٤٤٥٤ - [٣٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ: "مَا أَحْسَنَ هَذَا". قَالَ: فَمَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، فَقَالَ: "هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا"، ثُمَّ مَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالصُّفْرَةِ فَقَالَ: "هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢١١].
٤٤٥٥ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٧٥٢].
٤٤٥٦، ٤٤٥٧ - [٣٨، ٣٩] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالزُّبَيْرِ. [ن: ٥٠٧٣، ٥٠٧٤].
٤٤٥٨ - [٤٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِم، مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ كتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَكفَّرَ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٠٢].
ــ
٤٤٥٤ - [٣٦] (ابن عباس) قوله: (بالحناء والكتم) هذا صريح في الجمع بينهما، فيحمل عليه في الحديث السابق أيضًا.
٤٤٥٥، ٤٤٥٦، ٤٤٥٧ - [٣٧، ٣٨، ٣٩] (أبو هريرة، وابن عمر والزبير) قوله: (ولا تشبهوا باليهود) فإنهم لا يغيرون كما مرّ في الفصل الأول من حديث أبي هريرة، وزاد هناك: النصارى أيضًا.
٤٤٥٨ - [٤٠] (عمرو بن شعيب) قوله: (فإنه نور المسلم) أي: سبب له في القيامة، فالمراد نور الآخرة على ما قرره الطيبي (١)، ولو كان المراد نورانية حسن
стр. 4272
٤٤٥٩ - [٤١] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَابَ شَيْبةً فِي الإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٦٣٤، ن: ٣١٣٢].
٤٤٦٠ - [٤٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ لَهُ شَعْرٌ فَوْقَ الْجُمَّةِ وَدُونَ الوَفْرَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧٥٥].
ــ
وجمال الحلية وما يحصل للمشايخ من صلاح السريرة وصفاء الباطن في هذا العالم لم يبعد، وحصول حسن الجزاء والنورانية التي تترتب عليه، وفي الآخرة على حاله، فإن قلت: فإذا كان حال الشيب كذلك فلم شرع ستره بالخضاب؟ قلنا: ذلك لمصلحة أخرى دينية، وهو إرغام الأعداء وإظهار الجلادة لهم.
فإن قلت: فلم لم يجز النتف لأجل هذه المصلحة؟ قلت: النتف استئصال الشيب من أصله، ومفض في الآخرة إلى تشويه الوجه وسوء المنظر بخلاف الخضاب؛ فإنه زيادة وصف على الأصل، فبينهما فرق، على أنه قد يروى عن أبي حنيفة جواز النتف إذا لم يكن بقصد التزين والتكلف، وعن محمد أنه لا بأس به، نعم المختار في المذهب خلاف ذلك.
٤٤٥٩ - [٤١] (كعب بن مرة) قوله: (كانت له نورًا يوم القيامة) يؤيد الحمل على النور في ذلك اليوم، ولكنه لا منافاة، ويناسب الحمل على النور في الدنيا، وقوله في الحديث السابق: (كتب اللَّه له بها حسنة وكفر عنه بها خطيئة ورفعه بها درجة) وإن كانت هذه الأشياء أيضًا موجبة للنور يوم القيامة، فتدبر.
٤٤٦٠ - [٤٢] (عائشة) قوله: (وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفرة) اعلم
стр. 4273
٤٤٦١ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمٌ الأَسْدِيُّ لَوْلَا طُولُ جُمَّتِهِ وَإِسْبَالُ إِزَارِهِ" فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْمًا، فَأَخَذَ شَفْرَةً، فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنيهِ وَرَفَعَ إِزارَهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٨٩].
٤٤٦٢ - [٤٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ لِي ذُؤَابَةٌ. . . . .
ــ
أن لشعر رأس الإنسان ثلاثة أسماء: الجمة بضم الجيم وتشديد الميم، والوفرة بفتح الواو وسكون الفاء، واللمة بكسر اللام وتشديد الميم، فالجمة إلى المنكبين، والوفرة إلى شحمة الأذن، واللمة بين بين، نزل من الأذن وألم إلى المنكبين ولم يصل إليهما، فشعره ﷺ كان لمة نزل من الأذن وصار دون الوفرة وأسفل منها، ولم يصل إلي المنكب وبقي فوقها، وهذا على اختلاف الأوقات والأحوال، وقد جاءت الجمة بمعنى مطلق الشعر كما وقع في (الشمائل) (١): تضرب جمته شحمة أذنيه، وفي (القاموس) (٢): الجمة بالضم: مجتمع شعر الرأس.
٤٤٦١ - [٤٣] (ابن الحنظلية) قوله: (خريم) بضم المعجمة وراء، بلفظ التصغير.
وقوله: (لولا طول جمته) طول الشعر ليس مذمومًا، ولعله ﷺ رأى في هذا الرجل تبخترًا وتعلقًا بطول جمته فنبهه على ذلك وضم إلى الإسبال للإزار الذي هو حرام بلا شبهة، وبالجملة الإفراط والتجاوز عن الحد مذموم مطلقًا.
٤٤٦٢ - [٤٤] (أنس) قوله: (كانت لي ذؤابة) بضم الذال المعجمة: الناصية
стр. 4274
فَقَالَتْ لِي أُمِّي: لَا أَجُزُّهَا، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُدُّهَا وَيَأْخُذُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٩٦].
٤٤٦٣ - [٤٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: "لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ". ثُمَّ قَالَ: "ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي". فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرَاخٌ فَقَالَ: "ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ"
ــ
أو منبتها من الرأس، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): ذوائب: كيسو، وفي (النهاية) (٣): هي الشعر المضفور من الرأس، و (الذؤابة) مهموز، لكنه جاء على غير القياس، جمعه ذوائب بالواو؛ لأنهم استثقلوا وقوع الألف بين الهمزتين، فأبدلوا من الأولى واوًا.
وقوله: (يمدها ويأخذها) أي: كان ينبسط معه فيأخذها ويمدّها كما يفعل بالصبيان، وفي بعض الحواشي: يمدّها حتى يصل إلى الأذن، ثم يقطع الزوائد من الأذن، وأمه كانت لا تجز ولا تقطع بل تتركها طويلة تبركًا وتيمنًا بمساس يده الشريفة بها.
٤٤٦٣ - [٤٥] (عبد اللَّه بن جعفر) قوله: (أمهل آل جعفر) أي: تركهم يبكون عند نعي جعفر من غزوة موتة، وكانوا ثلاثة: عبد اللَّه وعوفًا ومحمدًا ﵃.
وقوله: (كأنا أفراخ) في (القاموس) (٤): الفرخ: ولد الطائر، وكل صغير من الحيوان والنبات، وجمعه أفرخ وأفراخ وأفرخة.
стр. 4275
فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤١٩٢، ن: ٥٢٢٧].
٤٤٦٤ - [٤٦] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ: أَنَّ امْرَأَةَ كَانَتْ تَخْتِنُ بِالْمَدِينَةِ. فَقَالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُنْهِكِي فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرأَةِ، وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَرَاوِيهُ مَجْهُولٌ. [د: ٥٢٧١].
ــ
وقوله: (فحلق رؤوسنا) وذلك لما رأى من شغل أمهم عن ترجيل شعورهم بما أصابها من المصيبة، فأشفق عليهم الوسخ والقمل.
٤٤٦٤ - [٤٦] (أم عطية الأنصارية) قوله: (لا تنهكي) من نهكه كفرح وأنهكه: بالغ فيه، والنهك والإنهاك: المبالغة في كل شيء، فالمعنى لا تبالغي في القطع ولا تستقصي في الختان، يدل على أن المبالغة في ذلك يخل في الحظ والأحبية، وقد ورد أيضًا أن الختان يورثهما، فأصل الختان مورث، والمبالغة في ذلك مخل.
