فَإِنَّ لِلْجَنِّ انْتِشَارًا وخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ". [خ: ٣٣١٦].
ــ
الذي هو وقت غلق الأبواب، وإيكاء القرب، وتخمير الآنية، ويحتمل أن يكون متصلًا بـ (اكفتوا صبيانكم) كما يدل عليه قوله: (فإن للجن انتشارًا وخطفة) فيكون حاصل المعنى أنه إذا دخل الليل كفوا صبيانكم عن الخروج من أوله؛ لأنه وقت انتشار الشياطين، فإذا ذهب ساعة خلوهم، وافعلوا هذه الأفعال من الإغلاق والإيكاء والتخمير، وعلى هذا التوجيه هذه الرواية توافق اللفظ المتفق عليه، ومقصود المؤلف من ذكر الروايات المتعددة هنا هو تفسير بعضها ببعض وحمله عليه، فافهم.
وقوله: (وخطفة) الخطفة: السلب، اختطفه: اسْتَلَبَهُ، ومعناه بالفارسية: ربودن، وإما أن يراد خطفهم الناس والصبيان، وقد يقع ذلك أحيانًا وإن كان نادرًا، أو المراد خطف عقولهم وأبصارهم والمكر بهم وإيذائهم وإضرارهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (فإن الفويسقة) تصغير فاسقة، والمراد بها الفأرة لخروجها من جحرها بالفساد على الناس، وهي من الخمس الفواسق التي يقتلن في الحرم، وقال في (القاموس) (١): الفويسقة: الفأرة لخروجها من جحرها على الناس، والفسق: الخروج، والظاهر من كلامه أنها من الأسماء الغالبة على الفأرة، ولو حمل على معنى الوصف وحذف قبلها موصوف، أي: الدابة أو نحوها، وأريد منها هنا الفارة بقرينة المقام لكان أيضًا وجهًا، كما لا يخفى.
وقوله: (ربما اجترت) في (القاموس) (٢): الجر: الجذب كالاجترار.
стр. 4167
٤٢٩٦ - [٣] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْفُويسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْت بَيْتَهُمْ". [م: ٢٠١٢].
٤٢٩٧ - [٤] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ: "لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ. . . . .
ــ
٤٢٩٦ - [٣] (جابر) قوله: (غطوا) بفتح المعجمة وتشديد المهملة بمعنى خمروها.
وقوله: (لا يحل) بضم الحاء من نصر ينصر، وأما الذي بمعنى النزول بالضم والكسر، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١]، والمراد عند ذكر اسم اللَّه عليها بقرينة الأحاديث المصرحة بذلك، وبقرينة السياق من قوله: (فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودًا ويذكر اسم اللَّه عليه)، فإن المقصود ذكر اسم اللَّه على الكل، ولكنه خصص هذه الصورة به؛ لأنه قد قصر ولم يبالغ في التغطية فيكون ذكر اسم اللَّه تلافيًا وجبرًا لهذا النقصان، فافهم.
وقوله: (تضرم) من الإضرام، وقد يجعل من التضريم، والمراد توقد وتحرق.
٤٢٩٧، ٤٢٩٨ - [٤، ٥] (جابر) قوله: (فواشيكم) جمع فاشية وهي الماشية وزنًا ومعنًى: ما ينتشر من الإبل والبقر والغنم.
وقوله: (فحمة العشاء) أي: إقباله وأول ساعاته، قال الطيبي (١): الفحمة:
стр. 4168
يُبْعَثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ". [م: ٢٠١٣].
٤٢٩٨ - [٥] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ: "غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٌ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ". [م: ٢٠١٤].
٤٢٩٩ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ النَّقِيعِ بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَّا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ أنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٠٥، ٥٦٠٦، م: ٢٠١١].
٤٣٠٠ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٩٣، م: ٢٠١٥].
ــ
الظلمة التي بين العشائين، والظلمة التي بين العتمة والغداة يقال لها: العسعسة، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧].
٤٢٩٩ - [٦] (وعنه) قوله: (جاء أبو حميد) بلفظ التصغير، وهو أبو حميد الساعدي.
وقوله: (النقيع) بفتح النون: موضع بوادي العقيق حماه رسول اللَّه ﷺ لإبل الصدقة وغيرها، ووادي العقيق واد مشهور من أودية المدينة الطيبة، ذكره في (كتاب الحج)، وقد يقرأ: بقيع بالباء الموحدة: مقبرة المدينة مشهور، والصحيح هو الأول، كذا قيل.
٤٣٠٠ - [٧] (ابن عمر) قوله: (لا تتركوا النار في بيوتكم) نقل من النووي أن هذه النار شاملة يدخل فيها السراج وغيره، أما القناديل المعلقة فإن خيف بسببها حريق دخلت في ذلك وإلا فلا بأس لانتفاء العلة، أقول: وعلى هذا القياس لو تركت النار على وجه لا يخاف منها الشر لا يكون ممنوعًا أيضًا لانتفاء العلة، واللَّه أعلم.
مِنْ خَلْقِهِ فِي لَيْلَتِهِ مَا يَشَاءُ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّه عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا إِذَا أُجِيفَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّه عَلَيْهِ، وَغَطُّوا الْجِرَارَ، وَأَكْفِئُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الْقِرَبَ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١١/ ٣٩٢].
٤٣٠٣ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتْ فَأْرَةٌ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ، فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضعِ الدِّرْهَم فَقَالَ: "إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا، فَيَحْرِقُكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٤٧].
ــ
وقوله: (من خلقه في ليلته ما يشاء) من شياطين الجن والإنس والحيوانات المؤذيات من الحشرات وغيرها.
وقوله: (إذا أجيف وذكر اسم اللَّه عليه) هذا تصريح بهذا القيد، فيحمل عليه باقي الألفاظ التي لم يذكر فيها هذا القيد، و (الجرار) بالكسر جمع جرة، وهي الآنية من الخزف يجعل فيه الماء.
وقوله: (وأكفئوا الآنية) أكفأت الإناء وكفأته: كببته، وقلبته، والمراد بالآنية غير ما فيها الماء من أواني البيت لئلا يدب شيء ينجسها ويضر.
٤٣٠٣ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (فأرة) بالهمزة وقد يترك همزها تخفيفًا، (الخمرة) بضم الخاء، السجادة الصغيرة من الحصير يصلي عليها رجل واحد، وكانت له ﷺ ، وقد وقع ذكره في الأحاديث كثيرًا.
وقوله: (فيحرقكم) أي: الشيطان، أسند إليه الإحراق باعتبار التسبب.
تم (كتاب الأطعمة) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب اللباس).
* * *
стр. 4171
(٢٢) كتاب اللباس
стр. 4172
(٢٢) كتاب اللباس
* الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٣٠٤ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا الْحِبَرَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨١٣، م: ٢٠٧٩].
ــ
٢٢ - كتاب اللباس
اللباس مصدر بمعنى الملبوس كالكتاب بمعنى المكتوب، والبناء بمعنى المبنى، والماضي والمضارع منه على حد علم يعلم، وأما الذي بمعنى الالتباس فهو من باب ضرب يضرب.
الفصل الأول
٤٣٠٤ - [١] (أنس) قوله: (أن يلبسها) أي: لأن يلبسها، أي: لأجل مصلحة اللبس لا لغيرها كالافتراش والإنفاق مثلًا، وهذا معنى التقييد، (الحبرة) بالرفع إن كان قوله: (أحب) بالنصب، وبالنصب إن كان بالرفع، اسم كان أو خبره، و (الحبرة) بكسر الحاء المهملة وفتح الباء ويقال له: الحبير على وزن الخبير، من برود اليمن، من القطن ولذا أحبه، وفيه خطوط خضر، قيل: لذلك كان يحبه، لأن الأخضر من ثياب الجنة، وقيل: خطوط حمر، والمحبة لاحتمال الوسخ، واللَّه أعلم.
وقوله: (وعن عائشة ﵂ قالت: خرج رسول اللَّه ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل) رواه مسلم. هذا الحديث ليس في النسخ التي عندنا، والصواب عدمه؛ لأن المؤلف
стр. 4173
٤٣٠٥ - [٢] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِسَ جُبَّةً رُومِيَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٣، م: ٢٧٤].
