مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلِمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ خَلقِ اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٧٣، م: ٥٢٣٨].
٤٥٠٩ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، أَوْ قَتَلَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ، وَالْمُصَوِّرُونَ، وَعَالِمٌ لَمْ يُنْتَفَعْ بِعِلْمِهِ".
٤٥١٠ - [٢٢] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الشِّطْرَنْجُ هُوَ مَيْسِرُ الأَعَاجِمِ.
ــ
الكرماني (١): المشهور أن الكنيسة لليهود، والبيعة للنصارى، لكن يطلق في اللغة الكنيسة أيضًا للنصارى، وقال الجوهري (٢): الكنيسة للنصارى، و (المارية) بكسر الراء وخفة التحتانية على لفظ مارية القبطية.
٤٥٠٩ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (أو قتله نبي) أي: في سبيل اللَّه لا حدًا وقصاصًا.
٤٥١٠ - [٢٢] (علي) قوله: (الشطرنج) بكسر الشين المعجمة، وقال في (القاموس) (٣): ولا يفتح أوله، والسين لغة فيه، من الشطارة أو من التشطير.
стр. 4309
٤٥١١ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ قَالَ: لَا يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ إِلَّا خَاطِئٌ.
ــ
٤٥١١ - [٢٣] (ابن شهاب) قوله: (لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ) والخطأ ضد الصواب، والخطيئة: الذنب، في (الهداية) (١): لا تقبل شهادة من يقامر بالنرد والشطرنج أو تفوته الصلاة بهما، فأما مجرد اللعب بالشطرنج فليس بفسق؛ لأن للاجتهاد فيه مساغًا، قال شارح (الوقاية): فهم من هذا أن في النرد لا يشترط المقامرة أو فوت الصلاة، فقيد المقامرة في النرد وقع اتفاقًا، قال في (الذخيرة): من يلعب بالنرد فهو مردود الشهادة على كل حال.
وقال في (مطالب المؤمنين): واختلفوا في اللعب بالشطرنج فرخص بعضهم، ولكن بثلاث شرائط: أن لا يقامر، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، وأن يحفظ لسانه عن الخنا والفحش، فإذا فعل شيئًا منها فهو مردود الشهادة، وكره الشافعي ﵀ اللعب به والحمام كراهية تنزيه لا غير كالنرد، كذا في (الكاشف)، وذكر الشيخ أبو حامد الغزالي في (الإحياء) (٢) في باب السماع: اللعب بالشطرنج مباح، ولكن المواظبة عليه مكروه كراهة شديدة، وذكر في (السراجية): اللعب بالشطرنج حرام.
وذكر في (الجامع الصغير) الخاني (٣): أما الشطرنج فما كان قمارًا فهو حرام بالإجماع، وما خلا عن القمار فهو عبث وأنه حرام، وفي (نصاب الاحتساب) (٤): اللعب بالشطرنج حرام بآثار الصحابة، ولا بأس بأن يلعب الصبيان يوم العيد بالجوز
(٢٣) كتاب الطب والرقى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٣ - كتاب الطب والرقى
في (القاموس) (١): الطب مثلثة الطاء: علاج الجسم والنفس، والرفق، والسحر، وبالكسر: الشهوة، والإرادة، والشأن، والعادة، وبالفتح: الماهر الحاذق بعمله، كالطبيب، والفحل الحاذق بالضراب، والمتطبب: المتعاطي علم الطب، انتهى. ومن إطلاق الطب بمعنى السحر حديث: (احتجم حين طب) أي: سحر، وحديث: (فلعل طبًّا أصابه) أي: سحرًا، وحديث: (إنه مطبوب)، وفي معنى الحاذق بالضراب، حديث الشعبي ووصف معاوية: كان كالجمل الطب، أي: الحاذق بالضراب، وقيل: بمعنى الإبل الذي لا يضع خفه إلا حيث يبصر، فاستعار أحد المعنيين لأفعاله وخلاله.
والرقى جمع رقية كظلم وظلمة، بضم الراء وسكون القاف وتخفيف الياء من ضرب يضرب، وأما الرقي بضم الراء وكسر القاف وتشديد الياء بمعنى الصعود والترقي فهو من سمع يسمع، والرقية: العوذة، وبالفارسية: أفسون، وقيل: هو ما يقرأ من الدعاء لطلب الشفاء، وهي جائزة بالقرآن والأسماء الإلهية وما في معناها بالاتفاق، وبما عداها حرام، لاسيما بما لا يفهم معناه، وما يفعله أهل العزائم والتكسير من الأعمال
стр. 4313
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٥١٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ داءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٧٨].
٤٥١٥ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِكُلِّ داءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءٌ الدَّاءَ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٤].
ــ
مثل البخور والألوان وحفظ الساعات أيضًا مكروه حرام عند أهل الديانات.
الفصل الأول
٤٥١٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما أنزل اللَّه داء) أي: ما خلق وقدر داء إلا خلق وقدر له دواء، وقد يعبر عن الخلق والتقدير بالإنزال من السماء؛ لأن كل الأمر الإلهي التكويني ينزل من السماء، قال اللَّه تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال الطيبي (١): ما أصاب أحدًا بداء إلا قدر له دواء.
٤٥١٥ - [٢] (جابر) قوله: (برأ بإذن اللَّه) في (القاموس) (٢): برأ المريض يبرأ ككرم وفرح، بِرْءًا وبُرْءًا وبُرُوءًا، وأبْرَأَهُ اللَّهُ، فهو بارِئٌ وبَرِيءٌ، والجمع بِراءٍ كَكِرَامٍ، وفي (الصراح) (٣): برأ بالضم: به شدن أز بيماري، بفتح العين في الماضي والمضارع، وأهل الحجاز يقولون: برأت من المرض، برأ بالفتح وهو بارئ من مرضه، وبراءة: بيزار شدن أز عيب ودام ومانند آن، بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع برء آفريدن بفتحهما وهو البارئ.
стр. 4314
٤٥١٦ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتي عَنِ الْكَيِّ (١) ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٨٠].
ــ
٤٥١٦ - [٣] (ابن عباس) قوله: (الشفاء في ثلاث: في شرطة محجم) في (القاموس) (٢): الحجم: المص، والمحجم بكسر: ما يحجم به، وحرفته: الحجامة ككتابة. واحتجم: طلبها، والشرطة: ضرب المشرط على موضع الحجامة، في (الصراح) (٣): مشرط مشراط: نشتر.
ثم ظاهر عبارة الحديث يدل على الحصر كما في قولهم: الكرم في العرب، وهو صحيح باعتبار الإشارة إلى أنواع الأمراض باعتبار ذكر بعض عمدة أفراده، وتوجيهه ما قال بعض العلماء: إن هذا الحديث إشارة إلى معالجة جميع الأمراض يعني المادية، فإن الأمراض المادية إما دموية أو صفراوية أو بلغمية أو سوداوية، فإن كانت دموية فعلاجه بإخراج الدم، وإليه الإشارة بقوله: محجم، وإن كانت الأقسام الثلاثة الأخر فعلاجه بالإسهال، وعليه نبه بقوله: (شربة عسل) فإنه من المسهلات، وأشار بذكر الكي إلى حالة يعجز الطبيب عن المعالجة فيها؛ لأنه يندفع بالكي الخلط الباغي الذي لا تتحسم مادته إلا بالكي، ولهذا قالوا: آخر الدواء الكي، انتهى ملخصًا.
وأما النهي عن الكي مع كونه علاجًا وشفاء فمن جهة أن العرب كانوا يعظمون شأنه ويقولون: إنه يحسم المادة بالقطع وإن لم يفعل أدى إلى الهلاك حتى اشتهر بينهم آخر الدواء الكي، فنهى عنه تحرزًا عن الوقوع في شبكة الشرك الخفي، والنهي
стр. 4315
٤٥١٧ - [٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْمَ الأَحْزَابِ. . . . .
