ﷺ كره اسم العقيقة لأنه يذكر عن العقوق وهو من أشد الكبائر، وليس أنه من جانب الولد أو الوالد، فافهم.
وقال التُّورِبِشْتِي (١): هذا الكلام غير سديد أدرج في الحديث من قول بعض الرواة، ولا يُدرى من القائل منهم، وعلى الجملة فإنه قول صدر عن ظن، والظن يخطئ ويصيب، والظاهر أنه وقع هنا في القسم الأول؛ لأن النبي ﷺ ذكر العقيقة في عدة أحاديث، ولو كان يكره الاسم لعدل عنه إلى غيره، ومن سنته تغيير الاسم إذا كرهه كقوله: (لا تقولوا للعنب الكرم) (٢) ونحوه، انتهى.
وأقول: يحتمل أن يكون إطلاق العقيقة منه ﷺ قبل هذه الكراهة باستشعار حصل منه ﷺ بهذا المعنى أو بوحي من اللَّه، ثم ذكر التُّورِبِشْتِي في بيان معنى هذا القول وجوهًا بعيدة ارتكب فيها تكلفات، أقربها أنه يحتمل أن يكون السائل ظنّ أن اشتراك العقيقة مع العقوق في الاشتقاق مما يوهن أمرها، فأعلم أن الأمر بخلاف ذلك،
стр. 4064
فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةً". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٨٤٢، ن: ٤٢١٢].
٤١٥٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بِنِ عَلِيِّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ١٥١٤، د: ٥١٠٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤١٥٨ - [١٠] عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلَيَّةِ إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غلامٌ ذَبَحَ شاةً وَلَطَّخَ رَأسَهُ بِدَمِهِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كُنَّا نَذْبَحُ الشَّاةَ يَوْمَ السَّابِعِ، وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ. . . . . .
ــ
وقال: ويحتمل أن يكون العقوق في هذا الحديث مستعارًا للوالد كما هو حقيقة في حق المولود، فجعل إباء الوالد عن أداء حق المولود عقوقًا على الاتساع، انتهى.
وقوله: (فأحب أن ينسك عنه فلينسك) قد يؤخذ منه أنه ينبغي أن تسمى نسيكة بدل عقيقة.
٤١٥٧ - [٩] (أبو رافع) قوله: (أذَّن في أذن الحسن) ﵁، وهو سنة عند الولادة إدخالًا لكلمة اللَّه ودين الإسلام أول مجيئه في الدنيا، وخصه بالأذان لأن الشيطان يدبر ويفر عند سماع الأذان، ونقل عن بعض السلف الأذان في اليمين والإقامة في الشمال.
الفصل الثالث
٤١٥٨ - [١٠] (بريدة) قوله: (ونلطخه بزعفران) فإنه أحسن وأطيب.
(٢١) كتاب الأطعمة
* الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤١٥٩ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٧٦، م: ٢٠٢٢].
ــ
٢١ - كتاب الأطعمة
جمع طعام، بمعنى ما يؤكل، من باب سمع، وقد يخص بالبر غلبة.
الفصل الأول
٤١٥٩ - [١] (عمر بن أبي سلمة) قوله: (في حجر) بفتح الحاء ويكسر، وكان ربيبًا لرسول اللَّه ﷺ بعد تزوج أمه أم سلمة.
وقوله: (وكانت يدي تطيش) الطيش: الخفة، أي: تتحرك وتمتد، أي: كنت آكل من نواحي الصحفة، ولا أقتصر على ما يليني من الطعام على ما هو عادة الغلمان.
قال الطيبي (١): الصحفة دون القصعة وهي ما تشبع خمسة، والقصعة تشبع عشرة، أقول: لعله لم يرد التحديد، بل المراد بيان الأقل منهما على قياس في جمع القلة والكثرة وإلا ثبت وسايط وليس لها أسماء، وفي (القاموس) (٢): أعظم القصاع الجفنة ثم
стр. 4068
٤١٦٠ - [٢] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠١٧].
ــ
الصحفة، وقال في مادة الجفن: الجفنة: القصعة، ويفهم منه أن القصعة يطلق على كل منهما وليست مقابلة لهما، ويوافقه ما في (مجمع البحار) (١) في شرح قوله ﷺ : (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها) (٢): هي إناء كالقصعة المبسوطة. وقال في (النهاية) (٣): والعرب تَدْعو السيد المِطعَام جَفْنَة لأنه يضعها ويُطْعِم الناسَ فِيها، وفي (القاموس) (٤): الجفنة: الرجل الكريم، فلم يقيده بالطعام فيمكن أن تعتبر العلاقة كونه متصفًا بصفات الخير ومملوءًا به كالجفنة من الطعام، فتدبر.
٤١٦٠ - [٢] (حذيفة) قوله: (يستحل الطعام) قال النووي (٥): أي يتمكن من أكله، والجمهور على أن أكل الشيطان حقيقة، إذ العقل لا يحيله وهو جسم يتغذى، وقد يأول بأن المراد به اتخذ سبيلًا، أي: تطير بركة الطعام بترك التسمية، انتهى.
وقوله: (أن لا يذكر) بلفظ المجهول، و (أن) بفتح الهمزة بتقدير حرف الجر أي: لأجل أن لا يذكر اسم اللَّه عليه، واعلم أن المسنون هو التسمية في ابتداء الطعام، ولكن يكفي في عدم استحلال الشيطان وتمكنه التسمية ولو في أثناء الطعام، صرح به النووي، وظاهر هذا الحديث يدل على هذا بإطلاقه لو لم يقيد بالابتداء بقرينة الأحاديث الأخر، فتدبر.
стр. 4069
٤١٦١ - [٣] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ. وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠١٨].
٤١٦٢ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢٠].
٤١٦٣ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا". . . . . .
ــ
٤١٦١ - [٣] (جابر) قوله: (قال الشيطان) أي: لأتباعه وأعوانه، وقيل: ويجوز أن يكون المخاطب الرجل وأهل بيته دعاء عليهم من الشيطان، وقال الطيبي (١): وهو بعيد؛ لقوله: (قال الشيطان: أدركتم المبيت) والمخاطبون به أعوانه، أقول: لا شك في بعد هذا المعنى، وبعد ارتكاب الحمل عليه لم يتعين الخطاب في قوله: (أدركتم المبيت) لأعوانه، بل يجوز أن يكون دعاء لأهل البيت من الشيطان بالدوام والاستقرار على المبيت، فافهم.
٤١٦٢ - [٤] (ابن عمر) قوله: (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه) التيامن مستحب في كل شيء، والتخصيص بالطعام والشراب لغاية الاهتمام أو لوقوع التقريب في ذكرهما.
٤١٦٣ - [٥] (ابن عمر) قوله: (فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها) فينبغي
стр. 4070
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢٠].
٤١٦٤ - [٦] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٣٣].
٤١٦٥ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ، وَالصَّحْفَةِ وَقَالَ: "إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيَّةٍ الْبَرَكَةُ؟ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٣٣].
٤١٦٦ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا. . . . .
ــ
أن يخالف في فعله، وقيل: المراد يحمل أولياءه على ذلك، ثم يحتمل أن تكون هذه العلة مخصوصة برعاية التيامن في الأكل والشرب أو عامة لكل ما يستحب التيامن فيه إلا في الوضوء ونحوه، ويشمل الحمل على المعنى الأخير الكل، فافهم.
