← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

١٥٠ - [١١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ مَا بَعَثنَي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، ــ ١٥٠ - [١١] (أبو موسى) قوله: (من الهدى والعلم) الهدى مصدر بمعنى الهداية، وكأنه أشار إلى العمل، فالكمال منحصر في العلم والعمل بمقتضاه إن كان المقصود منه العمل. وقوله: (كمثل الغيث الكثير) في تشبيهه بالغيث تلميح خفيٌّ إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]، وقد كانوا كذلك في الجاهلية وأيام الفترة. وقوله: (طائفة) بالرفع، أي: قطعة، و (طيبة) صفتها، أي: نظيفة غير خبيثة، والطيب من الأرض ما ينبت، وفي رواية البخاري: (وكانت منها نقية) بدون ذكر لفظ طائفة، ونقية بمعنى طيبة من النقاوة بالنون والقاف. وقوله: (الكلأ) بالهمزة كجبل: العشب رطبه ويابسه (والعشب) (١) الكلأ الرطب، كذا في (الصحاح)، و (القاموس) (٢). وفي (مشارق الأنوار) (٣): الكلأ مهموز مقصور، وهو المرعَى والعشب رطبًا كان أو يابسًا عند أكثرهم، وقال ثعلب: الكلأ اليابس. وفي (مجمع البحار) (٤): الكلأ بفتحتين وهمزة مقصورة، وبالجملة الكلأ

стр. 457

وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، ــ مهموز سواء كان مخصوصًا باليابس أو أعم، وأما قول الطيبي (١): العشب والكلا مقصورًا مختصان بالرطب، والكلأ بالهمزة يقع على اليابس والرطب، فيفهم أنه جاء بألف مقصورة كعصًا بمعنى الرطب خاصة كالعشب، وهو محل نظر فإنه لم يُذكر في كتب اللغة إلا في باب الهمزة، فتدبر. وأما العشب بضم العين وسكون الشين فمخصوص بالرطب بلا خلاف. وقوله: (كانت منها أجادب) بالجيم والدال المهملة، وهو الصحيح روايةً والموجود في أصول النسخ، وقال القاضي عياض (٢): كذا رويناه في الصحيحين بدال مهملة بلا خلاف. وقد أورد في (القاموس) هذا اللفظ من الحديث في مادة جدب بالجيم والدال المهملة، انتهى. جمع جدب بسكون الدال من غير قياس، وكان القياس أن يكون جمعه أَجْدُب لكنهم قد قالوا: محاسن جمع حُسْنٍ، وكان قياسه أن يكون جمع مَحْسَنٍ، وكذا مَشَابهٌ جمع شَبَهٍ وقياسه مَشْبَه، ومنه المَحامد جمع حَمْدٍ، وقيل: هي جمع محمدة، كذا في (المشارق). وفي (النهاية) (٣): كأنه جمع أَجْدُبٍ وأَجْدُب جَمْعُ جَدْبِ، مثل كَلْب وأَكْلُب وأكالب. فقال في (النهاية): الأجادب هي صلاب الأرض التي تُمسك الماء فلا تشربه سريعًا، وقيل: الأراضي التي لا نبات بها، مأخوذ من الجدب، وهو القحط، وغلط الخطابي، وقال: أجادب غلط وتصحيف، وكانه يريد أن اللفظ (أجارد) براء ودال،

стр. 458

فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، ــ وكذلك ذكره أهل اللغة [والغريب]، وقال الخطابي: وروي أحادب بالحاء المهملة، قلت: إنما الرواية بالجيم، وكذا في (الصحيحين)، انتهى كلام النهاية، وكأنه يريد بقوله في أجارد: (كذا ذكره أهل اللغة) ما قالوا: إن الجرد محركة فضاء لا نبات به، مكان جَرْدٌ وأَجْرَدُ، وجَرِدٌ كفَرِح، وأرض جرداء وجرِدَة كفَرِحَةٍ، كذا في (القاموس) (١)، ومنه: أهل الجنة جُردٌ مردٌ. وقال القاضي عياض (٢): الأجادب من الأرض ما لا ينبت الكلأ، وقد روى بعضهم هذا الحرف (أجاذب) بالذال المعجمة، وكذا ذكره الخطابي، وقال: هي صلاب الأرض التي تمسك الماء، وقال بعضهم: (أحازب) بالحاء والزاي وليس بشيء، وقد رواه بعضهم (أجارد) أي: مواضع منجردة من النبات جمع أجرد، ورواه بعضهم (إخاذات) بكسر الهمزة وبعدها خاء معجمة خفيفة وبين الألفين ذال معجمة وآخره تاء الجمع المؤنث، وكذا رواه أبو عبيد الهروي، وهي جمع إخاذة، وهي الغدير التي تمسك ماء السماء، انتهى كلام القاضي. وقال التُّورِبِشْتِي: أوضح هذه الألفاظ من طريق الرواية الأجادب يعني بالجيم والدال، وأقواها من طريق اللغة أجارد -يعني بالجيم والراء والدال- غير أنها لا تثبت رواية. وقوله: (فنفع اللَّه بها) أي: بالأجادب بسبب ما أمسكت من الماء، وفي بعض النسخ (به) أي: بالماء الذي فيها.

стр. 459

فَشَرِبُوا وَسقَوا وَزَرَعُوا، وأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، ــ وقوله: (وزرعوا) قال القاضي (١): فسقوا ورعوا، كذا لكافتهم، وفي كتاب العلم في (البخاري): (وزرعوا) والأول أوجه، وفي رواية بعضهم: (ووعوا) وهو تصحيف ليس هذا موضعه. وقوله: (قيعان) بكسر القاف جمع قاع، وهو المستوي الواسع، في وطاء من الأرض، وقيل: الأرض الملساء، وقيل: ما لا نبات فيها، وقيل: هي أرض فيها رمل، كذا قال الشيخ ابن حجر، وفي (القاموس) (٢): القاع أرض سهلة مطمئنة، قد انفرجت عنها الجبال والآكام، والجمع القِيع والقِيعَة والقِيعان بكسرهن. وقال البيضاوي (٣): والقاع الأرض المستوية. قلت: قد فسره الحديث فقال: لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، وهو المراد في الحديث، وأما ما ذكر في (المشارق): القاع المستوي الصلب الواسع من الأرض، وقد يجتمع فيها الماء، وجمعه قيعان، فلا يخلو عن شيء لمخالفته لفظ الحديث، وأغرب من هذا ما ذكر في (مجمع البحار) عن (النهاية): القاع: المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه وليستوي نباته (٤)، إلا أن يقال: القاع هو المكان الواسع والأرض المستوية أعم من أن يجتمع فيه الماء وينبت الكلأ. وقوله في الحديث: (لا تمسك ماءً لا تنبت كلأ) تقييد لا تفسير، وقد ذكر

стр. 460

فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا. . . . . ــ المعنى المذكور في (النهاية) في حديث آخر وهو قوله: (تركتها -أي مكة- قد ابْيَضّ قاعُها)، فتدبر. وقوله: (فذلك مثل) بفتحتين (من فقه في دين اللَّه) في (القاموس) (١): الفقه بالكسر: العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، وغَلَبَ على علم الدين لشرفه، وفقُه ككرُم وفرِح فهو فقيهٌ وفَقُهٌ، وهي فقيهة وفَقُهَةٌ، والجمع فقهاءُ وفَقَائِهُ، وفَاقَهَه في الدين: باحثه في العلم، وفَقَهَه كنصره: غلبه فيه. وفي (مجمع البحار) (٢): الفقه لغة: الفهم، فقه بالكسر: إذا فهم وعلم، وبالضم: إذا صار فقيها عالمًا، وجعله العرف خاصًا بعلم الشريعة، وتخصيصًا بعلم الفروع منها، والرواية في الحديث بالضم على المعنى الشرعي، وكسرها على اللغة، والأول أشهر، انتهى. وقوله: (ولم يرفع بذلك رأسًا) كناية عن التكبر وعدم التوجه إليه والإقبال عليه. اعلم أنه قد ذكر في الناس قسمين: من انتفع بالدين ومن لم ينتفع، وكذلك في الأرض المنتفع بها وغير المنتفع بها، وجعل المنتفع بها قسمين: المنبت وغير المنبت، فكذلك المنتفع بالدين يشمل قسمين: الأول العالم العامل المعلِّم، وهو كأرض طيبة شربت الماء فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها، والثاني العالم المعلِّم لكن لم