وقوله: (أحظى للمرأة) في (القاموس) (١): الحظوة بالضم والكسر والحِظَة، كعدة: المكانة، والحظ من الرزق، وحظي كل واحد من الزوجين عند صاحبه، كرضي، واحتظى، وفي (مجمع البحار) (٢): حظيت المرأة عند زوجها تحظى حظوة بالضم والكسر: سعدت به ودنت من قلبه وأحبها، ومنه قول عائشة ﵂: تزوجني في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نسائه كان أحظى مني، أي: أقرب إليه وأسعد.
وقوله: (وأحب إلى البعل) التذاذًا ولعدم السماجة في المنظر.
стр. 4276
٤٤٦٥ - [٤٧] وَعَنْ كَرِيْمَةَ بِنْتِ هَمَّامٍ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عائشةَ عَنْ خِضَابِ الْحِنَّاءِ فَقَالَتْ: لَا بَأْسَ وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ، كَانَ حَبِيبِي يَكْرَهُ رِيحَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤١٦٤، ن: ٥٠٩٠].
٤٤٦٦ - [٤٨] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بَايِعْنِي فَقَالَ: "لَا أُبَايِعُكِ حَتَّى تُغَيِّرِي كفَّيْكِ، فَكَأَنَّهُمَا كَفَّا سَبُعٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٦٥].
ــ
٤٤٦٥ - [٤٧] (كريمة بنت همام) قوله: (بنت همام) صحح في أصل النسخة بضم الهاء وتخفيف الميم، وفي بعضها بفتح الهاء وتشديد الميم.
وقوله: (سألت عائشة عن خضاب الحناء) الظاهر أنها سألت عن خضاب النساء اليدين والرجلين بالحناء كما يفهم من سياق الحديث لقولها: (ولكني أكرهه) لأن عائشة لم تبلغ أوان خضاب الرأس، فافهم.
وقوله: (كان حبيبي يكره) في بعض الحواشي: استدل به بعض الشافعية على أن الحناء ليست طيبًا كما هو مذهب الحنفية؛ لأن النبي ﷺ كان يحب الطيب فلو كان طيبًا لم يكرهه، ويمكن أن يقال: إن محبته ﷺ جنس الطيب لا يستلزم محبته كل فرد منه، وأيضًا محبة أفراد الطيب لا يكون في درجة واحدة، وقد يكون بعضها أحب من بعض بلا شبهة، فكان المراد أنه كان يجد فيه شيئًا من الكراهة ولا يحبه كل المحبة حتى يسر ويحظى به، فكرهته لذلك.
٤٤٦٦ - [٤٨] (عائشة) قوله: (فكأنهما كفا سبع) كرهه ﷺ للتشبه بالرجال، وتشبه النساء بالرجال مكروه، حتى يكره للنساء التختم بخاتم الفضة، ولو تختمت يستحب أن تصبغه بزعفران ونحوه، ثم قد سبق إلى الفهم من الحديث أن مبايعته ﷺ للنساء كان بأخذ اليد، وليس كذلك، فإنه قد مرّ في آخر الفصل الأول من (باب الصلح)
стр. 4277
٤٤٦٧ - [٤٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: أَوَمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ بِيَدِهَا كِتَابٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فَقَالَ: "مَا أَدْرِي أَيَدُ رَجُلٍ أَمْ يَدُ امْرَأَةٍ؟ " قَالَتْ: بَلْ يَدُ امْرَأَةٍ قَالَ: "لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ" يَعْنِي بِالْحِنَّاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤١٦٦، ن: ٥٠٨٩].
٤٤٦٨ - [٥٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لُعِنَتِ الْوَاصِلَةُ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ، وَالنَّامِصَةُ، وَالْمُتَنَمِّصَةُ، وَالْوَاشِمَةُ، وَالْمُسْتَوشِمَةُ مِنْ غَيْرِ داءٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٧٠].
ــ
من حديث عائشة المتفق عليه أنها قالت: كان مبايعة رسول اللَّه ﷺ كلامًا يكلمها به، وقالت: واللَّه ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، فهو ﷺ إنما قال لهند ذلك لما وقع نظره على يدها، فكره للتشبه بالرجال كما يأتي في الحديث الآتي.
٤٤٦٧ - [٤٩] (وعنها) قوله: (أومت) أي: أشارت، أصله أومأت بالهمزة فخففت الهمزة فصارت ألفًا، كذا نقل من (المفاتيح) (١).
وقوله: (بيدها كتاب) مبتدأ وخبر، كأنها جاءت بكتاب إليه ﷺ .
وقوله: (يعني بالحناء) تفسير من الراوي، وفيه شدة استحباب الخضاب بالحناء للنساء.
٤٤٦٨ - [٥٠] (ابن عبَّاس) قوله: (لعنت الواصلة والمستوصلة. . . إلى آخره)، مرّ تفسير هذه الألفاظ في الفصل الأول.
وقوله: (من غير داء) أي: من غير علة وضرورة، ولعله تدعو الضرورة إلى ارتكاب بعض هذه الأشياء من مرض أو غيره.
стр. 4278
٤٤٦٩ - [٥١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرأَةِ، وَالْمَرأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٩٨].
٤٤٧٠ - [٥٢] وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّ امْرَأَةً تَلْبَسُ النَّعْلَ قَالَتْ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَةَ مِنَ النِّسَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٩٩].
٤٤٧١ - [٥٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ كَانَ آخِرُ عَهْدِهِ بإِنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ فَاطِمَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَاطِمَةَ، فَقَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ وَقَدْ عَلَّقَتْ مَسْحًا أَوْ سِتْرًا عَلَى بَابِهَا، .
ــ
٤٤٦٩ - [٥١] (أبو هريرة) قوله: (الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل) قد مرّ شرحه في الفصل الأول من حديث ابن عباس: (لعن اللَّه المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال)، ولكن خص هنا باللبسة، والتشبه أعم من ذلك.
٤٤٧٠ - [٥٢] (ابن أبي مليكة) قوله: (إن امرأة تلبس النعل) المراد نوع من النعال مخصوص بالرجال لبسه.
وقوله: (الرجلة من النساء) بضم الجيم، أنث الرجل لإطلاقه على المرأة، ويقال: امرأة رجلة: إذا تشبهت بالرجال.
٤٤٧١ - [٥٣] (ثوبان) قوله: (كان آخر عهده) أي: أمره بالوداع والكلام أو وصيته، و (فاطمة) خبر (كان) بحذف المضاف، أي: عهد فاطمة، أو العبارة محمولة على القلب، أي: كان إنسان آخر عهده ملتبس به فاطمة.
وقوله: (وأول من يدخل عليها) أي: بعد القدوم (فاطمة) محمول على الظاهر، و (الغزاة) أصله غزوة، نقلت حركة الواو إلى ما قبلها وقلبت ألفًا.
стр. 4279
وَحَلَّتِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قُلْبَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، فَقَدِمَ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَظَنَّتْ أَنَّ مَا مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَا رَأَى، فَهَتَكَتِ السِّتْرَ، وَفَكَّتِ الْقُلْبَيْنِ عَنِ الصَّبِيَّيْنِ، وَقَطَعَتْهُ مِنْهُمَا، فَانْطَلَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَبْكِيَانِ، فَأَخَذَهُ مِنْهُمَا فَقَالَ: "يَا ثَوْبَانُ! اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى فُلَانٍ، إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي أَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا. يَا ثَوْبَانُ! اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصْبٍ،
ــ
وقوله: (وحلت) أصله حليت فقلبت الياء ألفًا وحذفت، أي: زينت، و (قلبين) بضم القاف، أي: سوارين.
وقوله: (أن ما منعه) يحتمل أن يكون (ما) موصولة و (منعه) صلة، و (ما رأى) خبر (أن)، وأن يكون (ما) كافة و (ما رأى) فاعل (منعه)، وحقها على الأول أن تكتب مفصولة، وعلى الثاني موصولة، والمكتوب في النسخ مفصول، ومع ذلك يحتمل وجهين، والأمر في مخالفة رسم الخط سهل.