٤١٦٤ - [٦] (كعب بن مالك) قوله: (يأكل بثلاثة أصابع) هي الإبهام والسبابة والوسطى، ولا يعرف حال الإصبعين الأخريين أيقبضهما أو يتركهما مبسوطتين، والظاهر هو الأول حتى يوجد النقل.
وقوله: (ويلعق يده) أي: أصابعه كما في الحديث الآتي.
وقوله: (قبل أن يمسحها) أي: بمنديل ونحوه، وفي بعض النسخ: (بشيء)، ثم يغسلها بعد اللعق.
٤١٦٥ - [٧] (جابر) قوله: (في أيّة) بالتنوين، أي: في أيَّ أكلة أو طعمة، وفي بعض النسخ: (في أيه) بتذكير (أي) وهاء الضمير، أي: في جزء الطعام الذي أكل أو الذي بقي في الصحفة أو علق بالأصابع، ويؤيده الحديث الآتي عن جابر.
٤١٦٦ - [٨] (ابن عباس) قوله: (حتى يلعقها) بفتح الياء والعين من اللعق،
стр. 4071
أَوْ يُلْعِقَهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٥٦، م: ٢٠٣١].
٤١٦٧ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ (١) يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمْ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى (٢) ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعَهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ يَكُونُ الْبركَة؟ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٣٣].
٤١٦٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا آكُلُ مُتَّكِئًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٩٨، م: ٥٣٩٩].
ــ
(أو يلعقها) بضم الياء وكسر العين من الإلعاق، أي: يلعقها غيره الصبيان والخادم ونحوهما.
٤١٦٧ - [٩] (جابر) قوله: (من شأنه) صفة (شيء) والضمير (لأحدكم) أي: في كل أمر من أموره، وقال الطيبي (٣): أي شيء كائن من شأن الشيطان حضوره عنده.
وقوله: (ولا يدعها) أي: لا يترك اللقمة الساقطة (للشيطان) كناية عن تضييع اللقمة والاستحقار بها والاستكبار عنها، وهي من أخلاق الشيطان، ويجوز أن يكون المراد لا يدعها ليأكله الشيطان وهذا هو الحقيقة.
٤١٦٨ - [١٠] (أبو جحيفة) قوله: (لا آكل متكئًا) قال الشيخ مجد الدين الشيرازي
стр. 4072
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في (سفر السعادة) (١): إن الاتكاء على ثلاثة أنواع، أحدها: أن يضع جنبه على الأرض، وثانيها: أن يجلس متربعًا، وثالثها: أن يضع إحدى يديه على الأرض ويتكأ عليها، ويأكل باليد الأخرى، وكلها مذموم، انتهى.
وقال الخطابي (٢) وأكثر شراح الحديث: إن العامة تحسب أن المتكئ هو المائل في قعوده على أحد شقيه وليس كذلك، بل هو هنا المتكئ على وطاء تحته، وكل من استوى قاعدًا على وطاء فهو متكئ، وقال النووي (٣): (متكئًا) أي: متمكنًا في الجلوس متربعًا أو معتمدًا على وطاء، وقال الكرماني (٤): (لا آكل متكئًا) أي: لم أقعد متكئًا على الأوطئة حال الأكل فعل من يستكثر من الأطعمة، ولكني أقعد مستوفزًا وآكل علقة من الطعام، وليس المراد من الاتكاء الميل على أحد جانبيه، ومن حمل عليه تأول على مذهب الطب فإنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلًا، ولا يسيغه هنيئًا، وربما تأذى به، انتهى.
وقيل: الاتكاء هنا القعود على وجه التمكن والاستواء، بل السنة في الأكل أن يجلس مائلًا إلى الطعام ومتوجهًا ومنحنيًا إليه، وأورد السيوطي في "عمل اليوم والليلة": أنه لا يأكل متكئًا ولا ساقطًا على وجهه ولا قائمًا، بل يجلس على ركبتيه أو على هيئة الإقعاء أو على قدميه أو يرفع الركبة اليمنى ويجلس على الركبة اليسرى، وقال شراح البخاري: اختلف في صفة الاتكاء، فقيل: أن يتمكن للجلوس في الأكل على أيّ صفة
стр. 4073
٤١٦٩ - [١١] وَعَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ وَلَا فِي سُكُرُّجَةٍ وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ،
ــ
كان، وقيل: أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى، والأول هو المعتمد، وهو شامل للقولين، والحكمة في تركه أنه من فعل ملوك العجم والمتعظمين وأنه أدعى إلى كثرة الأكل وعظم البطن، وأحسن الجلسات للأكل الإقعاء على الوركين ونصب الركبتين ثم الجثو على الركبتين وظهور القدمين ثم نصب الرجل اليمنى، والجلوس على اليسرى.
٤١٦٩ - [١١] (قتادة) قوله: (على خوان) في (القاموس) (١): الخوان كغراب وككتاب: ما يؤكل عليه.
وقوله: (ولا في سكرجة) بضم سين وكاف وراء وتشديدها: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم، وهي فارسية، وأكثر ما يوضع فيه الكواميخ ونحوها، وقال الكرماني (٢): وقد صوب بعضهم فتح الراء، وقال الطيبي: وتوضع فيه المشتهيات من الجوارشات ونحوها من المخللات حول الأطعمة للتشهي والهضم، انتهى. وقيل: هي قصاع صغار والأكل فيها تكبر وإنه علامة البخل.
وقوله: (ولا خبز له مرقق) قال الطيبي (٣): إنه كناية عن عدم أكله ﷺ الخبز المرقق كما يعرف من الحديثين الآتيين، وقيل: ظاهر العبارة نفي الخبز له يعني قد كان يأكل إذا لم يخبز له بل خبز لغيره، ولكن المراد هو الأول، وأقول: هو المتبادر إلى الفهم عند الإنصاف، وبعض الأحاديث يشرح بعضًا، وكذا المتبادر من الحديثين
стр. 4074
قِيلَ لِقَتَادَةَ: عَلَى مَا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٨٦، ٥٤١٥].
٤١٧٠ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ،
ــ
الآتيين بيان عدم الأكل على وجه التأكيد، وإن احتملا التأويل والتقييد بأن يقال: لم ير بأن يجعل له، فتدبر.
وقوله: (قيل لقتادة: على ما يأكلون؟ ) قال الطيبي (١): الظاهر أن يسأل على ما يأكل، وفيما يأكل، وما يأكل، فلم عدل إلى السؤال عن الجماعة، واقتصر على الأول منها؟ انتهى. ويمكن أن يوجه الأول بأنه لما كان في نفي الأكل على خوان محل أن يسأل أنه لما كان لا يأكل على خوان فعلى ما كان يأكل ويضع طعامه عليه؟ بخلاف الأكل في سكرجة فإنه منفي مطلقًا، وظاهر أنه كان يأكل الخبز فإذا نفى المرقق تعين غيره، بخلاف الخوان فإنه إذا نفى الأكل عليه لا بد أن يكون هنا شيء آخر يوضع عليه الطعام ويؤكل، وأما توجيه الثاني فما ذكره أن الصحابة كانوا يقتدون بسنته ويقتفون آثاره فاستغنى به عن ذلك، فالسؤال عن أحوالهم في الحقيقة سؤال عن حاله ﷺ على أنه لو جعل الضمير في (يأكلون) للنبي ﷺ وأصحابه جميعًا لم البعد كل البعد، واللَّه أعلم.
(والسفر) بضم السين وفتح الفاء: جمع سفرة بسكون الفاء، والسفرة: طعام المسافر، ومنه سُفْرة الجلد، كذا في (القاموس) (٢).