ــ
تنزيهي، وإن فعل ويرجو الشفاء من اللَّه سبحانه جاز، وقيل: النهي عن الكي إنما هو في موضع خطر وتردد حيث يخاف السراية والهلاك ولم يقطع بالنفع.
وتفصيل الكلام في هذا المقام أن الأحاديث والأخبار في باب الكي وردت متخالفة، بعضها يدل على الجواز كما يعلم من فعله ﷺ ببعض أصحابه رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين كما هو مذكور في الكتاب، وبعضها دال على النهي عنه كهذا الحديث والحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود عن عمران بن الحصين ﵁ أنه قال: كان ينهانا النبي ﷺ عن الكي، فابتلينا به فلم نفز الفلاح والنجاح (١)، وحديث مسلم (٢) عنه ﵁ أنه قال: كنت أسمع التسليم من الملائكة، فلما اكتويت حجبت عنه، فتبت فرجع الحال كما كان أو كما قال. وقد جاء في حديث: (إني لا أحب الكي)، وقد ورد المدح والثناء على تركه كما في حديث المتوكلين.
ووجه التوفيق بين الأحاديث أن النهي محمول على حالة الاختيار من غير داعية مرض، أو لا يحتاج إليه في دفع المرض بإمكان العلاج بدواء آخر، أو على ما ذكرنا من أن النهي للحذر عن الوقوع في ورطة الشرك الخفي، وقيل: إن أمره ﷺ بالكي لبعض أصحابه من جهة فساد الجراحة وقطع العضو، والبرء في ذلك متيقن، وبالجملة الأفضل ترك الكي اللهم إلا إذا انحصر العلاج فيه بقول طبيب حاذق، واللَّه أعلم.
٤٥١٧ - [٤] (جابر) قوله: (رمي أبي) أي: ابن كعب كما جاء في الحديث الآتي، وكان ذلك في غزوة الأحزاب.
стр. 4316
عَلَى أَكْحَلِهِ فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٧].
٤٥١٨ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرَمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٨].
٤٥١٩ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ، طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا،
ــ
وقوله: (على أكحله) وهي اسم لعرق في متصل الذراع والساعد يغلب فيه الفصد، ويسمى عرق الحياة، ونهر الحياة، والعامة يسمونه عرق الأعضاء السبعة، وفي كل عضو منه شعبة، واسم مفرد في اليد اسمه أكحل، وفي الفخذ النساء بفتح النون، لكن يقال هنا: عرق النساء بإضافة العرق إليه، ولا يقال هنا: عرق الأكحل بل الأكحل بدون الإضافة، وعرق النساء اسم مرض شديد مشهور، وتسميته به؛ لأن ألمه ينسي ما سواه ويشغل المريض به.
٤٥١٨ - [٥] (وعنه) قوله: (رمي سعد بن معاذ في أكحله) وهو أيضًا في غزوة الخندق التي تسمى غزوة الأحزاب.
وقوله: (بمشقص) أي: بنصل، وفي (القاموس) (١): المشقص، كمنبر: نَصْلٌ عريض، أو سهم فيه ذلك، أو النصل الطويل، أو سهم فيه ذلك، والمعبلة، كمكنسة: النصل الطويل العريض، وفي (الصراح) (٢): مشقص: بيكان بهن دراز، وقال أيضًا: معبلة: بيكان بهن دراز.
٤٥١٩ - [٦] (وعنه) قوله: (فقطع منه عرقًا) وهو الأكحل كما مرّ في
стр. 4317
ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٧].
٤٥٢٠ - [٧] وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: السَّامُ: الْمَوْتُ، وَالْحَبَّةُ السَّوْداءُ: الشَّونِيزُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٨٨، م: ٢٢١٥].
ــ
الحديث السابق.
٤٥٢٠ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (الشونيز) بفتح الشين وضمها وكسر النون، ويقال: الشنيز والشهنيز أيضًا، كذا في (القاموس) (١)، ثم اعلم أنه قال الطيبي (٢): إن لفظ الحديث وإن كان عامًا لكنه مخصوص بأمراض تحدث من الرطوبة والبلغم؛ لأن الشونيز حار يابس فهو شفاء للداء المقابل له في الرطوبة والبرودة، وذلك لأن الدواء يكون أبدًا بالمضاد، والعلاج (٣) بالمشاكل، انتهى. قيل: محمول على العموم لأن الحبة السوداء يدخل في كل داء بالتركيب، وقال الكرماني (٤): يتعين العموم بدليل الاستثناء، وقال صاحب (سفر السعادة): كان جمع من الأكابر يعالج في مجموع الأمراض بالحبة السوداء، وبعضهم يستعمل في مجموعها العسل، فكان يرزق الشفاء ببركة حسن اعتقاده.
стр. 4318
٤٥٢١ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْقِهِ عسَلًا" فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا، فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: "اسْقِهِ عَسَلًا". فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا استِطْلَاقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ" فَسَقَاهُ فَبَرَأَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٨٤، م: ٢٢١٧].
ــ
٤٥٢١ - [٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (صدق اللَّه) الأكثرون على أن المراد به صدق تعالى في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وقال بعضهم: أوحي إليه ﷺ أن شفاء بطنه في شربة عسل، وقال: هذا التوجيه أولى؛ لأن قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ لا يدل على أن العسل شفاء لكل داء، على أنّ مجاهدًا ذهب إلى أن الضمير راجع إلى القرآن وإن كان ضعيفًا من القول مخالفًا للظاهر، ولما ذهب إليه جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين، والأحاديث الواردة في ذلك.
وقوله: (وكذب بطن أخيك) أي: أخطأ الشفاء ولم يقبله، والعرب يستعمل الكذب في الخطأ، يقول: كذب سمعه: إذا أخطأ ولم يدرك حقيقة ما سمع، وقال الإمام فخر الدين الرازي (١): إنه ﷺ أدرك بنور الوحي أن العسل ينفع آخرًا عن استطلاق بطنه، ولما لم يظهر في الحال كأنه قال البطن أو صاحب البطن: إنه غير نافع عنه، وقد كذب في هذا القول، فلهذا المعنى أطلق الكذب، فافهم.
وقوله: (فسقاه فبرأ) وقد ظهر من هذا كمال حذاقته ﷺ في هذا العلاج، وذلك لأن الاستطلاق كان لامتلاء المادة الفاسدة فلا بد من إخراجه، ولهذا كرر الأمر بسقيه؛
стр. 4319
٤٥٢٢ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالقُسْطُ الْبَحْرِي". مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٩٦، م: ١٥٧٧].
ــ
لأن الدواء ما لم يبلغ في المقدار ما يوافق إزالة المرض لم ينفع، وإذا نقص من ذلك المقدار لا يزيل المرض، وإذا زاد أسقط القوى، ولما لم يسقه في كل مرة ما يقاوم المرض كان يزيد مرضه وأمر بإعادة السقي حتى يبلغ حده، فقال: (صدق اللَّه) أي: في كون العسل شفاء، أو فيما أوحي أنه ينفع من هذا الدواء، (وكذب بطن أخيك)، وكذبه عبارة عن كثرة المواد الفاسدة، ولما سقاه ما يفي في إخراج تلك المواد ظهر نفعها وبرأ.
وقال بعض العلماء: الطب النبوي لا نسبة له إلى طب الأطباء؛ لأنه متيقن النجح، إذ هو صادر عن وحي إلهي ومشكاة نبوة وكمال عقل، وأما طب غيره فهو في الغالب صادر عن حدس وظن وتجربة، وهي مثار الخطر ومظان الخطأ، ومن لم ينتفع بالطب النبوي فذلك من نقص إيمانه وسوء اعتقاده، ومن تلقاه بصدق قبول وحسن اعتقاد انتفع به يقينًا، ولذلك حمل بعضهم كذب البطن على عدم صدق النية وخلوص الاعتقاد، فافهم، وباللَّه التوفيق.