стр. 461

وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ". مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٧٩، م: ٢٢٨٢]. ١٥١ - [١٢] وَعَن عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ وَقَرَأَ إِلَى: . . . . . ــ يعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع، وهو كأرض يستقر فيها الماء فينتفع الناس، ومن لم يرفع به رأسًا بأن تكبر ولم يلتفت إلى العلم ولم يسمعه، أو سمعه ولم يعمل به ولم يعلِّمه سواء دخل في الدين أو كفر به فهو كالسبخة التي لا تقبل الماء، هذا ما ذكر بعض شراح (البخاري). قال العبد الضعيف عفا اللَّه عنه: ويمكن أن يقال: القسم الأول عبارة عمن تعلم واجتهد فيه واستنبط منه النكات والأسرار وشرحه وبينه كالفقهاء المجتهدين كالعشب والكلأ الذي يخرج من الأرض التي قبلت الماء وشربته، والثاني عمن تعلم وحفظ العلم وجمعه ووعاه وأخذ منه الناس فانتفعوا به كالمحدثين، واللَّه أعلم. ١٥١ - [١٢] (عائشة) قوله: (﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾) المراد بالمحكم ههنا ما اتضح معناه ولا تَعْرِض فيه شبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى، فكأن عبارته أحكمت بأن حفظت عن الاحتمال والاشتباه والإجمال، وسمي المحكمات أم الكتاب، أي: أصله يردُّ ويرجع إليها غيرها؛ لأن المحتمل يرد إلى المتيقن، وقيل: أم الكتاب، أي: معظمه، يقال لمعظم الشيء: أُمه، وأفرد أمه لإرادة الجنس أو باعتبار كل واحد، والمراد بالمتشابه خلاف المحكم بهذا المعنى، فهو باعتبار اللفظ أشكل بغيره لمشابهة غيره، ومن حيث المعنى لا ينبئ ظاهره عن مراده، ويكون اشتباهه على أقسام: منها ما يرجع إلى الألفاظ المفردة للاشتراك، ومنها ما يرجع إلى جملة الكلام المركب لاختصار وقع فيه أو بسط وتطويل، أو لتقديم وتأخير في نظمه، ومنها ما يشبه من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها، أو

стр. 462

﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، قَالَتْ: . . . . . ــ من جهة الشروط التي بها يصح الفعل، أو غير ذلك. وبالجملة هو ما تطرق إليه الاشتباه والاحتمال بوجه من الوجوه، غير أن المتشابه منه ما يكون مشتبها بوجه ومبينًا بوجه آخر، ومنه ما يكون مشتبهًا على الإطلاق، والمتشابه من وجه يجوز للعلماء الفحص عنها بل يجب عليهم تبيينها، فهو متشابه بالنسبة إلى من لم يتقنه رواية ودراية، وعليه أن يتحذر من التعرض له، وأما المتشابه على الإطلاق فيجب الإيمان به، وترك التعرض للكيفية، والتوقي عن استعمال الرأي فيه، فمنه صفات اللَّه سبحانه التي لا تعرف كيفية لها، وأحوال القيامة التي لا سبيل إلى إدراكها بالقياس إلا أنها معرَّفة على لسان الشارع بمسميات الجنس، فيلزمه الوقوف على الحد الذي أوقفنا عليه، والتسليم لما يخبر به عن الغيب، فمن ابتغى التجاوز عن الحد المحدود في هذا القسم فهو من أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه، قاله التُّورِبِشْتِي (١). بل نقول: كل من اتبع المتشابه من الوجه الذي هو متشابهٌ بذلك الوجه فهو من الذين ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: طلبِ أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس عن مناقضة المحكم بالمتشابه، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: طلبِ أن يؤوّلوه على ما يشتهونه، والأول يناسب حال المعاند، والثاني يلائم حال الجاهل، والمراد بالتأويل ههنا ما يَؤول إليه حقيقة معناه، والذي يجب أن يحمل عليه، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ بهذا المعنى ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، فالتأويل بهذا المعنى لا يعلم إلا اللَّه فيما ذكر من المتشابهات، والمقصود من إنزال المتشابهات ابتلاء قلوب العلماء وإظهار عجزهم ووقوفهم على

стр. 463

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِذَا رَأَيْتَ -وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُمِ- الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٤٧، م: ٢٦٦٥]. ١٥٢ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، ــ حد العبودية لئلا يقعوا في الدلال. فإن قلت: قد وصف الكتاب كله بالمحكم حيث قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] ووصفه بكونه متشابهًا حيث قال: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]؟ قلنا: المراد بالإحكام هناك حفظه من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وبالتشابه أنه يشبه بعضه بعضا في صحة المعنى وجزالة اللفظ، كذا قال البيضاوي (١). ولا يذهب عليك أنه لا يلزم من هاتين الآيتين الحكم على الكل بالإحكام والتشابه فلا تناقض، فتدبر، واللَّه أعلم. وقوله: (فإذا رأيت) في أكثر الروايات بفتح التاء على الخطاب العام، وفي بعضها بكسرها خطابًا لعائشة ﵂، ورواية مسلم تؤيد الأول. ١٥٢ - [١٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (هجرت إلى رسول اللَّه ﷺ ) هجَّر وتهجَّر وأهجر: سار في الهاجرة، والهاجرة اشتداد الحر في نصف النهار، ويجيء بمعنى نصف النهار عند زوال الشمس من الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يسكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، والتهجير في قوله ﷺ : (المتهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة).

стр. 464

قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٦٦]. ١٥٣ - [١٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ، فَحُرِّمَ مِنْ أجَلِ مَسْأَلَتِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٨٩، م: ٢٣٥٨]. ــ وقوله: (ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه) بمعنى التبكير إلى الصلاة، وهو المضي في أول أوقاتها، وليس من الهاجرة، كذا في (القاموس) (١)، وسيجيء تحقيقة في (باب الجمعة) إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: (باختلاف في الكتاب) المراد اختلاف يوقع في الفتنة والشك والشبهة في الدين مثل الاختلاف في نفس الكتاب، أو في معنى لا مدخل فيه للرأي، لا اختلاف العلماء في استنباط الأحكام منه، أو في العلوم التي هي مباديها ومقدماتها، فإن ذلك رحمة وسبب لتوسيع الدين، وما زال السلف على ذلك، وما نُهوا عنه بل مأمورون بذلك. ١٥٣ - [١٤] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (إن أعظم المسلمين جرمًا) هذا تشديد وتغليظ لكون ضرره عامًّا باقيًا، والمراد السؤال من غير حاجة أو يكون تكلفًا وتعنتًا. قوله: (في المسلمين) كلمة (في) أَجْلية، أي: في حقهم ومن جهتهم.