٤١٧٠ - [١٢] (أنس) قوله: (ما أعلم) نفى العلم لاحتمال أنه أكل ولم يعلمه
ــ
(١) "شرح الطيبي" (٨/ ١٤١).
(٢) "القاموس المحيط" (ص: ٣٨٠).
стр. 4075
وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٨٥، ٥٤٢١، ٦٤٥٧].
٤١٧١ - [١٣] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. وَقَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْخُلًا مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. قِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ،
ــ
وإن كان الغالب لكونه ملازمًا له ﷺ علمه لو أكل، و (السميط) فعيل بمعنى المفعول من السمط، يقال: سَمَطَ الْجَدْيَ فهو مسموط وسميط: نتف صوفه بالماء الحارّ، كذا في (القاموس) (١)، يعني: ثم شوّى، وفي (الصراح) (٢): سمط باكيزه كردن موئ بره وبزغاله أز جهة بريان كردن.
٤١٧١ - [١٣] (سهل بن سعد) قوله: (النقي) هو بفتح النون وكسر القاف وتشديد النون، وقيل: من النقاء وهو الدقيق الذي نخل مرة بعد أخرى، يقال له: الحوّارى بضم الحاء وشد الواو وفتح الراء، قال في (القاموس) (٣): هو الدقيق الأبيض وهو لباب الدقيق، والمراد هنا: خبزه بتقدير المضاف، وقال في (النهاية) (٤): النقي هو الخبز الحوارى، وهو ما نقي دقيقه.
وقوله: (ابتعثه) بمعنى بعثه، في (القاموس) (٥): بعثه، كمنعه: أرسله كابتعثه فانبعث، و (المنخل) بضم الميم والخاء وسكون النون وقد يفتح خاؤه: الغربال، يعني
стр. 4076
وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٤١٣].
٤١٧٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٠٩، م: ٢٠٦٤].
٤١٧٣ - [١٥] وَعَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ، فَكَانَ يَأْكُلُ قَلِيلًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكْلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٩٧].
ــ
لم يكن في زمنه غربال بين المسلمين.
وقوله: (ثرَّيناه) بالتشديد من التثرية أي: بللناه، يقال: ثرى التربة تثرية: بلّها، والثرى: الندى أو التراب الندي.
٤١٧٢ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (ما عاب النبي ﷺ طعامًا قط) لأن ذلك من عادة أهل الثروة والأتراف والمستحقرين لنعم اللَّه.
٤١٧٣ - [١٥] (وعنه) قوله: (في مِعًى واحد) بالكسر والقصر منونًا وجمعه أمعاء بالمد: ما ينتقل إليه الطعام بعد المعدة، وقد يفتح، وفي (الصراح) (١): معا بالكسر: روده أمعاء، ثم قيل: إن هذا تمثيل لزهد المؤمن في الدنيا ولحرص الكافر ولا يعنى قلة الأكل وكثرته، وقيل: هو حث وتحريض للمؤمن على التحامي عما يجره الشبع من القسوة وطاعة الشهوة، ووصف الكافر بكثرة الأكل إغلاظ على المؤمن وتأكيد لما رسم له، وقيل: هو خاص في رجل بعينه كان يأكل كثيرًا فأسلم فقلّ أكله، كذا في (النهاية) (٢)، وهذا أوفق لمورد الحديث. وفي (الصحاح) (٣): معنى أن المؤمن يأكل
стр. 4077
٤١٧٤، ٤١٧٥ - [١٦، ١٧] وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى وَابْنِ عُمَرَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ فَقَطْ. [م: ٢٠٦٢، ٢٠٦١].
٤١٧٦ - [١٨] وَفِي أُخْرَ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا،
ــ
من وجه واحد وهو الحلال، والكافر يأكل من وجوه ولا يبالي ما أكل ومن أين يأكل. وقال النووي: المؤمن يسمي اللَّه تعالى عند طعامه فلا يشركه الشيطان.
وقال أهل الطب: لكل إنسان سبعة أمعاء، والمؤمن لاقتصاده وتسميته يكفي ملء أحدها بخلاف الكافر، ويحتمل أنه في بعض الكافر وبعض المؤمن، وقيل: أراد كامل الإيمان، ويقال: إن المراد أن من شأن المؤمن ذلك لامتلاء باطنه بالنور والبركة وعدم شرهه وحرصه بخلاف الكافر، وقيل: إن المؤمن يأكل من وجه واحد وهو الحلال، والكافر يأكل من وجوه لا يبالي ما أكل ومن أين يأكل، وقال الطيبي (١): المراد بالسبعة المبالغة والتكثير مثله في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، فتدبر.
٤١٧٤، ٤١٧٥، ٤١٧٦ - [١٦، ١٧، ١٨] (أبو موسى، وابن عمر، وأبو هريرة) قوله: (ضافه ضيف) أي: نزل به شخص بالضيافة، وقيل: اسمه ثمامة بن أثال، وله قصة ذكرت في (كتاب الجهاد)، وقيل: جهجاه أو نضرة بن أبي نضرة الغفاري، كذا ذكر النووي في (شرح مسلم) (٢).
وقوله: (حلابها) هو بالكسر: اللبن الذي يحلب، أو الإناء الذي يحلب فيه اللبن،
стр. 4078
ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ". [م: ٢٠٦٣].
٤١٧٧ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٩٢، م: ٢٠٥٨].
٤١٧٨ - [٢٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٥٩].
ــ
كذا في (النهاية) (١).
وقوله: (سبع شياه) في (الصراح) (٢): شاة: كوسفند، وأصله شاهة لأن تصغيرها شويهة، والجمع شياه بالهاء، تقول: ثلاث شياه.
وقوله: (فلم يستتمها) كذا في متن مسلم، وفي نسخة من (صحيح مسلم) قرئت على الشيخ مجد الدين الشيرازي صاحب (القاموس): (فلم يشربها).
٤١٧٧ - [١٩] (وعنه) قوله: (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة) المراد أن شبع الأقل قوت الأكثر، وفيه الحث على المكارمة والتقنع بالكفاية.
٤١٧٨ - [٢٠] (جابر) قوله: (طعام الواحد يكفي الاثنين) الحديث، هذا أزيد
стр. 4079
٤١٧٩ - [٢١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤١٧، م: ٢٢١٦].
٤١٨٠ - [٢٢] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَي الْقَصْعَةِ،
ــ
في المكارمة والتقنع، وليس له حد معين في القلة والكثرة، ويختلف باختلاف الأحوال.
٤١٧٩ - [٢١] (عائشة) قوله: (التلبينة) بتقديم الموحدة على التحتانية: هي حساء يتخذ من دقيق أو نخالة وربما يجعل فيه عسل، يشبه اللبن في البياض والرقة، ولهذا سميت تلبينة، وقال الطيبي (١): يتخذ من الدقيق واللبن، فعلى هذا تسميته بالتلبينة ظاهرة، وهي تسمية بالمصدر من لبن القوم بالتشديد: إذا سقاهم اللبن.
وقوله: (مجمة) بضم الميم وكسر الجيم بعدها ميم مشددة: من الجمام وهو الراحة، وقد تفتح الميم والجيم.
٤١٨٠ - [٢٢] (أنس) قوله: (مرقًا) بفتح الميم والراء، و (القديد) لحم مملوح مجفف من القدد هو القطع طولًا، و (الدباء) بضم الدال وتشديد الباء ممدود: القرع بالفارسية كدو، والواحد دباءة، وقد يقصر.