٤٥٢٢ - [٩] (أنس) قوله: (والقسط البحري) بضم القاف ويقال: بالكاف أيضًا، وسكون السين المهملة من الأدوية المشهورة، وعقاقير البحر طيب تتبخر به النفساء، وفيه منافع كثيرة: يدرّ الحيض والبول، ويدفع السموم، ويحرك شهوة الجماع، ويقتل شربه ديدان المعدة، وينفع حمى الربع ويدفع طلاؤها الكلف والبهق، وينفع بخوره الزكام والسحر والوباء وغيرها من المنافع المذكورة في كتب الطب، والقسط نوعان بحري وهندي، والبحري أبيض وهو أفضل من الهندي، وأقل حرارة منه، ووصف بالعربي أيضًا، وجاء في رواية: (والقسط الهندي) وفسروه بالعود الهندي أيضًا.
стр. 4320
٤٥٢٣ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنَ الْعُذْرةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٩٦، م: ١٥٧٧].
٤٥٢٤ - [١١] وَعَن أُمِّ قَيْسٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى مَا تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعَلَاقِ؟ عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ،
ــ
٤٥٢٣ - [١٠] (وعنه) قوله: (من العذرة) بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة: وجع يهيج في الحلق فيغمز ذلك الموضع، فيخرج منه دم أسود.
وقوله: (وعليكم بالقسط) وقد جاء في حديث أحمد في (مسنده) طريق العلاج بالقسط بأن تحل القسط بالماء ويسعط، والسعوط: هو صب الدواء في الأنف، وطريقه أن يستلقي المريض على ظهره ويخفض رأسه ويصب الدواء في أنفه حتى يصل إلى الدماغ فيخرج الداء بالعطاس، وكان رسول اللَّه ﷺ يمدح السعوط وكان يسعط بنفسه، وقد استبعد بعض من ينسب إلى الطب علاج العذرة بالقسط بأن القسط حار، وعروض العذرة للصبيان من الحرارة لا سيما في القطر الحجازي وهو حار أيضًا، ودفعه بعض العلماء بأن مادة العذرة دم يغلبه البلغم، فيوافقه العلاج بالقسط لأنه مجفف ومقو للعضو، وقد يكون نفع الدواء بالخاصية مع أنه يمكن أن يكون ذلك من معجزاته ﷺ .
٤٥٢٤ - [١١] (أم قيس) قوله: (على ما تدغرن) ما استفهامية، والدغر بالدال المهملة والغين المعجمة آخره راء: غمز الحلق ورفع المرأة لهاة الصبي بإصبعها.
وقوله: (بهذا العلاق) بفتح العين، وقد يجعل في بعض النسخ بالكسر والضم، وفي بعضها: (بهذا العلق)، ومعناه هذا الغمز والدغر المذكور، وفي بعض الروايات (الإعلاق) من باب الإفعال، وقيل: هذه الرواية أولى وأصوب، وبعضهم ادعوا شهرتها
стр. 4321
فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ، يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧١٣، م: ٢٢١٤].
ــ
مع أن الرواية الأولى للبخاري، والثانية جاءت في مسلم، ومعنى الإعلاق هو العلاج المذكور، وقد يجعل الهمزة للإزالة بمعنى إزالة العلوق، والعلوق هو الداهية، ولو جعل بمعنى إزالة العلق محركة بمعنى الدم لكان أيضًا وجهًا.
وقوله: (فإن فيه سبعة أشفية) أي: فيه شفاء من مبعة أمراض، وقد أشار ﷺ إلى سبعة من منافعه إلى ما يناسب أحوال القوم وهو لا ينافي الزيادة عليها، وخص منها (ذات الجنب) وهي من الأمراض المهلكة بالذكر، وقيل: المراد بالسبعة الكثرة مطلقًا، ويجيء في كلام العرب بهذا المعنى كالسبعين، واللَّه أعلم.
وقوله: (منها ذات الجنب) وهو ورم حار في نواحي الصدر في العضلات الباطنة والحجاب الداخل والحجاب الحاجز بين آلات الغذاء وآلات النفس، ويسمى هذا القسم منه الخالص، وهو أعظم وأخوف الأقسام، أو في عضلات خارجة ظاهرة، أو حجاب خارج بمشاركة الجلد، ومن أمراض ذات الجنب حمى حارة وسعال وضيق نفس ووجع ناخس وعطش واختلاط الذهن، وهي حجاب من الأمراض الشديدة المهلكة العسيرة العلاج، نعوذ باللَّه منها، وقد أمر رسول اللَّه ﷺ علاجها بالقسط البحري، وفي (جامع الترمذي) (١) عن زيد بن أرقم بقسط بحري وزيت، ثم بين الفرق بين علاج ذات الجنب والعذرة بالقسط البحري بقوله: (يسعط من العذرة ويلد من ذات الجنب)، وقد عرفت معنى السعوط، واللدود: صب الدواء من أحد جانبي الفم، وقد مرّ بيانه وتفصيله في الفصل الثاني من (باب الترجل).
стр. 4322
٤٥٢٥ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ وَرَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٦٣، م: ٢٢١٠].
ــ
٤٥٢٥ - [١٢] (عائشة، ورافع بن خديج) قوله: (فابردوها بالماء) بهمزة وصل وضم راء من باب نصر متعد، في (الصراح) (١): برد: سرما نقيض حر، وسرد كردن بفتح العين في الماضي وضمها في المضارع، وماء مبرود وبرودت خنكي وسردي، نقيض حرارت بضم العين فيهما، وأبردته لغة رديئة، وفي (القاموس) (٢): برد كنصر وكرم، وماء بارد وبرود، وبُراد بالضم ومبرود، وقد برّده بردًا جعله باردًا، وأبرده جاء به باردًا، وفي (النهاية) (٣): أبردوا بالظهر، فالإبراد: انكسار الوهج والحر، وهو من الإبراد بمعنى الدخول في البرد. ثم هذا الخطاب بأهل الحجاز باعتبار الأكثر والأغلب؛ لأن أكثر ما يعرض لهم الحمى اليومية من شدة حرارة الشمس أو حركة مفرطة أو غضب أو يقظة، ولا شك أن الحمى الصفراوية ينفعها التبريد بالماء.
ثم اختلفوا في أن التبريد هل يشمل الغسل، فقال بعضهم: نعم، بدليل، ما جاء في الحديث: (إذا حم أحدكم فليرشّ عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر) (٤)، وفي (مسند الإمام أحمد) (٥): (كان رسول اللَّه ﷺ إذا حمّ دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل)، وفي (جامع الترمذي) (٦): (إذا أصاب أحدكم الحمى فإنما الحمى قطعة
стр. 4323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من النار فليطفئها عنه بالماء، فليستنقع نهرًا جاريًا ليستقبل جرية الماء) الحديث، مضى في الفصل الثالث من (باب العيادة)، فهذه الأحاديث صريحة في أن التبريد شامل للاغتسال، ولما كان المراد هنا الحمى الصفراوية التي تعرض لأهل المزاج الحار اشتد التبريد بحسب اشتداد الحرارة الصفراوية.
ونقل الطيبي (١) أن معنى الحديث تبريد الحمى الصفراوية بسقي الماء البارد ووضع أطراف المحموم فيه، فإنما أمر بإطفاء الحمى وتبريدها بالماء على هذا الوجه دون انغماس الماء وغط الرأس، والأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية يبرد صاحبها بسقي الماء البارد الشديد البرودة، ويسقونه الثلج، ويغسلون أطرافه بالماء البارد.