ــ
قد قال في آخر الفصل: وسنذكر حديث عائشة: خرج النبي ﷺ ذات غداة، في مناقب أهل بيت النبي ﷺ ، لكن شرحه الطيبي وموجود في (المصابيح) فلنشرحه، فقوله: (ذات غداة) من إضافة المسمى إلى الاسم، والموصوف محذوف، أي: مدة ذات، هذا الاسم كقولهم: ذات مرة، فذات هنا مؤنث ذو، لا بمعنى نفس الشيء وحقيقته، و (المرط) بكسر الميم وسكون الراء: رداء من صوف أو خز، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): المرط من الصوف، وقد يكون من خز وغيره.
وقال الكرماني (٣): المرط بكسر الميم: رداء أو إزار أو ثوب أخضر، و (المرحل) بفتح الحاء المهملة على وزن معظم: الذي فيه صور رحال الإبل وهي ليس بحرام، وإنما الحرام ما صور بصور الحيوان، وقد يروى بالجيم يعني المصور بصور الرجال من الإنسان، ولعله كان قبل تحريم التصاوير، وقيل: المصور بصور المراجل جمع مرجل بمعنى القدر، وقال النووي (٤): الذي عليه الجمهور من أهل الإتقان روايته بالحاء المهملة.
٤٣٠٥ - [٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: (جبة رومية) وفي بعض الروايات: جبة شامية.
وقوله: (ضيقة الكمين) وقد جاء في الرواية: "إذا توضأ أخرج يديه من الكمين"
стр. 4174
٤٣٠٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً مُلَبَّدًا وَإِزَارًا غَلِيظًا، فَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٠٨، ٥٨١٨، م: ٢٠٨٠].
ــ
يعني من ضيقها، وقد جاء أنه لبسها في سفر، وقال صاحب (سفر السعادة) (١): إنه ﷺ لبس الجبة والقباء والقميص، في (القاموس) (٢): القبة: ثوب معروف، وقال الكرماني (٣): ثوب مخصوص، وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٤): الجبة: ثوب قطع وخيط، وهذا على إطلاقه يشمل القباء والقميص، ويخرج منه الرداء والإزار والعمامة وأمثالها، وفي (المشارق) أيضًا: القباء: ثوب ضيق من ثياب العجم مشهور، والظاهر ثوب مخيط ليس له جيب، والقميص الذي له جيب، ويفهم ذلك مما في (القاموس) (٥) حيث قال: القبوة: انضمام ما بين الشفتين، ومنه القباء من الثياب، وقال ابن الأثير في (النهاية) (٦): القبو: الطاق المعقود بعضه إلى بعض.
٤٣٠٦ - [٣] (أبو بردة) قوله: (كساء ملبدًا) أي مرقعًا صار كاللبدة، في (القاموس) (٧): تلبد الصوف ونحوه: تداخل ولَزِق بعضه ببعض، واللبدة بالكسر: بساط معروف، وفي هذا الحديث وأمثاله بيان ما كان صلوات اللَّه وسلامه عليه من
стр. 4175
٤٣٠٧ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا حَشْوُهُ لِيفٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٥٦، م: ٢٠٨٢].
٤٣٠٨ - [٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ وِسَادُ رَسُولِ اللَّه ﷺ . . . . .
ــ
الزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها وملاذها، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه ﷺ قد لبس في بعض الأحيان أحسن الملابس وأغلاها إما بيانًا للجواز وائتلافًا لقلب مهديها أو رفعًا للتكلف حين حضر ذلك، والأكثر أنه حين لبس مثل هذا اللباس وهبها في ساعة وألبسها غيره.
وتحقيق المقام أن الأحاديث كما وردت في باب فضيلة الزهد وترك التنعم والترفه في ملاذ الدنيا وملابسها ومطاعمها والترغيب والتحريض على ذلك، كذلك وقعت في شأن التجمل والترفيه والترخيص إظهارًا للنعمة والغنى، وتركًا للتكلف، والمعتبر في ذلك القصد والنية، فترك التجمل ولبس أدون الثياب إن كان للبخل والخسة أو إظهارًا للفقر والتزهد والطمع فيما أيدي الناس ومرائيًا بهم فهو مذموم، وعلى قصد الزهد والتواضع والإيثار محمود، والتجمل والتزين والترفع ولبس أفخر الملابس إن كان على وجه التكبر والخيلاء والتفاخر والبطر والإسراف فهو قبيح وحرام، وإن كان لإظهار النعمة والغناء حتى يقصد إليه الفقراء والمساكين، والتعفف وستر الحال فهو حسن غير حرام، وهذا هو القول الفصل، وقد وقع البسط في هذا الكلام في (شرح سفر السعادة) (١) فلينظر ثمة، وباللَّه التوفيق.
٤٣٠٧ - [٤] (عائشة) قوله: (أدمًا حشوه ليف) الأدم بفتحتين: اسم جمع للأديم، وهو الجلد المدبوغ المصلح بالدباغ، و (الليف) بكسر اللام: قشر النخل.
٤٣٠٨ - [٥] (عائشة) قوله: (كان وساد) اسم بمعنى الوسادة، وهي المتكأ،
стр. 4176
الَّذِي يَتَّكِئُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٨٢].
٤٣٠٩ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٠٧].
٤٣١٠ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ،
ــ
والمِخَدَّة، ويثلث، ويجمع على وسد ووسائد، كذا في (القاموس) (١).
٤٣٠٩ - [٦] (وعنها) قوله: (بينا نحن جلوس في بيتنا. . . إلخ)، هذا طرف من حديث الهجرة، فإنه ﷺ بعد قضية بيعة العقبة كان منتظرًا لنزول الوحي بالهجرة وتعيين وقتها ومكانها، والصديق ﵁ كان يلتمس منه المرافقة، فقال له ﷺ : نعم إن أذنت بذلك، فنزل الأمر بالهجرة، فجاء ﷺ أبا بكر في ظهيرة، فأخبره بذلك، وبشره بالرفاقة، فخرج في الليلة من طريق خوخة كانت في دار أبي بكر ﵁ إلى جبل ثور في أسفل مكة، ودخلا غارًا فيه القصة إلى آخرها.
وقوله: (متقنعًا) التقنع: ستر الرأس بالرداء وإلقاء طرفه على الكتف، ويقال له: التطلس أيضًا بمعنى لبس الطيلسان على الرأس، ودل الحديث على فعله ﷺ ذلك وجوازه، وقد خالف فيه بعض الناس، والحديث رد عليهم، وبعضهم قالوا: يجوز لسبب أو عذر كما فعله ﷺ اتقاء الحر أو استخفاء من قريش، والصحيح أنه جائز مطلقًا، وهو من أفعال الصالحين، وقد روي ذلك عنه ﷺ وعظماءِ أصحابه والتابعين، وقد أشبع الكلام فيه في (سفر السعادة) (٢) فليطلب ثمة.
٤٣١٠ - [٧] (جابر) قوله: (فراش للرجل. . . إلخ)، فاعل للفعل المحذوف
стр. 4177
وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابعُ لِلشَّيْطَانِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٨٤].
٤٣١١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَنْظُرُ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٨٨، م: ٢٠٨٧].
٤٣١٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ (١) النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّه إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٨٤، م: ٢٠٨٥].
ــ
أي: يكفي للرجل هذه الثلائة، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: الذي يكفي للرجل، وينبغي له هذه الثلاثة، وما زاد عليه فهو مذموم؛ لأنه محل الخيلاء والمباهات، وهذا معنى كونه للشيطان، أو المراد أنه لما لم يُحْتَج [إليه] كان عليه مبيت الشيطان ومقيله، وإفراد الفراش للمرأة لا ينافي أن الأفضل الأوفق للسنة بياته معها؛ لأن ذلك لمرض أو عذر أو لتيسر قيام الليل، ويعلم من ذلك عدم وجوب البيات مع المرأة.
