فَقَالَ: "هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٦٨].
٤٥٥٤ - [٤١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا أُبَالِي مَا أَتَيْتُ إِنْ أَنَا شَرِبْتُ تِرْيَاقًا أَوْ تَعَلَّقْتُ تَمِيمَةً أَوْ قُلْتُ الشِّعْرَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٦٩].
ــ
فالمراد بما (هو من عمل الشيطان) ما كان من عمل الجاهلية مشتملًا على أسماء الشياطين والأصنام أو بلسان غير معلوم المعنى، فإن كان ورود هذا الحديث قبل الترخيص فلا تخصيص، والأخص منه ما كان بالقرآن ونحوه، ويحتمل أن يكون هذا الاسم غالبًا على ما كان في الجاهلية، فتدبر.
٤٥٥٤ - [٤١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقًا) الحديث، الترياق المشهور بكسر التاء وتضم أيضًا، وقد تبدل التاء دالا: دواء مركب مشهور نافع عن السموم وأمراض أخر، و (التميمة) ما تعلق في العنق من العين وغيرها من التعويذات، والمراد تمائم الجاهلية مثل الخرزات وأظفار السباع وعظامها، أما ما يكون بالقرآن والأسماء الإلهية فهو خارج عن هذا الحكم، وجائز كما يدل عليه حديث عبد اللَّه بن عمر، بل يستحب التعلق والتبرك بها، كذا قال الطيبي (١).
والمراد بقول الشعر من قبل النفس: إنشاؤه قصدًا واختيارًا، وإن صدر من غير قصد واختيار فذلك غير مذموم ومنهي عنه، بل لا يعد في الاصطلاح شعرًا وليس مصدوقًا لقوله : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وهذا في إنشاء الشعر لا إنشاد شعر غيره، وهذا هو الأظهر من العبارة، وقد أنشد ﷺ مثل قول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل
стр. 4342
٤٥٥٥ - [٤٢] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٢٤٩، ت: ٢٠٥٥، جه: ٣٤٨٩].
ــ
وقد قيل: إنه كان لا يتيسر منه ﷺ في صورة الإنشاد أيضًا ولا يجيء موزونًا، واللَّه أعلم.
ومعنى الحديث: أني إن فعلت هذه الأشياء كنت ممن لا يبالي بما فعله من الأفعال مشروعة كانت أو غيرها، ولا يميز بين المشروع وغيره، والمقصود تذميم هذه الأشياء وتقبيحها، أما الترياق فلأنه يجعل فيه من الأشياء المحرمة مثل لحوم الأفاعي والخمر، ولو عمل ترياق ليس فيه منها فلا بأس، وقال بعضهم: الأولى والأحوط تركه عملًا بإطلاق الحديث، وأما التعلق بالتميمة فلما علم من أن المراد بها تمائم الجاهلية التي هي من شعار المشركين، وأما الشعر فإن المذموم منه إن كان شعر الزور وما لا يعني، لكن الحق تعالى وتقدس نزه ساحة النبوة عنه وعصمه منه مطلقًا، فهو في حقه ﷺ نقص ووبال، وإن كان محمودًا وممدوحًا في غيره، وهذا كمال خاص به ﷺ ، وإن أطلق الترياق والتميمة، وكان المقصود بيان توكل خاص به ﷺ أو كان الغرض تنبيه الأمة على التوكل وترك المعالجات والحيل، وتعريضًا ببيان حالهم على طريقة قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] لم يبعد.
٤٥٥٥ - [٤٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: (من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل) يعني أن ذلك وإن كان مباحًا لكن مقام التوكل والتفويض وترك الأسباب أعلى وأرفع، وإن كان المراد مع اعتقاد المؤثرية والعلية فهو شامل لجملة الأسباب والمعالجات، ولا يختص بالكي والاسترقاء، وقد مرّ الكلام في الكي وتطبيق الأحاديث الواردة فيها، فتذكر.
стр. 4343
٤٥٥٦ - [٤٣] وَعَنْ عِيسَى بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ وَبِهِ حُمْرَةٌ فَقُلْتُ: أَلَا تُعَلِّقُ تَمِيمَةً؟ فَقَالَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِليهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١).
٤٥٥٧ - [٤٤] وَعَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤٣٦، ت: ٢٠٥٧، د: ٣٨٨٤].
٤٥٥٨ - [٤٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بُرَيْدَةَ. [جه: ٣٥١٣].
٤٥٥٩ - [٤٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ أَوْ دَمِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٨٩].
ــ
٤٥٥٦ - [٤٣] (عيسى بن حمزة) قوله: (وعن عبد اللَّه بن عكيم) بلفظ التصغير.
وقوله: (نعوذ باللَّه من ذلك) إن كان المراد تميمة أهل الجاهلية فظاهر، وإن كان من القرآن وأسماء اللَّه فذلك لغاية توكله، وكونه من الذين لا يسترقون ولا يداوون، وإليه ينظر السياق.
وقوله: (من تعلق شيئًا) أي: تمسك به من المداواة والرقية وتعلق قلبه به وبتأثيره وُكِّل شفاؤه إليه ولم يشفه اللَّه، ولا شفاء إلا من اللَّه، فلا يحصل الشفاء.
٤٥٥٧، ٤٥٥٨ - [٤٤، ٤٥] (عمران بن حصين، وبريدة) قوله: (لا رقية إلا من عين أو حمة) قد عرفت معنى الحصر سابقًا أن المراد به الاهتمام من جهة شيوع هذه الأشياء فيما بين الناس وكثرة نفع الرقى فيها.
٤٥٥٩ - [٤٦] (أنس) قوله: (أو دم) المراد بالدم الرعاف، ولو عمم حتى
стр. 4344
٤٥٦٠ - [٤٧] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ يُسْرِعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ، أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ قَالَ: "نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرَ لَسَبقَتْهُ العينُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٤٣٨، ت: ٢٠٥٩، جه: ٣٥١٠].
٤٥٦١ - [٤٨] وَعَنِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ: "أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ. . . . .
ــ
يشتمل جميع العلل الدموية سواء كان من جهة سيلان الدم أو فساده لم يبعد، وذلك ظاهر، وجاء في رواية لأبي داود: (إلا من نفس) مكان (إلا من عين)، قالوا: والمراد بالنفس العين، وجاء مكان (أو دم) (أو لدغة)، وهي بمعنى العض بالأسنان كما في الحية وأمثالها، والرقية نافع من كل داء وعلة كما جاء في الأحاديث، وقد ثبت في (صحيح مسلم) (١) أن جبرئيل أتى النبي ﷺ وكان به ﷺ ألم فقال: بسم اللَّه أرقيك من كل داء يؤذيك، فالحصر ليس إلا لما ذكرنا.
٤٥٦٠ - [٤٨] (أسماء بنت عميس) قوله: (لسبقته العين) إجازة لها بالاسترقاء مع مبالغة في بيان تأثير العين كما مرّ.
٤٥٦١ - [٤٨] (الشفاء) قوله: (وعن الشفاء) بكسر الشين المعجمة والفاء (بنت عبد اللَّه) بن عبد شمس بن خالد القرشية العدوية، من عاقلات النساء وفاضلاتهن، أسلمت قبل الهجرة.
وقوله: (ألا تعلمين هذه) أي: حفصة (رقية النملة) النملة نوع من القروح،
стр. 4345
كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ؟ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٧٨].
ــ
ومرّ تفسرها، ونقل الطيبي (١) عن التُّورِبِشْتِي: يرى أكثر الناس أن المراد من النملة ههنا هي القروح المذكورة، وليس كذلك؛ لأن رقية النملة من المحرمات التي كان ينهى عنها، فكيف يأمر بتعليمها إياها، بل المراد بها شيء كانت نساء العرب يسمينها رقية النملة، وهو قولهن: العروس تنتعل، وتختضب، وتكتحل، وكل شيء تفتعل غير أنها لا تعصي الرجل، فأراد ﷺ بهذا المقال تأنيب حفصة والتعريض بتأديبها حيث أشاعت السر الذي استودعه إياها على ما يشهد به التنزيل، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] الآية، انتهى.