وقد ذكر مسلم في (صحيحه) (٢) عن أسماء أنها صبت الماء في جيب المرأة الموعوكة وقالت: إن رسول اللَّه ﷺ قال: (ابردوها بالماء)، فهذه أسماء راوية الحديث مع قربها من النبي ﷺ تأول الحديث على نحو ما قلناه، وأما ما روينا عن الترمذي فشيء خارج عن القواعد الطبية داخل في قسم المعجزات، ألا ترى كيف قال: (صَدِّق رَسُولَكَ)، وفي آخره: (بإذن اللَّه)، انتهى.
وأما الرش فيقول هذا القائل: إنه ليس صريحًا في الغسل بل في نحو ما قال، وأما اغتساله ﷺ فليكن من خصائصه، هذا والإنصاف أنه لما سلم القائل سقي الماء والثلج وصبه على المحموم، وغسل أطرافه بالماء البارد الشديد البرودة، فلو اشتد على ذلك لجاز الاغتسال أيضًا، واكتفاء أسماء بالسقي والصب من هذه الجهة وهو ظاهر، واللَّه أعلم.
стр. 4324
٤٥٢٦ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ وَالنَّمْلَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٩٦].
٤٥٢٧ - [١٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٣٨، م: ٢١٩٥].
٤٥٢٨ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَة -تَعْنِي صُفْرَةً-، فَقَالَ: . . . . .
ــ
٤٥٢٦ - [١٣] (أنس) قوله: (رخص رسول اللَّه ﷺ في الرقية من العين) أي: أصابتها، و (الحمة) بضم المهملة وفتح الميم مخففة: السم، أو الإبرة يضرب بها الزنبور والحية ونحو ذلك، أو يلدغ بها، وحمة العقرب: سيفه، وفي (الصراح) (١): حمة العقرب: نيش كزدم وزهروي، وأصلها حَمْوٌ وحَمْيٌ، والهاء عوض عن الواو أو الياء، و (النملة) واحدة النمل، وهي قروح في الجنب كالنمل، وبثرة تخرج في الجسد بالتهاب واحتراق ويرم مكانها يسيرًا، ويدب إلى موضع آخر كالنملة، وسببها صفراء حارة تخرج من أفواه العروق الدقاق ولا تحتبس فيما هو داخل من ظاهر الجلد لشدة لطافتها وحدتها.
٤٥٢٧ - [١٤] (عائشة) قوله: (أن نسترقي) بالنون على صيغة المعلوم وبالياء على لفظ المجهول.
٤٥٢٨ - [١٥] (أم سلمة) قوله: (سفعة) بلفظ المرة، من سفع بمعنى: ضرب ولطم، وسفع بناصيته: قبض عليها فاجتذبها، والسفع يجيء بمعنى العلامة، وفسر قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] بمعنى لنجرنه بها إلى النار أو بمعنى لنعلمه علامة
стр. 4325
"اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٣٩، م: ٢١٩٥].
٤٥٢٩ - [١٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَأَنْتَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: "مَا أَرَى بِهَا بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٩٩].
٤٥٣٠ - [١٧] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٠].
ــ
أهل النار، كذا في (القاموس) (١)، وبهذا المعنى فسر الحديث بقوله: أي: علامة من الشيطان أو ضربة واحدة منه، ويجيء السفعة بمعنى العين، يقال: فلان مسفوع، أي: معيون، وأصابته سفعة، أي: عين، والسوافع: لوافح السموم، والسفع من اللون: سواد أشرب حمرة، وفسره الراوي بالصفرة، وهو يناسب بمعنى العلامة، أو هو تفسير بأثر الضربة والأخذة، فتدبر.
وقوله: (فإن بها النظرة) أي: نظرة الجن، ويقال: عيونهم أحَدّ من أسنّة الرماح.
٤٥٢٩ - [١٦] (جابر) قوله: (فعرضوها) أي: الرقية على رسول اللَّه ﷺ .
٤٥٣٠ - [١٧] (عوف بن مالك الأشجعي) قوله: (ما لم يكن فيه شرك) أراد بها حقيقته بأن يكون في معناه ما يلزم منه الشرك باللَّه، أو أراد ذكر أسماء الأصنام والشياطين، واعلم أن جملة الكلام فيها أنه ﷺ قد كان ينهى في أول الأمر عن الرقى
стр. 4326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لما أنه كان في الجاهلية رقى فيها أسماء الشياطين والأصنام، وكانوا منهمكين فيها، ويرون التأثير منها، حسمًا لمواد الشرك ومراسم الكفر.
ثم لما نزل القرآن العظيم الذي هو هدى وشفاء للمؤمنين استرقى به، وما كان من رقى الجاهلية أمر بعرضها عليه ﷺ ، فما لم يكن فيه بأس أجازه وأمر به أمر ترخيص وإباحة، فتارة خصص بعض الأدواء بالذكر اهتمامًا بشأنه لشيوعه فيما بينهم وكثرة النفع في الاسترقاء فيها، وربما ذكر في بعضها بطريق الحصر بأنه لا رقية إلا فيه، ومبناه أيضًا على المبالغة والاهتمام.
ويحتمل أن يكون وقوع الرخصة بالترتيب بأن رخص في بعضها ثم في بعض آخر بناء على الاهتمام المذكور، وبالجملة الرقية جائزة في كل داء وعلة ومن عين الإنسان والجن بالقرآن والأسماء الإلهية خالصة، أما بغيرها مجردة أو مخلوطة فلا، وكذا بما لم يعلم معناه إلا إذا ثبت من جانب الشارع كما في رقية العقرب: (شَجنية قَرَنيّهٌ مِلْحَةُ بَحْر قَفَطَا)، ذكره الجزري في (الحص الحصين) (١) برمز (طس)، وليس أن الرقية بغير الكلمات الإلهية لا تؤثر ولا تنفع، بل ربما كان ظهور الأثر فيها أسرع، وهذا هو مزلة أقدام الزائغين، بل قمعًا لمادة الشرك والكفر وتثبيتًا لقدم التوحيد، ولا بد أن تكون عاقبته وخيمة كما سيأتي من حديث زينب امرأة ابن مسعود، وقالوا: إن الجن لمكان معاداتهم الإنسان طبعًا يحبون الشياطين بهذه العلاقة؛ لأن عدو العدو حبيب، فإذا قرأ الغرائم والرقى بأسماء الشياطين يجيبونها ويخرجون من مواضعها، وكذا لديغ الحية فإنه ربما يكون أثر الجن لتمثله بها بما استرقي بأسماء الشياطين، يسيل سمها
стр. 4327
٤٥٣١ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعَيْنُ حَقٌّ، فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٨٨].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٥٣٢ - [١٩] عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَنَتَدَاوَى؟ قَالَ: "نَعَمْ يَا عِبادَ اللَّهِ! تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٢٧٨، ت: ٢٠٣٨، د: ٣٨٥٥].
ــ
من بدن الإنسان ويندفع بها، فالرقية بما عدا القرآن وكلمات اللَّه حرام بالاتفاق، وهذا موضع الصبر والثبات لأهل الإيمان الكامل، وقليل ما هم.
٤٥٣١ - [١٨] (ابن عباس) قوله: (العين حق) قد سبق تحقيقه وكيفية إصابة العين وما يتعلق بها في الفصل الأول من (باب الترجل)، فلا نعيده وإن كان الأنسب ذكره في هذا الباب.
وقوله: (فلو كان شيء سابق القدر سبقته العين) أي: ولو كان شيء مضرًا ومهلكًا بغير قضاء اللَّه وقدره لكان العين، والمراد المبالغة في شدة ضررها على تقدير فرض المحال، وأما كيفية الاستغسال والغسل فسيأتي في آخر الفصل من حديث أبي أمامة.