وقوله: (وقطعته) أي: كل واحد من القلبين، وكذا قوله: (فأخذه) على أحد المعنيين اللذين ذكرهما الطيبي حيث قال (١): أي أخذ النبي ﷺ شيئًا من الرأفة والرقة عليهما، أو أخذ النبي ﷺ ذلك القلب، بجعل الضمير واقعًا موقع اسم الإشارة.
وقوله: (اذهب بهذا) إشارة إلى القلبين، ويجوز في اسم الإشارة الإفراد مع تعدد المشار إليه، وأجري الضمير هنا مجرى اسم الإشارة.
وقوله: (أن يأكلوا طيباتهم) كناية عن الاستمتاع بالطيبات ولذات الدنيا، وذكر الأكل للغالب.
وقوله: (من عصب) بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، اعلم أنهم اختلفوا
стр. 4280
وَسِوَارينِ مِنْ عَاجٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٢٧، د: ٤٢١٣].
ــ
في تفسير معنى العصب والعاج، أما العصب فالمشهور من معناه المذكور في كتب اللغة والحديث: البرد اليماني الذي يعصب غزلها، أي: يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج فيأتي موشيًا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ، يقال: برد عصب، وبرود عصب بالتنوين والإضافة، وقيل: برود مخططة، والعصب: الفتل، والعصاب: الغزال، ولا يخفى أن هذا المعنى غير مناسب بالمقام؛ لأن القلادة التي هي اسم لحلي الجيد لا معنى لجعله من البرود، وذكر في (النهاية) (١) عن الخطابي أنه قال: إن لم تكن الثياب اليمانية فلا أدري ما هي، وقال أبو موسى: لعله العصب بفتح الصاد، وهو أطناب مفاصل الحيوان وهو شيء مدور، فلعلهم كانوا يأخذون عصب بعض الحيوانات الطاهرة، فيقطعونه شبه الخرز، فإذا يبس يتخذون منه القلائد، وإذا أمكن اتخاذها من عظام السلحفاة جاز من عصب أشباهها اتخاذ خرز القلائد، ثم قال: وذكر بعض أهل اليمن أن العصب سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون، يتخذ منه الخرز، انتهى. وهذا المعنى إن صح في غاية المناسبة للمقام ويوافق قرينه من اشتراء سوارين من عاج.
وأما العاج فالمعروف بين العامة أنه سن الفيل وهو طاهر عند أبي حنيفة؛ لأن عظم الميتة طاهر عنده لعدم سراية الموت فيها، ويطهر بالذبح أيضًا إلا ما هو نجس العين، والفيل ليس بنجس العين عنده، وعند الشافعي ﵀ في قوله المشهور عنه هو نجس، ولا يجوز استعماله ولا التجارة فيه عنده، وقال بعضهم: العاج ليس اسمًا لسن الفيل، بل هو عظم ظهر السلحفاة البحرية أو عظم دابة بحرية غيرها اسمه الذبل بفتح الذال المعجمة وباء موحدة يتخذ منه السوار والمشط ونحوهما.
стр. 4281
٤٤٧٢ - [٥٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اكْتَحِلُوا بِالإِثْمِدِ. . . . .
ــ
وقال في (النهاية) (١) في حديث: (له مشط من عاج)، هو الذبل، وقيل: شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية، وأما العاج الذي هو عظم الفيل فنجس عند الشافعي، وطاهر عند أبي حنيفة ﵀. ومنه حديث قوله لثوبان: (اشتر لفاطمة سوارين من عاج)، وقيل: احتجوا به على تجارة في العاج والامتشاط به، ونقل ذلك عن بعض السلف، وقال الزهري في عظام الموتى نحو الفيل وغيره: أدركت ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها لا يرون به بأسًا، كذا في ترجمة البخاري (٢)، ويأوله المانع بعظم سلحفاة البحرية، وفي (القاموس) (٣): العاج: وهو الذبل وعظم الفيل، وقال: الذبل: جلد السلحفاة البحرية وعظام ظهر دابة بحرية يتخذ منه الأسورة والأمشاط، وفي (الصحاح) (٤): العاج: هو عظم الفيل، والواحد عاجة، وقال التُّورِبِشْتِي (٥): ذكر الخطابي في تفسيره أن العاج هو الذبل ونقل ذلك عن الأصمعي، ومن العجب العدول عن اللغة المشهورة إلى ما لا يشتهر بين أهل اللسان، والمشهور أن العاج عظم أنياب الفيلة.
٤٤٧٢ - [٥٤] (ابن عَبَّاس) قوله: (اكتحلوا بالإثمد) هو بكسر الهمزة والميم، وصاحب (القاموس) (٦) ذكره في مادة: ثمد في فصل الثاء من باب الدال، ويفهم منه
стр. 4282
فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ". وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ بِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةً فِي هَذِهِ، وَثَلَاثَةً فِي هَذِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧٥٧].
٤٤٧٣ - [٥٥] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْتَحِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ بِالإِثْمِدِ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ، قَالَ: وَقَالَ: "إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاويتُمْ بِهِ اللُّدُودُ، وَالسُّعُوطُ، وَالْحِجَامَةُ، وَالْمَشِيُّ،
ــ
أن الألف زائدة، وكذا في (الصحاح) (١)، ثم المشهور تفسيره بحجر يكتحل به، ونقل عن (المهذب) أنه قال: الإثمد: سرمه، وقال: سياق الحديث يدل على أنه من نوع خاص من الكحل، ويقال: إنه كحل أصفهاني، كذا في (شرح الشمائل).
وقوله: (فإنه يجلو البصر) أي: بالاعتياد والاستدامة، و (الشعر) بفتح العين وقد تسكن، معروف، والمراد هنا الأهداب.
وقوله: (زعم) أي: قال ابن عباس، وقد يطلق على القول المحقق وإن غلب استعماله في المشكوك، كذا قالوا.
وقوله: (ثلاثة في هذه) وقد جاء في رواية أبي داود: ثلاثة في اليمين واثنين في اليسرى، وكان يبتدأ باليمنى ويختم بها، وفيه رعاية فضيلة اليمنى من وجهين، وفي كل من الطريقين رعاية الإيتار المأمور به بقوله: (من اكتحل فليوتر) (٢)، ففي الأول بالاكتحال في كل عين ثلاثة، وفي الآخر يكون المجموع خمسة، والأول هو الأصح.
٤٤٧٣ - [٥٥] (وعنه) قوله: (اللدود والسعوط والحجامة والمشي) اللدود بفتح
стр. 4283
وَخَيْرَ مَا اكْتَحَلْتُمْ بِهِ الإِثْمِدُ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ، وَإِنَّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فِيهِ. . . . .
ــ
اللام ويقال: اللديد أيضًا: ما يسقى المريض من أحد شقي فيه، وفي بعض الشروح: يعني الجانب الذي فيه العلة، واللديدان جانبا الفم بل جانبا كل شيء، ولا يخفى أن الظاهر أن يقال: دواء يسقى من جانب الفم، ولكن عبارة أكثر الشارحين وقع هكذا: يسقى من أحد جانبي الفم، وقال في (القاموس) (١): يصب من أحد جانبي الفم، إلا عبارة (سفر السعادة) (٢) حيث قال: دواء يصب من جانب الفم، وأما عبارة (الصراح) (٣) حيث قال: دارو كه در كرانه دهان ريزند، ولعل ذكر أحد الجانبين وقع على جري العادة، وترك ذكر الدواء اعتمادًا على الظهور.