وهذا التوجيه إن صح نقله حسن، لكن استدلاله على عدم إرادة المعنى المشهور بأنها من المحرمات المنهي عنها، فكيف يأمر بتعليمها إياها منظور فيه بما ذكره صاحب (سفر السعادة) (٢) من أن الشفاء بنت عبد اللَّه كانت ترقي بمكة هذه النملة، ولما هاجر رسول اللَّه ﷺ أتته وقالت: يا رسول اللَّه! كنت أرقي النملة في الجاهلية أريد أن أعرضها عليك، فعرضت، وقال: بسم اللَّه ضلت حتى تعود من أفواهنا ولا تضر أحدًا، اللهم اكشف البأس رب الناس، ويعلم من أنها من الرقى التي عرضت على النبي ﷺ فأجازها فلم تكن محرمة، ثم قيل: إنه يعلم من قوله: (كما علمتيها الكتابة) أن تعليم الكتابة للنساء جائز، وقد ورد في حديث آخر النهي عنه بقوله: (ولا تعلموهن الكتابة)، وأجيب أن نساء النبي ﷺ خصصن من هذا النهي لعدم خوف الفتنة.
стр. 4346
٤٥٦٢ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: رَأَى عَامِرُ ابْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ، قَالَ: . . . . .
ــ
وقال الطيبي (١): في الحديث وجهان آخران، أحدهما: التحضيض على تعليم الرقية وإنكار الكتابة، أي: هلا علمتها ما ينفعها من الاجتناب عن عصيان الزوج كما علمتيها ما يضرها من الكتابة، انتهى. وهذا المعنى مبني على أن المراد من رقية النملة ما نقل عن التُّورِبِشْتِي، وثانيهما: أن يتوجه الإنكار إلى الجملتين جميعًا، يعني: يحمل حرف التحضيض على معنى الإنكار والتهديد كالاستفهام قد يكون بهذا المعنى، فيكون إنكارًا عن تعليم الأمرين معا، فافهم.
٤٥٦٢ - [٤٩] (أبو أمامة) قوله: (ابن حنيف) بالحاء المهملة والنون على لفظ التصغير.
وقوله: (ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة) بضم ميم وفتح خاء معجمة وموحدة مشددة وهمزة، أي: جارية مخدرة لم تتزوج، كذا في (القاموس) (٢)، وخصها بالذكر لأن حفظها وصيانتها لنفسها أبلغ، وجلدها أصفى وأنعم، وتقدير الكلام ما رأيت جلد غير مخبأة مثل جلد رأيته اليوم ولا جلد مخبأة، وغير المخبأة يشمل الرجل والمرأة، والغير المخبأة مع أقسام لها باعتبار القيود المعتبرة في مفهوم المخبأة، فظهر أن تقدير الكلام كما قدره بعض الشارحين من قوله: ما رأيت جلد رجل ولا جلد مخبأة قاصر عن أداء المقصود، وقيل: تقديره: ما رأيت يومًا مثل هذا اليوم، وما رأيت
стр. 4347
فَلُبِطَ سَهْلٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ ابْنِ حُنَيْفٍ؟ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا؟ "، فَقَالُوا: نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامِرًا، فتغَلَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: "عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ ألَا بَرَّكْتَ؟ اغْتَسِلْ لَهُ". . . . .
ــ
جلد مخبأة مثل هذا الجلد، والمراد من نفي رؤية يوم مثل هذا اليوم هو نفي رؤية المرئي فيه مثل هذا المرئي، ويؤول الكلام إلى مدح الجلد، لكن التقدير الأول هو الأولى المختار، كذا قيل، فافهم.
وقوله: (فلبط) بالباء الموحدة على صيغة المجهول بمعنى سقط من قيام، وصُرِع، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (فأتي رسول اللَّه ﷺ ) أيضًا بلفظ المجهول، وفيه ضمير لسهل، أي: أتى خبر سقوط سهل لأجل إصابة عين من غير أن يعينوا عائنًا.
وقوله: (هل لك في سهل بن حنيف؟ ) أي: هل لك رغبة في معرفة حاله وعلاجه ومداواته؟
وقوله: (ألا بركت؟ ) أي: هلا دعوت له بالبركة بأن تقول: اللهم بارك له فيه فلم تصبه هذه الآفة.
وقوله: (اغتسل له) استئناف لبيان العلاج، كأنه قال عامر: قد وقع فماذا أفعل يا رسول اللَّه؟ فقال: اغسل أعضاءك لأجله وصب الماء عليه، وكان ذلك متعارفًا بينهم، فقرره النبي ﷺ لما رأى فيه من الحكمة كما قال الطيبي (٢) في شرح قوله: (العين حق) في آخر الفصل الأول.
стр. 4348
فَغَسَلَ لَهُ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَداخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ، فَرَاحَ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ لَهُ بَأْسٌ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ"، وَرَوَاهُ مَالكٌ وَفِي رِوَايَتِهِ: قَالَ: "إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ تَوَضَّأ لَهُ" فَتَوَضَّأَ لَهُ. [شرح السنة: ١٢/ ١٦٤، ط: ٢/ ٩٣٩].
ــ
وقوله: (داخلة إزاره) قال بعض الشارحين: فيه قولان، أحدهما: أن المراد بها الفرج، وثانيهما: أن المراد طرف الإزار الذي أصاب بدنه من الجانب الأيمن، وزاد القاضي عياض أن المراد جسده المتصل بالإزار.
وقيل: المراد الورك الذي هو معقد الإزار، ورئي بخط السخاوي أن هذا كناية عن الثوب المتصل بالحلد، كذا في (المواهب اللدنية) (١)، وأما التخصيص بالجانب الأيمن فلا دلالة في اللفظ عليه، ولكن هكذا فسروه، ونقل الطيبي (٢) عن أبي عبيد أنه قال: إنما أراد بداخلة إزاره طرف إزاره الذي يلي جسده مما يلي الجانب الأيمن، فهو الذي يغسل، قال: ولا أعلمه إلا جاء مفسرًا في بعض الحديث هكذا، انتهى.
ثم للغسل كيفية مخصوصة، وقد ذكرناه في (شرح سفر السعادة) (٣) مع قصور كان في متنه نقلًا عن (المواهب)، وقال صاحب (المواهب) (٤): وهذه المعاني لا يمكن دركه من جانب العقل ويعجز عن دركه قطعًا، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: إن توقف فيه أحد من المتشرعة يقال له: قل: اللَّه ورسوله أعلم، وإن توقف متفلسف، فالرد عليه أظهر، إذ عندهم يفعل الدواء تارة بقوته وكيفيته وتارة بالخاصية، ولا يمكن
стр. 4349
٤٥٦٣ - [٥٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ وَعَيْنِ الإِنْسَانِ، حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٥٨، جه: ٣٥١١].
٤٥٦٤ - [٥١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ رُئِيَ. . . . . .
ــ
درك معناه، ويقولون: هكذا خاصيته، ومقتضى صورته النوعية، فليكن هذا مثل ذلك، انتهى، وهذا كما قالوا في جذب المغناطيس الحديد وأمثاله، واللَّه أعلم.
٤٥٦٣ - [٥٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من الجان) في (القاموس) (١): اسم جمع للجن، وفي (الصراح) (٢): الجان: بدر بريان، وفي (مجمع البحار) (٣): الجان: الشيطان، وفي التفسير: الجان: الجن، وقيل: أبو الجن كآدم أبو البشر.
وقوله: (فلما نزلت أخذ بهما) إفراد الضمير في نزلت بتأويل العوذة ولأن السورتين في حكم سورة واحدة حكمًا ونزلتا دفعة، أو بتأويل كل واحدة، وأما التثنية في (أخذ بهما) فلعله لأجل أن العمل كان بكل واحدة منهما على انفراده أيضًا، ولو جوزنا إفراد الفعل في إضمار الفاعل كما في إظهاره مستندًا بهذا الحديث وإن كان مخالفًا لقاعدة النحاة، فذلك شيء آخر، واللَّه أعلم.
٤٥٦٤، ٤٥٦٥ - [٥١، ٥٢] (عائشة، وابن عباس) قوله: (هل رئي) بلفظ
стр. 4350
فِيكُمُ الْمُغَرِّبُونَ؟ " قُلْتُ: وَمَا الْمُغَرِّبُونَ؟ قَالَ: "الَّذِينَ يَشْتَرِكُ فِيهِمُ الجِنُّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٧].
٤٥٦٥ - [٥٢] وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ" فِي "بَابِ التَّرَجُّل". [أخرجه الترمذي: ٢٠٣٥].
ــ
المجهول من الرؤية، و (فيكم) أي: في جنس الإنسان، وفيه تغليب، و (المغربون) بلفظ اسم الفاعل من التغريب بالغين المعجمة، والاستفهام للتنبيه والتهديد، وقيل: (هل) بمعنى قد، كما قيل في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١].
وقوله: (قلت: وما المغربون؟ ) أورد (ما) ولم يقل: ومن المغربون سؤالًا عن الجنس، أي: ما هذا الجنس وحقيقة معنى التغريب؟
وقوله: (الذين يشترك فيهم الجن) ذكروا فيه وجوهًا، أحدها: أن المراد مشاركة الجن في الأنساب وأولاد بني آدم بترك ذكر اللَّه تعالى عند الوقاع كما جاء في حديث الصحيحين (١): (إذا جامع أحدكم امرأته فليستعذ باللَّه من الشيطان الرجيم، وليقل: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا)، فإذا لم يذكر اللَّه كان للشيطان فيه نصيب وشركة.