стр. 465

١٥٤ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧]. ١٥٥ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابَ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، ــ ١٥٤ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (دجالون كذابون) أي: كذابون المموهون، وأصل الدجل الخلط، دجَّل إذا لبَّس وموَّه، وسيجيء في بابه، أي: يلبِّسون ويرون أنفسهم علماء ومشايخ من أهل النصحية والصلاح، ثم يدعون الناس إلى مذاهبهم الباطلة وآرائهم الفاسدة، والمراد بالأحاديث أعم من أحاديث الرسول وغيرها، والمراد بعدم السماع المذكور عدمُ ثبوتها في الدين، وكونها بهتانًا وافتراء فيه. وقوله: (فإياكم وإياهم) من قبيل قوله: وإياك والأسد. وقوله: (لا يضلونكم) استئناف، كأنه قيل: ما فائدة الحذر؟ والخبر في معنى النهي، والمقصود التحفظ والاحتياط في أخذ الدين، والاحتراس والتوقي عن مخالطة أهل البدع وصحبتهم خصوصًا عن الداعين الملبسِّين منهم، وأما المنع والتحذير عن الغلو في علم الكلام فالظاهر أنه ليس من هذا الباب وليس موضع بيانه شرح هذا الحديث كما فعله الطيبي، بل أنسب بذلك الحديث الناطق بالزجر عن الاختلاف في الكتاب والجدال في الدين، كما لا يخفى. ١٥٥ - [١٦] (عنه) قوله: (بالعبرانية) العبري والعبراني بالكسر لغة اليهود، ولا يعرف إلى ما نسب، وقد ذكر في (القاموس) و (الصحاح) تحت لغته [ما] لا يظهر مناسبتُه لها، والسرياني لغة الإنجيل، ولا يعرف له أيضًا معنى محصل،

стр. 466

وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ " الآيَة [البقرة: ١٣٦]. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٣٤٢]. ١٥٦ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥]. ١٥٧ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ فِي أُمَّتِهِ. . . . . ــ واللَّه أعلم. وقوله: (لا تصدقوا أهل الكتاب) لاحتمال التحريف، (ولا تكذبوهم) لاحتمال عدمه، وهذا إرشاد إلى وجوب التوقف في مواضع الاشتباه بخصوصياتها وعدم التوقف فيما هو متيقَّن كالأمر المشترك بينها. وقوله: (﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾) إلى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية. ١٥٦ - [١٧] (عنه) قوله: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع) يعني لو لم يكذب أحدًا ولكنه يحدث ما سمع من غير بحث وتفتيش أنه صدق أو كذب وتبيُّنٍ، حسبه هذا التحديث كذبًا؛ لأنه يقع في الكذب من حاله هذا، والغالب أن يكون بعضه كذبا البتة، والمقصود المنع عن التحديث بشيء لم يعلم صدقه. وقوله: (رواه مسلم) وفي بعض النسخ: رواه البخاري، ولقد أخرج هذا الحديث في (جامع الأصول) في باب الكذب عن مسلم وأبي داود، واللَّه أعلم. ١٥٧ - [١٨] (ابن مسعود) قوله: (في أمته) يروى بهاء الضمير وبدونها، وهو

стр. 467

حَوَارِيُّونَ. . . . . ــ الأكثر والأصوب، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١). وقوله: (حواريون) جمع حواري فكأنه منسوب إلى الحَوَر بمعنى البياض الخالص، كذا قال المحقق التفتازاني في حاشية (الكشاف)، وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٢): منسوب إلى حَوَارٍ مخفف، وقد تضاف هذه الكلمة إلى ياء المتكلم كما في حديث: (لكل نبي حواريٌّ وحواريَّ الزبير) والياء حينئذ مكسورة أو مفتوحة، وأصله حواريي فحذف الياء اكتفاء بالكسرة، وقد تبدل فتحة للتخفيف، وحواريُّ الرجل خالصه وصفوته وناصره الذي خلص ونقي من كل عيب ونفاق لأن أصله البياض الخالص، ومنه يقال للحضريات، أي: النساء التي في الحضر دون البدو؛ لخلوص ألوانهن ونظافتهن ونقاوتهن من الدنس والدرن بخلاف البدويات. وقيل: سمي الزبير به لأنه روجع في اختياره مرة بعد أخرى كالحُوَّارَى بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء، وهو الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق الذي نقِّي ونخل مرة بعد أخرى، وقد أرسله رسول اللَّه ﷺ لخبر القوم يوم الأحزاب. وذهب كثير من أهل العلم أن الأصل في تسمية الناصر بالحواري: أن أصحاب عيسى ﵇ كانوا قصارين، ويسمى القصار حواريًا؛ لأنه يحور الثياب، أي: يبيضها، فلما كانوا أنصاره دون الناس قيل لكل ناصر نبيه: حواري، تشبيهًا بأولئك. وقيل: كانوا ملوكًا يلبسون الثياب البيض واللباس النظيف استنصر بهم عيسى ﵇، وقال بعضهم: إنما سموا حواريين؛ لأنهم كانوا يطهرون نفوسهم أو نفوس الناس عن

стр. 468

وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، ــ دنس الجهل والذنوب بالعلم والدين، فسمي من سواهم بهذا الاسم تشبيهًا بهم. ولا يخفى عليك أنه لا حاجة إلى نقل هذا الاسم على ناصري الأنبياء من ناصري عيسى، بل هو اسم لناصر الرجل وخالصه كما ذكر، وأصحاب عيسى أيضًا إنما سموا لأجل هذا المعنى، وهو موجود فيهم وفيمن سواهم على السواء، اللهم إلا أن يقال: اعتبار النقل الذي ارتكبه كثير من العلماء لأجل شهرتهم بهذا الاسم وغلبته فيهم، ومع ذلك هو تكلف، نعم لا يبعد أن يقال: الحواري اسم للناصر، وقد غلب على ناصر الأنبياء، فافهم. وقوله: (وأصحاب يأخذون بسنته وبقتدون بأمره) كأنه عطف تفسيري للحوارين، وبيان لخلوصهم ونقاوتهم. وقوله: (خلوف) جمع خَلْف بالسكون، وأما جمع خلف بالتحريك فأخلاف، وكلاهما بمعنًى في أصل اللغة، لكنه غلب بالتحريك على الخير، وبالتسكين على ضده، كما في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] وفي (القاموس) (١): الخلف بالتحريك: الولد الصالح، فإذا كان فاسدًا أسكنت اللام، وربما استعمل كل منهما مكان الآخر. وقوله: (ومن جاهدهم بقلبه) أي: أنكر واضطرب قلبه وتغير برؤية منكر، ويكون في حرج وعناد من ذلك.

стр. 469

وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٠]. ١٥٨ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٧٤]. ١٥٩ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا. . . . . ــ وقوله: (وليس وراء ذلك) إشارة إلى الإيمان في المرتبة الثالثة، والمعنى إذا ذُكِر ومضى ذكره كأنه صار بعيدًا، ويجوز أن يشار إليه باسم البعيد، ويحتمل أن يكون إشارة البعيد للتحقير وبُعده عن مقام الكمال، ويجوز أن يكون إشارة إلى المذكور كله، أي: ليس وراء هذه المراتب مرتبة من الإيمان، و (حبة خردل) كناية عن غاية القلة التي في حكم العدم لأن المراد بالإنكار الاضطراب والتغير، وإن أريد به مطلق الإنكار فعدمه يستلزم الرضا، وهو كفر، فيكون كناية من عدم الإيمان أصلًا، فافهم. ١٥٨ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (من دعا) أي: بقول أو فعل (إلى هدى) قليل حقير فكيف بكثير عظيم (كان له من الأجر مثل أجور من تبعه) وذلك أجر الإرشاد والهداية الواصل أثرُها إلى كل من فعله. وقوله: (لا ينقص ذلك من أجورهم) لأن أجورهم لأجل العمل والمباشرة، وأجر الداعي لأجل الإرشاد والهداية، ولو فرض أنهما من جهة واحدة ففضل اللَّه واسع يعطي كل من شاء ما شاء من غير أن ينقص شيئًا، وهو على كل شيء قدير. ١٥٩ - [٢٠] (عنه) قوله: (بدأ الإسلام غريبًا) في (القاموس) (١): بدأ

стр. 470

وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ". . . . . ــ به كمنع: ابتدأ، والشيء: فعله ابتداء، ومن أرضه: خرج. وقوله: (سيعود كما بدأ فطوبى للغرباء) في (مجمع البحار) (١): أي: كان الإسلام في أول أمره كوحيد لا أهل عنده لقلة المسلمين، (وسيعود) أي: يقلون في آخر الزمان، (فطوبى للغرباء) أي: للمسلمين في أوله وآخره لصبرهم على أذى الكفار ولزومهم الإسلام، قيل: معناه في المدينة، وظاهره العموم، ويفسر الغرباء بالنُّزَّاع من القبائل، وقيل: هم المهاجرون، انتهى. وشرح هذا الكلام ما ذكره الطيبي (٢) أن الإسلام إما أن يجري على الحقيقة، فالكلام على تشبيه بالغريب، فالوحدة والوحشة ترجع إلى الإسلام باعتبار ضعفه وقلة المسلمين، أو يراد بالإسلام المسلمون بقرينة الوصف بالغربة، فالوحدة والوحشة ترجع إلى المسلمين، وهم نُزَّاع القبائل، أي: غرباؤها، جمع نزيع بمعنى الغريب، والمهاجرون، وهذا وإن كان مجازًا فهو الظاهر المفهوم بالمتبادر، وقوله: (فطوبى للغرباء) ناظر إليه، وقول النووي: قيل: معناه في المدينة، يعني أن غربة الإسلام في المدينة أولًا وآخرًا؛ لأنه منها بدأ وبها تبوأ وإليها يعود، كما جاء في الحديث الآتي على تأويل، لكن الظاهر أن يراد غربته محمومًا في المدينة وفي كل البلاد، لأن الإسلام يبدأ في كلها غريبًا، ويعود في آخر الزمان غريبًا، وبما ذكرنا ظهر أن المراد بقوله: (فطوبى للغرباء) أي: المتمسكين بالإسلام حال قلته أولًا وآخرًا، وقد يسبق إلى الفهم أن المراد به الإشارة لمن تمسك به في آخر الزمان، فافهم.