وقوله: (حوالي) بفتح اللام وسكون تحتانية، وحواليه وحواله وحوليه وحوله
стр. 4080
فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٩٢، ٥٣٧٩، ٥٤٣٦، م: ٢٠٣١].
٤١٨١ - [٢٣] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُميَّةَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يتَوَضَّأْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٨، ٥٤٠٨، م: ٣٥٥].
٤١٨٢ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٤٣١].
ــ
بفتح لام وحاء في جميعها، أي: جوانبه، كذا قال النووي (١)، وفيه جواز مد اليد إلى ما لا يليه إذا اختلف ولم يعرف من صاحبه كراهة، كذا قال الطيبي (٢).
وقوله: (بعد يومئذ) الظاهر أن (بعد) مضاف إلى ما بعده ليكون مفتوحًا، و (يومئذ) مجرورًا ومفتوحًا، وقد يقطع عن الإضافة ويضم، ويجعل (يومئذ) بيانًا للمضاف إليه المحذوف، كذا قال الطيبي (٣)، وفيه بعد وتكلف.
٤١٨١ - [٢٣] (عمرو بن أمية) قوله: (يحتز) من الحز بالحاء المهملة والزاي بمعنى القطع، والجز بالجيم أيضًا يجيء بمعنى القطع، لكن الرواية بالحاء، وأيضًا بالجيم يستعمل في مثل الشعر والحشيش، وبالحاء في اللحم ونحوه.
٤١٨٢ - [٢٤] (عائشة) قوله: (يحب الحلواء) الحلواء يمد ويقصر، ولا يقع إلا على ما دخلته الصنعة جامعًا بين الدسومة والحلاوة، وحبه ﷺ الحلواء ليس على
стр. 4081
٤١٨٣ - [٢٥] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الأُدْمَ. فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ،
ــ
معنى التشهي لها، وإنما هو إذا قدمت له نال منها نيلًا صالحًا، فيعلم به أنه يعجبه طعمها، ووقع في الحديث: ([قلب] المؤمن حلو) (١)، وهل المراد به محبة الحلوى أو وجدان الحلاوة من إيمانه؟ وقد جاء: (وجد حلاوة الإيمان من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا)، واختلف هل هي محسوسة أو معقولة؟ ويشهد للأول من قال: واطرباه غدا ألقى الأحبة محمدًا وحزبه، كذا في (مجمع البحار) (٢)، ولا يخلو عن خفاء، فتأمل.
٤١٨٣ - [٢٥] (جابر) قوله: (سأل أهله الأدم) بضم الهمزة وسكون الدال هكذا صحح في الأصول المصححة، ومنها (صحيح مسلم) المقروء على الشيخ مجد الدين الشيرازي صاحب (القاموس) في مواضع متعددة، وفي بعض النسخ بضم الدال وهو ظاهر عبارة الطيبي، وقال الشيخ ابن حجر المكي في "شرح الشمائل": الأدم بسكون الدال مفرد كالإدام، وجمعه الأدم بضم الدال، واللَّه أعلم.
قال صاحب (النهاية) (٣): الإدام بالكسر، والأدم بالضم: ما يؤكل مع الخبز، انتهى. ولا بد من قيد آخر وهو أن يصلح الخبز، وهذا هو المعنى اللغوي مأخوذ من الموادمة وهي الموافقة والمخالطة، ولكن قال علماؤنا: الإدام ما اصطبغ به كالخل والملح والزيت لا اللحم والبيض والجبن، هذا عندهما، وعند محمد: ما يؤكل مع
стр. 4082
وَيَقُولُ: "نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ، نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٥٢].
٤١٨٤ - [٢٦] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْكَمأَةُ مِنَ الْمَنِّ. . . . .
ــ
الخبز غالبًا فهو إدام، وهو رواية عن أبي يوسف، كذا في (الكافي) (١).
وقوله: (نعم الإدام الخل) مكررًا مرتين، والمقصود من مدحه التنبيه على ترك الإسراف في المأكل ومنع النفس عن الملاذ، وقال في (القاموس): والخل: ما حَمُضَ من عصير العنب وغيره، وأجوده خل الخمر، مركب من جوهرين حار وبارد، نافع للمعدة واللِّثة والقروح الخبيثة والحكة ونهش الهوام وأكل الأفيون وحرق النار وأوجاع الأسنان، وبخار حاره للاستسقاء وعُسْر السمع والدَّوِي والطنين، كذا في (القاموس) (٢).
٤١٨٤ - [٢٦] (سعيد بن زيد) قوله: (الكمأة) قال في (النهاية) (٣): واحدها كمء على خلاف القياس، والقياس العكس كما في تمر وتمرة، وهي من النوادر، وهي بفتح كاف وسكون ميم وفتح همزة، والعامة لا تهمزه: شيء أبيض مثل شحم ينبت من الأرض يقال له: شحم الأرض، وفي العجم ديوكلاه، ويقال له في ديارنا: جترمار.
وقوله: (من المن) لم يرد أنها نوع من المن المنزل على بني إسرائيل، فإنه شيء كان يسقط عليهم كالترنجبين، بل أراد أنه شيء ينبت من الأرض من غير مؤنة وعلاج كالمن كان ينزل من السماء هكذا، وقيل: المراد أنه مما مَنَّ اللَّه به على عباده بإنعامه.
стр. 4083
وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى ﵇". [خ: ٥٧٠٨، م: ٢٠٤٩].
٤١٨٥ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٤٠، م: ٢٠٤٣].
ــ
وقوله: (وماؤها شفاء للعين) قيل: إنه شفاء لها باستعمالها بحتًا، وقيل: يربي بها الكحل والتوتيا ونحوهما مما يكتحل به، لا أنه يكتحل به بحتًا لأنه يؤذي العين، وقيل: إن كان في العين حرارة فماؤه مجردًا شفاء وإلا فبالتركيب، والصواب أنه شفاء مطلقًا، وهو ظاهر الحديث كما في قوله تعالى: ﴿شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩].
قال النووي (١): رأيت أنا وغيري من كان به عمى فكحل بمائه مجردًا فأبصر، وهو الشيخ كمال الدين الدمشقي صاحب صلاح ورواية للحديث، استعمل اعتقادًا وتبركًا به، وقال في (فتح الباري) (٢): تؤخذ الكمأة فتشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، فيكتحل بمائها لأن النار تلطفه، انتهى. وسيجيء تتمة الحديث في (كتاب الطب والرقى).
٤١٨٥ - [٢٧] (عبد اللَّه بن جعفر) قوله: (يأكل الرطب بالقثاء) بكسر القاف وضمها، والكسر أشهر وتشديد المثلثة ممدودًا: الخيار، وفي (الشمائل) للترمذي (٣): يأكل البطيخ بالرطب، وفي رواية: يأكل الخربز بالرطب، والخربز بكسر الخاء وسكون
стр. 4084
٤١٨٦ - [٢٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نَجْنِي الْكَبَاثَ فَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالأسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُ" فَقِيلَ: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: "نَعَمْ،
ــ
الراء: البطيخ أيضًا معرب خربزة، وقد جاء: يأكل القثاء والقثد بالمجاج، والقثد بالقاف والمثلثة المفتوحتين: نبت يشبه القثاء. وفي (القاموس) (١): القثد محركة: نبت يشبه القثاء، أو ضرب منه، والمجاج بضم الميم بعده جيم: العسل.