وجاء في بعض الروايات: (فيلوي الشيطان على إحليله ليجامع معه)، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] فمعنى المغربين المبعدون عن ذكر اللَّه عند الوقاع حتى شارك الشيطان في أولادهم، والمبعدون أنفسهم عن ذكر اللَّه، أو يغربون الولد من جنسهم، ويدخلون العرق الغريب في النسب، أو
стр. 4351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يبعدون النسب من الجنسية بمداخلة نسيب بعيد، ومادة الغربة للبعد.
وثانيهما: أن المراد بمشاركة الشيطان إياهم أمرهم بالزنا كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١]، والزنا سبب لإدخال العرق الغريب والنسيب البعيد في النسب، فالمراد بالمغربين الزناة الذين يدخلون الغريب في النسب.
واعلم أنه قد جاء في الحديث: هل تحس فيكن امرأة أن الجن يجامعها كما يجامعها زوجها؟ وقد اشتهر فيما بين الناس وصح أن بعض النساء يعشق بها بعض الجن ويجامعها ويظهر لها، وربما يذهب بها حيث شاء، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقد ذكر السيوطي في (التقاط الدرر والمرجان في أحكام الجان) أحوالًا عجيبة من الجن، ومناكحتهم الإنسان من الطرفين، وقد ذكر أن بلقيس أمها كانت جنية.
وذكر أن بعض العلماء كانت عنده جارية من الجن تزوجها، وذكر من بعض العلماء أن جارية له كان الجن يعشقها، فهتف يومًا إلى متى أزني بها زوجونيها، وذكر أنهم اختلفوا أن لمجامعة الجن هل يجب الغسل على الإنسية؟ وأنه ذكر بعض الحنفية أنه لا يجب الغسل، فهذا يمكن جعله وجهًا ثالثًا في اشتراك الجن فيهم، ولكن ينبغي أن يفسر معنى المغربين على هذا الوجه ولم يبينوا، ويمكن أن يكون معناه تبعيد بني آدم أنفسهم عن التطهير وتقصيرهم في الاستعاذة من شر الجن والشياطين بتلاوة القرآن والأدعية والأذكار التي هي مانعة عن تعوذهم من الجن وتصرفها في أنسابهم.
ورابعها: أن المراد بالمغربين الطائفة الذين لهم قرناء من الجن، يلقون إليهم الأخبار وأصناف الكهانة، ويشاركونهم في أنواع الشرور والقبائح، ويبعد هؤلاء
стр. 4352
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٥٦٦ - [٥٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمَعِدَةُ حَوْضُ الْبَدَنِ، وَالْعُرُوقُ إِلَيْهَا وَارِدَةٌ، فَإِذَا صَحَّتِ الْمَعِدَةُ صَدَرَتِ العُرُوقُ بِالصِّحَّةِ، وَإِذَا فَسَدَتِ الْمَعِدَةُ صَدَرَتِ الْعُرُوقُ بِالسُّقْمِ".
ــ
أنفسهم بذلك عن مقام الإيمان والإسلام، والأول من هذه الوجوه هو الأظهر، واللَّه أعلم.
الفصل الثالث
٤٥٦٦ - [٥٣] (أبو هريرة) قوله: (المعدة) بفتح الميم وكسر العين، وجاء بكسر الميم وسكون العين وبفتح الميم وسكون العين وبكسرهما.
وقوله: (حوض البدن) أي: نسبة المعدة إلى البدن كنسبة الحوض إلى الشجر.
وقوله: (والعروق إليها واردة) شبه اتصال العروق بالمعدة وجذبها منها الرطوبات الصالحة للغذاء إلى الكبد، ومنه إلى الأعضاء، بالطائفة الواردة على الحوض لشرب الماء، والورود هو النزول على الماء للشرب، والصدور الرجوع عنه بعد الشرب، فإذا صحت المعدة بأن اشتملت وانطوت على طعام صالح محمود صدرت العروق بالصحة، أي: جذبت منها إلى الأعضاء رطوبات جيدة صالحة للغذاء الجيد التي هي سبب الصحة، وإذا فسدت المعدة واشتملت على طعام رديء فاسد صدرت العروق بالسقم، أي: برطوبات رديئة فاسدة غير صالحة للغذاء الجيد التي هي سبب السقم وضعف البدن، وهذا بعينه مثال الشجر تذهب العروق منه إلى الحوض، ويحدث الماء منه إليه صالحًا أو فاسدًا.
стр. 4353
٤٥٦٧ - [٥٤] وَعَنْ عَليٍّ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّي، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، فَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ، فَنَاوَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَعْلِهِ فَقَتَلَهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ مَا تَدَعُ مُصَلِّيًا وَلَا غَيْرَهُ أَوْ نَبِيًّا وَغَيْرَهُ" ثُمَّ دَعَا بِمِلْحٍ وَمَاءٍ فَجَعَلَهُ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ جَعَلَ يَصُبُّهُ عَلَى أُصْبُعِهِ حَيْثُ لَدَغَتْهُ وَيَمْسَحُهَا وَيُعَوِّذُهَا بِالْمُعَوِّذَتينِ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [هب: ٥/ ٦٦، ٢/ ٥١٨].
ــ
وهذا الحديث تكلم فيه المحدثون، فقال في (تنزيه الشريعة) (١): إن هذا حديث باطل لا أصل له، ونقل عن البيهقي في (شعب الإيمان) أنه قال: إسناده ضعيف، وعن الذهبي في (الميزان) أنه قال: منكر، وإبراهيم الراوي لا يعتمد عليه، وقال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان): إنه ذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: أورد الطبراني هذا الحديث في (المعجم الأوسط) وعلله، انتهى.
وفي (المقاصد الحسنة) (٢) أنه أورده ابن حبان (٣) في (الأوسط) عن الرهاوي [عن زيد بن أبي أنيسة] عن الزهري عن أبي هريرة وقال: لم يروه عن الزهري إلا زيد بن أبي أنيسة، وتفرد الرهاوي بروايته عنه، وذكره الدارقطني في (العلل) من هذا الطريق وقال: لم يعرف من كلام النبي ﷺ ، وهو كلام عبد الملك بن سعيد الأبجر، انتهى، واللَّه أعلم.
٤٥٦٧ - [٥٤] (علي) قوله: (فناولها رسول اللَّه ﷺ بنعله) أي: أعطاها نعله
стр. 4354
٤٥٦٨ - [٥٥] وَعَن عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ، فَأَخْرَجَتْ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ تُمْسِكُهُ فِي جُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَخَضْخَضَتْهُ لَهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ، قَالَ: فَاطَّلَعْتُ فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حَمْرَاءَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٥٧].
٤٥٦٩ - [٥٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ: الْكَمأَةُ جُدَرِيُّ الأَرْضِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
بأن ضربها بها، والباء زائدة، يقال: ناولته فتناول، أي: أعطيته فأخذ.
٤٥٦٨ - [٥٥] (عثمان بن عبد اللَّه) قوله: (عين أو شيء) يحتمل الشك أو التنويع بالتعميم بعد التخصيص أي شيء من الأمراض أي شيء كان، و (المخضب) بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمتين اسم نوع من الظرف يغسل فيه الثياب، والمراد هنا ظرف فيه الماء، والضمير في (إليها) لأم سلمة، وفي "مخضبه" للإنسان.
وقوله: (في جلجل) بجيمين مضمومتين بينهما لام ساكنة: الجرس الصغير يعلق بعنق الدابة أو برجل البازي، والمراد هنا الحقة الصغيرة على شكل الجرس.
وقوله: (فخضخضته) أي: حركت المخضب الذي فيه الماء بجعل الجلجل الذي فيه الشعر لذلك الإنسان ليحصل من بركته في الماء.
وقوله: (شعرات حمراء) حمرة الشعرات إما لكونها مخضوبة في الأصل بناء على خضابه ﷺ ، أو لأن أم سلمة خضبتها لتقوى وتبقى، أو من جهة اختلاف الطيب، كما مرّ من التأويلات فيه.
٤٥٦٩ - [٥٦] (أبو هريرة) قوله: (الكمأة جدري الأرض؟ ) وقد مرّ شرح
стр. 4355
"الْكَمأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَخَذْتُ ثَلَاثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ، وَجَعَلْتُ مَاءَهُنَّ فِي قَارُورَةٍ، وَكَحَّلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي عَمْشَاءَ فَبَرَأَتْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [ت: ٢٠٦٧].