وقوله: (والثالث للضيف) أما إذا كانت العادة كثرة نزول الضيفان، فهل يجوز جعل الفراش أكثر من ذلك، الظاهر نعم؛ لأنه لا يكون للمباهات والخيلاء، والمدار على ذلك، كما في اللباس.
٤٣١١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (جر إزاره بطرًا) أي: تكبرًا وطغيانًا وإن لم يكن لذلك فلا يحرم، قالوا: ولكن يكره كراهة تنزيه، وأما إذا كان لعذر ينبغي أن لا يكون مكروهًا كما يفهم مما يجيء في الفصل الثالث من حديث أبي بكر ﵁ أنه لا يكره إذا لم يكن للخيلاء وإن كان بغير عذر، فليفهم ذلك.
٤٣١٢ - [٩] (ابن عمر) قوله: (خيلاء) بالضم والكسر: الكبر والعجب، اختال
стр. 4178
٤٣١٣ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٤٨٥].
ــ
فهو مختال، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): الخيلاء والخيل والخيلة والمخيلة: الكبر، ورجل خائل ومختال: متكبر.
٤٣١٣ - [١٠] (وعنه) قوله: (بينما رجل يجر إزاره) الظاهر أنه إخبار عما وقع في بعض الأمم الماضية، وقيل: المراد منه قارون.
وقوله: (فهو يتجلجل) أي: يتحرك مضطربًا، أي: ينزل في الأرض مع اضطراب شديد، ويندفع من شق إلى شق، كذا قال الشيخ (٣)، وفي (القاموس) (٤): التجلجل: السؤوخ في الأرض، والتحرك، والتضعضع.
واعلم أن أكثر ما يقع الجر والإسبال في الإزار، وقد ورد فيه وعيد شديد حتى إنه أمر مسبل الإزار بإعادة الصلاة والوضوء، وقد جاء في الأحاديث في فضل ليلة النصف من شعبان أنه يغفر فيها للكل إلا للعاق ومدمن الخمر ومسبل الإزار، والتحقيق أن الإسبال يجري في جميع الثياب، ويحرم فيما زاد على قدر الحاجة، وما ورد به السنة فهو إسبال، والتخصيص بالإزار من جهة كثرة وقوعه؛ لأن أكثر لباس الناس في زمان النبوة رداء وإزار، وقد يجيء في الفصل الثالث عن ابن عمر ﵄ أنه قال رسول اللَّه ﷺ : (الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جرّ منها شيئًا خيلاء)،
стр. 4179
٤٣١٤ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فِي النَّارِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٨٧].
٤٣١٥ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ،
ــ
الحديث. ووقع في الأول من حديثي ابن عمر هنا (من جرّ ثوبه) مطلقًا، ثم العزيمة في الإزار إلى نصف الساق، وكان إزاره كذلك. وقال: (إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين)، وهذا من إضافة الجمع إلى التثنية أو المقصود تعميم النصف من حقيقته ومما يقرب منه، والرخصة فيه إلى الكعبين، فما أسفل من الكعبين فهو حرام، وحكم ذيل القباء والقميص كذلك، والسنة في الأكمام أن يكون إلى الرسغين، والإسبال في العمامة بإرخاء العذبات زيادة على العادة عددًا وطولًا، وغايتها إلى نصف الظهر، والزيادة عليه بدعة، وإسبال محرم، وهذا التطويل والتوسيع الذي تُعورف في بعض ديار العرب من الحجاز ومصر مخالف للسنة وإسراف موجب لإضاعة المال، فما كان منها بطريق الخيلاء فهو حرام، وما كان بطريق العرف والعادة وصار شعار القوم لا يحرم، وإن كان الإفراط فيه لائحًا عن كراهة، وحكم النساء كذلك، لكن يستحب لهن الزيادة على الرجال قدر الشبر، ورخص إلى ذراع تسترًا، كذا جاء في حديث أم سلمة ﵂.
٤٣١٤ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ما أسفل من الكعبين) أي: ما كان أسفل أو ما هو أسفل منصوب أو مرفوع، والمراد بكون ما أسفل من الإزار في النار كون صاحبه فيها بسبب ذلك.
٤٣١٥ - [١٢] (جابر) قوله: (أو يمشي في نعل واحدة) لأنه تشويه ومخالف للوقار وسبب لعسر المشي، وربما كان سببًا للعثار.
стр. 4180
وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ أَوْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٩٩].
ــ
وقوله: (وأن يشتمل الصماء) بالواو وفي أخويه بـ (أو)، كذا في جميع النسخ المصححة، واشتمال الصماء بالمد: هو تجليل الجسد كله بثوب واحد بلا رفع جانب يخرج منه اليد، سميت صماء؛ لأنها سدت المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها صدع، قال في (القاموس) (١): حجر أصم، وصخرة صماء: صُلْبٌ مُصْمَتٌ، وفي مادة الصمم معنى الثقل والانسداد، ونقل الطيبي عن الفقهاء (٢): هو أن يشتمل بثوب ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على أحد منكبيه، وإنما يحرم هذا لأنه ينكشف به بعض عورته.
وقال الشيخ ابن الهمام في (شرح الهداية) (٣): هو أن يَلُفَّ بثوب واحد رأسه وسائر جسده فلا يدع منفذًا ليده، وهل يشترط عدم الإزار مع ذلك؟ عن محمد: يشترط، وعن غيره: لا.
وقوله: (أو يحتبي في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه) الاحتباء: أن يجلس على وركيه، وينصب ساقيه، ويجمع الظهر والساقين بثوب أو باليدين، وهذا أكثر جلسة العرب في مجالسهم، وهي شائعة في الحرم الشريف، وقد جلس رسول اللَّه ﷺ محتبيًا عند الكعبة، فإذا كان الرجل لابسًا ثوبًا واحدًا كالرداء ويحتبي تنكشف عورته ضرورة إلا أن يكون الرداء واسعًا فحينئذٍ لا بأس بالاحتباء في ثوب واحد لعدم الانكشاف،
стр. 4181
٤٣١٦، ٤٣١٧، ٤٣١٨، ٤٣١٩ - [١٣، ١٤، ١٥، ١٦] وَعَنْ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٣٢، ٥٨٣٣، م: ٢٠٦٩، ٢٠٧٣، ٢٠٧٤].
٤٣٢٠ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَة". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٣٥، م: ٢٠٦٨].
ــ
وظهر من هذا البيان أن قوله: (كاشفًا) حال منتقلة قيد للاحتباء.
٤٣١٦، ٤٣١٧، ٤٣١٨، ٤٣١٩ - [١٣، ١٤، ١٥، ١٦] (عمر، وأنس، وابن الزبير، وأبو أمامة) قوله: (لم يلبسه في الآخرة) لعدم صبره لقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وهكذا جزاء ارتكاب الشهوات المحرمة لعدم الصبر عنها، وقيل: ذلك كناية عن عدم دخول الجنة، وهو خلاف الظاهر.
٤٣٢٠ - [١٧] (ابن عمر) قوله: (من لا خلاق له في الآخرة) الظاهر أن المراد: لا نصيب له من لبس الحرير فيها، كما جاء في الحديث الآخر: (لم يلبسه في الآخرة)، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، قال في (القاموس) (١): الخلاق، كسحاب: النصيب الوافر من الخير، وقيل: المراد من لا حظ له في نعيمه، وقيل: من لا اعتقاد له بأمر الآخرة.
стр. 4182
٤٣٢١ - [١٨] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٣٧، م: ٢٠٦٧].
٤٣٢٢ - [١٩] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ حُلّة سِيَرَاء، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ فَلَبِسْتُهَا،
ــ
٤٣٢١ - [١٨] (حذيفة) قوله: (وأن نجلس عليه) يدل على أن فرش الحرير أيضًا غير مباح، وقد ذكر حكمه في الفقه.