وقوله: (والسعوط) بفتح السين: دواء يصب في الأنف، (والحجامة) بكسر الحاء: إخراج الدم بالمحجم بكسر الميم: الآلة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المص، وبفتحها موضع الحجامة، وفي معنى الحجامة الفصد، لكن الفصد يصلح للديار الباردة والحجامة للحارة، والظاهر أن إخراج الدم بالدباء في حكم الفصد، وبالسلك (٤) في معنى الحجامة، وأما (المشي) على وزن فعيل، فهو اسم للدواء المسهل، مشتق من المشي؛ لأنه يحمل شاربه على المشي والتبرز إلى الخلاء، وقد يجيء المشو على وزن العدو، والمشاء على وزن السماء.
стр. 4284
يَوْمُ سبْعَ عَشْرَةَ، وَيَوْمُ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَيَوْمُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ"، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ عُرِجَ بِهِ مَا مَرَّ عَلَى مَلأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ. [ت: ٢٠٤٨].
٤٤٧٤ - [٥٦] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوا بِالْمَيَازِرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو داوُدُ. [ت: ٢٨٠٢، د: ٤٠٠٩].
ــ
وقوله: (يوم سبع عشرة، ويوم تسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين) قالوا: إن الدم بل جميع الرطوبات من أول الشهر إلى نصفه يكون في زيادة وغلبة وغليان، وفي آخره في نقصان ونزول وسكونة، وفي الوسط معتدل لا سيما هذه الأيام الثلاثة التي هي أوتار، وسيجيء تفصيل أحكام الحجامة وتعيين أوقاتها في (كتاب الطب والرقى).
وقوله: (إن رسول اللَّه ﷺ ) عطف على (كان النبي ﷺ ) فيكون مقول ابن عباس، ويحتمل أن يكون عطفًا على (إن خير ما تداويتم) فيكون قول النبي ﷺ على طريقة الالتفات.
وقوله: (عليك بالحجامة) وسيجيء هذا الحديث في (كتاب الطب والرقى)، وهناك ذكر أمر الأمة بالحجامة أيضًا ومضمون ما ذكر هنا أيضًا يشتمل عليه.
٤٤٧٤ - [٥٦] (عائشة) قوله: (عن دخول الحمامات) اعلم أنه لم يثبت دخوله ﷺ الحمام، وقد ذكر في بعض كتب الفقه، ولم يصح ذلك عند المحدثين، والحديث المذكور فيه منسوب إلى الوضع عندهم، قال الشيخ مجد الدين الشيرازي (١):
стр. 4285
٤٤٧٥ - [٥٧] وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ: قَدِمَ عَلَى عَائِشَةَ نِسْوَةٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ فَقَالَتْ: مَنْ أَيْنَ أَنْتُنَّ؟ قُلْنَ: مِنَ الشَّامِ، قَالَتْ: فَلَعَلَّكُنَّ مِنَ الْكُورَةِ الَّتِي تَدْخُلُ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَخْلَعُ امْرَأَةٌ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا". وَفِي رِوَايَةٍ: "فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ سِتْرَهَا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٨٠٣، د: ٤٠١٠].
٤٤٧٦ - [٥٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ. . . . .
ــ
والصحيح أنه ﷺ لم يدخل ولا رأى الحمام، والحمام المشهور بمكة بحمام النبي لعله ﷺ غسل في ذلك المحل غسلًا فبنوا الحمام فيه تبركًا، انتهى. ويحتمل أن يكون تسميته بحمام النبي؛ لأنه في ناحية مولده ﷺ قريبًا منه، ولكن وقع في الأحاديث ذكر الحمام وأحكامه فنهيت النساء عن دخوله إلا لعذر، والرجال إلا بالمئزر وهو الإزار، وقد كره العلماء قراءة القرآن وذكر اللَّه تعالى في الحمام.
٤٤٧٥ - [٥٧] (أبو المليح) قوله: (من الكورة) بالضم: المدينة، والصقع بضم الصاد المهملة والقاف: بمعنى الناحية.
وقوله: (قلن: بلى) يعلم من هذا الحديث استعمال (بلى) في ما سوى تصديق ما بعد النفي، فإن كان هذا اللفظ من النساء المذكورات وهن مما يوثق بفصاحتهن، أو كانت من عائشة في حكاية قولهن أو غيرها من بعض الرواة الموثوق بعربيتهم فهو حجة على النحاة، وإلا فلا.
٤٤٧٦ - [٥٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون
стр. 4286
فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إِلَّا بِالأُزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إِلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠١١].
٤٤٧٧ - [٥٩] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ فَلَا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَير إِزارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ تُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٨٠١، ن: ٤٠١].
ــ
فيها) أسند الوجدان إليهم دون الفتح؛ لأن الفتح ليس مضافًا إليهم، بل هو من عند اللَّه تعالى لقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ [الفتح: ١]، وفي الحديث دلالة على أن الحمامات مخصوصة بأرض العجم ليست في القديم في أرض العرب، وهو يؤيد عدم دخول النبي ﷺ إياها، و (الأزر) بضم الهمزة وسكون الزاي، جمع إزار.
وقوله: (أو نفساء) بأن لم تجد ماء مسخنًا والبرد شديد، وكذا حكم الحائضة، ولعل تخصيص النفساء بالذكر؛ لأن العذر والضعف فيه أشد وأكثر.
٤٤٧٧ - [٥٩] (جابر) قوله: (فلا يدخل) من الإدخال و (حليلته) و (الحمام) مفعولاه.
وقوله: (على المائدة) المائدة: خوان عليه طعام، فإذا لم يكن عليه طعام فهي خوان، وهي فاعلة بمعنى مفعولة، مثل: عيشة راضية، كذا في (الصحاح) (١).
стр. 4287
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٤٧٨ - [٦٠] عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَوْ شِئْتَ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ فَعَلْتُ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَضِبْ، وَزَادَ (١) فِي رِوَايَةٍ: وَقَدِ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٩٥، م: ٢٣٤١].
٤٤٧٩ - [٦١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ. . . . .
ــ
الفصل الثالث
٤٤٧٨ - [٦٠] (ثابت) قوله: (أن أعد شمطات) الشمط: الشيب، والشمطات: شعرات بيض يريد قلتها، كذا في (النهاية) (٢)، وفي (صحيح مسلم). للزركشي: هو بفتح شين وميم: بياض يخالط السواد، وفي الحديث: ليس في أصحابه الشمط غير أبي بكر، أي: من في شعره سواد وبياض، وفي (القاموس) (٣): الشمط: بياض الرأس يخالط سواده، شَمِطَ، كفرح، وأشمط واشمأط كاطمأن، فهو أشمط، ومقصود أنس نفي الاختضاب عن رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه لم يبلغ أوانه وعليه المحدثون، وقد حقق في موضعه.
وقوله: (بالحناء والكتم) مرّ معناه في الفصل الثاني.
وقوله: (واختضب عمر بالحناء بحتًا) أي: خالصًا من غير خلطه بالكتم.
٤٤٧٩ - [٦١] (ابن عمر) قوله: (بالصفرة) قيل: هي نوع من الطيب فيه صفرة،
стр. 4288
حَتَّى تَمْتَلِئَ ثِيَابُهُ مِنَ الصُّفْرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهَا وَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٢١٠، ن: ٥٠٨٥].
ــ
يعني ليس المراد به الخلوق التي فيه زعفران وحمرة، ثم اختلفوا في المراد من قوله: (رأيت رسول اللَّه ﷺ يصبغ بها) أن المراد به صبغ الشعر أو صبغ الثوب، ولا يخفى أن الظاهر من السياق أن المراد هو الأول؛ لأنه قد بين صبغ الثياب بعد ذلك بقوله: (وقد كان يصبغ ثيابه) فكأنه قال: كان يصبغ الشعر بل الثياب أيضًا، إلا أن يقال: المقصود من ذلك القول تعميم الثياب بعد بيان صبغها مطلقًا، فكأنه قال: كان يصبغ بها الثياب، ولم يكن شيء أحب إليه منها حتى إنه كان يصبغ بها ثيابه كلها، حتى عمامته، وبقرينة قوله سابقًا: وكان يصفر لحيته بالورس والزعفران، وقال بعضهم: الأشبه أن المراد صبغ الثوب؛ لأنه لم ينقل أنه ﷺ صبغ شعره وخضب على ما هو المقرر عند الجمهور.