٤٥٧٠ - [٥٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ. . . . .
ــ
الحديث في الفصل الأول من (كتاب الأطعمة) إلا هذه الزيادة أعني قوله: (جدري الأرض)، كأن الصحابة لما ذكرت الكمأة وذمموها وقبحوها وشبهوها بالجدري الذي هو قروح تخرج عن أبدان الصبيان عن فضلات ردية من الدم والبلغم، كذلك الأرض أخرجتها من فضلات فيها، مدحها النبي ﷺ وذكر لها منفعة.
وإلا قوله: (والعجوة من الجنة) ذكرت هنا تقريبًا واستطرادًا أو جرى ذكرها في المجلس، وكونها من الجنة إما لكونها منها حقيقة أتيت في الدنيا تشريفًا لمدينة النبي ﷺ كالحجر الأسود والروضة الشريفة، أو مدح لها لكمال منفعتها وبركتها كأنها من الجنة.
وإلا قوله: (قال أبو هريرة. . . إلخ).
وقوله: (أو خمسًا أو سبعًا) إما شك من الراوي عن أبي هريرة بنسيانه حال الرواية تذكر أنها كانت وترًا ونسي خصوصية العدد، واللَّه أعلم.
وقوله: (عمشاء) العمش بالتحريك: ضعف في البصر مع سيلان الماء في أكثر الأوقات.
٤٥٧٠ - [٥٧] (وعنه) قوله: (من لعق العسل. . . إلخ)، تعيين العدد موكول إلى علم الشارع.
стр. 4356
لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمُ الْبَلَاءِ".
٤٥٧١ - [٥٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءينِ: الْعَسَلِ وَالْقُرآنِ". رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الأَخِيرَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ. [جه: ٣٤٥٠، ٣٤٥٢، هب: ٥/ ٩٧، ٢/ ٥١٩].
٤٥٧٢ - [٥٩] وَعَنْ أَبِي كَبْشَة الأَنْمَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ عَلَى هَامَتِهِ مِنَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَاحْتَجَمْتُ أَنَا مِنْ غَيْرِ سُمٍّ كَذَلِكَ فِي يَافُوخِي، فَذَهَبَ حُسْنُ الْحِفْظِ عَنِّي حَتَّى كُنْتُ أُلَقَّنُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي الصَّلَاةِ. رَوَاهُ رَزِينٌ. [أخرجه أبو داود من طريق أنس مختصرًا: ٣٨٦٢].
ــ
وقوله: (من البلاء) من بيانية، أي: أمر عظيم هو البلاء، أو تبعيضية، أي: لم يصبه بلاء عظيم يكون سببًا لهلاكه.
٤٥٧١ - [٥٨] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (بالشفائين) أحدهما: جسماني، والآخر: روحاني، قوله تعالى: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى﴾ [يونس: ٥٧].
وقوله: (أن الأخير) أي: الحديث الثاني.
٤٥٧٢ - [٥٩] (أبو كبشة الأنماري) قوله: (احتجم على هامته) مخففًا: وسط الرأس، وكذلك (اليافوخ)، وأصله موضع يتحرك من وسط رأس الصبي، وقد سبق ذكره.
وقوله: (كذلك) الظاهر أنه بيان لقوله: (من غير سم) فافهم. ومقصود معمر بيان أن الحجامة في وسط الرأس من غير عذر وعلة كالسم مضرة بالحفظ، ووجهه أن الحجامة إذا كان في الرأس علة وداء كالسم ونحوه يؤثر في مادة الداء ويزيله
стр. 4357
٤٥٧٣ - [٦٠] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ ابنُ عُمَرَ: يَا نَافِع! يَنْبِعُ بِي الدَّمُ فَأْتِنِي بِحَجَّامٍ وَاجْعَلْهُ شَابًّا، وَلَا تَجْعَلهُ شَيْخًا وَلَا صَبِيًّا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحِجَامَةُ عَلَى الرِّيقِ أَمْثَلُ، وَهِيَ تُزِيدُ فِي الْعَقْلِ، وَتُزِيدُ فِي الْحِفْظِ،
ــ
بخلاف ما لو لم يكن داء، فإنه يؤثر في الرأس والقوة الحافظة المودعة فيه كما حكاه الزمخشري في (ربيع الأبرار) أنه كان برجل فالج فلدغته العقرب فبرأ من علة الفالج، ويحتمل أن يكون مقصوده بيان أن ذلك كان معجزة للرسول غير مدرك بعقولنا، ويحتمل أن ذهاب الحفظ منه كان بسبب آخر عرض بعد الحجامة لا للحجامة، فظن أنه لأجلها، واللَّه أعلم.
والوجه هو الأول، وقد أخرج الديلمي (١) عن عمرو بن واصل عن أنس أن الحجامة في نقرة الرأس يورث النسيان فتجنبوا عنها، وقال الخطيب: إن ابن واصل متهم بالوضع، وقد احتجم رسول اللَّه ﷺ في يافوخه لداء كان له، وأورد الطبراني في (معجمه الكبير) (٢) عن ابن عمر مرفوعًا: أن الحجامة في الرأس ينفع من الجنون والجذام والبرص [والنعاس] والضرس، ولم تصح هذه الأحاديث، ولذا جاءت معارضة.
٤٥٧٣ - [٦٠] (نافع) قوله: (ينبع بي الدم) أي: يغلي الدم في جسدي حتى كاد يخرج منه كخروج الماء من العين، والنبع والنبوع: خروج الماء من الينبوع.
وقوله: (واجعله شابًّا) أي: اختر حجامًا شابًّا.
وقوله: (وتزيد في الحفظ) أي: تحصله وتحدثه بقرينة.
стр. 4358
وَتُزِيدُ الْحَافِظَ حِفْظًا، فَمَنْ كَانَ مُحْتَجِمًا فَيَوْمَ الْخَمِيسِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى (١)، وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الأَحَدِ، فَاحْتجِمُوا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ أَيُّوبُ فِي الْبَلَاءِ. وَمَا يَبْدُو جُذَامٌ وَلَا بَرَصٌ إِلَّا فِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ أَوْ لَيْلَةِ الأَرْبِعَاءِ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٤٨٨].
٤٥٧٤ - [٦١] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : "الْحِجَامَةُ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ دَوَاءٌ لِدَاءِ السَّنَةِ". رَوَاهُ حَرْبُ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكِرْمَانِيُّ صَاحِبُ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ، هَكَذَا فِي "الْمُنتقَى". [أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير": ٢٠/ ٢١٥، هق: ٩/ ٣٤٠].
٤٥٧٥ - [٦٢] وَرَوَى رَزِينٌ نَحْوَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [أخرجه البيهقي في "الآداب" (١/ ٤٢٥)].
* * *
ــ
قوله: (ويزيد للحافظ حفظا) أي: يكمله ويقويه.
وقوله: (إلا في يوم الأربعاء) أي: بالحجامة فيه، والحصر للمبالغة، واللَّه أعلم.
٤٥٧٤، ٤٥٧٥ - [٦١، ٦٢] (معقل بن يسار، وأبو هريرة) قوله: (الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة) وقد سبق من كبشة بنت أبي بكرة ما يفهم من كراهة الحجامة يوم الثلاثاء، وأجيب بعد صحة ذلك الحديث بأن هذا لخصوصية السابع عشر من الشهر، واللَّه أعلم.
стр. 4359
١ - باب الفأل والطيرة
ــ
١ - باب الفأل والطيرة
وقال الطيبي (١): الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد يسكن: هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطير طيرة كتخير خيرة، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر، انتهى. وأصله أنهم كانوا ينفرون الظباء والطيور، فإذا أخذت ذات اليمين تيمنوا، وإذا أخذت ذات الشمال تشاءموا، والسنوح مرور الصيد من الشمال إلى اليمين، والبروح مروره من اليمين إلى الشمال، كانت العرب تتيمن بالسانح وتتشاءم بالبارح.
وقال النووي في (شرح مسلم) (٢): وهو شرك إن اعتقده، وضابطه أن ما لم يقع ضرره ولا اطردت به عادة خاصة ولا عامة فهو المنكر وهو الطيرة، وما يقع عنده ضرر عمومًا لا يخصه ونادرًا لا متكررًا كالوباء فلا يقدم عليه ولا يخرج منه، وما يخصه ولا يعم كالدار والفرس والمرأة فيباح الفرار منه.
وفي (النهاية) (٣): الفأل بالهمزة: فيما يسر ويسوء، والطيرة: فيما يسوء إلا نادرًا، وقد أولع الناس بترك همزه تخفيفًا، يقال: تفأّلت بالهمزة والتشديد، وقد يقال: تفاءلت بالتخفيف وقلب الهمزة الأولى ألفًا، انتهى.