الفصل الثاني
٤٥٣٢ - [١٩] (أسامة بن شريك) قوله: (يا عباد اللَّه! تداووا) الظاهر أن الأمر للإباحة، فإن التداوي ليس بواجب، ولهذا مدح المتوكلين الذين لا يتداوون ولا يسترقون، وفي (مطالب المؤمنين): ولا بأس بالتداوي، وبه نقول، وقد تداوى
стр. 4328
٤٥٣٣ - [٢٠] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى (١) يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٤٠، جه: ٣٤٤٤].
ــ
رسول اللَّه ﷺ تعليمًا للجواز، وقال الطيبي (٢) في شرح الحديث الأول من الفصل الأول: فيه إشارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب جمهور السلف وعامة الخلف، وفي كون المذهب هذا خفاء مع أن في كون الحديث إشارة إلى ما ذكر أيضًا نظرًا، نعم لو داوى أحد على قصد الاتباع والموافقة بفعله ﷺ يثاب على ذلك، كما في سائر المباحات الموافقة لفعله ﵊، وأما كون نفس التداوي من غير نظر إلى هذا مستحبًا محل نظر، ولو فرق أحد بين العلاجات الطبية الوهمية والظنية وبين ما هو متيقن كحرارة الزنجبيل والفلفل، فلو أهلكت أحدًا البرودة وهو قادر عليها ولم يستعملها ولم يأكل وهلك يأثم، وهي حكم النار والتسخن بها مثلًا لكان له وجه، وتحقيقه في محله، وأما إنكار التداوي بناء على أن كل شيء بقدر اللَّه فجهل بتقدير عالم الأسباب، إذ التداوي أيضًا بقدر اللَّه على طبق ما ورد: فررنا من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، كالأمر بالدعاء، وقتال الكفار، والتحصن، وتجنب الإلقاء إلى التهلكة.
٤٥٣٣ - [٢٠] (عقبة بن عامر) قوله: (فإن اللَّه يطعمهم ويسقيهم) يعني لا تظنوا أن عدم الطعام والشراب مهلك بهم ومضر لهم، فإن اللَّه تعالى يبقيهم ويقومهم من غير حاجة إلى ذلك، والإبقاء والتقويم بقدرة اللَّه تعالى لا بالطعام والشراب، وله
стр. 4329
٤٥٣٤ - [٢١] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنَ الشَّوْكَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٥٠].
٤٥٣٥ - [٢٢] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَدَاوَى مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيِّ وَالزَّيْتِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٧٩].
٤٥٣٦ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْعَتُ الزَّيْتَ وَالْوَرْسَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٧٨].
ــ
سبب في الظاهر وهو عدم التفات النفس إليهما باشتغالهما بالبدن وتدبيره، وكون الرطوبات البدنية غذاء في تلك الأيام بتحليل الحرارة الغريزية إياها، وأما تشبيه الطيبي (١) ذلك بقوله ﷺ : (أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) فليس كما ينبغي، وأي مناسبة بينهما، وإن اعترف بأن بينهما بونًا بعيدًا، وليس الاشتراك بينهما إلا في أنه قد يكون حالة وسبب غير الطعام والشراب يكون به هناك البقاء والحياة.
٤٥٣٤ - [٢١] (أنس) قوله: (أسعد بن زرارة) بضم الزاي قبل الراء، و (الشوكة) بفتح الشين المعجمة: حمرة تعلو الجسد وهو المراد هنا، وقد يطلق على إبرة العقرب.
٤٥٣٥ - [٢٢] (زيد بن أرقم) قوله: (أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري) وقد مرّ شرحه في الفصل الأول من حديث أم قيس.
٤٥٣٦ - [٢٣] (وعنه) قوله: (ينعت) أي: يصفها للعلاج منه، وقيل: يمدح، و (الورس) بفتح الواو وسكون الراء: نبت أصفر يصبغ به.
стр. 4330
٤٥٣٧ - [٢٤] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهَا: "بِمَ تَسْتَمْشِينَ؟ " قَالَت: بِالشُّبْرُمِ، قَالَ: "حارٌّ جارٌّ". قَالَتْ: ثُمَّ اسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ أَنَّ شَيْئًا كَانَ فِيهِ الشِّفَاءُ مِنَ الْمَوْتِ لَكَانَ فِي السَّنَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غرِيبٌ. [ت: ٢٠٨١].
ــ
٤٥٣٧ - [٢٤] (أسماء بنت عميس) قوله: (بم تستمشين؟ ) أي: تسهلين بطنك وتطلبين الإسهال، والمشي على وزن غني، والمشو كعدو، ومشاء كسماء: الدواء المسهل، مأخوذ من المشي؛ لأنه يلزم شرب الدواء المسهل، و (الشبرم) بضم شين معجمة وسكون باء موحدة وراء مضمومة: نبت يورث الإسهال، وقيل: حب يطبخ ويشرب ماؤه، وفي (القاموس) (١): شجر ذو شوك، ونبات آخر له حب كالعدس، وأصل غليظ ملآن لبنًا، والكل مسهل، واستعمال لبنه خطر، وإنما يستعمل أصله مصلحًا، وقد ذكر طريق إصلاحه بما يطول ولا يتعلق لنا غرض بذلك.
وقوله: (حمار حمار) بالحاء كرر تأكيدًا لحرارته، وقد يروى الثاني بال جيم من باب الإتباع مثل حسن بسن، و (السنا) بفتح السين مقصورًا، وقد يروى بالمد: نبت حجازي، وأفضله المكي، وهو دواء شريف ليس فيه خوف ضرر قطعًا قريب من الاعتدال، وحار في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء والبلغم، ويقوي جرم القلب، وينفع من الوسواس السوداوي بالخاصة.
وقوله: (الشفاء من الموت) بأن يحيا من الموت بعد عروضه على قياس الشفاء من المرض، أو من استعمله لم يعرضه الموت على ما يفهم ظاهرًا من قوله: (شفاء
стр. 4331
٤٥٣٨ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْداءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٧٤].
٤٥٣٩ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٣٠٥، د: ٣٨٧٠، ت: ٢٠٤٥، جه: ٣٤٥٩].
ــ
من كل داء إلا الموت)، فافهم.
٤٥٣٨ - [٢٥] (أبو الدرداء) قوله: (ولا تداووا بحرام) وقد ورد النهي عن التداوي بالمحرمات على الإطلاق وبالخمر على الخصوص في أحاديث كثيرة بطرق متعددة، وقال بعض المحققين من الأطباء الإسلامية في قوله سبحانه: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]: أن ليس المراد منفعة البدن وصحته بل المراد الانتعاش والنشاط يعرض للطبيعة ويحدث لشربها، وهو مضر بالبدن ومهلك له بالآخرة كما يظهر من حال أهل الأديان، أعاذنا اللَّه منه، انتهى. وهذا إنما قال على تقدير التنزل، وإلا فهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وهذا الحكم مخصوص عند الشافعية بما خصته السنة كشرب أبوال الإبل للعرنيين، والمسألة مذكورة في أصول الفقه على اختلاف فيها.
٤٥٣٩ - [٢٦] (أبو هريرة) قوله: (عن الدواء الخبيث) قيل: أراد به النجس خبث النجاسة والحرمة، وقيل: كراهة الطعم والرائحة ونحوهما مما لا تقبله الطبيعة.
стр. 4332
٤٥٤٠ - [٢٧] وَعَنْ سَلْمَى خَادِمَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: مَا كَانَ أَحَدٌ يَشْتَكِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا فِي رَأْسِهِ إِلَّا قَالَ: "احْتَجمْ"، وَلَا وَجَعًا فِي رِجْلَيْهِ إِلَّا قَالَ: "اخْتَضِبْهُمَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٥٨].
٤٥٤١ - [٢٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَا كَانَ يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرْحَةٌ وَلَا نَكْبَةٌ إِلَّا أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنَّاءَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٥٤].