стр. 471

رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٥]. ١٦٠ - [٢١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الإيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٦، م: ١٤٧]. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ" في "كتاب المناسك"، وحَدِيثَي مُعَاوِيَةَ وَجَابِرٍ: "لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي" و"لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي" في بَابِ ثَوابِ هَذِهِ الأُمَّةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ــ ١٦٠ - [٢١] (عنه) قوله: (إن الإيمان ليأرز) في (القاموس) (١): أرز يأرز، مثلثة الراء، أُرُوزًا: انقبض، وتَجَمَّعَ، وثبت، فهو آرِزٌ وأَرُوزٌ، والحية: لاذت بجحرها، ورجعت إليه، وثبتت في مكانها، والمأرِز كمجلس: الملجأ، ولعل تخصيص هذه الدابة بالتشبيه بها؛ لأنها أشد أرزًا، أي: انضمامًا وانقباضًا وإسراعًا؛ ولأنها لا يمكن إخراجها عن جحرها بعد دخولها. قال الطيبي (٢): يحتمل أن يكون هذا إخبارًا عما كان في ابتداء الهجرة، ويحتمل أنه أخبر عن آخر الزمان حين يقل الإسلام. قال العبد الضعيف: الأصح أنه إخبار عن زمان الدجال كما يدل عليه الأحاديث، واللَّه أعلم. وقوله: (حديثي معاوية وجابر) لم يذكر هناك حديث جابر أصلًا.

стр. 472

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٦١ - [٢٢] عَنْ رَبِيعَةَ الجُرَشِيِّ قَالَ: أُتِي نَبِيُّ اللَّه ﷺ فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ، قَالَ: "فَنَامَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنايَ وَعَقَلَ قَلْبِي، قَالَ: فَقِيلَ لِي: . . . . . ــ الفصل الثاني ١٦١ - [٢٢] قوله: (ربيعة الجرشي) بضم الجيم وفتح الراء والشين المعجمة. وقوله: (أتي نبي اللَّه) بصيغة المجهول، أي: أتت عليه ملائكة فقالوا له: (لتنم (١) عينك ولتسمع أذنك وليعقل قلبك) الكلمات الثلاث على صيغة الأمر الغائب، ومضمون هذا الحديث مضمون حديث جابر الخامس من أحاديث الفصل الأول، فيكون حاصل المعنى: أن العين وإن كانت نائمة لكن الأذن سامعة والقلب يقظان، فاضربوا به المثل فإنه يسمعه ويعقله، لكنها أوردت على صيغ الأمر، وأسندت إلى الجوارح قريبًا من قولهم: أبصرت بعيني، وكتبت بيدي، وفيه من المبالغة في حصول معانيها ما لا يخفى، فافهم. وقوله: (فنامت عيني وسمعت أذناي وعقل قلبي) لعل إفراد العين لأن العينين لما نامتا عدمتا وصارتا في حكم الواحد؛ لأن الأعدام لا تمايز بينها، وتثنية الأذنين إشارة إلى كمال إدراكهما فرادى، وأما إفراد القلب فظاهر.

стр. 473

سَيِّدٌ بَنَى دَارًا فَصَنَعَ فِيهَا مَأْدُبَةً، وَأَرْسَلَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ لَمْ يُجبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ"، قَالَ: "فَاللَّهُ السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْمَاْدُبَةُ الْجَنَّةُ". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٧]. ١٦٢ - [٢٣] وَعَن أبي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ. . . . . ــ وقوله: (سيد بنى دارًا) المتبادر إلى الفهم أنهما مبتدأ وخبر، فيجعل التنوين للتعظيم لتخصيص المبتدأ رعايةً لقاعدة النحو، ولو اعتمدت على مذهب الرضي أن المدار على الفائدة لم يحتج إلى ذلك، وقد ذكرناه مكررًا، فتدبر. وقوله: (والدار الإسلام) جعل في حديث جابر الباني رجلًا وههنا سيدًا، والمشبه بالباني هو اللَّه تعالى، لكن لم يبينه هناك لسوء الأدب، وبينه ههنا لعدمه، ثم إنه جعل الدار هناك الجنة فتكون المأدبة نعيمها، وهو ظاهر، وههنا الإسلام، وهو أيضًا صحيح باعتبار تمكنهم واستقرارهم فيه كما في الدار، والمأدبة على التقديرين: هي نعيم الجنة، فيكون المراد بقوله: والمأدبة الجنة، أي: نعيم الجنة. ١٦٢ - [٢٣] (أبو رافع) قوله: (لا ألفين) بضم الهمزة، أي: لا أجدن، ألفاه: وجده. وقوله: (متكئًا على أريكته) (١) الأريكة هي السرير في الحجلة -بفتحتين-

стр. 474

يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ". [حم: ٦/ ٨، د: ٤٦٠٥، ت: ٢٦٦٣، جه: ١٣، دلائل النبوة: ٦/ ٥٤]. ١٦٣ - [٢٤] وَعَنِ الْمِقدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، ــ مِنْ دُونِهِ سِتر، ولا يسمّى منفردًا أريكةً، وقيل: هو كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو مِنصَّة، كذا في (النهاية) (١). وقوله: (يأتيه الأمر من أمري) أي: حكم من أحكامي، وهو يشمل الأمر والنهي. وقوله: (لا أدري) أي: غير القرآن ولا أتبع غيره، أخبر رسول اللَّه ﷺ عن حال بعض أهل البدعة والترفه من أهل التكبر المتقاعدين عن العمل بالحديث الناطق بحكم لا يوجد في القرآن، الزاعمين بأن الأحكام منحصرة في القرآن، والمتمسكين بما يروى من قوله: (إذا سمعتم عني حديثًا فاعرضوه على كتاب اللَّه، فإن وافقه فاقبلوا، وإلا فردوه) وهذا الحديث موضوع عند المحدثين، قال الخطابي: وضعه الزنادقة، وقال صاحب (سفر السعادة): هو من أوضع الموضوعات، وقد أوردنا الكلام في شرحه، فليطلب ثمة. ١٦٣ - [٢٤] (المقدام بن معدي كرب) قوله: (ومثله معه) يعني أحكامًا