стр. 4360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قلت: كان ما ذكره أصل اللغة وإلا فاستعمال الشرع على أن الفأل إذا أطلق اختص بما يسر، والطيرة بما يسوء، نعم قد يستعمل الفال مقيدًا فيما يسوء كما يقال: الفأل السيئ، والفأل المكروه، وقد قال الطيبي (١): والفرق بين الفأل والطيرة يفهم مما روى أنس عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل)، قالوا: وما الفأل؟ قال: (كلمة طيبة)، قال في (النهاية) (٢): وقد جاءت الطيرة بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النوع، ومنه: (أصدق الطيرة الفأل)، انتهى. قلت: يحتمل أن يكون هذا من قبيل المشاكلة، فان الطيرة لا شك أنه في اللغة بمعنى التشاؤم، وأما عموم الفأل فمسلم.
قال في (القاموس) (٣): الطيرة: ما يتشاءم به من الفأل الرديء، وقالوا: إنما أحب رسول اللَّه ﷺ الفأل؛ لأن الناس إذا أملوا فائدة من اللَّه ورجوا عوائده عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، وإن غلطوا فإن الرجاء لهم خير، وإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من اللَّه كان ذلك من الشر، وأما الطيرة فإن فيها سوء الظن باللَّه، وتوقع البلاء، وذلك مذموم بين العقلاء، ومنهي عنه من جهة الشرع، والتفاؤل أن يسمع المريض أو طالب الضالة يا سالم أو يا واجد، فيظن برءه ووجدان مطلوبه، وهذا معنى ما ورد في الحديث: (الفال كلمة طيبة) أو (الفأل الكلمة الصالحة)، هذا تحقيق معنى الفأل والطيرة، وقد أورد المؤلف أحاديث في العدوى والهامة والصفر والنوء ونحوها لكونها في معنى التطير.
стр. 4361
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٥٧٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَألُ" قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: "الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٥٤، م: ٢٢٢٣].
٤٥٧٧ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ. . . . .
ــ
الفصل الأول
٤٥٧٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا طيرة) أي: ليس له تأثير في جلب منفعة أو دفع مضرة فلا تعتقدوها ولا تعتبروها، فالطيرة منفية ويتبعها النهي عنها، وأما قوله: (لا عدوى) فيحتمل النفي والنهي بدون النفي كما سيجيء الكلام فيه في الحديث الآتي.
وقوله: (وخيرها الفأل) ظاهر في عموم الطيرة واستعمالها بمعنى الجنس كما أسلفناه، وأما استعمال صيغة التفضيل المفيدة لثبوت أصل الخيرية في الطيرة مع أنه لا خير فيها، فله توجيهات مشهورة من أنه كقولهم: السيف أحر من الشتاء، أو اسم التفضيل بمعنى أصل الفعل، أو المراد الزيادة المطلقة لا على المضاف إليه، أو هذا مبني على زعمهم الفاسد، وقيل: المراد على سبيل الفرض، أي: أن فرض إن أصل الخيرية ثابت في الطيرة ففي الفأل زائد عليه.
٤٥٧٧ - [٢] (وعنه) قوله: (لا عدوى) أي: مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيرها، يقال: أعدى المرض إذا أصاب مثله بمقارنته ومجاورته أو مؤاكلته ومباشرته، وقد أبطله الإسلام، كذا في (شرح جامع الأصول) (١) لمصنفه، وقال في
стр. 4362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(النهاية) (١): العدوى: اسم من الإعداء كالبقوى من الإبقاء، وقال التُّورِبِشْتِي في (شرح المصابيح) (٢): العدوى مجاوزة العلة والخلق إلى الغير، وهو بزعم أهل الطب في سبع: الجذام، والجرب، والجدري، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائية.
قال القاضي عياض المالكي في (مشارق الأنوار) (٣): العدوى: ما كانت تعتقده أهل الجاهلية من تعدي داء ذي الداء إلى من يجاوره ويلاصقه ممن ليس به داء، فنفاه الشرع.
وقوله ﷺ : (لا عدوى) يحتمل النهي عن قول ذلك واعتقاده أو النفي لحقيقة ذلك كما قال: (لا يعدي شيء شيئًا) وقوله: (فمن أعدى الأول) وكلاهما مفهوم من الشرع، وتفصيل الكلام في هذا المقام أنه قد اختلف العلماء في تأويل قوله: (لا عدوى) فمنهم من يقول: إن المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الأحاديث والقرائن المسبوقة على العدوى، وهم الأكثرون، ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها، فقد قال ﷺ : (وفر من المجذوم فرارك من الأسد)، وقال: (لا يوردن ذو عاهة على مصح)، وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة، فإنهم كانوا يرون العلل المعدية مؤثرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هذا أن ليس الأمر على ما يتوهمون، بل هو متعلق بالمشيئة، إن شاء اللَّه كان، وإن لم يشأ لم يكن، ويشير إلى هذا المعنى، قوله: (فمن أعدى الأول) أي: إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن
стр. 4363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعدى الأول؟ وبيّن بقوله: (فر من المجذوم)، وبقوله: (لا يوردن ذو عاهة على مصح)، أن مداناة ذلك من أسباب العلة فليتقه اتقاءه من الجدار المائل والسفينة المعيوبة، وهذا الذي ذكره الشيخ ابن الصلاح تبعًا لغيره من العلماء في وجه الجمع من أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكن اللَّه تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب.
وقال التُّورِبِشْتِي (١): وأرى هذا القول أولى التأويلين؛ لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه، والقول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية، ولم يرد الشرع بتعطيلها، بل ورد بإثباتها، والعبرة بها على وجه لا يناقض أصول التوحيد، ولا يناقض في القول بها على الوجه الذي ذكرناه، ويدل على صحة ما ذكرناه قوله ﷺ للمجذوم المبايع: (قد بايعناك فارجع) (٢)، وقوله ﷺ للمجذوم الذي أخذ بيده فوضعها معه في القصعة: (كل ثقة باللَّه وتوكلًا عليه) (٣)، ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه، فبين بالأول التوقي من أسباب التلف، وبالثاني التوكل على اللَّه في متاركة الأسباب ليثبت بالأول التعرض للأسباب وهو سنته، وبالثاني ترك الأسباب وهو حاله.
وقال الطيبي (٤) في حديث الفرار ونحوه: هذا إرشاد إلى رخصة من النبي ﷺ
стр. 4364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لمن لم يكن له درجة التوكل أن يراعي الأسباب، فإن لكل شيء من الموجودات خاصية وأثرًا أودعها فيه الحكيم جل وعلا، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في (شرح نخبة الفكر) (١): الأولى في وجه الجمع بينهما أن يقال: إن نفيه ﷺ للعدوى باقٍ على عمومه، وقد صح قوله: (لا يعدي شيء شيئًا)، وقوله: (فمن أعدى الأول) يعني أن اللَّه سبحانه ابتدأ بذلك في الثاني كما ابتدأه في الأول، وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع، لئلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير اللَّه سبحانه ابتداء، لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الحرج، فأمر بتجنبه حسمًا للمادة، واللَّه أعلم، هذا كلام
الشيخ في الشرح.
وقال في حاشيته: أكل النبي ﷺ مع المجذوم حيث كان يعلم أن لا يصيب شيء إلا بإذن اللَّه، وكان آمنًا من أن يقع في مثل هذا الظن لو أصابه مكروه، والأمر ليس إلا لمن لا يجد في نفسه صدق اليقين، ويتوهم أن تحدثه نفسه بشيء لو أصيب شفقة عليه وأخذًا بحجزته من الوقوع في بحر الشرك الخفي، جزاه اللَّه عنه خير الجزاء، وأعطاه الوسيلة والفضيلة واللواء ﷺ وشرف وكرم، انتهى.
وقال الكرماني (٢): إن الجذام مستثنى من قوله: (لا عدوى)، وقال البغوي: إن الجذام ذو رائحة يسقم من أطال صحبته ومؤاكلته ومضاجعته، وليس من العدوى بل من باب الطب كما يتضرر بأكل ما يعاف وشم ما يكره، والمقام في مقام لا يوافق
стр. 4365
وَلَا هَامَةَ. . . . . .
ــ
هواه، وكله بإذن اللَّه تعالى، ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] هذا كلامهم، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (ولا هامة) الهامة بتخفيف الميم، وقيل: بتشديدها: اسم طائر كانت العرب تزعم أن عظام الميت تصير هامة فتطير، وكانوا يقولون: إن القتيل يخرج من هامته، أي: من رأسه هامة لا تزال تقول: اسقوني اسقوني حتى يُقتل قاتله.