ــ
٤٥٤٠ - [٢٧] (سلمى) قوله: (اختضبهما) أي بالحناء، وفي (سفر السعادة) (١) من رواية أبي داود: ولا شكا أحد وجعًا في بطنه إلا قال له: (اختضب بالحناء)، وأورده عن (سنن ابن ماجه): أن النبي ﷺ غَلَّف بالحناء، ويقول: (إنه نافع بإذن اللَّه من الصداع)، قال صاحب (سفر السعادة): المراد نوع من الصداع، يكون ماديًّا من الحرارة الملتهبة ومختلطًا بالخل أنفع.
٤٥٤١ - [٢٨] (وعنها) قوله: (ما كان يكون) في (كان) ضمير الشأن اسمه، والجملة بعده خبره، وقيل: الثاني زائدة، و (القرح) بضم القاف: ريش، وكذلك القرح بفتحها لغتان كالجهد والجهد، وقيل: المفتوح لغة حجازية، وقيل: بالضم اسم، وبالفتح مصدر.
وقوله: (ولا نكبة) بالفتح: ما يصيب الإنسان من شدة وبلاء، والمراد بها هنا جراحة تصيب العضو، وبالقرحة التي تخرج من البدن من غليان الدم وغيره، وفي (مجمع البحار) (٢): النكبة بفتح النون وسكون الكاف: جراحة من الحجر أو الشوك، والقرحة من نحو السيف، وفي (القاموس) (٣): القرح، ويضم: عض السلاح ونحوه
стр. 4333
٤٥٤٢ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْتَجمُ عَلَى هَامَتِهِ وَبَيْنَ كتِفَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ أَهْرَاقَ مِنْ هَذِهِ الدِّمَاءِ، فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَتَدَاوَى بِشَيْءٍ لِشَيْءٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٨٥٩، جه: ٣٤٨٤].
٤٥٤٣ - [٣٠] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ عَلَى وَرِكِهِ مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٦٣].
ــ
مما يخرج بالبدن، أو بالفتح: الآثار، وبالضم: الألم، وقرح، كمنع: جرح، وكسمع: خرجت به القروح، والقريح: الجريح، والمقروح: من به قروح، انتهى. وقد قرئ في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] بالفتح والضم، قال البيضاوي (١): هما لغتان كالضَّعْف والضُّعْف، وقيل: هو بالفتح الجراح، وبالضم ألمها، وهو موافق لما في (القاموس).
٤٥٤٢ - [٢٩] (أبو كبشة) قوله: (وعن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة وفتح الشين.
وقوله: (يحتجم على هامته) واحد الهام، وفي الحديث: يزيل الهام عن مقيله، وهي أعلى الرأس، وهي الناصية والمفرق، (واضربوا الهام) أي: اقطعوا روؤس الكفار، أي: جاهدوا.
وقوله: (من هذه الدماء) الظاهر أن المراد دماء هذه الأعضاء المذكورة، أو جنس الدماء من أي عضو كان.
٤٥٤٣ - [٣٠] (جابر) قوله: (من وثء) بالهمزة ذكره في (القاموس) (٢) في
стр. 4334
٤٥٤٤ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ: أَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَى مَلأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا أَمَرُوهُ: "مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غرِيبٌ. [ت: ٢٠٥٢، جه: ٣٤٧٧].
ــ
باب الهمزة، وقال: الوثاءة: وصم يصيب اللحم لا يبلغ العظم، أو تَوَجُّعٌ فى العظم بلا كسر، أو هو الفك، وقال الطيبي (١): وجع يصيب العضو من غير كسر.
٤٥٤٤ - [٣١] (ابن مسعود) قوله: (ليلة أسري به) ليلة مضاف إلى الجملة مبني على الفتح، ويجوز أن يكون بالتنوين، وتكون الجملة صفة، وحينئذ يقدر الضمير، أي: فيها، لكن اللفظ العربي هو الأول، كذا قال شيخ شيوخنا في الحديث ابن حجر الهيتمي المكي.
وقوله: (مر أمتك بالحجامة) الظاهر أن المراد بالحجامة إخراج الدم شاملًا للفصد كما أشير إليه في حديث: (الشفاء في ثلاث: شرطة محجم)، كما سبق، وجعله بعضهم مقابلًا للفصد وقال: سبب فضيلة الحجامة أن الحجامة تستخرج الدم مر، نواحي الجلد، والأطباء مجمعون على أن الحجامة في البلاد الحارة أفضل من الفصد؛ لأن دماءهم رقيقة نضجة تسري إلى سطح البدن، وتخرج بالحجامة دون الفصد، والفصد نافع لأعماق البدن ومناسب بالبلاد الباردة، وقال الطيبي (٢): الحكمة في مبالغة الملائكة في أمر الحجامة سوى ما اشتهر فيه من المنافع البدنية أن الدم أصل، القوى الحيوانية، فإذا انتقص ضعفت القوى النفسانية المانعة من المكاشفات الغيبية، انتهى. وهذا الوجه يفيد نفع إخراج الدم مطلقًا سواء كان بالحجامة والفصد بخلاف الوجه
стр. 4335
٤٥٤٥ - [٣٢] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ: أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٧١].
٤٥٤٦ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْتَجِمُ فِي الأَخْدَعَيْنِ. . . . .
ــ
الأول، فإنه يفيد نفع الحجامة بخصوصها، فكان المراد بـ (أمتك) قومك، أعني العرب الحجازي، واللَّه أعلم.
٤٥٤٥ - [٣٢] (عبد الرحمن بن عثمان) قوله: (عن ضفدع) بكسر الضاد والدال وجاء بفتح الدال أيضًا، وفي (القاموس) (١): على وزن زبرج وجعفر وجندب ودرهم.
وقوله: (عن قتلها) أي: عن قتل الضفاع، واستعمالها في الدواء، إما لحرمتها أو لنجاستها أو لخباثتها، وتنفر الطبع عنها، وقد أوردوا هذا الحديث في (باب النهي عن التداوي بالحرام)، وليس المراد أن قتلها منهي عنه بالذات، فلو تداوى بها لزم قتلها كما يتبادر إلى الوهم؛ لأن قتل الحيوان الحلال الطاهر الطيب للتداوي غير منهي عنه، فكيف بالحرام النجس الخبيث، فالمراد بالنهي عن القتل النهي عن التداوي بها، وقال الطيبي (٢): القتل مأمور به إما لكونه من الفواسق، وليس بها، أو لإباحة الأكل، وليس بذلك لنجاسته، وتنفر الطبع عنه، وإذا لم يجز القتل لم يجز الانتفاع به، فافهم.
٤٥٤٦ - [٣٣] (أنس) قوله: (في الأخدعين) هما عرقان في جانبي العنق،
стр. 4336
وَالْكَاهِلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَة وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ. [د: ٣٨٦، ت: ٢٠٥١، جه: ٣٤٨٣، ٣٤٨٦].
٤٥٤٧ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَحِبُّ الْحِجَامَةَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١٢/ ١٥١].
٤٥٤٨ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَ شِفَاءً (١) مِنْ كُلِّ دَاءٍ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٦١].
ــ
كذا قال الطيبي (٢)، وفي (القاموس) (٣): الأخدع: عرق في الْمَحْجَمَتَيْن، وهو شعبة من الوريد، وفي (الصراح) (٤): أخدع: ركَـ بشت، و (الكاهل) مقدم ظهر البعير وما يكون عليه المحمل، وهو ما بين الكتفين.
٤٥٤٧ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: كان يستحب الحجامة لسبع عشرة. . . إلخ)، قالوا: الحكمة في ذلك أن الدم يغلب في أوائل الشهر، ويقل في أواخره، فأوساطه تكون أولى وأوفق كما مرّ.