стр. 475

أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّه كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ. . . . . ــ تماثل القرآن في كونها وحيًا، غير أن الوحي نوعان: متلو يتعلق بألفاظه أحكام كصحة الصلاة به، وحرمة المس للمحدث والجنب، وغير متلو لا يكون كذلك، ومراتب الوحي وطرقه سنذكره في (كتاب الرؤيا). وقوله: (ألا يوشك) في (القاموس) (١): وشك الأمر ككرم: سَرُعَ، وأوشك: أسرع السير، ويوشك لا تفتح شينه، أو لغة رديَّةٌ. وقوله: (شبعان) وصفه به لأن الحامل له على هذا القول البطر والحماقة، ومن موجباته التنعم والترفه، والشبع يكنى به عن ذلك. وقوله: (على أريكته) حال أو صفة ثانية. وقوله: (إن ما حرم رسول اللَّه) هذا كلامه ﷺ ، وهو الأظهر، ووضع المظهر موضع المضمر لإدخال الرُّوع وتقويةً للداعي إلى الامتثال، كقول الخلفاء: أمير المؤمنين يأمرك بكذا. وقيل: هو من كلام الراوي، ولهذا زيد في بعض النسخ لفظ ﷺ ، وهو بعيد، وقد خط على هذا اللفظ في النسخ المصححة، ثم في بعض النسخ كتب (إنما) متصلًا بمعنى ما وإلا، وفي بعضها: (وإن ما) منفصلًا وخبر (إن): (كما). وقوله: (ألا لا يحل. . . إلخ) بيان لبعض الأمثلة لما ثبت بالسنة وليس في

стр. 476

لَكُمْ الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَعْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، ــ القرآن. وقوله: (ولا لقطة معاهد) اللقطة بضم اللام وفتح القاف اسم للمال الملقوط، والالتقاط أن يعثر على الشيء من غير قصد وطلب، وقيل: هو اسم للملتقِط كالضُحَكة، والملقوطُ بسكون القاف، والأول أكثر وأصح، وقيل: هو بفتح قاف وسكونها: الملقوط، بخلاف القياس فإن الفتح قياسًا للَّاقط، وبفتحتين أيضًا لغة، كذا في (مجمع البحار) (١). والمعاهد يجوز كسر هائه وفتحها، والفتح أشهر وأكثر، [وهو] من كان بينه وبينك عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على الذمي، أي: لا يجوز أن يتملك لقطته الموجودة من ماله لأنه معصوم المال، والعهد يكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفاظ ورعاية الحرمة والوصية، ولا تخرج الأحاديث عن أحدها، كذا في (مجمع البحار) (٢). وقوله: (إلا أن يستغني عنها صاحبها) قال الطيبي (٣): معناه: إلا أن يتركها صاحبها لمن أخذها استغناءً عنها، وقيل: معناه إلا أن يكون شيئًا حقيرًا خسيسًا يستغنى عنه عادة، وقد يباح التصرف في اللقطة إذا كان شيئًا يسيرًا خسيسًا يستغنى عنه، وسيأتي تفاصيل أحكام اللقطة في بابها.

стр. 477

وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: "كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ". [د: ٤٦٠٤، دي: ١/ ١١٤، جه: ١٢]. ــ وقوله: (ومن نزل بقوم) هذا أيضًا مما حكم به رسول اللَّه ﷺ ، وليس له ذكر في القرآن، إلا أنه قد قيل: إنه ليس بمحرم، ولذا أخرجه من سياق المنهيات، ولم يقل: إنه لا يحل للمضيف أن لا يكرم ضيفه، بل مكروه وخارج عن سمت المروة؛ لأن قرى الضيف ليس بواجب، فعلى هذا كلمة (على) ليس للوجوب، بل المراد: على طريق السنة والاستحباب. وقيل: كان واجبًا في أول الإسلام ولهذا قال: (فإن لم يقروه) بفتح الياء وضم الراء من قَرَى الضيفَ قِرًى بالكسر والقصر، والفتح والمد: أضافه. وقوله: (فله أن يعقبهم) من الإعقاب، وقد يجعل من التعقيب أن يعقِّبهم ويجازيهم من صنيعهم، أي: يأخذ منهم بدلًا مما فاته، ثم نسخ لفرضية الزكاة. وقال التُّورِبِشْتِي (١): قد كان رسول اللَّه ﷺ يبعث السرايا، وكانوا سكان البوادي والمفاوز لا يقام لهم سوق، فشدد عليهم في القِرى ليقيموا للسرية الغاربة ما يبلغون به، ولعل الأمر بأخذ مقدار القِرى من مال المنزول به كان من جملة العقوبات التي شرعت في الأموال زجرًا للمتمردين، كالأمر بتحريق متاع الغالِّ، وأخذ نصف المال من مانعي الزكاة، انتهى. وقيل: هذا في المضطر الذي لا يجد طعامًا ويخاف على نفسه التلف.

стр. 478

١٦٤ - [٢٥] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَيَحْسِبُ أحَدُكُمْ مُتَّكِأً عَلَى أَرِيكَتِهِ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ، أَلَا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ أَمَرْتُ وَوَعَظْتُ وَنَهَيْتُ عَنَ أَشْيَاءَ، إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ. . . . . ــ ١٦٤ - [٢٥] (العرباض بن سارية) قوله: (وعن العرباض) بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها موحدة في آخره ضاد معجمة. وقوله: (أيحسب) بفتح السين وبكسرها. وقوله: (يظن) بدل من يحسب، وفيه من التأكيد ما لا يخفى. وقوله: (عن أشياء) متعلق بـ (نهيت)، ومتعلَّق (أمرت ووعظت) محذوف، صرح بذكر متعلق (نهيت) اهتمامًا بذكره، وبيان تعدده وكثرته لهذا المنهيات دون ما وراءها، و (أو) في قوله: (أو أكثر) بمعنى الواو، ويحتمل أنه ﷺ لم يبين له في هذا الوقت مقداره ولم يتعين فلذلك تردد، واللَّه أعلم. وقوله: (وإن اللَّه لم يحل لكم) أي: على لساني (أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب)، ولا يخفى أن النهي عن دخول البيوت بغير إذن أهلها مذكور في القرآن بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] بمعنى تستأذنوا، لعله مخصوص ببيوت المؤمنين، أو الآية نزلت بعد حكمه ﷺ ، واللَّه أعلم. أو المراد أن مجموع هذا الكلام -أعني عدم إيذاء أهل الكتاب في المسكن والأهل والمال- معلوم من الحديث دون القرآن، أو لأن المال إلى حكم واحد، وهو عدم إيذائهم إذا أعطوا ما عليهم، وهذا الحكم ليس بمذكور في القرآن.

стр. 479

إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ المِصِّيصِي قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ. [د: ٣٠٥٠]. ١٦٥ - [٢٦] وَعَنْهُ: قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ــ وقوله: (إذا أعطوكم الذي عليهم) وهو الجزية، وإنما ذكرها بهذه العبارة دلالة على أن التعرض لأحد بعد أداء الواجب مما لا ينبغي ولا يجوز. وقوله: (رواه أبو داود. . . إلخ) في نسخة الأصل ههنا بياض، ولكنه قد وقعت كتابته في المتن من الناسخين كما أشرنا إليه في شرح ديباجة الكتاب. وقوله: (وأشعث) بالشين المعجمة والثاء المثلثة، و (المصيصي) بكسر ميم وشدة صاد مهملة أُولى، ويقال: بفتح ميم وخفة صاد نسبة إلى مدينة، وفي (القاموس) (١): المصيصة كسفينة: بلد بالشام ولا يشدد. وقوله: (قد تكلم فيه) في (الكاشف) (٢): أشعث بن شعبة روى عن إسرائيل وجماعة، وروى عنه أبو طاهر بن السرح وجماعة، وثِّق، وفي حاشيته: هو أبو أحمد المصيصي، قال أبو زرعة: لين، وذكره ابن حبان في (الثقات). ١٦٥ - [٢٦] (عنه) قوله: (موعظة بليغة) قال البيضاوي (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]: يبلغ منهم ويؤثر فيهم،

стр. 480

ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، فَقَالَ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، ــ والقول البليغ هو الذي يطابق مدلولُه المقصودَ به، وفي (القاموس) (١): ثناء أبلغ: مبالغ فيه، وشيء بالغ: جيد، والبليغ: الفصيح يبلغ بعبارته كُنْهَ ضميره، وعلى هذا يمكن أن يكون وصفُ الموعظة بالبليغة وصفًا للشيء بصفة صاحبه. وقوله: (ذرفت منها العيون) (٢) في (القاموس) (٣): ذرف الدمع يَذْرِفُ ذَرْفًا وذَرَفَانًا [وذروفًا] وذريفًا وتَذرافًا: سال، وذرفت عينه: سال دَمْعُها، والعينُ دَمْعَها: أسالَتْهُ، والدَّمْعُ مَذْروفٌ وذَرِيفٌ، والمذَارِفُ: المَدَامِعُ. وقوله: (ووجلت منها) أي: خافت منها (القلوب) يعني أن تلك الموعظة أثرت في الظاهر والباطن. وقوله: (موعظة مودع) بلفظ اسم فاعل من التوديع، والمودِّع لا يترك من وصيته عند توديعه شيئًا. وقوله: (بتقوى اللَّه والسمع والطاعة) إشارة إلى أن قبول حكم الأمراء وإطاعتَهم إنما يكون فيما يوافق حكم اللَّه ورسوله لا فيما يخالف.