وفي (مجمع البحار) (١): الهامة: هي الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هو البومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت، وقيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت -وقيل: روحه- تصير هامة فتطير، ويسمونه الصدى، فنفاه الإسلام ونهاهم عنه، وقيل: اسم طير يتشاءم به الناس، وكانت العرب تزعم أن عظام الميت إذا بليت تصير هامة، وتخرج من القبر وتتردد، وتأتي بأخبار أهله، وقيل: هي البومة إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له أو لبعض أهله، وقال القاضي عياض (٢): الهام: طائر يألف الموتى والقبور، وهو الصدى أيضًا، وهو مما يطير بالليل، وهو غير البوم يشبهه، وكانت العرب تزعم أن الرجل إذا قتل فلم يدرك بثأره. . . إلخ، وفيه أقوال تحول حول ما ذكرناه، وأشعار العرب في ذلك كثيرة، فنفاه رسول اللَّه ﷺ وأبطله.
стр. 4366
وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٠٧].
ــ
وقوله: (ولا صفر) قال ابن الأثير في (النهاية) (١): وهو في زعم العرب حية في البطن تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وأنها تعدي فأبطله الإسلام، وقال الكرماني (٢): هو بفتحتين: حية في البطن اعتقدوا أنها أعدى من الجرب، وقالوا: زعموا أنها تعض إذا جاع، وما يوجد عند الجوع من الألم فمن عضه، وقيل: هو الشهر المعروف زعموا أن فيه تكثر الدواهي والفتن، وكانوا يستشئمون بدخول صفر فنفاه الشارع، وقيل: أراد به النسيء وهو تأخير المحرم إلى صفر، ويجعلون صفر هو الشهر الحرام.
وقال النووي في (شرح صحيح مسلم) (٣): الصفر دواب في البطن، وهي دود يهيج عند الجوع، وهذا قال مالك وغيره، وربما قتلته، ودواب بدال مهملة وباء موحدة عند الجمهور، وروي ذات بذال معجمة ومثناة فوق وله وجه، وقيل: دود يقع في الكبد وشراسيف الأضلاع فيصفر عنه الإنسان جدًا، وفي (النهاية) (٤): ومن الأول: (صفرة في سبيل اللَّه خير من النعم) أي: جوعة.
هكذا جاءت الأقوال مختلفة في بيان المراد بصفر، وحاصلها يؤول إلى ثلاثة: إما الشهر المعروف أو الدود في البطن أو النسيء المذكور، وقد وقع في عبارة بعضهم أنه وجع يأخذ في البطن يزعمون أنه يعدي، والظاهر أن هذا هو القول الثاني فتسامح، وذكر الوجع مكان الدود.
стр. 4367
٤٥٧٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ". فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ لَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٧٠].
٤٥٧٩ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا نَوْءَ وَلَا صَفَرَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٢٠].
ــ
٤٥٧٨ - [٣] (وعنه) قوله: (فمن أعدى الأول) علم شرحه من الحديث السابق.
٤٥٧٩ - [٤] (وعنه) قوله: (ولا نوء) في (شرح جامع الأصول) (١): النوء واحد الأنواء: وهي ثمان وعشرون نجمًا هي منازل، تسقط في الغرب [كل] ثلاثة عشر ليلة منها منزلة مع طلوع الفجر، فتطلع أخرى مقابلها، فتنقضي هذه الثمانية والعشرون مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع نظيرها يكون مطرًا، فينسبون المطر إلى النوء، يقولون: مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوء لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، ناء ينوء نوءًا، أي: نهض وطلع، وقيل: إن النوء هو الغروب، وهو من الأضداد، وقال أبو عبيد: ولم يسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذ الموضع، وإنما غلظ النبي ﷺ في أمر الأنواء؛ لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل اللَّه وأراد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني فإن ذلك جائز.
وقد قيل: إن عمر بن الخطاب أراد أن يستسقي، فنادى بالعباس بن عبد المطلب كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها يعترض في الأفق سبعًا بعد
стр. 4368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوعها، فما مضت تلك السنة حتى غيث للناس، وأراد عمر كم بقي من الوقت الذي قد جرت العادة أنه إذا تم أتى اللَّه بالمطر، وفي (النهاية) (١): في حديث أمر الجاهلية، الأنواء: هي ثمان وعشرون منزلة، وينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وباقي كلامه مثل كلام (شرح جامع الأصول) إلا المنقول من أبي عبيد.
وقال الكرماني (٢): النوء بفتح نون وسكون واو فهمزة، وزعموا أن المطر لأجل أن الكواكب ناء، أي: غرب أو طلع، ومن زعمه أوقاتًا فلا محذور، فليس من الوقت إلا وهو معروف بنوع من مرافق العباد، ثم حكى قصة الاستسقاء في زمن عمر ﵁ على ما حكاه في (شرح جامع الأصول).
وقال القاضي ابن العربي: من انتظر المطر منها على أنها فاعلة من دون اللَّه أو يجعل لِلَّه شريكًا فيها فهو كافر؛ لأن الخلق من اللَّه وحده، ومن انتظره منها على إجراء العادة فلا شيء عليه، وقال النووي (٣): لكنه يكره، لأنه شعار الكفر وموهم له، قال الطيبي (٤): يكره كراهة تنزيه.
وقال القاضي عياض: وكذا من أمر الجاهلية ذكر الأنواء، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، النوء عند العرب سقوط نجم من نجوم المنازل الثمانية والعشرين، وهو مغيبة بالمغرب مع طلوع الفجر وطلوع مقابله حينئذ من المشرق، وعندهم أنه لا بد
стр. 4369
٤٥٨٠ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ (١) يقُولُ: "لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا غَوْلَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٢٢].
ــ
أن يكون مع ذلك لأكثرها نوء من مطر أو رياح عاصفة وشبهها، فمنهم من يجعله لذلك الساقط، ومنهم من يجعله للطالع؛ لأنه هو الذي ناء، أي: نهض، فينسبون المطر إليه، فنهى النبي ﷺ من اعتقادِ ذلك وقولهِ، وكَفَّر فاعله، لكن العلماء اختلفوا في ذلك، وأكثرهم على أن النهي والتكفير لمن اعتقد أن النجم فاعل ذلك دون من أسنده إلى العادة، ومنهم من كرهه على الجملة كيف كان لعموم النهي، ومنهم من اعتقد في كفره كفر النعمة، وقد تقصينا الكلام فيه في غير هذا الكتاب، واللَّه أعلم.
٤٥٨٠ - [٥] (جابر) قوله: (ولا غول) في (المفاتيح شرح المصابيح) (٢): هو بالفتح مصدر غاله: أهلكه، وبالضم اسم وهو المراد هنا، كانوا يزعمون أنها تراءت للناس فنفاه الشرع، ويحتمل أنه دفع ببعثته ﷺ كما دفع الاستراق، وفي (شرح جامع الأصول) (٣): هو الحيوان الذي كانت العرب تزعم أنه يعرض في بعض الأوقات والطرق، فيغيل الناس، أو أنه ضرب من الشياطين، وليس قوله: (ولا غول) نفيًا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في اغتياله وتلونه في الصور المختلفة يقول: لا تصدقوا بذلك.
وفي (النهاية) (٤): الغول: واحد الغيلان، وهو جنس من الشياطين والجن،
стр. 4370
٤٥٨١ - [٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٣١].
ــ
وقال كما قال في (شرح جامع الأصول)، وجاء في الحديث: (إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان) أي: ادفعوا شرها بذكر اللَّه تعالى فإنهم يتفرقون، وهو يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها، وقال البغوي: بل أخبر أنها لا تقدر على شيء من الإضلال والإهلاك إلا بإذن اللَّه تعالى، ويقال: إن الغيلان سحرة الجن تفتن الناس بالإضلال، انتهى.
قلت: هذا المعنى يقرب مما قيل في (لا عدوى) أن المراد عدم كونها علة مؤثرة بالذات، بل بخلق اللَّه وتقديره، وهذا جاز في كل شيء، وتخصيص بعض الأشياء بالذكر ونفيه عنه باعتبار شهرته واعتقاد الناس فيه، قال الطيبي (١): أما حديث: (أعوذ بك من أن أغتال) فهو من الغول، وهو هلاك الشيء من حيث لا يحس، قلت: ويؤيده ما ورد في رواية: (وأعوذ بك من أن أغتال من تحتي)، أي: أدهى من حيث لا أشعر، يريد أنه الخسف على ما في (النهاية).