٤٣٢٢ - [١٩] (علي) قوله: (حلة سيراء) الحلة: اسم لثوبين رداء وإزار، وسيراء بكسر السين وفتح التحتانية ممدودًا: نوع من البرود فيه خطوط صفر، يخالطه حرير، كذا في (القاموس) (١)، قال في (المشارق) (٢): الحلة: ثوبان رداء وإزار سميا بذلك؛ لأنه يحل كل منهما على الآخر، قال الخليل: ولا يقال حلة لثوب واحد، وقال أبو عبيد: الحلل برود اليمن، وقال بعضهم: إنما تكون حلة إذا كانت جديدة لحلها عن طيها، والأول أكثر وأشهر، وحلة سيراء، وحلة سندس، وحلة حبرة، وحلة حرير، كله على الإضافة، لكن بعضهم يجعل (سيراء) نعتًا ويرويه: حلة بالتنوين.
وقال الخطابي (٣): قيل: حلة سيراء، كما قيل: ناقة عشراء، وكان أبو مروان بن سراج ينكره ويضبطه على الإضافة، وكذا ضبطناه على ابنه وغيره من شيوخنا المتقنين، قال سيبويه: لم يأت فعلاء صفة إلا اسما نحو سيراء، وهي ثياب ذوات ألوان وخطوط
стр. 4183
فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: "إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ النِّسَاءِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦١٤، م: ٢٠٧١].
٤٣٢٣ - [٢٠] وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ . . . . .
ــ
كأنها السيور وهي الشراك يخالطها حرير، قال الخليل وغيره: هو ثوب مضلع بالحرير، وقيل: الأشبه أنه مختلف الألوان، وفي كتاب أبي داود، تفسيره في الحديث: السيراء المضلع بالقز، وقيل: هو نبت شبهت به الثياب، وقال مالك: السيراء وشي من حرير، قال ابن الأنباري: والسيراء أيضًا الذهب، وقيل: هو الحرير الصافي.
وقوله: (فعرفت الغضب في وجهه) قيل: وجه الغضب أنه وإن لم يكن حرامًا فليس من شأن المتقين أن يلبسوه ويلبسه مثله ﵁، فكان الواجب أن يتحرى فيه، وهذا ينظر إلى أنه لم يكن حريرًا محضًا، وكيف يتصور أن يلبسه ﵁؟ ! بل كان مخلوطًا، ومع ذلك لم يكن من شأنه لبسه، فافهم.
وقوله: (لتشققها خمرًا) بضمتين جمع خمار بالكسر، حال، أي: تقطعها قطعة قطعة قدر خمار وتقسمها بين النساء، وفي رواية: (بين الفواطم) وهي جمع فاطمة، وكانت عدة فواطم مجتمعة في بيته ﵁، أولهن وأفضلهن فاطمة الزهراء البتول ابنة رسول اللَّه ﷺ ، والثانية فاطمة بنت أسد بن هاشم، زوجة أبي طالب، أم علي وجعفر وعقيل وطالب، وفي شأنها قال رسول اللَّه ﷺ : (كانت أمي بعد أمي)، وألبسها قميصه بعد موتها، ودخل في قبرها، وهي أول هاشمية ولدت هاشمين من هاشمي، والثالثة فاطمة أم الفضل بنت حمزة عم رسول اللَّه ﷺ وسيد الشهداء، وقيل: الثالثة فاطمة بنت وليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وكانت من المهاجرات الأول.
стр. 4184
نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِصْبَعَيْهِ: الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ وَضَمَّهُمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٢٩، م: ٢٠٦٩].
٤٣٢٤ - [٢١] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: أَنَّهُ خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ. [خ: ٥٨٢٩، م: ٢٠٦٩].
٤٣٢٥ - [٢٢] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْت أَبِي بَكرٍ: أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةً طَيَالِسَةً كِسْرَوَانِيَّةً لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفُرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ،
ــ
٤٣٢٣، ٤٣٢٤ - [٢٠، ٢١] (عمر) قوله: (خطب بالجابية) بلدة بالشام، وباب الجابية من أبوابها.
٤٣٢٥ - [٢٢] (أسماء) قوله: (جبة طيالسة) الطيالسة جمع طيلسان بفتح اللام، وحكي تثليث لامه وهو معرب تالسان، والوجه أنه جمع طيلس وهو لغة في الطيلسان، وجبة مضاف إليها (١) وهو من لباس العجم منسوب إليهم حتى إنهم يقولون: يا ابن الطيالسة يريدون يا أعجمي، وهو مدور أسود من صوف، و (كسرى) معرب خسرو بفتح كاف وكسرها، لقب ملوك الفرس، والنسبة كسروي وكسرواني، وروي خسروانية، و (اللبنة) بكسر لام وسكون باء: رقعة تعمل موضع جيب القميص والجبة، وقيل: يوضع تحت الإبط، و (فرجيها) أي: شقيها، شق من قدام وشق من خلف، وهو منصوب بفعل مقدر، أي: ورأيت أو وجدت فرجيها.
وقوله: (مكفوفين) حال على التقديرين؛ لأن (وجدت) هنا بمعنى صادفت، ومعناه مخيطين بالحرير، أي: خيط شقّاها من قدام ومن خلف به، وفي (النهاية) (٢):
стр. 4185
وَقَالَتْ: هَذِه جبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى نَسْتَشْفِي بِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٦٩].
٤٣٢٦ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهَمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
أي: جبة معمولة على ذيلها وأكمامها وجيبها كفاف من حرير، وكفة كل شيء بالضم: طرفه وحاشيته، وكل مستطيل كفة بالضم ككفة الثوب، فكل مستدير كفة بالكسر ككفة الميزان، وقد يفتح فيها.
وقوله: (وقالت هذه جبة رسول اللَّه ﷺ ) مقصودها أن هذا ليس بمحرم، وسيجيء في الفصل الثاني في حديث أبي داود عن عمران بن حصين أنه ﷺ قال: (لا ألبس القميص المكفف بالحرير)، ويدفع التعارض بينه وبين هذا الحديث بأن المراد هنا ما لم يزد على أربعة أصابع، وحديث القميص محمول على أكثر، وقيل: إن في القميص مزيد تجمل وترفه بخلاف الجبة، وقيل: ذلك ناسخ لهذا، وفيه نظر؛ لأن إخراج أسماء تلك الجبة تدل على إباحتها، فكيف كان منسوخًا؟ نعم لو قيل: نَسْخُ هذا له لكان وجهًا، كما قيل في بعض الحواشي، ومع ذلك لا يحسن القول بالنسخ على الاحتمال بدون معرفة التاريخ، كذا قال الشيخ (١)، وقيل: حديث عمران محمول على الورع، وحديث أسماء على الرخصة.
٤٣٢٦ - [٢٣] (أنس) قوله: (لحكة بهما) قال الأطباء: سبب الحكة بخارات حديدة عارضة، فاليابسة منها يحدث بصفراء محترقة تخالط الدم، والرطبة من البلغم
стр. 4186
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: إنَّهُمَا شَكَوَا الْقُمَّلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ. [خ: ٥٨٣٩، م: ٢٠٤٦].
ــ
المالح المخالط بالدم، وحدوثها في أغلب الأحوال من كثرة أكل الأطعمة المالحة الحريقة الحلوة والتوابل الحارة، وعلاجها مذكور في الكتب الطبية، وقد تحدث من كثرة القمل، قالوا: والحكة بهما ﵄ كانت منه، فأمر بعلاجها بلبس الحرير، وقالوا: من خواص الحرير تقوية القلب وتفريحه ودفع غلبة السوداء والأمراض التي تحدث منها، وهو حار رطب.
وقيل: معتدل وليس فيه شيء من اليبوسة والخشونة، فلهذا ينفع عن الحكة والجرب وأمثالهما ولملاسته لا يتمكن فيه القمل، وقال في (الموجز): الإبريسم حار مفرح ولبسه يمنع القمل، وقال في شرحه: إن ابن سينا ذكر الإبريسم في الأدوية القلبية، وقال: حار يابس في الدرجة الأولى، ففيه تلطيف وتنشيف، فالتلطيف للحرارة، والتنشيف لليبوسة، ونقل عن صاحب (التقويم) أنه حار رطب، والظن أنه معتدل في الرطوبة واليبوسة، وهو من المفرحات القوية لملائمة جوهر الروح مطلقًا، وليسمن البدن لا لاغتذاء البدن منه بل بسبب تقوية الروح الطبيعي على تصرفه في الغذاء، انتهى.