وقال السيوطي في حاشية (الموطأ) (١): وهو أظهر الوجهين، وأما تصفير اللحية فله تأويل أشرنا إليه من أن المراد بالتصفير لطخها وغسلها بها تطهيرًا وتنظيفًا، وأما ما ورد من إنه كان يصبغ بها ثيابه كلها، فإن كان المراد بالصفرة نوعًا من الطيب فلا إشكال، ويجب أن لا يكون المراد بها الخلوق لثبوت الاجتناب عنه كل الاجتناب حتى إنه لم يردّ السلام على من به خلوق، وأخبر بعدم قبول صلاته، ولم يمسّ من به ذلك ونحوها، فيكون المراد به الورس ونحوه، وإن حمل هذا على زمان سابق على زمان
стр. 4289
٤٤٨٠ - [٦٢] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْد اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعْرًا مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَخْضُوبًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٩٧].
٤٤٨١ - [٦٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَالُ هَذَا؟ ". . . . .
ــ
النهي ونسخه به لم يبعد، واللَّه أعلم.
هذا وقد نقل عن بعض السلف من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يخضبون، وكان بعضهم ينكرون الخضاب مطلقًا، وكان بعضهم يصفرون، وكان سعيد بن جبير يقول: يعمد أحدكم إلى نور جعله اللَّه تعالى في وجهه فيطفئه، وكان شديد بياض الرأس واللحية، قال بعضهم: إن الخضاب لمن كان شيبته سمجًا في المنظر، وأما من كانت شيبته حسنة نورانية في المنظر والجمال فلا، ونقل عن النووي أنه قال (١): المختار أنه ﷺ صبغ في وقت وترك في معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى وهو صادق، وقال: هذا التأويل كالمتعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة، واللَّه أعلم.
٤٤٨٠ - [٦٢] (عثمان بن عبد اللَّه) قوله: (ابن موهب) بفتح الهاء، وهذا من المنقولات الشاذة؛ لأن الأصل في مفعل من المثال كسر العين.
وقوله: (دخلت على أم سلمة) الحديث، وأولوه بأنه كان يرى كالمخضوب لاختلاط الطيب أو أنها خضبته ليبقى ويتقوى به، وكذلك في حديث آخر ورد فيه أنه رأى شعره ﷺ عند أنس مخضوبًا.
٤٤٨١ - [٦٣] (أبو هريرة) قوله: (بمخنث) بفتح النون وكسرها وقد مرّ معناه
стр. 4290
قَالُوا: يَتشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا نَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: "إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٢٨].
٤٤٨٢ - [٦٤] وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبةَ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيِانِهِمْ، فَيَدْعُو لَهُم بِالْبَرَكَةِ، وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ، فَجيءَ بِي إِلَيْهِ وَأَنَا مُخَلَّقٌ، فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجَلِ الْخَلُوقِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٨١].
٤٤٨٣ - [٦٥] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِي جُمَّةً أَفَأُرَجِّلُهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا" قَالَ: فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَّنَهَا فِي الْيَوْم مَرَّتَيْنِ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
في الفصل الأول، وسبق ذكر هذا المخنث في (باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات)، و (النقيع) بالنون موضع غير البقيع بالباء ببلاد مزينة على مرحلتين من المدينة حماه عمر.
وقوله: (ألا نقتله) على صيغة المتكلم، هكذا في النسخ المصححة المقروءة، ووقع في بعض النسخ على صيغة الخطاب، أي: تأمر بقتله، والأفصح هو الأول.
وقوله: (عن قتل المصلين) أي: المسلمين وإن لم يكونوا مصلين، إلا على مذهب من يرى قتل تارك الصلاة كالشافعي لا لارتداده، وعندنا يعزر ويؤدب، وعند مالك يسجن، ويطال سجنه حتى يتوب.
٤٤٨٢ - [٦٤] (الوليد بن عقبة) قوله: (فلم يمسني) مبالغة في الاجتناب، فالظاهر أنه لم يدع له أيضًا، و (الخلوق) بفتح الخاء وقد مرّ معناه.
٤٤٨٣ - [٦٥] (أبو قتادة) قوله: (في اليوم مرتين) والنهي عن المبالغة والإفراط
стр. 4291
"نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا". رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٩٤٩].
٤٤٨٤ - [٦٦] وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَحَدَّثتْنِي أُخْتِي الْمُغِيرَةُ قَالَتْ: وَأَنْتَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ وَلَكَ قَرْنَانِ أَوْ قُصَّتَانِ، فَمَسَحَ رَأْسَكَ وَبَرَّكَ عَلَيْكَ، وَقَالَ: "احْلِقُوا هَذَيْنِ أَوْ قُصُّوهُمَا فَإِنَّ هَذَا زِيُّ الْيَهُودِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٩٧].
٤٤٨٥ - [٦٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرأَةُ رَأْسَهَا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥٠٤٩].
ــ
في التدهين والترجيل إنما كان للتزيين والتبخير بذلك، وهو إنما فعل ذلك مبالغة في الامتثال واحتياطًا فيه، وهذا كتطويل أم أنس ذؤابته؛ لأنه ﷺ كان يمدّها ويأخذ، فتدبر.
٤٤٨٤ - [٦٦] (الحجاج بن حسان) قوله: (فحدثتني أختي المغيرة) اسم أخت حجاج بن حسان الراوي، وهو من الأسماء المشتركة بين الرجال والنساء كأسماء وجويرية، والمقصود أني أذكر قضية دخولي على أنس، ولكني نسيت ما جرى في المجلس فحدثتني أختي.
وقوله: (أو قصتان) من شك الراوي، والقصة بضم القاف وتشديد المهملة: شعر الناصية، و (القرن) الذؤابة والخصلة من الشعر.
وقوله: (أو قصوهما) للتنويع، وقص الشعر: قطع منه بالمقص، أي: المقراض.
٤٤٨٥ - [٦٧] (علي) قوله: (أن تحلق المرأة رأسها) حلق الرأس حرام على النساء ولو في الخروج عن الإحرام، فالتقصير متعين لهن.
стр. 4292
٤٤٨٦ - [٦٨] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، كَأنَّهُ يَأْمُرُهُ بِإِصْلَاحِ شَعْرِهِ وَلحْيَتِهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ثَائِرُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٩٤٩].
٤٤٨٧ - [٦٩] وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ سُمِعَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ،
ــ
٤٤٨٦ - [٦٨] (عطاء بن يسار) قوله: (كأنه شيطان) أي: جني في قبح المنظر.
وقوله: (رواه مالك) أي مرسلًا؛ لأن عطاء بن يسار من التابعين.
٤٤٨٧ - [٦٩] (ابن المسيب) قوله: (سمع) بلفظ المجهول.
وقوله: (إن اللَّه طيب يحب الطيب) الطيب بلفظ الصفة: الحلال، والطاهر، والطيب بلفظ المصدر: النظافة والنقاوة، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (الصراح) (٢): الطيب باك وحلال، والنظافة: باكيزكي، والنظيف نعت منه، لا شك أن الطيب والنظافة قريبان متساويان في المعنى، فكأن الطيب طهارة الباطن والتنظيف تطهير الظاهر، وأما توصيف اللَّه تعالى بهما فقالوا في بيانه: إن الطيب ضد الخبيث، فإذا وصف اللَّه تعالى به أريد أنه منزه عن النقائص، مقدس عن الآفات والعيوب، وإذا وصف به العبد مطلقًا أريد به التعري عن رذائل الأخلاق وقبائح الأعمال، والتحلي بأضداد ذلك، وإذا وصف به الأموال أريد به كونه حلالًا من خيار الأموال، وقد يوصف
стр. 4293
نظَيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ،
ــ
به الطعام نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] والمراد الحلال وما يستطيبه الطبع السليم ويستلذه، ويوصف به العين كقولهم: طاب فلان نفسًا، والأرض بمعنى الطاهر الزكي، وأصل الطيب ما يستلذه الحواس والنفس، والطيب من الإنسان من تزكى عن نجاسة الجهل والفسق.