٤٥٨١ - [٦] (عمرو بن الشريد) قوله: (وعن عمرو بن الشريد) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وسكون التحتانية في آخره دال مهملة.
وقوله: (إنا فد بايعناك فارجع) كأنه لم يطلبه بحضرته لكراهة الناس، وقد مرّ بيانه، والبيعة قد تكون بالكلام كما في النساء.
стр. 4371
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٥٨٢ - [٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَفَاءَلُ وَلَا يَتَطَيَّرُ وَكَانَ يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١٢/ ١٧٥].
٤٥٨٣ - [٨] وَعَنْ قَطَنِ بْنِ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْعِيَافَةُ وَالطَّرْقُ وَالطِّيَرَةُ مِنَ الْجِبْتِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٠٧].
ــ
الفصل الثاني
٤٥٨٢ - [٧] (ابن عباس) قوله: (يتفاءل ولا يتطير) قد ذكرنا آنفًا وجهه.
وقوله: (وكان يحب الاسم الحسن) لأنه حلية الجمال وتتمة الكمال، وهو نوع من التفاؤل لا أن له تأثيرًا في حصول محامد الأخلاق ومحاسن الأفعال كما ادعاه بعضهم، وبينوا بما لم يتبين به المدعى، وقد استوفينا هذا المبحث في (شرح سفر السعادة) فلينظر ثمة.
٤٥٨٣ - [٨] (قطن بن قبيصة) قوله: (وعن قطن) بفتح القاف والطاء المهملة (ابن قبيصة) بفتح القاف وكسر الباء.
وقوله: (العيافة والطرق والطيرة من الجبت) العيافة بكسر العين: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب، لهم فيها قصص ووقائع مذكورة في كلامهم، وفي (القاموس) (١): عِفْتُ الطير أعيفُها عيافة: زَجَرْتُها، وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقِطِها وأنوائها، فَتَتَسَعَّدَ أو تتَشَأم. والعائف: المتكهن بالطير أو غيرها، والطرق بفتح الطاء وسكون الراء في آخره قاف: الضرب بالحصى الذي
стр. 4372
٤٥٨٤ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ" قَالَهُ ثَلَاثًا، وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: "وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ. . . . . .
ــ
تفعله النساء، وقيل: هو الخط في الرمل، كذا قال الطيبي (١)، وفي (القاموس) (٢): الطَّرق: ضرب الكاهن بالحصى، وفي (مجمع البحار) (٣): الطرق: نوع من التكهن كما يفعله المنجم لاستخراج الضمير ونحوه، وقيل: نوع من الكهانة لإخراج ما في الضمير، و (الجبت) بالكسر: الصنم، والكاهن، والساحر، والسحر، والذي لا خير فيه، وكل ما عُبِدَ من دون اللَّه تعالى، كذا في (القاموس) (٤)، وقيل: الجبت السحر والكهانة، وعلى الأول المراد من أعمال الجبت وشؤونها.
٤٥٨٤ - [٩] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (الطيرة شرك) أي: من أعمال المشركين، أو مفضٍ إلى الشرك باعتقاده مؤثرًا، أو المراد الشرك الخفي.
وقوله: (وما منا إلا) لفظ (إلا) ثابت في النسخ المصححة، والتقدير: وما منا أحد إلا قد يجد في نفسه شيئًا من الطيرة، أي: ما حال أحد إلا وجدان شيء.
وقوله: (ولكن اللَّه يذهبه) قال الطيبي (٥): جاء بفتح الياء وضمها، وعلى الثاني
стр. 4373
بِالتَّوَكُّلِ". هَذَا عِنْدِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. [د: ٣٩١٠، ت: ١٦١٤].
٤٥٨٥ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ فَوَضَعَهَا مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ، وَقَالَ: "كُلْ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٥٤٢].
ــ
اجتمع فيه حرفا التعدية للتأكيد، لا يخفى أن ضم الياء ظاهر، وأما رواية الفتح فلا يرى في الظاهر صحيحًا، وقول الطيبي على تقدير الضم: اجتمع حرفا التعدية مما لا يعقل؛ لأن حرف الباء التي هي إحدى حرفي التعدية لم يدخل على المفعول بأن يقول: يذهب به، والتي في قوله: (بالتوكل) سببية، والذهاب متعد إلى المفعول بالهمزة كما لا يخفى.
وقوله: (هذا عندي قول ابن مسعود) وهو الصواب، إذ لا يتوهم وجدانه ﷺ ذلك، ولو كان قول النبي ﷺ فذلك تواضع منه، وتنزل عن مقامه الأرفع رعاية لجانب الأمة، أو المراد من المسلمين، وهو خلاف الظاهر.
٤٥٨٥ - [١٠] (جابر) قوله: (وقال: كل ثقة باللَّه) الظاهر أنه من قول الرسول ﷺ ، فإما أن يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، أي: كل معي واثقًا باللَّه، حالًا من ضمير معي أو يقدر: أثق ثقة، والجملة حال، أو استئناف كانه قيل: كيف تأمره بالأكل معك في قصعة واحدة وهو مجذوم، فأجاب بأني أثق في ذلك باللَّه ثقة، وقال الطيبي (١): ويحتمل أن يكون من كلام الراوي، أي قال: ثقة باللَّه، وهكذا جاء قوله: (وتوكلًا عليه).
стр. 4374
٤٥٨٦ - [١١] وَعَن سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا هَامَةَ وَلَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَإِنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْفَرْسِ وَالْمَرأَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢١].
ــ
٤٥٨٦ - [١١] (سعد بن مالك) قوله: (وإن تكن الطيرة في شيء ففي الدار والفرس والمرأة) اعلم أن الأحاديث الواردة في باب الطيرة مختلفة، يفهم من بعضها نفي تأثيرها والنهي عن اعتقادها واعتبارها مطلقًا وهي كثيرة، ومن بعضها ثبوتها في نحو المرأة والدابة والدار، إما بصيغة الجزم كما في حديث البخاري ومسلم: (إنما الشؤم في ثلاث: الفرس، والمرأة، والدار)، وغيره، ومن بعضها (١) بلفظ الشرط كما في هذا الحديث ونحوه، وفي رواية: (في الربع والخادم والفرس)، ومن بعضها إنكار أن يكون الشؤم فيها كما في غيرها من الأشياء، وفي بعضها أنه إنما كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك كما جاء عن ابن أبي مليكة قال: قلت لابن عباس: كيف ترى في جارية لي في نفسي منها شيء، فإني سمعتهم يقولون: قال نبي اللَّه ﷺ : (إن كان الشؤم في شيء، ففي الربع، والفرس، والمرأة)؟ قال: فأنكر أن يكون سمع ذلك من النبي ﷺ أشد النكرة، وفي رواية: فأنكر أن يكون رسول اللَّه ﷺ قاله، وأن يكون الشؤم في شيء، وقال: إذا وقع في نفسك منها شيء ففارقها بعها أو أعتقها، رواه ابن جرير.
وعن قتادة عن أبي حسان: أن رجلين دخلا على عائشة ﵂ فحدثاها عن أبي هريرة قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: (الطيرة في المرأة، والفرس، والدار)، فغضبت غضبًا شديدًا وقالت: ما قاله، إنما قال: كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك، ووجه التطبيق
стр. 4375
٤٥٨٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعْحِبُهُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ أَنْ يَسْمَعَ: يَا رَاشِدُ يَا نَجِيحُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦١٦].
ــ
أن التأثير بالذات منفي، واعتقاده من أمور أهل الجاهلية، والمؤثر في الكل هو اللَّه، والكل بخلقه وتقديره، وإثباتها في هذه الأشياء بجريان عادة اللَّه سبحانه بالخلق فيها، وجعلها أسبابًا عادية، فالنفي راجع إلى التأثير بالذات، والإثبات بالعادة، والحكمة في تخصيص هذه الأشياء موكولة إلى علم الشارع، وقيل: المراد ليس التطير في شيء، وإن فرض ثبوتها فهذه الأشياء مظنتها ومحلها، ومناسبة لأن يكون فيها على طريقة قوله ﷺ : (لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين)، وهذا المعنى صريح في لفظ الشرط وغيره محمول عليه، وعليه كلام القاضي حيث قال: وتعقيب قوله: (ولا طيرة) بهذه الشرطية يدل على أن الشؤم منفي عنها أيضًا، والمعنى أن الشؤم لو كان له وجود في شيء لكان في هذه الأشياء، فإنها أقبل الأشياء لها، لكن لا وجود له فيها ولا وجود له أصلًا، انتهى.