وفي شرح آخر: إن منع الحرير إنما هو عن القمل الذي يحدث عن سبيل التولد؛ لأنه يفسد ما يحدث من البيض فلا يتولد منه القمل، انتهى. ويعلم من هذا الحديث أن لبس الحرير حرام إلا لحاجة ومصلحة كالجرب والقمل والحر والبرد، وهذا مذهب الشافعي، وعند مالك لا يجوز مطلقًا، وقال في (الهداية) (١): لا بأس بلبس الحرير
стр. 4187
٤٣٢٧ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: "إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهُمَا". وَفِي رِوَايَةٍ: قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: "بَلْ أَحْرِقْهُمَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٧٧].
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَائِشَةَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ فِي "بَابِ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ".
ــ
والديباج في الحرب عندهما؛ لأنه يدفع صلابة السلاح ويورث الهيبة في عين العدو، وعند أبي حنيفة مكروه لإطلاق النهي، والضرورة تندفع بالمخلوط، وهما يقولان: الخالص أدفع.
٤٣٢٧ - [٢٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (بل أحرقهما) قيل: الإحراق مبالغة في الإخراج والإفناء ببيع أو هبة، فإنه قد يستعمل فيه، وإنما لم يأذن له في الغسل؛ لأن المعصفر لم يكره للنساء، فالغسل يوجب تضييع الماء، فإما أن يلبسه نساء أو يبيعه أو يهبه لتستعمله نساء أخر، وقد روي كما يجيء في آخر الفصل الثاني أنه أحرق الثوبين، فلما جاء من الغد أخبره بذلك، فقال ﷺ : هلا كسوت أهلك، فإنه لا بأس به للنساء.
ثم اعلم أن في لبس الأحمر اختلافًا بين العلماء، فقال بعضهم: يحرم مطلقًا، وقيل: يباح مطلقًا، وقيل: المنهي المصبوغ بعد النسيج دون ما صبغ غزله ثم نسج ولم يكن له رائحة، وقيل: يجوز لبسه في البيوت وأفنيتها دون المحافل، والمختار في مذهبنا أنه يكره كراهة تحريم، وتكره معه الصلاة، ثم اختلفوا أن الكراهة لأجل الصبغ أو اللون حتى يكره الأحمر وإن لم يكن معصفرًا، والمختار أنه لِلَّون، كذا حققه القاسم الحنفي من أعاظم علماء الحنفية بديار مصر، واللَّه أعلم.
стр. 4188
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٣٢٨ - [٢٥] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَمِيصَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [خ: ١٧٦٢، م: ٣٨٦٦].
٤٣٢٩ - [٢٦] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: كَانَ كُمُّ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الرُّصْغِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٧٦٥، د: ٤٠٢٧].
٤٣٣٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَبِسَ قَمِيصًا بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧٦٦].
ــ
الفصل الثاني
٤٣٢٨ - [٢٥] (أم سلمة) قوله: (القميص) بالرفع والنصب، وكذا قوله: (أحب)، والقميص اسم لما يلبس الرجل من المخيط الذي له كمان وجيب، وقد أتممنا البيان في ذلك سابقًا.
٤٣٢٩ - [٢٦] (أسماء بنت يزيد) قوله: (إلى الرصغ) ذكره في (القاموس) في الراء مع السين، وقد وقع في بعض الأصول بالصاد تبديلًا للسين به، وهو أمر مطرد خصوصًا إذا وقع مع حروف الاستعلاء، وقراءة الصاد في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] من هذا القبيل، قال في (القاموس) (١): هو بالضم وبضمتين، الموضع الْمُسْتَدِقُّ بين الحافر، وموصل الوظيف من اليد والرجل، ومفصل ما بين الساعد والكف، والساق والقدم، ومثل ذلك من كل دابة، والجمع أرساغ وأرسغ.
٤٣٣٠ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (بميامنه) أي: بجانب يمين القميص ولذلك
стр. 4189
٤٣٣١ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ" قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، "وَلَا يَنْظُرُ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٠٩٣، جه: ٣٥٧٣].
٤٣٣٢ - [٢٩] وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الإِسْبَالُ فِي الإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٠٨٥، ن: ٥٣٣٤، جه: ٣٠٧٦].
ــ
جمعه، كذا قال الطيبي (١)، يعني أن الميامن جمع ميمنة بمعنى جانب اليمين، والجانب يشمل كم القميص وما أسفل من ذلك، كذا في (مجمع البحار) (٢).
٤٣٣١ - [٢٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إزرة المؤمن) بالكسر للحالة والهيئة، أي: الحالة المحمودة في الإزار أن يكون إلى نصف الساق، ووجه جمع الأنصاف عرف في الفصل الأول في شرح حديث ابن عمر الثاني.
وقوله: (ما أسفل) بالنصب والرفع، وقد عرف توجيهما أيضًا من قبل في حديث أبي هريرة.
٤٣٣٢ - [٢٩] (سالم) قوله: (تخيلًا) بمعنى الخيلاء، وقد وقع في بعض النسخ: (خيلاء).
стр. 4190
٤٣٣٣ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ قَالَ: كَانَ كِمَامُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُطْحًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. [ت: ١٧٧٢].
٤٣٣٤ - [٣١] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ الإِزَارَ: فَالْمَرأَةُ يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: "تُرْخِي شِبْرًا"، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ عَنْهَا، قَالَ: "فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٢/ ٩١٥، د: ٤١١٧، ت: ١٧٣١، ن: ٥٣٣٦، جه: ٣٥٨٠].
٤٣٣٥ - [٣٢] وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَتْ: . . . . .
ــ
٤٣٣٣ - [٣٠] (أبو كبشة) قوله: (كان كمام أصحاب رسول اللَّه ﷺ ) جعلوا الكمام بكسر الكاف جمع كمة بالضم كقبة وقباب، والكمة بالضم: القلنسوة المدورة، وقيل: جمع كم، وهو المشهور، أعني: مدخل اليد ومخرجه من الثوب كالقف والقفاف، و (بطحًا) بضم الباء وسكون الطاء جمع أبطح، وهو يناسب المعنيين، فعلى الأول معناه كانت مبسوطة لازقة برؤوسهم، وعلى الثاني كانت عريضة واسعة؛ لأن في الأرض البطحاء بسطًا واتساعًا وهو منصوب، وقد يروى: بطح بالرفع، فإن صحت الرواية يعتبر ضمير الشأن في (كان)، أو يجعل (بطح) خبر مبتدأ محذوف، كذا في الطيبي (١).
٤٣٣٤، ٤٣٤٥ - [٣١، ٣٢] (أم سلمة) قوله: (تُرخي شبرًا) في (القاموس) (٢): الشبر: ما بين أعلى الإبهام إلى أعلى الخنصر.
وقوله: (إذًا تنكشف عنها) أي: تنكشف العورة عن المرأة، وفي بعض الحواشي:
стр. 4191
إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: "فَيُرْخِينَ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ". [ت: ١٧٣١، ن: ٥٣٣٦].
٤٣٣٦ - [٣٣] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَبَايَعُوهُ وَإِنَّهُ لَمُطْلَقُ الأَزْرَارِ، فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الْخَاتَمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٨٢].
ــ
أي: تزول تلك القطعة المرخاة عن قدمها، وبالجملة المراد أنه على تقدير زيادة الشبر يحتمل أن ينكشف قدمها بطول ساقيها مثلًا، وأما بزيادة الذراع وهو الشبران فيحصل الستر قطعًا، والحاصل إن اعتبر إزار الرجل أسفل من نصف الساق يكفي زيادة شبر، وإن اعتبر من النصف الحقيقي ويكون ساق المرأة طويلًا، قد يحتمل الانكشاف فيزاد ذراع وهو كاف قطعًا، فالزيادة عليها يكون إسبالًا.