٤٥٤٨ - [٣٥] (أبو هريرة) قوله: (كان شفاء له من كل داء) ترغيب وتوكيد،
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: وَقَدْ أُسْندَ وَلَا يَصِحُّ. [د في المراسيل: ٤٥١].
٤٥٥١ - [٣٨] وَعَنْهُ مُرْسَلًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ احْتَجَمَ أَوِ اطَّلَى يَوْمَ السَّبْتِ أَوِ الأَرْبِعَاءِ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ فِي الوَضَحِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١٢/ ١٥١ - ١٥٢].
٤٥٥٢ - [٣٩] وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَأَى فِي عُنُقِي خَيْطًا فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْتُ: خَيْطٌ رُقِيَ لِي فِيهِ، قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتُمْ آلَ عَبْدَ اللَّهِ لأَغْنِيَاءٌ. . . . .
ــ
محركة: بياض الصبح، والقمر، والبرص، والغرة، والتحجيل في القوائم.
وقوله: (وقد أسند ولا يصح) اعلم أن صاحب (سفر السعادة) (١) قال: لم يثبت في باب الحجامة واختيارها في بعض الأيام حديث إلا قوله: (مر أمتك بالحجامة)، وحديث الصحيحين: (إن كان في شيء شفاء، ففي شرطة حجام أو شربة، عسل أو لدغة بنار)، وقد تكلمنا على ذلك في شرحه، فلينظر ثمة.
٤٥٥١ - [٣٩] (وعنه) قوله: (أو اطلى) بتشديد الطاء افتعل، من طلاه به: لطخه كطلاه بالتشديد، والمراد هنا طلاء العضو بالدواء.
٤٥٥٢ - [٣٩] (زينب) قوله: (أنتم آل عبد اللَّه لأغنياء) والظاهر أن (أنتم) مبتدأ، و (آل عبد اللَّه) منصوب على الاختصاص، و (لأغنياء) خبره، وهو دليل على جواز دخول اللام للتأكيد على الخبر كما جاز دخولها على المبتدأ، وكفى به دليلًا إذا ثبت أنه من قول ابن مسعود أو الراوي عنه إذا كان ممن يوثق بعربيته، ولا يعارضه أقوال النحاة، بل يجب أن ينزلوا عن أحكامهم بوجدان ما يخالفها في الأحاديث إذا ثبت أنه من قول
стр. 4339
عَنِ الشِّرْكِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ"، فَقُلْتُ: لِمَ تَقُولُ هَكَذَا؟ . . . . .
ــ
الرسول ﷺ أو أصحابه الكرام، إذ هم الفصحاء الذين جالسوا أفصح الفصحاء وكلموه وحاوروه، كذا قال بعض الشارحين في قول عائشة: (اتزر) بالإدغام على ما سبق ذكره في (كتاب الحيض)، ولذلك غير بعض النحاة المتأخرين كابن مالك وغيره بعض الأحكام مما خالف فيه النحاة لعدم اطلاعهم وتمام استقرائهم، وذلك لعدم إحاطة الكل بالكل بالاستقراء التام، كوصية الشافعي ﵀ عليه في الشرعيات لأصحابه: إذا حكمت بحكم ووجدتم الحديث الصحيح بخلافه فمذهبي الحديث، وقد أفتى بعض المشايخ ﵀ من مذهبه كالرافعي والنووي وغيرهما إذا وجدوا حديثًا صحيحًا بخلاف ما ذهب إليه إمامهم وهو الإنصاف، رحم اللَّه من أنصف، وأما تقدير الزجاج المبتدأ في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، أي: لهما ساحران، فلما ثبت عنده من أن الأصل دخول اللام على المبتدأ ولا حاجة إليه، وقد ثبت جواز دخوله على الخبر، ولعله لم يبلغه أو لم يثبت عنده ما دخل فيه اللام على الخبر، واللَّه أعلم.
وقوله: (عن الشرك) أي: أفعال المشركين؛ لأنهم كانوا يسترقون بأسماء الشياطين والأصنام، أو لأنه يفضي إلى اعتقاد تأثيره حقيقة، وذلك شرك وكفر بلا شبهة، أو المراد الشرك الخفي بترك التوكل والاعتماد على اللَّه سبحانه، وقوله: (إن الرقى) أي: التي كانت في الجاهلية بأسماء الشياطين والأصنام، و (التمائم) جمع تميمة وهي خرزات تعلقها النساء في أعناق الأولاد، ويعتقدون أنها تدفع العين، و (التولة) بكسر التاء وفتح الواو واللام: وهو نوع من السحر يفعل في الخيط أو القرطاس لمحبة الرجال النساء.
стр. 4340
لَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تُقْذَفُ، وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَإِذَا رَقَاهَا سَكَنَتْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّمَا ذَلِكِ عَمَلُ الشَّيْطَانِ، كَانَ يَنْخَسُهَا بِيَدِهِ، فَإِذَا رُقيَ كُفَّ عَنْهَا، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِي كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَذْهِبِ الْبَأْسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقْمًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٨٣].
٤٥٥٣ - [٤٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النُّشْرَةِ. . . . . .
ــ
وقوله: (تقذف) على لفظ المجهول، أي: ترمى من غاية الألم، أو على لفظ المعلوم، أي: ترمي بالأذى والدمع، والأول أظهر دراية، وإن كانت الثانية أقوى رواية، كذا أفاد بعض المشايخ من أهل الحرمين، واللَّه أعلم.
وقوله: (إنما ذلك) أي: الوجع الذي كان في عينك لم يكن وجعًا في الحقيقة بل كانت ضربة من ضربات الشيطان، و (النخس) من نخس الدابة كنصر وجعل: غرز مؤخرها أو جنبها بعود ونحوه، ونخسه: طرده، وقد مرّ شيء مما يتعلق بهذا المقام في الفصل الأول في شرح الحديث الثالث عشر من حديث أنس.
٤٥٥٣ - [٤٠] (جابر) قوله: (عن النشرة) بضم النون وسكون الشين المعجمة: نوع من الرقية، يسترقى بها الممسوس بالجن، وقد جاء في (باب السحر) أنه نشره بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، وفي (القاموس) (١): بالضم: الرقية يعالَجُ بها المجنون والمريض، وفي (الصراح) (٢): التنشير: أفسون كردن، ونشرة: تعويذ، ووجه التسمية انتشار الداء وانكشاف البلاء به، وبالجملة حاصل معناه: الرقية والتعويذ،
стр. 4341
فَقَالَ: "هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٦٨].
٤٥٥٤ - [٤١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا أُبَالِي مَا أَتَيْتُ إِنْ أَنَا شَرِبْتُ تِرْيَاقًا أَوْ تَعَلَّقْتُ تَمِيمَةً أَوْ قُلْتُ الشِّعْرَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٦٩].
ــ
فالمراد بما (هو من عمل الشيطان) ما كان من عمل الجاهلية مشتملًا على أسماء الشياطين والأصنام أو بلسان غير معلوم المعنى، فإن كان ورود هذا الحديث قبل الترخيص فلا تخصيص، والأخص منه ما كان بالقرآن ونحوه، ويحتمل أن يكون هذا الاسم غالبًا على ما كان في الجاهلية، فتدبر.
٤٥٥٤ - [٤١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقًا) الحديث، الترياق المشهور بكسر التاء وتضم أيضًا، وقد تبدل التاء دالا: دواء مركب مشهور نافع عن السموم وأمراض أخر، و (التميمة) ما تعلق في العنق من العين وغيرها من التعويذات، والمراد تمائم الجاهلية مثل الخرزات وأظفار السباع وعظامها، أما ما يكون بالقرآن والأسماء الإلهية فهو خارج عن هذا الحكم، وجائز كما يدل عليه حديث عبد اللَّه بن عمر، بل يستحب التعلق والتبرك بها، كذا قال الطيبي (١).