وقالوا في شرح: (إن اللَّه نظيف يحب النظافة)، إن النظافة كناية عن تنزهه عن سمات الحدوث وعن كل نقص، ونظافة غيره خلوص عقيدته ونفي الشرك ومجانبة الأهواء، ثم نظافة القلب عن نحو الحسد والأخلاق الذميمة، ثم نظافة المطعم والملبس عن الحرام والشبهة، ثم نظافة الظاهر بملابسة العبادات، ومنه: (نظفوا أفواهكم فإنها طرق القرآن)، أي: صونوها عن نحو اللغو والفحش والغيبة، وعن أكل الحرام والقاذورات، وهو حث على تطهيرها من النجاسة والسواك (١)، كذا في (مجمع البحار) (٢).
وبهذا ظهر أن الطيب والنظافة قريبان في المعنى كما ذكرنا، وكل منهما يشمل الظاهر والباطن، ونحن إنما جعلنا الطيب متعلقًا بالباطن، والنظافة بالظاهر لبيان نوع من الفرق فيما نحن فيه، ولكنهما في المآل واحد، فليفهم.
وقوله: (كريم يحب الكرم) الكرم ضد اللؤم، و (الجود) ضد البخل، قالوا: إذا وصفت أحدًا بالكرم فكأنك وصفت بمجموع الأخلاق الحميدة والأفعال الجميلة، وفي (الصراح) (٣): كرم بفتحتين: جوان مردي وعزيزي، نقيض لؤم، والجود:
стр. 4294
فَنَظِّفُوا أُرَاهُ قَالَ: أَفْنِيَتَكُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِك لِمُهَاجِرِ ابْنِ مِسْمَارٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "نَظِّفُوا أَفْنِيتَكُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٩٩].
٤٤٨٨ - [٧٠] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ أوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ، وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ، فَقَالَ: "يَا رَبِّ: مَا هَذَا؟ قَالَ الرَّبُّ ﵎: وَقَارٌ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٩٢٢].
* * *
ــ
جوانمردي كردن.
وقوله: (فنظفوا) لما ذكر محبة اللَّه النظافة أمر بالتنظيف في جميع الأشياء حتى (الأفنية) جمع فناء بكسر الفاء، وهو ساحة البيت وما اتسع من أمامه، ثم أكده بترك التشبه باليهود في عدم تنظيف الأفنية، وفيه أيضًا رعاية الكرم والجود فإن ساحة الدار إذا كانت لطيفة نظيفة كان أدعى لجلب الضيفان وورودهم.
وقوله: (أراه) أي: قال الراوي عن ابن المسيب أظنه قال: أفنيتكم، أي: ذكر مفعول (نظفوا) صريحًا كما في رواية عامر عن أبيه سعد بن وقاص.
٤٤٨٨ - [٧٠] (يحيى بن سعيد) قوله: (كان إبراهيم خليل الرحمن أول الناس ضيف الضيف) الحديث، ونقل عن السيوطي في (حاشية الموطأ) (١): وأول من قص
стр. 4295
٤ - باب التصاوير
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٤٨٩ - [١] عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تَصَاوِيرُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٤٩، م: ٢١٠٦].
ــ
أظافيره، وأول من فرق، وأول من استحد، وأول من تسرول، وأول من خضب بالحناء والكتم، وأول من خطب على المنبر، وأول من قاتل في سبيل اللَّه، وأول من رتب العسكر في الحرب ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة وقلبًا، وأول من عانق، وأول من ثرد الثريد، وللسيوطي كتاب في الأوائل ذكر فيها من غرائب الأمور ﵀.
٤ - باب التصاوير
جمع تصوير، مصدر صوّرته، والمراد هنا الصور المصنوعة ذواتها، وفي (الصراح) (١): تصاوير صورتهائ بر أنكيختن أز جوب وكل وجزآن.
الفصل الأول
٤٤٨٩ - [١] (أبو طلحة) قوله: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تصاوير) قالوا: المراد كلب يحرم اقتناؤه بخلاف كلب الصيد والحراسة ومحافظة الزرع والماشية، وصورة لا تمتهن بخلاف صورة البساط والوسادة وأمثالهما، فإن وجودهما لا يمنع دخول الملائكة، وقيل: الأظهر أنه عام في كل كلب وصورة يمنع دخول الملائكة وإن لم يحرم لإطلاق الأحاديث الواردة في الباب، وكما يعلم من الحديث الثاني والرابع، والمراد بالملائكة من عدا الكتبة والحفظة؛ فإنهم لا يفارقون الإنسان في حال من الأحوال.
стр. 4296
٤٤٩٠ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، وَقَالَ: "إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِيَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَنِي". ثُمَّ وَقَعَ فِي نفسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بيدِه مَاءً، فَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: "لَقَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ" قَالَ: أَجَلْ،
ــ
٤٤٩٠ - [٢] (ابن عباس) قوله: (واجمًا) الواجم كصاحب، والوجم، ككتف: العبوس المطرق لشدة الحزن، وجم يجم كوعد يعد وجمًا ووجومًا: سكت على غيظ، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (أم) مرخم (أما) حرف التنبيه.
وقوله: (ما أخلفني) معناه لم يخلفني قط، فهو تحسر على إخلافه الآن، أو لا يخلفني من غير عذر وعلة، فلا جرم يكون هنا ما منعه، فتفكر فيه (فوقع في نفسه جرو كلب) وهو مثلثة: ولد الكلب والأسد، و (الفسطاط) في الأصل اسم للقبة تكون في السفر، والمراد هنا ستر كان في البيت بحجلة ونحوها، وفي بعض الروايات: (تحت سريره).
وقوله: (فقال: لقد كنت وعدتني) فإن قلت: قد علم ﷺ أن المانع من ملاقاته وجود الجرو، ثم ما فائدة سؤاله عنه؟ قلت: كأنه غلب على ظنه ﷺ مانعية الكلب، ثم بعد سؤال عنه حصل الجزم، ولم يوح إليه ذلك بعد، واللَّه أعلم.
وقوله: (البارحة) إذا ذكرت الليلة التي مضت قبل الزوال يقال: الليلة بالفارسية إمشب، وبعد الزوال يعبر بالبارحة يعني دي شب.
стр. 4297
وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكلاب حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَترُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٠٥].
٤٤٩١ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ. . . . .
ــ
وقوله: (ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب) يعلم من هذا الحديث أن وجود الكلب مانع عن دخول الملائكة وإن لم يحرم؛ لأن اختفاء الكلب تحت الفسطاط من غير علم به يكون عذرًا صحيحًا في تركه فلا يحرم، ومع ذلك منع جبرئيل عن الدخول.
وقوله: (حتى إنه يأمر) والظاهر حتى إنه أمر، وأتي بصيغة المضارع حكاية عن الحال الماضية استحضارًا لتلك الصورة.
وقوله: (كلب الحائط الصغير) لعدم شدة الاحتياج إلى اقتنائه بخلاف الحائط الكبير.