٤٣٣٦ - [٣٣] (معاوية بن قرة) قوله: (فأدخلت يدي في جيب قميصه) اعلم أن جيب قميصه ﷺ كان على الصدر كما دلت عليه الأحاديث، وحققه علماء الحديث، وهو الذي تُعورف في بلاد العرب إلى أقصى المغرب، وتوارث فيهم خلفًا عن سلف، وقال السيوطي: ظن من لا علم عنده أنه بدعة، وليس كما ظن، انتهى. ولما صار في بعض ديار العجم الجيب على الصدر عادة للنساء حكم بعض الفقهاء بكراهته للتشبه بهن، ولا شك أن هذه العادة حادثة، والمعتبر هو الأصل، وما تُعورف في العجم للرجال فهو عادة النساء في العرب، وبالجملة التحقيق أن جيبه ﷺ كان على الصدر، نعم في دلالة هذا الحديث على ذلك كما ادعاه السيوطي خفاء، ولعل وجه الدلالة أنه على تقدير وجود الإزار على الكتفين كما قاله بعض الفقهاء، وكونها مطلقة لا حاجة كثيرة إلى إدخال اليد لمساس الخاتم، بل الظاهر أن الخاتم على هذا التقدير يكون ظاهرًا مكشوفًا، ومسه بدون إدخال اليد ميسرًا، فافهم.
стр. 4192
٤٣٣٧ - [٣٤] وَعَن سَمُرَة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْبَسُوا الثِّيَابَ الْبِيضَ، فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ١٣، ت: ٢٨١، ن: ١٨٩٦، جه: ٣٥٦٧].
٤٣٣٨ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٧٣٦].
ــ
٤٣٣٧ - [٣٤] (سمرة) قوله: (فإنها أطهر) لظهور أثر النجاسة والدرن فيه، فيتحرز عنه ويغسل بخلاف غيره من الألوان، وأما كونه (أطيب) فلعدم اختلاطه باللون.
٤٣٣٨ - [٣٥] (ابن عمر) قوله: (سدل عمامته) أي: أرسل طرفها بين كتفيه، قد ثبت من فعله ﷺ إرسال العذبة، ولكن لم يكن دائمًا بل كان يرسل تارة ولم يرسل أخرى، وتارة شدها تحت العنق، وتارة يغرز أحد طرفي العمامة فيها، ويرسل الطرف الآخر، وفي كل ذلك وردت أحاديث، وكانت عذبته ﷺ غالبًا خلف ظهره، وقد يرسلها على جانبه الأيمن، وكان يرسل في بعض الأحيان عذبتين بين الكتفين، وإرسال العذبة على الجانب الأيسر بدعة كذا قالوا، وأقله أربع أصابع وأكثرها ذراع، وتطويلها متجاوزًا عن نصف الظهر بدعة، وإسبال محرم، فإن كان على وجه الخيلاء فهو محرم وإلا فمكروه مخالف للسنة، وقيل: تخصيص الإرسال بحالة الصلاة ليس بشيء ولا يوافق السنة، والصواب أن إرسال العذبة مستحب، ومن السنن الزوائد دون المؤكدة، وقال في (كنز الدقائق) (١): وندب لبس السواد وإرسال ذنب العمامة بين كتفيه،
стр. 4193
٤٣٣٩ - [٣٦] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٧٩].
٤٣٤٠ - [٣٧] وَعَنْ رُكَانَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالقَائِمِ. [ت: ١٧٨٤].
٤٣٤١ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلإنَاثِ مِنْ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا". . . . .
ــ
وهكذا في غيره من كتب الحنفية، واللَّه أعلم.
٤٣٣٩ - [٣٦] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (عممني) أي: لف عمامتي على رأسي.
وقوله: (فسدلها بين يدي ومن خلفي) أي: أرسل لعمامتي طرفين، أحدهما على صدري والآخر على ظهري.
٤٣٤٠ - [٢٧] (ركانة) قوله: (وعن ركانة) بمضمومة وخفة كاف ونون.
وقوله: (العمائم على القلانس) هذه العبارة تحتمل معنيين، أحدهما: إنا نتعمم على القلانس وهم لا يتعممون، بل يلبسون القلنسوة من غير عمامة، وثانيهما: إنا نتعمم على القلانس وهم يتعممون من غير قلنسوة، وقالوا: هذا المعنى الثاني هو المراد؛ لأن تعمم المشركين معلوم قطعًا، ولبسهم القلنسوة وحدها غير واقع، وفي الحديث فضل العمامة على القلنسوة، وقد وردت أحاديث في فضل العمامة على الإطلاق، ففي لبسها على القلنسوة مزيد فضل.
٤٣٤١ - [٣٨] (أبو موسى الأشعري) قوله: (وحرم على ذكورها) أي: كل
стр. 4194
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ١٧٢٠، ن: ٥١٤٨].
٤٣٤٢ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ، عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ. . . . .
ــ
واحد، وكذلك الفضة ولم يذكرها اكتفاء، ويحتمل أن يكون تحريمها بعد ذلك، واللَّه أعلم.
٤٣٤٢ - [٣٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إذا استجد ثوبًا) أي: لبس ثوبًا جديدًا.
وقوله: (عمامة أو قميصًا) وفي أكثر النسخ: (أو رداء)، والظاهر أن هذا تعميم للثوب، والتقدير: عمامة كان الثوب أو قميصا أو بدل من (ثوبًا)، فصورة التسمية أن يقول: عمامة، قميص، رداء موقوفًا، كما يكون في صورة التعداد، والمقصود مجرد التسمية وإحضار المسمى أو خبر لمبتدأ محذوف، ويحتمل أن يكون ذلك هو صورة التسمية منصوبًا بتقدير نحو: كساني اللَّه عمامة أو قميصًا، أو كسوتني اللهم عمامة أو قميصًا، ثم يقول: اللهم لك الحمد، ويفهم من عبارة (سفر السعادة) (١) أن المراد بقوله: (سماه) أن يسميه باسم علم، ثم يلبس، وحمل قوله: (استجد) على حصول ثوب جديد لا على لبسه، وقال: كان إذا حصل ثوب جديد سماه باسم، فإذا لبسه قال: (اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه)، أو (الحمد للَّه الذي كساني)، وما ذكرناه هو الذي حمل الشراح الحديث عليه، نعم جاء في حديث آخر: أنه كان عنده ﷺ لبعض
стр. 4195
كَمَا كَسَوْتَنِيهِ أَسأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٧٦٧، د: ٤٠٢٠].
٤٣٤٣ - [٤٠] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: "وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ". [ت: ٣٤٥٨، د: ٤٠٢٣].
ــ
ثيابه اسمًا كما سمى عمامته سحابة، وكما كان للأسلحة والأفراس اسمًا، فتدبر.
وقوله: (كما كسوتنيه) قيل: الكاف بمعنى على أو بمعنى اللام، أي: لأجل ما كسوتنيه، والطيبي (١) جعله بمعنى مثل، مبتدأ، و (أسألك) خبره.
وقوله: (خيره) أي: خير هذا الثوب في ذاته بأن يبقى على البدن على وجه الخيرية ولم يتطرق إليه شر وآفة، (وخير ما صنع له) بأن يكون مستعملًا في كسب الطاعات ومباشرة الخيرات، وعلى هذا القياس معنى قوله: (وشر ما صنع له).
٤٣٤٣ - [٤٠] (معاذ بن أنس) قوله: (ما تقدم من ذنبه وما تأخر) قال الطيبي (٢): ليس قوله: (وما تأخر) مذكورًا في القرينة السابقة -يعني الطعام- في الترمذي وأبي داود، وقد ألحق في بعض نسخ (المصابيح) قياسًا على القرينة اللاحقة، أقول: وقد يوجد في بعض نسخ (المشكاة) أيضًا، وفي بعضها خط عليه، وأورد السيوطي في
стр. 4196
٤٣٤٤ - [٤١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ! إِنْ أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: صَالِحُ بْنُ حَسَّانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. [ت: ١٧٨٠].
٤٣٤٥ - [٤٢] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ إِيَاسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا تَسْمَعُونَ؟ أَلَا تَسْمَعُونَ أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ؟ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [ت: ٤١٦١].