وأما المراد بالجمع بينهما فقيل في المعدة، وقيل: في المضغ وهو الأظهر، وقيل: المقصود من الجمع كسر حر أحدهما ببرد الآخر وكسر برده بحرّه كما سيأتي في (الفصل الثاني)، يقول: يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حرّ هذا، والظاهر أنه من الاتفاقات الواقعة أحيانًا، وقال السخاوي في (المقاصد الحسنة) (٢): رواية يزيد بن رومان: الطبيخ بتقديم الطاء على الباء بمعنى المطبوخ.
٤١٨٦ - [٢٨] (جابر) قوله: (بمرّ الظهران) وادي على عدة أميال من مكة، ويقول له العامة: وادي فاطمة.
وقوله: (الكباث) بفتح الكاف وتخفيف الباء الموحدة: ثمرة الأراك أو نضيجها.
وقوله: (فقيل: أكنت ترعى الغنم؟ ) لما كانت معرفة الكباث ونحوه مخصوصة بأهل البادية ورعاة الغنم الذين يدورون في البوادي سألوه عن ذلك، وكانوا يعرفون ذلك منه ﷺ ، فتذكروه حينئذٍ وسألوه سؤال تقرير، ويحتمل أن الحاضرين السائلين كانوا لم يعرفوه منه ﷺ ، فالاستفهام على حقيقة، واللَّه أعلم.
стр. 4085
وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَاهَا؟ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٥٣، ٣٤٠٦، م: ٢٠٥٠].
٤١٨٧ - [٢٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا، وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلًا ذَرِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٤٤].
٤١٨٨ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٨٩، م: ٢٠٤٥].
ــ
وقوله: (وهل من نبي إلا رعاها؟ ) ظاهر العبارة يفهم أن كل نبي رعاها، وقيل: أراد به أن اللَّه تعالى لم يضع النبوة إلا في أهل التواضع لا في أبناء الدنيا وملوكهم، وفي رعي الغنم العلم بسياسة الرعاية والشفقة على ضعفائهم، واللَّه أعلم.
٤١٨٧ - [٢٩] (أنس) قوله: (مقعيًا) المراد به هنا وضع الأليتين على الأرض ونصب الساقين، وفي الإقعاء المنهي عنه في الصلاة أقوال، أحدها هذا، وقد ذكرت في أبواب (كتاب الصلاة).
وقوله: (يأكل منه) كأنه جرى ذكر التمر، فأعاد الراوي الضمير إليه، ويحتمل أن صاحب (المصابيح) روى الراوية بالمعنى بإعادة الضمير إلى التمر المذكور في الرواية الأولى. وكان لفظ الراوي: يأكل من التمر.
وقوله: (أكلًا ذريعًا) أي: سريعًا مستعجلًا، قيل: كان هنا أمر أهم من ذلك فاستعجل لذلك.
٤١٨٨ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (أن يقرن) من باب نصر وضرب.
وقوله: (حتى يستأذن أصحابه) قيل: كان ذلك النهي في ابتداء الأمر حين كانوا في ضيق المعيشة ثم نسخ لخبر: (كنت نهيتكم عن القران في التمر، وإن اللَّه وسع عليكم فقارنوا)، هذا ولكن يحرم ذلك بلا شبهة إذا كانوا شركاء في الإنفاق من غير وجود رضًا صريحًا أو دلالة، وأما في صورة الشركة فالأدب باق.
стр. 4086
٤١٨٩ - [٣١] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ" قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٦٤].
٤١٩٠ - [٣٢] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ. . . . .
ــ
ولعل ورود الحديث في غير صورة الشركة نهيًا وإباحة على ما يدل عليه ظاهر قوله: (إلا أن يستأذن صاحبه)، ولو حمل النهي على الإطلاق والإباحة على غير صورة الشركة لكان له وجه أيضًا كما قيل في قوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها): إن النهي كان مطلقًا، أي: للرجال والنساء، فأبيح للرجال، والنساء باقية على النهي، فتدبر، واللَّه أعلم.
٤١٨٩ - [٣١] (عائشة) قوله: (لا يجوع أهل بيت عندهم التمر) فيه فضيلة التمر، وجواز ادخاره للعيال والحث عليه، وهكذا رأينا من عادة أهل المدينة المطيبة على ساكنها السلام والتحية (١).
٤١٩٠ - [٣٢] (سعد) قوله: (من تصبح) أي: أكل وقت الصباح، أي: على الريق.
وقوله: (تمرات عجوة) روي بالإضافة من إضافة العام إلى الخاص وبالتنوين
стр. 4087
لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٤٥، ٥٧٦٩، م: ٢٠٤٧].
٤١٩١ - [٣٣] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً، وَإِنَّهَا تِرْيَاقٌ أَوَّلَ البُكْرَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٤٨].
ــ
مع نصب عجوة على أنه تمييز، أو جرها على أنه عطف بيان، والعجوة بفتح المهملة وسكون الجيم: نوع من تمر المدينة يضرب إلى السواد من أجود تمرها، يقال: إنه من غرس النبي ﷺ ، وقد ورد: (العجوة من الجنة)، وقد ثبت غرسه في قضية إسلام سلمان الفارسي ﵁ كما في (شمائل الترمذي)، ويحتمل أن يكون في غيرها، واللَّه أعلم. (والسم) مثلثة السين والفتح أشهرها، وكذلك سم الخياط، والمراد هنا إما القاتل المعروف، أو ما يشمل سموم الحية والعقرب وأمثالهما المسماة سامة، وقد وقع الاستعاذة من شرها في قوله: (من شر السامة والهامة).
٤١٩١ - [٣٣] (عائشة) قوله: (إن في عجوة العالية) الإضافة إلى (العالية) لأنها لا تكون إلا في تلك النواحي من المدينة ولو كان في غيرها أيضًا، لعل هذه الخاصية اختصت بها، وفي رواية لمسلم: (من أكل سبع تمرات من بين لابتيها)، ويفهم منه وجود هذه الخاصية في جميع تمرات المدينة، ويمكن تخصيصها بالعجوة من العالية بقرينة باقي الأحاديث.
وقوله: (وإنها ترياق) وهو بكسر التاء وضمها: دواء مركب معروف، ومنه الترياق الفاروق، وقد يكون خرزة يدفع السم بالخاصية، وهذه الجملة إما مبنية إن خص الشفاء بالسم كما يفهم من الحديث السابق أو تخصيص بعد التعميم إن عم، وقد جاء في بعض الروايات: (شفاء لكل داء)، فتعين التخصيص.
وقوله: (أول البكرة) متعلق بقوله: (ترياق) لكونه في معنى نافعة للسم، ثم
стр. 4088
٤١٩٢ - [٣٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنْ يُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٥٨، م: ٢٩٧٢].
٤١٩٣ - [٣٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ إِلَّا وَأَحَدُهُمَا تَمْرٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٥٥، م: ٢٩٧١].
ــ
كون العجوة شفاء مما ذكر إما بخاصية ذلك النوع أو من دعائه ﷺ بالبركة وهو المختار، وعدد السبع توقيفي موكول إلى علم الشارع، ومثل هذا من مظان امتحان الإيمان، وقد وقع الكلام فيه في (شرح سفر السعادة) (١).