стр. 481

وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: الصَّلَاةَ. [حم: ٤/ ١٢٦ - ١٢٧، د: ٤٦٠٧، ت: ٢٦٧٦، جه: ٤٣]. ١٦٦ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا. . . . . ــ وقوله: (وإن كان عبدًا حبشيًا) فيه مبالغة على الفرض والتقدير، أو المراد: لو ولَّاه الخليفة وجب إطاعته. وقوله: (فإن من يعش منكم بعدي. . . إلخ) وفي طاعة الأمراء أمن من الفتنة الناشئة من الاختلاف، وأراد بالخلفاء الراشدين الخلفاء الأربعة، ففيه أن بعضًا من سنته ﷺ لا يَشتهر في زمانه وإن علمه الأفراد من صحابته، ثم يَشتهر في زمن الخلفاء الراشدين فيضاف إليهم، فربما يستذرع أحد إلى رد تلك السنن بإضافتها إليهم، فأطلق القول باتباع سنتهم سدًّا لهذا الباب، ومن هذا النوع منع عمر ﵁ عن بيع أمهات الأولاد، وله نظائر كثيرة. فما حكموا به ولو باجتهادهم فهو سنة موافق لسنته ﷺ ، ولا يطلق عليه البدعة كما يفعله الفرقة الزائغة، والذين بعد الخلفاء في حكمهم إذا حكموا بالحق لا فيما ابتدعوا بأهوائهم. و(النواجذ) أقصى الأضراس وتسمى أضراس الحلم لأنها تنبت بعد البلوغ، وهي أربعة في أقصى الأسنان، أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها، جمع ناجذ، والنجذ شدة العض، ويكنى به عن شدة التمسك. ١٦٦ - [٢٧] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (خطّ لنا) أي: لأجلنا تمثيلًا وتفيهمًا

стр. 482

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ"، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ: "هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ". . . . . ــ (هذا سبيل اللَّه) وهو الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح مع مراتب ودرجات فيها، (ثم خطّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله) وهي الطرق الزائغة المائلة عن الطريق المستقيم والسبيل القويم التي اخترعتها أهل البدع والأهواء، لكنها لما كانت راجعة إلى الطريق الوسط ومجتمعة معها لم يكن سالكوها كفارًا؛ لرجوع هؤلاء إلى أصل الكتاب والسنة وكونهم مؤمنين بها، فالحق عدم تكفير أهل القبلة، وهذه بعينها توجد في الطرق المحسوسة، فترى واحدًا يسلك الطريق المستقيم المتوسط ولا ينحرف إلى يمين وشمال، وآخرين ينحرفون ويزيغون عنها، ثم يرجعون إلى الطريق الكبرى المستقيم قريبًا وبعيدًا، فهذا أمثال أهل البدع والأهواء من المسلمين، وأصل مقصدهم هو المقصد الذي يقصده سالك الصراط المستقيم لكن ضلوا في الطريق، ومثل الكافر كمن يمشي مستدبرًا للطريق المستقيم، فطريق الحق وراء ظهره، والمبتدع على جانب منه يمينًا أو شمالًا. ثم إنه لم يذكر في الحديث عدد الخطوط التي على اليمين والشمال ولم يصرحوا به الشراح فيما رأينا سوى ما ذكر في (المدارك) (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أنه روي أن رسول اللَّه ﷺ خطّ خطًا مستقيمًا مستويًا، ثم قال: (هذا سبيل الرشد وصراط اللَّه فاتبعوه، ثم خطّ على كل جانب سمتة خطوط ممالة، ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه فاجتنبوها) وتلا هذه الآية، ثم يصير كل واحد من اثني عشر

стр. 483

وَقَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآيَة [الأنعام: ١٥٣]. رَوَاهُ أحمَدُ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [حم: ١/ ٤٣٥، ٤٦٥، س في الكبرى: ١١١٧٤، دي: ١/ ٦٧]. ــ طريقًا ستة طرق فيكون اثنين وسبعين، انتهى. قلت: قد علم من الحديث افتراق الأمة ثلاثًا وسبعين فرقة لكن لا بهذا الطريق المذكور بأن يكون أصولها اثني عشر، ثم يصير كل منهم ستة، بل ذكر في (المواقف) (١): أن كبار الفرق ثمانية: المعتزلة والشيعة والخوارج والمرجئة والنجَّارية والجبرية والمشبِّهة والناجية، ثم جعل المعتزلة عشرين، والشيعة اثنين وعشرين، والخوارج عشرين، والمرجئة خمسًا، والنجارية ثلاثًا، ولم يفرق الجبرية والمشبِّهة، فهذه اثنان وسبعون، والفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة، فليس الأمر كما ذكر في (المدارك)، واللَّه أعلم. فإن قلت: كيف يعلم سبيل اللَّه والسالك بها وسبل الشيطان والواقفون فيها؟ قلت: يعلم ذلك من نقل المتواتر والفحص عن أحوال السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، وقد علم يقينًا أن هذه البدع في المذاهب والأقوال حدثت بعد الصدر الأول، والصحابة والتابعون لهم بإحسان لم يكونوا على ذلك وكانوا متبرئين عنها وعن أهلها، رادين عليهم مذاهبهم، رادعين لهم عنها، والمحدثون من أصحاب الكتب الستة وغيرها من الكتب المشهورة المعتمدة المعول عليها في الإسلام، والأئمة الفقهاء، وأرباب المذاهب الأربعة، ومن هم في طبقتهم، كانوا على ذلك، وأن الأشاعرة والماتريدية إنما أبدوا مذهب السلف وأثبتوها بدلائل عقلية ونقلية، ولذلك سُموا أهل السنة والجماعة؛ لأخذهم بما ثبت من سنة رسول اللَّه ﷺ ، وجرت عليه جماعة

стр. 484

١٦٧ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ". . . . . ــ الصحابة، وما نطق به الحديث النبوي من قوله: (الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي) صادق عليهم، وهم المصدوق عليهم له؛ لأنهم مقتدون بما روي عن النبي ﷺ وأصحابه ﵁، ولا يتجاوزون عن ظواهر النصوص إلا لضرورة غير مسترسلين مع عقولهم وآرائهم، بخلاف من عداهم من المعتزلة ومن يحذو حذوهم ممن تشبث بالفلسفة واسترسل بآرائهم وأوهامهم. وأن الأوائل من المشايخ الصوفية الزاهدين في الدنيا، المرتاضين في تزكية نفوسهم وتصفية قلوبهم، المجتهدين في السنة والاتباع، كلهم كانوا على هذا المذهب، ولقد ذكر صاحب (التعرف) (١) -وهو كتاب معتبر معتمد في مذهب الصوفية حتى قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في شانه: لولا (التعرف) ما عرفنا التصوف- إجماع الصوفية على عقائد وأقوال هي بعينها مذهب السنة والجماعة. وبالجملة: السواد الأعظم في دين الإسلام هو هذا المذهب عرف من نظر بعين الإنصاف وتجنب عن التعصب والاعتساف، واللَّه يقول الحق ويهدي السبيل. ١٦٧ - [٢٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لا يؤمن أحدكم) أي: لا يكمل إيمان أحد ولا يحصل له حقيقة الإيمان (حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) في العمل والاعتقاد، فلا يغلِّب الهوى عند معارضة داعية الحق وداعية الهوى، ولم يقل: ينتفي هواه وينعدم الهوى، فإن ذلك ليس بممكن، وليس كمالًا، بل الكمال أن يكون باقيًا