ــ
رسالة عملها في غفران ما تقدم من الذنوب وما تأخر هذا الحديث وذكر في كليهما (وما تأخر)، ولم يذكره الشيخ مجد الدين في (سفر السعادة) في واحد منهما، واللَّه أعلم.
٤٣٤٤ - [٤١] (عائشة) قوله: (كزاد الراكب) الكاف بمعنى مثل فاعل (يكفيك)، تحريض على القناعة بيسير من الدنيا، ولعل وجه التخصيص للراكب أنه يسرع في السير، ويبلغ المنزل في زمان قليل، فيكفيه أدنى زاد، بخلاف الراجل فإنه يطول سفره فيتخذ زادًا كثيرًا، (لا تستخلقي) أي: لا تعديه خلقًا ولا تخلعيه.
٤٣٤٥ - [٤٢] (أبو أمامة) قوله: (أن البذاذة) بفتح الباء وخفة الذالين المعجمتين، يقال: باذُّ الهيئة وبذُّ الهيئة، أي: رث اللبسة.
وقوله: (من الإيمان) فإن الإيمان بالآخرة ونعيمها وحللها وخساسة متاع الدنيا وفنائها هو الباعث على الزهد في الدنيا والاكتفاء بأدنى شيء منه، والتكرار للتأكيد والتقرير نفيًا لما ركز في الطبائع والنفوس من الميل إلى الدنيا وزينتها.
стр. 4197
٤٣٤٦ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّه ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ١٣٩، د: ٤٠٢٩، جه: ٣٦٠٦].
٤٣٤٧ - [٤٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٥٠، د: ٤٠٣١].
ــ
٤٣٤٦ - [٤٣] (ابن عمر) قوله: (ثوب شهرة) في (النهاية) (١): الشهرة بالضم: ظهور الشيء في شُنعة حتى يشهره الناس، والشهير والمشهور المعروف، والمراد بثوب الشهرة ما يلبسه تغررًا وتكبرًا سواء كان نفيسًا تفاخرًا بالدنيا وزهرتها أو خسيسًا إظهارًا للزهد والرياء، وقيل: هو ما لا يحل لبسه، وإلا لما رتب عليه الوعيد، والأحسن الأنسب باللفظ هو تفسيره بما ذكرنا، والتكبر والتفاخر مما يترتب عليه الوعيد خصوصًا بالمذلة والهوان، وقيل: المراد به ما يتخذه المساخر ليجعل ضحكة أو ما يرائي به من العمل كناية عن العمل بالثوب، وأقول: والثوب أيضًا مما يرائى لكونه علامة على الزهد والصلاح، و (ثوب مذلة) من إضافة السبب إلى المسبب، أو بيانية تشبيها للمذلة بالثوب في الاشتمال.
٤٣٤٧ - [٤٤] (وعنه) قوله: (من تشبه بقوم فهو منهم) المتعارف في التشبه هو التلبس بلباس قوم، وبهذا الاعتبار أورده في (كتاب اللباس)، وهو بإطلاقه يشمل الأعمال والأخلاق واللباس سواء كان بالأخيار أو بالأشرار، فإن كان في الأخلاق والأعمال يجري حكمه في الظاهر والباطن، وفي اللباس يختص بالظاهر، وبالجملة حكم المشابه للشيء حكمه، ظاهرًا كان أو باطنًا، والمعتبر في باب التصوف هو
стр. 4198
٤٣٤٨ - [٤٥] وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ، وَهُوَ يقدرُ عَلَيْهِ -وَفِي رِوَايَةٍ: تَوَاضُعًا-، كَسَاهُ اللَّه حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ تَزَوَّجَ لِلَّهِ تَوَّجَهُ اللَّه تَاجَ الْمُلْكِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٧٨].
٤٣٤٩ - [٤٦] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ حَدِيثَ اللِّبَاسِ. [ت: ٢٤٨١].
ــ
التشبه بالأعمال والأخلاق، قال الشيخ في (العوارف): التشبه هو الترسم في أعمالهم وآدابهم طمعًا في الاتصاف بصفاتهم وأخلاقهم.
٤٣٤٨، ٤٣٤٩ - [٤٥، ٤٦] (سويد بن وهب) قوله: (حلة الكرامة) أي: ألبسه اللَّه من حلل الجنة أو يلبسه منها ما فيه زيادة تكريم، ويحتمل أن يكون من إضافة السبب إلى المسبب، أو شبه الكرامة بالحلة كما قلنا في (ثوب مذلة).
وقوله: (من تزوج للَّه) الظاهر أن المراد تزوج امرأة نازلًا عن درجته في الكفاءة ابتغاء لمرضات اللَّه، فإن المقام مقام بيان التواضع، فلما ذكر القناعة بالدون من اللباس تواضعًا أردفه بذكر القناعة التواضع في التزوج، والمناسبة بين اللباس والمرأة ثابتة بحكم قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويناسب هذا المعنى الجزاء المذكور يعني لما أذل نفسه للَّه أعزه كما ورد: (من تواضع للَّه رفعه اللَّه)، وأما حمله على التزوج لصيانة الفرج أو للتناسل فلا يناسبه هذا الجزاء، وكذا ما قيل: إن المراد بالتزوج التصدق بزوجين، أي: صنفين نحو بعيرين أو عبدين كما سبق في (باب الصدقات)، و (تاج الملك) بضم الميم، وإلباسه كناية عن إجلاله وتوقيره، أو حقيقة كما في حافظ القرآن.
وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ. قَالَ: "فَإِذَا آتَاكَ اللَّه مَالًا فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" بِلَفْظِ "الْمَصَابِيحِ". [حم: ٤/ ١٣٧، ن: ٥٢٢٤].
٤٣٥٣ - [٥٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٨٠٧، د: ٤٠٦٩].
٤٣٥٤ - [٥١] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا أَرْكَبُ الأُرْجُوَانَ. . . . .
ــ
وقوله: (فلير أثر نعمة اللَّه عليك) أي: البس لباسًا جيدًا ليعرف الناس أنك غني، وأما مدح البذاذة فإنما هو لقصد الزهد وترك شهوات الدنيا والإيثار، والقول الفصل أن الحكم في اللباس دائر على القصد والنية، كما أسلفنا ذكره في (القاموس) (١).
٤٣٥٣ - [٥٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ثوبان أحمران) قد وقع في هذا الحديث الأحمر مطلقًا من غير قيد المعصفر، والمختار في المذهب أن الكراهة إنما هي لأجل اللون لا للعصفر بخصوصه، كذا حققه الشيخ قاسم الحنفي أحد أعاظم علماء مصر من المتأخرين، معاصر الشيخ ابن حجر العسقلاني.
٤٣٥٤ - [٥١] (عمران بن حصين) قوله: (لا أركب الأرجوان) بضم الهمزة والجيم وسكون الراء معرب أرغوان ورد أحمر معروف، كذا في (مجمع البحار) (٢)،
стр. 4201
وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ، وَلَا أَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْمُكَفَّفَ بِالْحَرِيرِ" وَقَالَ: . . . . .
ــ
وقال الطيبي (١): شجر له نور أحمر، وكل لون آخر يشبهه يقال له: الأرجوان، فقال بعضهم في معنى (لا أركب الأرجوان): لا أجلس على الثوب الأحمر، فإن الجلوس في حكم اللبس، وقيل: دونه في الكراهة، واللحاف من أنواع اللبس بخلاف التوسد، والصحيح أن معناه: لا أركب ميثرة الأرجوان، والميثرة بكسر الميم وسكون الياء وفتح المثلثة: وطاء صغير محشو يترك على سرج الفرس أو رحل البعير، وأكثر ما يجعل على السرج، وأصله الموثرة من وثر يثر وثرًا ووثارة: وطّأه لينا، والوثير على وزن فعيل بمعنى الفراش اللين، والوثيرة: المرأة الكثيرة اللحم السمينة الموافقة للمضاجعة، وجمع ميثرة مواثر ومياثر، وقد ورد في الحديث: (نهى عن ميثرة الأرجوان) أي: نهى عن الركوب عن السرج، وعليه ميثرة الأرجوان؛ لأنه دأب المتكبرين وأهل الإسراف من الأعاجم، فقالوا: المراد من قوله: (لا أركب الأرجوان) ميثرة الأرجوان، ولفظ: (لا أركب) قرينة ظاهرة عليه، ومفهوم الحديث أنه إذا لم يكن حمراء لم يحرم بقصد الاستراحة خصوصًا للضعفاء.