٤١٩٢ - [٣٤] (عائشة) قوله: (إلا أن يؤتى) قيل: إنه استثناء منقطع، أي: لكن وقت إيتاء اللحم وإرساله إلينا كنا نأكل منه، والأظهر أنه متصل، إما من قوله: (نوقد) أي: لا نوقد نارًا ولا نطبخ شيئًا إلا وقت إيتاء اللحم، فحينئذ نوقدها لطبخه أو مما يفهم من قوله: (إنما هو التمر والماء) من الجزء السلبي للحصر، أي: لا يكون قوتنا غير التمر في جميع الأوقات إلا وقت الإيتاء، والتصغير في (اللحيم) للتقليل، وقيل: للتعظيم والمحبة لكونه سيد الإدام أو محبوبًا في مثل هذا الوقت، ثم الظاهر تنكيره المفيد للتقليل، ولعل تعريفه لكونه متعينًا حاضرًا في الذهن خصوصًا في هذا الوقت.
٤١٩٣ - [٣٥] (عائشة) قوله: (إلا وأحدهما تمر) أي: أحد اليومين ذو تمر أو يوم تمر، ثم الظاهر أنه استثناء منقطع فإن حال كون أحدهما تمرًا ليس حال الشبع يومين من خبز بر، ويجوز أن يكون من قبيل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم سلول،
стр. 4089
٤١٩٤ - [٣٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٨٣، م: ٢٩٧٥].
ــ
أي: ما شبع آل محمد يومين في حال من الأحوال إلا حال كون اليومين موصوفين بكون أحدهما تمرًا، وهذا ليس حال الشبع لما قد عرف عرفًا أن ذلك ليس بشبع فلا يكون ثمة شبع فضلًا عن أن يكون من خبز بر.
ثم الموجود في نسخ (المشكاة): (خبز)، وقد جاء عن عائشة في (شمائل الترمذي) (١): ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول اللَّه ﷺ ، وعن أبي أمامة: ما كان يفضل عن أهل بيت رسول اللَّه ﷺ خبز الشعير، ويفهم من عبارة الطيبي أن المذكور هنا أيضًا خبز شعير، وفي (صحيح البخاري) في (كتاب الأطعمة): ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض، وفي بعض الروايات: ما شبع آل محمد ثلاثة أيام، أي: متواليات، وفي رواية: ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام، وذلك لفقرهم أو لإيثارهم على الغير أو لأنه مذموم.
٤١٩٤ - [٣٦] (عائشة) قوله: (من الأسودين) المراد بهما: التمر والماء تغليبًا؛ لأن الأسود إنما هو التمر دون الماء، والتغليب يجري في اسم الجنس كالأبوين، وفي العلم كالحسنين، وذكر الماء تبعًا وطفيلًا للتمر فإنهم كانوا في سعة من الماء ولو كانوا في غور منه، فلا يكون الشبع منه، ولا حاجة إلى اعتبار التغليب فيه، كما فعله الطيبي (٢) باعتبار إرادة الشبع والري معًا، ثم عدم الشبع بهما إنما هو بعدم الشبع في ذلك
стр. 4090
٤١٩٥ - [٣٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بَطْنَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٨٨].
٤١٩٦ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِنْهُ، وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْمًا بِقَصْعَةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّ فِيهَا ثُومًا،
ــ
الزمان لكمال الرياضة والتقوى لا من القلة، والحديث الآتي: وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه، ربما ينظر بظاهره إلى الثاني، ويحتمل حمله على الثاني أيضًا، والقلة لجوده وإيثاره.
٤١٩٥ - [٣٧] (نعمان بن بشير) قوله: (في طعام وشراب) إما ظرف، أي: كائنين فيهما أو مفرطين متوسعين.
وقوله: (ما شئتم) إما أن تكون (ما) موصولة بدل من طعام وشراب، أي: أيّ شيء شئتم، أو مصدرية، أي: أيّ وقت مشيئتكم، ثم المراد به إما إلزام الشكر عليهم بالغناء ودفع الفقر والحاجة وإثبات التقصير بترك اتباعه ﷺ في هذه العزيمة والتعيير والتوبيخ عليه.
وقوله: (لقد رأيت نبيكم) يجتمع مع المعنيين كليهما عند التأمل، و (الدقل) أردأ التمر أو ما لم يكن أجناسًا معروفة، كذا في (القاموس) (١).
٤١٩٦ - [٣٨] (أيوب) قوله: (وعن أبي أيوب: قال كان النبي. . . إلخ)، وكان ذلك حين نزل ﷺ في بيته، وخصه بهذه الفضيلة أول ما هاجر إلى المدينة،
стр. 4091
فَسَأَلْتُهُ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ". قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٥٣].
٤١٩٧ - [٣٩] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا" أَوْ قَالَ: "فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا أَوْ لِيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ"،
ــ
وكان الصحابة يبعثون إليه بأطعمته.
وقوله: (فسألته) لما رأى أنه ﷺ لم يأكله على خلاف عادته في تأليف قلوب أصحابه ظن أنه حرام عليه ﷺ فسأله عن ذلك.
وقوله: (فإني كره ما كرهت) وإن لم يكن عندي وجه الكراهة ما عندك، بل علة الكراهة عندي نفس كراهتك، وهكذا الحال في اتباع أفعاله ﷺ من غير نظر إلى سبب فعله، هذا ما يفهم من العبارة وهو حق، ويمكن أنه جعل سبب الكراهة حضور مجلسه ﷺ وأصحابه والتناجي معهم، ولكنه قصد إثبات حقيقة الاتباع الذي يكون الباعث عليه صرف المحبة.
٤١٩٧ - [٣٩] (جابر) قوله: (أو قال: فليعتزل مسجدنا) قيل: المراد مسجد النبي ﷺ ، وقيل: المراد جنس المسجد، والمراد مساجد المؤمنين، وكذا الحكم في الجامع، وإليه الإشارة بقوله: (فليعتزلنا)، وقد مرّ في (باب المساجد ومواضع الصلاة) من (كتاب الصلاة).
وقوله: (أو ليقعد في بيته) إما أن يكون هذا أيضًا من شك الراوي، وكان المراد أنه ﷺ إما أن قال: من أكل ثوما أو بصلًا فليعتزلنا، أو قال: فليعتزل مسجدنا، أو قال: من أكل ثومًا أو بصلًا فليقعد في بيته، ولم يجالس أحدًا لا في المسجد ولا في غيره، وأن لا يكون من شك الراوي، ويكون متعلقًا بالثاني، أعني: فليعتزل مسجدنا بطريق التخيير، ويكون المعنى يحرم عليه دخول المسجد الذي هو منزل الملائكة
стр. 4092
وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتُ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَقَالَ: "قَرِّبُوهَا" إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَقَالَ: "كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُناجِي". . . . .
ــ
ومجلس الرسول وعظماء أصحابه، ولكن يباح له المصاحبة والمجالسة مع سائر الناس من أهل البوادي والأسواق، أو لم يجالس أحدًا من الناس ويقعد في بيته وأهله المشاركين له غالبًا في أكلهما، فهذا أولى بحال المؤمن في عدم إيذاء الناس، وعدم زيادة لفظ (قال) على قوله: (أو ليقعد) كما زاد على قوله: (فليعتزل مسجدنا)، ربما يرجح الاحتمال الثاني فليفهم.