والمراد بقول الشعر من قبل النفس: إنشاؤه قصدًا واختيارًا، وإن صدر من غير قصد واختيار فذلك غير مذموم ومنهي عنه، بل لا يعد في الاصطلاح شعرًا وليس مصدوقًا لقوله : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وهذا في إنشاء الشعر لا إنشاد شعر غيره، وهذا هو الأظهر من العبارة، وقد أنشد ﷺ مثل قول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل
стр. 4342
٤٥٥٥ - [٤٢] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٢٤٩، ت: ٢٠٥٥، جه: ٣٤٨٩].
ــ
وقد قيل: إنه كان لا يتيسر منه ﷺ في صورة الإنشاد أيضًا ولا يجيء موزونًا، واللَّه أعلم.
ومعنى الحديث: أني إن فعلت هذه الأشياء كنت ممن لا يبالي بما فعله من الأفعال مشروعة كانت أو غيرها، ولا يميز بين المشروع وغيره، والمقصود تذميم هذه الأشياء وتقبيحها، أما الترياق فلأنه يجعل فيه من الأشياء المحرمة مثل لحوم الأفاعي والخمر، ولو عمل ترياق ليس فيه منها فلا بأس، وقال بعضهم: الأولى والأحوط تركه عملًا بإطلاق الحديث، وأما التعلق بالتميمة فلما علم من أن المراد بها تمائم الجاهلية التي هي من شعار المشركين، وأما الشعر فإن المذموم منه إن كان شعر الزور وما لا يعني، لكن الحق تعالى وتقدس نزه ساحة النبوة عنه وعصمه منه مطلقًا، فهو في حقه ﷺ نقص ووبال، وإن كان محمودًا وممدوحًا في غيره، وهذا كمال خاص به ﷺ ، وإن أطلق الترياق والتميمة، وكان المقصود بيان توكل خاص به ﷺ أو كان الغرض تنبيه الأمة على التوكل وترك المعالجات والحيل، وتعريضًا ببيان حالهم على طريقة قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] لم يبعد.
٤٥٥٥ - [٤٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: (من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل) يعني أن ذلك وإن كان مباحًا لكن مقام التوكل والتفويض وترك الأسباب أعلى وأرفع، وإن كان المراد مع اعتقاد المؤثرية والعلية فهو شامل لجملة الأسباب والمعالجات، ولا يختص بالكي والاسترقاء، وقد مرّ الكلام في الكي وتطبيق الأحاديث الواردة فيها، فتذكر.
стр. 4343
٤٥٥٦ - [٤٣] وَعَنْ عِيسَى بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ وَبِهِ حُمْرَةٌ فَقُلْتُ: أَلَا تُعَلِّقُ تَمِيمَةً؟ فَقَالَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِليهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١).
٤٥٥٧ - [٤٤] وَعَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤٣٦، ت: ٢٠٥٧، د: ٣٨٨٤].
٤٥٥٨ - [٤٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بُرَيْدَةَ. [جه: ٣٥١٣].
٤٥٥٩ - [٤٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ أَوْ دَمِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٨٩].
ــ
٤٥٥٦ - [٤٣] (عيسى بن حمزة) قوله: (وعن عبد اللَّه بن عكيم) بلفظ التصغير.
وقوله: (نعوذ باللَّه من ذلك) إن كان المراد تميمة أهل الجاهلية فظاهر، وإن كان من القرآن وأسماء اللَّه فذلك لغاية توكله، وكونه من الذين لا يسترقون ولا يداوون، وإليه ينظر السياق.
وقوله: (من تعلق شيئًا) أي: تمسك به من المداواة والرقية وتعلق قلبه به وبتأثيره وُكِّل شفاؤه إليه ولم يشفه اللَّه، ولا شفاء إلا من اللَّه، فلا يحصل الشفاء.
٤٥٥٧، ٤٥٥٨ - [٤٤، ٤٥] (عمران بن حصين، وبريدة) قوله: (لا رقية إلا من عين أو حمة) قد عرفت معنى الحصر سابقًا أن المراد به الاهتمام من جهة شيوع هذه الأشياء فيما بين الناس وكثرة نفع الرقى فيها.
٤٥٥٩ - [٤٦] (أنس) قوله: (أو دم) المراد بالدم الرعاف، ولو عمم حتى
стр. 4344
٤٥٦٠ - [٤٧] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ يُسْرِعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ، أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ قَالَ: "نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرَ لَسَبقَتْهُ العينُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٤٣٨، ت: ٢٠٥٩، جه: ٣٥١٠].
٤٥٦١ - [٤٨] وَعَنِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ: "أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ. . . . .
ــ
يشتمل جميع العلل الدموية سواء كان من جهة سيلان الدم أو فساده لم يبعد، وذلك ظاهر، وجاء في رواية لأبي داود: (إلا من نفس) مكان (إلا من عين)، قالوا: والمراد بالنفس العين، وجاء مكان (أو دم) (أو لدغة)، وهي بمعنى العض بالأسنان كما في الحية وأمثالها، والرقية نافع من كل داء وعلة كما جاء في الأحاديث، وقد ثبت في (صحيح مسلم) (١) أن جبرئيل أتى النبي ﷺ وكان به ﷺ ألم فقال: بسم اللَّه أرقيك من كل داء يؤذيك، فالحصر ليس إلا لما ذكرنا.
٤٥٦٠ - [٤٨] (أسماء بنت عميس) قوله: (لسبقته العين) إجازة لها بالاسترقاء مع مبالغة في بيان تأثير العين كما مرّ.
٤٥٦١ - [٤٨] (الشفاء) قوله: (وعن الشفاء) بكسر الشين المعجمة والفاء (بنت عبد اللَّه) بن عبد شمس بن خالد القرشية العدوية، من عاقلات النساء وفاضلاتهن، أسلمت قبل الهجرة.
وقوله: (ألا تعلمين هذه) أي: حفصة (رقية النملة) النملة نوع من القروح،
стр. 4345
كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ؟ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٧٨].
ــ
ومرّ تفسرها، ونقل الطيبي (١) عن التُّورِبِشْتِي: يرى أكثر الناس أن المراد من النملة ههنا هي القروح المذكورة، وليس كذلك؛ لأن رقية النملة من المحرمات التي كان ينهى عنها، فكيف يأمر بتعليمها إياها، بل المراد بها شيء كانت نساء العرب يسمينها رقية النملة، وهو قولهن: العروس تنتعل، وتختضب، وتكتحل، وكل شيء تفتعل غير أنها لا تعصي الرجل، فأراد ﷺ بهذا المقال تأنيب حفصة والتعريض بتأديبها حيث أشاعت السر الذي استودعه إياها على ما يشهد به التنزيل، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] الآية، انتهى.
وهذا التوجيه إن صح نقله حسن، لكن استدلاله على عدم إرادة المعنى المشهور بأنها من المحرمات المنهي عنها، فكيف يأمر بتعليمها إياها منظور فيه بما ذكره صاحب (سفر السعادة) (٢) من أن الشفاء بنت عبد اللَّه كانت ترقي بمكة هذه النملة، ولما هاجر رسول اللَّه ﷺ أتته وقالت: يا رسول اللَّه! كنت أرقي النملة في الجاهلية أريد أن أعرضها عليك، فعرضت، وقال: بسم اللَّه ضلت حتى تعود من أفواهنا ولا تضر أحدًا، اللهم اكشف البأس رب الناس، ويعلم من أنها من الرقى التي عرضت على النبي ﷺ فأجازها فلم تكن محرمة، ثم قيل: إنه يعلم من قوله: (كما علمتيها الكتابة) أن تعليم الكتابة للنساء جائز، وقد ورد في حديث آخر النهي عنه بقوله: (ولا تعلموهن الكتابة)، وأجيب أن نساء النبي ﷺ خصصن من هذا النهي لعدم خوف الفتنة.