٤٤٩١ - [٣] (عائشة) قوله: (فيه تصاليب) جمع تصليب بمعنى تصوير صورة الصليب، ثم أطلق على الصليب نفسه كتسمية المصور بالتصوير، ثم جمعه على التصاوير، والصليب بفتح الصاد وكسر اللام: هو الذي للنصارى، وصورته: أن يوضع خشبة على أخرى بصورة التقاطع يحدث منه المثلثان على صورة المصلوب، وأصله أن النصارى يزعمون أن اليهود صلبوا عيسى ﵇ فحفظوا هذا الشكل تذكرًا لتلك الصورة الغريبة الفظيعة وتحسرًا عليها وعبدوه، وفي (الصراح) (١): الصليب: جلباي ترسايان، ويقال: ثوب مصلب للذي فيه صور الصليب، وقيل: المراد بالتصاليب: التصاوير،
стр. 4298
إِلَّا نَقَضَهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٩٥٢].
٤٤٩٢ - [٤] وَعَنْهَا أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَراهِيَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذْنْبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ " قُلْتُ (١): اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ". وَقَالَ: "إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٦١، م: ٢١٠٧].
ــ
كذا اختاره الطيبي (٢)، وفي (مجمع البحار) (٣): التصاليب جمع تصليب وهو تصوير الصليب، وهو مثلث كالتمثال يعبده النصارى، والمراد هنا الصور.
وقوله: (إلا نقضه) أي: قطعه وأزاله.
٤٤٩٢ - [٤] (وعنها) قوله: (نمرقة) بضم النون والراء وبكسرهما، وفي بعض الحواشي نقلًا عن السيوطي: مثلثة النون والراء: الوسادة، وجمعه نمارق، قوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥].
وقوله: (فعرفت) على صيغة الغائبة، وقد يروى على لفظ المتكلم.
وقوله: (أتوب إلى اللَّه وإلى رسوله) كررت الجار تأكيدًا وقصدًا إلى التوبة، والرجوع إلى رسول اللَّه مستقلًّا.
وقوله: (إن البيت الذي فيه الصورة لا تدخله الملائكة) دل هذا الحديث على
стр. 4299
٤٤٩٣ - [٥] وَعَنْهَا: أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقتَيْنِ فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٧٩، م: ٢١٠٧].
ــ
عدم دخول الملائكة في بيت فيه صورة وإن كانت مباحة؛ لأن التصوير على الوسادة مباح كما دل الحديث السابق على الكلب عن الدخول وإن لم يحرم، هذا وقد يختلج أن جواز التصوير في الوسادة ونحوها مع منعه عن دخول الملائكة ما فائدته وأيش ثمرته مع لزوم هذا المحذور في استعماله؟ ويجاب أن ثمرته أنه ليس على استعماله عقاب وإن فيه حرمانًا عن بركات دخول الملائكة، أو يقال: التصوير مانع عن دخول الملائكة في البيت لا في غيرها، واللَّه أعلم.
٤٤٩٣ - [٥] (عائشة) قوله: (على سهوة) في (النهاية) (١): هي بيت صغير منحدر في الأرض قليلًا شبيه بالمخدع والخزانة، وقيل: هي كالصفة تكون بين يدي البيت، وقيل: شبيه بالرفّ أو الطاق يوضع فيه الشيء، وفي (القاموس) (٢): هي الصفة أو المخدع بين بيتين أو شبه الرَّف والطاق يوضع فيه الشيء، أو بيت صغير شبه الخزانة الصغيرة، أو أربعة أعواد أو ثلاثة يعارض بعضها على بعض، ثم يوضع عليه شيء من الأمتعة.
وقوله: (وكانتا في البيت) قيل: لم تكن هذه التماثيل الصور المحرمة التي هي صور الحيوانات ولم يكن هتك الستر لذلك، بل لما يأتي في الحديث الآتي: (إن اللَّه لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين)، ولو فرضنا أنها منها كانت رؤوسها مقطوعة، ومعنى الهتك: القطع ومحو الصور التي فيها، وقد حصل ذلك بالهتك.
стр. 4300
٤٤٩٤ - [٦] وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ، فَأَخَذَتْ نَمَطًا فَسَتَرَتْهُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ، فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٤، م: ٢١٠٧].
٤٤٩٥ - [٧] وَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ (١) ﷺ قَالَ: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٤، م: ٢١٠٧].
٤٤٩٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً. . . . .
ــ
٤٤٩٤ - [٦] (وعنها) قوله: (نمطًا) النمط: بساط لطيف له خمل يجعل على الهودج، وقد يجعل سترًا.
وقوله: (إن اللَّه تعالى لم يأمرنا) ظاهر اللفظ لا يدل على النهي، ولكنه يمكن أن يجعل كناية عن ذلك كما يقتضيه المقام، وفيه إشارة إلى أن المؤمن المتقى ينبغي أن يقصر فعله على الواجب والمندوب، ولا يفعل إلا ما أمر به، ويرفع همته عن المباح وما أذن فيه، فافهم.
وقيل: كان في ذلك النمط صور الخيل ذوات الأجنحة فأتلف صورها، انتهى. إن كان ورود ذلك في الرواية فذاك، ولكن لا يخفى أن سياق الحديث يدل على أن المنع والهتك لم يكن من جهة التصوير بل لكراهة كسوة الجدار.
٤٤٩٥ - [٧] (وعنها) قوله: (الذين يضاهون) أي: يشابهون، ضاهاه: شاكله وشابهه.
٤٤٩٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فليخلقوا ذرة) كأنه قال: التصوير ليس بخلق
стр. 4301
أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٣، م: ٢١١١].
٤٤٩٧ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ الْمُصَوِّرُونَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٠، م: ٢١٠٩].
ــ
حقيقة، بل هو تركيب المواد التي خلقها اللَّه تعالى فيتوهم ويشتبه بما يخلق، فإن ادعوا بخلق حقيقة فليخلقوا ذرة ما هو أصغر الخلائق، والمراد بالذرة النملة الصغيرة أو ما يرى في كوة البيت من شعاع الشمس، ولعل الأظهر المعنى الأول، لأن الذرة بالمعنى الثاني لا وجود له إلا وهميًّا وإن كان المبالغة في هذا أكثر، وذكر (الشعيرة) بعد (الحبة) تخصيص بعد التعميم لتعارف ذكرها من الحبوب في مقام التقليل، ويمكن أن يراد بالحبة ذلك الحب الأحمر الذي يعد في الوزن نصف الطَّسُّوج، وقد يجيء الحبة بمعنى القطعة من الشيء، كما ذكر في (القاموس) (١).
٤٤٩٧ - [٩] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أشد الناس عذابًا عند اللَّه المصورون) ليس في هذه الرواية (إن) ولا (من)، ولكن معنى (من) مراد، أو المراد أشد الناس استحقاقًا للعذاب عنده تعالى هؤلاء لكمال غضبه وسخطه عليهم، وفي بعض الروايات: (إن من)، ويشكل عليه رفع (المصورون)، فيقال: ضمير الشأن مقدر، وقيل: (من) زائدة، ولكن في تأثير الزيادة في عدم جريان الأحكام اللفظية خفاء، فتدبر.
ثم قالوا: إن هذا الوعيد في حق من يصور الأصنام لتعبد من دون اللَّه، ولا شك أن هذا الشخص كافر أشد كفرًا يستحق أشد العذاب، وقيل: من يفعل ذلك على قصد المضاهاة والمشابهة باللَّه في خلقه، وهو أيضًا كافر كالأول، ومن لم يفعل لهذا فهو
стр. 4302
٤٤٩٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نفسًا فَيُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٢٥، م: ٢١١٠].
٤٤٩٩ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَن تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ،
ــ
فاسق لا كافر، وحكمه حكم سائر مرتكبي المعاصي، ثم اتفقوا على أن المراد تصوير الحيوانات دون الأشجار والأنهار ونحو ذلك، والمتعارف إطلاق المصور على الأول، ويقال للثاني: النقاش، وكره مجاهد تصوير الأشجار المثمرة أيضًا، وعند الجمهور وإن لم يكن تصوير الأشجار ونحوها حرامًا، ولكنه لا يخلو عن كراهة؛ لأنه من باب اللهو واللعب والاشتغال بما لا يعني.