وقوله: (أتي بقدر) بكسر القاف معروف، وفي رواية: (ببدر) بموحدة مفتوحة بدل القاف، وهو طبق يتخذ من الخوص، سمي به لاستدارته كالبدر، وقالوا: هذا أصوب؛ أما رواية فهم أعرف بذلك، وأما دراية فلأن الظاهر المتعارف إهداء الطعام في الطبق دون القدر، إلا أن يقال: إن هذا الطعام الذي فيه الخضرات تناسب القدر، والأمر في ذلك سهل، و (الخضرات) بفتح الخاء وكسر الضاد، في (القاموس) (١): الخضر ككتف: البقلة الخضراء، ويروى بضم الخاء وفتح الضاد بمعناه، والأول أصح، والمراد مثل الثوم والبصل.
وقوله: (قربوها إلى بعض أصحابه) أي: مشيرًا إلى بعض أصحابه، أي: قال: قربوها إلى فلان.
وقوله: (قربوها) يؤيد رواية القدر؛ لأن القدر يذكر ويؤنث بخلاف البدر، ويجوز أن يرجع إلى الخضرات.
وقوله: (فإني أناجي من لا تناجي) أراد به جبرئيل ﵇ والملائكة، أي: أكلمهم
стр. 4093
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٥٥، م: ٥٦٤].
٤١٩٨ - [٤٠] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكُ لَكُمْ فِيهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢١٢٨].
٤١٩٩ - [٤١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ،
ــ
وأجالسهم، والملائكة أشد تحرزًا وتأذيًا من الروائح النتنة، وكان ﷺ يترصد نزول الوحي والملائكة في كل حين، ولعله يصادف هذا الوقت، أو أنه ﷺ لما كان يجالس الملائكة ترك ما كانوا يكرهونه ويؤذيهم مطلقًا؛ تنظفًا ورعاية لحقوق الصحبة في ترك ما يؤذي الصاحب مطلقًا، فافهم.
٤١٩٨ - [٤٠] (المقدام) قوله: (كيلوا طعامكم) احترازًا عن الإسراف والتعين في الإنفاق، وعن الجهالة في البيع والشراء والقرض وأمثالها، والبركة لازمة لرعاية مقتضى الحال والتدبير خصوصًا إذا وردت فيه السنة.
٤١٩٩ - [٤١] (أبو أمامة) قوله: (مائدته) في (القاموس) (١): المائدة: الطعام، أو الخوان عليه الطعام؛ فإن حمل على الأول فالضمير للنبي قطعًا، وإن أريد الثاني جاز أن يكون للطعام ويأول معنى رفعه إلى رفع المائدة، فإن قيل: قد ثبت أنه ﷺ لم يأكل على خوان، قيل: لعله لم يأكل عليه عادة وأكل لموافقة جماعة، كذا قال الكرماني (٢)، وإذا أريد بالمائدة الطعام فلا إشكال، وقيل: المراد السفرة والطبق الذي وضع عليه الطعام.
стр. 4094
غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٤٥٨].
ــ
وقوله: (غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا) صححوا هذه العبارة، وبينوا معناها على وجوه، أحدها: رفع (غير) و (ربنا)، فهذه كلها صفات للرب تعالى، و (ربنا) مبتدأ و (غير مكفي) خبره، (ولا مودع ولا مستغنى عنه) عطف عليه بزيادة (لا) للتأكيد كما في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، و (مكفي) من الكفاية، والمعنى أن اللَّه تعالى هو المطعم والكافي وهو غير مطعم ولا مكفى أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، واعتبار عدم الكفاية في الإطعام باعتبار المقام وإلا جاز اعتبارها مطلقًا؛ إذ الرب تعالى يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء، (ولا مودع) أي: غير متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده، (ولا مستغنى عنه) معناه ظاهر.
وقد كتب في بعض النسخ: (غير مودع) بكسر الدال، أي: غير تارك عبده الملتجئ إليه خائبًا، إشارة إلى مضمون قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣].
ويجوز أن يكون رفعهما لكونهما خبرين لمبتدأ محذوف، أو لكون (غير) خبرًا، و (ربنا) بدلًا منه، ويمكن أن يكون رفع (ربنا) أو رفعهما على المدح.
وثانيها: نصب (غير) و (ربنا)، فنصب (ربنا) على النداء بحذف حرف النداء أو على المدح، وأما نصب (غير) فعلى الحال إما من الطعام الدال عليه سياق الكلام أو نحو ذلك، و (مكفيء) مهموز من كفأت الإناء، أي: قلبته، والمكفيء: الإناء المقلوب للاستغناء عما فيه أو لعدمه، فالحمد للَّه على إطعام الطعام أو على ما رزقنا هذا الطعام حال كون الطعام غير مقلوب ولا مردود، ويقرب منه في المعنى (ولا مودع)
стр. 4095
٤٢٠٠ - [٤٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكُلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٣٤].
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا فِي "بَابِ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
أي: متروك و (لا مستغنى عنه) أو من الحمد، و (مكفي) إما بهذا المعنى أو من الكفاية أي: نحمدك حمدًا لا نكتفي به بالمرة الواحدة بل نعود فيه مرة بعد أخرى، ولا متروك ولا مستغنى عنه، بل يجب الإتيان به لتوارد النعم، ولو قيل: في الطعام أيضًا من الكفاية، أي: ليس هو مما يكتفى به مرة واحدة، بل نعود فيه ونحتاج إليه مرة بعد أخرى لكان وجهًا.
وثالثها: رفع (غير) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو غير مكفي والضمير للطعام، ويجوز أن يكون للَّه أو للحمد على ما عرفت، ونصب (ربنا) على النداء أو المدح.
ورابعها: عكس هذا الوجه، أما نصب (غير) فعلى الحال، ورفع (ربنا) على الخبرية لمحذوف، أو على المدح، وقد يجوز جره على البدلية إما من (اللَّه) أو من الضمير في (عنه) إن كان للَّه، فهذا استيفاء الوجوه المحتملة هنا، ولم نر من جمعها كلها، بل قد يكون فيما ذكرنا بعض ما لم يذكروه، واللَّه أعلم.
٤٢٠٠ - [٤٢] (أنس) قوله: (الأكلة) بفتح الهمزة للمرة، ويضمها بمعنى اللقمة، والأول هو أكثر، و (الشربة) بالفتح ليس إلا.
стр. 4096
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٢٠١ - [٤٣] عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُرِّبَ طَعَامٌ، فَلَمْ أَرَ طَعَامًا كَانَ أَعْظَمِ بَرَكَةً مِنْهُ أَوَّلَ مَا أَكَلْنَا، وَلَا أَقَلَّ بَرَكَةً فِي آخِرِهِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: "إِنَّا ذَكَرْنَا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ أَكَلْنَا، ثُمَّ قَعَدَ مَنْ أَكَلَ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ فَأَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١١/ ٢٧٥].
٤٢٠٢ - [٤٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
الفصل الثاني
٤٢٠١ - [٤٣] (أبو أيوب) قوله: (ثم قعد من أكل. . . إلخ)، فيه دليل على رد من قال بوجوب التسمية أو استحبابها على الكفاية بأن تجزئ تسمية واحد من جماعة لا على التعيين، بل لا بد من إتيان كل واحد بها، فإنه لا شك أنهم أتوا بها قبل قعود هذا الآكل، وقال الطيبي (١) في توجيه ذلك القول، وقد نقله عن الشيخ محيي الدين عن الشافعي: لعل المراد أنه قعد بعد فراغنا من الطعام ولم يسم، يعني إذا فرغوا من الطعام كأنه صار طعامًا آخر مغايرًا للأول في حقه، انتهى.