стр. 485

رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةَ" وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي "أَرْبَعِينِهِ": هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَويْنَاهُ فِي "كِتَابِ الْحُجَّةِ" بإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. [شرح السنة: ١/ ٢١٢، ٢١٣، رقم: ١٠٤]. ١٦٨ - [٢٩] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمُيتَتْ بَعْدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَع بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ كانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٧٧]. ــ وتابعًا للحق وموافقًا ومسلِّمًا له وراضيًا به، كما دل عليه قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقوله ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيًا) (١) وإن أُريد بالتبعية لما جئت به اعتقادُ حقِّيَّته ﷺ جاز الحمل على نفي أصل الإيمان. ١٦٨، ١٦٩ - [٢٩، ٣٠] (بلال بن الحارث المزني) قوله: (من أحيا سنة من سنتي) أي: أقامها وروجها وأيدها وقواها، والمراد بالسنة: الطريقة المسلوكة في الدين وشرائع الإسلام ولو كانت فرضًا وواجبًا، ولو حمل على المعنى المصطلح فله أيضًا وجه، إذ الفرائض ثابتة لا حاجة إلى الترغيب والتحريض على إحيائها، وإنما يناسب في السنن والفضائل وما يكون من شعار الدين مما يكمل ويَرُوج به الإسلام. وقوله: (بدعة ضلالة) كأنه احتراز عن بعض البدع المستحسنة التي يقوى بها الدين كما مر من أقسام البدعة في أول الباب.

стр. 486

١٦٩ - [٣٠] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. [جه: ٢١٠]. ١٧٠ - [٣١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مِعْقَلَ الأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ، ــ ١٧٠ - [٣١] (عمرو بن عوف) قوله: (إلى الحجاز) في (القاموس) (١): الحجاز: مكة والمدينة والطائف ومخاليفها لأنها حجزت بين نجد وتهامة، أو بين نجد والسراة. وقوله: (كما تأرز الحية إلى حجرها) سبق شرحه في آخر الفصل الأول (٢)، ثم إنه قد خصت المدينة المطهرة هناك والحجاز أعم وأشمل عن ذلك، فالمراد -واللَّه أعلم- أن الدين يأرز من البلاد إلى الحجاز، ثم فثم. وقوله: (وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل) العقل الحصن والملجأ، فمعنى (ليعقلن): ليتحصَّنن ويلتجئن، والمعقل بكسر القاف إما اسم مكان أو مصدر ميمي، والأروية بالضم والكسر: أنثى الوعول (٣)، كذا في (القاموس) (٤)، وفي (مجمع البحار) (٥): الأروية هي الشاة الجبلي وجمعها أَرْوَى،

стр. 487

إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٣٠]. ١٧١ - [٣٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، ــ وقيل: هي أنثى الوعول، أو هي تيوس الجبل، وفي (الصراح) (١): أروية بالضم والتشديد بزكوهي. والمعنى: ليلتجئن الدين الحجار ويتخذه ملجأ ومسكنًا إليه كما بدأ منه حين تظهر الفتن، ويستولي أهل الكفر على بلاد الإسلام، أو في آخر الزمان في زمان خروج الدجال كما سبق، فينضم الفرارون بدينهم إلى الحجاز، وقد سبق شرح قوله: (إن الدين بدأ غريبًا) [برقم: ١٥٩]. ١٧١ - [٣٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ليأتين على أمتي كما أتى) والمراد بـ (أمتي) إما أمة الإجابة أو أمة الدعوة، ولعل هذا أولى لأن اللَّه يحفظ المؤمنين من هذه الشنيعة المذكورة، ولكن الظاهر بل المتعيِّن إرادة أمة الإجابة في قوله: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة)، وأكثر ما يقع في الحديث على هذا الأسلوب أريد به أهل القبلة، واللَّه أعلم. والكاف في (كما أتى) بمعنى مِثْلٍ فاعلُ (ليأتين)، وقيل: الفاعل مقدر، أي: أفعالٌ وارتكابٌ، حَذْفُ الفاعل مما لا يخلو عن شيء. وقوله: (حذو النعل بالنعل) حذا النعل حذوًا: قدَّرها وقطعها، ويقال: حذوت

стр. 488

حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمُّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ. . . . . ــ النعل: إذا قدَّرت كلَّ واحدة من طاقاتها على صاحبتها ليكونا على سواء، وقد يجعل كناية عن المطابقة، وقد يقال: طابق النعل بالنعل. وقوله: (من أتى أمه علانية) قيل: لعل المراد زوجة الأب، أراد القائل أن إتيان الوالدة بعيد لا يتحقق وجوده لمساعدة الطبيعة حكم الشريعة، بخلاف زوجة الأب لأنه بمجرد حكم الشريعة، ولا يذهب عليك أن هذا بمجرد الفرض والتقدير حتى قيل: (إنْ) ههنا بمعنى لو، إلا أن يقال: إن الفرض والتقدير أيضًا مما لا يتصور في الأم. وقوله: (وتفترق أمتي) أي: أمة الإجابة، وقيل: ولو حمل على أمة الدعوة لكان أوجه، وأنت تعلم بعده جدًا، فإن فِرَق الكفر أكثر من هذا العدد بكثير، وقد يقال: الكفر كله ملة واحدة، وفيه أن الكلام في التفرق، فافهم. ثم قيل: إنْ حمل على أصول المذاهب فهي أقل من هذا العدد، أو على ما يشمل الفروع فهي أكثر منه، وأجيب بأنه يجوز كون الأصول التي بينها مخالفة معتدة بها بهذا العدد، وقد يقال: لعلهم في وقت من الأوقات يبلغون هذا العدد وإن زادوا أو نقصوا في أكثر الأوقات، كذا قال العلامة الدواني، وبالجملة الظاهر أن المراد الاختلاف في الأصول. وقوله: (كلهم في النار) أي: يستحقون دخولها لأجل الاعتقاد، وإلا فالفرقة الناجية قد تدخلها لأجل العمل، والقول بأن معصية الناجية مطلقًا مغفورة مما لا دليل

стр. 489

إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً"، قَالُوا: وَمن هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وأَصْحَابِي". رَوَاه التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٤١]. ١٧٢ - [٣٣] وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ مُعَاوِيَةَ: "ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ. . . . . ــ عليه، وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩] عام، وكذا القول بكون المراد استقلال مكث الفرقة الناجية بالنسبة إلى سائر الفرق أيضًا بعيد، وكذا ما يقال: إن (كلهم في النار) إيجابٌ كلي، وقوله: (إلا ملة واحدة) (١) رفعه، وهو لا ينافي الإيجاب الجزئي، لا يخلو عن بعد، والوجه ما قلنا، وبه صرح المحققون. وقوله: (ما أنا عليه وأصحابي) في جواب (ومن هي)، لأن المراد به الوصف كما في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، ولأن تعريف أهل الملل حاصل بتعريف الملة، أو المراد: مَن كان على ما أنا عليه، وقد يقال: هذا إذا كان (ما) مخصوصة بغير العقلاء، وإن كان أعمّ فلا إشكال، كذا قيل، وفيه: أنَّا لو سلمنا أن (ما) يكون لمن يعقل لا يصح تركيب (ما أنا عليه) كما لا يخفى. ١٧٢ - [٣٣] (معاوية) قوله: (وهي الجماعة) أي: تلك الفرقة مسماة بالجماعة لكونهم مجتمعين على كلمة الحق وما أجمع عليه المسلمون الذين هم على الهدى.