وقيل: الشؤم في المرأة أن تكون ناشزة وغير ولود، ولا مطيعة لزوجها، أو مكروهة ومستقبحة عنده، وفي الدار ضيقها، وسوء جيرانها، وعدم طيب هوائها، وفي الفرس حرانها، وغلاء ثمنها، وعدم موافقتها للمصلحة، ومثل هذا في الخادم، أو الشؤم محمول على الكراهة التي سببها ما في الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع، ويؤيده ما ذكره في (شرح السنة) (١) كانه يقول: إن كان لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس لا يعجبه فليفارقها بأن ينتقل عن الدار، ويطلق المرأة، ويبيع الفرس حتى يزول عنه ما يجده من الكراهة.
٤٥٨٧ - [١٢] (أنس) قوله: (يا راشد، يا نجيح) ونحوها وذكرهما مثلًا.
стр. 4376
٤٥٨٨ - [١٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ، فَإِذَا بَعَثَ عَامِلًا سَأَلَ عَنِ اسْمِهِ، فَإِذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئِيَ كَرَاهِيةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَأَلَ عَنِ اسْمِهَا، فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ بِهِ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِك فِي وَجهه. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٠].
٤٥٨٩ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! إِنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كثُرَ فِيهَا عَدَدُنَا وَأَمْوَالُنَا فَتَحَوَّلْنَا إِلَى دَارٍ قَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا وَأَمْوَالُنَا. فَقَالَ (١) ﷺ : "ذَرُوهَا ذَمِيمَةً". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٤].
ــ
٤٥٨٨ - [١٣] (بريدة) قوله: (سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به) ومثل ذلك ما وقع في طريق المدينة عند هجرته ﷺ إليها حين لقيه بريدة الأسلمي، وقد أرسلته قريش لياخذ النبي ﷺ ، وشرطوا له على ذلك مئة إبل، فقال له: (ما اسمك؟ ) قال: بريدة، قال: (برد أمرنا)، ثم سأل: (ممن؟ ) قال: من أسلم؟ قال: (سلم لنا الأمر)، ثم قال: (من أي أسلم؟ ) قال: من بني سهم، قال: (أصبت سهمك)، فأسلم بريدة، الحديث (٢).
٤٥٨٩ - [١٤] (أنس) قوله: (ذروها ذميمة) لما وقع في أوهامهم الكراهة والوسواس أمرهم بالخروج عنها لئلا يقعوا في ورطة الشرك الخفي كما مر.
стр. 4377
٤٥٩٠ - [١٥] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! عِنْدَنَا أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا: أَبْيَنُ، وَهِيَ أَرْضُ رِيفِنَا وَمِيرَتِنَا، وَإِنَّ وَبَاءَهَا شَدِيدٌ. فَقَالَ: "دَعْهَا عَنْكَ فَإِنَّ مِنَ القَرَفِ التَّلَفَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٣].
ــ
٤٥٩٠ - [١٥] (يحيى بن عبد اللَّه) قوله: (ابن بحير) بفتح الموحدة وكسر المهملة على وزن فقير، و (فروة) بفتح الفاء وسكون الراء، (ابن مسيك) بالسين المهملة آخره الكاف بلفظ التصغير.
وقوله: (أبين) بلفظ اسم التفضيل من البيان اسم رجل ينسب إليه عدن، يقال: عدن أبين.
وقوله: (هي أرض ريفنا وميرتنا) الريف بكسر الراء وسكون الياء التحتانية: الزرع، والخضب، والميرة بكسر الميم وسكون الياء التحتانية: الطعام يجلب إلى الأهل، وفي رواية: (أرض ريعنا) بالعين.
وقوله: (فإن من القرف التلف) القرف بالقاف والراء المفتوحتين: ملابسة الداء ومداناة المرض، وفي (الصراح) (١): قرف بفتحتين: نزديك آمدن بيماري، وفي (القاموس) (٢): القرف: مقارفة الوباء والعدوى، ومن الأراضي: الْمَحَمَّةُ، وقيل: ليس هذا من العدوى، وإنما هو من باب الطب، فإن الهواء الصالح الموافق يعين على صلاح البدن وصحته، كذا قال الطيبي (٣)، ولعل الفارين من الوباء والطاعون يتمسكون
стр. 4378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بهذا الحديث؛ لأن الرجل شكا من الوباء في تلك الأرض، فقال له ﷺ : (دعها عنك فإن من القرف التلف)، ولكن التمسك لا يتم لأنه شكا وتشاءم بها، فرخص له ﷺ نظرًا إلى ضعف حاله وخوفًا من وقوعه في ورطة الشرك الخفي في خروجه منها، وترك السكونة فيها؛ لأن الوباء وقع فيها، وبعد الوقوع جوز الفرار والخروج منها، وإنما الكلام فيه، والوظيفة في البلاء قبل وقوعه الاحترازُ والاجتنابُ، وبعد وقوعه الصبر والرضا والتضرع والدعاء بدليل ورود الأحاديث الصحيحة المذكورة في الصحيحين وغيرهما بالمنع والنهي عن الفرار، والحث والترغيب على الصبر والثبات، والحكم بالشهادة على ذلك، وهذا الحديث في (سنن أبي داود)، ولا يصادم أحاديث الصحيحين، وقالوا: إن فروة بن مسيك لم يرو عنه إلا حديث أو حديثان، وذلك أيضًا من رجل مجهول لا يعرف اسمه، وقد اختلف في يحيى بن عبد اللَّه بن يحيى أنه ثقة أم لا.
وقد يفرق بين الوباء والطاعون، وإن كان الصواب المراد في هذا المقام هو البلاء الشائع والموت الشائع كما قال رسول اللَّه ﷺ لأبي ذر: (وإياك والفرار عن الزحف، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت) كما مر في أول الكتاب في (باب الكبائر)، وشبه في حديث عائشة الفرار عن الطاعون بالفرار عن الزحف، وبالجملة الفرار عنه منهي عنه ومعصية، وإن اعتقد أنه على تقدير الصبر يموت، وبالفرار ينجو كفر وإلا كان عاصيًا، وقياسه على الخروج من بيت وقع فيه زلزلة أو وقعت نار فاسد لورود النص على خلافه، وأيضًا الهلاك في صورة الزلزلة والنار غالب فهو من الأسباب العادية، وفي الوباء مشكوك وموهوم، فهو من الأسباب الوهمية، وإن قالوا: إن الصبر عزيمة وتوكل أو الخروج رخصة ومباح.
قلنا: التشبه بالزحف وورود الوعيد ينافيه، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
стр. 4379
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٥٩١ - [١٦] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا. [د: ٣٩١٢].
* * *
التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ظاهر في عدم الذهاب إلى مكان فيه الوباء لا في الثبات فيه، وقد وقع التصريح نصًا أن الحكم فيه عدم الخروج عن أرض وقع فيها، وعدم الذهاب إلى أرض وقع فيها، فإن قالوا: تقدير اللَّه شامل لكلا الصورتين؟ قلنا: هذا الكلام باطل وغير مسموع في مقابلة حكم الشرع، والشرع قد حكم وأمر ونهى، ولا مدخل للعقل فيه.
الفصل الثالث
٤٥٩١ - [١٦] (عروة بن عامر) قوله: (أحسنها الفأل) مبني على أن الطيرة كما مرّ في الفصل الأول: (خيرها الفأل).
وقوله: (ولا ترد) بلفظ نهي الغائب، أي: لا ينبغي أن ترد وترجع الطيرة المسلم عما قصده من موضع أو عمل.
وقوله: (فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات. . . إلخ)، وجاء في حديث آخر يقول: (لا خير اللهم إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك) (١).
стр. 4380
٢ - باب الكهانة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٥٩٢ - [١] عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَم قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ، قَالَ: "فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ" قَالَ: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ قَالَ: . . . . .
ــ
٢ - باب الكهانة
في (القاموس) (١): كهن له، كمنع ونصر وكرم، كهانة، بالفتح، فهو كاهن، وكُهَّانٌ وكَهَنةٌ جمعه، وحِرْفتُهُ: الكِهَانة بالكسر، وقال الكرماني (٢): بكسر الكاف وفتحها. وقال الشُّمُنِّي: كهن يكهن من باب نصر، وإذا أردت أنه صار كاهنًا، قلت: كهن بالضم، والكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، فمنهم من له تابع من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام أو فعل أو حال، ويخص باسم العراف وهو الذي يتعاطى مكان المسروق ومكان الضالة ونحوهما، وحديث: (من أتى كاهنًا) (٣) يشمل الكاهن والعراف والمنجم، قالوا: وينبغي للمحتسب منعهم وتأديبهم، وأن يؤدِّب الآخذَ والمعطي.
الفصل الأول
٤٥٩٢ - [١] (معاوية بن الحكم) قوله: (عن معاوية بن الحكم) بفتحتين.