وقوله: (لا ألبس المعصفر) أي: الثوب المصبوغ بالعصفر سواء كان أحمر أو أصفر.
وقوله: (لا ألبس القميص المكفف بالحرير) يعني إذا كان زائدًا على القدر المرخص فيه، وهو أربعة أصابع، وقد سبق الكلام عليه في الفصل الأول في حديث أسماء بنت أبي بكر.
стр. 4202
"أَلَا وَطِيبُ الرِّجَالِ رِيحٌ لَا لَوْنَ لَهُ، وَطِيبُ النِّسَاءِ لَوْنٌ لَا رِيحَ لَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٤٨].
٤٣٥٥ - [٥٢] وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَشْرٍ: عَنِ الْوَشْرِ، وَالْوَشْمِ، وَالنَّتْفِ،
ــ
قوله: (وطيب الرجال ريح لا لون له، وطيب النساء لون لا ريح له) وفي (الشمائل) (١) للترمذي عن أبي هريرة ﵁: (طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه)، وسيجيء في الفصل الثاني من (كتاب الترجل)، والظاهر أن هذا هو المراد بما ذكر هنا في الحديث؛ فإن الطيب لا يخلو عند رائحة ظاهرة أو خفية، فلا يفيد إثباته له، ولا يصح نفيه عنه كما لا يخفى.
٤٣٥٥ - [٥٢] (أبو ريحانة) قوله: (عن الوشر) بواو مفتوحة وشين معجمة ساكنة: تحديد الأسنان وترقيق أطرافها من وشرت لغة في أشرت الخشبة بالمنشار، والواشرة هي التي تفعل ذلك لغيرها، والمؤتشرة التي تأمر غيرها بفعله، وقد ورد اللعن عليهما جميعًا، وكان المراد من الوشر هنا ما يشملهما أو اكتفى بأحدهما لدلالته التزامًا على الآخر.
وقوله: (والوشم) فيه أيضًا ورد اللعن على الواشمة والموتشمة، الوشم: أن يغرز الجلد بالإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل.
وقوله: (النتف) المراد نتف البياض عن اللحية والرأس أو نتف الشعر عن اللحية والحاجب للزينة أو عن نتف النساء الشعر عن وجوههن، وسبب النهي تغير الخلقة وارتكاب التكلف المذموم، والنساء وإن أبيحت الزينة لهن لكن نهى عن هذه التكلفات،
стр. 4203
وَعَنْ مُكَامَعَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَمُكَامَعَةِ الْمَرأَةِ الْمَرأَةَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي أَسْفَلِ ثِيَابِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الأَعَاجِمِ، أَوْ يَجْعَلَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَرِيرًا مِثْلَ الأَعَاجِمِ، وَعَنِ النُّهْبَى،
ــ
وقيل: المراد نتف الشعر من الرأس واللحية عند المصيبة، ووجه النهي لزوم الجزع.
وقوله: (وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار) والشعار الثوب الذي يلبس تحت الثياب ملاصقًا بالبدن، فإن كان خوف الفتنة فوجه النهي ظاهر، وإلا فهو خلاف الأدب والحياء، وعلى الأول تحريمي، وعلى الثاني تنزيهي.
وقوله: (وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا) يعني لبس الحرير حرام على الرجال سواء كانت تحت الثياب أو فوقها، وعادة الأعاجم أن يلبسوا تحت الثياب ثوبًا قصيرًا من حرير ليلين أعضاءهم هكذا فسره الطيبي (١)، وجاء في بعض الروايات الفقهية: المكروه إنما هو لبس الحرير إذا كان ملاصقًا بالبدن، وإن كان تحت ثياب الحرير ثوب ملاصق بالبدن من كرباس لم يكره عند أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه، وروي عن ابن عباس أنه كان عليه جبة من حرير فقيل له: ما ذلك؟ فقال: أما ترى إلى ما يلي الجسد، وكان تحته ثوب من قطن، والصحيح أن الكل حرام على الرجال، كذا في (مطالب المؤمنين) من (القنية).
وقوله: (أو يجعل على منكبيه حريرًا) في بعض الحواشي: أي علم حرير زائد على قدر ما رخص فيه، فأما العلم بقدر الرخصة وهو أربع أصابع فلا بأس، انتهى. ويمكن أن يكون المراد إلقاء ثوب الحرير مثل الرداء على الكتفين على وجه التكبر والخيلاء كما يفعله المسرفون من الأعاجم، واللَّه أعلم.
стр. 4204
وَعَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ، وَلُبُوسِ الْخَاتَمِ إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٠٤٩، ن: ٥٠٩١].
٤٣٥٦ - [٥٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ. . . . .
ــ
وقوله: (وعن ركوب النمور) أي: على جلودها [التي] تلقى على السرج والرحال؛ لأنه من الزينة والخيلاء أو لنجاستها وعدم طهارتها بالدباغة على ما هو مذهب الشافعي، وأكثر ما يؤخذ بعد الموت لصعوبة اصطيادها، وقيل: المراد الجلوس عليها في المجالس، وقال بعض المشايخ: الجلوس على جلود البهائم والسباع يورث الوحشة وتفرقة الأحوال، والنمور جمع نمر على وزن كتف: سبع معروف، وأصل النمرة بالضم النكتة من أيِّ لون كان، والأنمر ما فيه نكتة بيضاء، وأخرى سوداء، والسبع المعروف إنما سمي به للنمرة التي فيه، كذا في (القاموس) (١)، ويمكن أن يراد بالنمر ما يشمل مثل الأسد أيضًا مجازًا ولذا جمع، ويحتمل أن يكون باعتبار الأفراد، واللَّه أعلم.
وقوله: (وعن لبوس الخاتم) اللبوس بضم اللام مصدر بمعنى اللبس، والمراد بـ (ذي سلطان) من يحتاج إليه للمعاملة مع الناس، والمراد نهي التنزيه، والصواب أنه منسوخ بدليل تختم الصحابة بعد عصره ﷺ في عصر الخلفاء من غير سلطان، كذا قيل.
٤٣٥٦ - [٥٣] (علي) قوله: (عن خاتم الذهب) روي أنه صنع له ﷺ خاتم من ذهب فلبسه يومًا ثم طرحه، ونهى عنه، ولبس خاتم الذهب مكروه عند الأئمة
стр. 4205
وَعَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمَيَاثِرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: نَهَى عَنْ مَيَاثِرِ الأُرْجُوَانِ. [ت: ١٧٣٧، د: ٤٠٥١، ن: ٥١٦٦، جه: ٣٦٥٤].
٤٣٥٧ - [٥٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَرْكَبُوا الْخَزَّ وَلَا النِّمَارَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤١٢٩، ن في الكبرى: ٩٧٣٠].
٤٣٥٨ - [٥٥] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءَ. رَوَاهُ فِي "شَرْح السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١٢/ ٥٨].
ــ
الأربعة، وتمامه في (باب الخاتم).
وقوله: (القسي) بفتح القاف وقد يكسر وتشديد السين المهملة منسوب إلى قس موضع من أرض مصر، وفي بعض الشروح أن النهي عنها إنما هو إذا كان من حرير.
وقال الطيبي (١): إنها ثياب من كتان مختلطة بحرير، وقال الكرماني (٢): إنها ثياب مضلعة فيها حرير على مثال الأترج، والثياب المضلعة هي فيها خطوط عريضة مثل الأضلاع أو من كتان فيها حرير، وقوله: (والمياثر) جمع ميثرة، مرّ تحقيقها في (لا أركب الأرجوان).
٤٣٥٧، ٤٣٥٨ - [٥٤، ٥٥] (معاوية) قوله: (لا تركبوا الخز ولا النمار) الخز بفتح الخاء المعجمة والزاي المشددة، في (القاموس) (٣): ثوب معروف، وفي