стр. 490

تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَهْوَاءُ كمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ". [حم. ٤/ ١٠٢، د: ٤٥٩٧]. ١٧٣ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي -أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ- عَلَى ضَلَالَةٍ، ــ وقوله: (تتجارى بهم تلك الأهواء) الهوى ما تدعو إليه النفس وشهوتها، والهوى من الهُوِيِّ بضم الهاء وكسر الواو وتشديد الياء بمعنى السقوط؛ لسقوط صاحبها وانكبابه إلى ما يهويه، يقال: جاراه مجاراة وجراءً وجرى معه، وأكثر ما يستعمل في الأقوال؛ لأن كل واحد من الصاحبين يجري مع الآخر، وسيأتي في (كتاب العلم): (من طلب العلم ليجاري به العلماء)، أي: يجري معهم بالمناظرة والجدال، والمراد سراية الأهواء في عروقهم ومفاصلهم، كما يسري الكَلَب بمحاحبه، والكلب بفتح اللام: داء يعتري الإنسان من عض الكلب، والكلِب بكسر اللام: الكلب الذي يأخذ شبه جنون فيكلب، أي: يأكل بلحوم الناس، فإذا عقر إنسانًا يستولي عليه شبه الماليخوليا لا يكاد يبصر الماء؛ وإذا أبصره فزع وربما مات عطشًا ولم يشرب، وهذه علة تستفرع مادتها على سائر البدن، وتسري في العروق والمفاصل، وتتولد منها أعراض ردية، وإذا عض هذا الشخص غيره عدا إليه، وإنما شبه حالهم بحال صاحب الكلب لاستيلاء الأهواء عليهم استيلاء تلك العلة على صاحبها وسرايتها فيه، ولما فيه من المضرة المعدية، ولتنفُّرهم من العلم وامتناعهم من قبوله مع شدة مساس حاجتهم إليه حتى يهلكوا جهلًا في مهواة البدعة وتيه الضلال، أعاذنا اللَّه من ذلك. ١٧٣ - [٣٤] (ابن عمر) قوله: (إن اللَّه لا يجمع أمتي على ضلالة) وهذه خاصة ومنقبة خص اللَّه أمة محمد ﷺ بها فضلًا منه ومنة، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

стр. 491

وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّار". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٦٧]. ١٧٤ - [٣٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتَّبِعُوا السَّوَادَ الأَعْظَمَ، فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. [جه: ٣٩٥٠]. ــ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقوله: (يد اللَّه على الجماعة) كناية عن النصرة والعصمة للجماعة المتَّفِقَة من أهل الإسلام، وأنها في كنف اللَّه ووقايته، وهم بعيد من الأذى والخوف، وقيل: سكينة ورحمة مع المتفقين محفوظون من الأذى والخوف والاضطراب؛ فإذا تفرقوا زالت السكينة وأُوقِع بأسُهم بينهم، وفسدت الأحوال، والشذوذ: الانفراد والندور عن الجمهور، و (شذ) في الشرط مصحح بصيغة المعلوم، وفي الجزاء بها وبالمجهول، وكذا في الحديث الثاني. ١٧٤ - [٣٥] (عنه) قوله: (اتبعوا السواد الأعظم) في (القاموس) (١): السواد الشخص، ومن البلدة قراها، والعدد الكثير، ومن الناس عامتهم، ومن القلب حبَّتُه، والمراد: الحث على اتِّباع ما عليه الأكثر من علماء المسلمين، قالوا: وهذا في عقائد، أما في الفروع فيجوز العمل بمن قلد مذهبه وإن لم يجمع عليه، نعم إذا جمع بين المذاهب فيما يمكن الجمع كان أولى وأحسن. وقوله: (رواه) (٢) في الأصل بياض، وكتب العلامة الجزري في الهامش: ابن ماجه من حديث أنس وابن أبي عاصم سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: (إن أمتي لا تجتمع

стр. 492

١٧٥ - [٣٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبحَ وَتُمْسِيَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ" ثُمَّ قَالَ: "يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْبَّ سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجنَّة". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٧٨]. ١٧٦ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمُّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِئَةِ شَهِيدٍ". رَوَاهُ. ١٧٧ - [٣٨] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّا نسْمَعُ أَحَادِيثَ. . . . . ــ على الضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا كثيرًا فعليكم بالسواد الأعظم). ١٧٥ - [٣٦] (أنس) قوله: (وليس في قلبك غش) الغش بالكسر: الغل والحقد. ١٧٦ - [٣٧] (أبو هريرة) قوله: (فله أجر مئة شهيد) كناية عن لحوق غاية الجهد والمشقة في ذلك. وقوله: (رواه البيهقي (١). . . إلخ)، في بعض النسخ ههنا بياض، وفي بعضها مكتوب في الأصل. ١٧٧ - [٣٨] (جابر) قوله: (حين أتاه) ظرف لما يفهم من قوله: (عن النبي ﷺ )

стр. 493

مِنْ يَهُودَ تُعْحِبُنَا أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ . . . . . ــ من معنى القول. وقوله: (من يهود) في (مجمع البحار) (١): الهَود: التوبة، ومنه ﴿إنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، قيل: ومنه لفظ اليهود وكان اسم مدح، ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازمًا لهم، وإن زال عنه المدح، والهوادة السكون والمحاباة. وقال البيضاوي (٢): اليهود إما عربي من هاد: إذا تاب، سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل، وإما معرب يهوذا وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب. وقال التُّورِبِشْتِي (٣): يهود لا ينصرف، والسبب فيه العلمية والتأنيث؛ لأنه يجري في كلامهم مجرى القبيلة، وقال الزمخشري: والأصل في يهود ومجوس أن يستعمل بغير لام التعريف؛ لأنهما علمان خاصان لقومين والقبيلتين، وإنما جوز تعريفهما باللام لأنه أجري يهودي ويهود مجرى شعيرة وشعير. وقوله: (أمتهوكون أنتم) في (القاموس) (٤): هوك كفرح، والمتهوك: المتحير كالهوّاك كشداد، والساقط في هوة الردى، والهوكة بالضم: الحفوة، والتهوك: الوقوع في الشيء بغير مبالاة، والظاهر أن المراد في الحديث معنى التحير، أي: متحيرون أنتم في دين تام كامل لا يحتاج إلى غيره من الأديان حتى تأخذوه من أهل الكتاب.

стр. 494

لَقَدْ جِئتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الْإِيمَانِ". [حم: ٣/ ٣٨٧، هب: ١٧٦]. ١٧٨ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ؟ قَالَ: "وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُ. [ت: ٢٥٢٠] ــ. وقوله: (لقد جئتكم بها) الضمير للملة، وإن لم يجر لها ذكر؛ لشهرتها. وقوله: (بيضاء نقية) منصوبان على الحال، أي: طاهرة صافية خالصة عن الشك والشبهة والالتباس والاشتباه، ومصونة عن التبديل والتحريف، خالية عن التكاليف الشاقة، فماذا بعد لكم من العمى والتحير؟ . وقوله: (ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي) فكيف بقومه وسائر الناس من ورائهم؛ لأن الشرائع كلها نسخت بشريعتي. ١٧٨ - [٣٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من أكل طيبًا) أي: حلالًا (وعمل في سنة) أي: لأجل سنة، أي: لأجل كونها سنة ليوافقها، أو جعل السنة ظرفًا مبالغة، ونكر (سنَّة) ليفيد التعميم، كقولهم: تمرة خير من جرادة. وقوله: (بوائقه) البائقة: الداهية جاءت بالشر والخصومات، أي: شره وغايته. وقوله: (إن هذا) أي. هذا الأمر الذي ذكر (اليوم) أي: في يومنا وزماننا (الكثير) وكيف يكون فيما بعده؟ (قال: وسيكون في قرون (١) بعدي) ولا ينقطع الخير عن أمتي قطعًا وإن تفاوتت

стр. 495

١٧٩ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٦٧]. ١٨٠ - [٤١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]. . . . . ــ الحال كثرة وقلة، فتكثير (قرون) للتقليل، ويحتمل للتكثير لكثرته في نفسه وإن قلَّت بالإضافة، ويشبه أن يكون المراد: القرون الموسومة بخير القرون، ولكن هذه الصفات ليست مخصوصة، واللَّه أعلم. ١٧٩ - [٤٠] (أبو هريرة) قوله: (إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به (١)) الحديث، قالوا: ورد هذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فالأوامر لا يسع تركها لأحد، ويحتمل أن يكون بما أمر به السنن والمندوبات سوى الفرائض والواجبات. ١٨٠ - [٤١] (أبو أمامة) قوله: (إلا أوتوا الجدل) محركة: اللدود في
следующие страницы →