٤٤٩٨ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (يجعل له بكل صورة صورها نفسًا) إن كان (يجعل) على صيغة المجهول و (نفسًا) منصوبًا كما هو في أكثر النسخ، فتوجيهه أن يسند الفعل إلى الجار والمجرور على حد قوله:
ولَسُبّ بذلك الجرو الكلابا
وإذا كان (يجعل) مبنيًا للفاعل والضمير للَّه تعالى للعلم به، كما ضبط النووي في (شرح مسلم) (١) أو يكون (نفس) بالرفع فلا إشكال.
٤٤٩٩ - [١١] (وعنه) قوله: (من تحلم بحلم) الحلم بضم الحاء واللام
стр. 4303
كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرتَينِ، وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٤٢].
٤٥٠٠ - [١٢] وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٦٠].
ــ
ويسكن: الرؤيا، وحلم بالفتح: رأى الرؤيا، وتحلم، أي: ادعى الرؤيا كذبًا، وظاهر الحديث أنه عام في كل رؤيا كاذبة، وإنما اشتد عذابه لتعلقه بعالم الغيب، فهي أخص من مطلق الكذب، وقيل: التغليظ مخصوص بمن يدعي قرب جناب الحق، وورود الأمر والنهي عنه وعن رسوله ويخبر الناس بذلك.
وقوله: (أو يفرون منه) الظاهر أن (أو) للشك من الراوي، ولو كان للتنويع كان الظاهر تقديمه على (وهم له كارهون)، فافهم.
وقوله: (الآنك) بمد الهمزة وضم النون: الأسرُبُ الأبيض أو الأسود أو الخالص منه، كذا في (القاموس) (١)، وفسره في (النهاية) (٢) بالرصاص الأبيض أو الأسود أو الخالص منه، وقالوا: لم يجئ مفرد على أفعل إلا الآنك والأشد.
٤٥٠٠ - [١٢] (بريدة) قوله: (بالنردشير) هو النرد المعروف، معرب، وضعه أردشير بن بابك، ولذا يقال له النردشير، كذا في (القاموس) (٣).
стр. 4304
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٥٠١ - [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَانِي جِبْرِيلُ قَالَ: أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي عَلَى بَابِ الْبَيْتِ فَيُقْطَعَ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُجْعَلْ وِسَادتَيْنِ مَنْبُوذَتينِ تُوطَآنِ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ". فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٨٠٦، د: ٤١٥٨].
٤٥٠٢ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَخْرُجُ عُنُقٌ منَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ، وَأُذُنانِ تَسْمَعَانِ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ،
ــ
الفصل الثاني
٤٥٠١ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (قرام) بكسر القاف: الثوب الملون الرقيق أو الضيق يجعل سترًا، فيكون الإضافة مثل ثوب قميص، وهي بمعنى اللام كما في حديد خاتم بخلاف خاتم الحديد، فإنه بمعنى من، وقيل: القرام: الستر الرقيق وراء الستر الغليظ، فيكون الإضافة بمعنى اللام على هذا أظهر.
وقوله: (فيقطع) بالنصب على أنه جواب الأمر بعد الفاء، وبالرفع بتقدير فهو يقطع.
وقوله: (منبوذتين) أي: مطروحتين، ويقال للوسادة: منبذة بكسر الميم لأنها تطرح وتلقى وتفرش.
٤٥٠٢ - [١٤] (وعنه) قوله: (عنق من النار) في (القاموس) (١): العنق:
стр. 4305
يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرينَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٧٤].
٤٥٠٣ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ، وَالْكُوبَةَ، وَقَالَ: وَكُلُّ (١) مُسْكِرٍ حَرَامٌ". قِيلَ: الْكُوبَةُ الطَّبْلُ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [هب: ٧/ ١١٩].
٤٥٠٤ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: . . . . .
ــ
الجماعة من الناس والرؤساء، و (من) هذه بيانية مثلها في قولك: جماعة من الناس وطائفة منهم، ويشبه أن تكون تبعيضية، أي: يخرج بعض من النار، أي: تمثل النار بالعنق ويخرج.
وقوله: (بكل جبار عنيد) الجبار: الذي يجبر الناس على أمور ويقهرهم، والعنيد: المعاند للحق الذي ينكره مع العلم به.
٤٥٠٣ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (والكوبة) فسروها بالنرد والطبل والبربط ثلاثة أقوال، كذا في (النهاية) (٢)، وفي (شرح جامع الأصول) (٣): هو الطبل الصغير المُخَصَّر ذو الرأسين، وفي (القاموس) (٤): الطبل الذي يضرب، ويكون ذا وجه وذا وجهين، وجمعه أطبال، فالمراد طبل اللهو لا طبل الغزاة والحجاج.
٤٥٠٤ - [١٦] (ابن عمر) قوله: . . . . .
مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلِمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ خَلقِ اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٧٣، م: ٥٢٣٨].
٤٥٠٩ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، أَوْ قَتَلَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ، وَالْمُصَوِّرُونَ، وَعَالِمٌ لَمْ يُنْتَفَعْ بِعِلْمِهِ".
٤٥١٠ - [٢٢] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الشِّطْرَنْجُ هُوَ مَيْسِرُ الأَعَاجِمِ.
ــ
الكرماني (١): المشهور أن الكنيسة لليهود، والبيعة للنصارى، لكن يطلق في اللغة الكنيسة أيضًا للنصارى، وقال الجوهري (٢): الكنيسة للنصارى، و (المارية) بكسر الراء وخفة التحتانية على لفظ مارية القبطية.
٤٥٠٩ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (أو قتله نبي) أي: في سبيل اللَّه لا حدًا وقصاصًا.
٤٥١٠ - [٢٢] (علي) قوله: (الشطرنج) بكسر الشين المعجمة، وقال في (القاموس) (٣): ولا يفتح أوله، والسين لغة فيه، من الشطارة أو من التشطير.
стр. 4309
٤٥١١ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ قَالَ: لَا يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ إِلَّا خَاطِئٌ.
ــ
٤٥١١ - [٢٣] (ابن شهاب) قوله: (لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ) والخطأ ضد الصواب، والخطيئة: الذنب، في (الهداية) (١): لا تقبل شهادة من يقامر بالنرد والشطرنج أو تفوته الصلاة بهما، فأما مجرد اللعب بالشطرنج فليس بفسق؛ لأن للاجتهاد فيه مساغًا، قال شارح (الوقاية): فهم من هذا أن في النرد لا يشترط المقامرة أو فوت الصلاة، فقيد المقامرة في النرد وقع اتفاقًا، قال في (الذخيرة): من يلعب بالنرد فهو مردود الشهادة على كل حال.
وقال في (مطالب المؤمنين): واختلفوا في اللعب بالشطرنج فرخص بعضهم، ولكن بثلاث شرائط: أن لا يقامر، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، وأن يحفظ لسانه عن الخنا والفحش، فإذا فعل شيئًا منها فهو مردود الشهادة، وكره الشافعي ﵀ اللعب به والحمام كراهية تنزيه لا غير كالنرد، كذا في (الكاشف)، وذكر الشيخ أبو حامد الغزالي في (الإحياء) (٢) في باب السماع: اللعب بالشطرنج مباح، ولكن المواظبة عليه مكروه كراهة شديدة، وذكر في (السراجية): اللعب بالشطرنج حرام.
وذكر في (الجامع الصغير) الخاني (٣): أما الشطرنج فما كان قمارًا فهو حرام بالإجماع، وما خلا عن القمار فهو عبث وأنه حرام، وفي (نصاب الاحتساب) (٤): اللعب بالشطرنج حرام بآثار الصحابة، ولا بأس بأن يلعب الصبيان يوم العيد بالجوز