فعلى هذا القول إنما هو بالكفاية إذا كانوا مجتمعين إنما هو على الطعام في أوله، فحينذٍ إن أتى البعض يكفي عن الباقين، وأما إذا دخل واحد في أثناء الطعام فكأنه صار في حقه كأنه حال ابتدائه فلا يكفي، ولكن لا حاجة إلى ارتكاب القول بقعوده بعد فراغهم، فتأمل.
٤٢٠٢ - [٤٤] (عائشة) قوله: . . . . .
стр. 4097
"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَنَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى طَعَامِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أوَّلَهُ وَآخِرَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٨٥٨، د: ٣٧٦٧].
٤٢٠٣ - [٤٥] وَعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلَّا لُقْمَةٌ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٧٦٨].
ــ
(فليقل) إما في آخر الطعام أو حين يذكره، كذا قال بعض المحققين.
وقوله: (بسم اللَّه أوله وآخره) أي: آكل مستعينًا باللَّه في أوله وآخره، وهذا إنشاء استعانة باسم اللَّه تعالى كما كان يقول في أوله، لكنه يجزئ بحكم الشارع، ونبه العبد عما وقع التقصير منه، وليس بإخبار حتى يلزم الكذب، وهذا ظاهر.
٤٢٠٣ - [٤٥] (أمية بن مخشي) قوله: (وعن أمية بن مخشي) بفتح الميم وسكون خاء معجمة وشين في آخره على لفظ النسبة.
وقوله: (استقاء) أي: الشيطان، استفعال من القيء، وهو محمول على الحقيقة؛ لأنه لما أثبت الأكل للشيطان لم يستحل إثبات القيء، ورسول اللَّه ﷺ أعلم بحقائق الأشياء وأحوالها، أو المراد رد البركة الذاهبة بترك التسمية بسبب إتيانها بعد كما قيل، ولكن لا يخفى أن قوله: (ما في بطنه) مما يأبى عن هذا التأويل، وقيل: كان البركة الذاهبة كانت في جوف الشيطان أمانة، فلما سمى رجعت إلى الطعام، وقال الطيبي (١): أي صار ما كان له ويالًا عليه مستلبًا عنه بالتسمية، وقيل: استرد منه ما استباحه، والظاهر أن هذا القائل جعل ضمير (استقاء) للرجل، واللَّه أعلم.
стр. 4098
٤٢٠٤ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٤٥٧، د: ٣٨٥٠، جه: ٣٣٢٦].
٤٢٠٥ - [٤٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٨٦].
٤٢٠٦ - [٤٨] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ سِنَانِ بْنِ سَنَّةَ عَنْ أَبِيهِ. [جه: ١٧٦٤، دي: ٢/ ١٣٠].
ــ
٤٢٠٤ - [٤٦] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وجعلنا مسلمين) إشارة إلى أن العمدة هي نعمة الإسلام، وبه تتم النعمة.
٤٢٠٥ - [٤٧] (أبو هريرة) قوله: (الطاعم الشاكر كالصائم الصابر) لما تقرر في الأذهان أن درجة الصائم أعلى وأرفع وأن لا يكون للطاعم ثواب في مقابلة الصائم، لما في الصوم من قهر النفس عن شهوتها، وفي الطعام قضاؤها، فأشار إلى أنه إن شكر حصل له ثواب لا يقصر عن درجة الصائم؛ إذ الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر، ولهذا اختلفوا في أن الغني الشاكر أفضل أو الفقير الصابر، وربما يواسي بطعامه الفقير أو يفطر الصائم فيكون عبادة متعدية، وهي أفضل من اللازمة، وعلى هذا لا حاجة إلى ما قيل: إن هذا تشبيه في أصل الثواب لا في قدره، فافهم.
ثم شكر الطعام أن يتقوى به في عبادة اللَّه وأداء الحقوق، وقيل: شكره أن يسمي إذا أكل، ويحمد إذا فرغ كما يناسب الأحاديث الأخر.
٤٢٠٦ - [٤٨] (سنان بن سنة) قوله: (سنان) بكسر السين (ابن سنّة) بفتح السين وتشديد النون، وقول المؤلف: (عن أبيه) ليس في الكتب بل الذي ذكر فيها أن سنان ابن سنة صحابي روى هذا الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 4099
٤٢٠٧ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٥١].
٤٢٠٨ - [٥٠] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٨٤٦، د: ٣٧٦١].
ــ
٤٢٠٧ - [٤٩] (أبو أيوب) قوله: (وسوغه) الذي يفهم من عبارة الشارحين أن التسويغ مخصوص بالطعام، وليس كذلك بل ربما يفهم اختصاصه بالشراب من عبارة (القاموس) (١) حيث قال: ساغ الشراب سوغًا: سهل مدخلُه، ولم يبينه في الطعام، وأكثر موارده كذلك كقوله تعالى: ﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ [فاطر: ١٢]، وقول الشاعر:
فساغ لي الشراب. . . . . .
وغير ذلك، فكان مرادهم بيان التسويغ وتصويره في الطعام كما بينوه بقوله: فإنه خلق الأسنان للمضغ، والريق للبلع، واللسان للإدارة حتى يسهل المضغ، ودخوله في الحلق والمعدة، وأما وجوده في الشراب فلا حاجة إلى بيانه، فالضمير في (سوغه) راجع إلى كل واحد من الطعام والشراب المدلولين لا طعم وسقي، فافهم.
٤٢٠٨ - [٥٠] (سلمان) قوله: (الوضوء بعده) المراد بالوضوء ههنا: غسل اليدين، وزاد بعضهم: وغسل الفم، وقوله: (فقال رسول اللَّه ﷺ : بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده) لما كان ﷺ مبعوثًا ليتمّم مكارم الأخلاق ومحاسنها، وكان الوضوء
стр. 4100
٤٢٠٩ - [٥١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالُوا: أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ؟ قَالَ: "إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٨٤٧، د: ٣٧٦٠، ن: ١٣٢].
٤٢١٠ - [٥٢] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [جه: ٣٢٦١].
٤٢١١ - [٥٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَقَالَ: "كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ،
ــ
قبل الطعام أتم وأدخل في الطهارة والنظافة أوحي إليه زيادة على ما أوحي إلى موسى تتميمًا وتكميلًا.
٤٢٠٩، ٤٢١٠ - [٥١، ٥٢] (ابن عباس) قوله: (ألا نأتيك بوضوء) بفتح الواو، وفي قوله: (قال: إنما أمرت بالوضوء) بضم الواو.
وقوله: (إذا قمت إلى الصلاة) الظاهر أن المراد بالوضوء في الموضعين: وضوء الصلاة، وظن السائلون أنه واجب أو مندوب، فإن كان المظنون وجوبه فالجواب ظاهر بنفي الوجوب، وإن كان مندوبًا فكأنه قال: ذلك ليس بواجب حتى لا يسع تركه، وترك المندوب جائز تعليمًا للجواز، ويمكن أن يراد بالوضوء في قولهم: (ألا نأتيك بوضوء): وضوء الطعام. وفي قوله: (إنما أمرت بالوضوء): وضوء الصلاة، ويكون المعنى: ذلك الذي أردتموه مني كان مندوبًا فلا بأس بتركه تعليمًا للجواز، نعم هنا وضوء آخر واجب، وذلك للصلاة لا للطعام، والوجه الأول أظهر، فافهم.
٤٢١١ - [٥٣] (ابن عباس) قوله: (فإن البركة تنزل في وسطها) فإن الوسط